Indexed OCR Text

Pages 101-120

- ١٠١ -
وَنَبَيذَ العَسَلِ وَالِّينِ وَالِحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ حَلالٌ طُبِخَ أوْلا؛ وفِى حَدَ
السَّكْرَانِ مِنْهُ رِوَايَتَانٍ ؛ وَيُكْرَهُ شُرْبُ دِرْدِىّ الْحَمْرِ وَالإِمْنِشاطُ بِهِ. وَلا
بأسَ بالإِنْتِباذِ فِى الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ، وَخَلُّ الْخَمْرِ حَلالٌ سَوَاءٌ
"تَخَلَّلَتْ أوْ خُلِّلَتْ.
لشدّته ، ثم دعا بماء فصبه عليه وشرب منه وقال: إذا اغتلمت (١). عليكم هذه الأشربة
فاقطعوا متونها (١) بالماء)). وفى رواية (( أنه لما قطب قال رجل: أحرام هو؟ قال لا))
وهذا نصّ فى الباب . وعن ابن أبى ليلى قال : أشهد على البدريين من أصحاب رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يشربون النبيذ فى الجرار الخضر، وقد نقل ذلك عن أكثر
الصحابة رضى الله عنهم ومشاهيرهم قولا وفعلا حتى قال أبو حنيفة : إنه مما يجب اعتقاد
حله لئلا يؤدّى إلى تفسيق الصحابة رضى الله عنهم ؛ والمثلث إذا صبّ عليه الماء حتى
رقّ ثم طبخ لا يتغير حكمه ، لأن صبّ الماء يزيده ضعفا، بخلاف ما إذا صبّ الماء على
العصير فطبخ حتى ذهب ثلثا الجميع ، لأن الماء يذهب أوّلا للطافته أو يذهب منهما فلا
يكون الذاهب ثلثى العصير . قال ( ونبيذ العسل والتين والحنطة والشعير والذرة حلال
طبخ أولا ) إذا لم يشرب للهو والطرب، لقوله صلى الله عليه وسلم ((الخمر من هاتين
الشجرتين )) والمراد بيان الحكم ، ولأن قليله لا يدعو إلى كثيره . وعن محمد أنه حرام ،
ويقع طلاق السكران منه كغيره من الأشربة المحرّمة ، وجوابه ما مرّ ( وفى حدّ السكران
منه روايتان ) والأصحّ أنه يحدّ ، لأن فى بعض البلاد يجتمع الفساق عليه اجتماعهم على
الخمر وفوقه ، وعلى هذا المتخذ من الألبان ؛ ثم قيل : يجب أن لايحلّ لبن الرماك عند
أبى حنيفة اعتبارا بلحمها ، إذ هو متولد منه ، وجوابه أن كراهة اللحم لاحترامه ، أو لما
فى إباحته من تقليل آلة الجهاد فلا يتعدّى إلى لبنه . قال ( ويكره شرب دردىّ الخمر
والامتشاط به ) لأنه من أجزاء الخمر ، ولا يحدّ شاربه ما لم يسكر لأنه ناقص، إذ الطباع
السليمة تكرهه وتنبو عنه ، وقليله لايدعو إلى كثيره فصار كغير الخمر . قال ( ولا بأس
بالانتباذ فى الدباء والحنتم والمزفت والنقير ) لقوله صلى الله عليه وسلم ((كنت نهيتكم عن
الانتباذ فى الدباء والحنتم والمزفت والنقير ، ألا فانتبذوا فيها واشربوا فى كلّ ظرف ، فان
الظرف لا يحلّ شيئا ولا يحرّمه، ولا تشربوا المسكر)). قال ( وخلّ الخمر حلال سواء
تخللت أو خللت) لقوله صلى اللّه عليه وسلم ((نعم الأدم الخلّ)) مطلقا، وقال صلى الله عليه
وسلم ((خير خلكم خلّ خمركم)) ولأن التخليل يزيل الوصف المفسد ويثبت وصف الصلاحية
(١) قال فى المنجد : اغتلم الشراب : اشتدّت سورته .
(٢) متونها : أى شئَّتها .

- ١٠٢ -
كتاب السرقة
وَهِىَ أَخْذُ العاقِلِ البالغِ نِصَابًا مُحْرَزًا، أَوْ ماقِيمَتُهُ نصَابًا مِلْكا لِلْغَسْْرِ
لاشُْهَةَ لَهُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْحُفْيَةِ.
لأن فيه مصلحة قمع الصفراء والتغذّى ومصالح كثيرة ، وإذا زال المفسد الموجب للحرمة
حلت كما إذا تخللت بنفسها ، وإذا تخللت طهر الإناء أيضا ، لأن جميع ما فيه من أجزاء
الخمر يتخلل إلا ما كان منه خاليا عن الخلّ فقيل يطهر تبعا ، وقيل يغسل بالخلّ ليطهر
لأنه يتخلل من ساعته ، وكذا لو صبّ منه الخلّ ، فما خلا طهر من ساعته ؛ ومن خاف
على نفسه الهلاك من العطش ولم يجد إلا خمرا فله أن يشرب منها ما يأمن به من الموت ثم
يكفّ، لأن الله تعالى أباح للمضطرّ أكل الميتة والدم ولحم الخيرير ، والخمر مثلها
فى التحريم فتكون مثلها فى الإباحة عند الاضطرار ، فاذا أمن على نفسه زالت الضرورة
وهو خوف الهلاك عاد التحريم ، وإذا وجدت الخمر فى دار إنسان وعليها قوم جلسوا
مجالس من يشربها ولم يرهم أحد يشربونها عزّروا ، لأنهم ارتكبوا أمرا محظورا وجلسوا
مجلسا منكرا ، وكذلك من وجد معه آنية خمر عزّر لأنه ارتكب محظورا .
كتاب السرقة
( وهى ) فى اللغة : أخذ الشىء على سبيل الخفية والاستسرار بغير إذن المالك ، سواء
كان المأخوذ مالا أو غير مال، ومنه استراق السمع، قال الله تعالى - إلا من استرق
السمع فأتبعه - وسرقة الشاعر المعنى وسرقة الصنعة ونحوه . وفى الشرع (أخذ العاقل البائغ
نصابا محرزا ، أو ما قيمته نصابا ملكا للغير لاشبهة له فيه على وجه الخفية ) والمعنى اللغوى
مراعى فيه ابتداء وانتهاء ، أو ابتداء فى بعض الصور كما إذا نقب البيت خفية وأخذ المال
مكابرة وذلك يكون ليلا ، لأنه ربما أحسوا به فكابر وأخذ ولا غوث بالليل فيقطع ؛
أما النهار لو فعل ذلك لا يقطع لأنه يلحقهم الغوث فلا يمكنه ذلك ، فيشترط الخفية ليلا
ونهارا فهى مسارقة عين المالك أو من يقوم مقامه ؛ وفى قطع الطريق وهى السرقة الكبرى
مسارقة عين الإمام وأعوانه لأنه المتصدّى لحفظ الطريق بأعوانه ، لأن الأموال إنما تصير
مصونة محرزة بحفظ الإمام وحمايته . والأصل فى وجوب القطع قوله تعالى - والسارق
والسارقة فاقطعوا أيديهما - . وقرأ ابن مسعود رضى الله عنه: فاقطعوا أيمانهما ، وقوله
تعالى - إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا - الآية، وقال
صلى اللّه عليه وسلم (( من سرق قطعناه)) ورفع إليه صلى الله عليه وسلم سارق فقطه.

- ١٠٣ -
وَالنَّصَابُ دِينارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةً مِنَ النَّقْرَةِ .
وإجماع الأمة على وجوب القطع وإن اختلفوا فى مقدار النصاب ، ولأن المال محبوب إلى
النفوس تميل إليه الطباع البشرية خصوصا عند الحاجة والضرورة ، ومن الناس من
لايردعه عقل، ولا يمنعه نقل ، ولا تزجرهم الديانة ، ولا تردّهم المروءة والأمانة ،
فلولا الزواجر الشرعية من القطع والصلب ونحوهما لبادروا إلى أخذ الأموال مكابرة على
وجه المجاهرة ، أو خفية على وجه الاستسرار ، وفيه من الفساد ما لا يخفى ، فناسب شروع
هذه الزواجر فى حقّ المستسرّ والمكابر فى سرقتى الصغرى والكبرى حسما لباب الفساد
وإصلاحا لأحوال العباد ، والعبد والحرّ فى القطع سواء لإطلاق النصوص ، ولأن القطع
لا يتنصف فيكمل فى العبد صيانة لأموال الناس ؛ ولا بد من العقل والبلوغ لأن القطع
شرع زاجرا عن الجناية ، ولا جناية من الصبىّ والمجنون . وأما اشتراط النصاب فلما روى
أن اليد كانت لاتقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فى ثمن المجن". وعن عائشة
رضى الله عنها أنها قالت : كانت اليد لاتقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى الشىء التافه ، ولأنه لابدّ من اعتبار مال له خطر لتتحقق الرغبة فيه فيجب الزجر
عنه ؛ أما الحقير لاتتحقق الرغبة فيه فلا حاجة إلى الز جر عنه ، ولا بدّ أن یکون محرزا
لأنه عليه الصلاة والسلام لم يوجب القطع فى حريسة الجبل . أى ما يحرس بالجبل لعدم
الحرز ؛ ولا بدّ أن يكون غير مأذون له بالدخول فيها ، لأن بالإذن يخرج من أن يكون
حرزا فى حقه ؛ ويشترط أن يكون ملكا للغير لاشبهة له فيه ، لأن الحدود تدرأ بالشبهات
على مامرّ ، وتكون على سبيل الخفية لأن السرقة لاتكون على الجهر على ما مرّ . قال
( والنصاب دينار أو عشرة دراهم مضروبة من النقرة) لقوله صلى الله عليه وسلم ((لا قطع
فى أقلّ من عشرة دراهم)) وما روى أن القطع كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
لم يكن إلا فى ثمن المجن ، فقد تقل عن ابن عباس وابن أمّ أيمن قالا : كانت قيمة المجن
الذى قطع فيه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم، ونقل أقلّ منّ
عشرة دراهم ؛ والأخذ بالأكثر أولى احتيالا للدرء ، وفى الأقلّ شبهة عدم الجناية.
وروى عن أبى يوسف ومحمد : أنه لا يقطع فى عشرة دراهم تبر ما لم تكن مضروبة .
وروى أبو يوسف عن أبى حنيفة أنه يعتبر قيمته بنقد البلد . وروى لا كن عنه : إذا سرق
عشرة دراهم مما يروج بين الناس قطع ، فعلى هذا إذا كان التبر رائجا بين الناس قطع .
وروى الحسن عنه أيضا : لو سرق أحدعشر درهما لا تروج ، فان كانت تساوى عشرة
راتجة قطع ، وإلا فلا ؛ وقوله أو ما قيمته عشرة دراهم ، دليل على أن غير الدراهم
تعتبر قيمته بالدراهم وإن كان ذهبا . وروى بشر عن محمد : لو سرق نصف دينار

- ١٠٤ -
وَالِحِرْزُ يَكُونَ بالحافِظِ وَبَالمَكانِ كالدُّورِ وَالْبُيُوتِ وَالْحَانُوتِ، وَلا يُعْتَسَبَرُ فِيه
الحافِظُ. وَإِذَا سَرَقَ مِنَ الحَمَّامِ لَيْلاً قُطِعَ، وَبَالَّهَارِ لا وَإنْ كانَ صَاحِبُهُ
عِنْدَهُ؛ وَالْمَسْجِدُ وَالصَّحَرَاءُ حِرْزٌ بالحافِظِ ،
قيمته عشرة دراهم قطعته ، وإن سرق دينارا قيمته أقلّ من عشرة دراهم لا أقطعه ،
ثم حرز كلّ شىء على حسب ما يليق به. قال عليه الصلاة والسلام ((فإذا آواه الجرين (١)
يعنى البيدر ففيه القطع، وقال عليه الصلاة والسلام (( لاقطع فى حريسة الجبل ، وما آواه
المراح (٢) ففيه القطع)) أى موضع يروحون منه . قال ( والحرز يكون بالحافظ وبالمكان )
لأن الحرز ما يصير به المال محرزا عن أيدى اللصوص وذلك بما ذكرنا ، فالحافظ كمن
جلس فى الصحراء أو فى المسجد أو فى الطريق وعنده متاعه فهو محرز به ، وسواء كان
نائما أو مستيقظا ؛ أما إذا كان مستيقظا فظاهر؛ وأما إذا كان نائما فلما روى ((أنه عليه
الصلاة والسلام قطع سارق رداء صفوان من تحت رأسه وهو نائم فى المسجد )) وسواء كان
المتاع تحته أو عنده ، لأنه يعدّ حافظا له فى ذلك كله عرفا ؛ والحرز بالمكان هو ما أعدّ
للحفظ ( كاندور والبيوت والحانوت ) والصندوق ونحوه ( ولا يعتبر فيه الحافظ ) لأنه
محرز بدونه ، وهو المكان الذى أعد للحفظ ، إلا أن القطع لايجب بالأخذ من الحرز
بالمكان إلا بالإخراج منه ، لأن يد المالك قائمة ما لم يخرجه ، والمحرز بالحافظ يجب القطع
كما أخذه ، لأن يد المالك زالت بمجرّد الأخذ فتمت السرقة . ولو كان باب الدار
مفتوحا فدخل نهارا وأخذ متاعا لم يقطع ، لأنه مكابرة وليس بسرقة لعدم الاستسرار
على ما بينا؛ وإن دخل ليلا قطع لأنه حرز لأنه بنى للحرز ؛ ولو دخل بين العشاء والعتمة
والناس منتشرون فهو بمنزلة النهار ؛ ولو علم صاحب الدار باللصّ واللصّ لا يعلم به
أو بالعكس قطع لأنه مستخفّ ؛ وإن علم كلّ واحد بالآخر لا يقطع لأنه مكابر . قال
( وإذا سرق من الحمام ليلا قطع ، وبالنهار لا وإن كان صاحبه عنده ) لأنه مأذون له
بالدخول فيه نهارا فاختلّ الحرز ، ويقطع ليلا لأنه بنى للحرز ، وما اعتاد الناس من
دخول الحمام بعض الليل فهو كالنهار لوجود الإذن ، وعلى هذا كل حرز أذن بالدخول
فيه كالخانات وحوانيت التجار والضيف ونحوهم . قال ( والمسجد والصحراء حرز
بالحافظ ). لأن الصحراء ليس بحرز ، والمسجد ما بنى للحفظ والإحراز ، فلو سرق منه
وصاحبه عنده يحفظه قطع لوجود السرقة ، بخلاف الحمام والحرز الذى أذن بالدخول
فيه حيث لايقطع وإن كان صاحبه عنده ، لأنه بنى الإحراز فلا يعتبر فيه الحافظ لما مرّ .
(١) الجرين : موضع التمر الذى يجفف فيه .
(٢) هو المكان الذى تأوى إليه الماشية ليلا .
١

- ١٠٥ -
وَالْجَوَالِقُ وَالفُسْطاطُ كَالْبَيْتِ، فإنْ سَرَقَ الفُسْطاطَ وَالْجَوَالِقَ لاَيُقْطَعُ إلاّ
أنْ يَكُونَ لَهُما حافِظٌ، وَلِهَذَا قالُوا: لايُقْطَعُ النَّبَّشُ، وَتَثْبُتُ السَّرِقَةُ
بِمَا يَثْبُتُ بِهِ القَدْفُ، وَيَسألُ الشُّهُودَ عَنْ كَيْفِيَّيِها وَزَمَاِنْهَا وَمَكَإِنْهَا
وَمَاهِيَّتِهَا، وَلا بُدّ مِنْ حُضُورِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ عِنْدَ الإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ وَالقَطْعِ.
وَإِذَا دَخَلَ جَمَاعَةٌ الحِرْزَ وَتَوَّلِى بَعْضُهُمُ الأَخْذَ قُطِعُوا إِنْ أَصَابَ كُلَّ
واحدٍ نِصَابٌ ؛
قال ( والجوالق (١) والفسطاط (٢) كالبيت) لأنه عمل للحفظ (فإن سرق الفسطاط
والجوالق لا يقطع ) لأنهما ليسا فى حرز وإن كان حرزا لما فيهما ( إلا أن يكون لهما حافظ)
فيقطع لوجود الحرز ، وقال أصحابنا : ما كان حرزا لنوع فهو حرز لجميع الأنواع حتى
جعلوا شريحة البقال (٣) حرزا للجواهر لأنه يحرز خلفها الدراهم والدنانير ( ولهذا قالوا :
لا يقطع النباش ) لأن القبر ليس بحرز لغير الكفن فلا يكون حرزا للكفن . قال ( وتثبت
السرقة بما يثبت به القذف ) يعنى بالإقرار مرّة وبشهادة شاهدين كسائر الحقوق وقد تقدّم .
وقال أبويوسف : لابدّ من إقراره مرّتين لأنه إحدى الحجتين فيعتبر فيها التثنية كالأخرى
وهى البينة كما فى الزنا وحدّ الشرب على هذا الخلاف . ولهما أن السرقة والشرب ثبت
بالمرّة الواحدة فلا حاجة إلى الأخرى كالقصاص ، وحدّ القذف والتثنية فى الشهادة
منصوص عليه ، ولأنه يفيد تقليل تهمة الكذب ، ولا كذلك الإقرار لأنه لاتهمة فيه
واشتراط الزيادة فى الزنا على خلاف القياس فيقتصر على مورد النصّ ؛ وينبغى أن يلقن
المقرّ الرجوع احتيالا للدرء، فقد روى (( أنه علية الصلاة والسلام أتى بسارق فقال له :
أسرقت؟ ما إخاله سرق)) وإذا رجع عن الإقرار صحّ فى القطع لأنه خالص حقّ اللّه تعالى
ولا مكذّب له فيه، ولا يصحّ فى المال لأن صاحبه يكذبه . قال ( ويسأل الشهود عن
كيفيتها وزمانها ومكانها وماهيتها ) لأنه يلتبس على كثير من الناس فيسأل عنه احتياطا
فى الحدود . قال ( ولا بدّ من حضور المسروق منه عند الإقرار والشهادة والقطع ) حتى
لايقطع ما لم يصدقه ، لأن حقه متعلق بالسرقة حتى لايثبت بدون دعواه ، ولاحتمال أن
يهبه المسروق أو يملكه فيسقط القطع، فاذا حضر انتفى هذا الاحتمال . قال ( وإذا دخل
جماعة الحرز وتولى بعضهم الأخذ قطعوا إن أصاب كلّ واحد نصاب ) لوجود السرقة
(١) الجوالق : ما يعرف بين العامة بالغرارة .
(٢) الفسطاط : بيت الشعر .
(٣) قوله شريحة البقال. قال فى المنجد : الشريحة : جديلة من القصب تجعل على باب
الدكاكين اهـ .

- ١٠٦ -
وَإِنْ نَقَبَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ وَأَخْرَجَ المَتَاعَ، أوْ دَخَلَ فَناوَلَ المَتَاعَ آخَرَ منْ خارجٍ
كَمْ يُقْطَعْ، وَإنْ ألْقَاهُ فى الطَّرِيقِ ثُمَّ أَخَذَهُ قُطِعَ، وَلَوْ حَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ وَسَاقَهُ
قُطِعَ، وَإِنْ أدْخَلَ يَدَهُ فى صُنْدوقِ الصَّيْرَفِىّ أَوْ كُمِّ غْرِهِ وأخَذَ قُطِعَ.
من كلّ واحد منهم ، لأن الأخذ وجد من الكلّ معنى للمعاونة كما فى قطع الطريق وصار
كالردء والمعين ، وإن كان أقلّ من نصاب لم يقطع ، لأن القطع يجب على كلّ واحد
بجنايته فيعتبر كمالها فى حقه . قال ( وإن نقب فأدخل يده وأخرج المتاع ، أو دخل فناول
المتاع آخر من خارج لم يقطع ) أما الأولى فلأنه لم يوجد الهتك على وجه الكمال وهو الدخول
فصار فيه شبهة العدم فلا يجب الحدّ . وأما الثانية فلأن الداخل لم يخرج المتاع لاعتراض يد
معتبرة عليه قبل إخراجه ، والخارج لم يوجد منه هتك الحرز فلم تتمّ السرقة من كلّ واحد
منهما . وعن أبى يوسف : القطع فى الأولى لأن المقصود من السرقة إخراج المال من الحرز
وقد وجد ، فصار كما إذا أدخل يده فى صندوق الصير فىّ وأخرج الدراهم عنه ؛ وفى المسئلة
الثانية إن أخرج الداخل يده وناولها الخارج قطع الداخل ، وإن أدخل الخارج يده فتناولها
من الداخل قطعا وهى بناء على الأولى . وجوابه أن كمال هتك حرمة الحرز بالدخول فيه
وهو ممکن معتاد ، ولم يوجد خلاف الصندوق لأن الممكن فيه إدخال يده فيه دون دخوله .
قال ( وإن ألقاه فى الطريق ثم أخذه قطع ) وقال زفر : لا يقطع : لأن الإلقاء لا يوجب
القطع كما لو لم يأخذه ، وبالأخذ من الطريق لا يقطع كما لو أخذه غيره . ولنا أنه لم يعترض
عليه فعل آخر فاعتبر الكلّ فعلا واحدا ، ولأن ذلك عادة اللصوص ، لأنه يتعذّ رخروجهم
بالمتاع فيفعلوا ذلك أو يفعلونه ليتفرّغوا للدفع لو ظهر عليهم أو للهرب فكان من تمام
السرقة ، بخلاف ما إذا ألقاه ولم يأخذه لأنه مضيع لاسارق ( و ) كذلك ( لو حمله على حمار
وساقه قطع ) لأن مشيه مضاف إليه ، ولو خرج قبل الحمار ثم خرج الحمار بعده وجاء
إلى منزله لم يقطع ولو علق على طائر له وتركه فى المنزل فطار بعد ذلك إلى منزله لم يقطع
لأنه مختار فى ذلك ؛ ولو طرح المتاع فى نهر فى الدار فذهب به الماء وأخرجه لاقطع عليه
لأن الماء أخرجه بقوّته حتى لو لم يكن له قوّة وحركه هو حتى أخرجه قطع لأنه مضاف
إلى فعله . قال ( وإن أدخل بده فى صندوق الصيرفىّ أو كمّ غيره وأخذ قطع ) لأنه
حرز ، أما الصندوق فحرز بنفسه على ما بينا ، وأما الكمّ فحرز بالحافظ فيقطع.

- ١٠٧ -
وَلَا قَطْعَ فِما يُوجَدُ تافها فى دَارِ الإسْلامِ: كالخَطَبِ وَالسَّمَكِ وَالصَّْدِ
وَالطيرِ وَالنَّوْرَةِ وَالزَّرْنِيخِ وَتَحْوِها، وَلا ما يَنّسَارَعُ إلَيْهِ ◌ِالفَسادُ: كالفَوَاكِهِ
الرَّطْبَةِ وَاللََّبَنِ وَاللَّحْمِ، وَلا ما يَتَأوَّلُ فِيهِ الإنكارُ: كالأشْرِبَةِ المُطْرِبَةِ،
وآلاتِ اللَّهْرِ وَالَّرْدِ وَالشَّطَرَنْجِ، وَصَلِيبِ الذَّهَبِ، وَلا فى سَرِقَةِ الْمُصْحَفِ
المُحَلَّى، وَالصَِّّ الحُرّ الْمُحَلَّى.
فصل
( ولا قطع فيما يوجد تافها مباحا فى دار الإسلام : كالحطب والسمك والصيد والطير
والنورة والزرنيخ ونحوها ) لحديث عائشة رضى الله عنها (( إن اليد كانت لاتقطع على عهد
رسول الله عليه الصلاة والسلام فى الشىء التافه)) وهو الحقير، وهو مباح فى الأصل
بصورته ، حقير لقلة الرغبات فيه ، ولهذا لا يجرى فيه الشحّ والضنة ، وما كان كذلك
لا يؤخذ على كره من المالك عادة فلا حاجة إلى الزاجر كما قلنا فيما دون النصاب ، وما فيا
من الشركة العامة فى الأصل يوجب الشبهة . وقال عليه الصلاة والسلام (( لاقطع فى الطير))
ويعمّ جميع الطيور حتى الدجاج والبط، ويدخل فى السمك الملح والطرىّ. قال ( ولا ما يتسارع
إليه الفساد: كالفواكه الرطبة واللبن واللحم) لقوله عليه الصلاة والسلام ((لا قطع
فى الطعام)) قالوا: معناه ما يتسارع إليه الفساد لأنه يقطع فى الحبوب والسكر إجماء !.
وقال عليه الصلاة والسلام ((لاقطع فى ثمر ولا كثر)) قال محمد: الثمر ما كان على رعرس
النخل، والكثر: الجمار. وقال عليه الصلاة والسلام ((لاقطع فى الثمار)) وما آواه الجرين
ففيه القطع وهو موضع تجمع فيه الثمار إذا صرمت ، والذى يجمع عادة هو اليابس . قال
( ولا ما يتأوّل فيه الإنكار : كالأشربة المطربة وآلات اللهو والفرد والشطرنج وصليب
الذهب ) لأنه يصدّق دعواه فى تأويله الإنكار لأنه ظاهر حال المسلم ، بل يجب عليه ذلك
لأنه نهى عن المنكر . قال ( ولا فى سرقة المصحف المحلى) وعن أبى يوسف أنه يقطع إذا
بلغت الحلية نصابا لأنها ليست من المصحف فاعتبرت بانفرادها . ولنا أنه يتأوّل فيه القراءة ،
ولأن الإحراز لأجل المكتوب ولا مالية له وما وراءه تبع كالجلد والورق والحلية ولا عبرة
بالتبع ، والأصل أنه متى اجتمع ما يجب فيه القطع وما لا يجب لا يقطع كالشراب وماء
الورد فى إناء ذهب أو فضة ، لأنه اجتمع دليلا القطع وعدمه فأورث شبهة ، حتى
لو شرب ما فى الإناء فى الدار ثم أخرج الإناء من الدار فارغا قطع ، لأن المقصود حينئذ
هو الإناء، رواه هشام عن محمد ( و) كذلك ( الصبىّ الحرّ المحلى) وعن أبى يوسف:
أنه يقطع لأن الحلىّ غيره فكان مقصودا . ولنا أن الحلىّ تبع له وهو ليس بمال، ولأنه

- ١٠٨ -
وَلا فِى سَرِقَةِ الْعَبْدِ، وَلا فِى سَرِقَةِ الزَّرْعِ قَبْلَ حَصَادِهِ وَالثّمَرَةِ عَلَى الشَّجْرِ
وَلا فِى كُتُبِ العِلْمِ؛ وَيُقْطَعُ فِى السَّاجِ وَالقَنَا وَالأَبْنُوسِ وَالصَّنْدَلِ وَالْعُودِ
والياقُوتِ وَالزَّبَرْجَدٍ وَالفُصُوصِ كُلِّها، وَالْأوَانِى الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْخَشَبِ؛ وَلا
قَطْعَ عَلَى خائِنٍ، وَلَا نَبَّاشٍ، وَلَاُ مْنَّهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ
یتأوّل فی أخذه خوف الهلاك ورده على أهله ، ولو كان قصده الحلى لأخذه دون الصبىّ ؛
وكذا لو سرق كلبا عليه قلائد فضة لأنها تبع له ولا قطع فى الأصل فكذا فى التبع . قال
( ولا فی سرقة العبد ) صغیرا کان أو کبیرا عند أبییوسف لأنه آدمىّ من وجه مال من وجه ،
وقالا : يقطع فى العبد الصغير لأنه مال لكونه منتفعا به ، أو بعرضية الانتفاع لأنه خداع
أو غصب وليس سرقة ، وإذا كان يعبر عن نفسه ويعقل فهو كالكبير . قال ( ولا فى سرقة
الزرع قبل حصاده والثمرة على الشجر ) لعدم الحرز وللحديث المتقدّم. قال ( ولا فى كتب
العلم ) لأنه يتأوّل قراءتها ، ولأن المقصود ما فيها وليس بمال ، ويقطع فى دفاتر الحساب
لأن ما فيها غير مقصود ، وإنما المقصود الكاغد ؛ ولو سرق الجلد والكواغد قبل الكتابة
قطع ، وفى كتب الأدب روايتان . قال ( ويقطع فى الساج والقنا والأبنوس والصندل
والعود والياقوت والزبرجد والفصوص كلها ) لأنها من أنفس الأموال وأعزّها مرغوب
فيها ، ولا توجد مباحة فى دار الإسلام لصورتها فصارت كالذهب والفضة . (و) يقطع
فى ( الأوانى المتخذة من الخشب ) لأنها التحقت بالأموال النفيسة بالصنعة ، ولا قطع
فى العاج ما لم يعمل ، فاذا عمل منه شىء قطع فيه ، ولا قطع فى الزجاج لأن المكسور منه
تافه ، والمصنوع يتسارع إليه الفساد . وقيل يقطع فى المصنوع لأنه مال نفيس لايتسارع
إليه الفساد . قال محمد : لو سرق جلود السباع المدبوغة وقيمتها مائة لا يقطع ، ولو جعلت
مصلاة أو بساطا قطع ، لأنها خرجت من أن تكون جلود السباع لتغير اسمها ومعناها .
قال ( ولا قطع على خائن ، ولا نباش ، ولا منّهب ، ولا مختلس ) قال عليه الصلاة
والسلام ((لاقطع على خائن ولا منْهب ولا مختلس)) ولأن الحرز قاصر فى حقّ الخائن
لأن المال غير محرز عنه ، والمنهب والمختلس مجاهر فلا يكون سارقا . وسئل علىّ رضى
اللّه عنه عن المختلس والمنهب ؟ فقال: تلك دعابة (١) لاشىء فيها، ولأن اسم السارق
لايتناوله فلا يدخل تحت النصّ . وأما النباش فيقطع عند أبى يوسف لقوله عليه الصلاة
والسلام ((من نبش قطعناه )) ولأنه سرق مالا متقوّما من حرز مثله فيقطع. ولهما ما روى
الزهرى أن نباشا أخذ فى زمن مروان بالمدينه والصحابة متوافرون يومئذ فأجمعوا أن لاقطع
عليه ، ولأن اسم السارق لايتناوله ، ألا ترى أن العرب أفردوا له اسما ؟ والقطع وجب
(١) الدعابة : المزاح.

- ١٠٩ -
وَلَامَنْ سَرَقَ مِنْ ذِى رَحِمٍ ◌َّحْرَمٍ، أَوْ مِنْ سَيِّدِهِ، أَوْمِنْ امْرأةٍ سَيِّدِهِ،
أَوْ زَوْجِ سَيِّدَتِهِ، أوْ زَوْجَتِهِ، أَوْ مُكَاتَّبِهِ، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنَّ
الغَنِيمَةِ، أوْ مِنْ مالٍ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ .
وَتُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ مِنَ الرَّنْدِ وَنَحْسَمُ،
على السارق نصا ؛ فلو أوجبناه عليه كان إلحاقا له به فيكون إيجاب الحدود بالقياس فلا
يجوز ، ولأنه ليس ملكا للميت لانقطاع ملكه عنه بالموت ، ولا ملكا للورثة لعدم جواز
تصرّفهم فيه ، فلم يكن له مالك معين فلا يقطع كمال بيت المال ، وما رواه محمول على
السياسة . وقيل هو موقوف وليس بمرفوع . قال ( ولا من سرق ذى رحم محرم ، أو من
سيده ، أو من امرأة سيده ، أو زوج سيدته ، أو زوجته ، أو مكاتبه ، أو من بيت المال،
أو من الغنيمة ، أو من مال له فيه شركة ) لوقوع الخلل فى الحرز لوجود الإذن فى الدخول
فى البعض وبسوطة فى البعض فى مال الآخر ، ولأن له حقا فى أكساب المكاتب وله نصيب
فى بيت المال والمغنيم ، وهو مروىّ عن علىّ رضى الله عنه، وكذا إذا سرق المكاتب من
مولاه لا يقطع ، ولا يقطع بالسرقة من غريمه مثل ماله عليه لأنه استوفى حقه ، والحالّ
والمؤجل سواء ، لأن الحقّ ثابت والتأجيل لتأخير المطالبة ، وكذا لو سرق أكثر من
حقه لأنه يصير شريكا بمقدار حقه ؛ وكذا إذا أخذ أجود من دراهمه أو أرداً ، لأن الجنس.
متحد ؛ ويقطع بسرقة خلاف جنس ما عليه ، لأنه ليس له ولاية الاستيفاء منه إلا بيعا
إلا إذا قال : أخذته رهنا بحقى أو قضاء به فلا يقطع لأنه مختلف فيه فقد ظنّ فى موضعه .
قوم سرقوا وفيهم صبيّ أو مجنون لاقطع عليهم وإن تولى ذلك الكبير لأنه فعل واحد
لم يوجب القطع على البعض فلا يجب على الباقين للشبهة ، وكذا شريك ذى الرحم المحرم .
وقال أبو يوسف: ادرا الحدّ عن الصبىّ والمحرم، واقطع الآخر اعتبارا لحالة الاجتماع
بحالة الانفراد ، إذ فعل كل واحد منهما معتبر بانفراده ، وشريك الأخرس كشريك الصبىّ
فى الخلاف لأنه لاحدّ على الأخرس لاحتمال أنه لو نطق ادّعى شبهة الشركة ونحوها .
قال أبو حنيفة : لا يقطع الأعمى إذا سرق لجهله بمال غيره وحرز غيره .
فصل
( وتقطع يمين السارق من الزند وتحسم ) أما القطع فللقراءة المشهورة ، وأما اليمين فلقراءة
ابن مسعود وعليه الإجماع . وأما من الزند لأن الآية مجملة ، فان اليد تتناول إلى الإبط
وتتناول إلى الزند وإلى المرفق ، وقد وردت السنة مفسرة لها بما ذكرنا ، فإن النبيّ عليه
الصلاة والسلام أمر بقطع يد السارق من الزند . وأما الحسم فلقوله عليه الصلاة والسلام

- ١١٠ -
فإنْ عادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، فإنْ عادَ لَمْ يُقْطَعْ وُيُحْبَسُ حَتى يَتُوبَ .
فإنْ كانَ أَقْطَعَ اليَدِ الْيُسْرَى أَوْ أشَلَّها أوْ إِبْهَاءِها أوْ أصْبُعَسْنِ سِوَاها ، وفى
رِوَايَةٍ ثَلاثِ أصَابِعَ أوْ أَقْطَعَ الرّجْلِ الْيُمْسَى أَوْ أشَلَّهَا أَوْ بِهَا عَرَجُ يَمْنَعُ
المَشْىَ عَلْها لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ الْيُمَْى وَلَا رِجْلُهُ الْيُسْرَى.
((فاقطعوه واحسموه )) ولأنه إذا لم تحسم يؤدى إلى التلف ، لأن الدم لا ينقطع إلا به ،
والحدّ زاجر غير متلف ، ولهذا لا يقطع فى الحرّ الشديد والبرد الشديد (فإن عاد قطعت
رجله اليسرى ، فان عاد لم يقطع ويحبس حتى يتوب ) والأصل أن حدّ السرقة شرع زاجرا
لامتلفا، لأن الحدود شرعت للزجر عن ارتكاب الكبائر لامتلفة للنفوس المحترمة ، فكلّ
حد يتضمن إتلاف النفس من كلّ وجه أومن وجه لم يشرع حدّاً ، وكلّ قطع يؤدّى
إلى إتلاف جنس المنفعة كان إتلافا للنفس من وجه فلا يشرع ، وقطع اليد اليسرى والرجل
اليمنى يؤدّى إلى إتلاف جنس منفعة البطش والمشى فلا يشرع حدّاً ، وإليه الإشارة بقول
علىّ رضى الله عنه: إنى لأستحى من الله أن لاأدع له يدا يأكل بها ويستنجى بها ورجلا
يمشى عليها ، وبهذا حاجّ بقية الصحابة فحجهم فيعقد إجماعا. وعن عمر رضى الله عنه أنه
أتى برجل أقطع اليد والرجل وقد سرق يقال له ((سدوم)) فأراد أن يقطعه، فقال له علىّ
رضى الله عنه: إنما عليه قطع يد ورجل ، فحبسه عمر رضى الله عنه ولم يقطعه ، ففتوى
علىّ ورجوع عمر رضى الله عنهما إليه من غير نكير ولا مخالفة من غير هما دليل على
إجماعهم عليه ، أو أنه كان شريعة عرفوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا
بخلاف القصاص لأنه حقّ العبد فيستوفى جبرا لحقه. وما روى من الحديث فى قطع أربعة
السارق طعن فيه الطحاوى، أو نقول : لو صحّ لاحتجّ به الصحابة على علىّ رضى الله
عنه ولرجع إليهم ، وحيث حجهم ورجعوا إلى قوله دلّ على عدم صحته ، فان كانت
يده اليمنى ذاهبة أو مقطوعة تقطع رجله اليسرى من المفصل ، وإن كانت رجله اليسرى
مقطوعة فلا قطع عليه لما فيه من الاستهلاك على ما بينا ، ويضمن السرقة ويحبس حتى
يتوب . قال ( فان كان أقطع اليد اليسرى أو أشلها أو إبهامها أو أصبعين سواها ، وفى
رواية ثلاث أصابع أو أقطع الرجل اليمنى أو أشلها أو بها عرج يمنع المشى عليها لم تقطع
يده اليمنى ولا رجله اليسرى ) وجملته أنه متى كان بحال لو قطعت يده اليمنى لا ينتفع بيده
اليسرى ، أو لا ينتفع برجله اليمنى لآفة كانت قبل القطع لا يقطع ، لأن فيه تفويت جنس
المنفعة بطشا أو مشيا وقوام اليد بالإبهام ، فعدمها أو شللها كشلل جميع اليد ، ولو كانت
أصبع واحدة سوى الإبهام مقطوعة أو شلاء قطع ، لأن فوات الواحدة !يوجب نقصا
ظاهرا فى البطش ، بخلاف الأصبعين لأنهما كالإبهام فى البطش ؛ ولو كانت اليد اليمنى شلاء

- ١١١ -
وَإِنِ اشْتَرَى السَّارِقُ الْمَسْرُوقَ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوِ ادَّعَاهُ لَمْ يُقْطَعْ، وَإذَا قُطِعَ
وَالعَسْنُ قائمَةٌ فِى يَدِهِ رَدَّها، وَإنْ كانَتْ هالِكَةٌ لَمْ يَضْمَها؛ وَمَنْ قُطِيعَ
فِى سَرِقَةٍ ثُمَّ سَرَقَهَا وَهِىَ بِحَاِهَا لَمْ يُقْطَعْ.
أو ناقصة الأصابع يقطع فى ظاهر الرواية ، لأن المستحقّ بالنصّ قطع يده اليمنى دون
اليسرى واستيفاء الناقص عند تعذّر استيفاء الكامل جائز . وعن أبى يوسف : لا يقطع لأن
مطلق الاسم يتناول الكامل ذكره فى اختلاف زفر ويعقوب ، ولو كانت رجله اليمنى
مقطوعة الأصابع ، فان كان يستطيع المشى عليها قطعت يده اليمنى ، وإلا فلا لما بينا ؛
فان سرق فى الثالثة بعد ما قطعت يده ورجله حبس وضرب ، لأن القطع لما سقط لم يبق
إلا الزجر بالحبس والضرب لحديث عمر رضى الله عنه. قال (وإن اشترى السارق
المسروق أو وهب له أو ادّعاه لم يقطع ) وقال زفر : إن كان بعد القضاء بالقطع قطع ،
وهو رواية عن أبى يوسف لأن السرقة قد تمت انعقادا وظهورا ، وبالشراء والهبة لم يتبين
قيام الملك وقت السرقة فلم تثبت الشبهة . ولنا أن الإمضاء فى الحدود من باب القضاء للاستغناء
عن القضاء بالاستيفاء ، لأن القضاء للظهور وهو حقّ اللّه تعالى وهو ظاهر عنده ، وإذا
ثبت ذلك يشترط قيام الخصومة عند الاستيفاء فصار كما إذا ملكها قبل القضاء ، ولأن الشبهة
دارئة وأنها تتحقق بمجرّد الدعوى لاحتمال صدقه . قال ( وإذا قطع والعين قائمة فى يده
ردّها) لأنها ملكه، قال عليه الصلاة والسلام ((من وجد عين ماله فهو أحقّ به)) والنبىّ
عليه الصلاة والسلام قطع سارق رداء صفوان وردّ الردّاء على صفوان ، وكذلك إن كان
ملكها غيره بأىّ طريق كان وهى قائمة بعينها لما قلنا ( وإن كانت هالكة لم يضمنها ) لقوله
عليه الصلاة والسلام (( لاغرم على السارق بعد ما قطعت يمينه)) وفى رواية ابن عوف عنه
عليه الصلاة والسلام ((إذا قطع السارق فلا غرم عليه )) ولأنه لو ضمنها لملكها من وقت
الأخذ على ما عرف فى الغصب فيكون القطع واقعا على أخذ ملكه ولا يجوز . وروى
ابن سماعة عن محمد إنى آمره بردّ قيمة ما استهلكه ، وإن كنت لا أقضى عليه بذلك لأن
القضاء يؤدّى إلى إيجاب ما ينافى القطع لكن يفتى بالرد" لأنه أتلف مالا محظورا بغير حقّ ،
وكذلك قطاع الطريق ، فان سقط القطع لشبهة ضمن ، لأن أخذ مال الغير موجب للضمان
وإنما سقط بالقطع على ما بينا ، فاذا سقط القطع عاد الضمان بحاله . قال ( ومن قطع
فى سرقة ثم سرقها وهى بحالها لم يقطع ) والقياس أن يقطع وهو رواية الحسن عن أبى يوسف
لأنه إذا ردّها صارت كعين أخرى فى حقّ الضمان، فكذا في حقّ القطع؛ وجه الاستحسان
أنها صارت غير متقوّمة فى حقه ، ألا ترى أنه لو استهلكها لاضمان عليه ، وما ليس بمتقوم
فى حقه لاقطع عليه فى سرقته وبالردّ إلى المالك إن عادت حقيقة العصمة فشبهة السقوط

- ١١٢ -
وَإنْ تَغَّيِّرَ حاُلَهَا كَمَا إذَا كانَّ غَزْلاً فَنُسِجَ قُطِعَ.
باقية نظرا إلى اتحاد الملك والمحل. قال ( وإن تغير حالها كما إذا كان غزلا فنسج قطع )
لتبدل العين اسما وصورة ومعنى حتى يملكه الغاصب به ، وإذا تبدلت العين انتفت الشبهة
الناشئة من اتحاد المحل والقطع فيه فيقطغ ؛ ولو سرق عينا فقطع فيها ، ثم إن المسروق منه
باعها من آخر ثم اشتراها ثم عاد وسرقها ، قال مشايخ العراق لا يقطع لأن العين قائمة
حقيقة لكن تبدل سبب الملك فيها فكان شبهة سقوط العصمة قائمة . وقال مشايخ خراسان:
يقطع لأن العصمة سقطت فى حقّ الأول ضرورة وجوب القطع، وهذه الضرورة انعدمت
فى حق المشترى ، فقد وجد دليل العصمة وفقد دليل سقوطها فبقيت معصومة ، فاذا
عادت إلى البائع عادت معصومة متقوّمة كما كانت ؛ وكذلك لو سرق قطنا فقطع فيه
ثم غزل فسرقه قطع لما بينا ؛ ولو سرق ثوب خز أو صوف فقطع فيه ثم نقض الثوب
فسرقه ثانيا لم يقطع ، لأن العين والملك لم يتبدن ، وحضور المالك أو من يقوم مقامه شرط
لصحة القضاء بالسرقة ، لأن القضاء بالسرقة قضاء بالملك له؛ ولو غاب بعد القضاء قبل
الاستيفاء لا يقطع لأن للاستيفاء شبها بالقضاء ولهذا رجوع الشهود وجرحهم بعد القضاء يمنع
الاستيفاء ، وغيبة الشهود وموتهم بعد القضاء لا يمنع الإمضاء فى الحقوق كلها ، لأن
الحدود لاتدرأ بشبهة تتوهم مثل رجوع الشهود وجرحهم ، لأن هذا التوهم لا ينقطع ،
فلو اعتبر لم يقم حدّ أبدا ، ولو فسقوا أو عموا أو جنوا أو ارتدوا بعد القضاء يمنع الإمضاء
فى الحدود والقصاص دون الأموال ، لأن القضاء إنما يظهر ولاية الاستيفاء للقاضى ،
لأن الحق ظاهر لصاحبه وهو اللّه تعالى ، والحاجة إلى القضاء لظهور ولاية الاستيفاء ،
فكان الاستيفاء قضاء معنى ، فكانت هذه العوارض حادثة قبل القضاء معنى بخلاف
الأموال ، لأن الحق إذا ظهر بالقضاء فولاية الاستيفاء ثبتت لصاحب الحقّ بالملك السابق
لا بالقضاء ؛ ولو سرقت من أجنبى أو سرق من أجنيبة ثم تزوّجا سقط القطع ، لأن
اعتراض الزوجية بعد القضاء يمنع الاستيفاء فيمنع القضاء أولى ، ويقطع السارق بخصومة
المودع والمستغير والغاصب والمضارب والمستأجر والمرتهن والأب والوصى .
اعلم أن اليد ضربان : صحيحة ، وغير صحيحة . فالسرقة من اليد الصحيحة يتعلق بها
القطع ، يد مالك كانت أو غير مالك ، ومن غير الصحيحة لا يتعلق بها القطع ؛ واليد
الصحيحة يد ملك ويد أمانة ويد ضمان ، والتى ليست بصحيحة يد السارق ، أما السرقة
من يد المالك فلما مرّ ، وأما من يد الأمانة فانها كيد المالك ، لأن يد المودع يد مودعة
ويد الضمان يد صحيحة كالمرتهن والقابض على سوم الشراء والغاصب لأن لهم ولاية الآخذ
والأخذ دفعا للضمان عنهم فأشبهت يد المالك ، ويقطع بخصومة المالك أيضا إذا سرق من

- ١١٣ -
٠
هؤلاء إلا الراهن ، لأنه لاحقّ له فى قبض العين مع قيام الرهن ، فإذا قضى الدين بطل
الرهن فكان له ولاية الخصومة فيقطع بخصومته أيضا . وقال زفر: لا يقطع إلا بخصومة
المالك والأب والوصىّ ، لأن ولاية الخصومة للباقين إنما تثبت ضرورة الحفظ فلا تظهر
فى حق القطع . ولنا أن السرقة تثبت لحجة شرعية عقيب خصومة معتبرة لحاجتهم إلى
الاسترداد فيستوفى القطع كالسرقة من المالك فلا تعتبر شبهة موهومة الاعتراض ، واليد
التى ليست يد السارق فلا قطع على من سرق منه لأنها ليست يد ملك ولا أمانة ولا ضمان
فصار كأنه أخذه من الطريق أو أخذ المال الضائع.، ولا يقطع بخصومة المالك أيضا ، لأن
السارق الثانى لم يزل عن المالك يدا صحيحة فصار كأخذه من الطريق . وكلّ ما يحدثه
السارق فى العين المسروقة على وجهين ، إما أن يكون نقصا أو زيادة ، فان كان نقصا
قطع ولا ضمان عليه وردّت العين ، لأن نقصان العين ليس بأكثر من هلاكها ؛ وإن كانت
زيادة فاما أن يسقط حقّ المالك عن العين كقطع الثوب وخياطته قباء أو جبة أو نحو ذلك
قطع السارق ولا سبيل للمالك على العين ولا ضمان ، لأن العين زالت عن ملك المسروق منه
فتعذّر الضمان بالقطع فصار كالاستهلاك ، وإن كانت الزيادة لا تقطع حقّ المسروق منه
كالصبغ ، قال أبو حنيفة : يقطع السارق ولا سبيل المسروق منه على العين ، وقالا :
يأخذه ويعطى مازاد على الصبغ فيه ، لأن المالك مخير بين تضمين الثوب وبين أخذه وضمان
الزيادة ، وقد تعذّر التضمين بالقطع فتعين أخذه ، وضمان الزيادة لأن المخير بين الشيئين إذا
تعذّر أحدهما تعين الآخر . ولأبى حنيفة أنه لا يجوز تضمين الثوب بعد القطع لما مرّ .
ولو ردّ الثوب يصير السارق شريكا فيه بسبب متقدّم على القطع ، وسرقة العين المشتركة
تسقط القطع ابتداء ، فإذا وجد القطع لم يجز إثبات ماينافيه ، وليس كذلك إذا صبغه بعد
القطع لأن الشركة بعد القطع لاتسقط القطع كما لوباع المالك بعض الثوب من السارق ؛
ولوسرق ذهبا أو فضة فضربه دراهم أو دنانير قطع وردّ الدراهم والدنانير عند أبى حنيفة .
وقالا : لاسبيل للمسروق منه عليها ، وهذه صنعة متقوّمة عندهما خلافا له ، وقد عرف
فى الغصب ، وفى الحديد والرصاص والصفر إن جعله أوانى ، فان كان يباع عددا فهو
للسارق بالإجماع ، وإن كان يباع وزنا فهو على اختلافهم فى الذهب والفضة وبهذا الأصل
يعرف جميع مسائل ما يحدثه السارق فى المسروق لمن يتأمله .
٨ - الاختيار -- رابع
:

- ١١٤ -
فصل
إذَا خَرَجَ جَمَاعَةٌ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ أوْ وَاحِدٌ فَأُخِذُوا قَبْلَ ذلكَ حَبَسَهُمُ
الإِمامُ حَّى يَتُوبُوا؛ وَإنْ أخَذُوا مالَ مُسْلِمٍ أوْ ذِمِىٌّ وأصَابَ كُلّ وَاحِدٍ
مِنْهُمْ نِصَابُ السَّرِقَةِ قَطَعَ أَيْدٍ يَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلافٍ؛ وَإِنْ قَتَلُوا وَلمْ
يَأْخُذُوا مالاً قَتَلَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتُ إلى عَفْوِ الْأَوْلِياءِ؛ وَإِنْ قَتَلُوا وأخَذُ وا الْمَالَ
قَطَعَ أَيْدِ يَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلافٍ وَقَتَلَهُمْ وَصلَبَهُمْ، أَوْ قَتَلَهُمْ،
أوْ صَلَبَهُمْ.
فصل
( إذا خرج جماعة] لقطع الطريق أو واحد فأخذوا قبل ذلك حبسهم الإمام حتى يتوبوا،
وإن أخذوا مال مسلم أو ذمىّ وأصاب كلّ واحد منهم نصاب السرقة قطع أيديهم وأرجلهم
من خلاف ، وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلهم ولا يلتفت إلى عفو الأولياء ) لأنه إنما يقتلهم
حدّاً حقا للّه تعالى، ولا يصحّ العفو عن حقوق اللّه تعالى (وإن قتلوا وأخذوا المال قطع
أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم وصلبهم ، أو قتلهم ) يعنى من غير قطع ( أو صلبهم )
من غير قطع . والأصل فى ذلك قوله تعالى - إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون
فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من
الأرض - قيل معناه : الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله لاستحالة محاربة الله تعالى
بطريق حذف المضاف . وقيل المراد أنهم فى حكم المحاربين لأنهم لما امتنعوا على نائب اللّه
الإمام وجماعة المسلمين وتظاهروا بمخالفة أوامر الله تعالى كانوا فى حكم المحاربين ، وهذا
توسع فى الكلام ومجاز كقوله تعالى - ومن يشاقّ الله - والمحاربون المذكورن فى الآية
هم القوم يجتمعون لهم منعة بأنفسهم يحمى بعضهم بعضا ، ويتناصرون على ما قصدوا إليه
ويتعاضدون عليه ، وسواء كان امتناعهم بحديد أو خشب أو حجارة ، ويكون قطعهم
على المسافرين فى دار الإسلام من المسلمين وأهل الذمة دون غيرهم ، هذا عند أبى حنيفة
وأصحابه . قال أصحابنا : الآية مرتبة على ما ذكرنا من الأحوال الأربعة ، وروى ذلك
عن علىّ وابن عباس والنخعى وابن جبير رضى الله عنهم ، ولأن الجنايات تتفاوت على
الأحوال ، فاللائق تغلظ الحكم بتغلظها ، فاذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالا
حبسوا ، وهو المراد من النفى من الأرض . وقيل هو أن الإمام لايزال يطلبهم حتى يخرجوا
من دار الإسلام ، وإن أخذوا مالا على الوصف المذكور قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف

- ١١٥ -
وَيُطْعَنُ "تحْتَ تَنْدُوَتِهِ الْيُسْرَى حَّى يَمُوتَ، وَلَا يُصْلَبُ أكْثُرَ مِنْ ثَلاثَةِ
أيَّامٍ؛ وَإِنْ بَاشَرَ القَتْلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أُجْرِىَ الحَدُّ عَلى الكُلّ،
يعنى اليد اليمنى والرجل اليسرى ، ويشترط أن يكون المال معصوما عصمة مؤبدّة ، فلهذا
قال مال مسلم أو ذمىّ ، حتى لوقطع على مستأمن لا يقطع ، لأن خطره مؤقت فلا يجب فيه
حدّ كالسرقة الصغرى، ولا بدّ أن يصيب كلّ واحد نصاب لما مرّ فى السرقة، وإن
قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلهم حدّاً على ما بينا ، وإن قتلوا وأخذوا المال فالإمام فيهم بالخيار
على الوجه الذى بينا ، وهذا لأن أخذ المال موجب للقطع فى السرقة الصغرى ، وتغلظت
الكبرى بقطع الطريق والقتل موجب للقتل فى غير قطع الطريق ، ويغلظ هنا بأن يقتل
ولا يلتفت إلى عفو الولىّ وصلحه ، وهو معنى قولنا يقتلهم حدّاً ، فإذا جمع بين القتل
والسرقة يجمع عليه بين موجبهما ، وهكذا نزل جبريل عليه السلام بالحدّ فيهم ، وتكون
((أو )) فى الآية بمعنى الواو. وقال أبو يوسف : لا يترك الصلب لأنه منصوص عليه كالقتل
والقطع ، ولأنه أبلغ فى التشهير وهو المقصود ليعتبر به ، والجواب أن التشهير حصل بالقتل
والصلب مبالغة فيخير فيه . وقال محمد : يقتل أو يصلب ولا يقطع ، لأن النفس وما دونها
إذا اجتمعا لحقّ اللّه تعالى دخل ما دون النفس فى النفس كالمحصن إذا زنا وسرق . قلنا
هذا حدّ واحد وجب لمعنى واحد ، وهو إخافة الطريق على وجه الكمال بالقتل وأخذ
المال ، والحدّ الواحد لا يدخل بعضه بعضا، ألا ترى أن قطع اليد والرجل حدّ واحد
فى أخذ المال فى الكبرى حدّان فى الصغرى ، والتداخل فى الحدود لا فى حدّ واحد .
واختلفوا فى صلبه . قال الطحاوى : يقتل ثم يصلب . وقال الكرخى : يصلب حيا
( ويطعن تحت ثندوته (١) اليسرى حتى يموت ) لأنه أبلغ فى زجر غيره . قال ( ولا يصلب
أكثر من ثلاثة أيام ) ثم يخلى بينه وبين أهله ليدفنوه لأنه يتغير بعد ذلك فيستضرّ الناس
برائحته ، ولأن المقصود يحصل بذلك وهو الزجر والاشتهار . وعن أبى يوسف يترك على
الخشبة حتى يتقطع فيسقط ليعتبر به غيره ، والحكم فى قطع اليد والرجل ما بيناه فى الصغرى
من شلل أيديهم وذهاب بعض الأعضاء لما ذكرنا . قال ( وإن باشر القتل واحد منهم
أجرى الحدّ على الكلّ) لأن المحاربة تتحقق بالكلّ، لأنهم إنما أقدموا على ذلك اعتمادا
عليهم حتى لو غلبوا أو هزموا انحازوا إليهم فكانوا عونا لهم ، ولهذا المعنى كان الردء
فى الغنيمة كالمقاتل ، ولأن الردء ساع فى الأرض فسادا ، لأنه إنما وقف ليقتل إذا قتل
(١) قال فى مختار الصحاح: الثندوة بفتح الثاء غير مهموز بوزن الترقوة ، وهى
مغرز الثدى .

- ١١٦ -
وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صَىِّ أْ عْنُونٌ أَوْ ذُو رَحِيمٍ ◌ْرَمٍ مِنَ الْمَقْطُوعِ عَلْهِمْ
صَارَ القَتْلُ لِلأوْلِياءِ.
فيقتل كأهل البغى . قال ( وإن كان فيهم صبيّ أو مجنون أو ذو رحم محرم من المقطوع
عليهم صار القتل للأولياء ) معناه : أنه سقط الحدّ، فلوعفا الولىّ أو صالح سقط القصاص،
وهذا لأن الجناية واحدة قامت بالكلّ ، فاذا لم يكن فعل بعضهم موجبا صار فعل الباقين
بعض العلة فلا يترتب عليه الحكم . أما الصبىّ والمجنون فلما مرّ فى السرقة. وأما ذو الرحم
المحرم فلأن القافلة كالحرز، فقد حصل الخلل فى الحرز فى حقهم فيسقط الحدّ فيصير القتل
إلى الأولياء ، ولهذا لو قطع بعض القافلة على البعض لا يجب الحدّ لأن الحرز واحد فصارت
كدار واحدة ، ولو كان فى المقطوع عليهم مستأمن قطعوا ، لأن الامتناع فى حقه الخلل
فى العصمة وذلك يخصه ، وخلل الحرز يعمّ الكل"، ثم شرائط قطع الطريق فى ظاهر الرواية
أن يكون قوم لهم منعة على ما تقدّم ينقطع بهم الطريق ، ولا يكون فى مصر ولا بين
قريتين ولا بين مدينتين ، ويكون بينهم وبين المصر مسيرة السفر ، لأن قطع الطريق بانقطاع
المارّة والسابلة ، ولا يمتنعون عن المشى فى هذه المواضع فيلحقهم الغوث ساعة بعد ساعة
من المسلمين أو من جهة الإمام . وروى عن أبى يوسف : لو كان فى المصر ليلا ، أو بينهم
وبين المصر أقلّ من مسيرة سفر فهم قطاع الطريق وعليه الفتوى نظرا لمصلحة الناس بدفع
شرّ المتغلبة المفسدين ، وأبو حنيفة أجاب على ما شاهد فى زمانه ، فان أهل الأمصار كانوا
يحملون السلاح فلا يتمكن قاطع الطريق من مغالبتهم ؛ فأما إذا تركوا هذه العادة وأمكن
أن يتغلب عليهم قطاع الطريق أجرى عليهم الحدّ ، ولهذا قال : لا يثبت قطع الطريق بين
الحيرة والكوفة ، لأن الغوث فى زمانه كان يلحق ذلك الموضع الاتصال المصرين ، أما الآن
فهِى برّيّة يجرى فيها قطع الطريق ويستوى فيه الامتناع بالخشب والسلاح ، لأن المعنى
يوجد بهما ، ولا بدّ أن يكون فى دار الإسلام لأن الحدّ إذا وجد سببه فى دار الحرب
لا يستوفى فى دار الإسلام لما مرّ فى الحدود ؛ وإذا تاب قطاع الطريق قبل أن يؤخذوا سقط
عنهم الحدّ وبقى حقّ العباد فى المال والقصاص، لقوله تعالى - إلا الذين تابوا من قبل أن
تقدروا عليهم - فيقتضى خروجه عن الجملة عملا بالاستثناء ، وفى السرقة إذا تاب ولم يردّ
المال يقطع لأن قوله تعالى - فمن تاب من بعد ظلمه - ليس استثناء ، فلا يقتضى خريج
التائب من الجملة السابقة ، وهو كلام مبتدأ يستغنى عن غيره فيحمل على الابتداء لأنه
أولى ، أما الاستثناء يفتقر فى صحته إلى ما قبله فافترقا .

- ١١٧ -
كتاب السير
الجِهادُ فَرْضُ عْنٍ عِنْدَ النَّفِيرِ العامّ وَكِفِايَةٍ عِنْدَ عَدَمِهِ،
کتاب السير
وهى جمع سيرة، وهى الطريقة خيرا كانت أو شرّا ، ومنه سيرة العمرين : أى طريقتهما؛
ويقال : فلان محمود السيرة ، وفلان مذموم السيرة : يعنى الطريقة ، وسمى هذا الكتاب
بذلك لأنه يجمع سير النبىّ عليه الصلاة والسلام ، وطريقته فى مغازيه ، وسيرة أصحابه
وما نقل عنهم فى ذلك ؛ والجهاد فريضة محكمة يكفر جاحدها ، ثبتت فرضيته بالكتاب
والسنة وإجماع الأمة . أما الكتاب فقوله تعالى - قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم
الآخر - إلى غيرها من الآيات فى الأمر بقتال الكفار . والسنة قوله عليه الصلاة والسلام
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)) وقال عليه الصلاة والسلام ((الجهاد
ماض : أى فرض منذ بعثنى الله تعالى إلى يوم القيامة ، حتى يقاتل عصابة من أمتى الدجال))
وعليه إجماع الأمة. ((وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا بعث جيشا أو سرية أوصى
صاحبهم : أى أميرهم بتقوى الله تعالى وقال: اغزوا باسم الله فى سبيل الله، قاتلوا من
كفر بالله، ولا تغلوا، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيتم عدوّكم
من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال إلى الإسلام ، فان أسلموا فاقبلوا منهم وكموا
عنهم ، وإن أبوا فادعوهم إلى إعطاء الجزية ، فان أبوا فانبذوا إليهم: أى أعلموهم بالقتال،
وإذا حاصر تم حصنا أو مدينة فأرادوكم أن تنزلوهم على حكم الله تعالى فلا تنزلوهم ،
فانكم لاتدرون ما حكم الله فيهم ، ولكن أنزلوهم على حكمكم ، ثم اقضوا فيهم ما رأيتم ،
وإذا أرادوكم أن تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله فلا تعطوهم ذلك ، ولكن أعطوهم ذمتكم
وذمة آبائكم ، فانكم إن تخفروا ذمتكم وذمة آبائكم أهون من ذمة الله وذمة رسوله))
وإخفار (١) الذمة : نقضها .
قال ( الجهاد فرض عين عند النفير العامّ وكفاية عند عدمه ) أما الأوّل فلقوله تعالى
ـ انفروا خفافا وثقالا - الآية ؛ والنفير العام: أن يحتاج إلى جميع المسلمين فلا يحصل
المقصود وهو إعزاز الدين وقهر المشركين إلا بالجميع ، فيصير عليهم فرض عين كالصلاة ،
وإذا لم يكن كذلك فهو فرض كفاية ، إذا قام به البعض سقط عن الباقين كردّ السلام
(١) قال فى الصحاح: أخفره بفتح الهمزة وسكون الخاء وفتح الفاء والراء : نقض
عهده وغدر .

- ١١٨ -
وَقِتِالُ الكُفَّارِ وَاجِبٌ عَلَى كُلّ رَجُلٍ عاقِلٍ صَحِيحٍ حُرٌّ قادِرٍ، وَإذَا هَجَمَ
العَدُوُّ وَجَبَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ الدَّفْعُ تَخْرُجُ المَرأةُ وَالعَبْدُ بِغْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ
وَالسَّيِّدٍ، وَلا بأسَ بالحُعْلِ إذَا كانَ بِالْمُسْلِمِينَ حاجَةٌ؛ وَإِذَا حاصَرَ الْمُسْلِمُونَ
أهْلَ الحَرْبِ فى مَدِينَةٍ أَوْ حِصْنٍ دَعَوْهُمْ إلى الإسْلامِ، فانْ أسْلَمُوا كَفُوا
عَنْ قِتَالِهِمْ، وَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا دَعاهُمْ إلى أدَاءِ الْجِزْيَةِ إِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِها
وَبَيَّنُوا لَهُمْ كَمِيَّها وَمَتى تَجِبُ،
ونحوه ، لأن المراد والمقصود منه دفع شرّ الكفر وكسر شوكتهم ، وإطفاء ثائرتهم ، وإعلاء
كلمة الإسلام ، فإذا حصل المقصود بالبعض فلا حاجة إلى غيرهم ، والنبيّ عليه الصلاة
والسلام كان يخرج إلى الجهاد ولا يخرج جميع أهل المدينة ، ولأنه أمر بالمعروف ونهى عن
المنكر فيكون على الكفاية ، ولأنه لو وجب على جميع الناس تعطلت مصالح المسلمين من
الزراعات والصنائع ، وانقطعت مادّة الجهاد من الكراع والسلاح فلا يقدر المجاهدون
على الإقامة على الجهاد فيؤدى إلى تعطيله ، فان لم يقم به أحد أثم جميع الناس بتركه كسائر
فروض الكفاية . قال ( وقتال الكفار واجب على كلّ رجل عاقل صحيح حرّ قادر ) لأن
المرأة والعبد مشغولان بخدمة السيد والزوج، وحقّ العبد مقدّم ، والصبىّ والمجنون غير
داخلين فى الخطاب ، وأما غير القادر فلأن تكليف العاجز قبيح كالمريض وا عمى والمقعد
ونحوهم ، وفيه نزل قوله تعالى - ليس على الأعمى حرج - الآية التى فى سورة الفتح .
قال ( وإذا هجم العدوّ وجب على جميع الناس الدفع، تخرج المرأة والعبد بغير إذن الزوج
والسيد ) لأنه يصير فرض عين، وحقّ الزوج والسيد لا يظهر فى مقابلة فرض الأعيان
كالصلاة والصوم. قال (ولا بأس بالجعل إذا كان بالمسلمين حاجة ) لأنه دفع الضرر
الأعلى باحتمال الأدنى ، والحاجة أن لا يكون فى بيت مال المسلمين شىء ويحتاج المسلمون
إلى الميرة وموادّ الجهاد ولا شىء لهم ؛ وقد صحّ أن النبىّ عليه الصلاة والسلام أخذ دروعا
من صفوان ، وكان عمر رضى الله عنه يغزى الأعزب عن ذى الحليلة ، ويعطى الشاخص
فرس القاعد . قال ( وإذا حاصر المسلمون أهل الحرب فى مدينة أو حصن دعوهم إلى
الإسلام ) لما روى أنه عليه الصلاة والسلام ما قاتل قوما حتى دعاهم إلى الإسلام ، ولما
تقدّم من الحديث ، ولأنهم ربما أسلموا فيحصل المقصود بأهون الشرّين ( فان أسلموا
كفوا عن قتالهم) لقوله عليه الصلاة والسلام ((أمرت أن أقاتل الناس)) الحديث ، ولما
سبق من الحديث، ولأن المقصود إسلامهم وقد حصل . قال ( فان لم يسلموا دعاهم إلى
أداء الجزية ) لما سبق من الحديث ( إن كانوا من أهلها وبينوا لهم كميتها ، ومتى تجب )
على ما يعرف فى بابه ، أما إذا لم يكونوا من أهلها لا يدعوهم ، لأنه لافائدة فيه ، إذ لا يقبل

- ١١٩ -
فإنْ قَبِلُوهَا فَلَهُمْ مَالَنَا وَعَلْهِمْ مَا عَلَيْنَا، وَيَجِبُ أنْ يَدْعُو مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ
الدَّعْوَةُ، وَيُسْتَحَبُّ ذلكَ لِمَنْ بَلَغَتْهُ، فانْ أَبَوُا اسْتَعَانُوا باللّهِ تَعالى عَلْهِمْ
وَحَارَبُوهُمْ، وَنَصَبُوا عَلْهِمُ المَجانيقَ، وأَفْسَدُوا زُرُوعَهُمْ وَأَشْجَارَهُمْ
وَحَرَّقُوهُمْ وَرَمَوْهُمْ، وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ، وَيُقْصِدُونَ بِهِ الكُفَّارَ:
منهم إلا الإسلام أو السيف ويعرفهم قدرها لتنقطع المنازعة بعد ذلك ، ولأن القتال ينتهى
بالجزية ، قال تعالى - حتى يعطوا الجزية عن يد - أى حتى يقبلوها . قال ( فان قبلوها
فلهم مالنا وعليهم ما علينا) قال عليه الصلاة والسلام (( فإذا قبلوها فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين
وعليهم ما على المسلمين)). وقال علىّ رضى الله عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم
كأموالنا ودماوهم كدمائنا . والمراد بالبذل القبول إجماعا . قال ( ويجب أن يدعو
لم تبلغه الدعوة ) لما تقدم وليعلموا ما يقاتلهم عليه فربما أجابوا فنكفى مؤنة القتال ، فان
قاتلهم بغير دعوة قيل يجوز ، لأن الدعوة إلى الإسلام قد انتشرت فى دار الحرب فقام
الشيوع مقام البلوغ ، وقيل لا يجوز وهو آثم للنهى أو لمخالفة الأمر على ما مرّ ، ولأن
الشيوع فى بعض البلاد لا يعتبر شيوعا فى الكلّ. قال ( ويستحبّ ذلك لمن بلغته ) الدعوة
أيضا مبالغة فى الإنذار وهو غير واجب ، لأنه عليه الصلاة والسلام أغار على بنى المصطلق
وهم غازون. وعن أسامة بن زيد ((أن النبىّ عليه الصلاة والسلام عهد إليه أن يغير على
بنى الأصفر صباحا ثم يحرق نخلهم)) والغارة لاتكون عن دعوة. قال( فان أبوا ) يغنى عن
الإسلام والجزية ( استعانوا باللّه تعالى عليهم وحاربوهم ) لما بينا ، ولقوله عليه الصلاة
والسلام ((فان أبوا فاستعن بالله تعالى عليهم وقاتلهم)) ولأنه أعذر إليهم فأقاموا على عداوتهم
فوجبت مناجزتهم ، وأن يستعان باللّه تعالى عليهم ، لأنه الناصر لأوليائه المذلّ لأعدائه
فيستعان به . قال ( ونصبوا عليهم المجانيق ، وأفسدوا زروعهم وأشجارهم ، وحرّقوهم
ورموهم ، وإن تترّسوا بالمسلمين ويقصدون به الكفار ) لأن فى ذلك غيظاً وكبتا للكفار
وهو المقصود ، وقد صحّ أنه عليه الصلاة والسلام حاصر أهل الطائف فرماهم بالمنجنيق
وكان فيهم المسلمون ، ولأن بلادهم لاتخلو عن المسلمين الأسرى والتجار والأطفال ،
غلو امتنع القتال باعتبار ذلك لامتنع أصلا ، ولا يقصدون بالرمى المسلمين تحرّزا عن قتلهم
بقدر الإمكان (( ولما مرّ صلى الله عليه وسلم يريد الطائف بدا له قصر عمر بن مالك النضرى
فأمر بتحريقه ، فلما انتهى إلى الكروم أمر بقطعها)). قال الزهرى : وقطع رسول الله
صلى الله عليه وسلم نخل بنى النضير وحرق البيوت ؛ ولما تحصن بنو النضير من رسول
الله صلى الله عليه وسلم أمر بقطع نخلهم وتحريقه، فقالوا : يا أبا القاسم ما كنت ترضى
بالفساد ، فأنزل اللّه تعالى - ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فباذن الله

- ١٢٠ -
وَيَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِينَ أنْ لا يَغْدُرُوا، وَلا يَغُلُّوا، وَلا يُمَثِّلُوا، وَلا يَقْتُلُو
مَجْنُونا، ولا امْرأةً، وَلَا صَبِيًّا، وَلا أعْمَى، وَلا مُقْعَدًا، وَلا مَقْطُوعَ اليَمِينِ،
وَلَا شَيْخا فانيا، إلاَّ أنْ يَكُونَ أحَدُ هَؤُلاءِ مَلِكا، أوْ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى القِتالِ
أوْ يُحَرِّضَ عَلَيْهِ، أوْ لَهُ رأىٌ فى الحَرْبِ، أوْ مالٌ يَحُثُّ بِهِ أَوْ يَكُونَ الشَّيْخُ
مِمَّنْ يَحْتَالُ.
وَإذَا كانَ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ لا يَنْبَغِى لَهُمْ مُؤَادَعَةُ أهْلِ الحَرْبِ، وَإِنْ
◌َمْ يَكُنْ لَهُمْ قُوَّةٌ فَلا بأسَ بِهِ ،
وليخزى الفاسقين - فبين أنه لم يكن فسادا ، وقد قال تعالى - ولا يطئون موطئا يغيظ
الكفار ولا ينالون من عدوّ نيلا إلا كتب لهم -. قال ( وينبغى للمسلمين أن لايغدروا ،
ولا يغلوا ، ولا يمثلوا) لما روينا من الحديث أوّل الباب ؛ والغلول : الخيانة والسرقة من
المغنم : والغدر : نقض العهد فلا يجوز بعد الأمان ، ولا بأس به قبله وهو حيلة وخدعة ،
قال عليه الصلاة والسلام (( الحرب خدعة)) والمثلة المنهية بعد الظفر بهم ، ولا بأس بها قبله.
لأنه أبلغ فى كبتهم وأضرّ بهم. قال ( ولا يقتلوا مجنونا ، ولا امرأة، ولا صبيا ، ولا أعمى ،
ولا مقعدا ، ولا مقطوع اليمين ، ولا شيخا فانيا ، إلا أن يكون أحد هؤلاء ملكا ، أو ممن
يقدر على القتال ، أو يحرّض عليه ، أو له رأى فى الحرب أو مال يحثّ به ، أو يكون الشيخ
ممن يحتال ) لنهيه عليه الصلاة والسلام عن قتل الصبيان والذرارى ، ورأى عليه الصلاة
والسلام امرأة مقتولة فقال: ((هاه مالها قتلت وما كانت تقاتل؟)) ولأن الموجب للمتل هو
الحراب باشارة هذا النصّ وهؤلاء لايقاتلون والمجنون غير مخاطب ، وكذلك مقطوع اليد
والرجل من خلاف ، ويابس الشقّ لما بينا، فاذا كان أحد هؤلاء ملكا، أو يقدر على
القتال، أو له مال يعين به، أو رأى لا يؤمن شرّه فصار كالمقاتل ((والنبى صلى الله عليه
وسلم قتل دريد بن الصمة وكان له مائة وعشرون سنة لأنه كان صاحب رأى )) ويقتل
الرهابين وأهل الصوامع الذين يخالطون الناس أو يدلون على عورات المسلمين لما مرّ ، فان
كانوا لايخالطون الناس أو حبسوا أنفسهم فى جبل أو صومعة ونحوه لا يقتلون لما بينا .
فصل
( وإذا كان للمسلمين قوّة لا ينبغى لهم موادعة أهل الحرب ) لأنه لامصلحة فى ذلك
لما فيه من ترك الجهاد صورة ومعنى أو تأخيره ، لأن الموادعة طلب الأمان وترك القتال .
قال تعالى - فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون - ( وإن لم يكن لهم قوّة فلا بأس به)
لأنه خيرة للمسلمين ، قال تعالى - وإن جنحوا للسلم فاجنح لها - أى إن مالوا إلى المصالحة