Indexed OCR Text

Pages 41-60

.
جبة
توضأ ولم يُوصلِ الماء إلى كَعْبيه، فقال: ((ويلٌ للأعقاب مِنَ النّارِ))
وأمره بغَسلهما(١).
وكذا الآية مجمَلةٌ في مَسْحِ الرأس، تحتمِلُ إرادةَ الجميع كما قال
مالك، وتحتمل إرادةَ ما تناوله اسمُ المسح كما قاله الشافعي، وتحتمِلُ
إرادةَ بعضه، كما ذهب إليه أصحابنا، وهو قدر المسح(٢). وقد صحّ
= في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم
غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله وَله
يتوضأ. وقال: قال رسول الله وَله: ((أنتم الغُرُّ المحجَّلون ... )) إلخ.
(١) أخرجه دون قوله: ((وأمره بغسلهما)) مسلم من حديث أبي هريرة برقم
(٢٤٢) (٢٨): أن النبي وَ لّ رأى رجلاً لم يغسل عقبيه، فقال: ((ويلٌ للأعقاب
من النار)) .
وأخرج المرفوع منه دون القصة البخاري (١٦٥)، وابن ماجه (٤٥٣)،
والترمذي (٤١)، والنسائي ٧٧/١. وانظر ((المسند)) (٧١٢٢).
وأخرج البخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١)، وأبو داود (٩٧)، وابن ماجه
(٤٥١)، والنسائي ١/ ٧٧ -٧٨، وأحمد في ((المسند)) (٦٨٠٩) من حديث عبد الله
ابن عمرو قال: تخلف عنا النبي وَ لّ في سفرة سافرناها، فأدرَكَنا وقد أرهقتنا
الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: ((ويل
للأعقاب من النار)) مرتين أو ثلاثاً.
وقال ابن قطلوبغا في ((تخريج أحاديث الاختيار)) ص٣ تعليقاً على قوله:
وأمره بغسلهما: إن كان المراد الكعبين، فلم أقف عليه .
(٢) قوله: ((وهو قدر المسح)) سقط من (س)، وأثبتناه من (م).
٤١

وسُنَنُ الوُضُوءِ: غَسْلُ اليدَينِ إلى الرُّسْغَيْنِ ثلاثاً قَبلَ إدخالِهِما في الإناءِ
لِمَنِ استیقَظَ مِن نَومِه،
أن النبي ◌َّ توضأ فمسح بناصيته(١). فكان بياناً للآية، وحجةً عليهما.
والمختارُ في مقدار الناصِية ما ذُكِرَ في الكتاب وهو الرُّبُعُ، ولا يزيدُ
على مرة واحدةٍ، لأن بالتكرار يصير غَسلاً، والمأمور به المسحُ.
قال: (وسُنَنُ الوُضُوءِ: غَسْلُ اليدَينِ إلى الرُّسْغَينِ ثلاثاً قَبلَ
إدخالِهِما في الإناءِ لِمَنِ استيقَظَ مِن نَومِه) لحديث المستيقظ (٢).
ثم قيل: إن كان الإناء صغيراً يرفعُه بيده اليسرى فيصبُّ على
اليمنى، ثم باليمنى فيصبُّ على اليسرى، لتقع البدايةُ باليُمنى، كما هو
السنة(٣)، وإن كان الإناءُ كبيراً يُدخِلُ أصابعَ يده اليُسرى مضمومةً دون
(١) أخرجه من حديث المغيرة بن شعبة مسلم (٢٧٤) (٨١)، وأبو داود
(١٥٠)، والنسائي ٧٦/١، وهو في ((المسند)) (١٨١٣٤). وانظر تمام تخريجه
فيه .
(٢) وهو حديث: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يُدخل يده في
الإناء ... )) أخرجه البخاري (١٦٢)، ومسلم (١٢٧٨)، وأبو داود (١٠٣)
و(١٠٤) و(١٠٥)، وابن ماجه (٣٩٣)، والترمذي (٢٤)، والنسائي ٦/١ -٧،
وهو في ((المسند)) (٧٢٨٢)، و((صحيح ابن حبان)) (١٠٦٣) و(١٠٦٤). وانظر
تتمة تخريجه وأحاديث الباب فى ((المسند)).
(٣) أخرج البخاري (٤٢٦)، ومسلم (٢٦٨) من حديث عائشة قالت: كان
النبي ◌َلا يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله. وهو في
((المسند)) (٢٤٦٢٧)، و((صحيح ابن حبان)) (١٠٩١).
٤٢

وتَسْمِیةُ الله تعالى في ابتدائِه،
الكَفّ، ويأخذ الماء، فيغسل يديه لوقوع الكفاية بذلك، ولا يكفي
بدون ذلك في العادة.
قال: (وتَسْمِيةُ الله تعالى في ابتدائِهِ) لِمواظبته بَّهِ عليها. وقال
عليه السلام: ((من توضأ وذَكَر اسم الله تعالى كان طَهوراً لجميع بدنِهِ،
ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طَهوراً لما أصاب الماءُ))(١).
(١) أخرجه بنحوه الدارقطني (٢٣١)، والبيهقي ٤٤/١ من حديث ابن
مسعود، وفي إسناده يحيى بن هاشم السمسار وهو متروك الحديث.
وأخرجه بنحوه أيضاً الدارقطني (٢٣٢)، والبيهقي ٤٥/١ من حديث أبي
هريرة، وفي سنده مرداس بن محمد بن عبد الله، قال الذهبي: مرداس بن محمد
ابن عبد الله، عن محمد بن أبان الواسطي: لا أعرفه، وخبره منكر في التسمية
على الوضوء، ومحمد بن أبان هو الواسطي محدث شهير .. فيه مقال، قال
الأزدي: ليس بذاك، وقال ابن حبان في ((الثقات)): ربما أخطأ.
وأخرجه الدارقطني (٢٣٣)، والبيهقي ٤٤/١ من حديث ابن عمر، قال
البيهقي: وهذا أيضاً ضعيف، أبو بكر الداهري - أحد رواته - غير ثقة عند أهل
العلم بالحديث. وقال ابن حجر في ((التلخيص)) ٧٦/١: وهو متروك.
وانظر حديث أبي هريرة في ((المسند)) (٩٤١٨) ولفظه: ((لا صلاة لمن لا
وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)) وإسناده ضعيف. وانظر تمام
تخريجه وبیان شواهده هناك.
ونقل الحافظ ابن حجر في ((أمالي الأذكار)) ١/ ٢٣٧ عن ابن الصلاح أنه
قال: ثبت بمجموعها (أي أحاديث البسملة في أول الوضوء) ما يثبت به الحديث
الحسن.
٤٣

والسِّوَاكُ، والمَضْمَضَةُ، والاستنشاقُ؛ ثاً ثلاثاً، ومَسْحُ جَميعِ الرَّأْسِ
والأُذُنَينِ بمَاءٍ واحِدٍ (ف)،
قال: (والسِّوَاكُ) لأنه وَُّ واظَبَ عليه وقال: ((أوصاني خليلي
جبريلُ بالسّواك))(١). قالوا: والأصح أنه مستحب.
قال: (والمَضْمَضَةُ والاستنشاقُ ثلاثاً ثلاثاً) يأخذ لكل مرة ماءً
جديداً، لمواظبته وسل و على ذلك كذلك.
قال: (ومَسْحُ جَميعِ الرَّأسِ والأذُنَينِ بمَاءٍ واحِدٍ) لما روي: أنه وَه
توضأ ومَسَح بجميع رأسه(٢). وقد تقدم أنه مَسَح بناصيته، فيكون
(١) أخرجه من حديث أبي أمامة ابن ماجه (٢٨٩)، وهو في ((المسند))
(٢٢٢٦٩) ولفظه: ((ما جاءني جبريل عليه السلام قط إلّ أمرني بالسواك، لقد
خشيت أن أُحفي مُقَدَّمَ فِيَّ)). وإسناده ضعيف. عبيد الله بن زحر - وهو الإفريقي -
أحد رواته، وعلي بن يزيد الألهاني، ضعيفان. وانظر تمام تخريجه والتعليق عليه
وأحاديث الباب في ((المسند)).
وفي باب فضل السواك عن أبي هريرة، أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٧٣٣٩)،
ولفظه: «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتُهم بالسواك عند كل صلاة، وتأخير
العشاء)). وإسناده صحيح. وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) لم نجده بهذا اللفظ، وأخرجه بمعناه من حديث عبد الله بن زيد
البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥)، وفيه :... ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما
وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ
منه ثم غسل رجليه. وهو في «المسند» (١٦٤٣١) وانظر تمام تخريجه فيه.
وانظر حديث الرُّبيِّع بنت معوذ عند أحمد في ((مسنده» (٢٧٠١٥). وانظر
تمام تخريجه فيه.
٤٤

وتَخْلِيلُ اللِّحْیةِ
فرضاً، ويكون مسحُ الجميع سُنَّة. وقال عليه السلام: ((الأذنان من
الرأس))(١)، والمراد بيان الحُكْم دون الخِلقة.
قال: (وتَخْلِيلُ اللِّحْيةِ) لما روي: أنه ◌َ ل﴿ كان إذا توضأ شبَّك أصابعه
في لحيته كأنها أسنان المِشْط(٢). وقيل: هو سنة عند أبي يوسف، جائز
(١) أخرجه من حديث أبي أمامة أبو داود (١٣٤)، وابن ماجه (٤٤٤)،
والترمذي (٣٧)، وهو في ((المسند)) (٢٢٢٢٣). وهو حديث ضعيف، وانظر
تتمة تخريجه وأحاديث الباب فيه. وهذه الأحاديث لا يصح منها شيءٌ مرفوعاً،
فأسانيدها لا يخلو واحد منها من مقال، فهي إما ضعيفة بضعف رواتها، أو
معلولة بانقطاع وغيره. وقد بسط الكلام في تبيين ضعفها وتعليلها بما لا مزيد
عليه الدارقطني في ((سننه))، لكن قد ثبت موقوفاً عند غير واحد من الصحابة،
انظر ((سنن)) الدار قطني (٣٢١-٣٦٨)، و((نصب الراية)) ١٨/١ - ٢٠، و((التلخيص
الحبير)) ١/ ٩١- ٩٢.
(٢) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) ٣٩٤/١ من حديث جابر بن عبد الله
قال: وضأت النبي وَّل غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع، فرأيته يخلل لحيته
بأصابعه كأنها أنياب مشط. قال ابن عدي: وأصرم بن غياث - أحد رواته - هذا له
أحاديث عن مقاتل - وهو راويه عنه - مناكير كما قاله البخاري والنسائي وهو إلى
الضعف أقرب منه إلى الصدق، ولیس لہ کبیرُ حدیث.
وأخرج مشروعية تخليل اللحية ابن ماجه (٤٣٠)، والترمذي (٣١)، وابن
خزيمة (١٥١) و(١٥٢) من حديث عثمان بن عفان، وهو عند ابن حبان في
(صحيحه)) (١٠٨١)، وهو حديث صحيح لغيره. ونقل الترمذي في ((العلل
الكبير» ١١٥/١ عن البخاري قوله: أصح شيء عندي في التخليل حديث
عثمان، قلت: إنهم يتكلمون في هذا الحديث، فقال: هو حسن.
=
٤٥

والأصابعِ،
عندهما، لأن السنة إكمال الفَرْض في مَحَلُّه، وباطنُ اللحية لم يَبْقَ
محلاً للفرض.
قال: (و) تخليلُ (الأصَابِعِ) لأنه إكمالُ الفرض في محَلِّه، ولقوله
وَاليه: ((خلِّلوا أصابعكم قبل أن تتخلَّلها نار جهنم))(١).
وأخرجه من حديث عمار بن ياسر ابن ماجه (٤٢٩)، والترمذي (٢٩)
=
و(٣٠). وإسناده ضعيف لضعف عبد الكريم بن أبي المخارق.
وأخرجه من حديث أنس ابن ماجه (٤٣١). وإسناده ضعيف لضعف يحيى
بن كثير وشيخه يزيد الرقاشي. وهو عند أبي داود (١٤٥) وفي إسناده الوليد بن
زوران، لین الحدیث.
وعن عائشة أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢٥٩٧٠) وإسناده ضعيف، طلحة
ابن عبيد الله بن كريز الخزاعي لم يذكروا له سماعاً من عائشة. وانظر تتمة
تخریجه وأحاديث الباب فيه.
(١) أخرجه الدارقطني (٣١٨) من حديث أبي هريرة، و(٣١٧) من حديث
عائشة. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) ١/ ٢٦: في الأول (أي: حديث أبي هريرة)
يحيى بن ميمون التمار، قال ابن أبي حاتم: قال عمرو بن علي: كان يحيى بن
ميمون كذاباً حدث عن علي بن زيد بأحاديث موضوعة، وفي الثاني (أي: حديث
عائشة): عمر بن قيس، ولقبه: سندل، قال فيه أحمد، وعمرو بن علي، وابن
أبي حاتم: متروك.
وفي باب تخليل الأصابع عند الوضوء عن لقيط بن صبرة بإسناد صحيح عند
أحمد في ((مسنده)) (١٦٣٨٠) - وهو في ((السنن)) وغيره - وانظر تمام تخريجه
والتعليق عليه فيه .
٤٦

وتَثْلِيثُ الغَسلِ.
قال: (وتَثْلِيثُ الغَسل) فالواحدةُ فرض، والثالثة سنّة، والثانية
دونها في الفضيلة؛ وقيل: الثانية سُنّة، والثالثة إكمال السُّنة، وأصله
الحديث المشهور: أنه عليه السلام توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: «هذا وُضوئي
ووُضوءُ الأنبياء من قبلي))(١). وما روي أن عثمان بن عفان رضي الله
عنه توضأ بالمَقاعد(٢) فغَسَل وجهه ثلاثاً، ويديه ثلاثاً، ومَسَح برأسه
مرةً واحدة، وغَسَل رِجْليه ثلاثاً، وقال: هكذا توضأ رسول الله وَلَّ(٣).
(١) أخرجه ابن ماجه من حديث أبي بن كعب برقم (٤٢٠) وفيه ... ثم
قال: ((هذا وُضوءٌ مَن توضَّأه، أعطاه الله كِفْلَيْن من الأجر)) ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً،
فقال: «هذا وُضوئي ووُضوء المرسلین من قبلي» وإسناده ضعيف لضعف زید بن
الحواري وهو العمي أحد رواته.
وأخرج ابن ماجه (٤١٩) أيضاً من حديث ابن عمر: أن النبي وَ لّ توضأ ثلاثاً
ثلاثاً، وقال: «هذا أسبغ الوضوء، وهو وضوئي ووضوء خليل الله إبراهيم ... ))
إلخ. وإسناده ضعيف جداً، في سنده زيد العمي وهو ضعيف، وابنه عبد الرحيم
متروك. ومعاوية بن قرة راويه عن ابن عمر لم يلقه، قاله ابن أبي حاتم في ((العلل)).
وفي باب وضوء النبي ◌َّ ثلاثاً ثلاثاً .. انظر حديث عبد الله بن عمرو في
((المسند)) (٦٦٨٤). وانظر تمام تخريجه وشواهده فیه. وهو حديث صحيح.
(٢) قال النووي: هي دكاكين عند دار عثمان بن عفان، وقيل: درج،
وقيل: موضع بقرب المسجد، اتخذه للقعود فيه لقضاء حوائج الناس والوضوء
ونحو ذلك.
(٣) أخرجه البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦)، وهو في ((المسند)) (٤١٨).
وانظر تمام تخريجه فيه.
٤٧

ويُستَحَبُّ في الوُضوءِ النِّيَّةُ (ف) والتَّرتِيبُ [والتَّيَامُنُ] ومَسْحُ الرَّقَبَةِ.
قال: (ويُستحب في الوضوء النيةُ والترتيب) ليقع قربةً، وليَخرُج
من عُهْدة الفَرْض بالإجماع، وكذا تُستحب الموالاة: وهو أن لا يشتغل
بين أفعال الوضوء بغيرها، وليس ذلك بفرض، لقوله تعالى: ﴿إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ﴾ الآية [المائدة: ٦]، من غير اشتراطهما،
ولأنه ذُكر بحرف الواو، وإنها للجَمْع بإجماع أئمة النحو واللغة نقلاً
عن السِّيرافي، والزيادة على النص نَسْخٌ، ولا يجوز نسخ الكتاب بالخَبَر
لأنه راجح. وقيل: إنهما سنّتان، وهو الأصح، لمواظبته بَلّ عليهما.
[(والتَّيامُنُ) لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله يحبُّ التيامن في
كلِّ شيء، حتى التنعل والترجل))](١) .
(ومَسْحُ الرَّقَبةِ) قيل: سُنة، وقيل: مستحب.
ويُكره أن يستعينَ في وضوئه بغيره إلا عند العَجْزِ(٢)، ليكون أعظمَ
لثَوابه، وأخلَصَ لعبادته.
(١) ما بين الحاصرتين ليس في الأصلين الخطيين اللذين اعتمدناهما في
تحقيق هذا الكتاب، وأثبتناه من مطبوعة أبي دقيقة. والتيامن معروف أنه من سنن
الوضوء عند الأحناف، انظر ((رد المحتار على الدر المختار)) لابن عابدين
٢٤٧/١.
(٢) تُحمل الكراهة هنا على التنزيه، والأولى عدم الكراهة مطلقاً، لأن
النبي ◌َّل قد فعل ذلك من غير عجزٍ كما في حديث المغيرة بن شعبة عند
البخاري (١٨٢) ومسلم (٢٧٤)، وحديث أسامة عند البخاري (١٨١) ومسلم
(١٢٨٠).
٤٨

فصل
وينقُضُ الوضوءَ كُلُّ ما خَرَجَ منَ السَّبيلينِ ومن غيرِ (ف) السَّبيلينِ إِنْ
كان نَجِساً، .
ويصلي بوضوءٍ واحدٍ ما شاء مِنَ الفرائض والنوافل، لأنه نَّه
صلَّى يومَ الخندق أربع صلوات بوضوءٍ واحد(١).
فصل
(وينقُضُ الوضوءَ كُلُّ ما خَرَجَ مِنَ السَّبيلينِ ومن غيرِ السَّبيلينِ إِنْ
كان نَجِساً) لقوله تعالى: ﴿أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾ [المائدة: ٦].
والغائط حقيقةً: المكانُ المطمئنُّ، وليست حقيقتُه مرادةً، فيجعل
مجازاً عن الأمر المُخرِج إلى المكانِ المطمئنِّ، وهذه الأشياء تُحوج
إليه لتُفْعَلَ فيه تستراً عن الناس على ما عليه العادةُ.
وقال عليه السلام: ((الوضوءُ مِن كلِّ دم سائل))(٢)، وقال عليه
(١) أخرجه من حديث بريدة مسلم (٢٧٧)، وهو في ((المسند)) (٢٢٩٦٦)،
و((صحيح ابن حبان)) (١٧٠٦) و(١٧٠٧).
(٢) أخرجه الدار قطني (٥٨١) من حديث تميم الداري. وسنده ضعيف.
وأخرجه الدار قطني أيضاً (٥٨٢) و(٥٨٣) من حديث أبي هريرة. وسنده
ضعيف أيضاً.
وأخرجه ابن عدي في ((الكامل)) ١/ ١٩٣ و٥٠٩/٢ من حديث زيد بن ثابت
في ترجمة أحمد بن الفرج وبقية بن الوليد. وضعفه. وانظر الزيلعي في ((نصب
الراية)) ١ / ٣٧.
٤٩

السلام: ((من قاء أو رَعَّفَ في صلاته، فلينصَرِفْ، وليتوضأ))(١)
(١) ضعيف، أخرجه من حديث عائشة ابن ماجه (١٢٢١)، والدار قطني
(٥٦٣)، والبيهقي ١ / ١٤٢ من طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن
أبي مليكة، عن عائشة. فذكره، وقد أعله غير واحد من أهل العلم بأنه من رواية
إسماعيل بن عياش عن ابن جريج الحجازي، وروايته عن غير أهل بلده ضعيفة .
وقد خالفه الحفاظُ من أصحاب ابن جريج فرووه عنه عن أبيه عن النبي ◌َّ-
مرسلاً. وقد صحح لهذه الطريق المرسلة محمد بن يحيى الذهلي، والدارقطني
في ((العلل))، وأبو حاتم، وقال: رواية إسماعيل خطأ. قلنا: والرواية المرسلة
هذه فيها عبد العزیز والد ابن جريج وفيه كلام.
وقد صحَّ عن غير واحدٍ من الصحابة:
عند ابن أبي شيبة ١٩٥/١، والدارقطني (٥٧٥) من قول علي وإسناده
حسن، ولفظه: إذا وجد أحدكم في بطنه رِزّاً أو قيئاً أو رعافاً فلينصرف فليتوضأ
ثم ليين على صلاته ما لم يتكلم. وعند عبد الرزاق من قوله أيضاً (٣٦٠٧)
وإسناده صحيح.
وعند عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣٦٠٩) و(٣٦١٠) عن ابن عمر ولفظه: إذا
رعف الرجل في الصلاة، أو ذرعه القيءُ، أو وجد مذياً، فإنه ينصرف، ويتوضأ،
ثم يرجع فيتم ما بقي على ما مضى، ما لم يتكلم. وإسناده صحيح.
وعند عبد الرزاق أيضاً (٣٦١٤) من قول سعيد بن المسيب يقول: إن
رعفت في الصلاة فاشدُدْ مَنْخِرَك، وَصَلِّ كما أنت، فإن خرج شيء من الدم
فتوضأ، ثم لا تتكلم حتى تبنيَ على ما مضى. وإسناده صحيح.
وروى ابن أبي شيبة ١٩٥/٢، وعبد الرزاق (٣٦٠٨)، وابن المنذر في
((الأوسط)) عن سفيان عن عمران بن ظبيان عن حُكيم بن سعد أبي تِحْيَى عن
سلمان بنحو حديث علي .

والقَيءُ مِلْءَ (ز) الفَمِ،
الحديث، وقال عليه السلام: ((يُعَادُ الوضوءُ مِن سَبْع)) وعدَّ فيها: القَيء
مِلْءَ الفم، والدَّم السائل، والقَهْقَهة، والنوم (١).
ويُشترط السَّيلان في الخارج من غير السبيلين، لأن تحت كلِّ
جِلدةٍ دماً ورُطوبة، فما لم يَسِل يكون بادياً لا خارجاً، بخلاف
السبيلين، لأنه متى ظهر يكون منتقلاً فيكون خارجاً.
قال: (والقَيءُ مِلْءَ الفَم) لما تقدم، وهو أن لا يُمكنه إمساكُه إلا
بمشقّة، وإن قاء قليلاً قليلاً، ولو جُمِعَ كان ملءَ الفم، فأبو يوسف اعتبر
اتحادَ المجلس، لأنه جامِعٌ للمتفرقات على ما عُرِفَ كما في سجدة
التلاوة وغيره، ومُحمدٌ اعتَبَر اتحاد السبب، وهو الغثيان، لأنه دليلٌ على
اتحاده، وعند زُفَر: يَنقُضُ القليلُ أيضاً كالخارج من السبيلينٍ، وقد مرَّ
جوابُه. ولا ينقُضُ إذا قاء بَلْغَماً وإن مَلأَ الفم، وقال أبو يوسف: إن
قال في ((المغني)) ٢٤٧/١: الخارج من البدن غير السبيل ينقسم قسمين:
طاهراً ونجساً، فالطاهر: لا ينقض الوضوءَ على حال ما، والنجس ينقض الوضوء
في الجملة روايةً واحدة، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب
وعلقمة وعطاء وقتادة والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي. وكان مالك وربيعة
والشافعي وأبو ثور وابن المنذر لا يوجبون منه وضوءاً.
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة البيهقي في ((الخلافيات)) (٦٥٨)،
وضعَّفه الزيلعي في ((نصب الراية)) ٤٤/١، فقال: إن فيه سهل بن عفان،
والجارود بن يزيد، وهما ضعيفان. وقال ابن حجر في ((الدراية)) ٣٣/١: وإسناده
واه جداً .
41-1 -**
٥١

وإنْ قاءَ دَماً أو قَيْحاً نَقَضَ وإن لم يَملأ الفَمَ (م)، وإذا اختَلَطَ الدَّمُ بالبُصَاقِ إن
غَلَبَه نَقَضَ،
كان من الجَوف نَقَضَ، لأنها محلُّ النجاسة، فأشبه الصفراء، قلنا:
البَلْغَم طاهر، لأنه وَِّ كان يأخذه بطَرَف ردائه وهو في الصلاة(١)،
ولهذا لا ينقُض النازلُ مِن الرأس بالإجماع، وهو لِلُزوجَتِهِ لا تتداخلُه
النجاسةُ، بقي ما يجاوره من النجاسة وهو قليل، والقليل غيرُ ناقضٍ،
بخلافِ الصفراء فإنها تمازجها .
(وإنْ قاءَ دَماً أو قَيْحاً نَقَضَ وإن لم يَملأ الفَمَ) وقال مُحمد: لا
ينقُضُ ما لم يملأ الفم، كغيره من الأخلاط. قلنا: المَعِدة ليست مَحلّ
للدم، والقيح إنما يَسيل إليها من قُرْحةٍ أو جُرْح، فإذا خرج فقد سال
من موضعه فينقض، حتى لو قاء عَلَقاً لا ينقض ما لم يملأ الفم، لأنه
يكون في المعدة، هكذا روى الحَسنُ عن أبي حنيفة.
(وإذا اختَلَطَ الدَّمُ بالبُصَاقِ إن غَلَبَه نَقَضَ) حكماً للغالب، وكذا إذا
تساويا احتياطاً، وإن غَلَب البُصاق لا، لأن القليل مستهلك في الكثير
فيصير عَدَماً.
(١) أخرجه البخاري (٤٠٥) من حديث أنس ولفظه: أن النبي بَلّ رأى
نُخامة في القبلة، فشق ذلك عليه، حتى رئي في وجهه، فقام فحکه بيده فقال:
((إن أحدكم إذا قام في صلاته، فإنه يناجي ربه، أو: إن ربه بينه وبين القبلة، فلا
يبزقن أحدكم قِبلَ قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدميه)). ثم أخذ طرف ردائِه،
فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض، فقال: ((أو يفعل هكذا)).
٥٢

٣٣٩٠٠
ويَنْقُضُه النَّومُ مُضْطَجِعاً، وكذلكَ المُتَّكِئُ والمُستَنِدُ، والإغماءُ والجُنونُ،
والنَّومُ قائِماً (ف) وراكِعاً (ف) وساجِداً (ف) وقاعِداً (ف)
قال: (ويَنقُضُهُ النَّومُ مُضْطَجِعاً) لما روينا، (وكذلكَ المُتَّكئُّ
والمُستَنِدُ) لأنه مثله في المعنى. قال عليه السلامُ: ((العينُ وِكَاءُ السَّهِ،
فإذا نامت العين انحلَّ الوِكَاءُ))(١).
قال: (والإغماءُ والجُنونُ) لأنهما أبلغُ في إزالة المُسْكَةِ من النوم،
لأن النائمَ يستيقِظُ بالإنباه، والمجنون والمُغمَی علیه لا .
قال: (والنَّومُ قائِماً وراكِعاً وساِداً وقاعِداً) لا يَنْقُضُ لقوله عليه
السلام: ((لا وُضوءَ على مَنْ نام قاعداً أو قائماً أو راكعاً أو ساجداً، إنما
الوضوءُ على من نام مضطجعاً))(٢).
(١) أخرجه من حديث معاوية بن أبي سفيان أحمد في ((مسنده)) (١٦٨٧٩)،
ولفظه: ((إن العينين وكاء السَّه، فإذا نامت العينان، استطلق الوكاء))، وإسناده
ضعيف لضعف أبي بكر بن أبي مريم.
وأخرجه من حديث علي رضي الله عنه أبو داود (٢٠٣)، وابن ماجه
(٤٧٧)، وهو في ((المسند)) (٨٤٥)، ولفظه: ((إن السّه وكاء العين، فمن نام
فليتوضأ)). وإسناده ضعيف أيضاً، فيه بقية بن الوليد وهو مدلس تدليس التسوية،
وهو أشد أنواعه فيشترط فيه التصريح بالسماع في جميع طبقات السند ولم
يصرح، والوضين بن عطاء مختلف فيه، وعبد الرحمن بن عائذ لم يسمع من علي
فهو مرسل. وانظره في ((المسند)).
(٢) أخرجه البيهقي ١/ ١٢١ من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((لا يجب
الوضوء على من نام جالساً أو قائماً أو ساجداً حتى يضع جنبه، فإنه إذا وضع
جنبه استرخت مفاصله)).
=
٥٣

ومَسُّ المرأة لا ينقُضُ الوضُوءَ،
وقال: (ومَسُّ المرأة لا ينقُضُ الوضُوءَ) لرواية عائشة: أن النبيَّ وَل
قَبَّل بعضَ نسائِه، ثم صلّى ولم يتوضأ(١)، والآية متعارضة التأويل، فإن
ابنَ عباس قال: المُرادُ باللّمس: الجماع(٢)، وقد تأكد بفعل النبيّ وَله .
وأخرجه أبو داود (٢٠٢)، والترمذي (٧٧)، وغيرهم، وهو في ((المسند))
(٢٣١٥)، ولفظه ((ليس على من نام ساجداً وضوء حتى يضطجع، فإنه إذا
اضطجع استرخت مفاصله))، وإسناده ضعيف، يزيد بن عبد الرحمن وهو أبو
خالد الدالاني مختلف فيه، قال أحمد وابن معين والنسائي: ليس به بأس، وقال
أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال أبو أحمد الحاكم: لا يتابع في بعض حديثه، وقال
ابن سعد: منكر الحديث، وقال ابن عبد البر: ليس بحجة، وقال ابن حبان في
((الضعفاء)): كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، خالف الثقات في الروايات حتى إذا
سمعها المبتدي في هذه الصناعة، علم أنها معمولة ومقلوبة لا يجوز الاحتجاج
به إذا وافق، فکیف إذا انفرد. قال أبو داود: هو حدیث منکر لم يروه إلا یزید أبو
خالد الدالاني عن قتادة، وقال أيضاً: وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن
حنبل، فانتهرني استعظاماً له، وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب
قتادة! ولم يعبأ بالحديث.
وأخرج البيهقي في «سننه)) ١/ ١٢٢-١٢٣ عن أبي هريرة موقوفاً: ليس على
المحتبي النائم ولا على القائم النائم ولا على الساجد النائم وضوء حتى
يضطجع، فإذا اضطجع توضأ. وفي سنده لِينٌ.
(١) حديث صحيح، وأخرجه أبو داود (١٧٨) و(١٧٩)، وابن ماجه
(٥٠٢)، والترمذي (٨٦)، والنسائي ١٠٤/١، وهو في ((المسند)) (٢٤٣٢٩)
و(٢٥٧٦٦) و(٢٥٧٦٧). وانظر تمام تخريجه والتعليق عليه فيه .
(٢) أخرجه الطبري في ((التفسير)) ٥/ ١٠٢ عند الآية ٤٣ من سورة النساء،
وسنده صحيح.
٥٤

وكذا مسنُّ الذَّكَرِ (ف) والقَهْقَهَةُ في الصَّلاةِ تنقُضُه (ف).
(وكذا مسُّ الذَّكَرِ) لقوله عليه السلام لطَلْق بنِ علي حينَ سأله: هل
في مَسِّ الذكر وضوء؟ قال: ((لا، هل هو إلا بَضْعَةٌ منك))(١) نَفَى
الوضوء، ونبّه على العِلة. وما رُوي ((مَن مسَّ ذكَرَه فليتوضأ)) طَعَن فيه
يحيى بنُ مَعين وغيره من أئمة الحديث(٢).
قال: (والقَهْقَهَةُ في الصَّلاةِ تنقُضُه) لما روينا، ولقوله عليه
السلام: ((من ضَحِك منكم قهقهةً، فليُعِد الصلاة والوضوء
(١) حديث حسن، وأخرجه أبو داود (١٨٢) و(١٨٣)، وابن ماجه
(٤٨٣)، والترمذي (٨٥)، والنسائي ١/ ١٠١، وهو في ((المسند)) (١٦٢٨٦)
و(١٦٢٩٢)، و((صحيح ابن حبان)) (١١١٩). وانظر تمام تخريجه فيهما.
(٢) بل هو حديث صحيح فقد صححه الإمام أحمد والترمذي والدارقطني،
أخرجه من حديث بسرة أبو داود (١٨١)، وابن ماجه (٤٧٩)، والترمذي (٨٢)
و(٨٤)، والنسائي ١٠٠/١-١٠١ و٢١٦، وهو في ((المسند)) (٢٧٢٩٣)،
وصححه ابن حبان برقم (١١١٢).
والجمع بين لهذا الحديث، وحديث طلق السالف ممكن بأن يحمل الأمر
بالوضوء في حديث بسرة على الندب لوجود الصارف عن الوجوب في حديث
طلق كما هو مذهب الحنفية، وجاء في ((صحيح)) ابن خزيمة ٢٢/١: باب
استحباب الوضوء من مس الذكر، وذكر الحديث، ثم أسند عن الإمام مالك
قوله: أرى الوضوء من مس الذكر استحباباً ولا أوجبه. وانظر ((نصب الراية))
٦٣/١، و((البناية شرح الهداية)) ٢٣٥/١ -٢٤٣.
وأخرجه من حديث عبد الله بن عمرو، أحمد في ((مسنده)) (٧٠٧٦) وإسناده
حسن، وانظر تتمة تخريجه وشواهده فيه.
٥٥

فصل
فَرْض الغُسلِ: المَضْمَضَةُ (ف) والاستِنشاقُ (ف) وغَسْلُ جَميعِ البَدَن.
جميعاً))(١) وأنه ورد في صلاةٍ كاملةٍ فيقتصر عليها لوروده على خِلاف
القياس، حتى لو ضحك في صلاة الجنازة وسَجْدة التلاوة لا يَنقُض
الوضوء. والقَهْقَهة: أن يَسمعها جارُه، وحكمها: انتقاض الوضوء
والصلاة جميعاً، والضحك أن يَسمعه هو لا غيرُه، قالوا: ويُبطل
الصلاةَ لا غير، والتبُّم: ما لا يسمعه هو، ولا حُكْم له.
وإن شكّ في بعض وضوئه، فإن كان أولَ شكِّه أعاد، لأنه تيقَّن
بالحدث وشكَّ في زواله، وإن كان يَحدُثُ له كثيراً لم يُعِدْ دفعاً للحرج،
ومَن أيقَنَ بالحدث وشك في الطهارة أو بالعكس أخذ باليقين.
فصل
(فَرْض الغُسلِ: المَضْمَضَةُ والاستِنشاقُ وغَسْلُ جَميع البَدَن)
والفرق بينه وبين الوضوء أنه مأمور بغَسْلِ الوجه في الوضوء،
والمواجهة لا تقعُ بباطن الأنف والفَم، وفي الغُسل مأمور بتطهير جميع
(١) فيه أحاديث مسندة ومرسلة، أما المسندة فرويت من حديث أبي موسى
الأشعري، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله،
وعمران بن الحصين، وأبي المليح، وهي ضعيفة كلها، أوردها الإمام الزيلعي
في («نصب الراية)) ١/ ٤٧ - ٥٠ وأبان عن عللها .
وأما المراسيل فأشهرها مرسل أبي العالية، والثاني مرسل معبد الجهني،
والثالث مرسل إبراهيم النخعي، والرابع مرسل الحسن. وهي مخرجة في ((نصب
الراية)) ١ / ٥٠-٥٣، و((سنن الدار قطني)) ٢٩٥/١-٣٢٢ ط مؤسسة الرسالة.
٥٦

ج
البدن. قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة: ٦]، فيجب
غَسْلُ جميع ما يمكن غَسلُه مِن البدن إلا باطنَ العين على ما مَرّ،
بخلافٍ باطِن الأنف والفم حيث يُمكن غسلهما، ولا ضَرَرَ فيه،
فيجب، وقد تأكد ذلك بقوله عليه السلام: «تحتَ كلِّ شعرةٍ جنابة، ألا
فبُلُّوا الشعر وأنْقُوا البَشَرة))(١)، ويجبُ إيصالُ الماء إلى أصول الشَّعر
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة أبو داود (٢٤٨)، وابن ماجه (٥٩٧)،
والترمذي (١٠٦). وإسناده ضعيف لضعف الحارث بن وجيه، وقال أبو داود:
الحارث بن وجیه حدیثه منکر، وهو ضعيف.
50
سمير
وأخرجه بنحوه ابن ماجه (٥٩٨) من حديث أبي أيوب، وإسناده ضعيف.
وأخرجه من حديث علي بن أبي طالب أبو داود (٢٤٩)، وابن ماجه (٥٩٩)
وأحمد (٧٢٧)، وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط بأخرة، وعامة من رفع عنه
هذا الحديث فإنما رواه عنه بعد اختلاطه، ومما يؤيد ذلك أن علي بن المديني
ذكر عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: ما حدث سفيان وشعبة عن عطاء بن
السائب صحيح، إلا حديثين كان شعبة يقول: سمعتهما منه بأخرة عن زاذان.
قلنا: أحد هذين الحديثين حديثنا هذا، فقد أخرجه الحافظ ابن المظفر البزاز في
((غرائب شعبة)) ورقة ٢٦ - فيما أفاده محقق ((الكواكب النّرات)) ص٣٣٠ - من
طريق شعبة، عن عطاء، عن زاذان، عن علي، به مرفوعاً.
وقد روى لهذا الحديث عن عطاء بن السائب حماد بن زيد، فوقفه على عليّ
رضي الله عنه كما في ((علل الدار قطني)) ٢٠٨/٣، وحماد بن زيد ممن اتفقوا على
أنه سمع من عطاء قبل اختلاطه، وبذلك بان خطأ الألباني في ((ضعيفته)) (٩٣٠)
حيث جعل علة الحديث ضعف أبي الحسن بن الجندي صاحب ((الفوائد الحسان
الغرائب)» الذي أخرجه من طريق شعبة، وخطأ محقق ((خلاصة الأحكام)) للنووي=
٢
٥٧

وسُنَنْه: أن يَغْسِلَ يَدَيْهِ وفَرْجَه، ويُزِيلَ النَّجاسَةَ عن بَدِنِهِ، ثم يَتَوضَّأ
لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يُفِيضَ الماءَ على جَمِيع بَدَنِهِ ثلاثاً. ويُوجِبُهُ غَيْبُوبة الحَشَفَة في
قُبُلٍ أو ذُبُرٍ على الفاعِلِ والمفعولِ به،
وأثنائِه في اللُّحية والرأس لِما تقدّم، إلا إذا كان ضَفِيرَةً - في رواية -
للحَرَج .
قال: (وسُنَنْه: أن يَغْسِلَ يَدَيْه وفَرْجَه، ويُزِيلَ النَّجاسَةَ عن بَدِنِه، ثم
يَتَوضَّأْ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يُفِيضَ الماءَ على جَمِيع بَدَنِهِ ثلاثاً) هكذا حُكي غُسل
رسول الله وَلّ، قالت مَيمونة: وضعتُ للنبي عليه السلام غُسْلاً،
فاغتسل من الجنابة، فأكفَأَ الإناء بشِماله على يمينِه فغسل كفَّيه، ثم
أفاضَ الماءَ على فَرْجِه فغسله، ثم مالَ بيده على الحائط أو على الأرض
فدَلَكها، ثم تمضمضَ واستنشَق، وغَسَل وجهه وذِراعيه، وأفاض الماءَ
على رأسه، ثم أفاض على سائر جَسَده، ثم تنخَى فغسل رِجْليه(١).
ويُستحبُّ تأخير غسل رجليه إن كانتا في مستنقع الماء، لما روينا،
وتحرُّزاً عن الماءِ المستعمل .
قال: (ويُوجِبُهُ غَيْبُوبة الحَشَفَة في قُبُلِ أو دُبُرٍ على الفاعِلِ والمفعولِ
به) لقوله عليه السلام: ((إذا التقى الخِتَانَانِ، وغابت الحشفة،
= حيث احتفل بوجود متابع له عند الضياء المقدسي في ((مختارته)) (٤٥٣)، ولم
يتفطنا للعلة التي ذكرناها، والله ولي التوفيق والسداد.
(١) أخرجه البخاري (٢٤٩) و(٢٥٩)، ومسلم (٣١٧)، وهو في ((المسند))
(٢٦٧٩٨)، و((صحيح ابن حبان)) (١١٩٠). وانظر تمام تخريجه فيهما.
٥٨

وإنزَالُ المَنِيّ على وَجهِ الدَّفْقِ (ف) والشَّهْوَةِ،
وجَبَ الغسل أنزلَ أو لم يُنزل)). قالت عائشة: فعلتُه أنا ورسول الله
فاغتسلنا(١) .
وكذا في الدُّبُر لأنه محلٌّ مشتهى مقصودٌ بالوطء كالقُبُل (٢)، ولقول
علي رضي الله عنه: تُوجبون فيه الحدَّ، ولا تُوجبون فيه صاعاً من
ماء؟! وفي ((الزيادات)): يجب على المفعول به احتياطاً.
قال: (وإنزَالُ المَنِيّ على وَجهِ الدَّفْقِ والشَّهْوَةِ) لأنه يُوجب الجنابة
إجماعاً، فيجب الغُسل بالنَّص. وسألت أمُّ سُليم رسولَ الله ◌َّل عن
المرأة تَرى في مَنامها أنَّ زوجها يُجامعها، قال: ((عليها الغُسل إذا
وَجَدت الماء))(٣).
(١) أخرجه مسلم (٣٤٩) دون قوله: أنزل .. إلخ، والحديث في ((المسند))
(٢٤٢٠٦)، و((صحيح ابن حبان)) (١١٧٦)، وقول عائشة فيه: ((فعلته أنا ورسول
الله فاغتسلنا))، هو فيه عند ابن ماجه (٦٠٨)، والترمذي (١٠٨)، وأحمد
(٢٥٢٨)، وابن حبان. وأما قوله: ((أنزل أو لم ينزل)) فليس هو من حديث
عائشة، وإنما هو من حديث أبي هريرة عند مسلم (٣٤٨)، وأخرجه أحمد في
((مسنده)) (٨٥٧٤). وانظر تمام تخريجه فيه .
(٢) لكنه حرام على الزوج أن يطأ زوجته في دبرها، ثبت النهي عن ذلك
والتنفير منه في غير ما حديث عنه وَّ ر خرجناها في ((زاد المعاد)» ٢٥٦/٤-٢٦١،
و((مسند أحمد)) عند الحديث (٧٦٨٤)، فارجع إليهما لزاماً.
(٣) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٢٧١١٨) من حديث أم سُليم، وهو بنحوه
في ((صحيح مسلم)) (٣١٠) و(٣١١). وانظر حديث أم سلمة في ((المسند))
(٢٦٥٠٣)، وتمام تخريجه فيه .
٥٩

وانقِطاعُ الحَيْضِ والنِّاسِ. وَمَنِ استَقَظَ فوَجَدَ في ثِيابِهِ مَنِيّاً أو مَذْياً (س)
فَعَلَيَه الغُسْلُ.
ولو خرج لا على وَجْه الدَّفْق والشهوة، كما إذا ضُرب على ظهره،
أو سَقَط من عُلُوّ، أو أصابه مَرَض فأنزل، يجب الوضوء دون الغُسل،
كما في المَذي، فإنه من أجزاء المنيِّ، لكن لما لم يخرج على وجه
الدَّفْق لم يجب الغُسل. ثم الشرط انفصالُه عن موضعه عن شَهوة، لأن
بذلك يُعرف كونُه منّاً وهو الشرط، وعند أبي يوسف: خروجه عن
العُضو، لأنَّ حكمه إنما يثبت بعد الخروج فيُعتبر وقتئذٍ.
قال: (وانقطاعُ الخَيْضِ والنِّفاسِ) أما الحيضُ، فلقوله تعالى:
حَتَّى يَطَّهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بالتشديد(١)، منع مِن قُرْبانهن حتى
يغتسِلْنَ، ولولا وجوبُه، لما مَنَع. وأما النِّفاس فبالإجماع، وكذا يجب
على المستحاضة إذا كَمُلَتْ أيامُ حيضها، لأنها في أحكام الحيض
كالطاهرات .
(وَمَنِ اسْتَقَظَ، فوَجَدَ في ثِيابِهِ مَنِيّاً أو مَذْياً فعَلَيَه الغُسْلُ) أما المنيُّ
فلقوله عليه السلام: ((من ذَكَر حُلَّماً ولم يَرَ بَلَلَا فلا غُسل عليه، ومن
(١) قوله: ((يَطَّهَّرْن)) بالتشديد، هي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر، وقرأ
الباقون: ((يَطْهُرْن)) مضارع طَهُر. قالوا: وقراءة التشديد معناها: يغتسلن، وقراءة
التخفيف معناها: ينقطع دَمُهُن. ورجَّح الطبري قراءة التشديد وقال: هي بمعنى
يغتسلن لإجماع الجميع على تحريم قربان الرجل امرأته بعد انقطاع الدم حتى
تَظْهُر، وإنما الخُلْف في الطُّهْر ما هو؟ هل هو الغُسْل أو الوضوء أو غَسْل الفرج
فقط؟ وانظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي ٤٢٢/٢ .
٦٠