Indexed OCR Text
Pages 81-100
- ٨١ - وَإِنْ رَجَعُوا قَبْلَ الرَّجْمِ سَقَطَ وَحُدُّوا، وَإنْ رَجَعُوا بَعْدَ الرَّجْمِ يَضْمَنُونَ" الدَّةَ، وَإِنْ رَجَعَ وَاحِدٌ فَرُبُعُها، وَإِنْ شَهِدُوا بِزِنًا مُتْقَادِمٍ كَمْ يَمْتَعْهُمْ عَنْ إقامَتِهِ بُعْدُهُمْ عَنِ الإمامِ كَمْ تُقْبَلْ. واحدة ، لأن قولهم احتمل أن يكون شهادة ، واحتمل أن يكون قذفا ، وإنما تتميز الشهادة عن القذف إذا وقعت جملة ، ولا يمكن ذلك دفعة واحدة منهم فاعتبرنا اتحاد المجلس وإن شهدوا أنه زنى بامرأة لا يعرفونها لم يحدّ لقيام الشبهة لاحتمال أنها زوجته أو أمته . قال ( وإن رجعوا قبل الزجم سقط وحدّوا ) أما سقوط الحدّ فلبطلان الشهادة بالرجوع ؛ وأما وجوب الحدّ عليهم فلأنهم قذفة ( وإن رجعوا بعد الرجم يضمنون الدية ) لأنهم تسببوا إلى قتله ، والمتسبب تجب عليه الدية كحافر البئر (وإن رجع واحد فربعها) لأنه تلف بشهادته ربع النفس ؛ أو نقول : بقى من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحقّ فيكون التالف بشهادته ربع الحقّ ، ولا وجه إلى وجوب القصاص لأنه متسبب ولاقصاص على المتسبب ، ويحدّ حدّ القذف مع الدية خلافا لزفر لأنه قذف حيا ومات فبطل ؛ وإن كان قذف ميتا فقد رجم بقضاء فأورث شبهة . ولنا أن الشهادة إنما تصير قذفا بالرجوع فيجعل قاذفا للميت حالة الرجوع فقد بطلت الحجة فبطل القضاء الذى يبتنى عليها فلا يورث شبهة ؛ وإن رجعوا بعد الجلد فالحدّ لما مرّ ولا يضمنون أرش السياط، وكذلك إن مات من الجلد ، وقالاً: يضمنون ، وإن رجع واحد فعليه ربع الأرش ، وإن مات فربع الدية لأنه من الجلد وقد حصل بسبب الشهادة ، فكان الشاهد هو الموجب كما فى الرجم . ولأبى حنيفة أن أثر الضرب والموت ليس موجب الشهادة ، لأن الجلد قد يؤثر ولا يؤثر ، وقد يموت منه ولا يموت ، ولو كان موجب الشهادة لما انفكّ عنها كما فى الرجم ، وإذا لم يكن موجب الشهادة لا يلزم الشاهد ضمانه ، ولأنه لو وجب إما أن يجب على الشاهد ولا وجه له لما بينا . أو على الجلاد ولا وجه له أيضا لأنه مأذون فى فعله لاعلى وجه البدل ، ولم يتعمد تجاوز ما أمر به كمعين القصار، ولأنا لو أوجبناه عليه لامتنع الناس من ذلك وفيه ضررجلّ ، أو على بيت المال، ولا وجه له ، لأن الحكم غير موجب له لأنه ينفك عنه غالبا فلا يجب كما قلنا فى الشاهد. قال (وإن شهدوا بزنا متقادم لم يمنعهم عن إقامته بعدهم عن الإمام لم تقبل ) لما روى أن عمر رضى الله عنه خطب فقال: أيما شهود شهدوا بحدّ لم يشهدوا عند حضرته فانما هم شهود ضغن لاتقبل شهادتهم ، ولأنها شهادة تمكنت فيها تهمة فتبطل . بيانه أن الشهود إذا عاينوا الفاحشة فهم بالخيار إن شاءوا شهدوا به حسبة لإقامة الحدّ ، وإن شاءوا ستروا على المسلم حسبة أيضا ، فان اختاروا الأداء حرم عليهم التأخير ، لأن تأخير الحدّ حرام ، فيحمل تأخيرهم على الستر حسبة حملا لهم على الأحسن ، فإذا أخروا ٦ - الاختيار - رابع - ٨٢ - وَيَثْبَتُ بالإِقْرَارِ، وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ العاقِلُ البالغُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِى أَرْبَعِ مَجَالِسَ يَرُدُّهُ القاضِى فِى كُلْ مَرَّةٍ حتى لايَرَاهُ، ثُمَّ يَسألُهُ كَمَا يَسألُ الشُّهُودَ إلاَّ عَن الزّمانِ ، فاذَا بَّنَ ذلكَ لَزِمَهُ الحَدُّ . ثم شهدوا اتهموا أنهم إنما شهدوا لضغينة حملتهم على ذلك كما قال عمر رضى الله عنه، وإن كان تأخيرهم لالحسبة الستر ثبت فسقهم وردّت شهادتهم ، بخلاف الإقرار لأن الإنسان لا يعادى نفسه فلا يتهم ؛ ثم التقادم فى الحدود الخالصة لله تعالى يمنع قبول الشهادة إلا إذا كان التأخير لعذر كبعد المسافة أو مرض ونحو ذلك ؛ فحدّ الزنا والشرب والسرقة خالص حقّ اللّه تعالى حتى يصحّ رجوع المقرّ عنها فيكون التقادم فيها مانعا ؛ وحدّ القذف فيه حقّ العبد لما فيه من دفع العار عنه ، ولهذا توقف على دعواه ولا يصحّ الرجوع عنه ، فالتقادم فيه لا يمنع قبول الشهادة لأن الدعوى فيه شرط ، فاحتمل أن تأخير هم لتأخير الدعوى فلا يتهمون فى ذلك؛ ولا يلزم حدّ السرقة لأن الدعوى شرط للمال لاللحدّ، لأن الحدّ خالص حقّ الله، ولأن السرقة تكون فى السرّ والخفية من المالك فيجب على الشاهد إعلامه، فبالتأخير يفسق أيضا . وأما حدّ التقادم فأبو حنيفة لم يقدّر فى ذلك وفرّضه إلى رأى الإمام كما هو دأبه . وروى المعلى عن أبى يوسف قال : جهدنا بأبى حنيفة أن يوقت فى التقادم شيئا فأبى ، لأن التقادم يختلف باختلاف الأحوال والأعذار ورده إلى اجتهاد الحاكم . وروى الحسن ومحمد عن أبى حنيفة أنهم إذا شهدوا بعد سنة لم تقبل شهادتهم ، وهذا لاينافى الأوّل لأنه جعل السنة تقادما ولم يمنع ما دونها . وقال أبو يوسف ومحمد : إذا شهدوا بعد مضى شهر فهو تقادم لأنه فى حكم البعيد وما دونه فى حكم القريب ، فوجب أن يقدّر التقادم به إذا لم يكن عذرا . وعن الطحاوى ستة أشهر ( ويثبت بالإقرار ، وهو أن يقرّ العاقل البالغ أربع مرّات فى أربع مجالس يردّه القاضى فى كلّ مرّة حتى لايراه ثم يسأله كما يسأل الشهود إلا عن الزمان، فاذا بين ذلك لزمه الحدّ) أما اشتراط العقل والبلوغ فلأنهما شرط للتكاليف ، وأما اشتراط الأربع فلما روى (( أن ماعز بن مالك أقرّ عند النبىّ عليه الصلاة والسلام فأعرض عنه ، فعاد فأقرّ فأعرض عنه، فعاد الثالثة فأقرّ فأعرض عنه ، فعاد الرابعة فأقرّ ، فقال عليه الصلاة والسلام: الآن أقررت أربعا فبمن؟)) وفى رواية (( فأعرض عنه حتى خرج من المسجد ثم عاد)) والتمسك به من وجوه : أحدها أن الحدّ لو وجب بالمرّة الواحدة لم يؤخره إلى الرابعة لأنه لا يجوز تأخير الحدّ إذا وجب، قال عليه الصلاة والسلام ((ما ينبغى لو الى حدّ أتى فى حدّ من حدود اللّه تعالى إلا إقامته)). الثانى أن قوله عليه الصلاة والتشلام ((الآن أقررت أربعا)) دليل على أنّ الموجب هو الإقرار أربعا، هذا هو المفهوم من فحوى هذا الكلام . الثالث ما روى أن أبا بكر رضى الله عنه لما أفر الثالثة قال له - ٨٣ - وَإِذَا رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ قَبْلَ الحَدّ أَوْ فِى وَسَطِهِ خُلِّىَ سَبِيلَهُ. وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمامِ أنْ يُلَقِّنَهُ الرُّجُوعَ كَقَوْلِهِ لَهُ: لَعَلَّكَ وَطِئْتَ بِشُسُبهةٍ، أوْ قَبَّلْتَ، أوْ ◌َكَسْتَ. . إن أقررت الرابعة رجمك رسول اللّه ، وهذا دليل على أنهم علموا أن الرابعة شرط لوجوب الرجم ، ومثل هذا لا يعلم إلا توقيفا . وكذلك روى عن أبى بريدة أنه قال (( كنا نتحدّث بين يدى رسول الله عليه الصلاة والسلام أن ماعزا لو قعد فى بيته بعد المرّة الثالثة ولم يقرّ لم يرجمه صلى اللّه عليه وسلم)) وهذا دليل على أنهم عرفوه شريعة قبل رجم ماعز؛ ولأن الزنا اختصّ بزيادة تأكيد لم يجب فى غيره من الحدود إعظاما لأمره وتحقيقا لمعنى الستر كزيادة عدد الشهود والسؤال عن حال المقرّ ، فيناسب أن يختصّ بزيادة العدد فى الأقارير أيضا واشتراط اختلاف المجالس لما روينا ، ولأن اتحاد المجلس يؤثر فى جميع المتفرّقات فتثبت شبهة الاتحاد فى الإقرار ، والمعتبر اختلاف مجلس المقرّ لأن الإقرار قائم به دون القاضى ، فإذا أقر أربعا على ماوصفنا يسأل القاضى عن حاله ، لما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال لماعز (( أبك داء ؟ أبك خبل ؟ أبك ؟ جنون ؟ فقال لا ، وبعث إلى قومه فسألهم هل تنكرون من حاله شيئا ؟ قالوا لا ، فأمر به فرجم )) فاذا عرف صحة عقله سأله عن الزنا لما تقدّم فى الشهود ، ولاحتمال أنه وطنها فيما دون الفرج واعتقده زنا ، ولأنه صلى الله عليه وسلم قال لماعز لعلك لمست ، لعلك قبلت ، لعلك باشرت ، فلما ذكر ماعز النون والكاف قبل إقراره)) ويسأله عن المزنى بها لأنه صلى الله عليه وسلم قال لماعز: فبمن ؟ ولجواز أنه وطئ من لا يجب الحدّ بوطئها كجارية الابن والجارية المشتركة ونحوهما وهو لا يعلم ذلك ، ويسأله عن المكان لما بينا ولا يسأله عن الزمان ، لأن التقادم لا يمنع قبول الإقرار لما بينا ، وقيل يسأله لجواز أنه زنى حالة الصغر ، فإذا بين ذلك لزمه الحدّ لتمام الحجة ولما روينا . قال (وإذا رجع عن إقراره قبل الحدّ أو فى وسطه خلى سبيله ) لأن رجوعه إخبار يحتمل الصدق كالإقرار ولا مكذب له . فتحققت الشبهة لتعارض الإقرار بالرجوع ، بخلاف القصاص وحدّ القذف لأنه حق العبد فإنه يكذبه فلا معارض للإقرار الأوّل. وروى (( أن ما عزا لما مسه حر الحجارة هرب ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هلا خليتم سبيله)) فجعل الهرب الدال على الرجوع مسقطا للحد فلأن يسقط بصريح الرجوع أولى ( ويستحب للإمام أن يلقنه الرجوع كقوله له : لعلك وطئت بشبهة، أو قبلت، أو لمست) لما روينا واحتيالا للدرء. وروى (( أنه صلى اللّه عليه وسلم أتى بسارق فقال له: ما إخالك (١) سرقت)) وفيه دليل على جواز التلقين (١) قوله ما إخالك ، فى نسخة ما إخاله سرق . - ٨٤ - وَحَدُ الزَّانِىِ إنْ كانَ ◌ُحْصَنا الرَّجْمُ بالحِجارَةِ حَّى يَمُوتَ، يُخْرَجُ إلى أرْضٍ فَضَاءِ، فإنْ كانَ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ يَبْتَدِىُ الشُّهُودُ ◌ُثُمَّ الإمامُ ◌ُثُمَّ النَّاسُ، فإذَا مْتَنَعَ الشُّهُودُ أوْ بَعْضُهُمْ لايُرْجَمُ ، وعلى سقوط الحدّ بالرجوع وإلا لما أفاد التلقين. وإذا أقر الخصى بالزنا يحدّ لأنه قادر على الإيلاج لسلامة آلته ، ولو أقر المجبوب لا يحد لكذبه قطعا ، وكذلك الشهادة عليهما ، ولا يحدّ الأخرس بالإقرار إشارة للشبهة ، وإذا أقر أنه زنى بامرأة غائبة أقيم عليه الحدّ استحسانا ، والقياس أن لايحدا حتى تحضر لجواز أنها تدعى شبهة لسقوط الحدّ. وجه الاستحسان أن ما عزا أقرّ بالزنا بامرأة غائبة فرجمه صلى الله عليه وسلم قبل إحضارها . المقضى برجمه إذا قتله إنسان أو فقأ عينه لاشىء عليه ، ولو قتله قبل القضاء يجب القصاص فى العمد والدية فى الخطأ لأنه إنما يصير مباح الدم بالقضاء . فصل ( وحدّ الزانى إن كان محصنا الرجم بالحجارة حتى يموت ) لحديث ماعز أنه صلى الله عليه وسلم رجمه وكان محصنا. وقال صلى الله عليه وسلم (( لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بثلاث)) وذكر منها ((أو زنا بعد إحصان)) والنبى صلى الله عليه وسلم رجم الغامدية . وعن عمر رضى الله عنه أنه قال: مما أنزل الله آية الرجم - الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة - وهذا مما قالوا إنه قرآن نسخ لفظه وبقى معناه ، وعلى ذلك إجماع العلماء . قال ( يخرج إلى أرض فضاء) كما فعل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بماعز أمر برجمه ولم يحفر له قال ( فان كان ثبت بالبيئة يبتدى الشهود ثم الإمام ثم الناس ) لما روى عن علىّ رضى الله عنه أنه بدأ برجم الهمدانية لما أقرّت عنده بالزنا وقال : الرجم رجمان: رجم سرّ . ورجم علانية ، فالعلانية أن يشهد على المرأة ما فى بطنها ، والسرّ أن يشهد الشهود فترجم الشهود ثم الإمام ثم الناس ، ولأن البداءة بالشهود ضرب احتيال للدرء ؛ لأن الشاهد قد يتجاسر على الأداء وتتعاظم المباشرة حرمة للنفس فيرجع عن الشهادة . قال ( فاذا امتنع الشهود أو بعضهم لا يرجم ) لأنه دليل رجوعهم ، وكذا إذا غابوا فى ظاهر الرواية لفوات الشرط ، وكذا إذا ماتوا أو مات بعضهم ، وكذا إذا جنوا أو فسقوا أو قذفوا فحدّوا أوحدّ أحدهم أو عمى أوخرس أو ارتدّ، لأن الطارئ على الحدّ قبل الاستيفاء كالموجود فى الابتداء كما فى رجوع المقرّ فصار كأنهم شهدوا وهم بهذه الصفة فلا يحدّ . وعن أبى يوسف : إذا غاب الشهود رجم ولم ينتظروا ، وكذا إذا امتنعوا أو امتنع بعضهم لأنه حدّ فلا يشترط فيه مباشرة الشهود كالجلد . قلنا الجند لا يحسنه كل أحد فربما وقع - ٨٥ - وَإِنْ ثَبَتَ بِالإِقْرَارِ ابْتَدَأُ الإِمامُثُمَّ النَّاسُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنَا فَحَدَّهُ الجَلْدُ مائةٌ لِلْحُرْ وَخَمْسُونَ لِلْعَبْدِ، وَيُضْرَبُ بِسَوْطِ لا ◌َ ثْمَرَةَ لَهُ ضَرْبًا مُتْوَسِّطا يُفَرَّقُهُ عَلَى أعْضَائِهِ إِلاَّ رأسَهُ وَوَجْهَهُ وَفَرْجَهٌَ ، مهلكا ، ولا كذلك الرجم لأنه إتلاف . وعن محمد : إذا كانوا مرضى أو مقطوعی الأيدى يبتدئ الإمام ثم الناس لأن الامتناع إذا كان بعذر ظاهر زالت التهمة ، ولا كذلك لو ماتوا لاحتمال الرجوع أو الامتناع فكان ذلك شبهة ؛ ولا بأس لكلّ من رمى أن يتعمد مقتله لأنه واجب القتل إلا أن يكون ذا رحم منه ، فالأولى أن لايتعمد مقتله ويولى ذلك غيره لأنه نوع من قطيعة الرحم من غير حاجة . قال ( وإن ثبت بالإقرار ابتدأ الإمام ثم الناس ) لما روى (( أنه صلى الله عليه وسلم حفر الغامدية حفرة إلى صدرها وأخذ حصاة مثل الحمصة فرماها بها وقال : ارموا واتقوا الوجه ، فلما طعنت أخرجها وصلى عليها وقال : لقد تابت توبت لو قسمت على أهل الحجاز لوسعتهم)) ولحديث علىّ رضى اللّه عنه ، ولا ينبغى أن يربط المرجوم ولا يمسك ولا يحفر للرجل لكنه يقام قائما ثم يرجم لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل شيئا من ذلك بماعز ، وما نقل أنه هرب دليل عليه ، ويغسل ويكفن ويصلى عليه لما مرّ من حديث الغامدية. وقال صلى الله عليه وسلم فى ماعز ((اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم ، فقد تاب توبة لو تابها صاحب مكس غفر له ، ولقد رأيته ينغمس فى أنهار الجنة)) ولأنه مقتول بحقّ فصار كالمقتول قصاصا. قال (وإن لم يكن محصنا فحدّه الجلد مائة للحرّ وخمسون للعبد ) قال تعانى - الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة - وقال تعالى فى حقّ الإماء - فإن أتين بفاحشة فعليهنّ نصف ما على المحصنات من العذاب -. قال ( يضرب بسوط لاثمرة له (١) ضربا متوسطا يفرقه على أعضائه إلا رأسه ووجهه وفرجه ) لأن عليا رضى الله عنه كسر ثمرة السوط لما أراد إقامة الحدّ به والمتوسط من الضرب بين المتلف وغير المؤلم ليحصل المقصود ، وهو الانزجار بدون الهلاك . وأما التفريق على الأعضاء لأنه إذا جمع الضرب فى مكان واحد ربما أدّى إلى التلف ، والحدّ غير متلف، وليدخل الألم على كلّ عضو كما وصلت الذّة إليه ، إلا أنه يتقى الأعضاء التى لا يؤمن فيها التلف ، أو تلف ما ليس بمستحق ، إذ التلف ليس بمستحق فالرأس والفرج مقتل، والوجه مكان البصر والشمّ. وعن عمر رضى الله عنه أنه قال للجلاد : اتق الرأس والوجه . وعن أبى يوسف أنه يضرب الرأس ، فقد روى عن أبى بكر رضى الله عنه أنه قال: اضربوا الرأس فإن الشيطان فيه ، ولأنه لا يخشى التلف بسوط وسوطين ، وجوابه ما مرّ ، وأثر الصدّيق ورد فى حربىّ كان راعيا وهو مستحقّ القتل. (١) قوله لاثمرة له ، قال فى مختار الصحاح : وثمر السياط : عقد أطرافها اهـ مصححه . - ٨٦ - وُيُحَرَّدُ عَنْ ثِيابِهِ إِلاَّ الإِزَارَ، وَلا تَجَرَّدُ المَرأةُ إلاَّ عَنِ الفَرْوِ وَالحَشْوِ، وَإِنْ حُفِرَ لَهَا فِى الرَّجْمِ جازَ، وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قائما فى جميعِ الحُلُودِ، وَلَا يُجْمَعُ عَلَى المُحْصَنِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ، وَلَا يُجْمَعُ عَلَى غْرِ المُحْصَنِ الجَلْدُ وَالنَّفْىُ إلاَّ أنْ يَرَاهُ الإِمامُ مَصْلَحَةَ فَيَفْعَلُهُ بِمَا بَرَاهُ، قال ( ويجرّد عن ثيابه إلا الإزار) هكذا نقل عن على رضى الله عنه، ولأنه أبلغ فى إيصال الألم إليه ، وحدّ الزنا مبناه على شدّة الضرب فيقع أبلغ فى الزجر ، ونزع الإزار يؤدّى إلى كشف السورة فلا ينزع . قال ( ولا تجرّد المرأة إلا عن الفرو والحشو) لأن مبنى حالهنّ على الستر ، وفى نزع ثيابها كشف عورتها ، والستر يحصل بدون الحشو والفرو ، وفيهما منع من وصول الألم فينزعان وتضرب جالسة لأنه أسترلها . وعن علىّ رضى الله عنه: يضرب الرجال فى الحدود قياما والنساء قعودا ( وإن حفر لها فى الرجم جاز ) لما روينا من حديث الغامدية، وعلىّ رضى الله عنه حفر للهمدانية ، وإن تركه لايضرّ لأنه غير مأمور به ( ويضرب الرجل قائما فى جميع الحدود ) لحديث علىّ رضى الله عنه، ولا يمدّ ولا يشدّ لأنه زيادة عقوبة غير مستحقة عليه . قال (ولا يجمع على المحصن الجلد والرجم ) لأنه صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا ولم يجلده ، ولأنه لافائدة فى الجلد ، لأن المراد من الحدّ الزجر وهو لا ينزجر بعد هلاكه ، وزجر غيره يحصل بالرجم إذ القتل أبلغ العقوبات ، وهو مذهب عامة العلماء . قال ( ولا يجمع على غير المحصن الجلد والنفى ) لقوله تعالى - الزانية والزانى فاجلدوا - الآية، وأنه بيان لجميع الحكم لأنه كلّ المذكور ، أو لأنه ذكره بحرف الفاء وهو الجزاء ، فلا يزاد عليه إلا بدليل يساويه أو يترجح عليه، إذ الزيادة على النصّ نسخ ، ولأن النفى يفتح عليها باب الزنا لقلة استحيائها من عشيرتها وفيه قطع المادّة عنها فربما اتخذت ذلك مكسبا وفيه من الفساد ما لا يخفى ، وإليه الإشارة بقول علىّ رضى الله عنه: كفى بالتغريب فتنة. وأما قوله صلى الله عليه وسلم ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام )) قلنا الآية متأخرة عنه فنسخته . بيانه أن الجلد فى الأصل كان الإيذاء لقوله تعالى - فآذوهما - ثم نسخ بالحبس بقوله تعالى - فأمسكوهنّ فى البيوت - إلى قوله - أو يجعل الله لهنّ سبيلا - ثم قال صلى الله عليه وسلم ((خذوا عنى قد جعل الله لهن" سبيلا)) الحديث (١) فكان بيانا للسبيل الموعود فى الآية ، وذلك قبل نزول آية الجلد ، فكانت ناسخة للكلّ، أو نقول : هو حديث آحاد فلا يزاد به على الكتاب لما بينا. قال ( إلا أن يراه الإمام مصلحة فيفعله بما يراه ) فيكون سياسة وتعزيرا لاحدًا ، وهو تأويل ما روى من التغريب (١) قوله الحديث، هو قوله صلى الله عليه وسلم ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)) اهـ مصححه . - ٨٧ - وَلا يُقِيمُ المَوْلى الحَدَّ عَلى عَبْدِهِ إلاَّ بإذنِ الإمامِ، وَإذَا كانَ الزَّانِىِ مَرِيضًا، فانْ كَان ◌ُمُحْصَنَا رُجِمَ، وَإِلاَّ لاُ يُجْلَدُ حَّى يَبْرأَ، وَالمَرأةُ الحامِلُ لأُتَحُدُّ حَتى تَضَعَ حِمْلَها، فإنْ كانَ حَدُّها الجَلْدُ فَحَسَّى تَتَعالى مِنْ نِفاسِها، وَإنْ كانَ الرَّجْمُ فَعَقِيبَ الوِلَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ مَنْ يُرَبِّيهِ فَحَسَّى يَسْتَغْنِىَ عَنْهَا . عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وعن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، فانه روى عن عمر أنه نفى رجلا فلحق بالروم فقال : لا أنفى بعدها أحدا ؛ ولو كان النفى حدّاً لم يجز تركه ، قال تعالى ـ ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر - فدلّ أنه كان سياسة وتعزيزا ، ولأنه لوكان حدا لاشتهر بين الصحابة كسائر الحدود ، ولو اشتهر لما اختلفوا فيه ؛ وقد اختلفوا لما تقدّم من قول علىّ ورجوع عمر فدلّ على أنه ليس بحدّ ، ولا يقام الحدّ فى مسجد. وروى ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ((لاتقام الحدود فى المساجد)) وروى حكيم بن حزام قال ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقاد فى المساجد أو ينشد فيها الشعر أو يقام فيها الحدود)) ولأنه عساه ينفصل منه ما ينجس المسجد ، وللإمام أن يخرجه إلى باب المسجد ويأمر من يجلده وهو يشاهده ، ويجوز له أن يبعت بأمين ويأمره باقامة الحدّ . قال صلى الله عليه وسلم فى حديث العسيف ((واغديا أنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها)). قال ( ولا يقيم المولى الحدّ على عبده إلا بإذن الإمام) لأن الحدّ حقّ اللّه تعالى فلا يستوفيه إلا نائبه، وهو الإمام أو نائبه ؛ بخلاف التعزير لأنه حقّ العبد حتى جاز تعزير الصبىّ، وحقوق الشرع موضوعة عنه، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ((أربع إلى الولاة)) وعدّ منها إقامة الحدود ، ولأن المولى متهم فى إقامة الحدّ على عبده لأنه يخاف نقصان ماليته فلا يضرب الضرب المشروع فلا تحصل مصلحة الزجر فلا يكون له ذلك . قال ( وإذا كان الزانى مريضا فإن كان محصنا رجم) لأن الإتلاف مستحقّ عليه فلا معنى للتأخير. قال ( وإلا لا يجلد حتى يبرأ) لأنه ربما أفضى إلى الهلاك وليس مشروعا، ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم بحسم يد السارق ، ولهذا لا يقطع فى البرد الشديد والحرّ الشديد. قال (والمرأة الحامل لا تحدّ حتى تضع حملها) لأنه يخاف من الحدّ هلاك ولدها البرىء عن الجناية. وروى أن عمر رضى الله عنه همّ برجم حامل، فقال له علىّ رضى الله عنه: إن كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما فى بطنها فخلى عنها ، فإذا ولدت ( فان كان حدّها الجلد فحتى تتعالى من نفاسها ) لأنها مريضة ضعيفة (وإن كان الرجم فعقيب الولادة ) لأن التأخير كان بسبب الولد وقد انفصل عنها ( وإن لم يكن للصغير من يربيه فحتى يستغنى عنها) - ٨٨ -- وَإِحْصَانُ الرَّجْمِ: الحُرِّيَّةُ وَالعَقْلُ وَالبُلُوغُ وَالإِسْلامُ وَالدُّخُولُ، وَهُو الإيلاجُ فى القُبُلِ فى نِكاحٍ صَحِيحٍ وَهُمَا بِصِفَةِ الإِحْصَانِ . لأن فى ذلك صيانة الولد عن الهلاك . وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال للغامدية لما أقرّت بالزنا وهى حامل (( اذهبى حتى تضعى ، فلما وضعت جاءت ، فقال لها : ارجعى حتى يستغنى ولدك ، فجاءت وفى يده خبز فقالت : يا رسول اللّه هذا ولدى قد استغنى ، فأمر بها فرجمت )) ويحبس المريض حتى يبرأ والحامل حتى تضع إن ثبت بالبينة مخافة أن تهرب، وإن ثبت بالإقرار لا يحبس لأن الرجوع عنه صحيح فلا فائدة فى الحبس ، والنبيّ صلى الله عليه وسلم لم يحبس الغامدية ؛ ولو قالت الزانية : أنا حبلى يريها النساء ، فان قلن هى حبلى حبسها سنتين ثم رجمها ، وهذا التقادم لا يمنع الإقامة لأنه بعذر ؛ ولو كان من عليه الحدّ ضعيف الحلقة يخاف عليه الهلاك لو ضرب شديدا يضرب مقدار ما يتحمله من الضرب . قال ( وإحصان الرجم : الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والدخول ، وهو الإيلاج فى القبل فى نكاح صحيح وهما بصفة الإحصان ) أما الحرية فلقوله تعالى - فعليهنّ نصف ما على المحصنات من العذاب - أوجب عليهن عقوبة تتنصف والرجم لا يتنصف فلا يجب على الإماء ، وأما العقل والبلوغ فلأنه لاخطاب بدونهما ، وأما الإسلام فلقوله صلى الله عليه وسلم ((من أشرك بالله فليس بمحصن)) وما. روى أنه صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين فانما رجمهما بحكم التوراة والقصة مشهورة . وأما النكاح الصحيح والدخول فلقوله صلى الله عليه وسلم (( البكر بالبكر جلد مائة)) والبكر اسم لمن لم يتزوّج ولأن به يتوصل إلى الوطء الحلال ، وإنما يشترط الدخول لقوله صلى الله عليه وسلم (( الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة )) والثيب هو الواطئ فى النكاح الحلال فى القبل ، ولأن هذه نعم متوافرة متكاملة صادّة له عن الفاحشة فكانت جنايته عند وجودها متغلظة ، فان الجناية والمعصية عند تكامل نعم المنعم أقبح وأفحش فيناسب تغليظ العقوبة فى حقه . وأما كونهما على صفة الإحصان فلأن كل وطء لايوجب إحصان أحد الواطئين لايوجب إحصان الآخر كالمملوكين والمجنونين . وصورته : لو تزوّج بأمة أو صبية أو مجنونة أو كافرة ودخل بها لم يصر محصنا ، وكذا لو كانت حرّة عاقلة بالغة وهو عبد أو صبيّ أو مجنون لا تصير محصنة إلا إذا دخل بها بعد الإسلام والعتق والبلوغ والإفاقة ، فحينئذ يصير محصنا بهذه الإصابة لابما قبلها ، لأن نعم الزوجية لاتتكامل مع هؤلاء ، لأن هذه المعانى تنفر الطباع إما لعد وة الدين أو لذلّ الرقّ أو لعدم العقل أو لنقصانه وعدم ميل الصبية إليه فلا تتغلظ جنايته. وعن أبى يوسف. أنه لا يشترط الدخول على صفة الإحصان ، وعنه أن الوطء إذا حصل قبل العتق ثم أعتقا صارا محصنين بالوطء الأوّل . والجواب عن الأوّل أن كلّ وطء لا يوجب إحضان أحدهم - ٨٩ - وَيَثْبُتُ الإِحْصَانُ بِالإِقْرَارِ، أَوْ بِشَهَادَةٍ رَجُلِيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأْتّْنٍ)) وكَذَلِكَ إِنْ كانَ بْيَهُمَا وَلَدٌ مَعْرُوفٌ. فصل وَمَنْ وَطِئٌ جارِيّةَ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ وَقَالَ: عَلِمْتُ أنْهَا عَلَىَّ حَرَامٌ ، أوْ وَطِىٌ جارِيَةَ أبِيهِ وَإِنْ عَلا أوْ أمَّهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أوْ سَيِّدِهِ أَوْ مُعْتَدَّتَّهُ عَنْ ثَلاثِ وَقَالَ: ظَنَنْتُ أنْهَا حَلالٌ لَمْ يُحَدَّ، وَلَوْ قالَ: عَلِمْتُ أنْهَا حَرَامٌ حُدَّ؛ وفِى جارِيَةِ الأُخِ وَالعَمْ يُحَدْ بِكُلّ حالٍ ، لا يوجب إحصان الآخر كما بينا . وعن الأخرى أن كلّ وطء لايوجب الإحصان عند وجوده لا يوجبه فى الثانى من الزمان كوطء المولى. وعن أبى يوسف إذا دخل بامرأته ثم جنّ أو صار معتوها ثم أفاق لا يكون محصنا حتى يدخل بها بعد الإفاقة ، لأن الإحصان الأوّل بطل فلا يثبت إحصان مستأنف إلا بدخول مستأنف . قال ( ويثبت الإحصان بالإقرار ) لأنه غير مهم فى حقّ نفسه ( أو بشهادة رجلين ، أو رجل وامرأتين ) لأن الإحصان ليس علة لوجوب الرجم لأنه عبارة عن خصال حميدة وأوصاف جميلة وذلك لاأثر له فى العقوبة فلا يشترط لثبوته ما يشترط لوجوب الرجم ، وإنما الإحصان شرط محض ( وكذلك إن كان بينهما ولد معروف ) لأنه دليل ظاهر على الدخول فى النكاح الصحيح وذلك يثبت به الإحصان ؛ ويكفى فى الإحصان أن يقول الشهود دخل بها . وقال محمد : لابدّ أن يقولوا باضعها أو جامعها ، لأن الدخول مشترك فلا يثبت الإحصان بالشكّ . ولهما أن الدخول متى أضيف إلى المرأة بحرف الباء لايراد به إلا الجماع. قال تعالى - فإن لم تكونوا دخلتم بهن - والمراد الجماع، ولودخل بامرأة ثم طلقها وقال وطئها وأنكرت صار محصنا ولا تكون محصنة لجحودها ، وكذا لو قالت بعد الطلاق : كنت نصرانية ، وقال : كانت حرّة مسلمة ، وإذا كان أحدهما محصنا دون الآخر خص كلّ واحد بحده ، لأن جناية أحدهما أخفّ والآخر أغلظ ، فإذا اختلفا فى الجناية اختلفا فى موجبها ضرورة . فصل ( ومن وطى جارية ولده وإن سفل وقال : علمت أنها علىّ حرام ، أو وطئ جارية أبيه وإن علا أو أمه أو زوجته أو سيده أو معتدته عن ثلاث وقال : ظننت أنها حلال لم يحدّ ؛ ولو قال: علمت أنها حرام حدّ؛ وفى جارية الأخ والعمّ يحدّ بكلّ حال ) والاصل فى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ((ادرءوا الحدود بالشبهات)). - ٩٠ - وَلَوْ اسْتْأَجَرَ امْرَأةً لِيَزْنِىَ بِهَا وَزَنى بِهَا، أَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةٌ فِيهَا دُونَ الفَرْجِ ، أوْ لاطَ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ وَيُعَزَّرُ ، ثم الشبهة أنواع: شبهة فى المحلّ، وشبهة فى الفعل ، وهى شبهة الاشتباه ، وشبهة فى العقد . أما الشبهة فى المحلّ فهو أن يطأ جارية ابنه أو عبده المأذون المديون أو مكاتبه، أو وطى البائع الجارية المبيعة بيعا فاسدا قبل القبض وبعده ، أو كان بشرط الخيار ، أو وطى الجارية التى جعلها صداقا قبل التسليم ، أو وطى المبانة بالكنايات فى عدّتها ، أو وطئ الجارية المشتركة فانه لا يجب الحدّ فى جميع هذه الصور . وإن قال: علمت أنها حرام لأن الشبهة فى الملك وهو المحلّ موجودة سواء علم بالتحريم أو لم يعلم . وأما شبهة الفعل ففيما إذا وطى جارية أبيه أو أمه أو جارية زوجته والمطلقة ثلاثا أو على مال فى العدّة أو أمّ ولده بعد العتق فى العدّة أو جارية مولاه، والمرتهن يطأ جارية الرهن فى إحدى الروايتين، وفى رواية يجب الحدّ ، فإن قال ظننت أنها حلال لاحدّ عليه، وإن قال: علمت أنها حرام حدّ لأنه ظن أن الفعل مباح له كما يباح له الانتفاع بماله، أو له نوع حقّ فى المحلّ ببقاء العدّة فظنّ أن ذلك يبيح وطأها فكان ظنه مستندا إلى دليل فكان شبهة فى درء الحدّ إذا ادّعى الحلّ ، وبدون الدعوى انعدمت الشبهة ولا يثبت النسب وإن ادّعاه لأنه زنا محض ، لأن سقوط الحدّ لاشتباه الأمر عليه لاللشبهة فى نفس الأمر ، فان حضرا فقال أحدهما : ظننت أنه حلال لاحدّ على واحد منهماحتى يقرا جميعا بالحرمة ، لأن أحدهما إذا ادّعى الشبهة خرج فعله عن أن يكون زنا فخرج فعل الآخر فسقط الحدّ عنهما، ولو وطئ الجارية المستأجرة أو المستعارة أو جارية أخيه أو عمه أو ذى رحم محرم غير الولاد حدّ فى الوجهين جميعا لأنه لم يستند ظنه إلى شبهة صحيحة لأنه لا يحلّ له الانتفاع بمال هؤلاء ، وملك المنفعة لا يكون سببا لملك المتعة بحال . وأما شبهة العقد بأن وطى امرأة تزوّجها بغير شهود أو أمة بغير إذن مولاها أو تزوّج العبد بغير إذن مولاه ، أو أمة على حرّة لاحدّ عليه ؛ ولو تزوّج مجوسية أو خمسة فى عقدة، أو جمع بين أختين أو تزوّجْ بمحارمه فوطئها فانه لا يحدّ عند أبى حنيفة رحمه اللّه، وإن قال علمت أنها علىّ حرام. وعندهما يحدّ إذا كان عالما بالحرمة لأنه عقد لم يصادف محله ، لأن محله ما يثبت فيه حكمه ، وحكمه الحلّ وهو غير ثابت بالإجماع فصار كإضافة العقد إلى الذكر . ولأبى حنيفة أنه عقد صادف محله ، لأن محله ما هو صالح لحصول المقصود ، والمقصود من النكاح التوالد والتناسل والأنثى من الآدميات قابلة لذلك، وقضيته ثبوت الحلّ أيضا إلا أنه تقاعد عنه فأورث شبهة وأنها تكفى لسقوط الحدّ إلا أنه يجب عليه التعزير ویوجع عقوبة لأنه ارتكب جناية ليس فيها حدّ مقدّر فيعزر . قال ( ولو استأجر امرأة ليزنى بها وزنى بها أو وطى أجنبية فيما دون الفرج ، أولاط فلاحد عليه ويعزّر ١٠ - ٩١ - وَلَوْ زُفَّتْ إِلَيْهِ غْرُ امْرَأْتِهِ فَوَطِنْها لأُيُحَدُّ وَعَلَيْهِ المَهْرُ؛ وَلَوْ وَجَدَ عَلَى فِرَاشِهِ امْرَأةً فَوَطِها حُدَّ؛ وَالزّنا فى دَارِ الحَرْبِ وَالْبَغْيِ لايُوجِبُ الحَدَّ ؛ وقالا : يحدّ فى المسائل كلها . لهما فى الإجارة أن منافع البضع لا تملك بالإجارة فصار وجود الإجارة وعدمها سواء ، فصار كأنه وطئها من غير شرط . وله ما روى أن امرأة استسقت راعيا لبنا فأبى أن يسقيها حتى تمكنه من نفسها ففعلت ، ثم رفع الأمر إلى عمر رضى الله عنه ، فدرأ الحدّ عنهما وقال ذلك مهرها ، ولأن الإجارة تمليك المنافع ، ومنافع البضع منافع فأورث شبهة وصار كالمتعة . ولهما فى اللواطة أنها كالزنا لأنها قضاء الشهوة فى محلّ مشتهى على وجه الكمال وقد تمحض حراما فيجب الحد كالزنا ، والصحابة رضى الله عنهم أجمعوا على وجوب الحدّ فيها ، لكن اختلفوا فيه . قال أبو بكر : يحرق بالنار. وقال علىّ: عليه حدّ الزنا . وقال بعضهم: يحبسان فى أنتن موضع حتى يموتا. وقال بعضهم : يهدم عليهما جدار . وقال ابن عباس رضى الله عنهما : ينكس من مكان مرتفع . وله أنه لا يسمى زنا لغة ولا شرعا ، لأن كلّ واحد منهما اختص باسم ، وأنه ينفى الاشتراك كاسم الحمار والفرس فلا يكون زنا فلا يلحق بالزنا فى الحدّ ، إذ الحدود لاتثبت قياسا، ولأنه لايوجب المال بحال مَّا فلا يتعلق به الحدّ كما إذا فعل فيما دون السبيلين، ولأنه لو كان زنا لما اختلفت الصحابة رضى الله عنهم فى حدّه ، فان حدّ الزنا منصوص عليه فى محكم القرآن ومتواتر السنة ، وليس هو فى معنى الزنا لأنه ليس فيه إضاعة الولد ولا اشتباه الأنساب فلا يلحق به . وقوله صلى اللّه عليه وسلم ((اقتلوا الفاعل والمفعول به )) محمول على الاستحلال أو السياسة لوجوب القتل مطلقا من غير اشتراط الإحصان ، ويجب التعزير عند أبى حنيفة رحمه الله لما قلنا ، ويسجن زيادة فى العقوبة لغلظ الجناية. وأما وطء الأجنبية فيما دون الفرج ، فان كان فى الدبر فهو كاللواطة حكما واختلافا وتعليلا ، وإن كان فيما دون السبيلين فانه يعزّر بالإجماع . قال ( ولوزفت إليه غير امرأته فوطها لا يحد وعليه المهر) بذلك حكم عمر رضى اللّه عنه، ولأن الرجل لا يعرف امرأته أوّل مرّة إلا باخبار النساء فقد اعتمد دليلا ، لأن الملك ثابت من حيث الظاهر باخبار هنّ ، ولا يحدّ قاذفه لأن الملك معدوم حقيقة . قال ( ولو وجد على فراشه امرأة فوطئها حدّ ) لأنه يمكنه معرفة زوجته بكلامها وصوتها وجسها وحركتها ومسها ، فاذا لم يتفحص عن ذلك لم يعذر بخلاف ما تقدّم ، وكذلك الأعمى إلا إذا دعاها فقالت أنا زوجتك لأنه اعتمد إخبارها وهو دليل ، ولو أجابته ولم تقل أنا فلانة حدّ ، لأنه يمكنه التفحص بالسؤال وغيره ، لأن الجواب قد يكون من غير من ناداها فيجب عليه التفحص عن حالها . قال ( والزنا فى دار الحرب والبغى لايوجب الحدّ ) إذ المقصود هو الانزجار وهو غير حاصل لانقطاع. - ٩٢ - وَوَاطِئُ البَهِيمَةِ يَعُزَّرُ، وَلَوْ زَنِى بِصَبِيَّةٍ أَوْ مُجْنُونَةٍ حُدَّ؛ وَلَوْ طاوَعَتِ العاقِلَةُ البالِغَةُ صَبِيًّا أوْ تَجْنُونا لا يُحَدُّ. وأكَْتْرُ التَّعْزِيرِ تِسْعَةٌ وَثَلاثُونَ سَوْطا، وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، وَالتَّعْزِيرُ أَشَدُّ الضَّرْبِ، ثُمَّ حَدُّ الزّنا، ◌ُثُمَّ حَدُّ الشُّرْبِ، ثُمَّ حَدُّ القَدْفِ . الولاية ، لأنه إذا لم ينعقد موجبا لاينقلب موجبا ، حتى لو غزا الإمام أو من له ولاية الإقامة فإنه يقيم الحدّ عليهم لأنهم تحت ولايته. قال ( وواطئ البهيمة يعزر ) لأنه ليس بزنا ولا معناه فلا يجب الحدّ فيعزّر لمابينا. وذكرابن سماعة عن أصحابنا رحمهم الله أن كل ما لا يؤكل لحمه يحرق بالنار ، لما روى أبو يوسف باسناده إلى عمر رضى الله عنه أنه أتى برجل وقع على بهيمة فعزره وأمر بالبهيمة فذبحت وأحرقت بالنار ، وإن كان مما يؤكل تذبح وتؤكل ولا تحرق ، وقالا : يحرق أيضا هذا إذا كانت البهيمة للفاعل ، فان كانت لغيره يطالب صاحبها أن يدفعها إليه بقيمتها ثم يذبحها ، وهذا إنما يعرف سماعا لاقياسا . قال ( ولو زنى بصبية أو مجنونة حدّ ) خاصة ( ولو طاوعت العاقلة البالغة صبيا أو مجنونا لا يحدّ ) والفرق أن الحدّ يجب على الرجل بفعل الزنا ، وعلى المرأة بالتمكين من الزنا ، والمأخوذ فى حدّ الزنا الحرمة المحضة . وذلك غير موجود فى فعل الصبىّ لعدم المخاطبة نحوه ، فلا يكون فعلها تمكينا من الزنا فلا يجب الحدّ ، وفعل العاقل البالغ تمحض حراما فوجب عليه الحدّ ، ولم يجب على الصبية والمجنونة لعدم التكليف . قال ( وأكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطا ، وأقله ثلاثة ) وقيل ما يراه الإمام ، وقيل بقدر الجناية ؛ والأصل أن يعزّره بما ينزجر به فى أكبر رأيه لاختلاف طباع الناس فى ذلك ، وإن رأى الإمام أن يضم" الحبس إلى التعزير فعل ، لأنه يصلح زاجرا حتى يكتفى به وقد ورد الشرع به . وقال أبو يوسف : أكثره خمسة وسبعون سوطا ، وفى رواية تسعة وسبعون ، والأصل فى ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم ((من بلغ حدّاً فى غير حدّ فهو من المعتدين)) فهما اعتبرا أدنى الحدّ، وهو حدّ العبد فى الشرب والقذف وهو أربعون فنقصا منه سوطا، وأبو يوسف اعتبر الأقلّ من حدّ الأحرار وهو ثمانون فنقص عنه خمسة فى رواية، وهو مأثور عن علىّ رضى الله عنه ، وفى رواية سوطا ، وهو قول زفر ، وهو القياس ، لأنه نقصان حقيقة ، وتعزير العبد أكثره خمسة وثلاثون عند أبى يوسف فلا يبلغ فى تعزيره حدّ العبيد ، ولا فى تعزير الحرّ حدّ الأحرار. قال ( والتعزير أشدّ الضرب) لأنه خفف من جهة العدد فيثقل من جهة الوصف كيلا يفوت المقصود وهو الانزجار ، ولهذا قلنا لا يفرق على الأعضاء . قال (ثم حدّ الزنا) لأنه ثبت بدليل مقطوع به وهو الكتاب ، ولأنه أعظم جريمة حتى وجب فيه الرجم. قال ( ثم حدّ الشرب ) لأن سببه متيقن به . قال ( ثم حدّ القذف ) لأن سببه - ٩٣ - باب حد القذف وَهُوَ ثْمَانُونَ سَوْطَا لِلْحُرّ وَأَرْبَعُونَ لِلْعَبْدِ، وَيَجِبُ بِقَذْفِ المُحْصَّنِ بِصَرِيحِ الزّنا، وَتَجِبُ إقامَتُهُ بِطَلَبِ الْمَقْذُوفِ، وَيُفَرَّقُ عَلَيْهِ وَلا يْرَعُ عَنْهُ إلاَّ الفَرْوُ وَالحَشْوُ، وَيَثْبُتُ باقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَبِشَهَادَةٍ رَجُلَسْنٍ، وَلَا يَبْطُلُ بالتَّقَادُمِ وَالرُّجُوعِ. وإحْصَانُ القَذْفِ: العَقْلُ وَالْبُلُوعُ والحُرْيَّةُ وَالإِسْلامُ وَالعِفَّةُ عَنِ الزّنا ؛ محتمل ، لأنه يحتمل صدق القاذف ، والله أعلم . باب حد القذف القذف فى اللغة : الرمى مطلقا ، ومنه القذافة والقذيفة : للمقلاع الذى يرمى به ، وقولهم بين قاذف وحاذف : أى رام بالحصى وحاذف بالعصى ، والتقاذف : الترامى ، ومنه الحديث (( كان عند عائشة رضى الله عنها قينتان تغنيان بما تقاذف فيه الأنصار من الأشعار يوم بغاث)) أى تشاتمت ، وفيه معنى الرمى ، لأن الشتم رمى بما يعيبه ويشينه ، وهو فى الشرع : رمى مخصوص ، وهو الرمى بالزنا ، ومنه الحديث : إن هلال بن أمية قذف زوجته : أى رماها بالزنى وقد تكرر فى الحديث وفيه الحدّ (وهو ثمانون سوطا للحرّ ، وأربعون للعبد ؛ ويجب بقذف المحصن بصريح الزنا ) لقوله تعالى - والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة - . والمراد بالرمى القذف بالزنا إجماعا، ويتنصف فى العبد لما مر ( وتجنب إقامته بطلب المقذوف) لما فيه من حقه وهو دفع العار عنه ؛ وصريح الزنا قوله : يا زانى أو زنيت ، أو يا ابن الزانية ؛ ولو قال : يا ابن الزنى فهو قذف معناه : أنت متولد من الزنا ، ويجب الحدّ بأىّ لسان قذفه، ويجب عند عجز القاذف عن إقامة أربعة شهود على صدق مقالته فيضرب ثمانين وتردّ شهادته أبدا لما تلونا من صريح النص . قال ( ويفرّق عليه ) لما مرّ فى الزنا ( ولا ينزع عنه إلا الفرو والحشو) لأن سببه غير مقطوع به ، وإنما ينزع عنه الفرو والحشو لأنه يمنع إيصال الألم إليه . قال ( ويثبت باقراره مرّة واحدة وبشهادة رجلين) كما فى سائر الحقوق على مامر فى الشهادات ( ولا يبطل بالتقادم والرجوع) لتعلق حقّ العبد به لما مرّ فى حد الزنا . قال (وإحصان القذف : العقل والبلوغ والحرية والإسلام والعفة عن الزنا ) أما الحرية والإسلام فلما مرّ فى حدّ الزنا، وأما العقل والبلوغ فلأن الصبىّ والمجنون لا يلحقهما العار لعدم تحقق فعل الزنا منهما ، وأما العفة فلأن غير العفيف لا يلحقه العار ، ولأن حدّ القذف يجب جزاء - ٩٤ - زَمَنْ قالَ لِغْرِهِ: يا ابْنَ الرَّانِيَةِ، أَوْ لَسْتَ لِأبِيكَ حُدَّ، وَلا يُطالِبُ بِقَدْفِ المَيِّتِ إِلاَ ◌ّمَنْ يَقَعُ القَدْحُ بِقَدْفِهِ فِى نَسَبِهِ؛ وَلَيْسَ لِلإِبْنِ وَالعَبْدِ أنْ يُطالِبَ أباهُ أوْ سَيِّدَهُ بِقَدْفٍ أُمِّهِ الحُرَّةِ. وَمَنْ وَطِىٌ وَطْنا حَرَامًا فى غير مِلْكِهِ وَالمُلاعِنَّةَ بِوَلَدٍ لأُيُحَدُّ قاذِفُهُمَا، وَإِنْ لاعَنَتْ بَغْرِ وَلَدٍ حُدَّ، على الكذب والقاذف لغير العفيف صادق . قال ( ومن قال لغيره : يا ابن الزانية ، أو لست لأبيك حدّ) لأنه صريح فى القذف ، لأن قوله لست لأبيك كقوله يا ابن الزانية ، ولو نفاه عن جدّه أو نسبه إليه أو إلى خاله أو عمه أو زوج أمه ، أو قال يا ابن ماء السماء لم يحدّ ، لأن نفيه عن جدّه صدق ونسبته إليه وإلى هؤلاء مجاز عادة وشرعا . قال الله تعالى - وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل - وإبراهيم جده وإسماعيل عمه ، وقوله يا ابن ماء السماء يراد به التشبيه فى السماحة والصفاء وطهارة الأصل ، حتى لو كان رجلا اسمه ماء السماء وأراد نسبته إليه فهو قذف ؛ ومن قال لغيره : لست بابن فلان ، إن كان فى حالة الغضب حدّ لأنه يراد به السبّ، وإن لم يكن فى حالة الغضب لايحدّ ، لأنه يراد به المعاتبة عادة لنفى شبهه لأبيه فى الكرم والمروءة؛ ولو قال لامرأة: زنيت بحمار أو بثور لا يحدّ ؛ ولو قال: زنيت بدراهم وبثوب أو بناقة حدّ ، لأن معناه زنيت وأخذت هذا ، وفى الرجل لايحدّ فى جميع ذلك لأن الرجل لايأخذ المال على الزنا عرفا ، ولو قال الأجنبية : يا زانية ، فقالت : زنيت بك لا يحدّ الرجل لتصديقها وتحدّ المرأة لقذفها الرجل . قال ( ولا يطالب بقذف الميت إلا من يقع القدح بقذفه فى نسبه ) لأن العار يلحقهم للجزئية ، ويحدّ بقذف أصوله دون فروعه فيثبت للولد وولد الولد وإن كان كافرا أو عبدا ، لأن الشرط إحصان الذى ينسب إلى الزنا حتى يقع تعبيرا كاملا ثم يرجع هذا التعبير إلى ولده ، والرقّ والكفر لاينافى أهلية الاستحقاق ، بخلاف ما إذا وقع القذف ابتداء للكافر والعبد ، لأنه لم يوجد التعبير كاملا على ما بينا . وعن محمد ليس لولد البنت طلب الحدّ بقذف جدّه أبى أمه ، لأن نسبته إلى غيره ، وجوابه أن العار يلحقه كما يلحق ولد الابن فكانوا سواء . ومن قذف امرأة ميتة فصدّقه بعض الورثة يحدّ للباقين، لأن قذف الأمّ تناول الكلّ فكان بمنزلة ما لو قذف الكلّ فصدّقه البعض دون البعض فانه يحدّ لمن لم يصدقه . قال ( وليس للابن والعبد أن يطالب أباه أو سيده بقذف أمه الحرّة ) لأن الأب لايعاقب بسبب ابنه ولا السيد بسبب عبده حتى لايقتلان بهما . قال (ومن وطئ وطئا حراما فى غير ملكه والملاعنة بولد لايحدّ قاذفهما ) لفوات العفة ، وكذا إذا قذف امرأة معها أولاد لا يعرف لهم أب لأن ذلك أمارة الزنا ( وإن لاعنت بغير ولد حدّ ) لعدم أمارة الزنا . اعلم أنه إن وطئ وطئا حراما فلا يخلو إما إن كان حراما لعينه أو لغيره ؛ أما إن كان: - ٩٥ - والْمُسْتْأمَنُ يُحَدَّ بالقَدْفِ، وَإِذَا ماتَ المَقْذُّوفُ بَطَلَ الحَدْ، وَلا بُورَثُ، وَلا يَصِحّ العَفْوُ عَنْهُ وَلَا الإِعْتِياضُ. حراما لعينه سقط إحصانه لأنه زنا ولا يحدّ قاذفه ، وإن كان حراما لغيره لا يسقط إحصانه ويحدّ قاذفه لأنه ليس بزنا ، فالوطء فى غير الملك من كلّ وجه أو من وجه حرام لعينه وكذا الوطء فى ملكه والحرمة مؤبدّة ، وإن كانت موقتة فالحرمة لغيره . وعند أبى حنيفة يشترط للحرمة المؤبدة الإجماع أو الحديث المشهور . بيان ذلك فى صور المسائل وهى : الوطء بالنكاح الفاسد والأمة المستحقة والإكراه على الزنا والمجنون والمطاوعة والمحرمة بالمصاهرة بالوطء ووطء الأب جارية ابنه ، ففى هذه المسائل يسقط الإحصان ولا يحدّ قاذفه لأنه حرام لعينه وإن لم يأثم إما للجهل أو للإكراه ، بخلاف ثبوت المصاهرة بالتقبيل والمسّ لأن كثيرا من الفقهاء لايرون ذلك محرّما ، ولا نصّ فى إثبات الحرمة ، بل هو نوع احتياط إقامة للسبب مقام المسبب فلا يسقط الإحصان الثابت بيقين بالشكّ . وذكر فى المحيط عن أبى يوسف ومحمد يسقط إحصانه لأنها حرمة مؤبدّة عندهما ، وجوابه ما مرّ بخلاف الوطء لأن فيه نصا ، وهو قوله تعالى - ولا تنكحوا ما نكح آباوكم من النساء إلا ما قد سلف - وقد قام الدليل على أن النكاح حقيقة فى الوطء ولا اعتبار للاختلاف مع صريح النصّ . وأما الحرمة المؤبدّة فى الملك الأخت من الرضاع والجارية المشتركة فإنما يسقط الإحصان لأنه ينافى ملك المتعة فيكون الوطء واقعا فى غير الملك فیصیر له شبه بالزنا . والحرمة المؤقتة كالمجوسية والحائض والمظاهر منها والحرمة باليمين والأمة المنكوحة والمعتدّة من غيره ووطء الأختين بملك اليمين والمكاتبة والمشتراة شراء فاسدا فلا يسقط الإحصان ، لأن مع قيام الملك فى المحلّ لا يكون الفعل زنا ولا فى معناه والحرمة على شرف الزوال . ومن قذف كافرا زنى فى حالة الكفّر لا يحدّ لأن زناه فى الكفر حرام ؛ ولو قذف مكاتبا مات عن وفاء لايحدُّ لوقوع الاختلاف فى حرّيته ؛ ولو قذف مجوسيا تزوّج بأمه ودخل عليها ثم أسلم حدّ عند أبى حنيفة خلافا لهما بناء على أن له حكم الصحة عنده خلافا لهما وقد مرّ فى النكاح. قال ( والمستأمن يحدّ بالقذف) لما فيه من حقّ العبد وقد التزم إيفاء حقوق العباد . وكان أبو حنيفة يقول أوّلا: لاشد لغلبة حقّ اللّه تعالى والمختار الأوّل، ولا يحدّ فى الخمر بالإجماع لأنه يرى حله. وأما حدّ الزنا والسرقة، قال أبو يوسف: يحدّ فيهما كالذمى، ولهذا يقتصّ منه بالإجماع ولا يحدّ فيهما عندهما لأنه لا يلزمه إلا ما التزم وهو إنما التزم حقوق العباد ضرورة التمكن من المعاوضات والرجوع إلى بلده ، ولم يلتزم حقوق الله تعالى، بخلاف القصاص فانه حقّ العباد. قال (وإذا مات المقذوف بطل الحدّ) ولو مات بعد ما أقيم بعض الحدّ بطل الباقى (ولا يورث، ولا يصحّ العفو عنه ولا الاعتياض ) - ٩٦ - وَمَنْ قَالَ لِمُسْلِيمِ: بإِفَاسِقُ، أَوْ يا حَبِيتُ، أَوْ يا كافِرُ، أَوْ يا سَارِقُ ، أوْ باُمحَنَّثُ عُزّرَ؛ وَكَذَلِكَ باحِمَارُ ياخْزِيرُ إِنْ كانَ فَقِها أوْ عَلَوِيًّا. وَمَنْ حَدَّةُ الإِمامُ أوْ عَزَّرَهُ فَمَاتَ فَهُوَ هَذَرٌ، وَلِزَّوْجِ أنْ يُعَزَّرَ زَوْجَتَهُ عَلَى تَرْكِ الزّيْنَةِ، وَتَرْكِ إجابَتِهِ إلى فِرَاشِهِ، وَتَرْكِ غُسْلِ الجَنَابَةِ، وَعَلى الْحُرُوجِ مِنَ المَنْزِلِ، وَمَنْ سَرَقَ، أَوْ زَنى، أَوْ شَرِبَ غْرَ مَرَّةٍ فَحُدَّ فَهُوَ لِلْكُلّ. ولذلك يجرى فيه التداخل ، وهذا بناء على أن الغالب فيه حَقّ الشرع ، ولاخلاف أن فيه حقّ العبد والشرع، لأنه شرع لدفع العار عن المقذوف وهو المنتفع به وفيه معنى الزجر ولأجله يسمى حدًا؛ والمراد بالزجر إخلاء العالم عن الفساد ، وهذا آية حقّ الشرع، ثم اختلفوا فى الغالب فيهما ، فأصحابنا غلبوا حقّ الشرع، لأن حقّ العبد يتولاه مولاه فيصير حقّ العبد مستوفى ضمنا لحقّ المولى، ولا كذلك بالعكس، إذ لاولاية للعبد على استيفاء حقّ الشرع إلا بطريق النيابة. فصل ( ومن قال لمسلم : يا فاسق ، أو يا خبيث ، أو يا كافر ، أو يا سارق ، أو يا مخنث عزّر ) لأنه آذاه بذلك وألحق به الشين ، والحدود لاتثبت قياسا فوجب التعزير لينزجر عن ذلك ويعتبر غيره . وفى المجرّد عن أبى حنيفة: يا شارب الخمر ، يا خائن يعزّر؛ وكذلك لو قال : أنت تأوى اللصوص ، أو تأوى الزوانى لما بينا ( وكذلك يا حمار يا خنزير إن كان فقيها أو علويا ) وكذلك يا ثور يا كلب لأنه يلحقه بذلك الأذى دون الجاهل العامى . وقيل: يعزّر فى حقّ الكلّ فى عرفنا لأنهم صاروا يعدونه سبا. وقيل لا يعزّر فى حقّ الكلّ لأنا تيقنا بنفيه فما لحقه به شين، وإنما لحق القاذف شين الكذب ، ولأنه إنما يشبه بهذه الأشياء لسوء خلقه أو قبح خلقه وليس ذلك بمعصية. رجل زنا بامرأة ميتة يعزّر . قال ( ومن حدّه الإمام أو عزّره فمات فهو هدر ) لأنه مأمور من جهة الشرع فلا يتقيد بالسلامة كالفصاد، أو نقول: استوفى حقّ اللّه تعالى بأمره فكأن الله تعالى أماته بغير واسطة فلا يجب الضمان. قال (وللزوج أن يعزّر زوجته على ترك الزينة) إذا أرادها (وترك إجابته إلى فراشه ، وترك غسل الجنابة، وعلى الخروج من المنزل) لأنه يجب عليها طاعته وطاعة الله تعالى فتعزّر على المخالفة. قال (ومن سرق ، أو زنى، أو شرب غير مرّة فحدّ فهو للكلّ) لأن المقصود الانزجار وأنه يحتمل حصوله بالأوّل فيتمكن فى الثانى شبهة عدم المقصود فلا يجب ؛ أما لو زنی وشرب وسرق فانه يجب لكلّ واحد حدّ على حدة ، لأنه لو ضرب لأحدها ربما اعتقد أنه لاحدّ فى الباقى فلا ينزجر عنها ، ولا كذلك إذا اتحدت الجناية؛ - ٩٧ - باب حد الشرب وَهُوَّ كَحَدَّ الزّنا كَيْفِيَّةً، وَحَدَ القَدْفِ كَمَّيَّةً وَثُبُونا، غيرَ أنَّهُ يَبْطُلُ بالرُّجُوعِ وَالتَّقَادُمِ فى البَيِّنَةِ وَالإِقْرَارِ، وَالتَّقَادُمُ بِذَهابِ السُّكْرِ وَالرَّائِحَةِ، ولو أقيم على القاذف تسعة وسبعون سوطا فقذف آخر لم يضرب إلا ذلك السوط للتداخل ، فانه مما يتداخل لغلبة حقّ الشرع، ولأن المقصود إظهار كذبه ليندفع به العار عن المقذوف، وذلك يحصل فى حقهما بالسوط الواحد . وإذا اجتمع حدّ الزنا والسرقة والشرب والقذف وفقء العين ، يبدأ بالفقء لكونه خالص حقّ العبد، وحقّ العبد مقدّم لحاجته واستغناء اللّه تعالى، ويحبس حتى يبرأ ، فإذا برأ يحدّ للقذف لما فيه من حقّ العبد، ويحبس حتى يبرأ ، لأنه لو جمع بين حدّين ربما تلف ، والتلف ليس بواجب ؛ فإذا برأ فللإمام إن شاء بدأ بالقطع ، وإن شاء بحدّ الزنا لاستوائهما فى الثبوت، وآخرها حدّ الشرب لأنه ثبت باجماع الصحابة رضى الله عنهم ، فكان دون ما ثبت بالكتاب ؛ وإن كان محصنا بدأ بالفقء ، ثم حدّ القذف، ثم الرجم ، ويسقط الباقى لأن القتل يأتى على النفس فيؤدى إلى إسقاط بعض الحدود وقد أمرنا بذلك ، وإن كان مع ذلك قتل ضرب للقذف ثم يضمن بالسرقة ثم قتل وسقط عنه الباقى ، نقل ذلك عن ابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم . باب حد الشرب الأصل فى وجوبه قوله صلى الله عليه وسلم (( من شرب الخمر فاجلدوه فان عاد فاجلدوه)) ( وهو كحدّ الزّنا كيفية، وحدّ القذف كمية وثبوتا ) فيجرّد من ثيابه كما فى حدّ الزنا، ويفرق على أعضائه لما مرّ. وعن محمد أنه لا يجرّد تخفيفا عن حدّ الزنا . قلنا : ثبت التخفيف فى العدد فلا يخفف ثانيا ، وعدده ثمانون سوطا فى الحرّ باجماع الصحابة رضى الله عنهم، وأربعون فى العبد لأن الرقّ منصف، ويثبت باقراره مرّة واحدة وبشهادة رجلين كحدّ القذف ( غير أنه يبطل بالرجوع والتقادم فى البينة والإقرار ) وعن أبى يوسف يشترط الإقرار مرّتين على ما يأتى فى السرقة . قال ( والتقادم بذهاب السكر والرائحة ) فلو أقرّ بعد ذهاب ريحها أو شهد عليه بعد السكر وذهاب الرائحة لم يحدّ . وقال محمد : يحدّ فالتقادم يمنع قبول الشهادة بالإجماع ، غير أن محمدا قدّره بالزمان كالزنا ، لأن التأخير يتحقق بمضىّ الزمان والرائحة مشتبهة ، وعندهما مقدّر بزوال الرائحة، لأن حد الشرب إنما ثبت باجماع الصحابة رضى الله عنهم ، ولا إجماع بدون رأى ابن مسعود رضى الله عنه، ٧ - الاختيار - رابع - ٩٨ - فَلَوْ أُخِذَ وَرِيحُها تُوجَدُ مِنْهُ فَلَمَّا وَصَلَ إلى الإمامِ انْقَطَعَتْ لِبُعْدِ المَسافَة حُدَّ، وُيُحَدُّ بِشُرْبٍ قَطْرَة مِنَ الْحَمْرِ، وَبَالسُّكْرِ مِنَ النَّبِيدِ، وَالسَّكْرَانُ مَنْ لا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنَ المَرَأةِ، وَالْأَرْضَ مِنَ السَّاءِ؛ وَلاَ يُحَدٌّ حَتى يُعْلَمَ أَنَّهُ سَكِرَ مِنَ النَّبِيذِ وَشَرِبَهُ طَوْعًا، وَلا يُحَدُّ حَتى يَزُولَ عَنْهُ السُّكْرُ، وَلَا يُحَدُّ مَنْ وُجِدَ مِنْهِ رَائِحَةُ الْحَمْرِ أوْ تَقَبَّأْهَا . فانه شرط وجود الرائحة، لما روى أن رجلا جاء بابن أخ له إلى عبد الله بن مسعود فاعترف عند بشرب الخمر ، فقال له ابن مسعود : بئس ولىّ اليتيم أنت لا أديته صغيرا ولا سترت عليه كبيرا؟ تتلوه (١) ومزمزوه (٢) ثم استنكهوه (٣) ، فان وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه ، شرط وجود الرائحة فيكون شرطا ز فلو أخذ وريحها توجد منه فلما وصل إلى الإمام انقطعت لبعد المسافة حد) فى قوم جميعا لأنه عذر هلا يعدّ تقادما كما قلنا فى حد الزنا ، ولا يحدّ السكران باقراره على نفسه لزيادة احتمال الكذب فتمكنت الشبهة ، ويسقط بخلاف حدّ القذف لأن فيه حقّ العبد، والسكران فيه كالصاحى كسائر تصرفاته عقوبة له . قال ( ويحدّ بشرب قطرة من الخمر، وبالسكر من النبيذ) لقوله صلى الله عليه وسلم ((حرمت الخمر لعينها والسكر من كل شراب)) ولإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم ((من شرب الخمر فاجلدوه)) وعليه إجماع الصحابة رضى الله عنهم (والسكران. من لا يعرف الرجل من المرأة والأرض من السماء ) وقالا : هو الذى يخلط كلامه ويهذى لأنه المتعارف بين الناس وهو اختيار أكثر المشايخ ، وأبو حنيفة يأخذ فى أسباب الحدود بأقصاها درءا للحدّ ، وأقصاه الغلبة على العقل حتى لا يميز بين الأشياء ، لأنه متى ميز فذلك دلالة الصحو أو بعضه وأنه ضد السكر ، فمتى ثبت أحدهما أو شىء منه لا يثبت الآخر ( ولا يحدّ حتى يعلم أنه سكر من النبيذ وشربه طوعا) لأن السكر يكون من المباحات كالبنج ولبن الرماك وغيرهما وذلك لا يوجب الحدّ ، وكذلك الشرب مكرها لا يوجب الحاءّ فلذلك شرط ذلك . قال ( ولا يحدّ حتى يزول عنه السكر) ليتألم بالضرب فيحصل مصلحة الزجر. قال ( ولا يحدّ من وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها ) لأن الرائحة مشتبهة واحتماله أنه شربها مكرها ثابت والحدود لا تجب بالشك، والله أعلم . ١ (١) قوله تتلوه، وفى رواية أخرى ترتروه بالراء، والتلتلة والترترة : التحريك (٢) المزمزة : التحريك بعنف . (٣) قال فى مختار الصحاح: واستنكهه فنكه فى وجهه من باب ضرب وقطع : إذا أمره بأن ينكه ليعلم أشارب هو أم لا . . - ٩٩ - كتاب الأشربة المُحَرَّمُ مِنْها الْحَمْرُ وَهِىَ الَّتِىءُ مِنْ ماءِ العِنَبِ إذَا غَلا وَاشْتَدَّ وَقَدْ ق بالزَّبَدِ. الثَّانِىِ العَصِيرُ إذَا طُبِخَ فَذَهْبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِهِ وَهُوَ الطِّلَاءُ، وَإِنْ ذَهَبَ نِصْفُهُ فالْمُنَصّفُ. الثَّالِثُ السَّكَرُ، وَهُوَ الِّىء مِنْ ماءِ الرُّطَبِ إذَا غَلَاكَذَلكَ . كتاب الأشرئة وهى جمع شراب ، وهو كل مائع رقيق يشرب ولا يتأتى فيه المضغ محرّما كان أو حلالا، وهى تستخرج من العنب والزبيب والتمر والحبوب، ومنها حرام ومنها حلال ، فـ(المحرّم منها الخمر، وهى التىء من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد ) وعندهما لا يشترط القذف بالزبد لأنه يسمى خمرا بدونه ، ولأن المؤثر فى فساد العقل وتغطيته هو الاشتداد . ولأبى حنيفة أن السكون أصل فى العصير ، ومابقى شىء من آثاره فالحكم له ، وأحكام الشرع قطعية فلا يحكم بكونه خمرا مع وجود شىء من آثار العصير للمغايرة بينهما، ولأن الثابت لا يزول إلا بيقين ، فما بقى شىء من آثار العصير لا يتيقن بالخمرية. وأما حرمته فبالكتاب والسنة والإجماع . أما الكتاب فقوله تعالى - إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس - والرجس: الحرام لعينه. والسنة قوله صلى الله عليه وسلم ((حرِّمت الخمر لعينها)) وقد تواتر تحريمها عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وعليه إجماع الأمة؛ ويتعلق بها أحكام أخر: منها أنه يكفر مستحلها لثبوت حرمتها بدليل مقطوع به ، ومنها أن نجاستها مغلظة لثبوتها بالدليل القطعى ، ومنها أنها لاقيمة لها فى حقّ المسلم حتى لا يجوز بيعها ولا يضمن غاصبها ولا متلفها لأن ذلك دليل عزّتها ، وتحريمها دليل إهانتها. وقال صلى الله عليه وسلم ((إن الذى حرّم شربها حرّم بيعها وأكل ثمنها)) ومنها حرمة الانتفاع بها لنجاستها ولأن فى الانتفاع بها تقريبها ، والله تعالى يقول - فاجتنبوه - ، ومنها أنه يحدّ بشرب القليل منها على ما بينا فى بابها ، ومنها أن الطبخ لايحلها ، لأن الطبخ فى العصير يمنع الحرمة ولا يرفعها . ومنها جواز تخليلها على ما يأتى إن شاء اللّه تعالى. ( الثانى العصير إذا طبخ فذهب أقل من ثلثه وهو الطلاء) وقيل إذا ذهب ثلثه فهو الطلاء (وإن ذهب نصفه فالمنصف) وإن طبخ أدفى طبخة فالباذق والكل حرام إذا غلا واشتدّ وقذف بالزبد على الاختلاف لأنه رقيق لذيذ مطرب يجتمع الفساق عليه فيحرم شربه دفعا لما يتعلق به من الفساد. ( الثالث السكر، وهو التىء من ماء الرطب إذا غلا كذلك) قال صلى الله عليه وسلم ((الخمر من - ١٠٠ - الرَّابِعُ: نَقِيعُ الَّبِيبِ، وَهُوَ الَّتِىءُ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ إذَا غَلَا وَاشْتَدْ كَذَلِك ، وَحُرْمَةُ هَذِهِ الأَشْرِبَةِ دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ فَجُوزُ بَيْعُهَا وَتُضْمَنُ بِالإِثْلَافِ، وَلا يُحَدُ شارِ بُهَا حَتَّى يَسْكَرَ، وَلا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُها؛ وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالرَّبِيبِ إِذَا طُبِخَ أَدْنِى طَبْخَةِ حَلالٌ، وَإِنِ اشْتَدَّ إذَا شُرِبَ مَا لَمْ يُسْكِرْ مِنْ غَيْرٍ كَفْوٍ. وَعَصِيرُ العِنَبِ إِذَا طُبِخَ فَذَهَبَ ثُلُنَاهُ حَلالٌ، وَإِنِ اشْتَدَّ إذَا قُصِدْ بِهِ التَّقَوِّى، وَإنْ قُصِدَ بِهِ التَّلَهِىِ فَحَرَامٌ . هاتين الشجرتين وأشار إلى الكرم والنخلة)) وعليه إجماع الصحابة رضى الله عنهم. ( الرابع نقيع الزبيب ، وهو التىء من ماء الزبيب إذا غلا واشتدّ كذلك ) على الخلاف حرام أيضا لما روينا وبينا ( وحرمة هذه الأشربة دون حرمة الخمر ) لأن حرمة الخمر قطعية على ما مرّ ، وحرمة هذه اجتهادية ( فيجوز بيعها وتضمن بالإتلاف ) خلافا لهما لأنها حرام فلا يجوز بيعها كالخمر. وعن أبى يوسف : أنه يجوز بيعها وتضمن بالإتلاف إذا ذهب بالطبخ أكثر من ثلثه . ولأبى حنيفة أنه مال متقوّم ، وما دلّ الدليل على سقوط تقومها بخلاف الخمر ، ثم يجب بالإتلاف عنده القيمة دون المثل لأنه ممنوع من الانتفاع بها للحرمة ( ولا يحدّ شاربها حتى يسكر ولا يكفر مستحلها ) لما بينا . وعن أبى يوسف : ما كان من الأشربة يبقى بعد ما بلغ : أى اشتدّ عشرة أيام لا يفسد ، أى لايحمض فانى أكرهه ، لأن بقاءه هذه المدّة دليل قوّته وشد ◌ّته فكان آية حرمته ، روى ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما، ثم رجع إلى قول أبى حنيفة. قال (ونبيذ التمر والزبيب إذا طبخ أدنى طبخة حلال ، وإن اشتدّ إذا شرب مالم يسكر من غير لهو ) ولا طرب (و ) كذلك ( عصير العنب إذا طبخ فذهب ثلثاه حلال ، وإن اشتدّ إذا قصد به التقوّى ، وإن قصد التلهى فحرام ) وقال محمد : حرام ، وعنه مثل قولهما ، وعنه التوقف فيه . له قوله صلى الله عليه وسلم (( كل مسكر حرام )) وقوله (( ماأسكر كثيره فقليله حرام)) وقياسا على الخمر. لهما قوله عليه الصلاة والسلام (( حرّمت الخمر لعينها قليلها وكثيرها، والسكر من كلّ شراب)) خصّ السكر من غير الخمر بالتحريم ، فمن عمم بالتحريم السكر وغيره فقد خالف النصّ ، وما رواه من الأحاديث طعن فيه يحيى بن معين ، ذكره عبد الغنى المقدسى فى كتابه ، ولأن عامة الصحابة رضى الله عنهم خالفوه ، فدلّ على عدم صحته ، أو هو محمول على الشرب المسكر والتلهى ، أو نقول : المسكر هو القدح الأخير فنقول بالموجب ، ولأن حرمة قليل الخمر يدعو إلى كثيره لرقته ولطافته فأعطى حكمه ، وليس کذلك المثلث لأن قلیله لا يدعو إلى كثيره و هو غذاء فلا يحرم . وروى الطعناوی باسناده إلى ابن عمر رضى الله عنهما (( أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أتى بنبيذ قسمه فقطب وجهه