Indexed OCR Text
Pages 41-60
- ٤١ - وَإِذَا ماتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ وَفَاءٌ أُدّيَتْ مُكَاتَبَتُهُ وَحُكْمَ بِحُرِّيَّتِهِ فى آخِرٍ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءٍ حَيَاتِهِ وَيَعْتِقُ أوْلادُهُ، فإنْ فَضَلَ شَىْءٌ فَلِوَرَثَتِهِ، فَإِنْكَمْ "يَترُكُ وَفَاءً وَتَرَكَ وَلَدَ اوُلِدَ فى الكِتَابَةِ سَعَى كالأُبٍ؛ وَإِنْ تَرَكَ وَلَدًا مُشْتَرَّى فإنْ أدَّى الكِتابَةَ حالاً وَإلاَّ رُدَّ فى الرّقّ (سم)، وَإذا ماتَ المَوْلى أدَّى الكِتابَةَ إلى وَرَثَتِهِ عَلَى نُجُومِهِ، وَإِنْ أَعَتَقَهُ أحَدُهُمْلَمْ يَعْتِقْ، فيصير نصفه مكاتبا ونصفه مأذونا فى التجارة ، لأن الإذن لايتجزى ، ونصف أكسابه له ونصفها للمولى، فإذا أدَّى عتق نصفه وسعى فى نصف قيمته، ولا حقّ للمولى فى أكسابه بعد العتق لأنه مستسعى وهو كالمكاتب عنده ، ولا حقّ للمولى فی أکساب المكاتب . فصل ( وإذا مات المكاتب وترك وفاء أديت مكاتبته وحكم بحريته فى آخر جزء من أجزاء حياته ويعتق أولاده ، فإن فضل شىء فلورثته ) روى ذلك عن علىّ وابن مسعود ، ولأنه عقد معاوضة لاينفسخ بموت أحدهما وهو المولى فلا ينفسخ بموت الآخر تسوية بينهما كما فى البيع ، ولأن البدل كان فى ذمته ولم تبق صالحة لذلك بالموت ، ولهذا حل به الأجل فينتقل إلى التركة كسائر الديون فخلت الذمة ، وخلوّ الذمة يوجب العتق ، إلا أنه لا يحكم بالعتق حتى يصل المال إلى المولى مراعاة لحقه ، وليتحقق خلو ذمته لاحتمال هلاك تركته قبل الأداء ، فإذا وصل حكم بحرّيته فى آخر جزء من أجزاء حياته فيموت حر ويعتق أولاده تبعا له على ما قد مناه، فإن فضل شىء فلورثته لأنه حرّ وهم أحرار ( فإن لم يترك وفاء وترك ولدا ولد فى الكتابة سعى كالأب ) معناه على نجومه ، فاذا أدّى. حكم بعتق ابنه قبل موته وعتق الولد لأنه داخل فى كتابة أبيه ، لأنه وقت العقد كان من أجزاء الأب متصلا به فورد العقد عليه فدخل فى كتابته وكسبه ككسبه فيخلفه فى الأداء وصار كما إذا ترك وفاء. قال ( وإن ترك ولدا مشترى فإن أدّى الكتابة حالا وإلا ردّ فى الرّقّ) وقالا: هو كالمولود فى الكتابة لأنه يتكاتب عليه تبعا له فاستويا . ولأبى حنيفة أن المشترى لم يدخل تحت العقد لأن العقد لم يضف إليه لانفصاله عن الأب وقت العقد فلا يسرى إليه حكمه ، بخلاف المولود فى الكتابة ، لأنه متصل به حالة العقد فسرى العقد إليه ودخل فى حكمه فسعى فى مجومه ، إلا أن المشترى إذا أدى فى الحال يصير كأن المكاتب مات عن وفاء فيحكم بعتقه آخر عمره فيعتق ولده تبعا على ما بينا . قال ( وإذا مات المولى أدّى الكتابة إلى ورثته على نجومه ) لأنهم يخلفونه فى الاستيفاء (وإن أعتقه أحدهم لم يعتق ) لعدم الملك - ٤٢ - وَإِنْ أَعْتَقُوهُ جَمِيعًا عَتَقَ، وَإِذَا عَجَزَ الْمُكاتَبُ عَنْ نَجْمٍ نَظَرَ الحاكِمُ، فإنْ كانَ لَهُ مَالٌ يَرْجُوُ وُصُولَهُ أَنْظَرَهُ يَوْمَْنِ أَوْ ثَلاثَةً وَلا بُزَادُ عَلْها ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جِهَةٌ عَجَّزَهُ (س) وَعَادَ إلى أحْكامِ الرّقّ". كتاب الولاء وَهُوَ نَوْعَانِ: وَلَاءُ عَتَاقَةٍ، وَوَلَاءُ مُوَاَلاةٍ ؛ وَسَبَبُ وَلاءِ العَتَاقَةِ الإِعْتَاقُ، وَعِتْقُ القَرِيبِ بالشِّرَاءِ، وَالْمُكَاتَبِ بِالْأَدَاءِ، وَالْمُدَبَّرِ ، فإنه لا يملك بسائر أسباب الملك فكذا بالإرث ( وإن أعتقوه جميعا عتق ) لأنه يصير إبراء عن بدل الكتابة ، لأن الإرث يجرى فى البدل ، والإبراء عنه موجب للعتق كما لو أبرأه المولى إلا أن إعتاق البعض لايوجب إسقاط نصيب من البدل ، لأنه لا يمكن جعله إبراء مقتضى للعتق ولا عتق، فإنه لو أعتقه البعض لايعتق ، ولا يمكن أن يجعله إبراء عن الكلّ لتعلق حقّ الغير به. قال ( وإذا عجز المكاتب عن نجم نظر الحاكم ، فإن كان له مال يرجو وصوله أنظره يومين أو ثلاثة ولا يزاد عليها ) لأن فى ذلك نظرا للجانبين ، والثلاث مدة تضرب لإبلاء الأعذار كما فى إمهال المديون للقضاء ونحوه (وإن لم يكن له جهة عجزه وعاد إلى أحكام الرقّ ) وقال أبويوسف : لايعجزه حتى يتوالى عليه نجمان وهو مأثور عن علىّ رضى اللّه عنه. ولهما أن العجز سيب للفسخ وقد تحقق، فإن من عجز عن نجم كان عن نجمين أعجز، ولأنه فات مقصود المولى وهو وصول المال إليه عند حلول النجم فلم يكن راضيا فيفسخ، واليومان والثلاثة لابدّ منهما لإمكان الأداء وليس بتأخير، والأثر معارض بما روى (( أن ابن عمر رضى الله عنهما عجز مكاتبة له حين عجزت عن نجم واحد وردّها إلى الرقّ فتعارضا)) فإن عجز عن نجم عند غير القاضى فردّه مولاه برضاه جاز ، لأن الفسخ بالتراضى يجوز من غير عذر فبعذر أولى ، وإن أبى العبد ذلك فلا بدّ من القضاء بالفسخ لأنه عقد لازم فلا بدّ فى فسخه من القاضى أو الرضى كسائر العقود ، وإذا فسخه عاد إلى أحكام الرقّ ، لأن بالفسخ تصير الكتابة كأن لم تكن ، وما فى يده من أكسابه لمولاه لأنها كسب عبده ، والله أعلم . کتاب الولاء ( وهو نوعان : ولاء عتاقة ) ويسمى ولاء نعمة ( وولاء موالاة ؛ وسبب ولاء العتاقة الإعتاق ) لإضافته إليه ، والحكم يضاف إلى سببه ، وسواء كان ببدل أو بغير بدل أو للكفارة أو لليمين أو بالنذر ( وعتق القريب بالشراء، والمكاتب بالأ١ ، والمدبر : - ٤٣ - وأمَّ الوَلَدِ بالمَوْتِ إِعْتاق، وَيَثْبُتُ لِلْمُعْتِقِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَإِنْ شَرَّطَهُ لَِغْيرِهِ أوْ سائِبَةٌ وَلا يَنْتَقِلُ عَنْهُ أَبَدًا، فإذَا ماتَ فَهُوَ لِأَقْرَبِ عَصَبَتِهِ فَيَكُونُ لاِبْنِهِ دُونَ أَبِيهِ إِذَا اجْتَمَعَا، وَإِنِ اسْتَوَوْا فِى الْقُرْبِ فَهُمْ سَوَاءٌ ، وَلَيْسَ لِلنَّساءِ مِنَ الوَلاءِ إِلاَّ وَلاءُ مَنْ أَعَتَقْنَ أوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أوْ جَرَّ وَلَاءَ مُعْتَقِهِنَّ بأنْ زَوَّجَتْ عَبْدَ هَامُعْتَقَةَ الَغْيْرِ فَوَلَدَتْ فَوَلاؤُهُ لِمَوالى الزَّوْجَةِ. وأم الولد بالموت إعتاق ) لأن جميع ذلك يضاف إليه فيكون من جهته فيدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام ((الولاء لمن أعتق)) والمقصود من الولاء بنوعيه التناصر، وكانت الجاهلية يتناصرون بأشياء : منها الحلف وغيره ، فقرّر صلى الله عليه وسلم تناصرهم بنوعى الولاء فقال ((مولى القوم منهم)) وقال ((حليف القوم منهم)) والمراد بالحليف مولى الموالاة فانهم كانوا إذا عقدوا عقد الولاء أكدوها بالحلف . قال ( ويثبت للمعتق ذكرا كان أو أنثى، وإن شرطه لغيره أو سائبة ) (١) لاطلاق ما روينا ( ولا ينتقل عنه أبدا) لأنه عتق على ملكه وتأكد السبب من جهته فلا ينتقل عنه ( فاذا مات فهو لأقرب عصبته فيكون لابنه دون أبيه إذا اجتمعا ) وفيه اختلاف ذكرته ودلائله فى الفرائض من هذا الكتاب بعون الله تعالى. قال (وإن استووا فى القرب فهم سواء) الاستوائهم فى العلة وهى القرابة والعصوبة . قال ( وليس للنساء من الولاء إلا ولاء من أعتقن أو أعتق من أعتقن أو جرّ ولاء معتقهنّ ) لأنهنّ لسن بعصبة، أو لأن السبب النصرة ولسن من أهلها، ولقوله عليه الصلاة والسلام (( ليس للنساء من الولاء إلا من أعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من كاتبن أو جرّ ولاء معتقهنّ أو معتق معتقهنّ)) وهذا دليل على ثبوت الولاء لهنّ إذا أعتقن أو كنْ سببا فى الإعتاق، وينفى ثبوت الولاء لهنّ بعد ذلك ، ويؤيد هذا حديث ابنة حمزة وقد ذكر فى الفرائض أيضا (٢)، ولأنها ساوت الرجل فى السبب وهو الإعتاق ، فإذا استحقت ميراث معتقها فكذا معتق معتقها لأنها تسببت إلى عتقه ، ولأن معتقه ينسب إليها بالولاء ، وصورة جرّ ولاء معتقهنّ (بأن زوّجت عبدها معتقة الغير فولدت فولاؤه لموالى الزوجة ) لأن الأب عبد لاولاء له ، فاذا أعتق جرّ ولاء ابنه إلى مواليه ، وصورة معتق معتقهنّ إذا أعتقت عبدا فاشترى عبدا وزوَّجه معتقة الغير فولدت منه فولاء أولادها لمواليها لما بينا ، فإذا أعتق معتق المرأة العبد جرّ ولاء أولاده إليه، (١) قوله أو سائبة ، معناه : إذا أعتق المولى عبده وشرط أن لايرثه يكون الشرط لغوا لکو نه مخالفا لحكم الشرع فیکون له الولاء وير ثه اهـ مصححه . (٢) قوله وقد ذكر فى الفرائض أيضا، ونصه: مات معتق لابنة حمزة رضى الله عنهما عن بنت ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم المال بينهما نصفين اهـ مصححه . - ٤٤ - وَسَبَبُ وَلاءِ الْمُوَالاةِ العَتَمْذُ. وَصُورَتَهُ: إِذَا أسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجَلٍ وَوَالاه عَلى أنْ بَرِثَهُ وَيَعْقِلَ عَنْهُ فَقالَ: أَنْتَ مَوْلايَ تَرِثُسِىِ إذَا مِتُّ، وَتَعْقِلُ عِنى إِذَا جَنَيْتُ فَيَقْبَلُ الآخَرُ فَذَلِكَ صَحِيحٌ، فإذَا ماتَ وَلا وَارِثَ لَهُ وَرِثَهُ ، ويكون ذلك الولاء لمعتقه ، فذلك جرّ ولاء معتق معتقها، ولو أعتقت الأمّ وهى حامل فولدت لاينتقل الولاء عن مواليها أبدا لأن العتق ورد على الولد لأنه كان موجودا متصلا بها وقت العتق فلا ينتقل ولاؤه كما إذا أعتقه قصدا ، ويعرف ذلك إذا ولدته لأقلّ من ستة أشهر من يوم العتق على ماعرف ، وكذا إذا ولدت ولدين أحدهما لأقلّ من ستة أشهر لأنهما خلقا من ماء واحد، والأصل فى جرّ الولاء قوله عليه الصلاة والسلام ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) والنسب إلى الآباء فكذا الولاء، فاذا امتنع إثباته إلى الأب المانع ، فاذا زال المانع عاد الولاء إلى الأب عملا بالأصل كولد الملاعنة ينسب إلى أمه ، فاذا أكذب الأب نفسه ثبت نسبه منه . وروى أن الزبير بن العوّام رأى بخيبر فتية لعسا (١) أعجبه ظرفهم وأمهم مولاة لرافع بن خديج وأبوهم عبد لبعض جهينة أو لبعض أشجع فاشترى أباهم فأعتقه وقال لهم انتسبوا إلىّ ، فقال رافع: بل هم موالىّ، فاختصما إلى عثمان فقضى بالولاء للزبير من غير مخالفة من غيره . ولو أعتق الجدّ لايجر الولاء ، ولا يكون الصغير مسلما باسلام جدّه ، فان المسلمين لم يجعلوا الصغار مسلمين باسلام آدم ونوح عليهما الصلاة والسلام وهما جدّان . وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه يكون مسلما تبعا للجدّ، ويجر الجدّ ولاءه لأن الجدّ بمنزلة الأب عند عدمه . قال ( وسبب ولاء الموالاة العقد ) والمطلوب منه التناصر ، وله ثلاثة شرائط : أن لايكون له معتق لأن ولاء العتاقة أقوى فيمنع ثبوت الأضعف . الثانى أن لايكون عربيا لأن العرب لا يسترقون فلا يكون عليهم ولاء العتاقة. فولاء الموالاة أولى . والثالث أن لا ينتسب إلى أحد ولا يكون له نسب معروف ، وهو عقد . مشروع لقوله عليه الصلاة والسلام لما سئل عمن أسلم على يدى رجل فقال (( هو أحقّ الناس به محياه ومماته إن والاه)) أى بميراثه لا بشخصه. وروى أن رجلا أسلم على يد تميم الدارى ووالاه، فقال له عليه الصلاة والسلام ((هو أخوك ومولاك تعقل عنه وترثه)) ( وصورته: إذا أسلم على يد رجل ووالاه على أن يرثه ويعقل عنه فقال : أنت مولاى ترثى إذا متّ ، وتعقل عنى إذا جنيت فيقبل الآخر فذلك صحيح ) وكذا إذا أسلم على يد رجل ووالیغیرہ صحّ (فإذا مات ولاوارث له ورثه) لما روينا وتمامه يعرف فى الفرائض، ويدخل فى عقد الولاء الأولاد الصغار للتبعية والولاية ، وكذا كلّ من يولد له بعد ذلك ، ولأنهم (١) قوله لعسا ، قال فى مختار الصحاح : اللعس بفتحتين : لون الشفة إذا كانت تضرب إلى السواد قليلا ، وذلك يستملح ، وبابه طرب ، يقال شفة لعساء وفتية ونسوة لعس اهـ . - ٤٥ - وَلَهُ أنْ يَفْسَخَ عَقْدَ الوَلاءِ بالْقَوْلِ وَالفِعْلِ، فانْ عَقَلَ عَنْهُ أَوْ عَنْ وَلَدِهِ لَيْسَ لَهُ ذلكَ، وَإِذَا أسْلَمْتِ المَرأةُ وَوَالَتْ أَوْ أَقَرَّتْ بِالوَلاءِ وَفِى يَدِها ابن صَغِيرٌ تَبِعَهَا (سم) فى الوَلاءِ. كتاب الأيمان يتبعونه فى النسب فكذا فى الولاء ، فان أسلم له ابن كبير على يد آخر ووالاه صحّ لانقطاع ولايته عنه ، ومن شرطه أن يكون الموالى عاقلا بالغا حرًا حتى لايصحّ موالاة الصبىّ والعبد والمجنون ؛ ولو والى الصبىّ باذن الأب أو الوصىّ جاز والولاء للصبىّ، وإن والى العبد باذن مولاء جاز وكان وكيلا عن مولاه ، ويقع الولاء للمولى ، لأن الصبىّ من أهل الولاء والعبد لا ، لأن حكم الولاء العقل والإرث والعبد ليس أهلا لذلك فيثبت الولاء لأقرب الناس منه وهو المولى . قال ( وله أن يفسخ عقد الولاء بالقول والفعل ) لأنه عقد غير لازم لأن الأعلى متبرّع بالقيام بنصرته وعقل جنايته، والأسفل متبرّع بجعله خليفته فى ماله والتبرع غير لازم ما لم يحصل به القبض أو العوض كالهبة . وله أن يفسخ بالقول بحضرة الآخر وبالفعل مع غيبته بأن يوالى غيره كعزل الوكيل بالقول يشترط علمه لأنه عزل قصدا وبالفعل لا يشترط لأنه عزل حكما . قال ( فإن عقل عنه أو عن ولده ليس له ذلك ) لحصول العوض. كالهبة ، وكذا إذا كبر أحد أولاده فليس له أن يرجع عنه بعد ما عقل لما ذكرنا أنه دخل فى عقده وولائه قال ( وإذا أسلمت المرأة ووالت أو أقرّت بالولاء وفى يدها ابن صغير تبعها فى الولاء ) وقالا : لا يتبعها لأنه لاولاية لها على ماله فعلى نفسه أولى ، وله أنه بمنزلة النسب وهو نفع محض فيملكه عليه كقبض الهبة ، والله أعلم . كتاب الأيمان وهو جمع يمين ، واليمين فى اللغة : القوّة ، قال تعالى - لأخذنا منه بالبين - أى بالقوّة والقدرة منا، وقيل فى قوله تعالى - إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين - أى تتقوّون علينا، وقال : تلقاها عرابة باليمين إذا ما راية رفعت فى وهى الجارحة أيضا ، وهى مطلق الحلف أيّ شيء كان من غير تخصيص ، وقوله تعالى - فراغ عليهم ضربا باليمين - يحتمل الوجوه الثلاثة : أى بيده اليمنى أو بقوّته أو بحلفه ، وهو قوله - وتالله لأكيدنّ أصنامكم -. وفى الشرع نوعان: أحدهما القسم، وهو ما يقتضى تعظيم المقسم به ، فلهذا قلنا لا يجوز إلا باللّه تعالى، قال عليه الصلاة والسلام ((من كان حالفا فليحلف بالله أو ليذر)) وفيها المعنى اللغوى، لأن فيها الحلف ، وفيها معنى القوّة لأنهم يقوّون كلامهم ويوثقونه بالقسم بالله تعالى، وكانوا إذا تحالفوا أو تعاهدوا يأخذون -٤٦- اليَمِينُ باللهِ تَعالى ثَلاثَةٌ": غَمُوسٌ، وَهِىَ الحَلِفُ عَلَى أمْرٍ ماضٍ أوْ حالٍ يَتَعَمَّدُ فِيها الكَذِبَ فَلا كَفَّارَةَ فِيها. وَلَغْوٌ: وَهِىَ الحَلِفُ عَلَى أمْرٍ يَظُنَّهُ كمّا قالَ وَهُوَ بِخِلافِهِ، فَرْجُو أنْ لايُؤَاخِذَهُ اللهُ بِهَا. وَمُنْعَقِدَةٌ: وَهِى الحَلِفُ عَلى أمْرٍ فى المُسْتَقْبَلِ لِيَفْعَلَهُ أوْ يَتْرُكَهُ، باليمين التى هى الجارحة . الثانى الشرط والجزاء ، وهو تعليق الجزاء بالشرط على وجه ينزل الجزاء عند وجود الشرط كقوله: إن لم آتك غدا فعبدى حرّ ، وهذا النوع ثبت بالاصطلاح الشرعى ولم ينقل عن أهل اللغة وفيه معنى القوّة والتوثق أيضا، لأن اليمين تعقد للحمل على فعل المحلوف عليه أو المنع عن فعله ، فان الإنسان يعلم كون الفعل مصلحة ولا يفعله لنفور الطبع عنه ، ويعلم كونه مفسدة ولا يمتنع عنه لميله إليه وغلبة شهوته ، فاحتاج فى تأكيد عزمه على الفعل أو الترك إلى اليمين ، وكما أن اليين بالله تعالى تحمله أو تمنعه لما يلازمها من الإثم بهتك الاسم المعظم والكفارة ، فكذلك الشرط والجزاء يحمله ويمنعه لما يلازمه من زوال ملك النكاح وملك الرقبة وغير ذلك فيحصل المنع والحمل بكل واحدة من اليمينين فألحقناها بها لاشتراكهما فى المعنى ، واليمين مشروعة فى المعاهدات والخصومات توكيدا وتوثيقا للقول ، قال تعالى - ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان - وقال عليه الصلاة والسلام ((لاتحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت، من كان حالفا فليحلف باللّه أو ليذر)) والأفضل أن يقلل الحلف بالله تعالى، والحلف بغير الله تعالى قيل يكره اقواء عليه الصلاة والسلام ((ملعون من حلف بالطلاق وحلف به)) وقيل إن أضيف إلى المستقبل لا يكره وإلى الماضى يكره ، وهذا حسن لأنها مستعملة فى العهود والمواثيق بين المسلمين من غير نكير ، والحديث محمول على الإضافة إلى الماضى بالإجماع ، وهى من أيمان السفلة . قال ( اليمين بالله تعالى ثلاثة: غموس، وهى الحلف على أمر ماض أو حال يتعمد فيها الكذب فلا كفارة فيها . ولغو : وهى الحلف على أمر يظنه كما قال وهو بخلافه ، فنرجو أن لا يؤاخذه الله بها . ومنعقدة: وهى الحلف على أمر فى المستقبل ليفعله أو يتركه ) فإذا حنث فيها فعليه الكفارة ، وبيان ذلك أن اليمين إما أن تكون على الماضى أو على الحال أو على المستقبل ، فان كانت على الماضى أو على الحال ، فإما أن يتعمد الكذب فيها وهى الأولى ، أو لم يتعمد وهى الثانية ، وإن كانت على المستقبل فهى الثالثة ، سواء كان عمدا أو ناسيا مكرها أو طائعا على ما نبينه إن شاء اللّه تعالى. أما الغموس فليست يمينا حقيقة ، لأن اليمين عقد مشروع على ما بينا وهذه كثيرة فلا تكون مشروعة . وتسميتها يمينا مجاز لوجود صورة اليمين كما نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الحرّ سماه بيعا مجازا، قالوا: وسميت غموسا لأنها تغمس صاحبها فى نار جهنم، ولهذا قلنا لا كفارة فيها ، واليمين علي - ٤٧ - وَهِىَ أَنْوَاعٌ: مِنْها ما يَجِبُ فِيهِ الِبِرْ كَفِعْلِ الفَرَائِضِ وَمَنْعِ المَعَاصِى ، وَنَوْع يَجِبُ فِيهِ الحِنْثُ كَفِعْلِ المَعَاصِى وَتَرْكِ الوَاجِبِاتِ، وَنَوْعَ الِحِنْثُ فِيهِ خَيْرٌ الماضى مثل قوله: والله ما فعلت كذا وهو يعلم أنه فعله ، أو والله لقد فعلت كذا وهو يعلم أنه لم يفعله، والحال أن يقول: والله ما لهذا علىّ دين وهو يعلم أن له عليه ، فهذه اليمين لاتنعقد ولا كفارة فيها وإنما التوبة والاستغفار وأمره إلى اللّه تعالى، قال عليه الصلاة والسلام ((خمس من الكبائر لا كفارة فيهنَّ الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وبهت المسلم (١) والفرار من الزحف، واليمين الغموس)) وقال عليه الصلاة والسلام ((اليمين الغموس تدع الديار بلاقع )) ولم يذكر فيها الكفارة ، ولو وجبت لذكرها تعليما ، أو نقول : لو كان لها كفارة لما دعت الديار بلاقع لأن الكفارة اسم لما يستر الذنب فترفع إنمه وعقوبته كغيرها من الذنوب ولأنها كبيرة بالحديث ، والكفارة عبادة لأنها تتأدّى بالصوم ويشترط فيها النية فلا يتعلق بها ، ولأن الله تعالى أوجب الكفارة بقوله - بما عقدتم الأيمان فكفارته - والعقد ما يتصوّر فيه الحل والعقد ، وذلك لايتصوّر فى الماضى . وأما اللغو كقوله : والله ما دخلت الدار، أو ما كلمت زيدا يظنه كذلك وهو بخلافه ويكون فى الحال أيضا كقوله: والله إن المقبل لزيد فإذا هو عبد اللّه، والأصل فيه قوله تعالى : - لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم -. وحكى محمد عن أبى حنيفة أن اللغو ما يجرى بين الناس من قوله : لا والله وبلى والله، وعن عائشة مثله موقوفا ومرفوعا، وعن ابن عباس هو الحلف على يمين كاذبة وهو يرى أنه صادق، فإن قيل كيف يقول محمد بن الحسن نرجو أن لا يؤاخذه الله بها، والله تعالى نفى المؤاخذة قطعا، فالجواب من وجهين : أحدهما أن العلماء اختلفوا فى تفسير اللغو ، فقال محمد : نرجو أن لا يؤاخذه الله تعالى باليمين على الوجه الذى فسره لاحتمال أنها غيره . والثانى أن الرجاء على وجهين : رجاء طمع، ورجاء تواضع ، فجاز أن محمدا ذكر ذلك على سبيل التواضع . وروى ابن رستم عن محمد : لا يكون اللغو إلا فى اليين بالله. وقد عبر عنه الكرخى فقال : ما كان المحلوف به هو الذى يلزمه بالحنث فلا نغو فيه ، وذلك لأن من حلف بالله على أمر يظنه كما قال وليس كذلك لغا المحلوف عليه وبقى قوله واللّه فلا يلزمه شىء ، واليمين بغير اللّه تعالى يلغو المحلوف عليه ويبقى قوله امرأته طالق أو عبده حرّ أو عليه الحجّ فيلزمه . ( و) أما المنعقدة ف(هى أنواع: منها ما يجب فيه البرّ كفعل الفرائض ومنع المعاصى) لأن ذلك فرض عليه فيتأكد باليمين ( ونوع يجب فيه الحنث كفعل المعاصى وترك الواجبات ) قال عليه الصلاة والسلام ((من حلف أن يطيع اللّه فليطعه ، ومن حلف أن يعصيه فلا يعصه)) ( ونوع الحنث فيه خير (١) قوله وبهت المسلم ، بفتح الباء وسكون الهاء : افتراء الكذب عليه. - ٤٨ - مِنَ الِبِرّ كَهِجْرَانِ الْمُسْلِمِ وَتَحْوِهِ، وَنَوْعٌ هُمَا عَلَى السَّوَاءِ، فَحِفْظُ اليَمِينِ فِيهِ أوْلى، وَإِذَا حَنِثَ فَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ: إنْ شاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً، وَإنْ شاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ أَوْ كَسَاهُمْ، فإنْ لمْ يَجِدْ صَامٍ ثَلاثَةَ أيَّامٍ مُتْتَابِعاتٍ، وَلَا يَجُوزُ التّكْفِيرُ قَبْلَ الحِنْثِ، من البرّ كهجران المسلم ونحوه) قال عليه الصلاة والسلام ((من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت التى هى خير وليكفر عن يمينه)) ولأن الحنث ينجبر بالكفارة ولا جابر للمعصية ( ونوع هما على السواء ، فحفظ اليمين فيه أولى ) قال تعالى - واحنظوا أيمانكم - أى عن الحنث. قال ( وإذا حنث ) يعنى فى الأيمان المستقبلة ( فعليه الكفارة ) لقوله تعالى - ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان - قال ( إن شاء أعتق رقبة ، وإن شاء أطعم عشرة مساكين أو كساهم ، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام متتابعات ) قال تعالى - فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة - خير فيكون الواجب أحدها ، ثم قال - فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام -. قرأ ابن مسعود رضى الله عنه: ثلاثة أيام متتابعات وقراءته مشهورة فكانت كالخبر المشهور ، والكلام فى الرقبة والطعام والتفصيل فى ذلك مرّ فى الظهار. وأما الكسوة فهو اسم لما يكتسى به ، والمقصود منها ردّ العرى، وكل ثوب يصير به مكتسيا يسمى كسوة وإلا فلا ، فإذا اختار الحانث الكسوة كسا عشرة مساكين كل مسكين ما ينطلق عليه اسم الكسوة . وروى عن أبى حنيفة وأبى يوسف أن أدناه ما يستر عامة بدنه فلا يجوز السراويل لأن لابسه يسمى عريانا عرفا . وعن محمد أدناه ما تجوز فيه الصلاة فلا يجوز الخفّ ولا القلنسوة لأن لابسهما لايسمى مكتسيا ولهذا لا تجوز فيها الصلاة ، وقيل لكل مسكين إزار ورداء وقميص ، وقيل كساء وقيل ملحفة ، وقيل يجوز الإزار إن كان يتوشح به ، وإن كان يستر عورته دون البدن لا يجوز كالسراويل . وعلى قول محمد يجوز لأنه يجوز فيه الصلاة . وعن أبى حنيفة فى العمامة إن كانت سابغة قدر الإزار السابغ أو ما يقطع منه قميص يجوز وإلا فلا ، وما لايجزيه فى الكسوة يجزيه عن الإطعام باعتبار القيمة إذا نواه ، ولا تتأدّى الكفارة إلا بفعل يزيل ملكه عن العين ليكون زاجرا ورادعا له فيتحقق معنى العقوبة فلا بدّ فيه من التمليك ، ولو أعاره لا يجوز لأنه لايزول ملكه عن العين ، بخلاف الطعام حيث يجوز فيه الإباحة ، لأن ملكه يزول عن الطعام بالإباحة كما يزول بالتمليك ، ولو كفر عنه غيره بأمره جاز ، وبغير أمره لا يجوز كما فى الزكاة لأنها عبادة أو عقوبة ، فلا بدّ من الإتيان بنفسه أو نائبه وذلك بالإذن لينتقل فعله إليه . قال ( ولا يجوز التكفير قبل الحنث ) لقوله عليه الصلاة والسلام - ٤٩ - وَالقاصِدُ وَالْمُكْرَهُ وَالنَّاسِ فى اليَمِينِ سَوَاءٌ . فصل وَحُرُوفِ القَسَمِ: الباءُ، وَالوَاوُ ، وَالتَّاءُ ؛ « من حلف على يمين ورأی غیر ها خيرا منها فليأت التى هى خير وليكفر عن يمينه)) وروى (( ثم ليكفر يمينه)) أمر وأنه يقتضى الوجوب ولا وجوب قبل الحنث، أو نقول: إذا حنث يجب عليه أن يكفر بالأمر ، ولأن الكفارة ساترة والستر يعتمد ذنبا أو جناية ولم يوجد قبل الحنث لأن الجناية هى الحنث لما يتعلق به من هتك حرمة اسم الله تعالى واليمين ما نعة من ذلك فلا تكون سببا مفضيا إلى الحنث ، بخلاف ما إذا كفر بعد الجرح قبل زهوق الروح ، لأن الجرح سبب مفض إلى الزهوق غالبا ، وبخلاف ما إذا أدّى الزكاة بعد النصاب قبل الحول لأن السبب المال . قال (والقاصد والمكره والناسى فى اليمين سواء) قال عليه الصلاة والسلام ((ثلاث جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ: الطلاق والنكاح والأيمان)) وعن عمر رضى الله عنه: أربعة لاردّيدى (١) فيهنّ وعدّ منها الأيمان. وروى ((أن المشركين استحلفوا حذيفة وأباه أن لايعينا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقيل لرسول الله فقال : يفى لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم)) فحكم بصحة اليمين مع الإكراه ، والكلام فى الإكراه مضى فى بابه ، ولأن شرط الحنث هو الفعل ، ووجود الفعل حقيقة لا يعدمه الإكراه والنسيان ، ولا يصحّ يمين الصبىّ والمجنون والنائم لما مرّ فى الطلاق. فصل ( وحروف القسم : الباء ، والواو ، والتاء ) هو المعهود المتوارث ، وقد ورد بها القرآن ، قال تعالى - واللّه ربنا - وقال - يحلفون بالله - وقال - تالله لقد أرسلنا - ، ولله يمين أيضا لأن اللام تبدل من الباء ، قال تعالى - آمنتم به - و-آمنتم له - ، والأصل فيه أن حرف الباء للإلصاق وضعا والواو بدل عنه فانه للجمع ، وفى الإلصاق معنى الجمع ، والتاء بدل من الواو ، وكقولهم : تراث ، وتجاه ؛ فلما كانت الباء أصلا صلحت للقسم فى اسم الله وسائر الأسماء ؛ وفى الكناية كقولهم : بك لأفعلن كذا ، وكون الواو بدلا عنها نقصت عنها فصلحت فى الأسماء الصريحة دون الكناية ، وكون التاء بدل البدل اختصت باسم الله وحده ، ولم تصلح فى غيره من الأسماء ولا فى الكناية . (١) قوله ردّيدى، قال فى مختار الصحاح: والرد يدى مقصور بكسر الراء والدال وتشديدها الردّ، وفى الحديث ((لاردّيدى فى الصدقة)). ٤ - الاختيار - رابع - ٥٠ - وَتُضْمَرُ الْحُزُوفُ فَتَقُولُ: اللّهِ لاأَفْعَلُ كَذَا؛ وَاليَمِينُ باللّهِ تَعالى وَبِأَسْمائِهِ، وَلا يَحْتَاجُ إلى نِيَّةٍ إلاَّ فِيمَا بُسَمَّى بِهِ غيرُهُ كالحَكِيمِ وَالعَلِيمِ، وَبِصِفاتٍ ذَاتِهِ كَعِزَّةِ اللّهِ وَجَلالِهِ، إلاَّ وَعِلْمِ اللّهِ فَلا يَكُونُ يَمِينا، وكَذَلِكَ وَرَحْمَةٍ اللّهِ وَسَخَطِهِ وَغَضَيْهِ ؛ قال ( وتضمر الحروف فتقول : الله لا أفعل كذا ) ثم قد ينصب لنزع الخافض ، وقد يخفض دلالة عليه وهو خلاف بين البصريين والكوفيين والنبىّ عليه الصلاة والسلام حلف الذى طلق امرأته ألبتة ((اللّه ما أردت بالبتة إلا واحدة)) والحذف من عادة العرب تخفيفًا؛ والحلف فى الإثبات أن يقول: والله لقد فعلت كذا، أو والله لأفعلن" كذا مقرونا بالتأكيد وهو اللام والنون ، حتى لوقال: واللّه لأفعل كذا اليوم فلم يفعله لاتلزمه الكفارة، لأن الحلف فى الإثبات لا يكون إلا بحرف التأكيد لغة ؛ أما فى النفى يقول : والله لا أفعل كذا ، أو والله ما فعلت كذا . قال (واليمين بالله تعالى وبأ ائه) لأنه يجب تعظيمه ولا يجوز هتك حرمة اسمه أصلا ، ولأنه متعاهد متعارف ، والأيمان مبنية على العرف ، فما تعارف الناس الحلف به يكون يمينا ومالا فلا ، لأن قصدهم ونيتهم تنصرف إلى الحقيقة العرفية كما ينصرف عند عدم العرف إلى الحقيقة اللغوية ، لأن الحقيقة العرفية قاضية على اللغوية لسبق الفهم إليها . قال ( ولا يحتاج إلى نية إلا فيما يسمى به غيره كالحكيم والعليم ) فيحتاج إلى النية ، وقيل لايحتاج فى جميع أسمائه ويكون حالفا ، لأن الحلف بغير الله تعالى لا يجوز ، والظاهر أنه قصد يمينا صحيحة فيحمل عليه فيكون حالفا ، إلا أن ينوى غير اللّه تعالى لأنه نوى محتمل كلامه . وعن محمد : وأمانة اللّه يمين، فلما سئل عن معناه قال: لاأدرى كأنه وجد العرب يحلفون بذلك عادة فجعله يمينا . وعن أبى يوسف ليس بيمين لاحتمال أنه أراد الفرائض ، ذكره الطحاوى. قال (وبصفات ذاته كعزّة الله وجلاله، إلا وعلم الله فلا يكون يمينا، وكذلك ورحمة الله وسخطه وغضبه ) ليس بيمين . اعلم أن الصفات ضربان : صفات الذات ، وصفات الفعل ، والفرق بينهما أن كل ما يوصف به اللّه تعالى ، ولا يجوز أن يوصف بضدّه فهو من صفات ذاته ، كالقدرة والعزّة والعلم والعظمة ، وكلّ ما يجوز أن يوصف به وبضدّه فهو من صفات الفعل كالرحمة والرأفة والسخط والغضب ؛ فما كان من صفات الذات إذا حلف به يكون يمينا إلا وعلم اللّه، لأن صفات اللّه تعالى قديمة كذاته ، فما تعارف الناس الحلف به صار ملحقا بالاسم والذات فيكون يمينا وإلا فلا ، وعلم اللّه ليس بمتعارف حتى قال عامة المشايخ : لا يكون يمينا وإن نواه لعدم التعارف ، وعند بعضهم يكون يمينا كغيرها من الصفات ، ولأن صفات الذات لما لم يكن لها معنى غير الذات كان ذكرها كذكر الذات فكان قوله - ٥١ - وَالخَلِفُ بِغْيْرِ اللّهِ تَعالى لَيْسَ بِيَمِينٍ كَالنِّّ وَالقُرآنِ وَالكَعْبَةِ، والبَرّاءةُ مِنْهُ يَمِينٌ، وقدرة اللّه كقوله، والله القادر ، وهو القياس فى العلم لأنه من صفات الذات إلا أنه جرت العادة أن العلم يذكر ويراد به المعلوم ، ومعلوم اللّه تعالى غيره . قال النسفى: وهذا لا يستقيم على مذهب أهل الحقّ ، والصحيح أن كلها صفات اللّه تعالى قائمة بذاته والحلف بها حلف بالله، والفرق الصحيح ماقاله محمد إن هذه الأشياء يراد بها غير الصفة ، فلهذا لم يصر به حالفا بالشكّ ، فالرحمة تذكر ويراد بها المطر والنعمة ويراد بها الجنة ، قال تعالى - ففى رحمة اللّه هم فيها خالدون -. والسخط والغضب يراد بهما ما يقع من العذاب فى النار ، والرضى يراد به ما يقع من الثواب فى الجنة فصار حالفا بغير الله من هذا الوجه . قال ( والحلف بغير الله تعالى ليس بيمين كالنبىّ والقرآن والكعبة، والبراءة منه يمين ) والأصل فى هذا أن الحلف بغير الله تعالى لا يجوز لما روينا، وروى أنه عليه الصلاة والسلام سمع عمر يحلف بأبيه فقال ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو فليصمت)) وروى (( من حلف بغير الله فقد أشرك)) ولأن الحلف تعظيم المحلوف به ولا يستحقه إلا الله تعالى، وإذا لم يجز الحلف بغير الله تعالى لا يلزمه به كفارة لأنه ليس بيمين ، ولم يهتك حرمة منع من هتكها على التأبيد ويدخل فى ذلك ما ذكرنا ؛ أما البى والكعبة فظاهر ؛ وأما القرآن فهو المجموع المكتوب فى المصحف بالغربية لأنه من القرء وهو الجمع وأنه يقتضى الضمّ والتركيب وذلك من صفات الحادث فيكون غير الله تعالى وغير صفاته ، لأن صفاته قائمة بذاته أزلية كهو ، حتى لو حلف بكلام الله كان يمينا لأن كلامه صفة قائمة بذاته لا يوصف بشىء من اللغات ، لأن اللغات كلها محدثة مخلوقة أو اصطلاحية على الاختلاف فلا يجوز أن تكون قديمة ، بل هى عبارة عن القديم الذى هو كلام اللّه تعالى هذا مذهب أهل السنة والجماعة من أصحابنا، وكذلك دين الله وطاعة الله وشرائعة وأنبيائه وملائكته وعرشه وحدوده والصلاة والصوم والحج والبيت والكعبة والصفا والمروة والحجر الأسود والقبر والمنبر لأن جميع ذلك غير الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام (( لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت ولا بحدّ من حدود الله ولا تحلفوا إلا بالله)) قال أبو حنيفة: لا يحلف إلا باللّه متجرّدا بالتوحيد والإخلاص . وأما البراءة من ذلك فيمين كقوله : إن فعلت كذا فأنا برىء من القرآن أو من الكعبة أو من هذه القبلة أو من النبىّ ، لأن البراءة من هذه الأشياء كفر ؛ وكذا إذا قال : أنا بريء مما فى المصحف أو من صوم رمضان أو من الصلاة أو من الحجّ ، وأصله أن كلّ ما يكون اعتقاده كفرا ولا تحله الشريعة ففيه الكفارة إذا حنث، لأن الكفر لا تجوز استباحته على التأبيد لحقّ اللّه تعالى فصار كحرمة اسمه، ومن : - ٥٢ - وَحَقِّ اللّهِ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَالْحَقّ ◌َمِينٌ؛ وَلَوْ قالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، اوْ هُوَ زَانٍ أوْ شارِبُ حَمْرٍ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَلَوْ قالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ فَهُوَ يَمِينٌ، وَلَوْ قَالَ: لَعَمْرُ اللّهِ، أَوْ وَاْمِ اللّهِ، أَوْ وَعَهْدِ اللّه، أَوْ ومِيئاقِهِ، أَوْ عَلىَّ نَذْرٌ، أَوْ نَذْرُ اللّهِ فَهُوَ يَمِينٌ؛ وَلَوْ قالَّ: أحْلِفُ، أوْ أُنْسِمُ، أَوْ أَشْهَدُ، أَوْ زَادَ فِيها ذِكْرَ اللّه تَعالى فَهُوَ يَمِينٌ؛ هذا أنا أعبد الصليب أو أعبد من دون الله إن فعلت كذا ؛ ولو قال الطالب الغالب : إن فعلت كذا فهو يمين للعرف ، ولو قال ( وحقّ اللّه ليس بيمين) وروى عن أبى يوسف أنه يمين ، لأن الحق من صفات اللّه تعالى وهو حقيقة كأنه قال: والله الحق، ولأن الحلف به معتاد وهو المختار اعتبارا للعرف، ولهما ما روى ((أن رسول الله عليه الصلاة والسلام سئل عن حقّ اللّه تعالى على عباده؟ فقال: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا)) فصار كقوله والطاعات والعبادات ، ولو قال كذلك ليس يمين . قال ( والحق يمين ) لأنه من أسماء الله تعالى ، ولو قال حقا لا يكون يمينا لأنه يراد به تأكيد الكلام وتحقيق الوعد . وقال الطحاوى: حقا كقوله واجبا علىّ فهو يمين. قال ( ولوقال : إن فعلت كذا فعليه لعنة اللّه أو هو زان أو شارب خمر فليس بيمين ) وكذلك غضب الله وسخط الله عليه لأنه غير متعارف فى الأيمان ( ولو قال : هو يهودى أو نصرانى فهو يمين ) لقول ابن عباس : من حلف باليهودية والنصرانية فهو يمين ، ولأنه لما جعل الشرط دليلا على الكفر فقداعتقد الشرط واجب الامتناع ، وقد أمكن جعله واجبا لغيره بجعله يمينا كما قلنا فى تحريم الحلال ، ولوقال ذلك لشىء فعله فهو غموس ، ثم قيل لا يكفر اعتبارا بالمستقبل ، وقيل يكفر كأنه قال هو يهودى إذ التعليق بالماضى باطل ؛ والصحيح أنه إن علم أنه يمين لا يكفر فيها وإن كان يعتقد أن يكفر بالحنث يكفر فيهما ، لأنه لما أقدم على الحنث فقد رضى بالكفر وعلى هذا هو مجوسى أو كافر ونحوه. قال ( ولو قال: لعمر الله. أو وايم الله، أو وعهد الله أو وميثاقه أو على"نذر، أو نذر اللّه فهو يمين) أما عمر الله فهو بقاء والبقاء ٢٠ صفات اللّه، ولأن الله تعالى أفسر به فقال - لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون - وأما وا: اللّه فمعناه أيمن اللّه وهو جمع يمين وأنه متعارف، وأما عهد الله فلقوله تعالى - وأوفوابعها اللّه إذا عاهدتم - ثم قال - ولا تنقضوا الأيمان - سمى العهد يمينا، والميثاق هو العهد عرفا والنذر يمين. قال عليه الصلاة والسلام ((النذر يمين وكفارته كفارة يمين)). وقال علي الصلاة والسلام (( من نذر نذرا وسماه فعليه الوفاء به ، ومن نذر ولم يسمّ فعليه كفارة يمين قال ( ولو قال: أحلف ، أو أقسم، أو أشهد، أو زاد فيها ذكر الله تعالى فهو يمين وكذا قوله أعزم، أو أعزم باللّه ، أو على يمين ، أويمين الله. وعن محمد : إذا قال أعزم - ٥٣ - ومَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ ما يُمْلِكُهُ فإنِ اسْتَبَاحَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ، وَلَوْ قالَ: كُلُّ حَالِ عَلَىَّ حَرَامٌ فَهُوَ عَلَى الطَّعامِ وَالشَّرَابِ إِلاَّ أَنْ يَنْوِىَ غْيْرَهُما ، أو أعزم باللّه لا أعرفه عن أبى حنيفة . وقال زفر: أحلف وأقسم وأشهد لا يكون يمينا إلا أن يذكر اسم الله تعالى لأنه احتمل الحلف والقسم بالله، ويحتمل بغيره فلا يكون يمينا بالشك ولنا قوله تعالى - يحلفون لكم لترضوا عنهم - وقال - قالوا نشهد إنك لرسول اللّه - ثم قال - اتخذوا أيمانهم جنة - وقال - إذا أقسموا ليصر منها مصبحين ولا يستثنون - قال محمد : لا يكون الاستثناء فى اليمين، ولأن حذف بعض الكلام جائز عند العرب تخفيفا ، ولأن ذلك كالمعلوم لأن الحلف لا يكون إلا بالله فكأنهم ذكروه ، وأما أعزم أو أعزم باللّه فالعزم هو الإيجاب ، قال تعالى - وإن عزموا الطلاق - والإيجاب هو اليمين . وقول محمد لا أعرفه عن أبى حنيفة فقد رواه عنه الحسن ؛ وأما علىّ يمين أو يمين اللّه فلأنه تصريح بايجاب اليمين عليه ، واليمين لا يكون إلا باللّه وهو معتاد عند العرب . قال - فقالت يمين اللّه مالك حيلة - ووجه اللّه يمين ، رواه ابن سماعة عن أبى يوسف عن أبى حنيفة رحمه اللّه لأنه يذكر ويراد به الذات، قال تعالى - ويبقى وجه ربك - زقال - كلّ شيء هالك إلا وجهه -. وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه ليس بيمين لعدم العرف بذلك ولأنه يذكر ويراد به غير اللّه تعالى، يقال: فعله ابتغاء وجه الله تعالى: أى وابه فلا يكون يمينا بالشكّ . وروى ابن شجاع عند أبى حنيفة رحمه الله أنها من أيمان السفلة: يعنى أنهم يقصدون الجارحة فيكون يمينا بغير الله تعالى. قال ( ومن حرّم على نفسه مايملكه فإن استباحه أو شيئا منه لزمته الكفارة ) وذلك مثل قوله: مالی علیّ حرام أو ثوبى أو جاریتی فلانة أو ركوب هذه الدابة ونحوه ، قال عليه الصلاة والسلام (( تحريم الحلال يمين وكفارته كفارة يمين)) ولأنه أخبر عن حرمته عليه فقد منع نفسه عنه وأمكن جعله حراما لغيره باثبات موجب اليمين ، لأن اليمين أيضا يمنعه عنه فيجعل كذلك تحرّزا عن إلغاء كلامه ، وهذا أولى من الحرمة المؤبدة ، لأن له نظيرا فى الشرع وهو أرفق ، ثم الحرمة تتناول الكل جزءا جزءا ، فأىّ جزء استباح منه حنث ، كقوله : لا أشرب الماء ، ولو وهبه أو تصدق به لاحنث عليه ، لأن المراد بالتحريم حرمة الاستمتاع عرفا لاحرمة الصدقة والهبة . قال ( ولو قال: كلّ حلال علىّ حرام فهو على الطعام والشراب إلا أن ينوى غيرهما ) وقال زفر: يحنث كما فرغ لأنه باشر فعلا حلالا وهو التنفس . ولنا أن المقصود البرّ ولا يحصل على اعتبار العموم فيسقط العموم فينصرف إلى الطعام والشراب لأنه يستعمل فيما يتناول عادة ، ولو نوى امرأته دخلت مع المأكول والمشروب وصار موليا ، وإن نوى امْرأته - ٥٤ - وَمَنْ حَلَفَ حالَةَ الْكُفْرِ لا كَفَّارَةَ فِىِ حِنْثِهِ.؛ وَمَنْ قالَ: إنْ شاءَ اللهُ مُتَّصِلاً بِيَمِينِهِ فَلا حِنْتَ عَلَيْهِ. فصل حَلَفَ لاَ يَخْرُجُ، فَأَمَرَ رَجُلاً فَأخْرَجَهُ حَنِثَ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ مُكْرَها لا يحْنّثُ . وحدها صدّق ولا يحنث بالأكل والشرب . قال مشايخنا هذا فى عرفهم ، أما فى عرفنا يكون طلاقا عرفا ، ويقع بغير نية لأنهم تعارفوه فصار كالصريح وعليه الفتوى ؛ ولو قال : مال فلان علىّ حرام فأكله أو أنفقه حنث إلا أن ينوى أنه لا يحلّ لى لأنه حرام فلا حنث عليه ؛ ولو حلف لايرتكب حراما فهو على الزنا ، وإن كان مجبوبا فعلى القبلة الحرام وأشباهها ؛ ولو حلف لايطأ حراما فوطى امرأته حالة الحيض والظهار لم يحنث إلا أن ينويه ، لأن الحرمة لعارض لاأن الوطء حرام فى نفسه . قال ( ومن حلف حالة الكفر لا كفارة فى حنثه ) لأن الكافر ليس بأهل لليمين لأنها تعظيم الله تعالى ولا تعظيم مع الكفر وليس أهلا للكفارة لأنها عبادة حتى تتأدّى بالصوم وليس من أهلها وتبطل اليمين بالردّة ، فلو أسلم بعدها لا يلزمه حكمها لأن الردّة تبطل الأعمال . قال ( ومن قال . إن شاء الله متصلا بيمينه فلا حنث عليه ) وقد مرّ فى الطلاق، ولابدّ من الاتصال لأن بالسكوت يتمّ الكلام فالاستثناء بعده يكون رجوعا ولا رجوع فى اليمين . فصل الخروج : هو الانفصال من الداخل إلى الخارج ؛ والدخول : الانفصال من الخارج إلى الداخل ، فعلى أىّ وصف وجد كان خروجا ، سواء كان راكبا أو ماشيا من الباب أو من السطح أو من ثقب فى الحائط أو تسوّر الحائط ، إلا أن يقول من باب الدار فلا يحنث إلا بالخروج من الباب . قال ( حلف لايخرج فأمر رجلا فأخرجه حنث ) لأن الفعل مضاف إليه بالأمر كما إذا ركب دابة فخرجت به ( وإن أخرجه مكرها لا يحنث ) لعدم إضافة الفعل إليه لعدم الأمر وهو مخرج وليس بخارج . وقيل إن قدر على الامتناع حنث عند محمد لأنه لما لم يمتنع مع القدرة صار كأنه فعل الدخول كركوب الدابة . وعن أبى يوسف رحمه الله أنه لا يحنث وهو الصحيح لأنه ليس بداخل . وروى محمد عن أبى يوسف لو حمله برضاه لا بأمره لا يحنث لأنه ليس بفاعل للدخول ، واليمين منعقدة على الفعل دون الرضا والإرادة أو نقول الفعل إنما يضاف إليه بأمره . وقيل يحنث والحلف على الدخول على هذه الوجوه . - ٥٥ - حَلَفَ لاَ يُخْرُجُ إِلاَّ إِلى جَنَازَةٍ فَخَرَجَ إَلْها ◌ُثُمَّ أتى حاجَةً أُخْرَى لَمْ يَحْنَثْ. حَلَفَ لاَ يُخْرُجُ إلى مَكَّةَ فَخَرَجَ بُرِيدُها ثمَّ رَجَعَ حَنِثَ؛ وكَذَلِكَ الذّهاب فى الأُصَحّ، وفِى الإثْيانِ لاَ يَحْنَثُ حَتى يَدْخُلَهَا. حَلَفَ لاتَدْخُلُّ امْرَأتُهُ إِلاَّ اذْنِهِ فَلا بُدَّ منَ الإِذْن فى كُلّ مَرَّة؛ وَلَوْ قالَ: إِلاَّ أَنْ آذَنَ لَكِ بَكْفِيهِ إذْنٌ وَاحِدٌ . قال ( حلف لا يخرج إلا إلى جنازة فخرج إليها ثم أتى حاجة أخرى لم يحنث ) لأنه لم يوجد الخروج لغير ما حلف عليه ، وإنما خرج إلى الجنازة وأنه مستثنى من اليمين ، والإتيان بعد ذلك ليس بخروج ( حلف لا يخرج إلى مكة فخرج يريدها ثم رجع حنث ) لوجود الخروج قاصدا إليها . قال ( وكذلك الذهاب فى الأصحّ ) لأنه عبارة عن الانتقال والذهاب من موضعه ، قال تعالى - إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - أى يزيله عنكم فأشبه الخروج ( وفى الإتيان لا يحنث حتى يدخلها) لأن الإتيان الوصول ، قال تعالى - فأتيا فرعون - والمراذ الوصول إليه ، ويقال فى العرف : خرجت إلى بلد كذا ولم آته : أى قصدته بالخروج ولم أصل إليه ، والذهاب كالخروج فى الاستعمال أيضا . حلف لا يخرج من هذا البيت فأخرج يديه وقدميه وهو قاعد لم يحنث لأنه لا يسمى خارجا ؛ ولو كان مستلقيا على ظهره أو بطنه أو على جنبه يحنث بخروج أكثر جسده إقامة للأكثر مقام الكلّ . وعن أبى يوسف فيمن حلف لايخرج من دار كذا فهو على الخروج ببدنه ؛ ولو قال : من هذه الدار فهو على النقلة ببدنه وأهله هذا هو العرف ؛ ولو حلف على امرأته أن لاتخرج فى غير حقّ فهو ما يعده الناس حقا فى استعمالهم دون الواجب كزيارة الوالدين وذوى الأرحام وأعراسهم وعيادتهم ونحوه . وعن أبى يوسف حلف لاتخرج إلا إلى أهلها فأبواها لاغير ، فإن عدما فكل ذى رحم محرم منها وأمها المطلقة أهلها ، فإن كان أبوها متزوّجا بغير أمها وأمها كذلك فأهل منزل أبيها لامنزل أمها . حلف لايخرج إلى بغداد فخرج من بيته لا يحنث ما لم يجاوز العمران قاصدا بغداد ، بخلاف الخروج إلى الجنازة حيث يحنث بنفس الخروج ، لأن الخروج إلى بغداد سفر ، ولا سفر حتى يجاوز العمران ، ولا كذلك الخروج إلى الجنازة ( حلف لاتدخل امرأته إلا بإذنه فلابدّ من الإذن فى كلّ مرّة ) لأن النهى يتناول عموم الدخلات إلا دخلة مقرونة باذنه فصار كقوله : إلا راكبة ، وإلا منتقبة فانه يشترط ذلك فى كلّ مرّة كذا هذا، ولو نوى الإذن مرّة صدق لأنه محتمل كلامه. وعن أبى يوسف أنه لايصدق قضاء لأنه خلاف الظاهر ، وكذلك اليمين على الخروج ؛ ولو قال : كلما أردت فخرجت مرّة بعد أخرى لا يحنث ، وإن نها ها بعد ذلك فخرجت حنث ( ولو قال : إلا أن آذن لك يكفيه إذن واحد ) وكذلك حتى آذن لك لأنه جعل - ٥٦ - حلَلَفَ لايَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَصَارَتْ صَحْرَاءَ وَدَخَلَهَا حَنِثَ؛ وَلَوْ قالَ: دَارًا كَمْ يُحْنّثْ، وفِ البَيْتِ لا يَحْنَثُ فى الوَجْهَْيْنِ. حَلَفَ لايَدْخُلُ بَيْتا لم يَحْنَثْ بالكَعْبَةِ وَالمَسْجِدِ وَالبِيعَةِ وَالكَنِيسَّةِ. حَلَفَ لا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَقَامَ عَلَى سَطْحِها حَنِثَ، وَلَوْ دَخَلَ دِهْلِيزَها إنْ كانَ لَوْ أُغْلِقَ البابُ الإذن غاية ليمينه لأنها كلمة الغاية فانتهت اليمين لوجود الغاية؛ ولو أذن لها وهى نائمة صحّ كما لو كانت صماء ، وقيل لا يصحّ لعدم حصول العلم ؛ ولو أذن لها ولم تعلم فدخلت حنث قال أبويوسف : لا يحنث لأن الإذن إطلاق وإنه يتمّ بالإذن كالرضى . ولهما أن الإذن هو الإعلام ولم يوجد لأنه لا يتحقق الإعلام بدون العلم والإفهام ، بخلاف الرضى فيما إذا قال إلا برضاى ، ثم قال رضيت ولم تسمع ، لأن الرضى إزالة الكراهة وأنه يتحقق بدون السماع والعلم لأنه فعل القلب ؛ ولو قال : إلا بأمرى فأمرها ولم تسمع فدخلت حنث بالإجماع ، لأن الأمر إلزام المأمور فلا بدّ من السماع كأوامر الشرع . حلف لا تخرج بغير علمه فخرجت وهو يراها فلم يمنعها لم يحنث ، فإن أذن لها بالخروج فخرجتْ بغير علمه . قال محمد : لا يحنث لأنه لما أذن لها فقد علم أنها تخرج فكان الخروج بعلمه . قال (حلف لا يدخل هذه الدار فصارت صحراء ودخلها حنث ؛ ولو قال دارا لم يحنث ، وفى البيت لا يحنث فى الوجهين ) لأن الدار اسم للعرصة حقيقة وعرفا ، والبناء صفة فيها ، لأن قوام البناء بالعرصة ، ولهذا يتطلق اسم الدار عليها بعد ذهاب البناء ، وفى أشعار العرب فى ندبهم الدور الدارسة أقوى شاهد ، غير أن الوصف معتبر فى الغائب وهو منكر لغو فى الحاضر لحصول التعريف بالإشارة على ماعرف ؛ وأما البيت فهو اسم لما يبات فيه ، والعرصة إنما تصير صالحة للبيتوتة بالبناء وأنه لا يبقى بعد زواله حتى قالوا : لوخرب السقف وبقيت. الحيطان يحنث لإمكان البيتوتة فيه ؛ ولو بنى البيت بعد ما انهدم لم يحنث بدخوله وفى الدار يحنث لزوال اسم البيت بعد الانهدام وبقاء اسم الدار على ما بينا ؛ ولو جعلت الدار بستانا أو حماما أو مسجدا أو بيتا فدخله لم يحنث لتبدّل الاسم والصفة باعتراض اسم آخر وصفة أخرى ، وكذا لو صارت بحرا أو نهرا، وكذا لو بنيت دارا أخرى بعد البستان والحمام لا يحنث لما بينا . قال ( حلف لا يدخل بيتا لم يحنث بالكعبة والمسجد والبيعة والكنيسة ) لعدم إطلاق اسم البيت عليها عرفا ، ولما بينا أنه اسم لما يبات فيه وأعدّ للبيتوتة ، وهذا المعنى معدوم فيها . حلف لا يدخل دار فلان وهما فى سفر على الخيمة والفسطاط والقبة فى كل منزل ، فإن نوى أحد هذه الأشياء صدق ديانة لاقضاء . قال ( حلف لايدخل هذه الدار فقام على سطحها حنث ) لأنه من الدار كسطح المسجد فى حق المعتكف ، وكل موضع إذا أغلق الباب لا يمكنه الخروج فهو من الدار ( ولو دخل دهليزها إن كان له أغلق الباب - ٥٧ - كانَ دَاخِلاً حَنِثَ وَإلاَّ فَلَا، وَلَوْ كانَ فى الدَّارِ لَمْ يَحْنَثْ بِالقُعُودِ. فصل حَلَفَ لايَلْبَسُ هَذَاَ الثَّوْبَ وَهُوَ لابِسُهُ فَزَعَهُ لِلْحَالِ كَمْ يَحْنَتْ، وَإِنْ لَبَثَ ساعَةٌ حَنِثَ، وَكَذَلِكَ رُكُوبُ الدَّابَّةِ وَسُكْنى الدَّار. حَلَفَ لا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ فَلا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ بِأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ أَجْمَعَ . كان داخلا حنث ) لأنه من الدار ( وإلا فلا ) لأنه ليس من الدار ، ولو أدخل أحد رجليه دون الأخرى إن استوى الجانبان أو كان الجانب الآخر أسفل لا يحنث ، وإن كان الجانب الداخل أسفل حنث ، لأن اعتماد جميع بدنه يكون على رجله الداخلة فيكون داخلا ( ولوكان فى الدار لم يحنث بالقعود) لأنه لم يوجد منه الدخول على ما ذكرنا بعد اليين . حلف لايدخل بيت فلان ولا نية له فدخل بيتا موساكنه حنث ، سواء كان ملكه أو لم يكن لأنه يضاف إليه عرفا ، بخلاف ما إذا حلف لايركب دابة فلان أو لايستخدم عبده حيث لايحنث بالعبد والدابة المستأجرين فإنه لايضاف إليه عادة. ولو دخل دارا هى ملك فلان يسكنها غيره فى رواية لا يحنث لأن الإضافة بالسكنى ، وعن محمد أنه يحنث لأنها مضافة إلى المالك بملك الرقبة وإلى المستأجر بملك المنفعةوكلاهما حقیقة. حلف لايدخل دار فلان فدخل دارا مشتركة بينه وبين فلان وفلان ساكنها لا يحنث ؛ وإن حلف لا يزرع أرضه فزرع أرضا مشتركة حنث لأن كل جزء من الأرض أرض وليس بعض الدار دارا تسمية وعرفا . حلف لايدخل دار فلانة فدخل دارها وزوجها يسكنها لا يحنث لأن الدار تنسب إلى الساكن . حلف لا یدخل دار فلان و له دار یسکنها و دار غلة فدخل دار الغلة لا يحنث . حلف لايدخل دار فدخل بستانا فى تلك الدار ، إن كان متصلا بها لم يحنث ، وإن كان فى وسطها حنث . فصل ( حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه فنزعه للحال لم يحنث ، وإن لبث ساعة حنث ، وكذلك ركوب الدابة وسكنى الدار ) وقال زفر : يحنث فى الوجهين لوجود المحلوف عليه وإن قلّ . ولنا أن زمان تحقق البرّ مستثنى لأن اليمين تعقد للبرّ ، بخلاف ما إذا لبث على تلك الحالة لأنه يسمى لابسا وراكبا وساكنا فيتحقق الشرط فيحنث ( حلف لا يسكن هذه الدار فلا بدّ من خروجه بأهله ومتاعه أجمع ) لأن السكنى الكون فى المكان على طريق الاستقرار ، حتى إن من جلس فى مسجد أو خان أو بات فيهما لايعدّ ساكنا ، والسكنى على وجه الاستقرار إنما تكون بالأهل والمتاع والأثاث ، فإن الرجل يعد ساكنا فى الدار - ٥٨ - قالَ لَهُ: اجْلِسْ فَتَغَدَّ عِنْدِى، فَقالَ: إنْ تَغَدَّيْتُ فَعَبْدِى حُرٌّ، فَرَجَعَ وَتَغَدَّى فِى بَيْتِهِ كَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ أَرَادَتِ الْحُرُوجَ فَقَالَ لَهَا: إِنْ خَرَجْتِ فأنْتِ طالِقِ فَجَلَسَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ لَمْ تَطْلُقْ، باعتبار أهله ، يقال فلان يسكن فى محلة كذا أو سكة كذا أو دار كذا وأكثر نهاره فى السوق فمهما بقى فى الدار شىء من ذلك فالسكنى باقية ، لأن السكنى تثبت بجميع ذلك فلا تنتمى إلا بنفى الكَلّ حتى قال أبو حنيفة: لو بقى وتد حنث لما قلنا ؛ وعنه لو بقى ما لا يعتدّ به كالمكنسة والوتد لم يحنث لانتفاء اسم السكنى بذلك . وأبو يوسف اعتبر الأكثر إقامة له مقام الكلّ، ولأنه قد يتعذّر نقل الكلّ. ومحمد اعتبر نقل ما لابد منه فى البيت من آلات الاستعمال دون ما لاحاجة إليه فى الاستعمال ، وقد استحسنوا ذلك لأنه أرفق بالناس ؛ ولو كان غنيا فأخذ فى نقل الأمتعة من حين حلف حتى بقى على ذلك شهرا لم يحنث هكذا روى عن محمد ؛ وكذلك لوكان فى طلب مسكن آخر أياما حتى وجده لم يجنث إذا لم يترك الطلب فى هذه الأيام وينبغى أن ينتقل إلى منزل آخر بلا تأخير ، ولو انتقل إلى السكة أو إلى المسجد قيل يبرّ كما فى منزل آخر، وقيل يحنث لأنه لما لم يتخذ وطنا آخر بقى وطنه الأوّل كالمسافر إذا خرج بعياله من مصره ، فما لم يتخذ وطنا آخر حتى مرّ بمصره أتمّ الصلاة لأن وطنه لم يتغير كذا هذا . وذكر أبو الليث : لو انتقل إلى السكة وسلم الدار إلى صاحبها أو آجرها وسلمها برّ فى يمينه، وإن لم يتخذ دارا أخرى لأنه لم يبق ساكنا . ولو حلف لا يسكن فى هذا المصر فانتقل بنفسه وترك أهله ومتاعه لم يحنث ، لأن الرجل يكون أهله فى مصر وهو ساكن فى مصر آخر، والقرية بمنزلة الدار ، والمختار أنها بمنزلة المصر (قال له : اجلس فتغد عندى ، فقال : إن تغدیت فعبدی حرّ ، فرجع وتغدی فی بیته لم يحنث، ولو أرادت الخروج فقال لها : : إن خرجت فأنت طالق ، فجلست ثم خرجت لم تطلق ) وكذا لو أراد ضرب عبده فقال له آخر: إن ضربته فعبدى حرّ ، فتركه ثم ضربه لم يعتق ؛ وهذه تسمى يمين الفور ، وأوّل من أظهرها أبو حنيفة ، ووجهه أن المقصود هو الامتناع عن الغداء المدعوّ إليه وهو الغداء عنده ، لأن الجواب يطابق السؤال ، وكذلك قصده منعها عن الخروج الذى همت به والضرب الذى همّ وبذلك يشهد العرف والعادة . وعن محمد : لو قال : إن ضربتنى فلم أضربك ، أو إن لقيتك فلم أسلم عليك ، أو إن كلمتنى فلم أجبك، أو إن استعرت دابتك فلم تعرنى ، أو إن دخلت الدار فلم أقعد ، أو إن ركبت دابتك فلم أعطك دابتى فهو على الفور اعتبارا للعرف ، وهكذا الحكم فى نظائره . ولو أراد أن يجامع امرأته فلم تطاوعه فقال : إن لم تدخلى معى البيت فأنت طالق ، فدخلت بعد ما سكنت شهوته طلقت ، لأن مقصوده الدخول لقضاء الشهوة وقد فات فصار شرط الحنث عدم ٠ - ٥٩ - وَمَنْ حَلَفَ لايَرْكَبُ دَابَّةَ فُلانِ فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِهِ المأذُونِ كَمْ يَحْنَبْ مَدْيُونا كانَ أوْ غيرَ مَدْيُونٍ. حَلَفَ لا يَتَكَلَّمُ فَقَرأ القُرآنَ أوْ سَبَّحَ أوْ هَلَّلَ كَمْ يَحْنَثْ. حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ شَهْرًا فَمِنْ حِينٍ خَلَفَ. حَلَفَ لابُكَلِّمُهُ فَكَلَّمَهُ بِحَّيْثُ يَسْمَعُ إلاَّ أنَّهُ نَائِمِ حَنِثَ ، الدخول لقضاء الشهوة وقد وجد . قال ( ومن حلف لا یر کب دابة فلان فركب دابة عبده المأذون لم يحنث مديونا كان أو غير مديون ) عند أبى حنيفة ، أما إذا كان مستغرقا بالديون فلأن عنده لاملك للمولى فيه على ما عرف فى بابه ؛ وأما إذا لم يكن مستغرقا أو لم يكن عليه دين فإن الملك وإن كان للمولى فإنه يضاف إلى العبد فلا يحنث إلا أن ينويه لاختلال الإضافة إلى المولى . وقال أبو يوسف : يحنث فى جميع ذلك إذا نواه . وعند محمد يحنث بدون النية ، لأن الملك عندهما للمولى وإن كان مديونا ، إلا أن أبايوسف يقول : الإضافة إلى المولى اختلت فاحتاج إلى النية . حلف لا يأكل من كسب فلان فهو ماله صنع فى اكتسابه وذلك فيما ملكه بفعله كالقبول فى العقود كالبيع والشراء أو الإجارة والهبة والصدقة والوصية ونحوها وأخذ المباحات . فأما الميراث فيدخل فى ملكه بغير فعله فلا يكون كسبه . ولو مات المحلوف عليه وانتقل كسبه إلى وارثه فأكله الحالف حنث لأنه كسبه ولم يعترض عليه كسب ، ولو انتقل إلى غيره بغير الميراث لم يحنث لأنه صار كسب الثانى ؛ وكذلك لو قال : لاآ كل مما تملك أو مما ملكت أو من ملكك ، فإذا خرج من ملك المحلوف عليه إلى ملك غيره فأكل منه الحالف لم يحنث ، لأن الملك إذا تجدّد على عين بطلت الإضافة الأولى وصار ملكا للثانی ؛ وكذا لو حلف لایأ کل من ميراث فلان فمات فأ کل من ميراثه حنث ؛ وإن مات وارثه فانتقل إلى وارثه لم يحنث ، لأن الميراث الآخر نسخ الميراث الأوّل فبطلت الإضافة إلى الأوّل. قال ( حلف لا يتكلم فقرأ القرآن أو سبح أو هلل لم يحنث ) لأن مبنى الأيمان على العرف ، يقال : ما تكلم وإنما قرأ أو سبح ، والقياس أن يحنث فيهما لأنه كلام لأن الكلام ما ينافى الخرس والسكوت ، وجوابه ما قلنا ؛ وقيل لايحنث فى الصلاة ويحنث خارجها ، لأن الكلام فى الصلاة مفسد فلم يجعل كلاما ضرورة ، ولا ضرورة خارج الصلاة . قال أبو الليث : إن حلف بالعربية فكذلك ، وإن حلف بالفارسية لا يحنث فيهما لأنه لا يسمى متكلما. قال ( حلف لا يكلمه شهرا فمن حين حلف ) لأنه لو لم يذكر الشهر تأبدت اليمين ، فلما ذكر الشهر خرج ماوراءه عن اليمين وبقى الشهر ، وكذلك الإجارة ، بخلاف الصوم لأنه لو لم يذكر الشهر لايتأبد فكان التعيين إليه . قال ( حلف لا يكلمه فكلمه بحيث يسمع إلا أنه نائم حنث ) وكذا لو كان أصمّ لأنه كلمه ووصل إلى سمعه وعدم فهمه لنومه وصممه ، فصار كما إذا كان متغافلا أو مجنونا . وفى رواية : اشترط أن يوقظه ، - ٦٠ - وَلَوْ كَلَّمَ غْرَهُ وَقَصَدَ أنْ يَسْمَعَ لَمْ يَحْنَثْ؛ وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ حَنِثَ، وَإِنْ نَوَاهُمْ دُونَهُ كَمْ يَحْنَثْ. لأنه إذا أيقظه فقد أسمعه ، ولوناداه من حيث لا يسمع فى مثله الصمت لا يحنث ، وكذلك إن كان بعيدا لو أصغى إليه لا يسمع لا يحنث ، لأن المكالمة عبارة عن الاستماع إلا أنه باطن فأقيم السبب المفضى إلى السماع مقامه ، وهو ما لو أصغى إليه سمع ؛ ولو دخل دارا ليس فيها غير المحلوف عليه فقال : من وضع هذا؟ أو من أين هذا؟ حنث لأنه كلام له بطريق الاستفهام ؛ ولو قال : ليت شعرى من وضع هذا؟ لايحنث لأنه مخاطب لنفسه ، ولو كان فى الدار آخر لا يحنث فى المسئلتين (ولو كلم غيره وقصد أن يسمع لم يحنث ) لأنه لم يكلمه حقيقة ( ولو سلم على جماعة هو فيهم حنث ) لأن السلام كلام للجميع ( وإن نواهم دونه لم يحنث ) ديانة لعدم القصد ولا يصدّق قضاء ، لأن الظاهر أنه للجماعة ، والنية لا يطلع عليها الحاكم ؛ ولو كتب إليه أو أشار أو أرسل إليه لم يحنث لأنه ليس بكلام ، لأن الكلام اسم لحروف منظومة مفهومة بأصوات مسموعة ولم توجد ، ولو كان الحالف إماما فسلم والمحلوف عليه خلفه لا يحنث بالتسليمتين لأنهما من أفعال الصلاة وليس بكلام ، ولو كان الخالف هو المؤتمّ فكذلك. وعن محمد يحنث لأنه يصير خارجا عن صلاة الإمام بسلامه خلافا لهما ؛ ولو سبح به فى الصلاة أو فتح عليه لم يحنث وخارج الصلاة يحنث ؛ ولو فرع المحلوف عليه الباب ، فقال الحالف : من هذا؟ ذكر القدورى أنه يحنث . وقال أبو الليث: إن قال بالفارسية : كيست (١) لايحنث لأنه ليس بخطاب له ، وإن قال : کی تو (٢) يحنث لأنه خطاب له وهو المختار ؛ ولو قال ليلا: لا أكلم فلانا يوما فهو من حين حلف إلى غروب الشمس من الغد ، وكذلك لو قال نهارا : لاأكلمه ليلة فمن حين حلف إلى طلوع الفجر من الغد ، لأن اليمين إذا تعلقت بوقت مطلق فابتداؤها عقيب اليمين كالإيلاء ، ولأن كل حكم تعلق بمدة لاعلى طريق القربة اختصّ بعقيب السبب كالإجارة ؛ ولو حلف فى بعض اليوم لا يكلمه يوما فهو على بقية اليوم والليلة إلى مثل تلك الساعة من الغد ؛ وكذلك لوخلف فى بعض الليل لا يكلمه ليلة فمن حين حلف إلى مثل تلك الساعة من الليلة المقبلة ، لأنه حلف على یوم منکر فلا بدّ من تمامه ، وذلك من اليوم الذى يليه فتدخل الليلة ضرورة تبعا ؛ ولو قال فى بعض اليوم : لاأكلمه اليوم فعلى باقى اليوم ، وكذا فى الليلة لأنه حلف على زمان معين فتعلق بما بقى منه ، إذ هو المراد ظاهرا وعرفا ، لأن ما مضى منه خرج (١) كيست معناه: من . (٢) قوله كى تو ، معناه : أنت من .