Indexed OCR Text

Pages 121-140

- ١٢١ -
فانْ وَادَ عَهُمْ ◌ُثُمَّ رأى القِتَالَ أَصْلَحَ نَبَّذَ إلى مَلِكِهِمْ، وَإِنْ بَدَءُوا بِخِيانَة
وَعَلِمَ مَلِكُهُمْ بِهَا قاتَلَهُمْ مِنْ غْرِ نَبْذٍ. وَيَجُوزُ أنْ يُوَادِ عَهُمْ بِمَالٍ
وَبِغيرِهِ، وَمَا أَخَذُوُهُ قَبْلَ مُحَاصَرَيْهِمْ فَهُوَ كالجِزْيَةِ وَبَعْدَها كالغَنِيمَةِ،
وَإِنْ دَفَعَ إَلْهِمْ مالاً لِيُوَادِ عُوهُ جازَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ،
فمل إليهم وصالحهم ، والمعتبر فى ذلك مصلحة الإسلام والمسلمين ، فيجوز عند وجود
المصلحة دون عدمها ، ولأن عليهم حفظ أنفسهم بالموادعة ، ألا يرى أنه صلى اللّه عليه
وسلم صالح أهل مكة عام الحديبية على وضع الحرب عشر سنين ، ولأن الموادعة إذا
كانت مصلحة المسلمين كان جهادا معنى ، لأن المقصود دفع الشرّ وقد حصل ، وتجوز
الموادعة أكثر من عشر سنين على مايراه الإمام من المصلحة ، لأن تحقيق المصلحة والخير
لا يتوقت بمدّة دون مدّة . قال ( فان وادعهم ، ثم رأى القتال أصلح نبذ إلى ملكهم )
وقاتلهم ، قال تعالى - فانبذ إليهم على سواء - والنبيّ صلى الله عليه وسلم نبذ الموادعة التى
كانت بينه وبين أهل مكة ، ولأن المعتبر المصلحة على ما بينا ، فاذا تبدّلت يصير النبذ
جهادا ، وتركه ترك الجهاد صورة ومعنى ، ولابدّ من النبذ تحرّزا عن الغدر المنهى عنه ،
ويكتفى بعلم الملك لأنه صاحب أمرهم ويعلمهم بذلك ، ويشترط مدّة يبلغ خبر النبذ إلى
جماعتهم ، فاذا مضت مدّة يمكن الملك إعلامهم جاز مقاتلتهم وإن لم يعلمهم ، لأن التقصير
من ملكهم فلا يكون غدرا ، ولو آمنهم ولم ينزلوا من حصهم فلا بأس بقتالهم بعد الإعلام .
وإن نزلوا إلى عسكر المسلمين فهم على أمانهم حتى يعودوا إلى حصنهم لأنهم نزلوا بسبب
الأمان ، فلا يزالون على حكمه حتى يعودوا إليه . قال ( وإن بدءوا بخيانة وعلم ملكهم بها
قاتلهم من غير نبذ ) لأنهم قد نقضوا العهد لما كان باختيار ملكهم ؛ أما لو دخل منهم
جماعة دارنا وقطعوا الطريق بغير أمر الملك لا يكون نقضا فى حقّ الجميع لأنه بغير إذن
الملك ، ويكون نقضا فى حقهم خاصة فيقتلون . قال ( ويجوز أن يوادعهم بمال وبغيره)
إذا كان فى ذلك مصلحة للمسلمين ، ولهم حاجة إلى المال لما مرّ ( وما أخذوه قبل
محاصرتهم ) بأن أرسل إليهم رسولا ( فهو كالجزية ) لايخمس لأنه مال أهل الحرب حصل
لنا بغير قتال (و) ما أخذوه (بعدها ) أى محاصرتهم يخمس (كالغنيمة ) ويقسم الباقى
لأنه حصل بقوّة الجيش . قال ( وإن دفع إليهم مالا ليوادعوه جاز عند الضرورة ) وهو
خوف الهلاك ، لأن دفع الهلاك واجب بأىّ طريق كان ، فإنه إذا لم يكن بالمسلمين قوّة
ظهر عليهم عدوّهم فأخذ الأنفس والأموال، وقد قال عليه الصلاة والسلام ((اجعل مالك
دون نفسك)) وإن لم يكن ضرورة لا يجوز لما فيه من إلحاق الذلة بالمسلمين وإعطاء الدنيئة :

- ١٢٢ -
وَالْمُرْتَدُّونَ إِذَا غَلَبُوا عَلى مَذِينَةٍ، وأهْلُ الذّمَّةِ إِذَا نَقَضُوا العَهْدَ كالْمُشْرِكِينَ
فى المُؤَادَعَةِ، وَيُكْرَه بَيْعُ السلاحِ وَالْكُرَاعِ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ وَتَجْهِيزُهُ إِلَيْهِمْ
قَبْلَ الْمُؤَادَعَةِ وَبَعْدَها .
وَإِذَا أَمَّنَ رَجُلٌ أوِ امْرأةٌ كافِرًا أَوْ جَمَّاعَةً أَوْ أَهْلَ مَدِينَةٍ صَحَّ،
أى الخسة فى الدين . قال ( والمرتدّون إذا غلبوا على مدينة ، وأهل الذمة إذا نقضوا العهد
كالمشركين فى الموادعة ) أما المرتدّون فلأن الإسلام مرجوّ منهم فيوادعهم لينظروا
فى أمورهم فربما عادوا إلى الإسلام ، إلا أنه لا يأخذ منهم مالا لأنه بمنزلة الجزية ، ولا جزية
عليهم لأنه لا يجوز تأخير قتلهم بمال يؤخذ منهم لما يأتى إن شاء الله تعالى، ولو أخذه
لايردّه لعدم العصمة ، ولو غلبوا فقد صارت دارهم دار حرب وأموالهم غنيمة ، فكذا
أهل الذمة لأنهم لما نقضوا العهد صاروا كغيرهم من أهل الحرب ، ويجوز أخذ المال
منهم لأنه لا يجوز تركهم بالجزية ، بخلاف المرتدّين وعبدة الأوثان من العرب كالمرتدّين
فى الموادعة ، لأنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف ، وكذلك أهل البغى فى الموادعة ،
لكن إن أخذ منهم ما لا يردّه عليهم إذا وضعت الحرب أوزارها لأنهم مسلمون لو أصيب
مالهم بالقتال يرد عليهم ، ويكره لأمير الجيش أو قائد من قواد المسلمين أن يقبل هدية
أهل الحرب فيختصّ بها ، بل يجعلها فيئا للمسلمين لأنه إنما أهدى إليه بمنعة المسلمين
لا بنفسه ، قال ( ويكره بيع السلاح والكراع من أهل الحرب وتجهيزه إليهم قبل الموادعة
وبعدها ) لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، ولما فيه من تقويتهم على المسلمين
لأنه معصية ، وكذلك الحديد وكل ما هو أصل فى آلات الحرب ، وهو القياس فى الطعام
والشراب ، إلا أنا جوّزناه لما روى أنه عليه الصلاة والسلام أمر ثمامة بأن يمير أهل مكة
وكانوا حربا علينا ، ولأنا نحتاج إلى بعض ما فى بلادهم من الأدوية ، فلو منعنا عنهم الميرة
لمنعوها عنا ، ولا يكره إدخال ذلك على أهل الذمة لأنهم التحقوا بالمسلمين فى الأحكام ،
ولا يمكن الحربى أن ينقل إلى دار الحرب السلاح والكراع والحديد والدقيق إذا اشتراه فى دار
الإسلام مسلما كان أو كافرا ، ولا يمنع أن يرجع بما جاء به من هذه الأشياء لأنه تناوله
عقد الأمان ، فان أسلم بعض عبيده منع من إدخاله دار الحرب لأن المسلم يمنع من ذلك ،
ولا بأس بادخال المصحف أرض الحرب لقراءة القرآن مع جيش عظيم أو تاجر دخل
بأمان لأن الغالب السلامة ، ويكره ذلك مع سرية أو جريدة خيل يخاف عليهم الانهزام
لأنه ربما وقع فى أيدى أهل الحرب فيستخفون به وكتب الفقه بمنزلة المصحف .
فصل
( وإذا أمن رجل أو امرأة كافرا أو جماعة أو أهل مدينة صحّ ) أمانهم فلا يحلّ لأحد

- ١٢٣ -
فإنْ كانَ فيهِ مَّفْسَدَةٌ أَدَّبَهُ الإِمامُ وَنَبَذَ إلَيْهِمْ، وَلَا يَصِحُّ أمانُ ذِمِّىَ ،
وَلَا أسيرٍ، وَلا تاجِرٍ فِيهِمْ، وَلا مَنْ أسْلَم عِنْدَهُمْ وَهُوَ فِيهِمْ، وَلا أَمَانَ
عَبْدٍ تَحْجُورٍ عَنِ القِتالِ ،
من المسلمين قتالهم ؛ وشرط صحة الأمان أن يكون المؤمَّن ممتنعا مجاهدا يخاف منه الكفار ،
لأن الأمن إنما يكون بعد الخوف ، والخوف إنما يتحقق من الممتنع ، والواحد يقوم مقام
الكلّ فى الأمان لتعذّر اجتماع الكلّ، قال عليه الصلاة والسلام (( المسلمون تتكافأ دماؤهم
يسعى بذمتهم أدناهم)) أى أن الواحد يسعى بذمة جميعهم. وروى (( أن زينب بنت رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم أمنت زوجها، فأجاز صلى الله عليه وسلم أمانها، وأجازت أم هانئ
رجلين من المشركين ، فأراد علىّ أن يقتلهما وقال لها : أتجيرين المشركين على رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: والله لاتقتلهما حتى تقتلنى دونهما ، ثم أغلقت دونه الباب
وجاءت إلى النبىّ عليه الصلاة والسلام فأخبرته بذلك ، فقال : ما كان له ذلك فقد أجرنا
من أجرت وأمنا من أمنت)) فعلم أن أمان الواحد جائز؛ وإذا جاز أمانه لا يجوز لأحد التعرّض له
بقتل ولا أخذ مال كما لو آمنه الإمام . قال ( فان كان فيه مفسدة أدّبه الإمام ) لافتياته
على رأيه ، بخلاف ما إذا كان فيه مصلحة ، لأنه ربما يفوت بالتأخير فيعذر . قال ( ونبذ
إليهم ) لأن الإمام إذا أمنهم أو صالحهم ثم رأى النبذ أصلح نبذ إليهم فهذا أولى ، وينبغى
للإمام إذا جاءوه بالأمان أن يدعوهم إلى الإسلام أو إلى إعطاء الجزية ، فان أجابوه إلى
الإسلام فبها ونعمت ، وإن أبوا وأجابوا إلى الجزية قبلت منهم وصاروا ذمة ، وإن أبوا
ردّهم إلى مأمنهم وقاتلهم ، قال تعالى - ثم أبلغه مأمنه - ولأنه لا يجوز التعرّض لهم مع
الأمان ، ولا يجوز تركهم على الكفر من غير جزية فيعرض عليهم الإسلام أو الجزية
التى يستحقّ معها الأمان ، فان أبوا لم يجز تركهم فيردّهم ثم يقاتلوهم كما لو خرجوا إلينا
بأمان . قال ( ولا يصحّ أمان ذمىّ ولا أسير ، ولا تاجر فيهم ، ولا من أسلم عندهم وهو
فيهم ) لأن الذمىّ متهم ولا ولاية له على المسلمين ، والباقون مقهورون عندهم فلا يخافونهم
فلا يكونون من أهل البيان على ما بينا ، ولأنه لو انفتح هذا الباب لانسدّ باب الفتح ،
لأنهم كلما اشتدّ الأمر عليهم لا يخلون عن أسير أو تاجر فيتخلصون به وفيه ضرر ظاهر .
قال ( ولا أمان عبد محجور عن القتال ) وقال محمد : يصحّ ، وقول أبى يوسف مضطرب .
لمحمد قوله عليه الصلاة والسلام ((يسعى بذمتهم أدناهم)) وقياسا على المأذون له فى القتال ،
ولأبى حنيفة أنهم آمنون منه ، فلا يصحّ أمانه كالأسير والتاجر ، ولأنه إنما لم يملك العقود
لما فيها من إسقاط حقّ المولى، فلا يملك ما فيه إسقاط حقّ المولى وسائر المسلمين ،
وهو الأمان بطريق الأولى ، بخلاف المأذون ، لأنه لما أذن له فى القتال فقد جعل إليه

- ١٢٤ -
وَلا أمانَ لِلْمُرَاهِقِ .
وَإِذَا فَتَحَ الإِمامُ بَلْدَةً عَنْوَةَ إنْ شاءَ قَسَمَهَا بَيْنَ الغانِمِينَ، وَإنْ شاءَ أقَرَّ
أَهْلَهَا عَلْيِها وَوَضَعَ عَلْهِمُ الجِزْيَةَ، وَعَلَى أَرَاضِيهِمُ الْخَرَاجَ ،
الرأى فى القتال ، وتارة يكون الرأى فى القتال ، وتارة فى الكفّ عنه ، فلذلك جاز أمانه ،
ولأن الخطأ من المحجور ظاهر لعدم علمه بعدم المباشرة ، وخطأ المأذون نادر لمباشرته
القتال . قال ( ولا أمان للمراهق ) وقال محمد : إن كان يعقل الأمان. ويصفه يجوز أمانه
لأنه يصير مسلما بنفسه ، ومن لايعقل الإسلام إنما يحكم باسلامه تبعا فلا يعتدّ به، ولأن
المراهق من أهل القتال كالبالغ ، ولأبى حنيفة أنه لا يملك العقود والأمان عقد ، ومن لا يملك
أن يعقد فى حقّ نفسه ففى حقّ غيره أولى، وإن كان مأذونا له فى القتال ، قيل يصح
أمانه ، وعامة المشايخ أنه لا يصحّ لأن المصلحة والخيرية خفية لا يهتدى إليها إلا من له كثرة
تجربة وممارسة وذلك بعد البلوغ .
فصل
( وإذا فتح الإمام بلدة عنوة إن شاء قسمها بين الغانمين ) كما فعل النبيّ عليه الصلاة
والسلام بخيبر وسعد رضى الله عنه ببنى قريظة (وإن شاء أقرّ أهلها عليها ووضع عليهم
الجزية وعلى أراضيهم الخراج) كما فعل عمر رضى الله عنه بسواد العراق باجماع الصحابة ،
وكل ذلك قدوة فيتخير . قالوا : الأوّل أولى عند حاجة الغانمين ، والثانى عند عدمها
ليكون ذخيرة لهم فى الثانى من الزمان ، فانهم يعملون للمسلمين وهم يعلمون وجوه
الزراعات ، ولهذا قالوا : يعطيهم من المنقول ما لابدّ لهم منه فى العمل ليتهيأ لهم ذلك ،.
ولأن المنّ برقابهم لمنفعة الزراعة حتى لو لم يكن لهم أرض لا يجوز المنّ عليهم برقابهم ،
وكذا لو منّ برقابهم لاغير ولهم أراض أو برقابهم وأموالهم لا يجوز لأنه إبطال حقّ الغانمين
لأن الرقاب لاتدوم بل تنقطع بالموت والإسلام ، وإنما يجوز تبعا للأراضى نظرا للغانمين
لئلا يشتغلوا بالزراعة فيتقاعدوا عن الجهاد ، وفيه مصلحة لمن يجىء بعدهم كما قاله عمر
رضى الله عنه ، فإنه لما وضع الخراج على أرض العراق طلبوامنه قسمتها ، واحتجوا عليه
بقوله تعالى - ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى - الآية ، وبقوله تعالى - للفقراء
المهاجرين - الآية ، فاحتجّ عليهم بقول الله تعالى - والذين جاءوا من بعدهم - . وقال :
لو قسمتها عليكم لم يبق لمن بعدكم شىء ، فأطاعوه ورجعوا إلى قوله ، وإنما يملك إبطال
حقهم بالقتل دفعا لشرّهم فلا يتمحض ضررا ؛ أما المنّ ضرر محض يجعلهم عونا للكفرة
وهذا فى العقار ؛ وأما المنقول لايردّه عليهم لأنه لم يرد به الشرع .

- ١٢٥ -
وَإنْ شاءَ قَتَلَ الأسْرَى، أوِ اسْتَرَقَّهُمْ، أَوْ تَرَكَهُمْ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ،
وَلَا يُفَادُونَ (سم) بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَلا بالمَالِ إلاَّ عِنْدَ الحاجَةِ إِلَيْهِ؛ وَإذَا
أَرَادَ الإِمامُ العَوْدَ وَمَعَهُ مَوَاشٍ يَعْجَزُ عَنْ نَقْلِهِا ذَبحَها وَحَرَقَها،
قال ( وإن شاء قتل الأسرى ) لأنه عليه الصلاة والسلام قتل ، وفيه تقليل مادّة الكفر
والفساد، وقتل صلى اللّه عليه وسلم عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن شميل بعد ما حصل
فى يده ، وقتل بنى قريظة بعد ثبوت اليد عليهم ( أو ) إن شاء ( استرقهم ) لأن فيه دفع
شرّهم مع وفور المنفعة للمسلمين ( أو ) إن شاء ( تركهم ذمة للمسلمين ) لما تقدّم إلا
المرتدّين ومشركى العرب على ما يأتى فى الجزية ، ولا يجوز ردّهم إلى دار الحرب لأن فيه
تقوية للكفرة على المسلمين ، ولو أسلموا بعد الأخذ لانقتلهم لاندفاع الشرّ ، ويجوز
استرقاقهم لانعقاد سبب الملك ، بخلاف ما لو أسلموا قبل الأخذ حيث لا يجوز استرقاقهم
لأنه لم ينعقد سبب الملك . قال ( ولا يفادون بأسرى المسلمين ) وقالا : يفادون بهم لأن
فى عود المسلمين إلينا عونا لنا ، ولأن تخليص المسلم أولى من قتل الكفار ، وقد قال تعالى
- فإما منا بعد وإما فداء - ولأبى حنيفة قوله تعالى - اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
وقوله تعالى - وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة - فيجب قتلهم وذلك يمنع ردّهم ، ولأن الكافر
يصير حربا علينا ، ودفع شرّ حرابهم خير من تخليص المسلم منهم ، لأن كون المسلم
فى أيديهم ابتلاء من الله تعالى غير مضاف إلينا، وإعانتهم بدفع الأسير إليهم مضاف إلينا .
وذكر الكرخى ، قال أبويوسف : تجوز المفاداة بالأسارى قبل القسمة ولا تجوز بعدها
وقال محمد: يجوز على كلّ حال. قال ( ولا بالمال إلا عند الحاجة إليه ) لما بينا ،
ومفاداة النبيّ عليه الصلاة والسلام يوم بدر عاتبه الله تعالى عليها بقوله - لولا كتاب من
اللّه سبق - الآية ، فجلس صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يبكيان . وقال عليه الصلاة
والسلام ((لو نزل من السماء عذاب لما نجا منه إلا عمر)) لأنه أشار بقتلهم دون الفداء ،
والقصة معروفة ؛ ويجوز عند الحاجة للاستعداد للجهاد ، لأن المعتبر المصلحة وهى فيما
ذكرنا . قال محمد : لابأس بأن يفادى بالشيخ الفانى والعجوز الفانية بالمال إذا كان لا يرجى
منه الواد لأنه لامعونة لهم فيه ، بخلاف الصبيان والنساء لأن فى الردّ عليهم معونة لهم ،
ولا يجوز المنّ على الأسرى لما فيه من إبطال حقّ الغانمين بغير عوض فإن حقهم ثبت
فيهم بالأسر فلا يبطل ، ولأن النصوص الواردة فى قتال المشركين وقتلهم تنفى ذلك .
قال ( وإذا أراد الإمام العود ومعه مواش يعجز عن نقلها ذبحها وحرقها ) لكيلا ينتفعوا
باللحم ولا يعقرها لأنه مثلة ، وذبح الشاة جائز لغرض صحيح ، وكسر شوكة الأعداء
غرض صحيح وصار كقطع الشجر وتخريب البناء ، أما الحرق قبل الذبح منهىّ عنه لما فيه

- ١٢٦ -
وَيَحْرِقُ الأُسْلِحَةَ.
وَلَا تُقْسَُّ غَنِيمَةٌ فى دَارِ الحَرْبِ (س)، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُها قَبْلَ القِسْمَةِ.
وَمَنْ ماتَ مِنَ الغانِمِينَ فى دارِ الحَرْبِ فَلَاسَهْمَ لَهُ، وَإِنْ ماتَ بَعْدَ إِحْرَازِها
بِدَارِنا فَنَصِيبُهُ لِوَرَثَتِهِ.
من تعذيب الحيوان ( ويحرق الأسلحة.) والأمتعة أيضا ، وما لا يحترق منها يدفن فى موضع
لا يقدر الكفار عليه إبطالا للمنفعة عليهم ؛ أما الأسارى يمشون إلى دار الإسلام، فإن عجزوا
قتل الرجال وترك النساء والصبيان فى أرض مضيعة حتى يموتوا جوعا وعطشا ، لأنا
لانقتلهم للنهى ، ولو تركوا فى العمران عادوا حربا علينا ، فالنساء يحصل منهنّ النسل ،
والصبيان يكبرون فيصيرون حربا علينا فتعين ماقلناه ، ولهذا قالوا : إذا وجد المسلمون
فى دار الحرب حيات وعقارب ينزعون حمة العقرب (١) وأنياب الحية دفعا لضررها عنهم
ولا يقتلونها لئلا ينقطع نسلهم وفيه منفعة الكفار ، وقد أمرنا بضده .
فصل
الغنيمة : اسم لما يؤخذ من أموال الكفار على وجه القهر والغلبة ، وما يؤخذ منهم هدية
أو سرقة أو خلسة أو هبة فليس بغنيمة ، وهو للآخذ خاصة . قال ( ولا تقسم غنيمة فى دار
الحرب ) لكن يخرجها إلى دار الإسلام فيقسمها . وقال أبو يوسف : إن قسمت فى دار
الحرب جاز ، وأحبّ إلىّ أن تقسم فى دار الإسلام (ولا يجوز بيعها قبل القسمة ) ولا
فى دار الحرب ( ومن مات من الغانمين فى دار الحرب فلا سهم له ، وإن مات بعد إحرازها
بدارنا فنصيبه لورثته ) وإذا لحقهم المدد فى دار الحرب شاركوهم فيها ، ولا تضمن
بالإتلاف ، وأصله أن الغنائم لا تملك بالإصابة ويثبت فيها الحقّ، وهو اليد الناقلة المتصرّفة.
ويتأكد الحقّ بالإحراز ويثبت بالقسمة، فلو أسلم الأسير بعد الأخذ قبل الإحراز لا يكون
حرّاً ، ولو أسلم قبل الأخذ يكون حرّاً ؛ والدليل أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع
الغنيمة فى دار الحرب ، والقسمة بيع معنى فيدخل تحت النهى ، ولأنه عليه الصلاة
والسلام قسم غنائم بدر بالمدينة ، ولو جاز قسمتها قبل ذلك لم يؤخرها ، لأن تأخير الحقّ
عن مستحقه لا يجوز مع حاجته إليه إلا بإذنه ، ولأن فيه ضررا بالمسلمين ، لأن المدد
يقطع طمعهم عنها فلا يلحقونهم فلا تؤمن كرّة الكفار عليهم ، وربما كان سببا لرجوع
الكرّة عليهم، لاشتغال كلّ منهم بحمل نصيبه والدخول إلى وطنه ، وما روى
(١) حمة العقرب بالحاء المهملة المضمومة وفتح المخففة : سمها وضرّها هكذا فى مختار
الصحاح .

- ١٢٧ -
وَالرَّدْهُ وَالْمُقَاتِلُ فى الغَنِيمَةِ سَوَاءٌ وَإِذَا لَحِقَهُمْ مَدَدٌّ فى دَارِ الحَرْبِ شارَ كُوهُم
فِيها، وَلَيْسَ لِلسَّقَةِ سَهْمٌ إلاَّ أنْ يُقاتِلُوا، فإذَا لَمْ يَكُنْ لِلإِمامِ ما يَحْمِلُ
عَلَيْهِ الغَنَائِمَ أوْدَعَها الغانِمِينَ لِيُخْرِجُوها إلى دَارِ الإسْلامِ، ثُمَّ يَقْسِمُها،
وَيَجُوزُ لِلْعَسْكَرِ أنْ يَعْلِفُوا فى دَارِ الحَرْبِ، ويأكُلُوا الطَّعامَ، وَيَدَّهِنُوا
بالدُّهْنِ، وَيُقَاتِلُوا بالسِّلَاحِ، وَيَرْكَبُوا الدَّوَابَّ، وَيَلْبَسُوا الشَّيَّابَ إذَا احْتَاجُوا
إلى ذلكَ ،
أنه عليه الصلاة والسلام قسم غنائم خيبر فيها ، وغنائم بنى المصطلق فيها ، فإنه فتحها
وصارت دار الإسلام ، ولو قسمها فى دار الحرب جاز بالإجماع لأنه قضى فى مجتهد فيه .
قال ( والردء والمقاتل فى الغنيمة سواء ) لاستوائهم فى السبب وهو المجاورة أو شهود الوقعة
على ما يأتى إن شاء الله تعالى ، ولأن إرهاب العدوّ يحصل بالردء مثل المقاتل أو أكثر فقد
شاركوا المقاتلة فى السبب فيشاركونهم فى الاستحقاق . قال ( وإذا لحقهم مدد فى دار الحرب
شاركوهم فيها )) لما مرّ . وبذلك كتب عمر رضى الله عنه إلى سعد بن أبى وقاص ، وإنما
تنقطع شركتهم إما بالإحراز بدار الإسلام ، أو بالقسمة فى دار الحرب ، أو بيع الإمام
الغنيمة فى دار الحرب ، فإذا وجد أحد هذه المعانى الثلاثة انقطعت الشركة ، لأن الملك
يستقرّ به ، واستقلال الملك يقطع الشركة. ولوفتح العسكر بلدا من دار الحرب واستظهروا
عليه ثم لحقهم مدد لم يشاركوهم لأنه صار من بلد الإسلام فصارت الغنيمة محرزة بدار
الإسلام فلا يشاركونهم. قال ( وليس للسوقة سهم إلا أن يقاتلوا ) لعدم السبب فى حقهم ،
وهو المجاوزة بقصد القتال فيعتبر السبب الآخر وهو حقيقة القتال ، ويعتبر حاله عند القتال
فارسا أو راجلا ، وكذلك التاجر لما بينا . قال ( فإذا لم يكن للإمام ما يحمل عليه الغنائم
أودعها الغانمين ليحرجوها إلى دار الإسلام ثم يقسمها ) لما مرّ أن القسمة لاتجوز فى دار
الحرب ، ولا بدّ من الحمل إلى دار الإسلام ، فإن كان فى الغنيمة حمولة حمل عليها ، لأن
المحمول والحمولة لهم ، وكذا إن كان مع الإمام فضل حمولة فى بيت المال حمل عليها لأنه
مال المسلمين.، وإن لم يكن معه فمن كان من الغانمين معه فضل حمولة يحمل عليها بالأجر
بطيبة نفسه ، وإن لم يطب لا يحمل لأنه لا يحلّ الانتفاع بمال المسلم إلا بطيبة من نفسه، هذه
رواية السير الصغير ، وذكر فى السير الكبير أنه يحمل على كره منه بأجر المثل لأنه ضرورة
وحالة الضرورة مستثناة كما إذا انقضت مدّة الإجارة فى المفازة أو فى البحر أو فى الزرع نقل"
تنعقد مدّة أخرى بأجرة المثل فكذا هذا، فإذا لم يجد حمولة أصلا ذبح وأحرق وقتل على
ما بينا . قال ( ويجوز للعسكر أن يعلفوا فى دار الحرب ، ويأكلوا الطعام ، ويدهنوا بالدهن
ويقاتلوا بالسلاح ، ويركبوا الدواب ، ويلبسوا الثياب إذا احتاجوا إلى ذلك) لما روى ابن

- ١٢٨ -
فإذَا خَرَجُوا إلى دَارِ الإسْلامِ كَمْ يَجُزْ لَهُمْ شَىْءٌ وَمِنْ ذلكَ، وَيَرُدُّونَ ما فَضَلَ
مَعَهُمْ قَبْلَ القِسْمَةِ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِهِ بَعْدَها .
فصل
يَّنْبَغِى لِلإِمامِ أوْ نائِبِهِ أنْ يَعْرِضَ الجَيْشَ عِنْدَ دُخُولِهِ دَارَ الحَرْبِ
لِيَعْلِمَ الفارِسَ مِنَ الرَّاجل ،
عمر رضى الله عنه أن جيشا غنموا فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما وعسلا
فلم يأخذ منهم الخمس . وعن أوفى بن أبى أوفى أن الطعام يوم خيبر لم يخمس ، وكان الرجل
إذا احتاج إلى شىء ذهب فأخذه . وكتب عمر رضى الله عنه إلى أمير الجيش بالشام : مر
العسكر فليأكلوا وليعلفوا ولا يبيعوا بذهب ولا فضة ، فمن باع بذهب أو فضة ففيه
الخمس ، ولأنه يتعذر عليهم حمل الطعام أو العلف إلى دار الحرب والميرة منقطعة عنهم ،
فان أهل الحرب لا يبيعونهم فلو لم نجز لهم ذلك ضاق عليهم الأمر ، أو نقول الطعام والعلف
لا يمكن حمله إلى دار الإسلام غالبا فلا تجرى فيه الممانعة فلذلك جاز ، ولا يجوز أن يبيعوا
شيئا من ذلك بذهب ولا فضة ولا عروض ، لأنه إنما أبيح لهم ذلك للحاجة فلا يجوز لهم
البيع كمن أباح طعامه لغيره ويردُّون الثمن إلى الغنيمة لأنه صار مالا يجرى فيه التمانع كغيره
من الأموال ( فاذا خرجوا إلى دار الإسلام لم يجز لهم شىء من ذلك ) لأن الحاجة زالت ،
ولأنه استقرّ حقّ الغانمين بالحيازة فلا ينتفع بعضهم بغير إذن الباقين. قال (ويردّون
ما فضل معهم قبل القسمة ويتصدّقون به بعدها ) ليقسم على مستحقيه ، فإن وقعت القسمة
يتصدّقون به ، يعنى إن كانوا أغنياء ، وإن كانوا محتاجين انتفعوا به لأنه لا يمكن قسمة
ذلك بين جماعة الجيش فصار كمال لا يمكن إيصاله إلى مستحقيه وحكمه ما ذكرنا كاللقطة ،
وإن انتفعوا به بعد خروجهم إلى دار الإسلام إن كان غنيا تصدّق بقيمته بعد القسمة لما بينا
ويردّه إلى الغنيمة قبل القسمة إيصالا للحقّ إلى مستحقه، وإن كان فقيرا ردّ قيمته قبل
القسمة ولا شيء عليه بعدها على ما بينا ، فإذا ذبحوا البقر أو الغنم ردّوا الجلود إلى الغنيمة
إذ لاحاجة لهم إليها ، ولا ينتفع بما ذكرنا من الأشياء إلا من له سهم من الغنيمة أو يرضخ
له غنيا كان أو فقيرا ، ويطعم من معه من النساء والأولاد والمماليك ولا يطعم الأجير ،
وكذلك المدد ، ولو أهداه إلى تاجر لا ينبغى أن يأكل منه إلا أن يكون خبز الحنطة أو طبيخ
اللحم فلا بأس بالأكل منه لأنه ملكه بالاستهلاك .
فصل
( ينبغى للإمام أو نائبه أن يعرض الجيش عند دخوله دار الحرب ليعلم الفارس من الراجل )

- ١٢٩ -
"فَنْ ماتَ فَرَسُهُ بَعْدَ ذلكَ فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍٍ، وَإِنْ باعَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ رَهَنَّهُ
أَوْ كانَ مُهْرًا أوْ كَبِيرًا أوْ مَرِيضًا لا يَسْتَطِيعُ القَقَالَ عَلَيْهِ فَلْهُ سَهْمُ رَاجلٍ ،
وَمَنْ جاوَزَ رَآجلاً ◌ُثُمَّ اشْتَرَى فَرَسَا فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ، وَتُقْسَمُ الغَنِيمَةُ
أخْماسا: أرْبَعَةٌ مْها للْغانمِينَ، للْفارس سَهْمان (سم)، وَالرَّاجلِ سَهْمٌ"،
ليقسم بينهم بقدر استحقاقهم (فمن ) دخل فارسا ثم ( مات فرسه بعد ذلك فله سهم فارس )
وكذا لو أخذه العدوّ قبل حصول الغنيمة أو بعدها ، لأن الفارس من أوجف على بلاد
العدوّ بفرس فدخل فارسا ، لأن المقصود إرهاب العدوّ دون القتال عليها، حتى إن من
دخل فارسا وقاتل راجلا استحقّ سهم فارس، وإرهاب العدوّ إنما يحصل بالدخول لأن
عنده ينتشر الخبر ويصل إليهم أنه دخل كذا كذا فارسا ، وكذا كذا راجلا ويتعذر
الوقوف عليهم عند القتال لأنهوقت التقاء الصفين وتعبئة الجيوش وترتيب الصفوف، والوقت
حينئذ يضيق عن اعتبار الفارس من الراجل ومعرفتهم وكتبهم ، وقد تقع الحاجة إلى القتال
راجلا فى المضايق وأبواب الحصون وبين الشجر ونحو ذلك ، فوجب أن يعتبر السبب
الظاهر وهو المجاوزة لحصول المقصود به على ما بينا ، ولأن الله تعالى جعل الدخول فى أرض
العدوّ كإصابة العدوّ بقوله - ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدوّ نيلا إلا
کتب لهم - . قال ( وإن باعه ) أى فرسه ( أو وهبه أو رهنه أو كان مهرا أو كبيرا أو مريضا
لا يستطيع القتال عليه فله سهم راجل ) لأن إقدامه على هذه التصرّفات ومجاوزته بفرس
لا يقدر عليه القتال دليل أنه لم يكن من قصده المجاوزة للقتال فارسا . وروى الحسن عن
أبى حنيفة : له سهم فارس اعتبارا للمجاوزة وصار كموته ، ولو باعه بعد القتال فله سهم
فارس لحصول المقصود . قال (ومن جاوز راجلا ثم اشترى فرسا فله سهم راجل ) لأن
العبرة للمجاوزة لما بينا . وعن الحسن : إذا دخل وهو راجل فاشترى فرسا أو وهب له
أو استأجره أو استعاره وقاتل عليه فله سهم فارس ، فصار عن أبى حنيفة فى شهود الوقعة
روايتان ؛ وجه هذه الرواية أن الانتفاع بالفرس حالة القتال أكثر منها حالة المجاوزة ،
فإذا استحقّ سهم فارس بالدخول ، فلأن يستحقه بالقتال أولى . وإذا غزا المسلمون
فى السفن فأصابوا غنائم فهم ومن فى البرّ سواء ، ويعتبر فيهم حالة المجاوزة للفارس والراجل
والنبىّ عليه الصلاة والسلام أسهم للخيل بخيبر وكانت حصونا ، لم يقاتلوا على الخيل وإنما
قاتلوا رجالة ، ولأن من فى السفن يحتاج إلى الخيل إذا وصلوا جزيرة أو ساحلا فصار
كما فى البرّ . قال ( وتقسم الغنيمة أخماسا : أربعة منها للغانمين، للفارس سهمان، والراجل
سهم) والأصل فيه قوله تعالى - واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه - الآية، ذكر
الخمس لهؤلاء ، بقيت الأربعة الأخماس للغانمين بدلالة قوله : غنمتم ، فإنه يشعر باستحقاقهم

- ١٣٠ -
وَلَا يُنْهَمُ لِبَغْلٍ وَلا رَاحِلَةٍ، وَلَا يُسْهَمُ إِلاَّ لِفَرَسٍ وَاحِدٍ (س)، وَالْمَمْلُوكُ
وَالصَِّىُّ وَالْمُكَاتَبُ يُرْضَخُ لَهُمْ دُونَ سَهْمٍ إِذَا قاتَلُوا، وَلِلْمَرَأةِ إِنْ دَاوَتٍ
اجَرْحَى، وَلِلذّمَّىَّ إِنْ أعانَ الْمُسْلِمِينَ أُوْدَّهُمْ عَلى عَوْرَاتِ الكُفَّارِ وَالطَّرِيقِ؛
لها بالاستيلاء، وقالا: للفارس ثلاثة أسهم لما روى ابن عمر رضى الله عنه ((أن النبى عليه
الصلاة والسلام أسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما)) ولأن الفرس يحتاج إلى من يخدمه
فصاروا ثلاثة . ولأبى حنيفة أن القياس يأبى استحقاق الفرس لأنه آلة كالسلاح تركناه
بالنصّ والنصوص مختلفة ، فروى أنه أعطى للفارس ثلاثة وروى سهمين ، وهو ماروى
عن المقداد (( أن النبى عليه الصلاة والسلام أسهم له سهما ولفرسه سهما )) وروى محمد بن
يعقوب بن مجمع عن أبيه عن جده قال (( شهدت خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وكانت غنيمة خيبر على ثمانية عشر مهما ، كانت الخيل ثلاثمائة فرس والرجالة ألفا
ومائتين ، فأعطى النبى عليه الصلاة والسلام للراجل سهما ولفرسه سهما )) فلما اختلفت
النصوص ، فأبو حنيفة أثبت المتفق عليه وحمل الباقى على الأصل ولأن الانتفاع بالفارس أعظم
من الفرس ألا يرى أن الفارس يقاتل بانفراده ولا تأثير للفرس بانفراده ؛ فلا يجوز أن
يستحق الفرس أكثر من صاحبه ، ولأنه لا يجوز تفضيل البهيمة على الآدمى . وقد روى
نافع عن ابن عمر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل مذهب أبى حنيفة
فتعارضت روايتاه فكان ما وافق غيره أولى. قال ( ولا يسهم لبغل ولا راحلة ) لأنه
لا يصلح للكرّ والفرّ فصار كالراجل (ولا يسهم إلا لعرس واحد) وقال أبو يوسف :
يسهم لفرسين لما روى ((أنه عليه الصلاة والسلام أسهم لفرسين)) ولأن الواحد قد يعيا
فيحتاج إلى الآخر، ولهما ما روى ((أن الزبير بن العوّام حضر خيبر بأفراس فلم يسهم.
النبيّ عليه الصلاة والسلام إلا لفرس واحد)) ولأنّ القتال على فرسين غير ممكن،
والحاجة تندفع بالواحد فصار الثانى كالثالث . وجوابه أن القياس يمنع الإسهام للخيل
إلى آخر ما ذكرنا ، والعتيق من الخيل والمقرف (١) والهجين والبرذون سواء، لأن اسم
1
الخيل ينطلق على الكلّ، ولأن العتيق إن اختص بزيادة القوة فى الطلب والهرب ،
فالبرذون اختصّ بزيادة الثبات على حمل السلاح وكثرة الإنعطاف فتساويا فى المنفعة
فيستويان فى سبب الاستحقاق. قال (والمملوك والصبى والمكاتب يرضخ لهم دون سهم إذا
قاتلوا ، وللمرأة إن داوت الجرحى، وللذمى إن أعان المسلمين أو دلهم على عورات الكفار
والطريق ) والأصل أن كل من لا يلزمه القتال فى غير حالة الضرورة لا يسهم له لأنه ليس
(١) قوله والعتيق والمقرف. العتيق: هو الجواد الرائع. والمقرف: هو الذى أمه
.

- ١٣١ -
وَالْحُمْسُ الآخَرُ بُقَسَُّ ثَلاثَةَ أَسْهُم لِلْيَتَامِى وَالمَسَاكِينِ وأبْناءِ السَّبِيلِ، وَمَنْ
كانَ مِنْ أَهْلِ القُرْبَى بِصِفَّهِمْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ.
من أهله ، ومن يلزمه القتال يسهم له لأنه من أهله ، لأنا لو أسهمنا للكلّ لسوّينا بينهم
ولا يجوز ، والدليل عليه ما روى أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام كان لايسهم للعبيد
والنساء والصبيان. وعن ابن عباس أنه يرضخ لهم. وقال عليه الصلاة والسلام ((لا تجعلوهم
كأهل الجهاد )) واستعان عليه الصلاة والسلام باليهود على اليهود فلم يسهم لهم ؛ والمرأة
عاجزة عن القتال طبعا فتقوم مداواة الجرحى منها مقام القتال لما فيه من منفعة المسلمين .
والأجير إذا قاتل . قال محمد: إن ترك خدمة صاحبه وقاتل استحقّ السهم وإلا لاشىء له،
ولا يجتمع له أجر ونصيب فى الغنيمة . وجملته أن من دخل للقتال استحقّ السهم قاتل
أو لم يقاتل ومن دخل لغير القتال لا يستحقه إلا أن يقاتل إذا كان من أهل القتال ، فالسوقى
والتاجر دخلا للمعاش والتجارة ولم يدخلا للقتال ، فإن قاتلا صارا بالفعل كمن دخل للقتال
والأجير إنما دخل لخدمة المستأجر لاللقتال ، فإذا ترك الخدمة وقاتل صار كأهل العسكر .
قال ( والخمس الآخر يقسم ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وأبناء السبيل ، ومن كان من
أهل القربى بصفتهم يقدم عليهم ) لما تلونا من الآية ، إلا أن ذكر اسم الله تعالى للتبرك
فى افتتاح الكلام ، إذ الدنيا والآخرة للّه تعالى، ولأن الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين
لم يفردوا هذا السهم ولم ينقل عنهم ، ولما لم يفعلوه دلّ على ما ذكرنا ؛ وأما سهم النبىّ
عليه الصلاة والسلام فكان يستحقه بالرسالة ، كما كان يستحقّ الصفىّ من المغنم، وهو
ما كان يختاره من درع أو سيف أو جارية لنفسه فسقطا بموته جميعا إذ لارسول بعده .
وقال صلى الله عليه وسلم ((مالى فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم))
وكذلك الأئمة المهديون لم يفردوه بعده عليه الصلاة والسلام ، ولو بقى بعده أو استحقه
غيره لصرفوه إليه . وأما سهم ذوى القربى فانهم كانوا يستحقونه فى زمن النبيّ صلى اللّه
عليه وسلم بالنصرة وبعده بالفقر لما روى (( أن جبير بن مطعم وعثمان بن عفان رضى الله
عنهما جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالا: يا رسول اللّه إنا لاننكر فضل
بنى هاشم لمكانك منهم الذى وضعك الله فيهم أرأيت بى المطلب أعطيتهم ومنعتنا وإنما هم
ونحن منك بمنزلة فقال: إنهم لم يفارقونى فى جاهلية ولا إسلام )) وهذا يدلّ على أنْ
الاستحقاق بغير القرابة وإنما يكونهم معه ينصرونه ، ، ولما روى أنه عليه الصلاة والسلام
أعطى بنى المطلب وحرم بنى أمية وهم إليه أقرب ، لأن أمية كان أخا هاشم لأبيه وأمه
والمطلب أخوه لأبيه ، فلو كان الاستحقاق بالقرابة لكان بنو أمية أولى ، وبهذا تبين أن
المراد قرب النصرة لاقرب النسب ، ولأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضى الله عنهم
•

- ١٣٢ -
وَإِذَا دَخَلَ جَمَاعَةٌ لَهُمْ مَنَعَةٌ دَارَ الحَرْبِ فَأَخَذُوا شَيْئًا ◌ُمِّسَ وَإلاَّ فَلا،
وَيَجُوزُ التَّنْفِيلُ قَبْلَ إِحْرَازِ الغَنِيمَةِ، وَقَبْلَ أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَها ،
فَيَقُولُ الإِمامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ، أَوْ مَنْ أَصَلَبِ شَيْئًا فَلَهُ رُبُعُهُ
وَبَعْدَ الإِحْرَازِ يُنْفِّلُ مِنَ الْخُمْسِ،
قسموه على ثلاثة كما قلنا وكفى بهم قدوة ، وإنما يعطى من كان منهم على صفة الأصناف
الثلاثة لقوله عليه الصلاة والسلام (( يا بنى هاشم إن الله تعالى كره لكم أوساخ الناس
وعوّضكم عنها بخمس الخمس)) والصدقة إنما حرمت على فقرائهم لأنها كانت محرّمة على
أغنيائهم وأغنياء غيرهم ، فيكون خمس الخمس لمن حرمت الصدقة عليه . وما روى أن
عمر رضى الله عنه كان ينكح منه أيمهم ويقضى منه غارمهم ، ويخدم منه عائلهم ، وكان
ذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير ، وإذا ثبت أنه لاسهم اللّه تعالى وسهم النبيّ عليه
الصلاة والسلام سقط، وسهم ذوى القربى يستحقونه بالفقر ، لم يبق إلا الأصناف الثلاثة
التى ذكرناها فوجب أن يقسم عليهم ، ويدخل ذوو القربى فيهم إذا كانوا بصفتهم . قال
( وإذا دخل جماعة لهم منعة دار الحرب فأخذوا شيئا خمس وإلا فلا ) .
اعلم أن الداخل دار الحرب لا يخلو إما إن كان لهم منعة أولا ، ولا يخلو إما إن كان
باذن الإمام أو لا ، فإن كان لهم منعة فما أخذوه يخمس ، سواء كان باذن الإمام أو لم يكن
لأنهم إنما أخذوا بقوّة المسلمين ، وقد أخذوا قهرا وغلبة فكان غنيمة ؛ ولهذا يجب على
الإمام أن ينصرهم ، لأن فى خذلهم وهنا للمسلمين فكان المأخوذ بقوّة المسلمين فيخمس .
وإن لم يكن لهم منعة فإن كان باذن الإمام خمس ، لأن الإمام لما أذن لهم فقد التزم
نصرتهم بامدادهم بالعسكر فكان المأخوذ بقوّة المسلمين فيخمس ؛ وروى أنه لايخمس
لأنهم لا يقدرون على مغالبة الكفار فلا يكون غنيمة وإنما هو تلصص ، وإن كان بغير إذن
الإمام لا يخمس لأنه ليس بغنيمة لأنه لم يؤخذ بقوّة المسلمين ، ولا يلزم الإمام نصرتهم لأنه
لم يأمرهم ولا وهن على الإسلام فى ترك نصرتهم فلا يخمس كالذى يأخذه التاجر واللصّ ،
وإذا لم يكن غنيمة فما أخذه كل واحد فهو له خاصة لأنه مأخوذ على أصل الإباحة كالحشيش
والصيد لما مرّ فى الشركة . قال ( ويجوز التنفيل قبل إحراز الغنيمة وقبل أن تضع الحرب
أو زارها ، فيقول الإمام : من قتل قتيلا فلم سلبه ، أو من أصاب شيئا فله ربعه ) ونحو
ذلك ( وبعد الإحراز ينفل من الخمس ) .
اعلم أن النفل فى اللغة اسم للغنيمة ، وفى الشريعة: اسم لما خصه الإمام لبعض الغزاة
تحريضا لهم على القتال لزيادة قوّة وجرأة منهم ، ويجوز ذلك لما روى أنه عليه الصلاة
والسلام نفل يوم بدر فقال (( من قتل قتيلا فله سلبه )) وعن مالك أنه قال ذلك يوم خيبر ،

- ١٣٣ -
وَسَلَبُ الْمَقْتُولِ: سلاحُهُ وَثِيَابُهُ وَفَرَسُهُ وَآلَتُهُ وَمَا عَلَيْهِ وَمَعَهُ مِنْ
قُماشٍ وَمَالٍ، وَإِذَا لَمْ يُنَفَّلْ بِالسَّلَبِ فَهُوَ مِنْ ◌ُجُمْلَةِ الغَنِيمَةِ.
وَإِذَا اسْتَوْلى الكُفَّارُ عَلَى أمْوَالِنا وأحْرَزُوها بِدَارِهِمْ مَلَكُوها، فإنْ ظَهَرْنا
عَلْهِمْ فَنْ وَجَدَ مِلْكَهُ قَبْلَ القِسْمَةِ أخَذَهُ بَغْرِ شَىْءٍ ، وَبَعْدَها بالقِيمَةِ
إنْ شاءَ، وَإِنْ دَخَلَ تاجِرٌ وَاشْتَرَاهُ فَالِكُهُ إنْ شاءَ أَخَذَهُ بِثَمَنِهِ، وَإِنْ
شاءَ تَرَّكَ، وَإنْ وُهِبَ لَهُ أَخَذَهُ بالقِيمَةِ .
ولما فيه من التحريض على القتال المندوب إليه بقوله تعالى - يا أيها النبيّ حرّض المؤمنين على
القتال - ولأن الشجعان يرغبون فى النفل فيخاطرون بأنفسهم ويقدمون على القتال ، ولهذا
قلنا إنها تجوز قبل الإحراز لأنها حينئذ تفيد التحريض والحثّ على القتال ؛ أما إذا أحرزت
فقد استقرّ حقّ الغانمين فيها فلا يجوز التنفيل لما فيه من إسقاط حقّ البعض ولأنه لا يفيد
فائدة التحريض بل إقعاد عن القتال لما فيه من إبطال حقّ الغانمين عن بعض الغنيمة . قال
محمد : وما روى أنه عليه الصلاة والسلام نفل بعد الإحراز إنما كان من الخمس أو من
الصفى فغلط قوم فظنوا أن النفل يجوز بعد إحراز الغنيمة ، وما قاله محمد صحيح لأنه لا يجوز
تصرّف الإمام بعد الإحراز إلا فى الخمس لما بينا، ويجوز من الخمس لأنه لاحقّ للغانمين
فيه . قال ( وسلب المقتول : سلاحه وثيابه وفرسه وآلته وما عليه ومعه من قماش ومال )
أما ما كان مع غلامه أو على فرس آخر من أمواله فهو غنيمة للكلّ ، وإذا جعل الإمام السلب
للقاتل انقطع حق الباقين عنه ، إلا أنه يثبت ملكه بالإحراز على مابينا، ولا يخمس السلب إلا
أن يقول فله سلبه بعد الخمس فإنه يخمس ، وكذلك إن جعل لهم الربع أو النصف أو الثلث
مطلقا لم يخمس ، فإن قال لكم الربع بعد الخمس فانه يخمس ، ولا ينبغى للإمام أن ينفل
يجميع المأخوذ ، لأن الغنيمة حقّ العسكر ، فإذا نفل الجميع قطع حقّ الضعفاء عنها
وأبطل السهام التى جعلها الله تعالى فى الغنيمة ، قالوا هذا هو الأولى ، فإن فعله مع سرية
جاز لجواز أن تكون المصلحة فى ذلك ، وإذا لم ينفل بالسلب فهو من جملة الغنيمة لا يستحقه
القاتل، قال عليه الصلاة والسلام ((ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه)).
فصل
( وإذا استولى الكفار على أموالنا وأحرزوها بدارهم ملكوها ، فإن ظهرنا عليهم فمن
وجد ملكه قيل القسمة أخذه بغير شىء وبعدها بالقيمة إن شاء ، وإن دخل تاجر واشتراه
فالكه إن شاء أخذه بثمنه ، وإن شاء ترك وإن وهب له أخذه بالقيمة ) لما روى ابن عباس

-١٣٤ -
وَإِنْ غَلَبَ بَعْضُ أَهْلِ الحَرْبِ بَعْضًا وأخَذُوا أَمْوَاَلَهُمْ مَلَكُوها، وَلابِمْلِكُونَ
عَلَيْنَا مُكاتِبِينًا وَمُدَبَّرِينا وَأُمَّهَاتٍ أوْلادِنِا وأحْرَارَنَا، وَإِنْ أَبَقَ [َلْيْهِمْ عَبْدٌ
كمْ يَمْلِكُوهُ (سم) ،
أن رجلا وجد بعيرا له فى المغنم قد كان المشركون أصابوه قبل ذلك ، فقال له رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم ((إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيء ، وإن وجدته بعد ما قسم
أخذته بالقيمة إن شئت )) ولو لم يملكوه لما أوجب القيمة . وعن تميم بن طرفة أن العدوّ
غلب على ناقة أو بعير لرجل ، فاشتراه رجل من العدوّ ، فذكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه
وسلم، فقال: ((خذه بالثمن إن شئت وإلافهولهم)) وهذا يدلّ على صحة ملك أهل الحرب
إذ لولا ذلك لم يلزمه الثمن . وعن عمر وابنه وزيد بن ثابت وأبى عبيدة بن الجراح رضى الله
عنهم مثل مذهبنا . وعن علىّ رضى الله عنه أنه قال: من اشترى ما أحرزه العدوّ فهو
جائز ، ولأنه يجب على جميع المسلمين حقّ الردّ عليه، لأنه يجب عليهم استنقاذه من أيدى
الكفار قلعا لهم عن العود إلى مثله وقبل القسمة قد حصل لهم بغير عوض والردّ مستحق
عليهم فلزمهم الدفع إليه . أما بعد القسمة فقد حصل له بعوض وهو نصيبه من الغنيمة
الذى سلم لسائر الغانمين ولم يستحقّ عليه بذل المال فى الردّ ، فلذلك وجب أن يغرم له
العوض الذى ليس بمستحق" ، وكذلك المشترى منهم حصل له بعوض ليس بمستحقّ عليه
غلذلك رجع بالثمن . وأما الموهوب له فلأنه ملکه بعقد فصار کالبيع ، وليس فيه عوض
مسمى فيأخذه بالقيمة كما بعد القسمة ، فان أسلموا عليها أو صاروا ذمة أو اشتراه حربىّ
فأسلم أو دخل إلينا بأمان فهو لهم ، لقوله عليه الصلاة والسلام (( من أسلم على مال فهو له ))
وإن أسلموا قبل الإحراز بدارهم ردوه على المالك الأوّل لعدم ثبوت ملكهم لبقاء العصمة .
وأما النقود والمكيل والموزون إن وجده قبل القسمة أخذه بغير شىء كما قلنا ، وبعد القسمة
لاسبيل له عليها ، لأنه لوأخذها أخذها بمثلها ولا فائدة فيه . قال ( وإن غلب بعض أهل
الحرب بعضا وأخذوا أموالهم ملكوها ) لاستيلائهم على مال مباح ، فاذا ظهرنا عليها
فأخذناها ملكناها كسائر أموالهم . قال ( ولا يملكون علينا مكاتبينا ومدبرينا وأمهات
أولادنا وأحرارنا ) لأن الأصل فى الآدمى الحرّية، والحرّية مقتضى قوله تعالى - ولقد
كرّمنا بنى آدم - إلا أن الشرع جعله محلا للتمليك جزاء عن استنكافه عن طاعة الله تعالى ،
وذلك فى حقّ الكافر دون المسلم، لأن الملك فى الرقاب بناء على الرقّ ولا رقّ علينا،
وفى المال بناء على المالية والكلّ فيه سواء . قال (وإن أبق إليهم عبد لم يملكوه ) عند
أبى حنيفة ، وقالا : يملكونه كما إذا أخذوه من دارنا أو فى الوقعة . وله أنه لما خرج
١

- ١٣٥ -
وَإِذَا خَرَجَ عَبِيدُهُمْ إِلَيْنا مُسْلِمِينَ فَهُمْ أَحْرَارٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ ظَهَرْنا
عَلْهِمْ وَقَدْ أسْلَمُوا. وَإذا اشْتَرَى الْمُسْتَأمَنُ عَبْدًا مُسْلِمَا وأدْخَلَهُ دَّارَ
الحَرْبِ عَتَقَ عَلَيْهِ (سم)؛ وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الحَرْبِ بأمانٍ لا يَتَعَرَّضُ
لِشَىْءٍ مِنْ دِمِائِهِمْ وأمْوَالِهِمْ، فإنْ أخَذَ شَيْئًا وأخْرَجَهُ تَصَدَّقَ بِهِ.
من دارنا زالت يد المولى عنه وظهرت يده على نفسه ، لأن سقوط يده باعتبار يد المولى
ليتمكن من الانتفاع به فصار معصوما بنفسه فلم يبق محلا للملك فلا يثبت لهم فيه ملك ،
وبعد ذلك إن ظهرنا عليهم أخذه المالك القديم قبل القسمة وبعدها ، ويؤدّی عوضه من
بيت المال لتعذّر إعادة القسمة بعد تفريق الغانمين ، ولا جعل على المالك لأن الغانم إنما
عمل لنفسه لأنه يزعمه ملكه ، وكذلك إن كان مشترى أو موهوبا يأخذه بغير شىء لأنه
لم يملكه فلم يصحّ تصرّفه فيه. قال ( وإذا خرج عبيدهم إلينا مسلمين فهم أحرار ، وكذلك
إن ظهرنا عليهم وقد أسلموا) لأنه عليه الصلاة والسلام قضى بعتق عبيد خرجوا من الطائف
وقد أسلموا وقال ((هم عتقاء اللّه)) ولأنه أحرز نفسه بالتحاقه بمنعة المسلمين ويده أسبق من
يد المسلمين فكانت أولى . قال ( وإذا اشترى المستأمن عبدا مسلما وأدخله دار الحرب عتق
عليه ) وقالا : لا يعتق لأنه يجب عليه إزالته عن ملكه بأن يجبر على ذلك ولا جبر فبقى على
حاله . ولأبى حنيفة أن خلاص المسلم عن رقّ الكافر واجب ما أمكن ، وقد تعذّر جبره
على ذلك ، فأقمنا تباين الدارين مقام الإعتاق . كما إذا أسلم أحد الزوجين فى دار الحرب
أقمنا مضىّ ثلاث حيض مقام التفريق. قال (وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان لايتعرّض
لشىء من دمائهم وأموالهم ) لأن فيه غدرا بهم وأنه منهىّ عنه ( فان أخذ شيئا وأخرجه
تصدّق به ) لأنه ملكه بأمر محظور وهو الغدر والخيانة وسبيله التصدّق به لأنه ملك
خبيث ، بخلاف الأسير لأنه غير مستأمن ، ولم يلتزم ترك التعرّض لهم فيباح له التعرّض
وإن أطلقوه . ولو دخل مسلم دار الحرب فأدانه حربىّ أو أدان حربيا أو غصب أحدهما
صاحبه ثم خرج المسلم أو استأمن الحربىّ لم يقض بينهما بشىء من ذلك . أما الغصب فلأنه
صار ملكا للذى أخذه لاستيلائه على مال مباح . وأما المداينة فلأنه لاولاية لنا عليهما وقت
الإدانة والقضاء يعتمد الولاية ، ولا على المستأمن وقت القضاء لأنه ما التزم أحكامنا
فى الماضى ، وكذلك الجربيان إذا فعلا ذلك ثم خرجا مستأمنين لما بينا ، ولو خرجا
مسلمين قضى بينهما بالديون دون الغصب لمامرّ ؛ أما الغصب لما مرّ ، وأما الدين
فلوقوعه صحيحا عن تراض ، والولاية ثابتة لالتزامهما أحكامنا وقتئذ .

- ١٣٦ -
فصل
وَإِذَا دَخَلَ الحَرْبِىُّ دَارَنا بأمانٍ يَقُولُ لَهُ الإمامُ: إِنْ أَقَمْتَ سَنَةً وَضَعْتُ
عَلَيْكَ الجِزْبَةَ، فانْ أقامَ صَارَ ذِمِّيًا، وَلاَ يُمَكْنُ مِنَ العَوْدِ إلى دَارِ الحَرْبِ،
وَكَذَلِكَ إِنْ وَقَّتَ الإِمامُ دُونَ السَّنّةِ فَأَقَامَ، وكَذَلِكَ إِذَا اشْتَرَى أرْضَ
خَرَاجٍ فأدَّى خَرَاجَها؛ وَإِذَا تَزَوَّجَتِ الحَرْبِيَّةُ بِذِمِىّ صَارَتْ ذِمِّيَّةً؛ وَلَوْ
تَزَوَّجَ حَرْبِىٌّ بِذِمِّيَّةٍ لا يَصِيرُ ذِمِّيًا. وَالجِزْيَةُ ضَرْبانٍ: ما يُوضَعُ بالتَّرَاضِى.
فَلا يُتَعَدَّى عَهَا.
فصل
( وإذا دخل الحربىّ دارنا بأمان يقول له الإمام : إن أقمت سنة وضعت عليك الجزية )
وأصله أن الحربىّ لا يمكن من الإقامة فى دارنا دائما إلا بأحد معنيين: إما الاسترقاق ،
أو الذمة ، لأنه ربما يطلع على عورات المسلمين فيدلّ عليها ولا يمنع من المدّة اليسيرة ،
نقوله تعالى - وإن أحد من المشركين استجارك فأجره - إلى قوله - ثم أبلغه مأمنه - وفى منعهم
قطع الجلب والميرة وسدّ باب التجارة ، وربما منعوا تجارنا من الدخول إليهم وفيه من
الفساد ما لا يخفى ، وإذا كان لا يجوز المقام الكثير ويجوز القليل ، فلا بدّ من الحدّ
الفاصل فقدّرناه بالسنة لأنها مدّة تجب فيها الجزية فتكون الإقامة لمصلحة الجزية . قال (فان
أقام ) يعنى سنة ( صارذميا) لالتزامه الجزية بشرط الإمام فتوضع عليه الجزية ( ولا يمكن
من العود إلى دار الحرب ) لأن عقد الذمة لا ينتقض ، ولأن فيه مضرّة المسلمين يجعل ولده.
حربا علينا وبانقطاع الجزية . قال ( وكذلك إن وقت الإمام دون السنة فأقام ) لأنه يصير
ملتزما. قال ( وكذلك إذا اشترى أرض خراج فأدّى خراجها) لأن خراج الأرض كخراج
الرأس لأنه إذا أدّاه فقد التزم المقام فى دارنا ولا يصير ذميا بمجرّد الشراء لاحيال الشراء
للتجارة ؛ ولو أجرها من مسلم وأخذ الإمام الخراج من المستأجر ورأى ذلك على الزارع
لم يصر ذميا ، لأن الإمام لم يوجب عليه الخراج فلم يصر ذميا بملك الأرض ، ويصير ذميا
حين وجب عليه الخراج ، فتؤخذ منه الجزية بعد سنة من يوم وجب عليه الخراج لأنه حينئذ
صار ذميا قال : (وإذا تزوجت الحربية بذمى صارت ذمية. ولو تزوج حربى بذمية
لايصير ذميا لأنها التزمت المقام معه ولم يلتزم هو لأنه يطلقها ويعود . قال ( والجزية
ضربان : ما يوضع بالتراضى فلا يتعدّى عنها ) لأنها وجبت بالرضى ، فلا يجب غير
ما رضى به ، ولأن فيه ترك الوفاء بالعقد ، وقد صالح عليه الصلاة والسلام نصارى نجران.

- ١٣٧ -
وَجِزْبَةٌ بَضَعَهَا الإِمامُ إذَا غَلَبَ الكُفَّارَ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى مِلْكِهِمْ، فَيَضَعُ عَلى
الظَّاهِرِ الغِّى فى كُلّ سَنّةٍ ثمانِيَةً وأرْبَعِينَ دِرْهَا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً
وَعِشْرِينَ دِرْهَمَا، وَعَلَى الفَقِيرِ اثْنَىْ عَشَرَ دِرْهَما، وتَجِبُ فى أوَّلِ الحَوْلِ
وَتُؤْخَذُ فِى كُلِّ شَهْرٍ بِقِسْطِهِ، وَتُوضَعُ عَلَى أَهْلِ الكِتابِ وَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةٍ.
الأوْثانِ مِنَ العَجَمِ، وَلاَ يُجُوزُ مِنَّ العَرَبِ وَالمُؤْتَدِينَ،
على ألف ومائتى حلة وكانت جزية بالصلح ( وجزية يضعها الإمام إذا غلب الكفار
وأقرّهم على ملكهم ، فيضع على الظاهر الغنىّ فى كل سنة ثمانية وأربعين درهما ، وعلى
المتوسط أربعة وعشرين درهما ، وعلى الفقير اثنى عشر درهما ، وتجب فى أوّل الحول ،
وتؤخذ فى كل شهر بقسطه ) هكذا روى عن عمر وعثمان وعلىّ رضى الله عنهم من غير
تكير من غيرهم فكان إجماعا، وما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ ((خذ من كل"
حالم وحالمة دينارا أو عدله معافر )) فهو محمول على الصلح ، ألا ترى أنه قال وحالمة ،
ولا جزية على النساء إلا فى المصالحة كما صالح عمر رضى الله عنه نصارى بنى تغلب على
ما قررناه فى الزكاة .
واختلفوا فى حدّ الغنىّ والمتوسط والفقير، والمختار أن ينظر فى كلّ بلد إلى حال أهله
وما يعتبرونه فى ذلك ، فإن عادة البلاد فى ذلك مختلفة ، وإنما قلنا إنها تجب فى أوّل الحول
لأنها وجبت لإسقاط القتل فتجب للحال كالواجب بالصلح عن دم العمد، ولأن المعوض
قد سلم لهم فوجب أن يستحقّ العوض عليهم كالثمن وقسطناها على الأشهر تخفيفا وليمكنه
الأداء . قال ( وتوضع على أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان من العجم ) أما أهل
الکتاب فلقوله تعالی ۔ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله - إلی أن قال - من الذين أوتوا الكتاب
حتى يعطوا الجزية عن يد - . وأما المجوس فلما روى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه
قال : ما أصنع بهم ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف : سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام
يقول ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحى نسائهم ولا آ كلى ذبائحهم)) فوضع. عليهم
الجزية . وأما عبدة الأوثان من العجم فلأنه يجوز استرقاقهم فيجوز أخذ الجزية من رجالهم
كالكتابى والمجوسى، أو لأنه لما جاز إبقاؤهم على الكفر بأحد الشيئين وهو الرّقّ جاز
بالآخر وهو الجزية ( ولا يجوز) أخذها من عبدة الأوثان (من العرب و) لامن ( المرتدين)
لأنه لايجوز إيقاوهم على الكفر بالرّقّ فكذا بالجزية، لأن كفرهم أقبح وأغلظ . أما العرب
فانهم بالغوا فى أذاه صلى الله عليه وسلم بالتكذيب وإخراجه من وطنه ، فتغلظت عقوبتهم
فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف . وقال عليه الصلاة والسلام يوم حنين ((لو كان
يجرى على عربىّ رقّ لكان اليوم، وإنما الإسلام أو السيف)). وأما المرتدّ فلأنه كفر

- ١٣٨ -
وَلَا جِزِيَّةَ عَلى صَِّىّ، وَلا امْرأةٍ، وَلا تَجْنُونٍ، وَلا عَبْدٍ، وَلا مُكاتَبٍ ،
وَلَا زَمِنٍ، وَلا أَعْمَى، وَلَا مُفْعَدٍ، وَلَا شَيْخٍ كَبِيرٍ ، وَلا الرَّهابِينَ الْمُنْعَزِلِين،
وَلَا فَقِيرٍ غَيْرَ مُعْتَمِلٍ، وَتَسْقُطُ بِالمَوْتِ وَالإِسْلامِ ،
بعد إسلامه واطلاعه على محاسن الإسلام . وقال عليه الصلاة والسلام ((من بدّل دينه
فاقتلوه ، ويسترق نساء العرب، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم استرقهم كما استرقّ أهل
الكتاب ، ولا يجبرون على الإسلام. وأما المرتدّة فتجبر على ما يأتى إن شاء الله تعالى.
قال ( ولا جزية على صبيّ، ولا امرأة ، ولا مجنون ، ولا عبد ، ولا مكاتب ، ولا زمن ،
ولا أعمى ، ولا مقعد ، ولا شيخ كبير ) وأصله أن الجزية شرعت جزاء عن الكفر وحملا له
على الإسلام فتجرى مجرى القتل ، فمن لايعاقب بالقتل لايؤاخذ بالجزية ، فإذا حصل
الزاجر فى حقّ المقاتلة وهم الأصل انزجر التبع ، أو نقول : وجبت لإسقاط القتل ، فمن
لا يجب قتله لاتوضع عليه الجزية، وهؤلاء لا يجوز قتلهم فلا جزية عليهم ، ولأن عمر رضى
اللّه عنه لم يضع على النساء جزية . وعن أبى يوسف أنها تجب على الزمن والأعمى والشيخ
الكبير إذا كان لهم مال ، لأنها وجبت على الفقير المعتمل ، ووجود المال أكثر من العمل،
ولأنه يجوز قتل من كان له رأى فى الحرب وكان له مال بعين به فتجب عليه الجزية كذلك
قال ( ولا ) على ( الرهابين المنعزلين ، ولا فقير غير معتمل ) والمراد الرهابين الذين
لا يقدرون على العمل والسياحين ونحوهم . أما إذا كانوا يقدرون على العمل فيجب عليهم
وإن اعتزلوا وتركوا العمل لأنهم يقدرون على العمل فصارو؛ كالمعتملين إذا تركوا العمل
فتؤخذ منهم الجزية كتعطيل أرض الخراج . وأما الفقير الغير المعتمل ، فلأن عمر رضى
الله عنه شرط كونه معتملا وأنه دليل عدم وجوبها على غير المعتمل ، ولأنه غير مطيق
للأداء فيعتبر بالأرض التى لاتصلح للزراعة اعتبارا لخراج الرأس بخراج الأرض ؛ ولا
جزية على الفقير التغلبى لما سبق فى الزكاة من صلحهم أنه يؤخذ منهم ضعف ما يؤخذ من
المسلمين ، ولا شىء على الفقير المسلم ؛ ولو مرض الذمى جميع السنة لاجزية عليه ، لأنها
تجب على الصحيح المعتمل لما بينا ؛ ولو مرض أكثر السنة سقطت أيضا إقامة للأكثر
مقام الكلّ ، وكذلك لو مرض نصف السنة لأنها عقوبة فيترجح المسقط ؛ ولو أدرك
الصبىّ وأفاق المجنون وعتق العبد وبرئ المريض قبل وضع الإمام الجزية وضع عليهم ،
وبعد وضع الجزية لا يوضع عليهم ، لأن المعتبر أهليتهم دون الوضع ، لأن الإمام يخرج
فى تعرّف حالهم فى كلّ وقت ولم يكونوا أهلا وقت الوضع ، بخلاف الفقير إذا أيسر بعد.
الوضع حيث يوضع عليهم ، لأن الفقير أهل للجزية ، وإنما سقطت عنه للعجز وقد زال .
قال ( وتسقط بالموت والإسلام ) لأنها شرعت للزجر عن الكفروحملا عى الإسلام ،

- ١٣٩ -
وَإِذَا اجْتَمَعَتْ حَوْلانِ تَدَاخَلَتْ (سم). وَيَنْبَغِ أنْ تُؤْخَذَ الجِزْيَةُ عَلى
وَصْفِ الذلّ وَالصَّغَارِ، وَيَقُولُ لَهُ: أَعْطِ الجِزْيَةَ يا عَدُوَّ اللّهِ، وَلا يَنْتَقِضُ
عَهْدُهُمْ إِلاَّ باللَّحاقِ بِدَرِ الحَرْبِ، أوْ إِنْ تَغَلَّبُوا عَلَى مَوْضِعٍ فَيُحَارِبُونَنا
فَتَصِيرُ أحْكَامُهُمْ كَالْمُرْتَدّينَ، إلاَّ أنَّه إذَا ظَفِرْنا بِهِمْ نَسْتَرِقُّهُمْ وَلَا
تَجُْرُهُمْ عَلَى الإِسْلامِ؛ وَيُؤْخَذُ أهْلُ الجِزْيَةِ بِمَا يَتَمََّزُونَ بِهِ عَنِ
الْمُسْلِمِينَ فِى مَلابِسِهِمْ وَمَرَاكِيهِمْ.
ولا حاجة إلى ذلك بعد الموت والإسلام لما بينا أنها بدل عن القتل ، وقد سقط القتل عنهما
ولأنها وجبت على وجه الصغار، وقد تعذّر ذلك بالموت والإسلام. قال (وإذا اجتمعت
حولان تداخلت ) فلا تجب إلا واحدة ، وقالا : تؤخذ لجميع ما مضى ، لأن مضىّ المدّة
لا تأثير له فى إسقاط الواجب كالديون . ولأبى حنيفة أنها عقوبة على الكفر ، والأصل
فى العقوبات التداخل كالحدود ، أو لأنها للزجر ، والزجر عن الماضى محال ( وينبغى
أن تؤخذ الجزية على وصف الذل والصغار ) كما قال تعالى - حتى يعطوا الجزية عن يد
وهم صاغرون - فيكون الآخذ قاعدا والذمى قائما بين يديه ويؤخذ بتلبيبه ويهزّه هزّا ( ويقول
له : أعط الجزية يا عدوّ اللّه) ولا تجرى فيها النيابة لأنها عقوبة ، وعندهما تجوز النيابة
لأنها للزجر بتنقيص المال ، وتنقيص المال يحصل به وبنائبه ، ويجوز تعجيل الجزية
لسنتين وأكثر كالخراج ؛ فلو عجل لسنتين ثم أسلم ردّ خراج سنة واحدة لأنه أدّاه قبل
الوجوب ، ولا يردّ خراج السنة الأولى إذا مات أو أسلم بعد دخولها لأنه أدّاه بعد الوجوب.
قال ( ولا ينتقض عهدهم إلا باللحاق بدار الحرب ، أو إن تغلبوا على موضع فيحاربوننا
فتصير أحكامهم كالمرتدين ، إلا أنه إذا ظفرنا بهم نسترقهم ولا تجبرهم على الإسلام )
لأنهم إذا صاروا حربا علينا فلا فائدة فى عقد الذمة فيصيرون كالمرتدين ومالهم كمالهم إلا
أنهم يسترقون ولا يجبرون على قبول الذمة ، لأن المقصود أن يصيروا من أهل دارنا سلما
أنا وأنه يحصل بالاسترقاق ؛ والمقصود من المرتدّة العود إلى الإسلام ولا تحصل إلا بالجبر ،
فإن عادوا إلى الذمة أخذوا بحقوق العباد التى كانت عليهم قبل النقض كما فى الردّة ، ولا
يؤاخذون بما أصابوا فى المحاربة . قال ( ويؤخذ أهل الجزية بما يتميزون به عن المسلمين
فى ملابسهم ومراكبهم ) قال أبو حنيفة : ينبغى أن لا يترك أحد من أهل الذمة يتشبه بالمسلمين
فى لباسه ومركبه ولا فى هيئته . والأصل فى ذلك أن عمر رضى الله عنه كتب إلى أمراء
الأجناد يأمرهم أن يأمروا أهل الذمة أن يختموا رقابهم بالرصاص وأن يظهروا مناطقهم
وأن يحلقوا نواصيهم ولا يتشبهوا بالمسلمين فى أثوابهم . وروى أنه صالح أهل الذمة على
أن يشدّوا فى أوساطهم الزنار ، وكان بحضرة من الصحابة من غير نكير ، ولأن المسلم

- ١٤٠ -
وَلا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ إلاَّ لِضَرُورَةٍ وَلا يَحْمِلُونَ السَّلَاحَ، وَلا تَحْدَثُ كَنِيسَةْ
وَلَا صَوْمَعَةٌ وَلا بَيْعَةٌ فى دارِ الإِسْلامِ، وَإِذَا الْهَدَمَتِ القَدِيمَةُ أعادُوها،
يجب تعظيمه وموالاته وبدايته بالسلام والتوسعة عليه فى الطريق والمجالس ، والكافر
يعامل بضدّ ذلك. قال عليه الصلاة والسلام ((لاتبدءوهم بالسلام وألجئوهم إلى أضيق
الطرق)) فإذا لم يتميزوا عن المسلمين فيما ذكرنا ربما عظمنا الكافر وواليناه وبدأناه بالسلام
ظنا منا أنه مسلم وذلك لا يجوز ، فوجب تمييزهم بما ذكرنا احترازا عن ذلك ، ولأن السماء
يستدل بها على حال الإنسان، قال تعالى - تعرفهم بسيماهم - وقالت الفقهاء : من رأينا
عليه زىّ الفقر جاز لنا دفع الزكاة إليه ، ويؤخذ كل واحد أن يجعل فى وسطه كستيجا مثل
الخيط الغليظ من الشعر أو الصوف ويكون غليظا ليظهر للرائى ، ولا يلبسوا العمائم ويلبسوا
قميصا خشنا جيوبهم على صدورهم ، وأن يلبسوا القلانس الطوال المضرّبة ، وأن يركبوا
السروج التى على قربوسه مثل الرمانة . وفى الجامع الصغير كهيئة الأكفّ ، وأن يجعلوا
شراك نعالهم مثلنا ولا يحذوها مثل المسلمين ، ولا يلبسوا طيالسة ولا أردية مثل المسلمين
( ولا يركبون الخيل إلا لضرورة) فإن دعت يركبون على ما وصفنا ، وينزلون فى مجامع
المسلمين ( ولا يحملون السلاح ) لأنهم أعداء المسلمين ، ويمنعون من لباس يختصّ به أهل
الشرف والعلم والدين ، ويجب أن تميز نساؤهم من نساء المسلمين حال المشى فى الطرق
والحمامات ، فيجعل فى أعناقهنّ طوق الحديد، ويخالف إزارهنّ إزار المسلمات ،
ويكون على دورهم علامات تميز بها عن دور المسلمين لئلا يقف عليهم السائل فيدعو لهم
بالمغفرة . فالحاصل أنه يجب تمييزهم بما يشعر بذلهم وصغارهم وقهرهم بما يتعارفه كل
بلدة وزمان . قال ( ولا تحدث كنيسة ولا صومعة ولا بيعة فى دار الإسلام ) قال عليه
الصلاة والسلام ((لاخصاء فى الإسلام ولا كنيسة)) والمراد إحداث الكنيسة فى دار الإسلام.
وقوله ((لاخصاء)) هو الاعتزال عن النساء كما يفعله الرهبان فكأنه خصاء معنى ( وإذا
انهدمت القديمة أعادوها ) لأنهم أقرّوا عليها ، والبناء لايتأبد ، ولا بدّ من خرابه ، فلما
أقرّهم عليها فقد التزم لهم إعادتها ، وليس لهم أن يحوّلوها لأنه إحداث لا إعادة ، ثم قيل
إنما يمنعون فى الأمصار ، أما القرى التى لاتقام فيها الجمع والحدود لا يمنعون من ذلك ولا
من بيع الخمر والخنزير فيها ، وهذا فى القرى التى أكثرها ذمة ، أما قرى المسلمين فلا
يجوز ذلك ، وأما أرض العرب فيمنعون من ذلك فى المصر والقرى . قال محمد : لا ينبغى
أن يترك فى أرض العرب كنيسة ولا بيعة ، ولا يباع فيها خمر وخنزير مصرا كانت أو قرية ،
ويمنع المشركون أن يتخذوا أرض العرب مسكنا أو وطنا ، لقوله عليه الصلاة والسلام
((( لا يجتمع دينان فى أرض العرب)) ويمنعون من إظهار الفواحش والربا والمزامير والطنابير