Indexed OCR Text
Pages 141-160
- ١٤١ - وَيُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى بَنِى تَغْلِبٍ ضِعْفُ زَكَاةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ نِسأْهِمْ وَيُضَعَّفُ عَدْهِمُ العُشْرِ، وَمَوْلاهُمُ فى الجِزْيَةِ وَالْحَرَاجِ كَمَوْلى القُرَشِّ، وَتُصْرَفُ الجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ بَنِ تَغْلِبٍ وَمِنَ الأَرَاضِىِ الَِّى أُجْلِىَ أَهْلُهَا عَنْهَا، وَمَا أَهْدَاهُ أهْلُ الحَرْبِ إلى الإمامِ فِى مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ، مِثْل أرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيهِمْ، وَسَدِّ الشغُورِ، وَبِناءِ القَنَاطِرِ وَالْحُسُورِ، وَإِعْطَاءِ القُضَاةِ وَالُدَرَسِينَ وَالعُلَمَاءِ وَالْمُفْنِينَ وَالعُمَّالِ قَدْرَ كِفِيَتِهِمْ. والغناء وكلّ لهو محرّم فى دينهم ، لأن هذه الأشياء كبائر فى جميع الأديان لم يقرّوا عليها بالأمان ، وإن حضر لهم عيد لا يخرجون فيه صلبانهم ، وليصنعوا ذلك فى كنائسهم ولا يخرجوه من الكنائس حتى يظهر فى المصر لأنه معصية وفى إظهاره إعزاز للكفر ، وأما الكنائس فلا يمنعون منه كما لا يمنعون من إظهار الكفر فيها ، وعلى هذا ضرب الناقوس يفعلونه فى الكنائس لما قلنا ، ولا يمكنون من إظهار بيع الخمر والخنزير فى أمصار المسلمين لأنه معصية فيمنع منه كسائر المعاصى ، وكذلك فى قرى المسلمين لما بينا . قال ( ويؤخذ من نصارى بنى تغلب ضعف زكاة المسلمين ، ويؤخذ من نسائهم ، ويضعف عليهم العشر) لأن عمر رضى الله عنه صالحهم على أن يأخذ منهم ضعف زكاة المسلمين على ما قرّرناه فى الزكاة ، فلهذا يؤخذ من نسائهم دون صبيانهم ، لأن الزكاة تجب على نساء المسلمين. دون صبيانهم. قال ( ومولاهم فى الجزية والخراج كمولى القرشى) لأن الصلح وقع مع التغلبى تخفيفا فلا يلحق به المولى، ألا ترى أن الجزية توضع على مولى المسلم إذا كان نصرانيا . قال ( وتصرف الجزية والخراج وما يؤخذ من بنى تغلب ومن الأراضى التى أجلى أهلها عنها وما أهداه أهل الحرب إلى الإمام فى مصالح المسلمين ) لأنه مال وصل إلى المسلمين بغير قتال فيكون لبيت مالهم معدًا لمصالحهم ، وذلك ( مثل أرزاق المقاتلة وذراريهم ، وسد الثغور ، وبناء القناطر والجسور ، وإعطاء القضاة والمدرّسين والعلماء والمفتين والعمال قدر كفايتهم ) أما سدّ الثغور وبناء القناطر والجسور فمصلحة عامة؛ وأما أرزاق من ذكر فلأنهم يعملون للمسلمين فيجب كفايتهم عليهم؛ والمقاتلة يقاتلون لنصرة الإسلام والمسلمين وإعزاز كلمة الدين ولتكون كلمة الله هي العليا ، فيجب على الإمام والمسلمين كفايتهم وكفاية ذريتهم ، إذ لو لم يكفوا لاشتغلوا بالاكتساب للكفاية فلا يتخلون للقتال . وأما القضاة والباقون فقد حبسوا أنفسهم لمصالح المسلمين لفصل خصوماتهم وبيان محاكماتهم وتعليمهم أحكام شريعتهم وما يأتونه ويذرونه فى أقوالهم وأفعالهم ، وما يتعلق به من مصالح دينهم ودنياهم ، وذلك من أهم مصالحهم وأعمها ، فكانت كفايتهم عليهم لقيام مصالحهم أصله القاضى والزوجة على ما عرف . - ١٤٢ - فصل أَرْضُ العَرَبِ ارْض عُشْرٍ، وَهِىَ ما ◌َبْنَ العُذَيْبِ إلى أقْصَىَ حَجَرٍ بِالبَمَنِ بِمَهْرَةَ إلى حَدَ الشَّامِ. وَالسَّوَادُ أرْضُ خَرَاجٍ، وَهِىَ ماَ بْنَ العُذَيْبِ إلى عَقَبَةِ حُلْوَانَ، وَمِنَ العَلْثِ أوِ الثَّعْلَبِيَّةِ إِلَى عَبَّدَانَ . وَأَرْضُ السَّوَادُ مُمْلُوكَةٌ لِأَهْلِها يَجُوزُ تَصَرُّفُهُمْ فِيها: وكُلّ أرْضٍ أسْلَمَ أهْلُها عَلْيها أوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقُسْمَتْ بْن الغانمِينَ فَهِىَ عَشْرِيَّةٌ وَمَا فُتِحَ عَنْوَةُ وأقَرَّ أَهْلَهَا عَلْها أوْ صَالحَهُمْ فَهِىَ خَرَاجِيَّةٌ سِوَى مَكّةَ شَرَّفَها اللهُ تعالى. وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا يُعْتَبِرُ بَحِيْزِها (م) ، فصل ( أرض العرب أرض عشر ، وهى ما بين العذيب إلى أقصى حجر باليمن بمهرة إلى حدّ الشام) لأن النبيّ عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين لم يضعوا الخراج على أرض العرب ولأن من شرط الخراج أن يقرّ أهلها على الكفر ، ومشركو العرب لا يقرّون على الكفر على ما قدمناه . قال ( والسواد أرض خراج ، وهى ما بين العذيب إلى عقبة حلوان ، ومن العلث أو الثعلبية إلى عبادان ) لأنه يجوز إقرارهم على الكفر فقد وجد شرط الخراج ، ولأن عمر رضى الله عنه فتح سواد العراق ووضع عليه الخراج بمحضر من الصحابة، وأجمعت الصحابة على وضع الخراج على الشام ، وكذلك وضع عمر رضى الله عنه على مصر الخراج حين فتحها عمرو بن العاص . قال ( وأرض السواد مملوكة لأهلها يجوز تصرّفهم فيها ) لما بينا أن الإمام إذا فتح بلدة قهرا له أن يقرّ أهلها عليها ويضع عليهم الخراج ، فإذا أقرّه، عليها بقيت مملوكة لهم فيجوز تصرّفهم فيها بيعا وشراء وإجارة وغير ذلك كسائر الملاك. والأملاك . قال ( وكل أرض أسلم أهلها عليها أو فتحت عنوة وقسمت بين الغانمين فهى عشرية ) لأن وضع العشر على المسلم ابتداء أليق به من الخراج لما فيه من معنى العبادة على ما بيناه فى الزكاة ، ولأنه أخفّ لأنه يتعلق بالخارج ، فان أخرجت الأرض شيئا وجب عشره وإلا فلا ( وما فتح عنوة وأقرّ أهلها عليها أو صالحهم فهى خراجية سوى مكة شرّفها اللّه تعالى ) لأن وظيفة الأرض فى الأصل الخراج ، وإنما صرنا إلى العشر فى حقّ المسلم تخفيفا عليه وتكرمة له وفيما عدا ذلك تبقى خراجية ، ولأن وضع الخراج على الكافر ابتداء أليق به ؛ وأما مكة فالنبىّ عليه الصلاة والسلام خصها ، وذلك لأنه حيث افتتحها عنوة تركها ولم يضع عليها الخراج . قال ( ومن أحيا مواتا يعتبر بحيزها ) فان كانت تقربه - ١٤٣ - وَلا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فى أرْضٍ وَاحِدَةٍ، وَلا يَتَكَرَّرُ الخَرَاجُ بِتَكَرٍُّ الخارِجِ، وَالعُشْرَ يَتَكَرَّرُ؛ وَإذَا غَلَبَ المَاءُ عَلَى أرْضِ الحَرَاجِ أوِ انْقَطَعَ عنها أوْ أَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَلَا خَرَاجَ، وَإنْ عَطَّلَهَا مالِكُها فَعَلَيْهِ خَرَاجها . من أرض العشر فعشرية ، وإن كانت تقرب من أرض الخراج فخراجية ، وهذا عند أبى يوسف ، لأن ما يقرب من الشىء يعطى حكمه : كفناء الدار وحريم البئر والشجرة ونحو ذلك ؛ والقياس فى البصرة الخراج لأنها من حيز أرضه ، إلا أن الصحابة رضى الله عنهم وظفوا عليها العشر فترك القياس لذلك . وقال محمد : إن أحياها بماء العشر فعشرية ، وإن أحياها بماء الخراج فخراجية ، لأن الخراج لا يوظف على المسلم إلا بالتزامه ، فاذا ساق إليها ماء الخراج فقد التزم الخراج، وإلا فلا ؛ وكلّ أرض خراج انقطع عنها ماء الخراج فسقيت بماء العشر فهى عشرية ، وكل أرض عشرية انقطع عنها ماء العشر فسقيت بماء الخراج فخراجية اعتبارا بالماء إذ هو سبب النماء . قال ( ولا يجتمع عشر وخراج فى أرض واحدة) لقوله عليه الصلاة والسلام (( لا يجتمع عشر وخراج فى أرض مسلم )) ولم ينقل عن أحد من أئمة العدل والجور ذلك فكفى بهم حجة ، ولأن العشر يجب فى أرض فتحت قهرا ، والخراج فى أرض أقرّ أهلها عليها وإنهما متنافيان. قال ( ولا يتكرّر الخراج بتكرّر الخارج والعشر يتكرّر) لأن عمر رضى الله عنه لم يوظف الخراج مكرّرا، ولأن الحراج للأرض كالأجرة ، فاذا أدّاها فله أن ينتفع بها مايشاء ويزرعها مرارا . أما العشر فمعناه. أن يأخذ عشر الخارج ولا يتحقق ذلك إلا بوجوبه فى كلّ خارج. قال (وإذا غلب الماء. على أرض الخراج أو انقطع عنها أو أصاب الزرع آفة فلا خراج ) وكذلك إن منعه إنسان من الزراعة ، لأن المعتبر فى الخراج النماء التقديرى وهو التمكين من الزراعة كما فى الأرض المستأجرة ، وفى العشر حقيقة الخارج ، وفيما إذا أصاب الزرع آفة فات النماء التقديرى فى بعض السنة ، وكونه ناميا فى جميع السنة شرط كما فى الزكاة ، وإن أخرجت الأرض مثلى الخراج فصاعدا يؤخذ منه جميع الخراج ، وإن أخرجت قدر الخراج يؤخذ نصفه تحرّزا عن الإجحاف بأحد الجانبين . قال ( وإن عطلها مالكها فعليه خراجها ) لأن الخراج متعلق بالتمكين من الزراعة لابحقيقة الخارج والتمكين ثابت وهو الذى فوّته ، ولو انتقل إلى أخس" الأمرين من غير عذر فعليه خراج الأعلى . قالوا : ولا يفتى بهذا كيلا تتجرى الظلمة على أموال الناس . واعلم أن الخراج كان وظيفة مشروعة فى الجاهلية كفاية للمقاتلة وكانت رسم كسرى ، فصارت شريعة لنا باجماع الصحابة رضى الله عنهم ، وهو ما روى أن عمر رضى الله عنه لم فتح سواد العراق تركها على أربابها وبعث عثمان بن حنيف لمسح الأراضى وجعل عليها - ١٤٤ - وَالْخَرَاجِ: مُقَاسَةٌ فَيَتَعَلَّقُ بالحارِجِ كالعُشْرِ. وَوَظِيفَةٌ وَلا يُزَادُ عَلَى ما وَظَّفَهُ مُعَمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، وَهُوَ عَلَى كُلّ جَرِيبٍ يَبْلُغُهُ المَاءُ صَاعٌ وَدِرْهَمٌ، وَجَرِيبَ الرَّطْبَةِ خَمْسَةُ دَرَاهِيمَ، وَالكَرْمِ وَالنَّخْلِ الْمُتَّصِلِ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، وَمَا لَمْ يُوَظفْهُ مُمَرُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ يُوضَعُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ، وَنَّهَايَةُ الطَّاقَةِ نِصْفُ الخارِجِ فَلا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَيُنْقَصُ مِنْهُ عِنْدَ العَجْزِ، حذيفة بن اليمان مشرفا فمسح فبلغ ستا وثلاثين ألف ألف جريب فوظف على كل جريب أرض بيضاء تصلح للزراعة درهما وقفيزا مما يزرع ، وعلى كل جريب رطبة خمسة دراهم وعلى كل جريب كرم عشرة دراهم وذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير فكان إجماعا . قال ( والخراج ) نوعان ( مقاسمة فيتعلق بالخارج كالعشر ) وهو أن يمنّ الإمام على أهل بلدة فتحها فتجعل على أراضيهم مقدار ربع الخارج أو ثلثه أو نصفه ، ولا يزيد على النصف لأن التقدير ورد بالنصف وهو ما روى أن النبىّ عليه الصلاة والسلام أعطى خيبر لأهلها معاملة بالنصف ، وحكمه حكم العشر إلا أنه يوضع موضع الخراج لأنه خراج حقيقة (و) خراج ( وظيفة ولا يزاد على ما وظفه عمر رضى الله عنه ، وهو على كل جريب يبلغه المساء صاع ودرهم ، وجريب الرطبة خمسة دراهم ، والكرم والنخل المتصل عشرة دراهم ) على ما روينا ، ولأن المون متفاوتة ، والوظيفة تتفاوت بتفاوت المونة ، ألا ترى أن الواجب فيما سقته السماء العشر ، وما سقى بالدولاب نصف العشر ، والكرم خفيف المون ، والمزارع أكثر ، والرطبة بينهما ، فوظف على كل نوع بقدره كما تقدم (ومالم يوظفه عمر رضى الله عنه يوضع عليه بحسب الطاقة ) كالزعفران وغيره ( وبهاية الطاقة نصف الخارج فلا يزاد عليه ، وينقش منه عند العجز ) قال عمر رضى الله عنه : لعلكما حملتهما الأرض مالا تطيق؛ قالا : لا ولو زدنا لأطاقت ، وأنه دليل جواز النقصان ، ولا تجوز الزيادة على ما وظقه عمر رضى الله عنه فى سواد العراق لأنه خلاف إجماع الصحابة ، وما وظفه إمام آخر فى أرض كتوظيف عمر رضى الله عنه باجتهاد فلا ينقص باجتهاد مثله ؛ ولو وظف على أرض ابتداء تجوز الزيادة على ما وظفه عمر رضى الله عنه بقدر الطاقة عند محمد ، لأنه إنشاء حكم باجتهاد وليس فيه نقض حكم ، ولا يجوز عند أبى يوسف وهو رواية عن أبى حنيفة، لأن الخراج مقدر شرعا، واتباع إجماع الصحابة واجب لأن المقادير لاتعرف إلا توقيفا ، والتقدير يمنع الزيادة لأن النقصان يمتنع ، فتعين منع الزيادة لئلا يخلو التقدير عن الفائدة ، والجريب الذى فيه أشجار مثمرة ملتفة لا يمكن زراعتها . قال محمد : يوضع عليه بقدر مايطيق لأنه لم يرد عن عمر فى البستان تقدير فكان مفوضا إلى الإمام ، وقال أبو يوسف لايزاد على الكرم لأن البستان بمعنى الكرم فالوارد - ١٤٥ - وَإِذَا اشْتَرَى الْمُسْلِمُ أَرْضَ خَرَاجٍ أوْ أسْلَمَ الدّمِّىُّ أُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ. فصل وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ، وَالعِياذُ بِاللّهِ، يُحْبَسُ وَيُعْرَضُ عَلَيْهِ الإسْلامُ وَتُكْثَفُ شُْهَتُهُ، فإنْ أَسْلَمَ وَإلاَّ قُتِلَ ، فى الكرم وارد فيه دلالة ، وإن كان فيه أشجار متفرّقة فهى تابعة للأرض ، ألا يرى أنه يتبعها فى البيع من غير تسمية . وعن محمد أن الخراج يجب عند بلوغ الغلة على اختلاف البلدان لأنه كالبدل عن الخارج ، وله أن يحول بينه وبين غلته حتى يستوفى الخراج بقدر ما يستوفى ربّ الأرض الخارج تحقيقا للمساواة . قال ( وإذا اشترى المسلم أرض خراج ، أو أسلم الذمى أخذ منه الخراج) لأنه وظيفة الأرض فلا يتغير بتغير المالك لما مرّ فى الزكاة ؛ ومن عجز عن ذرع أرض وعن الخراج تؤجر أرضه ويؤخذ الخراج من الأجرة فان لم يكن من يستأجرها باعها الإمام وأخذ الخراج وردّ عليه الباقى بالإجماع ، لأن فيه ضردا خاصا لنفع عام فيجوز . وعن أبى حنيفة فى النوادر : لو هرب أهل الخراج إن شاء الإمام عمرها من بيت المال والغلة للمسلمين ، وإن شاء دفعها إلى قوم على شىء وكان ما يأخذه للمسلمين لأن فيه حفظ الخراج على المسلمين والملك على صاحبه ، فان لم يجد من يزرعها باعها على ما بينا . ومن أدى العشر والخراج إلى مستحقه بنفسه فللإمام أخذه منه ثانيا لأن حقّ الأخذ له ؛ ولو لم يطلب الإمام الخراج يتصدّق به على الفقراء ، لأنه إذا لم يطلبه تعذّر الأداء إليه فبقى طريقه التصدّق به ليخرج عن العهدة ؛ ولوترك السلطان الخراج أو العشر لرجل جاز فى الخراج دون العشر عند أبى يوسف . وقال محمد : لا يجوز فيهما لأنهما فى لجماعة المسلمين . ولأبى يوسف أن له حقا فى الخراج فصحّ تركه وهو صلة منه ، والعشر حقّ الفقراء على الخلوص فلا يجوز تركه ، وعليه الفتوى . الصاع : أربعة أمنان. والمنّ : مائتان وستون درهما . والدرهم من أجود النقود . والجريب : ستون ذراعا فى ستين بذراع الملك كسرى ، وأنه يزيد على ذراع العامة بقبضة . وقيل هذا جريب سواد العراق ؛ فأما جريب أرض كلّ بلدة ما هو المتعارف عندهم . فصل (وإذا ارتدّ المسلم والعياذ بالله) عن الإسلام ( يحبس ويعرض عليه الإسلام وتكشف شبهته ، فان أسلم وإلا قتل ) أما حبسه وعرض الإسلام عليه فليس بواجب لأنه بلغته الدعوة ؛ والكافر إذا بلغته الدعوة لاتجب أن تعاد عليه فهذا أولى ، لكن يستحبّ ذلك ، ١٠ - الاختيار -- رابع - ١٤٦ - فانْ قَتْلَهُ قاتِلٌ قَبْلَ العَرْضِ لاشَىْءَ عَلَيْهِ. وإِسْلامُهُ أنْ بِأِنِى بِالشَّهَادَ تَسْنِ. وَيَتَبَرَّأْعَنْ جميعِ الأَدْيانِ سِوَى دين الإسْلامِ أوْ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَيَزُولُ (سم). مِلْكُهُ عَنْ أمْوَالِهِ زَوَالاً مُرَاعَى، فانْ أسْلَمَ عادَتْ إلى حاِلِهَا ، لأن الظاهر إنما ارتدّ لشبهة دخلت عليه أو ضيم أصابه فيكشف ذلك عنه ليعود إلى الإسلام وهو أهون من القتل . وروى مثل ذلك عن عمر ، وقيل إن طلب التأجيل أجل ثلاثة أيام وإلا قتل للحال لأنه متعنت . وأما وجوب قتله فلقوله تعالى - تقاتلونهم أو يسلمون - والمراد أهل الردّة نقلاعن ابن عباس وجماعة من المفسرين، وقال عليه الصلاة والسلام ((من بدّل دينه فاقتلوه)) وقال ((لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا باحدى معان ثلاث)) الحديث ، والحرّ والعبد سواء لإطلاق ماذكرنا. قال ( فان قتله قاتل قبل العرض لاشىء عليه ) لأنه مستحقّ للقتل بالكفر فلا ضمان عليه، ويكره له ذلك لما فيه من ترك الغرض المستحبّ، ولما فيه من الافتيات على الإمام . قال ( وإسلامه أن يأتى بالشهادتين ويتبرأ عن جميع الأديان سوى دين الإسلام أو عما انتقل إليه ) لحصول المقصود بذلك ، فان عاد فارتدّ فحكمه كذلك وهكذا أبدا ، لأنا إنما نحكم بالظاهر ، قال عليه الصلاة والسلام ((هلا شققت عن قلبه)) وكان صلى الله عليه وسلم يقبل من المنافقين ظاهر الإسلام، ولأن توبته قبلت أوّل مرّة باظهار الإسلام وأنه موجود فيما بعد فتقبل . قال ( ويزول ملكه عن أمواله زوالا مراعى ، فان أسلم عادت إلى حالها ) وقالا : هى على ملكه لأنه مكلف محتاج فيبقى ملكه كالمحكوم عليه بالرجم والقصاص ، وله أنه كافر مقهور تحت أيدينا مباح الدم ، وأنه يوجب زوال الملك والمالكية ، إلا أنه يرتجى إسلامه وهو مدعوّ إليه فيوقف أمره فان عاد صار كأن لم يزل مسلما وإن مات أوقتل أو لحق بدار الحرب استقركفره فعمل السبب عمله . اعلم أن تصرّفات المرتدّ أربعة أقسام : نافذ بالاتفاق كالطلاق والاستيلاد وقبول الهبة وتسليم الشفعة والحجر على عبده المأذون لأنه لا يفتقر إلى تمام الولاية ولا إلى حقيقة الملك . وباطل بالاتفاق كالنكاح والذبيحة لأنه يعتمد الملة ولا ملة للمرتدّ . وموقوف بالإجماع كالمفاوضة لأنها تعتمد المساواة ولا مساواة ، فان أسلم حصلت المساواة وإلا بطلت فيوقف لذلك . ومختلف فيه كالبيع والشراء والعتق والتدبير والكتابة والهبة والوصية وقبض الديون فهى موقوفة عند أبى حنيفة إن أسلم نفذت ، وإن مات أو قتل أو لحق بدار الحرب بطلت . وعندهما هى جائزة ، وهو بناء على اختلافهم فى ملكه على مابينا . لهما أنه أهل للتصرّفات لكونه مخاطبا وملكه ثابت لما بينا فيصحّ تصرّفه إلا عند أبى يوسف يجوز كما يجوز من الصحيح ، لأن الظاهر عوده إلى الإسلام بزوال شبهته . وعند محمد يجوز من المريض من الثلث ، لأن ردّته تفضى إلى القتل غالبا ، لأن من انتحل نحلة قلما يتركها سيما وقد أعرض - ١٤٧ - وَإِنْ ماتَ أوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَكرِ الحَرْبِ وَحُكِمَ بِلَحاقِهِ عَتَقَ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أوْلادِهِ وَحَلَّتِ الدِّيُونُ الَّتِى عَلَيْهِ وَنُقِلَتْ أُكْسابُهُ فى الإسْلامِ إلى وَرَّتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وأَكْساب الرِّدَّةِ فَىْءٌ" (سم)، وَتُقْضَى دُيُونُ الإسْلامِ مِنْ كَسْبِ الإِسْلامِ، وَدُيُونُ الرّدَّةِ مِنْ كَسْبِها (سم)، فانْ عادَ مُسْلِما ◌َمَا وَجَدَهُ فِى يَدٍ وَارِثِهِ مِنْ مالِهِ أَخَذَهُ . عما نشأ عليه وألفه ، وله أن ملكه موقوف على ما تقدّم ، وتصرّفه بناء عليه فيتوقف ، وإباحة ملكه توجب خللا فى الأهلية فلذلك توقف تصرّفاته . قال ( وإن مات أو قتل أو لحق بدار الحرب وحكم بلحاقه عتق مدبروه وأمهات أولاده وحلت الديون التى عليه ونقلت أكسابه فى الإسلام إلى ورثته المسلمين ، وأكساب الردّة فىء ). اعلم أن باللحاق بدار الحرب يصير من أهل الحرب ، وهم أموات فى حقّ أحكام الإسلام لانقطاع الولاية وعدم الإلزام كما انقطعت عن الميت الحقيقى ، إلا أنه لا يستقرّ اللحاق إلا بالقضاء لاحتمال العود ، ولأن انقطاع الحقوق باللحاق مختلف فيه فيتوقف حكمه على القضاء كغيره من المجتهدات ، فإذا قضى به ثبت موته الحكمى فيترتب عليه أحكام الموت وهی ما ذکرنا كالموت الحقيقى، ومكاتبه يؤدّی بدل الکتابة إلى ورثته کما إذا مات حقيقة . وأما الميراث فكسب الإسلام لورثته المسلمين باجماع الصحابة هكذا قضى على (١) رضى الله عنه فى مال المستورد والعجلى حين قتله مرتدا من غير نكير من أحد من الصحابة. وعن ابن مسعود مثله ، وكسب الردّة فىء. وقالا : لهم أيضا بناء على أن ملكه ثابت عندهما فى الكسبين ، ويستند إلى ما قبل الردّة حتى يكون توريث المسلم من المسلم ، لأن الردّة سبب الموت . وله أن الاستناد ممكن فى كسب الإسلام لا فى كسب الردّة لأنه وجد بعدها فلا يتصوّر إسناده إلى ما قبلها ولأنه كسب مباح الدم فيكون فيئا كالحربى ، ثم فى رواية عن أبى حنيفة ، وهو قول زفر يعتبر ورثته يوم ارتدّ لأنه سبب الموت ، وعنه وهو قول محمد وهو ظاهر الرواية يوم الموت أو اللحاق لأنه سبب الإرث والقضاء لتقريره لقطع الاحتمال ، وفى رواية وهو قول أبى يوسف يوم القضاء ، لأن به يتقرّر الاستحقاق وبه يصير اللحاق موتا وتبطل وصاياه عند أبى حنيفة ، لأن ردّته كالرجوع عنها . وقالا : تبطل وصاياه فى القرب لاغير . قال ( وتقضى ديون الإسلام من كسب الإسلام ، وديون الردّة من كسبها ) وقالا : تقضى ديونه من الكسبين لأنهما جميعا ملكه عندهما . وله أنه يقضى كلّ دين مما اكتسبه فى تلك الحالة ليكون الغرم بالغنم . قال ( فان عاد مسلما فما وجده فى يد وارثه من ماله أخذه ) لأنه إذا عاد مسلما فقد عاد حيا فعادت الحاجة والخلافة (١) فى نسخة : عمر . - ١٤٨ - وَإِسْلامُ (ز) الصَِّىِّ العاقِلِ وَارْتِدَادُهُ صَحِيحٌ (س ز)، وَيَجْبَرُ عَلَى الإِسْلامِ وَلَا يُقْتَلُ ، إنما تثبت للوارث لاستغنائه ، فإذا عادت حاجته تقدّم على الوارث وجميع ما فعله القاضى إلا ما ذكرنا ولأنه ملكه بغير عوض فجاز أن يثبت له حق الرجوع ما دام على ملكه كالهبة ، ولا رجوع له فى شىء زال عن ملك الوارث كالموهوب ، وسواء زال بما يلحقه الفسخ كالبيع ونحوه ، أوما لا يلحقه الفسخ كالعتق ؛ وكذا لاسبيل له على من حكم الحاكم بعتقه لأنه لا يلحقه الفسخ ؛ وكذا المكاتب إذا عتق بالأداء إلى الورثة ويأخذ البدل من الورثة إن كان قائما كغيره من الأموال ، ولو لم يقض القاضى بشىء حتى رجع مسلما لا يثبت شىء مما ذكرنا لأنه ما لم يتصل القضاء باللحاق لايحكم بموته . قال ( وإسلام الصبىّ العاقل وارتداده صحيح ، ويجبر على الإسلام ولا يقتل ) وكذا إذا بلغ يجبر ولا يقتل . وجملته أن إسلام الصبىّ الذى يعقل الإسلام وردته صحيحان. وقال أبويوسف: إسلامه صحيح ورد ته لا تصحّ . وقال زفر : لا يصحان لأن طريقهما الأقوال ، وأقواله غير صحيحة لايتعلق بها حكم كالطلاق والعتاق والإقرار والعقود . ولأبى يوسف أن الإسلام فيه نفعه والكفر فيه ضرره ، ويجوز تصرّفه النافع كقبول الهبة ولا يجوز الضارّ كالهبة، ولهذا قلنا إن الولىّ يجيز تصرّفه النافع دون الضارّ. ولهما أن عليا رضى الله عنه أسلم وهو صبىّ، وصحح النبيّ عليه الصلاة والسلام إسلامه وافتخر به فقال : سبقتكمو إلى الإسلام طرّا صغيرا ما بلغت أوان حلم ولأن الإسلام يتعلق به كمال العقل دون البلوغ ، بدليل أن من بلغ غير عاقل لم يصحّ إسلامه ، والعقل يوجد من الصغير كما يوجد من الكبير ، ولأنه أتى بحقيقة الإسلام وهو التصديق مع الإقرار، لأن الإقرار طائعا دليل الاعتقاد والحقائق لا تردّ ، وإذا صار مسلما فاذا ارتدّ تصحّ كالبالغ ، ولأن الإسلام عقد والردّة حله، وكل من ملك عقدا ملك حله كسائر العقود ، ولأن من كان بيده الاعتقاد تصوّر منه تبديله ، فإذا اقترن به الاعتراف دل على تبديل الاعتقاد كالإسلام ؛ وإذا ثبتت ردته ترتب عليه أحكام الردّة لايرث ولا يورث وتبين امرأته ، ولا يصلى عليه لو مات مرتدّاً ويجبر على الإسلام، لأنا لما حكمنا باسلامه لا يترك على الكفر كالبالغ ، ولأن بالجبر يندفع عنه مضرّة حرمان الإرث وبينونة الزوجة وغير ذلك ، وإنما لا يقتل لأن كلّ من لايباح قتله بالكفر الأصلى لايباح بالردّة لأن إباحة القتل بناء على أهلية الحراب على ما عرف ولأن القتل عقوبة وهو ليس من أهلها ولأن القتل لا يتعلق بفعل الصبيّ كالقصاص. وإذا كان الصبىّ لا يعقل لا يصحّ إسلامه ولا ارتداده وكذلك المجنون لأن الإسلام والكفر يتبعان العقل على ما بينا ، وكذلك من - ١٤٩ - وَالْمُرْتَدَةُ لاتُقْتَلُ، وُتُحْبَسُ وَتْضْرَبُ فى كُلّ الأيَّامِ حَتى تُسْلِمَ، وَلَوْ قَّلَهَا إنْسَانٌ لاشَىْءَ عَلَيْهِ وَيُعَزَّرُ، وَتَصَرُّفُها فى ماِهَا جَائِزٌ، فانْ لَحِقَتْ أوْ ماتُتْ فَكَسُْها لِوَرَتِها . غلب على عقله بوجه من الوجوه كالمبرسم والمعتوه ومن سقى شيئا فزال عقله لما بينا ، ومن يجنّ ويفيق ففى حال جنونه له أحكام المجانين ، وفى حال إفاقته أحكام العقلاء ، وردّة السكران ليست بشىء استحسانا ، وإسلامه صحيح لأنه يحتمل أن يكون عن اعتقاد أولا ، والإسلام يحتال فى إثباته والكفر فى نفيه فافترقا . والقياس أن تبين امرأة السكران لأن الكفر سبب للفرقة كالطلاق . وجه الاستحسان أن الردّة ليست بفرقة ، وإنما تقع الفرقة لاختلاف الدّين وردّته ليست بصحيحة فلا يختلف الدين . وروى بشر عن أبى يوسف عن أبى حنيفة فى صبىّ أبواه مسلمان كبر كافرا ولم يسمع منه الإقرار بالإسلام بعد ما بلغ ، قال : لا يقتل ويجبر على الإسلام ، وإنما يقتل من أقرّ بالإسلام بعد ما بلغ ثم كفر ، لأن الأوّل لم نجب عليه الحدود لأنه لم يصر مسلما بفعله وإنما بالتبعية وحكم أكسابه كالمرأة . قال ( والمرتدّة لاتقتل ، وتحبس وتضرب فى كلّ الأيام حتى تسلم ) ومعناه يعرض عليها الإسلام ، فان أبت ضربها أسواطا ثم يعرض عليها الإسلام فإن أبت حبسها . وفى رواية تخرج كلّ يوم وتضرب على ما وصفنا ، لأنه لم يجز قتلها وقد ارتكبت جريمة عظيمة ولا حدّ فيها فتعزّر، والتعزير الضرب والحبس ، وإنما لاتقتل لأنه عليه الصلاة والسلام -ى عن قتل النساء مطلقا ، ولأن كفرها الأصلى لا يبيح دمها لأنها ليست من أهل القتال فكذلك الكفر الطارئ. وقد بينا فى أوّل السير أن السبب الموجب لنقتل أهليته للقتال، وأن النبىّ عليه الصلاة والسلام نبه على أنه السبب بقوله ((مالها قتلت ولم تقاتل؟)) وحديث ((من بدّل دينه فاقتلوه )) رواه ابن عباس ، ومذهبه أن المرتدّة لاتقتل فدلّ على تقييده بالرجال . قال ( ولو قتلها إنسان لاشىء عليه ) لأنه اعتمد إطلاق النصّ وهو مذهب جماعة من العلماء لكن يؤدّب ( ويعزّر ) إن كانت فى دار الإسلام لافتياته على الإمام . قال ( وتصرّفها فى مالها جائز ) إن كانت فى دار الإسلام ، لأنها تصرّفت فى خالص حقها، لأن عصمة المال تتبع عصمة النفس ، وعصمة نفسها لم تزل ، وبعد اللحاق زالت عصمة نفسها ، ولهذا لا تسترقّ ما دامت فى دار الإسلام ، لأن دار الإسلام ليست بدار استرقاق ، وإن لحقت ثم سبيت استرقت وأجبرت على الإسلام ، لأن الصحابة استرقوا نساء بنى حنيفة بعد ما ارتدّوا وأمّ محمد بن الحنفية منهم ، ولا تقتل كالأصلية ( فان لحقت أو ماتت ) فى الحبس ( فكسبها لورثتها ) إذ ملكها ثابت فيهما لما بينا فينتقلان إلى ورثتها ، ولا ميراث لزوجها لأنها بانت بالردّة ولم تصر مشرفة على الهلاك فلا تكون فارّة ، وله أن يتزوّج - ١٥٠ - فصل الكافِرُ إِذَا صَلَّى بِجَمَاعَةٍ أوْ أَذَّنَ فِى مَسْجِدٍ أوْ قالَ: أنا مُعْتَقِدٌ حَقِيقَةَ الصَّلاةِ فِىَ جَمَاعَةٍ يَكُونُ مُسَلِما. أختها عقيب لحاقها ، لأنه لاعدّة عليها كالميتة ، فان عادت مسلمة أو سبيت لم ينتقض نكاح الأخت ، لأن نكاحها لا يعود بعد ما سقط ، ولها أن تتزوّج من ساعتئذ لعدم العدّة ؛ وإن ولدت بأرض الحرب لأقل من ستة أشهر ثبت نسبه من الزوج وهو مسلم تبع لأبيه ؛ وإن ولدت لستة أشهر فصاعدا من حين اللحاق ثم سبيا معا كانا فيئا ، لأن النسب غير ثابت من الزوج لعدم العدّة فيكون الولد كافرا تبعالها ، والمملوكة تحبس فان كان مولاها محتاجا إلى خدمتها دفعت إليه ويؤمر أن يجبرها على الإسلام ، ويرسل القاضى إليها كلّ يوم من يجلدها على الإسلام جمعا بين المصلحتين . فصل فيما يصير به الكافر مسلما والأصل فيه أن الكافر إذا أقرّ بخلاف ما اعتقده حكم باسلامه ، فمن ينكر الوحدانية كالثنوية وعبدة الأوثان والمشركين، والمانوية إذا قال: لا إله إلا الله، أو قال : أشهد أن محمدا رسول اللّه، أو قال: أسلمت أو آمنت بالله، أو أنا على دين الإسلام أو على الحنيفية فهذا كله إسلام . وكل من آمن بالوحدانية وينكر رسالة محمد كاليهود والنصارى لا يصير مسلما بشهادة التوحيد حتى يشهد أن محمدا رسول اللّه ؛ وطائفة بالعراق يزعمون أن محمدا مرسل إلى العرب لا إلى بنى إسرائيل فلا يكون مسلما بالشهادتين حتى يتبرأ من دينه . ولو قال : دخلت فى الإسلام ، قال بعضهم : یحکم باسلامه لأنه دليل على دخول حادث فى الإسلام وذلك غير ما كان عليه فدل على خروجه مما كان عليه ، هكذا ذكره الكرخى فى مختصره ؛ ولو قال : أنا مسلم كان أبو حنيفة يقول: لا يكون مسلما حتى يتبرأ، ثم رجع وقال ذلك إسلام منه . قال ( والكافر إذا صلى بجماعة أو أذن فى مسجد، أو قال : أنا معتقد حقيقة الصلاة فى جماعة يكون مسلما) لأنه أتى بما هو من خاصية الإسلام ، كما أن الإتيان بخاصية الكفر يدلّ على الكفر ، فان من سجد لصنم أو تزيا بزنار أو لبس قلنسوة المجوس يحكم بكفره . وعن محمد إذا صلى وحده واستقبل قبلتنا كان مسلما ، ولو لبى وأحرم وشهد المناسك مع المسلمين كان مسلما . أكره الذمىّ على الإسلام فأسلم يصحّ إسلامه ، ولو رجع لا يقتل ، ولكن يحبس حتى يرجع إلى الإسلام. -١٥١ - وَإِذَا خَرَجَ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ طَاعَةِ الإِمامِ وَتَغَلَّبُوا عَلى بَلَدِ دَعاهمْ إلى الجَمَاعَةِ وكَشَفَ شُبْهَهمْ، وَلا يَبْدَؤُهمْ بِقِتَالٍ، فانْ بَدَهُوهُ قاتَلَهُمْ حَتى يُفَرِّقَ جَمْعَهُمْ، فَانِ اجْتَمَعَوا وَتَعَسْكَرُ وا بَدَاهُمْ؛ فصل الخوارج والبغاة مسلمون ، قال تعالى - وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما - وقال علىّ رضى اللّه عنه: إخواننا بغوا علينا، وكلّ بدعة تخالف دليلا يوجب العلم والعمل به قطعا فهو كفر، وكل بدعة لاتخالف ذلك وإنما تخالف دليلا يوجب العمل ظاهرا فهو بدعة وضلال وليس بكفر. واتفقت الأمة على تضليل أهل البدع أجمع وتخطئتهم . وسبّ أحد من الصحابة وبغضه لا يكون كفرا لكن يضلل ، فان عليا رضى الله عنه لم يكفر شاتمه حتى لم يقتله ، وأهل البغى كلّ فئة لهم منعة يتغلبون ويجتمعون ويقاتلون أهل العدل بتأويل ويقولون الحقّ معنا ويدّعون الولاية ، وإن تغلب قوم من اللصوص على مدينة فقتلوا وأخذوا المال وهم غير متأوّلين أخذوا بأجمعهم وليسوا بيغاة ، لأن المنعة إن وجدت فالتأويل لم يوجد . قال (وإذا خرج قوم من المسلمين عن طاعة الإمام وتغلبوا على بلد دعاهم إلى الجماعة وكشف شبهتهم ) لأن عليا رضى الله عنه بعث ابن عباس يدعو أهل حروراء وناظرهم قبل قتالهم ، ويستحبّ ذلك لأنه أهون الأمرين فلعلهم أن يرجعوا به . قال ( ولا يبدوهم بقتال ) لأنهم مسلمون ( فان بدءوه قاتلهم حتى يفرّق جمعهم ) قال تعالى - فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى - الآية ، ولأن عليا رضى الله عنه قاتلهم بحضرة الصحابة ، ولأنهم ارتكبوا معصية بمخالفة الجماعة فيجب صدهم عنها ، ويجوز رميهم بالنبل والمنجنيق وإرسال الماء والنار على النبات ليلا لأنه من آلة القتال . وما روى عن عبد الله بن عمر وجماعة من الصحابة من القعود عن الفتنة فيجوز أنهم كانوا عا جزين عن ذلك ، ومن لاقدرة له لا يلزمه . وما روى عن أبى حنيفة أنه قال : ينبغى أن يعتزل الفتنة ، ولا يخرج من بيته إذا لم يكن هناك إمام يدعوه إلى القتال ، فأما إذا دعاه الإمام وعنده غنى وقدرة لم يسعه التخلف . قال ( فان اجتمعوا وتعسكروا بدأهم ) دفعا لشرّهم لأن فى تركهم تقوية لهم وتمكينا من أذى المسلمين والغلبة على بلادهم . وكان أبو حنيفة يقول : ينبغى للإمام إذا بلغه أن الخوارج يشترون السلاح ويتأهبون للخروج أن يأخذهم ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك ويتوبوا ، لأن العزم على الخروج معصية فيزجرهم عنها ، - ١٥٢ - فاذًا قاتَلَهُمْ فإنْ كانَ لَهُمْ فِئَةٌ أَجْهَزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَاتَّبَعَ مُوَلِّيهِمْ، وَلا تُسَْبِى لَهُمْ ذُرّيَّةٌ، وَلا يُعَْمُ لَهُمْ مالٌ، وَيَحْبِسُها حَّى يَتُوبُوا فَيَرُدُّها عَلْهِمْ، وَلابأسَ بالقِتالِ بِسِلاحِهِمْ وكِرَاعِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ وفى حبسهم قطعهم عن ذلك ، ويكتفى المسلمون مئونتهم . قال ( فاذا قاتلهم فان كان لهم فئة أجهز على جريحهم واتبع موليهم ) لأن الواجب أن يقاتلهم حتى يعودوا إلى الحقّ ، قال تعالى - حتى تفيء إلى أمر الله - فاذا كان لهم فئة ينحازون إليها لا يزول بغيهم لأنهم ينحازون إلى فئة ممتنعة من البغاة فيعودون إلى القتال ؛ وأما الأسير فان رأى قتله قتله لأن بغيه لم يزل ، وإن رأى أن يخلى عنه فعل ، فان عليا رضى الله عنه كان إذا أخذ أسيرا استحلفه أن لإيعين عليه وخلاه ، وإن رأى أن يحبسه حتى يتوب أهل البغى فعل وهو الأحسن ، لأنه يؤمن شرّه من غير قتل . وأما إذا لم يكن لهم فئة لم يجهز على جريحهم ولم يتبع موليهم ولا يقتل أسيرهم ، هكذا فعل علىّ رضى الله عنه بأهل البصرة ، وقال : لا يغنم لهم مال ولا تسبى لهم ذرية ، وقال يوم الجمل : لاتتبعوا مدبرا ولا تقتلوا أسيرا ، ولا تذففوا على جريح : أى لا يتمّ قتله، ولا يكشف ستر ، ولا يؤخذ مال ، وهو القدوة فى الباب ، ولأن المقصود دفع شرّهم وإزالة بغيهم وقد حصل . قال ( ولا تسبى لهم ذرّية ولا يغنم لهم مال ويحبسها حتى يتوبوا فيردّها عليهم) لما تقدّم من حديث علىّ رضى الله عنه ، ولأنهم مسلمون والإسلام عاصم ، وإنما يحبسها عنهم تقليلا عليهم ، وفيه مصلحة المسلمين ، فإذا تابوا ردّت عليهم لزوال الموجب للحبس . قال ( ولا بأس بالقتال بسلاحهم وكراعهم عند الحاجة إليه ) معناه إذا كان لهم فئة فيقسم على أهل العدل ليستعينوا به على قتالهم ، ولأنه يجوز للإمام أن يأخذ سلاح المسلمين عند الحاجة فهذا أولى ، وهو مأثور عن علىّ رضى الله عنه أيضا يوم البصرة ، فاذا استغنوا عنه حبسه لهم ولا يدفعه إليهم لئلا يستعينوا به على المسلمين فيحبس السلاح ويبيع الكراع ويمسك ثمنه لأن ذلك أنفع وأيسر ، فاذا زال بغيهم يردّه إليهم كسائر أموالهم. وما أصاب كلّ واحد من الفريقين من الآخر من دم أو جراحة أو استهلاك مال فهو موضوع لادیة فیه ولا ضمان ولا قصاص ، وما كان قائما فى يد كلّ واحد من الفريقين للآخر فهو لصاحبه لما روى الزهرى . قال: وقعت الفتنة فأجمعت الصحابة وهم متوافرون أن كلّ دم أريق بتأويل القرآن فهو هدر ، وكلّ ما أتلف بتأويل القرآن فلا ضمان فيه ، وكلّ فرج استمع بتأويل القرآن فلا حدّ فيه ، وما كان قائما بعينه ردّ . قال محمد: إذا تابوا أفتيهم أن يغرموا ولا أجبر هم. على ذلك لأنهم أتلفوه بغير حقّ ، فسقوط المطالبة لا يسقط الضمان فيما بينه وبين الله تعالى . وقال أصحابنا : ما فعلوه قبل التحيز والخروج ويعد تفرّق جمعهم يؤحذون به ، لأنهم - ١٥٣ - وَإِذَا قَّلَ العادِلُ الباغِىَ وَرِثَهُ، وكَذَلِكَ إِنْ قَتَلَهُ الباغِىِ (س) وَقَالَ : أنا عَلَى حَقّ، وَإِنْ قالَ: أنا عَلَى الباطِلِ كَمْ يَرِثُهُ. كتاب الكراهية المَكْرَوَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ حَرَامٌ، وَعِنْدَهُمَا هُوَ إلى الحَرَامِ أَقْرَبُ، من أهل دارنا ، ولا منعة لهم فهم كغيرهم من المسلمين ، أما ما فعلوه بعد التحيز لاضمان فيه لما بينا ، ولا يقتل من معهم من النساء والصبيان والشيوخ والزمنى والعميان لأنهم لا يقتلون إذا كانوا مع الكفار فهذا أولى وليسوا من أهل القتال ، فان قاتلت المرأة مع الرجال لابأس بقتلها حالة القتال ، ولا تقتل إذا أسرت وتحبس اعتبارا بالحربية . قال ( وإذا قتل العادل الباغى ورثه وكذلك إن قتله الباغى وقال : أنا على حقّ ، وإن قال : أنا على الباطل لم يرثه ) لأنه قتله بغير حقّ ولا تأويل . وقال أبو يوسف : لايرث الباغى العادل فى الوجهين لأنه قتل بغير حقّ . ولنا ما روينا من إجماع الصحابة ، ويكره حمل رءوسهم وإنفاذها إلى الآ فاق لأنه مثلة، ولم ينقل عن علىّ رضى الله عنه. وروى أنه حمل إلى أبى بكر رضى الله عنه رأس فأنكر حمله ، فقيل له : إن فارس والروم يفعلون ذلك ، فقال : أستنان بفارس والروم ؟ . وقد قال أصحابنا : إن كان ذلك رهنا لهم فلا بأس به ، لأن ابن مسعود حمل رأس أبى جهل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه،. والله أعلم . كتاب الكراهية وفيه بيان ما يكره من الأفعال وما لايكره ، وسمى بالكراهية لأن بيان المكروه أهمّ لوجوب الاحتراز عنه ، والقدورى سماه فى مختصره وشرحه : الحظر والإباحة ، وهو صحيح لأن الحظر المنع ، والإباحة الإطلاق ، وفيه بيان ما منع منه الشرع وما أباحه ؛ وسماه بعضهم : الاستحسان ، لأن فيه بيان ما حسنه الشرع وقبحه ، ولفظة الاستحسان أحسن ، أو لأن أكثر مسائله استحسان لامجال للقياس فيها ؛ وبعضهم يسميه : كتاب الزهد والورع لأن فيه كثيرا من المسائل أطلقها الشرع والزهد والورع تركها . قال ( المكروه عند محمد حرام ) إلا أنه لما لم يجد فيه نصا لم يطلق عليه الحرمة ( وعندهما هو إلى الحرام أقرب ) لتعارض الأدلة فيه وتغليب جانب الحرمة لقوله عليه الصلاة والسلام (( ما اجتمع الحرام والحلال إلا وقد غلب الحرام الحلال)) قالوا : معناه دليل الحل . - ١٥٤ - وَالنَّظَرُ إلى العَوْرَةِ حَرَامٌ إلا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كالطَّبِيبِ وَالْحَاتِنِ وَالْخَافِضَّةِ وَالقابِلَةِ، وَقَدْ بَيَّنَا العَوْرَةَ فى الصَّلاةِ. وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنَ الرَّجُلِ إلى جَمِيعِ بَدَنِهِ إِلاَّ العَوْرَةَ، وَتَنْظَرُ المَرأةُ مِنَ المَرأةِ وَالرَّجُلِ إلى ما يَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنَ الرَّجُلِ، ودليل الحرمة . قال (والنظر إلى العورة حرام إلا عند الضرورة كالطبيب والخاتن والخافضة والقابلة، وقد بينا العورة فى ) كتاب (الصلاة ) والأصل فى ذلك قوله تعالى - قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم - وقوله تعالى - وقل للمؤمنات - الآية ، معناه يسترونها من الانكشاف لئلا ينظر إليها الغير نقلا عن المفسرين ، وقال عليه الصلاة والسلام ((ملعون من نظر إلى سوأة أخيه ، فأما حالة الضرورة فالضرورات تبيح المحظورات ، ألا ترى أن الله أباح شرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير ومال الغير حالة المخمصة وما إذا غصّ ، وهذا لأن أحوال الضرورات مستثناة ، قال تعالى - وما جعل عليكم فى الدين من حرج - وقال - لا يكلف الله نفسا إلا وسعها - وفى اعتبار حالة الضرورة حرج وتكليف ما ليس فى الوسع ، ولأن هذه الأفعال مأمور بها ، فعند بعضهم هى واجبة ، وعند البعض سنة مؤكدّة ، ولا يمكن فعلها إلا بالنظر إلى محالها ، فكان الأمر بها أمرا بالنظر إلى محالها ويلزم منه الإباحة ضرورة ، وينبغى للطبيب أن يعلم امرأة مداواتها ، لأن نظر المرأة إلى المرأة أخفّ من نظر الرجل إليها لأنها أبعد من الفتنة ، فاذا لم يكن منه بدّ فليغضّ بصره ما استطاع تحرّزاً عن النظر بقدر الإمكان ، وكذلك تفعل المرأة عند النظر إلى الفرج عند الولادة وتعرّف البكارة ، ألا يرى أنه يجوز النظر إليه لتحمل الشهادة على الزنا ولا ضرورة فهذا أولى ، والعورة فى الركبة أخفّ فكاشفها ينكر عليه برفق ، ثم الفخذ وكاشفه يعنف على ذلك ؛ ثم السوأة فيؤدب كاشفها . قال ( وينظر الرجل من الرجل إلى جميع بدنه إلا العورة ) لأن المنهى عنه النظر إلى العورة دون غيرها وعليه الإجماع ، وقد قبل أبو هريرة سرّة الحسن بن على رضى الله عنهما وقال: هذا موضع قبله رسول الله عليه الصلاة والسلام ولأن الرجال يمشون فى الطرق بازار فى جميع الأزمان من غير نكير ، فدل على جواز النظر إلى الأبدان . قال ( وتنظر المرأة من المرأة والرجل إلى ما ينظر الرجل من الرجل ) أما المرأة إلى المرأة فلانعدام الشهوة والضرورة فى الحمامات وغيرها ، وأما نظرها إلى الرجل فلاستوائهما فى إباحة النظر إلى ما ليس بعورة ، ولأن الرجال يمشون بين الناس بازار واحد ، فإذا خافت الشهوة أو غلب على ظنها لاتنظر احترازا عن الفتنة ، وكل ما جاز النظر إليه جاز مسه لاستوائهما فى الحكم إلا إذا خافت الشهوة . - ١٥٥ - وَيَنْظِرُ مِنْ زَوْجَتِهِ وأمَتِهِ الَّتِى تَحِلُّ لَهُ إلى جَمِيعِ بَدَ نِهَا، وَيَنْظِرُ مِنْ ذَوَاتِ مَارِمِهِ وأمَةِ الغَسْرِ إلى الوَجْهِ وَالرأسِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقَِيْنِ وَالعَضُدَّيْنِ وَالشَّعْرِ، وَلا بأسَ بأَنْ يَمَسَّ ما يجوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ إذَا أمِنَ الشَّهْوَةَ ، قال (وينظر من زوجته وأمته التى تحلّ له إلى جميع بدنها) وكذا يحلّ له مسها والاستمتاع بها فى الفرج وما دونه ، قال تعالى - والذين هم لفروجهم حافظون - إلى قوله سبحانه - فانهم غير ملومين - وقال عليه الصلاة والسلام ((غضّ، بصرك إلا عن زوجتك)) ولا يحلّ له الاستمتاع بها فى الدبر ولا فى الفرج حالة الحيض لقوله عليه الصلاة والسلام (( من أتى حائضا أو امرأة فى دبرها أو أتى كاهنا. صدّقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)) ونظره إلى فرجها ونظرها إلى فرجه مباح. وعن ابن عمر رضى الله عنه أن النظر أبلغ فى تحصيل اللذّة ، وقيل الأولى أن لاينظر لأنه يورث النسيان ، وقال عليه الصلاة والسلام ((إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ما استطاع ولا يتجرّدان تجرّد العير)). قال ( وينظر من ذوات محارمه وأمة الغير إلى الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين والشعر ) والأصل فيه قوله تعالى - ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهنّ - الآية، والمراد موضع الزينة، لأن النظر إلى نفس الثياب والحلىّ والكحل وأنواع الزينة حلال للأجانب والأقارب ، فكان المراد مواضع الزينة بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، ومواضع الزينة ما ذكرنا ، فالرأس موضع الإكليل ، والشعر موضع العقاص ، والأذن موضع القرط ، والعنق موضع القلائد ، والصدر موضع الوشاح ، والعضدان موضع الدملج ، والذراع موضع السوار ، والساق موضع الخلخال . وعن الحسن والحسين رضى الله عنهما أنهما كانا يدخلان على أختهما أم كلثوم وهى تمتشط ، ويستوى فى ذلك المحرمية بالنسب والرضاع والمصاهرة لأن الحرمة مؤبدّة فى الكل فيستوين فى إباحة النظر والمسّ . قال ( ولا بأس بأن يمسّ ما يجوز النظر إليه إذا أمن الشهوة) لأن المسافرة معهنّ حلال بالنصّ" ويحتاج فى السفر إلى مسهن فى الإركاب والإنزال، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قدم من مغازيه قبل رأس فاطمة . وعن أبى بكر رضى الله عنه أنه قبل رأس عائشة ومحمد بن الحنفية كان يقبل رأس أمه ، ولأن المحرم لما كان لا يشتهى عادة حلت معه محل الرجال ، ولا ينبغى أن يفعل شيئا من ذلك إذا خاف الشهوة أو غلبت على ظنه ، بل ينبغى أن يغضّ بصره ، فان من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، قال عليه الصلاة والسلام ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) ولا يجوز النظر من هؤلاء إلى ما بين السرّة حتى يجاوز الركبة لأنه عورة ولا إلى الظهر والبطن، لأن حكم الظهار إنما ثبت لتشبيهه بظهر الأمّ ، فلولا حرمة ظهرها لما ثبتت حرمة الزوجية كما إذا شبهها بيدها ورجلها ، وإذا ثبتت حرمة - ١٥٦ - وَلاَ يَنْظِرُ إلى الحُرَّةِ الأَجْنِبَيَّةِ إِلاَّ إلى الوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ إِنْ لَمْ يَخَفِ الشَّهْوَةَ ، فانْ خافَ الشَّهْوَةَ لاَ يُجُوزُ إلاَّ لِلْحَاكِمِ وَالشَّاهِدِ، وَلاَ يَجُوزُ أنْ يَمَسَّ ذلكَ وَإِنْ أَمِنَ الشَّهْوَةَ ؛ الظهر فالبطن أولى ، لأن الشهوة فيها أكثر فكانت أولى بالتحريم ، ولأن ذلك ليس موضع الزينة ، فان سافر معهنّ فلا بأس أن يحملهنّ وينزلهنّ يأخذ بالبطن والظهر ، لأن اللمس من فوق الثياب لايوجب الشهوة فصار كالنظر حتى لو كانت متجرّدة أو عليها ثياب رقيقة يجد حرارتها من فوقه لا يمسها تحرّزا عن الوقوع فى الفتنة؛ وأما أمة الغير فلأنها تحتاج إلى الخروج وقضاء الحوائج والأخذ والإعطاء فيقع النظر إليها ضرورة ومسّ بعض أعضائها كما فى المحارم . وعن ابن عمر رضى الله عنه أنه كان إذا رأى أمة متخمرة ألقى خمارها وقال لها : يا لكاع لاتتشبهين بالحرائر . ولا ينظر إلى ظهرها وبطنها لأنه محلّ الشهوة ، ولأنه لما حرم من المحارم مع عدم الشهوة فيهنّ عادة فلأن يحرم من الإماء كان أولى ، وإنما يباح ذلك عند عدم الشهوة لما بينا ، إلا إذا أراد الشراء فانه يباح له النظر مع الشهوة دون المسّ، لأن المسّ بشهوة استمتاع بأمة الغير وأنه حرام ، أما النظر فليس باستمتاع ، وإنما حرم لإفضائه إلى الاستمتاع وهو الوطء . والمسافرة بأمة الغير قيل تحلّ كالمحارم وقيل لا وهو المختار ، لأن الشهوة إلى أمة الغير كثيرة ، ولا كذلك فى المحارم ، ولأنه لاضرورة إلى المسافرة والخلوة معها، وفى المحارم ضرورة لما بينا، وكذا يحلّ للأمة النظر من الأجنبىّ إلى جميع بدنه ومسه وغمزه ما خلا العورة بشرط عدم الشهوة ، لأن العادة أن جارية المرأة تخدم زوجها وتغمزه وتدهنة فدلّ على الجواز. قال ( ولا ينظر إلى الحرّة الأجنبية إلا إلى الوجه والكفين إن لم يخف الشهوة ) وعن أبى حنيفة أنه زاد القدم ، لأن فى ذلك ضرورة للأخذ والإعطاء ومعرفة وجهها عند المعاملة مع الأجانب لإقامة معاشها ومعادها لعدم من يقوم بأسباب معاشها . والأصل فيه قوله تعالى - ولا يبدين زينتهنّ إلا ما ظهر منها - قال عامة الصحابة : الكحل والخاتم ، والمراد موضعهما لما بينا ، وموضعهما الوجه واليد ، وأما القدم فروى أنه ليس بعورة مطلقا لأنها تحتاج إلى المشى فتبدو ؛ ولأن الشهوة فى الوجه واليد أكثر ، فلأن يحلّ النظر إلى القدم كان أولى ؛ وفى رواية القدم عورة فى حقّ النظر دون الصلاة. قال ( فان خاف الشهوة لا يجوز إلا للحاكم والشاهد) لما فيه من الضرورة إلى معرفتها لتحمل الشهادة والحكم عليها وكما يجوز له النظر إلى العورة لإقامة الشهادة على الزنا . قال ( ولا يجوز أن يمسّ ذلك وإن أمن الشهوة) لأن المسّ أغلظ من النظر، فان الشهوة بالمسّ أكثر، فإن كانت عجوزا لاتشتهى أو كان شيخا لايشتهى فلا بأس بمصافحتها ، لما روى عن أبى بكر رضى الله عنه أنه كان يصافح العجائز ، - ١٥٧ - وَالعَبْدُ فَعَ سَيِّدَتِهِ كالْأجْنِىّ، وَالفَحْلُ وَالْحَصِىُّ وَالْمَجْبُوبُ سَوَاءٌ ، وَيُكْرَهُ أنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ فَمَ الرَّجُلِ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ يُعانِقَهُ وَلا بأس بالمُصَافَحَةِ، وَلا بأسَ بِتَقْبِيلِ يَدِ العالِمِ وَالسُّلْطانِ العادِلِ. ويَحِلُّللنِّساءِ لُبْسِ الحَرِيرِوَلاَ يَحِلّ للرّجالِ إلا مِقْدَارُ أَرْبَعِ أصَابِعَ كالعَلَّم وعبد الله بن الزبير استأجر عجوزا تمرّضه فكانت تغمزه وتغلى رأسه ، والصغيرة التى لاتشتهى لابأس بمسها والنظر إليها لعدم خوف الفتنة . ومن أراد أن يتزوّج امرأة يجوز له النظر إليها وإن خاف أن يشتهى لقوله عليه الصلاة والسلام للمغيرة وقد أراد أن يتزوّج امرأة (( انظر إليها فانه أحرى أن يؤدم بينكما)). قال ( والعبد مع سيدته كالأجنبى ) لأن خوفى الفتنة منه مثلها من الأجنبى ، وبل أكثر لكثرة الاجتماع والنصوص المحرمة مطلقة ، والمراد من قوله تعالى - أو ما ملكت أيمانهنّ - الإماء دون العبيد قاله الحسن وابن جبير . قال ( والفحل والخصى والمحبوب سواء ) لأن الآية تعمّ الكلّ ، والطفل الصغير مستثنى بالنصّ ، ولأن الخصىّ يجامع والمحبوب يساحق فلا تؤمن الفتنة كالفحل . قال ( ويكره أن يقبل الرجل فم الرجل أو شيئا منه أو يعانقه ) وعن أبى يوسف لابأس به ، وعن بعض المشايخ لا بأس به إذا قصد به الإكرام والمبرّة ولم يخف الشهوة، لما روى (( أنه عليه الصلاة والسلام عانق جعفر بن أبى طالب حين قدم من الحبشة وقبل بين عينيه وكان يوم فتح خيبر وقال : لاأدرى بأىّ الأمرين أسرّ ؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر)» وجه الظاهر نهيه صلى اللّه عليه وسلم عن المكائمة والمكامعة ، والأوّل التقبيل والثانى المعانقة ، وما رواه محمول على الابتداء قبل النهى. قال ( ولابأس بالمصافحة ) فانها سنة قديمة متوارثة بين المسلمين من لدن الصدر الأوّل إلى يومنا هذا. قال (ولا بأس بتقبيل يد العالم والسلطان العادل ) لأن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يقبلون أطراف رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن سفيان بن عيينة أنه قال : تقبيل يد العالم والسلطان العادل سنة ، فقام عبد الله بن المبارك وقبل رأسه ، وتقبيل الأرض بين يدى السلطان أو بعض أصحابه ليس بكفر لأنه تحية وليس بعبادة ، ومن أكره على أن يسجد للملك الأفضل أن لا يسجد لأنه كفر ، ولو سجد عند السلطان على وجه التحية لا يصير كافرا . فصل ( ويحل للنساء لبس الحرير، ولايحلّ للرجال إلا مقدار أبع أصابع كالعلم) لما روى عن على رضى الله عنه (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريرة بشماله وذهبا بيمينه ثم رفع بهما يديه وقال: إن هذين حرام على ذكور أمتى حلّ الإناثها )) وعن عمر - ١٥٨ - وَلا بأسَ (سم) بِتَوَسُّدِهِ وَافْتِرَاشِهِ، وَلا بأسَ بِلُبْسِ مَا سِدَاهُ إِبْرَيْسَمْ وُحْمَتُهُ قُطْنٌ أَوْ خَزٌّ؛ رضى الله عنه أنه قال ((حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس الحرير على الرجال إلا ما كان هكذا وهكذا ، وذكر أصبعين وثلاثا وأربعا)) وروى ((أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة وأراد به الأعلام )) وأهدى المقوقس ملك الإسكندرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبة أطرافها من ديباج فلبسها ولأن الناس اعتادوا لبس الثياب وعليها الأعلام فى سائر الأزمان ، والمعنى فيه أنه تبع للثوب فلا حكم له . قال (ولا بأس بتوسده وافتراشه ) وكذا ستر الحرير وتعليقه على الباب ، وقالا : يكره لعموم النهى ولأنه من زىّ الأعاجم وقد نهى عنه. وله أن النهى ورد فى اللبس وهذا دونه فلا يلحق به ، ولأن القليل من اللبس حلال وهو العلم فكذا القليل من الاستعمال حتى لا يجوز جعله دثار بالإجماع . وعن ابن عباس أنه كان له مرفقة (١) حرير على بساطه ، ولأن افتراشه استخفاف به فصار كالتصاوير على البساط فانه يجوز الجلوس عليه ولا يجوز لبس التصاوير . قال ( ولا بأس بلبس ما سداه إبريسم ولحمته قطن أو خز ) لأن الثوب بالنسج والنسج باللحمة ، فتعتبر اللحمة دون السدا ، فما كان سداه حريرا ولحمته غيره يجوز لبسه فى الحرب وغيره بالإجماع ، وما كان بالعكس يجوز فى الحرب خاصة بالإجماع أيضا للضرورة لأنه أهيب وأدفع لمضرّة السلاح . وقال أبو يوسف ومحمد : لبس الحرير فى الحرب جائز لما روى الشعبى أن النبىّ عليه الصلاة والسلام رخص فى لبس الحرير والديباج فى الحرب ، ولأنه أدفع لمضرّة السلاح وأهيب فى عين العدوّ فمست الحاجة إليه . وقال أبو حنيفة: لا يجوز لعموم النهى، والحرام لا يحلّ إلا للضرورة وقد اندفعت بالمخلوط فان الخالص إن اختصّ بمزية الخلوص فالمخلوط اختص بزيادة الثخانة والقوّة فاستويا فيجتزا به ، ولو كان الثوب رقيقا ولا يحصل به الإرهاب لا يجوز بالإجماع . وفى نوادر هشام عن محمد يكره لبنة الحرير : أى القب وتكة الديباج والإبريسم لأنه استعمال تام" ، وما كان سداه ظاهرا كالعتابى (٢)، قيل يكره لأن لا بسه فى منظر العين لابس حرير وفيه خيلاء ، وقيل لا يكره اعتبارا للحمة كما مرّ ، وتكره الخرقة التى يمسح بها العرق ويمتخط بها لأنه ضرب كبر ، وإن كانت لإزالة الأذى والقذر لابأس بها ، ولا بأس بالخرقة يمسح بها الوضوء لتوارث المسلمين ذلك ، وقيل إن فعله. تكيرا يكره كالتربع فى الاتكاء إن فعله تكبرا يكره وللحاجة لا . (١) قوله مرفقة ، قال فى مختار الصحاح : المرفقة بالكسر : المخدة اهـ. (٢) قوله كالعتابى ، قال فى ردّ المختار: هو مثل القطنى والأطلس فى زماننا. - ١٥٩ - وَيَجُوزُ لِلنَّساءِ التَّحَلَّى بالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا يَجُوزُ للرّجالِ إلاَّ الحاَتَمُ وَالمِنْطَقَةُ وَحِلَْةُ السَّيْنِ مِنَ الفِضَّةِ وكِتَابَةُ الثَّوْبِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَشَدُّ الأسنان بالفِضَّةِ، وَيُكْرَهُ أنْ يُلْبَسَ الصَّبِىُّ الذَّهَبَ وَالْحَرِيرَ، وَلَا يُجُوزُ اسْتِعْمَالٍ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَيَسْتَوِى فِيهِ الرّجالُ وَالنَّسَاءُ، قال ( ويجوز للنساء التحلى بالذهب والفضة ولا يجوز للرجال ) لما سبق من الحديث ( إلا الخاتم والمنطقة وحلية السيف من الفضة وكتابة الثوب من ذهب أو فضة وشدّ الأسنان بالفضة ) أما الخاتم والمنطقة وحلية السيف فبالإجماع ، والنبىّ عليه الصلاة والسلام كان له خاتم من فضة نقشه محمد رسول اللّه ، ونهى عليه الصلاة والسلام عن التختم بالذهب ، ثم التختم سنة لمن يحتاج إليه كالسلطان والقاضى ومن فى معناهما ومن لاحاجة له إليه فتركه أفضل . والسنة أن يكون قدر مثقال فما دونه ويجعل فصه إلى باطن كفه ، بخلاف النساء لأنه للزينة فى حقهنّ دون الرجال ، ويجوز أن يجعل فصه عقيقا أو فيروزجا أو ياقوتا أو نحوه ، ويجوز أن ينقش عليه اسمه أو اسما من أسماء الله تعالى لتعامل الناس ذلك من غير نكيراً ولا بأس بسدّ ثقب الفصّ بمسمار الذهب لأنه قليل فأشبه العلم ، ويكره التختم بالحديد والصفر للرجال والنساء لأنه حلية أهل النار وقد نهى عنه . وروى أنه كان قبضة سيفه عليه الصلاة والسلام من فضة . وأما كتابة الثوب كما بينا فى العلم الحرير ، وكرهه أبو يوسف بناء على اختلافهم فى الإناء المفضض . وأما شدّ الأسنان فمذهب أبى حنيفة ، وقالا : يجوز بالذهب أيضا قياسا على الأنف ، فانه روى أن عرفجة أصيب أنفه يوم كلاب (١) فاتخذ أنفا من فضة فأنتن ، فأمره عليه الصلاة والسلام أن يتخذ أنف من ذهب وكان ضرورة فيجوز . وله أن الضرورة فى الأسنان تندفع بالأدنى وهو الفضة ، ولا كذلك فى الأنف فافترقا . قال ( ويكره أن يلبس الصبىّ الذهب والحرير) لئلا يعتاده ألا ترى أنه يؤمر بالصوم والصلاة وينهى عن شرب الخمر لبعتاد فعل الخير ويألف ترك المحرّمات فكذلك هذا ، والإثم على من ألبسه لإضافة الفعل إليه . قال ( ولا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة) قال عليه الصلاة والسلام ((من شرب فى إناء ذهب وفضة فكأنما يجرجر فى بطنه نار جهنم)) وعلى هذا المجمرة والملعقة والمدهن والميل والمكحلة والمرآة ونحو ذلك ، والنصوص وإن وردت فى الشرب فالباقى فى معناه لاستوائهم فى الاستعمال ، والجامع أنه زىّ المتكبرين وتنعم المترفين، وأنه منهىّ عنه فيعمّ الكلّ (ويستوى فيه الرجال والنساء) لعموم النهى ، وعليه الإجماع . (١) قال الشعبى نقلا عن الاتقانى ((كلاب)) بالكاف وتخفيف اللام على وزن غراب: اسم واد بين الكوفة والبصرة كانت به واقعة عظيمة للعرب . - ١٦٠ - وَلا بأسَ بَآنِيَةِ العَقِيقِ وَالبِلَّوْرِ وَالزُّجاجِ وَالرَّصَاصِ، وَيَجُوزُ (س) الشُّرْب فى الإناءِ المُفَضَّصِ وَالجُلُوسُ عَلَى السَّرِيرِ الْمُفَضَّضِ إِذَا كَانَ يَنَّفِى مَوْضِعَ الفِضَّةِ فصل فى الاحتكار وَيُكْرَهُ فِى أَقْوَاتِ الآدَمِيِّينَ وَالَبهاِثِمِ فِى مَوْضِعٍ يَضُرُّ بِأهْلِهِ ، قال ( ولا بأس بآ نية العقيق والبلور والزجاج والرصاص ) لأنه لاتفاخر فى ذلك فلم يكن فى معناه . قال ( ويجوز الشرب فى الإناء المفضض والجلوس على السرير المفضض إذا كان يتفى موضع الفضة ) أى يتقى فمه ذلك ، وقيل يتقى أخذه باليد . وقال أبو يوسف : يكره، وقول محمد مضطرب ، وعلى هذا الاختلاف والتفصيل السرج المفضض والكرسى ، والإناء المضبب بالذهب والفضة . لأبى يوسف أنه إذا استعمل جزءا من الإناء فقد استعمل كله فيكون مستعملا للذهب والفضة . ولأبى حنيفة أن الفضة فى هذه الأشياء تابعة والعبرة للمتبوع لا للتبع ، وصار كالعلم فى الثوب ومسمار الذهب فى فصّ الخاتم ، وعلى هذا اللجام المفضض والركاب والثفر (١) ، أما اللجام من الفضة والركاب فحرام لأنه استعمل الفضة بعينها فلا يجوز ، ولا بأس بالانتفاع بالأوانى المموّهة بالذهب والفضة بالإجماع ، لأن الذهب والفضة مستهلك فيه لا يخلص فصار كالعدم ، والأشنان والدهن يكون فى إناء فضة أو ذهب يصبّ منه على اليد . قال محمد : أكره ولا أكره ذلك فى الغالية لأنه يدخل يده أو عودا فيخرجها إلى الكفّ ثم يستعملها من الكفّ فلا يكون مستعملا للإناء، ولا كذلك الدهن والأشنان فانه يكون مستعملا به بالصبّ منه . فصل فى الاحتكار وهو مصدر احتكرت الشىء إذا جمعته وحبسته ، والاسم الحكرة بضم الحاء . قال ( ويكره فى أقوات الآدميين والبهائم فى موضع يضرّ بأهله) والأصل فى ذلك قوله تعالى - ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم - قال عمر رضى الله عنه: لاتحتكروا الطعام بمكة فانه إلحاد ، وما روى ابن عمر عن النبىّ عليه الصلاة والسلام أنه قال ((الجالب مرزوق والمحتكر محروم)) وفى رواية ((ملعون)) وعنه عن النبيّ عليه الصلاة والسلام أنه قال (( من احتكر طعاما أربعين يوما فقد برئ من اللّه وبرى الله منه)) وزوى أبو أمامة الباهلى ((أن النبيّ عليه الصلاة والسلام نهى أن يحتكر الطعام)) وروى عمر عن النبىّ عليه الصلاة والسلام أنه قال (( من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللّه بالجذام والإفلاس)) ولأن فيه تضييقا (١) قوله والثفر ، قال فى القاموس: الثفر بالتحريك: السير فى مؤخر السرج وقد يسكن.