Indexed OCR Text

Pages 141-160

- ١٤١ -
وَتُقْبَلُ شَهَادُهُنَّ فِى اسْتَهْلَالِ الصَّبِىّ فى حَىّ الصَّلاةِ دُونَ الإِرْثِ (سم) ، وَلا
بُدَّ مِنَ العَدَالَةِ وَلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالإِسْلامِ، وَيُقْتَصَرُ فِى الْمُسْلِمِ
عَلى ظاهِرٍ عَدَالَّتِهِ (سم ف)، إلاَّ فى الحُدُودِ وَالقِصَاصِ، فَانْ طَعَنَ فِيهِ
الْخَصْمُ سألَ عَنْهُ. وَقالا: يُسْأَلُ عَنْهُم فى جميع الحُقُوقِ سِرًا وَعَلانِيَةً،
وَعَلَيْهِ الفَتْوَى ،
قال ( وتقبل شهادتهنّ فى استهلال الصبىّ فى حقّ الصلاة دون الإرث) أما الصلاة فبالإجماع
لأنها من أمور الدين ، وأما الإرث فمذهبه . وقالا: تقبل أيضا لأن الاستهلال صوت يكون
عقيب الولادة ، وتلك حالة لا يحضرها الرجال ، فدعت الضرورة إلى قبول شهادتهنّ لما
مرّ. ولأبى حنيفة أن ذلك مما يطلع عليه الرجال لأنه يحلّ لهم سماع صوته ، فلا ضرورة
فى حقّ ثبوت النسب والإرث والمهر، وكذا لا يقبل فى الرضاع شهادة النساء منفردات ،
لأن الحرمة متى ثبتت ترتب عليها زوال ملك النكاح ، وإبطال الملك لا يثبت إلا بشهادة
الرجال ، ولأنه مما يمكن اطلاع الرجال عليه فلا ضرورة . قال ( ولا بدّ من العدالة ولفظة
الشهادة والحرية والإسلام ) أما العدالة فلقوله تعالى - وأشهدوا ذوى عدل منكم - وقال
تعالى - ممن ترضون من الشهداء - والفاسق ليس بمرضىّ ، ولأن الحاكم يحكم بقول الشاهد
وينفذه فى حقّ الغير، فيجب أن يكون قوله يغلب على ظنّ الحاكم الصدق ، ولا يكون
ذلك إلا بالعدالة ، إلا أن القاضى إذا قضى بشهادة الفاسق ينفذ عندنا . وأما لفظة الشهادة
فلقوله تعالى - واستشهدوا - فانه صريح فى طلب الشهادة فيجب عليه الإتيان بلفظها ،
ولأن الشهادة من ألفاظ اليمين على ما يأتيك إن شاء الله تعالى فى الأيمان ، فيكون الامتناع
عنها على تقدير الكذب أكثر ، ولأن القياس ينفى قول الإنسان على الغير لما فيه من إلزامه ،
إلا أنا قبلناه فى موضع ورد الشرع به ، وأنه ورد مقرونا بالشهادة . وأما الحرية فلأن
الشهادة من باب الولاية ، ولا ولاية للعبد على نفسه فكيف على غيره ؟ . وأما الإسلام فلقوله
تعالى - وأن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا - قال (ويقتصر فى المسلم على ظاهر
عدالته إلا فى الحدود والقصاص ، فان طعن فيه الخصم سأل عنه . وقالا : يسأل عنهم
فى جميع الحقوق سرّاً وعلانية ، وعليه الفتوى ) وجه قول أبى حنيفة قوله عليه الصلاة
والسلام ((المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا فى قذف)) وفى كتاب عمر (١):
المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا حقا أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا فى ولاء
(١) قوله وفى كتاب عمر ، قال الكمال بن الهمام : قال عمر فى كتابه الذى كتبه
لأنى موسى الأشعرى : المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا فى قذف أو مجرّبا
فى شهادة زور أو ظنينا فى ولاء أو قرابة اهـ. والظنين : المتهم .

- ١٤٢ -
وَلَوِ اكْتَفِى بِالسِّرْ جازَ، وَلا بُدَّ أنْ يَقُولَ المُزَكُى: هُوَ عَدْلٌ (ف) جائزٌ
الشَّهَادَةِ ،
أو قرابة ، ولأن العدالة هى الأصل لأنه ولد غير فاسق ، والفسق أمر طارئ مظنون ،
فلا يجوز ترك الأصل بالظنّ، ولا يلزم الحدود والقصاص لأنه كما أن الأصل فى الشاهد
العدالة كذلك الأصل فى المشهود عليه العدالة ، والشاهد وصفه بالزنا والقتل فتقابل الأصلان
فرجحنا بالعدالة الباطنة ، ولأن الحدود مبناها على الإسقاط فيسأل عنهم احتيالا للدرء .
ولهما أن الحاكم يجب أن يحتاط فى حكمه صيانة له عن النقض وذلك بسؤال السرّ والعلانية
( ولو اكتفى بالسرّ جاز) قال أبو بكر الرازى : لاخلاف بينهم فى الحقيقة فإن أبا حنيفة
أفتى فى زمان كانت العدالة فيه ظاهرة ، والنبىّ عليه الصلاة والسلام عدّل أهله وقال
« خير القرون قرنى ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ثم يفشو الكذب» واکتفی بتعدیل
النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفى زمنهما فشا الكذب فاحتاجا إلى السؤال ، ولو كانا فى زمنه
ماسألا ، ولو كان فى زمنهما لسأل ، فلهذا قلنا الفتوى على قولهما ، ولقد تصفحت كثيرا
من كتب أبى بكر الرازى فما رأيته رجح على قول أبى حنيفة قول غيره إلا فى هذه المسألة ،
وإنما رجح قولهما لما رأى من فساد أهل الزمان ، وقلة مبالاتهم بالأمور الدينية ، وكان
يقول : ينبغى للحاكم أن ينقب عن أحوال الشهود فى كل ستة أشهر ، لأنه قد يطرأ على
الشاهد فى هذه المدّة ما يخرجه عن أهلية الشهادة، والله أعلم. قال ( ولا بدّ أن يقول المزكى
هو عدل جائز الشهادة ) لأن العبد عدل غير جائز الشهادة ؛ وقيل يكتفى بقوله هو عدل ،
لأن الأصل هو الحرية تبعا للدار ، وإن لم يكن عدلا عنده قال الله أعلم بحاله ، وقد كانوا
يكتفون بتزكية العلانية ، ثم انضمّ إليها تزكية السرّ فى زماننا لاختلاف الزمان ، ثم قيل
يكتفى بتزكية السر تحرزا عن الفتنة . قال محمد : تزكية العلانية بلاء وفتنة ، ثم لابد
فى تزكية العلانية أن يجمع بين المزكى والشاهد لتنتفى شبهة تعديل غيره ، وتزكية السرّ أن
يبعث رقعة مختومة إلى المزكى فيها اسم الشاهد ونسبه وحليته ومصلاه ، ويردها المزكى
كذلك سرا ، وينبغى للقاضى أن يختار للمسألة عن الشهود أوثق الناس وأورعهم ديانة
وأعظمهم أمانة وأكثرهم بالناس خبرة وأعلمهم بالتمييز ، غير معروفين بين الناس لئلا
يقصدوا بسوء أو يخدعوا ، وينبغى للمزكى أن يسأل عن أحوال الشهود ويتعرّفها من
جيرانهم وأهل سوقهم ، فان ظهرت عدالتهم عنده كتب ذلك فى آخر الرقعة : هو عدل
عندى جائز الشهادة ، وإلا كتب إنه غير عدل وختم الرقعة وردّها ، فيقول القاضى
للمدعى زد فى شهودك ولا يقول جرحوا ، ويقبل فى تزكية السرّ قول الولد والوالد وكل
ذى رحم والعبد والأعمى والمحدود فى القذف لأنها أخبار ، خلافا لمحمد فانها شهادة عنده ،
بخلاف تزكية العلانية فانها شهادة بالإجماع . والشهود الكفاريعدلهم المسلمون ، فان لم يعرفهم
.

- ١٤٣ -
وَلا تُقْبَلُ تَزْكِيَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (سم)، وَتَكْفِى تَزَكِيَةُ الوَاحدِ (ف).
وَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِكُلّ مَا سَمِعَهُ أَوْ أَبْصَرَهُ مِنَ الْحُقُوقِ وَالعُقُودِ، وَإِنْ
كَمْ يُشْهَدْ عَلْهِ إِلاَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فائَّهُ لاَ يُجُوزُ أنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةٍ
◌َغْرِهِ مالَمْ يُشْهِدْهُ (ف)، وَلَا يَجُوزُ أنْ يَشْهَدَ بِمَا كَمْ يُعايِنْهُ إِلاَّ النَّسَبَ
وَالْمَوْتَ وَالدُّخُولَ وَالنِّكَاحَ ، وَوِلايَةَ القَاضِى، وأصْلَ الوَقْفِ ،
المسلمون سأل المسلمين عن عدول المشركين ، ثم يسأل أولئك عن الشهود . قال ( ولا
تقبل تزكية المدعى عليه ) ومعناه أن يقول هم عدول إلا أنهم أخطئوا أو نسوا ، أما لو قال
صدقوا أو هم عدول صدقة فقد اعترف بالحقّ فيقضى باقراره لابالبينة ، لأن البينة عند
الجحود ؛ وقيل يجوز تعديله . ووجه الظاهر أن المدعى والشهود يزعمونه كاذبا فى إنكاره
مبطلا فى جحوده فلا يصلح مزكيا . قال ( وتكفى تزكية الواحد ) وعن محمد اثنين وهو
أولى ، وكذلك المترجم ورسول القاضى إلى المزكين . لمحمد أن حكم القاضى مبنى على
العدالة وذلك بالتزكية ، فيشترط الإتيان كالشهادة ، ويشترط عنده ذكورة المزكى
فى الحدود والأربعة فى شهود الزنا لما بينا . ولهما أنها ليست فى معنى الشهادة حتى لا يشترط
فيها لفظة الشهادة ومجلس الحكم ، واشتراط العدد فى الشهادة تعبدى فلا يتعداها .
فصل
(ويجوز أن يشهد بكلّ ما سمعه أو أبصره من الحقوق والعقود وإن لم يشهد عليه ) لأنه
علم الموجب وتيقنه. قال عليه الصلاة والسلام ((إن علمت مثل الشمس فاشهد )) ويقول
أشهد بكذا لأنه علمه ولا يقول أشهدنى فانه كذب . قال ( إلا الشهادة على الشهادة فانه
لا يجوز أن يشهد على شهادة غيره ما لم يشهده ) لأن الشهادة ليست موجبة إلا بالنقل إلى
مجلس الحكم ولا يكون ذلك إلا بالتحمل ، ولو سمعه يشهد غيره على شهادته لا يسعه أن
يشهد لأنه ما حمله وتجوز شهادة المختبئ ، وهو أن يقرّ الرجل بحقّ والشهود مختبئون فى بيت
يسمعون إقراره ، فإنه يحلّ لهم الشهادة إذا كانوا يرون وجهه ويعرفونه ، وإن لم يروه
لا يحلّ لهم إلا إذا علموا أن ليس فى البيت غيره فيحلّ لهم ذلك ، وكذا إذا سمعوا صوت
امرأة من وراء حجاب . قال ( ولا يجوز له أن يشهد بما لم يعاينه إلا النسب والموت والدخول
والنكاح وولاية القاضى وأصل الوقف ) والقياس أنه لا يجوز، لأن الشهادة من المشاهدة
وهى المعاينة ولم توجد . وجه الاستحسان أن هذه الأشياء تباشر بحضور جماعة مخصوصين
وتتعلق بها أحكام مستمرّة فأقيمت الشهرة والاستفاضة مقام العيان والمشاهدة كيلا تتعطل
هذه الأحكام ، وعلى هذا الناس من الصدر الأوّل إلى يومنا هذا ، ألا ترى أنا نشهد

- ١٤٤ -
وَيُجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى المِلْكِ المُطْلَقِ فِيا سِوَى العَبْدِ وَالأُمَةِ، وَإِذَا رأى
الشَّاهِدُ خَطَّهُ لا يَشْهَدُ مالَمْ يَذْكُرِ الحَادِيثَةَ ،
أن عائشة رضى الله عنها زوج النبى صلى الله عليه وسلم و کذلك سائر زوجاته وفاطمة رضی
اللّه عنها زوجة علىّ رضى الله عنه وغير ذلك، ونشهد بنسب النبيّ صلى الله عليه وسلم
وأصحابه ، ونشهد بقضاء شريح وابن أبى ليلى وأبى يوسف ، ونشهد بموت الخلفاء الراشدين
وغيرهم ، والشهرة إنما تكون إما بالتواتر أو باخبار من يثق به ، حتى لو أخبره واحد
يثق به جاز ؛ واشترط بعضهم رجلين أو رجلا وامرأتين ؛ وقيل يكتفى فى الموت بشهادة
الواحد ، لأنه قلّ ما يحضره غير الواحد ، وإذا رأى رجلا يجلس للقضاء ويدخل عليه
الخصوم حلّ له الشهادة بولايته ؛ و کذا إذا رأى رجلا وامرأة يسكنان فى بيت واحد
ويتعاشران معاشرة الأزواج حلّ له الشهاده بالنكاح بينهما كما إذا رأى عينا فى يد رجل.
وأما الوقف فالصحيح ما ذكرنا أنه يجوز على أصله دون شرطه ، لأن الأصل هو الذى
يشتهر ، فلو لم تجز الشهادة عليه أدّى إلى استهلاك الأوقاف القديمة ، وكذلك الولاء عند
أبى يوسف كما فى النسب، قال عليه الصلاة والسلام ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) ولأنا
نشهد أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلالا مولى أبى بكر رضى الله عنه إلى
غير ذلك ، ولا يجوز عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله ، لأن الخبر لا يشتهر لأنه مبنى على
الإعتاق وذلك يكون بحضرة من لا يشتهر غالبا وصار كالعتاق والطلاق ، والمراد بالحديث
أنه مثله لايباع ولا يوهب ، وينبغى للشاهد أن يطلق الشهادة عند القاضى حتى لو فسرها
وقال إنه شهد بالتسامع لا يقبلها ، وكذلك فى الشهادة باليد لايفسرها . قال ( ويجوز أن
يشهد على الملك المطلق ) إذا رآه فى يده ( فيما سوى العبد والأمة ) لأن اليد دليل الملك وهو
المرجع فى الأسباب كالبيع والهبة والوصية والإرث وغيرها . واشترط أبو يوسف أن
يقع فى قلبه أنه له ، ويجوز أن يكون تفسيرا للأوّل ، واشترط الخصاف التصرّف مع اليد
فان اليد تتنوّع . قلنا والتصرّف أيضا يتنوّع إلى أمانة وملك، وإنما يحلّ له ذلك إذا عاين
الملك والمالك ، أو عاين الملك وحده وعرف المالك بالاشتهار بنسبه . أما إذا عاين المالك
وحده لا يحلّ له، وهذا بخلاف العبد والأمة، لأن الحرّ يستخدم كما يستخدم العبد كالأجير
الخاص ونحوه ، فلا تكون اليد دليلا حتى يعلم أنه رقيق ، فيجوز أن يشهد أنه له باليد ،
لأن الرقيق لا يكون فى يد نفسه ، وكذلك إن كانا صغيرين لا يعبران عن أنفسهما يجوز أن
يشهد ، وإن لم يعرف رقهما لأنه لايد لهما بخلاف الكبيرين . قال ( وإذا رأى الشاهد خطه
لا يشهد ما لم يذكر الحادثة ) وهكذا القاضى والراوى لأن الخط يشبه الخط فلا يحصل العلم ،
قالوا : وهذا عند أبى حنيفة ، وقيل هو إجماع ؛ وإنما الخلاف إذا وجد القاضى القضية

- ١٤٥ -
وَشَاهِدُ الزُّورِ يُشَهَّرُ وَلا يُعَزَّرُ (سم ف)، وَتُعْتَبَرُ مُوَافَقَةُ الشَّهَادَةِ الدَّعْوَى،
وَيُهْتَبَرُ اتَّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ فِى اللَّفْظِ وَالْمَعْسَى (سم)، فَلَوْ شَهِدَ أحَدُهُما بأَلْفٍ
وَالآخَرُ بِألْفَْنِ لَمْ تُقْبَلْ (سم) ،
فى ديوانه تحت ختمه ، وكذا إذا رأى الشاهد رقم شهادته عنده تحت ختمه ، وكذلك
الراوى فيجوز عندهما ، وإن لم يذكر الحادثة لوقوع الأمن من الزيادة والنقصان . أما
ما كان فى الصكّ بيد الخصم وليس عنده نسخته لا يجوز لما بينا، وعند أبى حنيفة لا يجوز
ما لم يذكر الحادثة ، قال صلى الله عليه وسلم (( إن علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع))
ولا علم مع النسيان ، وشرط حلّ الرواية عنده أن يحفظ من حين سمع إلى أن يروى ،
ولهذا قلت رواية أبى حنيفة رضى الله عنه ، وكذا إذا ذكر المجلس الذى كان فيه الحادثة
أو أخبره بها من يثق به لا يحلّ له ما لم يذكرها . قال ( وشاهد الزور يشهر ولا يعزّر )
وقالا : يوجعه ضربا ويحبسه ، لما روى أن عمر رضى الله عنه ضرب شاهد الزور أربعين
سوطا وسنحم وجهه (١)، ولأنها إضرار بالناس وليس فيها حدّ فيعزره . ولأبى حنيفة أن
الزجر يحصل بالتشهير ، والضرب وإن كان أزجر لكنه يمنع من الرجوع ، وفعل عمر
رضى الله عنه كان سياسة ولهذا بلغ الأربعين وسخم . والتشهير : أن يبعثه القاضى إلى أهله
أو سوقه أجمع ما يكونون ويقول : القاضى يقرأكم السلام ويقول : إنا وجدنا هذا شاهد
زور فاحذروه وحذروه الناس ، منقول ذلك عن شريح . وعنهما أنه يفعل ذلك مع
الضرب . قال ( وتعتبر موافقة الشهادة الدعوى ) لأن الشهادة لا تقبل إلا بعد الدعوى ،
فان لم توافقها فقد انعدمت ( ويعتبر اتفاق الشاهدين فى اللفظ والمعنى ، فلو شهد أحدهما
بألف والآخر بألفين لم تقبل ) وقالا : تقبل على الألف إذا ادّعى المدّعى ألفين لأنهما
اتفقا على الألف ، وتفرّد أحدهما بزيادة فيثبت ما اتفقا عليه ، كما إذا شهد أحدهما بألف
والآخر بألف وخمسمائة ، فانه يقضى بالألف ، كذا هذا ، وعلى هذا الطلقة والطلقتين .
ولأبى حنيفة رحمه الله أنه وجد الاختلاف لفظا، وأنه دليل الاختلاف معنى ، لأن معنى
الألف غير معنى الألفين ، وهما جملتان متغایر تان حصل علی کلّ واحدة شاهد واحد
فلا يقبل كاختلاف الجنس بخلاف ما ذكرا ، لأنهما اتفقا على الألف لفظا ومعنى ، لأنه
عطف الخمسمائة على الألف ، والعطف يقرّر المعطوف عليه ، ومثله الطلقة والطلقة والنصف
بخلاف العشرة والخمسة عشر ، لأنه ليس بعطف فهو نظير الألف والألفين والعشرون ،
والخمس والعشرون نظير الألف والألف والخمسمائة، ولو كان المدّعى ادّعى الأقل
لاتقبل الشهادة فى المسائل كلها لأنه يكذب أحد شاهديه ، ولو قال : كان حتى ألفا وخمسمائة
فقبضت خمسمائة أو أبرأته عنها قبل للتوفيق ، وإن شهدا بألف فقال أحدهما قضاه منها خمسمائة
(١) قوله وسخم وجهه : قال فى مختار الصحاح : سخم الله وجهه تسخيما: أى سوّده.
١٠ - الاختیار - ثان +

- ١٤٦ -
وَلَوْ شَهِدَاً عَلَى سَرِقَةٍ بَقَرَةٍ وَاخْتَلَفَا فِى لَوْنِهَا قُطِعَ (سم)، وَإِنِ اخْتُلْهَا
فى الأُنُوثَةِ وَالذُّكُورَةٍ كَمْ يُقْطَعْ شَهِدا بِقَتْلِ زَيْدٍ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ
وآخَرَانِ بِقَتْلِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْكُوْفَةِ رُدَّتًا، فانْ سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا وَقُضِىَ بِهَا
بَطَلَتِ الأُخْرَى .
وَلا تُقَْلُ شَهَادَة الأَعْمَى،
قضى بالألف لاتفاقهما عليها ، ولا يثبت القضاء (١) لأنها شهادة واحدة ، فلو شهد آخر
يثبت ، وينبغى للشاهد إذا علم ذلك أن لا يشهد بالألف حتى يعترف المدّعى بالقبض ليظهر
الحقّ ولا يعين على الظلم. قال ( ولو شهدا على سرقة بقرة واختلفا فى لونها قطع، وإن
اختلفا فى الأنوثة والذكورة لم يقطع ) وقالا : لا يقطع فيهما لأن المشهود به مختلف ، ولم يقم
على كل واحد شاهدان وصار كالمسألة الثانية . وله أن اشتمال البقرة على اللونين جائز ،
فيشهد كل واحد على ما رأى فى جانبه وهى حالة اشتباه لأن السرقة تكون ليلا ، والعمل
بالبينة واجب ما أمكن فتقبل ، بخلاف الذكورة والأنوثة لأنهما لايجتمعان فى بقرة فكانا
متغايرين . قال ( شهدا بقتل زيد يوم النحر بمكة ، وآخران بقتله يوم النحر بالكوفة ردّتًا )
لأن إحداهما كاذبة بيقين ولا تدرى ، وليست إحداهما أولى من الأخرى بالردّ ولا بالقبول
فيردّان ( فإن سبقت إحداهما وقضى بها بطلت الأخرى ) لأن الأولى ترجحت بالقضاء
فلا تنقض بما هو دونها .
فصل
كلّ من ردّت شهادته للرقّ أو الكفر أو للصبا ثم زالت هذه الموانع فأدّاها قبلت ،
ولو ردّت لفسق أو زوجية أو العبد لمولاه أو المولى لعبده ثم زالت فأدّاها لم تقبل . والفرق
أن الأولى ليست بشهادة لعدم الأهلية فلم يكن الردّ تكذيبا شرعا، والثانية شهادة لقيام
الأهلية فكان تكذيبا فلا تقبل أبدا ، ولو تحملها العبد لمولاه أو أحد الزوجين للآخر فأداها
بعد العتق والبينونة قبلت ، وكذلك إن تحملها وهو عبد أو كافر أو صبيّ فأداها بعد زوال
هذه العوارض قبلت لأن المعتبر حالة الأداء لما يأتى ولا مانع حالتئذ . قال ( ولا تقبل
شهادة الأعمى ) وقال زفر : تقبل فيما يجرى فيه التسامع لأنه يسمع . وقال أبو يوسف :
إن كان بصيرا وقت التحمل تقبل لوجود العلم بالنظر ، وعند الأداء يحتاج إلى القول وهو
قادر عليه ويعرفه بالنسبة كما فى الميت . ولنا أنه لا يقدر على التمييز بين الأشخاص ولا على
الإشارة ، والنسبة لتعريف الغائب دون الحاضر ولو عمى بعد الأداء قبل القضاء لا يقضى
(١) قوله ولا يثبت القضاء : المراد أنه لا يسمع قول ذلك الشاهد أنه قضاه منها خمسمائة .

- ١٤٧ -
وَلَا المَحْدُودِ (سز) فى قَدْفِ وَإِنْ تَابَ، وَلَوْ حُدَّ الكافرُ فِى قَذَفٍ ثُمَّ أَسْلَمْ
قُبُلَتْ شَهَادَتُهُ، وَلا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ لِلْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا لِلْوَالدِ وَإِنْ عَلا،
وَلا لعَبْدِهِ ، وَلا لِمُكاتبهِ، وَلَا لِلزَّوْجِ (ف) وَالزَّوْجَةِ (ف)، وَلا أَحَدِ الشَّرِيكْينِ
للآخرِ فيما هُوَ مِنْ شرِ كِيّهما، وَلَا شَهَادَةِ الأخيرِ الخاصّ، وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ
◌ُحَنَّثٍ وَلا ناِثِيَةٍ، وَلا مَّنْ يُغَسِّى للنَّاسِ، وَلا مُدْمنِ الشُّرْبِ عَلَى اللَّهْوِ،
بها عندهما ، لأن أهلية الشهادة شرط وقت القضاء ليصير حجة ، كما إذا جنّ أو فسق،
بخلاف الموت فانه منه للأهلية والغبية لاتفوت بها الأهلية ، ولا تقبل شهادة الأخرس ، لأن
الشهادة بالنطق وهو عاجز عنه . قال ( ولا المحدود فى قذف وإن تاب ) لقوله تعالى - ولا
تقبلوا لهم شهادة أبدا - ولأنه من تمام الحدّ لأنه مانع فيبقى بعد التوبة . أما المحدود فى غير
القذف فالردّ ليس من الحدّ وإنما هو للفسق، وقد ارتفع بالتوبة والاستثناء فى الآية منقطع
أو هو مصروف إلى الأقرب وهو الفسق ( ولو حدّ الكافر فى قذف ثم أسلم قبلت شهادته)
لأن بالإسلام حدثت له شهادة أخرى غير التى كانت قبله ، فلا يكون الحدّ فى إسقاط
الأولى إسقاطا فى الثانية ، لأنها لم تكن موجودة . قال ( ولا تقبل الشهادة للولد وإن سفل ،
ولا للوالد وإن علا) لقوله عليه الصلاة والسلام (( ولا تجوز شهادة الوالد لولده ، ولا الولد
لوالده ، ولا المرأة لزوجها ، ولا الزوج لامرأته ، ولا العبد لسيده ، ولا السيد لعبده،
ولا الشريك لشريكه ، ولا الأجير لمن استأجره)) روى ذلك بأحاديث مختلفة بهذه الألفاظ
ولأن المنافع بينهم متصلة حتى لا يجوز دفع الزكاة إليهم فيكون شهادة لنفسه من وجوه
ومحرمية الرضاع لا تمنع قبول الشهادة لأنه لاجزئية بينهما فانتفت التهمة ، وتقبل شهادة
القرابات كالأخ والعم والخال وما سوى قرابة الولاد لعدم ما ذكرنا . قال ( ولا لعبده )
لما روينا ، ولأن العبد لا يملك فتقع الشهادة لنفسه ( ولا لمكاتبه ) لأن أ کسابه له من وجه
والعبد المديون كالمكاتب . قال ( ولا للزوج والزوجة ) لما روينا ، ولأن المنافع بينهما
متصلة عادة فتقع لنفسه من وجه ( ولا أحد الشريكين للآخر فيما هو من شركتهما ) لما
روينا ولأنها تقع لنفسه (ولا شهادة الأجير الخاصّ ) لما روينا، ولأنه يستحقّ الأجرة
فى مدّة أداء الشهادة ، فصار كالمستأجر لأداء الشهادة . قال ( ولا تقبل شهادة مخنث ولا
نائحة، ولا من يغنى للناس ) لأن ذلك فسق (( لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صوتين
أحمقين: النائحة، والمغنية)) والمراد المخنث الذى يفعل الأفعال الرديئة ، وأنه معصية .
قال عليه الصلاة والسلام ((لعن الله المؤنثات من الرجال، والمذكرات من النساء))
أما اللين فى الكلام خلقة فتقبل شهادته . قال ( ولا مدمن الشرب على اللهو ) لأنه محرّم .
قال محمد : من شرب النبيذ متأوّلا قبلت شهادته ما لم يسكر أو يكن على اللهو .

- ١٤٨ -
وَلَا مَنْ يَلْعَبُ بِالطَّيُورِ، وَلَامَنْ يَفْعَلُ كَبِيرَةٌ تُوجبُ الحَدَّ، وَلا مَنْ يأْكُل
الرّبَا، وَلا مَنْ يُقَامرُ بالشَّطْرَنْجِ وَلا مَنْ يَدْخُلُ الحَمَّامَ بَغْرِ إِزَارٍ، وَلَا مِنْ
يَفْعَلُ الأَفْعالَ الْمُسْتَخَفَّةَ كالْبَوْلِ وَالأَكْلِ عَلَى الطَّرِيقِ، وَلَا مَنْ يُظْهرُ
سَبَّ السَّلَفِ، وَلا شَهَادَةَ العَدُّوّ إنْ كانَتِ العَدَاوَةُ بِسَبَبِ الدُّنْيَا، وَتُقْبَلُ
إنْ كانّتْ بسببِ الدِّينِ ،
( ولامن يلعب بالطيور ) لأنه يوجب غفلة ويطلع على العورات بالطلوع على السطوحات .
قال ( ولامن يفعل كبيرة توجب الحدّ ) لفسقه (ولا من يأكل الربا) لأنه حرام ، وشرط
بعضهم الإدمان عليه لأنه قلّ ما يخلو عن العقد الفاسد ( ولا من يقامر بالشطرنج ) لأنه
حرام . أما نفس اللعب لايسقط العدالة لمكان الاجتهاد إلا أن تفوته الصلاة أو يحلف عليه
كلبا . قال ( ولا من يدخل الحمام بغير إزار ) لفسقه بابداء عورته ( ولا من يفعل شيئا
من الأفعال المستخفة كالبول والأكل على الطريق ) لأنه يسقط المروءة فلا يتحاشى عن
الكذب ، وكذا من يمشى فى السوق بالسراويل وحده ، وكذلك المناهدة مع الابن فى السفر.
قال ( ولا من يظهر سبّ السلف ) لفسقه بخلاف من يكتمه ، ولا الشتام للناس والجيران .
قال أبو يوسف : لا أجيز شهادة من شتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك
فعل الأسقاط وأوضاع الناس ، وأقبل شهادة الذين تبرّعوا منهم لأنه يفعل ذلك تدينا وإن
كان باطلا ( ولا شهادة العدوّ إن كانت العداوة بسبب الدنيا ) لأنه لا يؤمن عليه الكذب
( وتقبل إن كانت بسبب الدين ) لأنه لا يكذب لدينه كأهل الأهواء ، ولا تقبل شهادة تارك
الجمع والجماعات مجانة ، واشترط بعضهم لذلك ترك الجمعة ثلاث مرات ، وقال الخصاف
مرة . وإن تركها لعذر مرض أو بعد من المصر أو بتأويل بأن كان يفسق الإمام لاترد
شهادته ولا تقبل شهادة من يجلس مجالس الفجور . قال محمد : العدل الذى لم يظهر ريبة .
قال محمد : موسر أخر الزكاة والحجّ إن كان صالحا قبلت شهادته لأنهما لاوقت لهما ،
وما كان له وقت كالصوم والصلاة تردّ شهادته بالتأخير . وقال أبو يوسف : أقبل شهادة
الشاعر ما لم يقذف فى شعره المحصنات ، وقال العدل : هو الذى غلبت حسناته على سيئاته،
ولا يمكن اشتراط السلامة عن كلّ مأثم ، قال الله تعالى - ولو يؤخذ اللّه الناس بما كسبوا
ما ترك على ظهرها من دابة - وهذا يدلّ على أن العبد قلّ ما يسلم عن ذلك ولا تقبل شهادة
النخاسين والدلالين لأنهم يكذبون ، وتقبل شهادة أهل جميع الصنائع كلها إذا كانوا عدولا
إلا إذا كان يجرى بينهم الحلف والأيمان الفاجرة . ومن يجن ويفيق فشهادته جائزة حال
إفاقته ، وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية وهم قوم من الرافضة يستجيزون الشهادة
لكل من يحلف عندهم ، لأنهم يرون حرمة الكذب ، وقيل يرون الشهادة لشيعتهم واجبة ،

- ١٤٩ -
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أهْلِ الدُّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ المسْتَأْمَنِ
عَلَى الذّمِّىّ، وَتُقْبَلُ (ف) شَهادَةُ الذَّمِّىَّ عَلَيْهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَقْلَفِ والخَصِىّ
والحُنْسَى وَوَلَدِ الزّنا، وَالْمُعْتَبَرُ حالُ الشَّاهِدِ وَقْتَ الأَدَاءِ لا وَقْتَ التَّحَمَّلِ.
وَإِذَا كانَتِ الحَسَّنَاتُ أكَْثْرَ مِنَ السَّيِّئَاتِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةِ .
ولا تقبل شهادة المجسمة لأنهم كفرة ، ومن لايكفر من أهل الأهواء تقبل شهادتهم .
ألا يرى أن الصحابة رضى الله عنهم اختلفوا واقتتلوا ، وشهادة بعضهم على بعض كانت
مقبولة ، وليس ما بين أهل الأهواء من الاختلاف أكثر ما كان بينهم من القتال ، بخلاف
الفاسق عملا لأنه ارتکب محظور دینه فیر تکب الكذب ، وهذا يعتقد ما يفعله حقا یدین به
اللّه تعالى فيمتنع عن الكذب . قال ( وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ) لأن
الشهادة من باب الولاية ، وهم أهل الولاية بعضهم على بعض ، ولهذا قلنا لا تقبل شهادتهم
على المسلم لعدم ولايتهم عليه وفسقه من حيث الاعتقاد فلا يمنع قبول الشهادة لأنه يجتنب
محرم دينه ، والكذب محرّم فى جميع الأديان . وعن يحيى بن أكثم قال : اجتمعت أقاويل
السلف على قبول شهادة النصارى بعضهم على بعض ، فلم أجد أحدا ردّ شهادتهم غير
ربيعة بن عبد الرحمن ، فإنى وجدت عنه روايتين ، والنبى صلى الله عليه وسلم رجم
يهوديين بشهادة اليهود ؛ ومللهم وإن اختلفت فهم متفقون فى الكفر بالله تعالى وتكذيب
النبيّ صلى الله عليه وسلم ويجمعهم دار واحدة ، بخلاف عدم قبول شهادة الروم على الهند
وبالعكس لانقطاع الولاية باختلاف الدارين وبخلاف المرتدّ لأنه لاولاية له على أحد ( ولا
تقبل شهادة المستأمن على الذمى ) لعدم الولاية ( وتقبل شهادة الذمى عليه ) لأن ولايته ثابتة
فى دارنا على نفسه وأولاده الصغار فتكون ثابتة فى جنسه . قال (وتقبل شهادة الأقلف )
لأن ترك السنة لا يوجب الفسق إلا إذا تركه رغبة عن السنة ، ولو تركه بعد ما كبر لا يفسق
لأنه تركه صيانة لمهجته (١) لارغبة عن السنة . قال ( والخصىّ ) لأنه قطع عضو منه فصار
كغيره من الأعضاء ، وعمر رضى الله عنه قبل شهادة علقمة الخصىّ. قال ( والخنى)
لأنه إما رجل أو امرأة . قال ( وولد الزنا) لأن فسق الأبوين لا يوجب فسقه ككفرهما
وإسلامه ، إذ الكلام فى العدل . قال ( والمعتبر حال الشاهد وقت الأداء لاوقت التحمل )
لأن العمل بها والإلزام حالة الأداء فتعتبر الأهلية والولاية عنده . قال ( وإذا كانت الحسنات
أكثر من السيئات قبلت الشهادة ) لما مرّ ، ولا بدّ من اجتناب الكبائر أجمع غير مصرّ
على الصغائر ، ويكون صلاته أكثر من فساده ، معتاد الصدق ، مجتنبا الكذب ، يخاف
(١) قوله لمهجته : أى لإبقاء روحه .

- ١٥٠ -
فصل
◌َجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيما لا يَسْقُطُ (ف) بالشُّنْهَةِ،
هتك الستر ، صحيح المعاملة ، فى الدينار والدرهم ، مؤديا للأمانة ، قليل اللهو والهذيان .
قال عمر رضى الله عنه: لايغرنكم طنطنة الرجل فى صلاته ، وانظروا إلى حاله عند
درهمه وديناره . أما الإلمام بمعصيته لا يمنع قبول الشهادة ، لما فى اعتبار ذلك من سدّ
باب الشهادة :
فصل
اعلم أن الجرح مقدّم على التعديل ، لأن الجارح اعتمد دليلا وهو العيان لارتكابه
محظور دينه ، والمعدل شهد بالظاهر ولم يعتمد على دليل ، ولو عدّله واحد و جرحه آخر
فالجرح أولى ، فان عدّله آخر فالتعديل أولى لأنه حجة كاملة ، ولو عدّله جماعة وجرحه
اثنان فالجرح أولى لاستوائهما فى الثبوت ، لأن زيادة العدد لاتوجب الترجيح ، ولا يسمع
القاضى الشهادة على الجرح قصدا ولا يحكم بها لأن الحكم للإلزام وأنه يرتفع بالتوبة ، ولأن
فيه هتكه والستر واجب ، ولو شهدوا على إقرار المدّعى بذلك سمعها ، لأن الإقرار يدخل
تحت الحكم ، ويظهر أثره فى حقّ المدّعى، ولو أقام المدّعى عليه بينة أن المدّعى استأجر
الشهود لأداء الشهادة لا تقبل ، لأنها على الجرح خاصة ، إذ لاخصم فى إثبات الإجارة حتى
لو قال استأجرهم بدراهم ودفعها إليهم من مالى الذى فى يده قبلت لأنه خصم ، ثم يثبت
الجرح بناء عليه ، وكذلك لو قال : صالحتهم على مال دفعته إليهم لئلا يشهدوا بهذا الباطل
وطالبهم بردّ ذلك المال وأقام البينة على ذلك لما قلنا، ولو قال ؛ لم أسلم المال إليهم
لم تقبل ، ولو أقام البينة أن الشاهد عبد أو محدود فیقذف أو شاربخمر أوسارق. أو شريك
المدعى أو أجيره ونحو ذلك قبلت ، لأن ذلك مما يدخل تحت الحكم لأنه يتضمن حقّ الشرع
وهو الحدود أو حقّ العبد . قال الخصاف: وأسباب الجرح كثيرة : منها الركوب
فی البحر ، والتجارة إلى أرض الكفار ، وفی قری فارس وأشباهه ، لأنه خاطر بدينه و نفسه
حيث سكن دار الحرب وكثر سوادهم لينال بذلك مالا فلا يؤمن أن يكذب بأخذ المال
وقرى فارس يطعمونهم الربا وهم لا يعلمون .
فصل
( تجوز الشهادة على الشهادة فيما لا يسقط بالشبهة ) والأصل فى جوازها إجماع الأمة على

- ١٥١ -
وَلاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى شَهَادَةٍ وَاحِدٍ، وَيُجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَسْنِ عَلَى شَهَادَةِ
رَجُلَيْنِ. وَصفَةُ الإِشْهَادِ أنْ يَقُولَ الأَصْلُ: أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَ تِى أَنِى أَشْهَدُ
أنَّ فُلانا أقَرَّ عِنْدِى بِكَذَاً، وَيَقُولُ الفَرْعُ عِنْدَ الأدَاءِ: أَشْهَدُ أنَّ فُلانا
أَشْهَدَ نِىِ على شَهَادَتِهِ أنَّ فُلانا أقَرَّ عِنْدَهُ بِكَذَا، وَقَالَ لى: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَ تِى
بذلكَ ،
ذلك واحتياج الناس إلى إحياء الحقوق بذلك لأنه قد يعجز عن الأداء لمرض أو موت
أو سفر ، فاولا ذلك لبطل حقوق الناس ، وتجوز الشهادة على الشهادة وإن بعد للحاجة على
ما بينا . وعن علىّ رضى الله عنه أنه تقبل فى الشهادة على الشهادة شهادة رجلين ، أو رجل
وامرأتين، ولأنه نقل خبر يثبت به حقّ المدّعى فيجوز كالشهادة على الإقرار ، وإنما
لم تجز فى الحدود والقصاص لأن مبناهما على الإسقاط والدرء، وفى ذلك احتيال للثبوت
ولأن فيها شبهة لزيادة احتمال الكذب أو البدلية ، والحدود تسقط بالشبهات ، وتقبل على
استيفاء الحدود لأن الاستيفاء لا يسقط بالشبهة ، وما يوجب التعزير عن أبى حنيفة أنه لا يقبل
كسائر العقوبات ، وعن أبى يوسف أنه يقبل ، لأن التعزير لا يسقط بالشبهة ، لما روى
((أن النبيّ صلى الله عليه وسلم حبس رجلا بالتهمة)) والحبس تعزير. قال ( ولا تجوز
شهادة واحد على شهادة واحد ) لأنه حقّ فلا بدّ من النصاب. وعن علىّ رضى الله عنه :
لاتجوز على شهادة رجل إلا شهادة رجلين . قال ( ويجوز شهادة رجلين على شهادة رجلين )
لما روينا من حديث علىّ رضى الله عنه أوّلا، ولأن شهادة كملّ أصل حقّ فصار كما إذا
شهدا بحقين (وصفة الإشهاد أن يقول الأصل : أشهد على شهادتى أنى أشهد. أن فلانا أقرَّ
عندى بكذا ) لأن الفرع ينقل شهادة الأصل ، فلا بدّ من التحميل لما بينا ، فيشهد كما
يشهد عند القاضى لينقلها إليه . قال ( ويقول الفرع عند الأداء : أشهد أن فلانا أشهدنى على
شهادته أن فلانا أقرّ عنده بكذا ، وقال لی اشهد على شهادتی بذلك ) لأنه لابدّ من ذکر
شهادته وذكر شهادة الأصل والتحميل وذلك بما ذكرنا ، وذكر الخصاف أنه يحتاج إلى أن
یأتی بلفظ الشهادة ثمان مرات ، وهو أن يقول : أشهد أن فلانا أشهدنی علی شهادته وهو
يشهد أن فلانا أقرّ عنده بكذا وأشهده على إقراره ، وقال لى : اشهد على شهادتى وأنا أشهد
بذلك . ومن أصحابنا من اكتفى بخمس وهو ما ذكرنا أوّلا . ومنهم من قال أربع وهو أن
يقول : أشهد أن فلانا أشهدنى ، وقال لى : اشهد على شهادتى . ومنهم من قال ثلاث
مرّات ، وهو أقلّ ما قيل فيه وهو أن يقول: أشهد أن فلانا قال لى : أسهد على شهادتى ،
أو أشهد أن فلانا أشهدنى على شهادتى . والأحسن ما ذكر فى الكتاب ، والأحوط ما ذكره
الخصاف ، لأن فيه تحرّزا عن اختلاف كثير بين العلماء يصغر كتابنا عن استيعابه .

- ١٥٢ -
وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الفُرُوعِ إِلاَّ إِذَا تَعَذَّرَ حُضُورُ الْأُصُولِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ،
فإنْ عَدَّ لَهُمْ شُهُودُ الفَرْعِ جازَ، وَإِنْ سَكَنُوا عَنْهُمْ جازَ، وَإذَا أَنْكَرَ شُهُودُ
الأصْلِ الشَّهَادَةَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الفُرُوعِ، وَالتَّعْرِيفُ بِمُّ بِذِكْرِ الجَدّ أو
الفخذ ،
۔
قال ( ولا تقبل شهادة الفروع إلا إذا تعذّر حضور الأصول مجلس الحكم) وقال أبو يوسف
تقبل لأنهم بمنزلة المرأتين مع الرجل الثانى نظرا إلى قوله تعالى - فان لم يكونا رجلين فرجل
وامرأتان - وأجمعنا على جواز شهادة المرأتين مع وجود الرجل الثانى فكذلك هذا . وجه الظاهر
أن الأصل عدم الجواز ، وإنما جوّزناها لما ذكرنا من الحاجة ، ولا حاجة مع حضرة
الأصول ، ولأن الفروع أبدال ، ولا حكم للبدل مع وجود الأصل كما فى النظائر ،
وشهادة المرأتين ليست بدلية لأن الآية خطاب للحكام ، كأنه قال لهم فاطلبوا شهيدين من
رجالكم ، فان لم يكن وجاء رجل وامرأتان ترضونهم فاقبلوا شهادتهم . والعذر موت أو
مرض أو سفر ، لأن الحاجة عند تعذّر شهادة الأصول وذلك فيما ذكرنا . أما الموت فظاهر
وأما المرض فالمراد به مرض لا يستطيع معه حضور مجلس القضاء . وأما السفر فمقدر بمدة
السفر ، لأن بعد المسافة عذر ، والشرع قد اعتبر ذلك المدة حتى رتب عليها كثيرا من
الأحكام . وقال أبو يوسف: إن أمكنه أن يحضر مجلس القضاء ويعود إ، أهله فى يومه.
فليس بعذر ، وإن لم يمكنه ذلك فهو عذر، لأن البيتوتة ، فى غير أهله مشقة . قال أبو الليث:
وبه نأخذ . قال ( فإن عدلهم شهود الفرع جاز ) لأنهم من أهل التزكية ، ومثله لو شهد
اثنان فزكى أحدهما الآخر جاز، ولا يكون ذلك تهمة فى حقه حيث أنه سبب قبول قوله
فان العدل لايتهم بمثله . ألا ترى أنه لايتهم فى إقامة شهادته ؟ ( وإن سكتوا عنهم جاز )
ويسأل القاضى عنهم عند أبى يوسف ، لأن الواجب عليهم النقل دون التعديل ، فاذا نقلوها
يتعرّف القاضى العدالة من غيرهم. وقال محمد : لا تقبل ، لأن الشهادة تعتمد العدالة
فاذا سكتوا صاروا شاكين فيما شهدوا به فلا تقبل. قال ( وإذا أنكر شهود الأصل الشهادة
لم تقبل شهادة الفروع ) لأن من شرطها التحميل وقد وقع التعارض فيه فلا يثبت بالشك ؛
ولو ارتدّا شاهدا الأصل ثم أسلما ، لم تقبل شهادة الفروع ، لأن بالردّة بطل الإشهاد ؛
ولو ردّت شهادة الفروع لتهمة فى الأصول ، ثم تاب الأصول لم تقبل شهادة الأصول
ولا الفروع ، لأن الفروع نقلوا شهادة الأصول ، فالمردود شهادة الأصول ؛ ويجوز شهادة
الابن على شهادة الأب ، لأنه لامنفعة لابنه فى ذلك . قال ( والتعريف يتمّ بذكر الجد أو
الفخذ ) لأن التعريف لابدّ منه ولا يحصل إلا بما ذكرنا ، لأن النسبة إلى القبيلة كبنى تميم
لا يحصل به التعريف لأنهم لا يحصون فلا بدّ من التعريف بالفخذ وهى القبيلة الخاصة ،

- ١٥٣ -
وَالنِّسْبَةُ إلى المِصْرِ وَالمَحِلَّةِ الكَبِيرَةِ عامَّةٌ ، وَإلى السِكَةِ الصَّغِيرَةِ خاصَّةٌ .
باب الرجوع عن الشهادة
وَلَا يَصِحُّ إلَّ فى مُجْلِسِ الْحُكْمِ، فانْ رَجَعُوا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا سَقَطَتْ،
وَبَعْدَهُلَمْ يُفْسَخِ الحُكْمُ، وَضَمِنُوا مَا أَتْلَفُوهُ بِشَهَادَ تْهِمْ، فَانْ شَهِدَا بِمَالٍ
فَقُضِىَ بِهِ، وأخَذَهُ المُدَّعِىُثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَاهُ لِلْمَشْهُودِ عَنَّيْهِ،
وكذا ذكر الأب ، لأن كثيرا ما يقع الاشتراك فى اسم الإنسان واسم أبيه . أما الاشتراك مع
ذلك فى اسم الجد فنادر فحصل به التعريف ( والنسبة إلى المصر والمحلة الكبيرة عامة ) لأنهم
لا يحصون ( وإلى السكة الصغيرة خاصة ) .
باب الرجوع عن الشهادة
الأصل فيه قول عمر رضى الله عنه فى كتاب القاضى : فلا يمنعك قضاء قضيته وراجعت.
فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع فيه إلى الحقّ ، فان الحقّ قديم لا يبطل، والرجوع
إلى الحقّ خير من التمادى فى الباطل، فكذلك الشاهد لأن المعنى يجمعهما، لأن الرجون
عن الشهادة الباطلة رجوع من الباطل إلى الحقّ ، والرجوع قوله شهدت بزور وما أشبهه ،
وأصل آخر أن الشاهد بشهادته تسبب إلى إتلاف المال على المشهود عليه باخراجه من ملكه
يدا وتصرّفا ، فان أزاله بغير عوض ضمن الجميع ، وإن كان بعوض إن كان مثلا له
لاضمان عليه ، وإن كان أقلّ منه ضمن النقصان ، والقاضى ملجأ إلى القضاء من جهة
الشهود فلايضاف الإتلاف إليه . قال (ولا يصحّ إلا فى مجلس الحكم ) لأنه يحتاج فيه إلى
حكم الحاكم بمقتضى الرجوع ، فلا بد من مجلس القاضى كما فى الشهادة ، ولأنه توبة
والشهادة جناية ، فيشترط استواؤها فى الجهر والإخفاء ؛ ولو أقام المشهود عليه البينة أنهما
رجعا لم تقبل ولا يحلفان ، فان قال رجعت عند قاض آخر كان هذا رجوعا مبتدأ عند
القاضى . قال ( فان رجعوا قبل الحكم بها سقطت ) لأن الحقّ لا يثبت إلا بالقضاء والقضاء
بالشهادة وقد تناقضت . قال ( وبعده لم يفسخ الحكم ) لأن الشهادة والرجوع عنها سواء
فى احتمال الصدق والكذب، إلا أن الأوّل ترجح بالقضاء فلا ينقض بالثانى. قال ( وضمنوا
ما أتلفوه بشهادتهم ) لإقرار هما بسبب الضمان على ما بيناه ، فلو شهد أنه قضاه دينه أو أبرأه
منه فقضى به ثم رجعا ضمنا لما مرّ. قال ( فان شهدا بمال فقضى به وأخذه المدعى ثم رجعا
ضمناه للمشهود عليه ) لوجود التسبب على وجه التعدّى ، وأنه موجب للضمان كحافر
البئر، ولا وجه إلى تضمين المدّعى لأن الحكم ماض ، ولا يضمن القاضى لما بينا ،

- ١٥٤ -
فانْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا ضَمِنَ النَّصْفَ، وَالعِبْرَةُ فِى الرَّجُوعِ لِمَنْ بَقى لا لِمَنْ رَجَعَ،
فَلَوْ كَانُوا ثَلاثَةَ فَرَجَعَ وَاحِدٌ لاشَىْءَ عَلَيْهِ، فانْ رَجَعَ آخَرُ ضَمِنا النَّصْفَ ،
وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌّ وَامْرَ أْتانٍ فَرَجَعَتْ وَاحِدَةٌ فَعَدَيَهْنَا رُبُعُ المَالِ، وَإِنْ رَجَعَتَا
ضَمِنَتَا نِصْفَهُ، وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌّ وَعَشْرُ نِسْوَةٍ ثُمَّ رَجَعُوا فَعَلَى الرَّجُلِ السُّدُسُ
وَعِلْهِنَّ ◌َمْسَةُ أسْدَاسِهِ (سم)، وَلَوْ شَهِدَ رَجُلانِ وَامْرَأَةٌ مُثُمَّ رَجَعُوا فالضَّانُ
عَلَى الرَّجُلَيْنِ خاصَّةً. شَهِدَا بِنكاحٍ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ المِثْلِ ثُمَّ رَجَعَا لاضَانَ
عَلْهِما، وَإنْ كانَ بِأَكْتَثْرَ مِنْ مَهْرِ المِثْلَ ضَمِنِا الزّيادَةَ لِلزَّوْجِ، وفى الطَّلَاقِ
إِنْ كانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ضَمِنا نِصْفَ (ف) المَهْرِ وَإنْ كانَ بَعْدَهُ لَمْ يَضْمَنَا(ف)
ولأن فى تضمينه منع الناس عن تقلد القضاء خوفا من الضمان ، ولو شهدا بعين ثم رجعا ضمنا
قيمتها أقبضها المشهود له ، أو لم يقبضها لأنه ملكها بمجرّد القضاء ، والدين لا يملكه إلا
بالقبض . قال ( فان رجع أحدهما ضمن النصف والعبرة فى الرجوع لمن بقى لالمن رجع )
ألا يرى أنه إذا بقى من يقوم به الحقّ لااعتبار برجوع من رجع ، وقد بقى هنا من يقوم
بشهادته نصف الحقّ، فيضمن الراجع النصف لأنه أتلفه ( فلو كانوا ثلاثة فرجع واحد
لاشىء عليه) لبقاء من يبقى بشهادته جميع الحقّ ( فان رجع آخر ضمنا النصف ) لما مر .
قال ( وإن شهد رجل وامر أتان فرجعت واحدة فعليها ربع المال ، وإن رجعتا ضمنتا نصفه،
ولو شهد رجل وعشر نسوة ثم رجعوا ، فعلى الرجل السدس وعليهنَّ خمسة أسداسه )
وقالا : عليه النصف وعليهنّ النصف، لأن النساء وإن كثرن فهنّ مقام رجل واحد ،
لأنه لا يثبت بهنّ إلا نصف الحق". ولأبى حنيفة رضى الله عنه: أن كل امرأتين مقام رجل
قال صلى الله عليه وسلم (( عدلت شهادة كل اثنتين بشهادة رجل واحد)) فصار كشهادة
ستة من الرجال ، ولو رجع النساء كلهنّ فعليهن النصف لماقلنا ، ولو رجع ثمان لاشىء
عليهنّ ، ولو رجعت أخرى فعلى الراجعات الربع لما مرّ ، ولو رجع الرجل وثمان نسوة
فعلى الرجل نصف الحقّ ولا شىء على الراجعات لأنه بقى منهنّ من يقوم به نصف الحقّ
( ولو شهد رجلان وامرأة ثم رجعوا فالضمان على الرجلين خاصة ) لأن الحقّ ثبت بهما
دونهما . قال ( شهدا بنكاح بأقلّ من مهر المثل ثم رجعاً لاضمان عليهما ) لأن المنافع غير
متقوّمة إلا بالتمليك بالعقد ، والضمان يستدعى المماثلة ، وإنما يتقوّم بالتمليك إظهارا الخطر
المحلّ (وإن كان بأكثر من مهر المثل ضمنا الزيادة للزوج) لأنهما أتلفاها بغير عوض .
قال ( وفى الطلاق إن كان قبل الدخول ضمنا نصف المهر ) لأنهما أكدا ما كان على
شرف السقوط ( وإن كان بعده لم يضمنا ) لأن المهر تأكد بالدخول فلم تلفا شيئا .
شهدا بالطلاق وآخران أنه دخل بها ثم رجعوا ضمن شهود الدخول ثلاثة أرباع المهر وشهود

- ١٥٥ -
وَإِذَا رَجَعَ شُهُودُ القِصَاصِ ضَمِنُوا الدِّيّةَ، وَإِذَا رَجَعَ شُهُودُ الفَرْعِ ضَمِنُوا ،
وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْأصْلِ وَقَالُوا: لَمْ نُشْهِدْ شُهُودَ الفَرْعِ لَمْ يَضْمَنُوا، وَلا
ضَانَ عَلَى شُهُودِ الإِحْصَانِ، وَإنْ رَجَعَ شُهُودُ اليَمِينِ، وَشُهُودُ الشَّرْطِ
فَالضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ اليَمَينِ وَإذَا رَجَعَ الْمُزَكُونَ ضَمِنُوا.
الطلاق ربعه ، لأن الفريقين اتفقا على النصف ، فيكون على كلّ فريق ربعه ، وانفرد
شهود الدخول بالنصف فينفردون بضمانه ، وفى الشهادة بالعتق يضمنان القيمة لأنهما أتلفا
مالية العبد من غير عوض والولاء له ، لأن العتق لم يتحوّل إليهما فلا يتحوّل الولاء ، ولو
شهدا بالبيع ثم رجعا ضمنا القيمة لا الثمن ، لأنهما أتلفا المبيع لا الثمن ؛ ولو شهدا ببيع عبد
ثم رجعا بعد القضاء وقيمة العبد أكثر من الثمن ضمنا الفضل ، ولو شهدا بالتدبير ثم رجعا
ضمنا ما نقصه التدبير . قال ( وإذا رجع شهود القصاص ضمنوا الدية ) ولا قصاص عليهم
لأنه لم يوجد القتل مباشرة ، والتسبيب لايوجب القصاص كحافر البئر ، بخلاف الإكراه
لأن المكره فيه مضطرّ إلى ذلك فانه يؤثر حياته ، ولا كذلك الولىّ فانه مختار والاختيار
يقطع التسبيب ، وإذا امتنع القصاص وجبت الدية ، لأن القتل بغير حقّ لا يخلو عن أحد
الموجبين ، ولو شهدا بالعفو عن القصاص ثم رجعا لم يضمنا ، لأن القصاص ليس بمال .
قال ( وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا ) لأن التلف أضيف إليهم فانهم الذين ألجئوا القاضى
إلى الحكم (وإن رجع شهود الأصل وقالوا: لم نشهد شهود الفرع لم يضمنوا) لأنهم أنكروا
التسبيب وهو الإشهاد ، والقضاء ماض لأنه خبر محتمل ؛ ولو قالوا : أشهدناهم وغلطنا
فلا ضمان عليهم . وقال محمد : يضمنون لأن الفروع نقلوا شهادتهم فصاروا كأنهم حضروا .
ولهما أن القضاء وقع بما عاينه من الحجة وهى شهادة الفروع فيضاف إليهم ، ولو رجع
الأصول والفروع جميعا فالضمان على الفروع عندهما لما بينا . وعند محمد إن شاء ضمن
الأصول لما مرّ ، وإن شاء ضمن الفروع لما مرّ لهما ، والجهتان متغايرتان فلا يجمع
بينهما . قال ( ولا ضمان على شهود الإحصان ) لأن الإحصان شرط محض ، والحكم يضاف
إلى العلة لا إلى الشرط . قال ( وإن رجع شهود اليمين وشهود الشرط فالضمان على شهود اليمين )
لأن السبب هو اليمين ، والتلف مضاف إلى من أثبت السبب دون الشرط ، فان القاضى
يقضى بشهادة شهود اليمين دون شهود الشرط . وصورة المسئلة : شهد شاهدان أنه علق عتق
عبده أو طلاق امرأته بدخول الدار ، وشهد شاهدان بالدخول والطلاق قبل الدخول تجب
قيمه العبد ونصف المهر على شهود التعليق لأنه السبب . قال (وإذا رجع المزكون ضمنوا )
وقالا : لايضمنون لأنهم أثنوا على الشهود خيرا فصاروا كشهود الإحصان . وله أن القاضى

نـ ١٥٦ -
كتاب الوكالة
وَلا تَصِحُّ حَّى يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرِفُ وَتَلْزَمُهُ الأحكامُ،
وَالْوَكِيلُ مِمَّنْ يَعْقِلُ العَقْدَ وَيَقْصِدُهُ، وَكُلُّ عَقْدٍ جازَ أنْ يَعْقِدَهُ بِنَفْسِهِ
جازَ أنْ يُوَكِّلَ بِهِ،
إنما يعمل بالشهادة بالتزكية ، فهى علة العلة فيضاف الحكم إليها ، بخلاف شهود الإحصان
لأنه شرط محض ، والله أعلم بالصواب .
كتاب الوكالة
وهى عبارة عن التفويض والاعتماد ، قال تعالی ۔ ومن يتوكل على الله فهو حسبه - أى
من اعتمد عليه وفوّض أمره إليه كفاه ، ورجل وكل إذا كان قليل البطش ضعيف الحركة
يكل أمره إلى غيره فيما ينبغى أن يباشره بنفسه ؛ وقيل الوكالة فى اللغة : الحفظ ، قال
تعالى - حسبنا الله ونعم الوكيل - أى نعم الحافظ . وقال أصحابنا : إذا قال وكلتك فى كذا
فهو وكيل فى حفظه بقضية اللفظ ، ولا يثبت ما زاد عليه إلا بلفظ آخر ، وأنه قريب من
الأوّل ، فان من اعتمد على إنسان فى شىء وفوّض فيه أمره إليه كان آمرا بحفظه ، لأنه إنما.
فعل ذلك لينظر ما هو الأصلح له ، وأصلح الأشياء حفظ الأصل ، لأن التصرّفات تبتنى
عليه ، وهذه المعانى موجودة فى الوكالة الشرعية ، فان الموكل فوّض أمره إلى الوكيل واعتمد
عليه ووثق برأيه ليتعرّف له التصرّف الأحسن ، وكل ذلك يبتنى على الحفظ وهو مشروع
بالكتاب ، وهو قوله تعالى - فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة - وبالسنة ، وهو
ماصحّ أنه صلى الله عليه وسلم وكل بالشراء عروة البارقى ، وفى رواية أخرى : حكم
ابن حزام ، ووكل فى النكاح أيضا عمرو بن أمية الضمرى ، وعليه تعامل الناس من لدن
١٠
الصدر الأوّل إلى يومنا من غير نكير ، ولأن الإنسان قد يعجز عن مباشرة بعض الأفعال
بنفسه فيحتاج إلى التوكيل ، فوجب أن يشرع دفعا للحاجة .
قال ( ولا تصحّ حتى يكون الموكل ممن يملك التصرّف وتلزمه الأحكام ، والوكيل ممن
يعقل العقد ويقصده ) لأن التوكيل استنابة وستعانة ، والوكيل يملك التصرّف بتمليك
الموكل ، وتلزمه الأحكام ، فوجب أن يكون الموكل مالكا لذلك ليصحّ تمليكه ، والوكيل
يقوم مقام الموكل فى الإيجاب والقبول ، فلا بدّ أن يكون من أهلهما ، فلو وكل صبيا
لا يعقل أو مجنونا فهو باطل ، ولو وكل صبيا عاقلا مأذونا أو عبدا مأذونا أو محجورا
باذن مولاه جاز ، وكذلك إذا وكل المسلم ذميا أو بالعكسْ أو حربيا مستأمنا لما ذكرنا .
قال (وكلّ عقد جاز أن يعقده بنفسه جاز أن يوكل به ) لما ذكرنا من الحاجة )

- ١٥٧-
فيَجوزُ بالحُصُومَةِ فِىَ جميعِ الحُقُوقِ وَإِيفائها وَاسْتِيفائهَا إِلاَّا لُحُدُودَ (س) وَالقِصَاص
فإنَّهُ لاَ يُجُوزُ اسْتِيفاؤُها مَعَ غَيْبَةِ المُوَكِّلِ، وَلا يَجُوزُ بالحُصُومَةِ إِلاَّ بِرِضَاءِ
الخَصْمِ، إلاَّ أنْ يَكُونَ المُوَكِّلُ مَرِيضًا أوْ مُسافِرًا، وَكُلُّ عَقْدٍ يُضِيفَّهُ
الوَكِيلُ إلى نَفْسِهِ كالْبَيْعِ وَالإِجارَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ إِقْرَارٍ تَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُ بِهِ
مِنْ تَسْلِيمِ المَبِيعِ وَنَقْدِ الثَّمَنِ والحُصُومَةِ فى العَيْبِ وَغْرِ ذلكَ، إلاَّ العَبْدَ
وَالصَّبِىِّ الْمَحْجُورَيْنِ، فَتَجُوزُ عُقُودُهُمَا، وَتَتَعَلَّقُ الْحُقُوقُ بِمُوَكِّلِهِما.
( فيجوز بالخصومة فى جميع الحقوق وإيفائها واستيفائها ) لما ذكرنا من الحاجة لأنه لا يعرف
ذلك كل أحد، والدليل عليه الحديث المشهور ((ولعلّ أحدكم أن يكون ألحن بحجمته من بعض))
وعلىّ رضى الله عنه وكل أخاه عقيلا وابن أخيه عبد الله بن جعفر. قال ( إلا الحدود
والقصاص فانه لا يجوز استيفاؤها مع غيبة "الموكل) لأن احتمال العفو ثابت للندب إليه وللشفقة
على الجنس ، وأنه شبهة وأنها تندرئ بالشبهات ، بخلاف ما إذا حضر لانتفاء هذا الاحتمال .
وقال أبو يوسف : لا يجوز التوكيل باثبات الحدود والقصاص لأنها نيابة ، فيتحرّز عنها
فى هذا الباب كالشهادة على الشهادة . ولأبى حنيفة رحمه الله أن الجناية سبب الوجوب
والظهور يضاف إلى الشهادة ، والخصومة شرط ، فيجوز التوكيل به كسائر الحقوق ،
بخلاف الاستيفاء على ما بينا . قال ( ولا يجوز بالخصومة إلا برضاء الخصم ، إلا أن يكون
الموكل مريضا أو مسافرا ) وقالا : بجوز بغير رضاه ، ومعناه : أنه لا يجب على الخصم إلا
الوكيل عنده وعندهما يجب ، لما روى أن عليا رضى الله عنه وكل بالخصومة مطلقا، ولأنه
توكيل بحقّ فيجوز كالتوكيل باستيفاء الدين . ولأبى حنيفة رحمه اللّه قوله عليه الصلاة
والسلام ((يا على" لاتقض لأحد الخصمين حتى يحضر الآخر)) وفى رواية ((حتى تسمع
كلام الآخر )) فيشترط حضوره أو استماع كلامه، ولأن الخصومة تلزم المطلوب حتى يجب
عليه الحضور والجواب ، فلا يجوز أن يحيله على غيره بغير رضاه كالدين، ولأن الناس
يتفاوتون فى الخصومة ، فلعلّ الوكيل يكون أشدّ خصاما وأكثر احتجاجا فيتضرّر الخصم
بذلك فلا يلزمه إلا برضاه ، بخلاف المريض العاجز عن الخصومة، فانه لا يستحقّ عليه
الحضور، وكذلك المسافر، لأن فى تكليفه السفر مشقة فلا يلزمه الحضور فجاز لهما التوكيل ،
ولا فرق فى ظاهر الرواية بين الرجل والمرأة البكر والثيب ، واستحسن المتأخرون أن المرأة
إذا كانت مخدرة جاز توكيلها بغير رضاء الخصم لعجزها عن الخصومة بسبب الحياء
والدهشة . قال ( وكلّ عقد يضيفه الوكيل إلى نفسه كالبيع والإجارة والصلح عن إقرار
تتعلق حقوقه به ، من تسليم المبيع ونقد الثمن والخصومة فى العيب وغير ذلك ، إلا العبد
والصبىّ المحجورين فتجوز عقودهما، وتتعلق الحقوق بموكلهما) لأن الوكيل هو العاقد ،

- ١٥٨ -
وَإِذَا سُلُّمَ المَبِيعُ إلى المُوَكِّلِ لا يَرُدُّهُ الوَكِيلُ بُعَيْبٍ إلاَّ بَاذْنِهِ، وَلِلْمُشْتَرِى
أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ دَفْعِ الثَّمَنِ إلى المُوَكِّلِ، فانْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ حازَ، وَكُلُّ
عَقْدٍ يُضِيفُهُ إلى مُؤَكِلِهِ فَحُقُوقُهُ تَتَعَلَّقُ بِمُوَكِلِهِ: كالنِّكَاحِ وَالْخُلْحِ
وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ العَمْدِ وَالْعِشْقِ عَلَى مالٍ وَالكِتَابَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ إِنْكَارٍ وَالهِبَةٍ
وَالصَّدَقَةٍ وَالإِعارَةِ وَالإِيدَاعِ وَالرَّمْنِ وَالإِقْرَاضِ وَالشَّرِكِتَةِ وَالمُضَارَبَةِ.
ولا يفتقر فى هذه العقود إلى ذكر الموكل ، والعاقد الآخر اعتمد رجوع الحقوق إليه ، فلولم
ترجع إليه يتضرّر على تقدير كون الموكل مفلسا ، أو من لايقدر على مطالبته واستيفاء
الثمن منه وأنه منتف ، بخلاف النكاح وأخواته فانه لابدّ من ذكر الموكل وإسناد العقد.
إليه فلا ضرر حينئذ ، وكذلك الرسول لأنه يضيف العقد إلى مرسله ، ولأن الوكيل هو
العاقد حقيقة بكلامه ، وحكما لعدم إضافة العقد إلى غيره فيكون أصلا فى الحقوق ، ثم
يثبت الملك للموكل خلافة نظرا إلى التوكيل السابق كالعبد يتهب أو يصطاد . أما الصبىّ
والعبد فينفذ تصرّفهما لأنهما من أهله، حتى لو كانا مأذونين جاز على ما مرّ فى الحجر ،
إلا أن الحقوق لاتتعلق بهما لأنهما ليسا من أهل التبرّعات والتزام العهدة لقصور أهلية
الصبىّ ولحقّ السيد فيلزم الموكل. وعن أبى يوسف لو علم العاقد الآخر أنه محجور عليه
بعد العقد فله خيار العيب لاعتقاده رجوع الحقوق إلى العاقد ، وقد فاته فیتخير . قال ( وإذا
سلم المبيع إلى الموكل لا يردّه الوكيل بعيب إلا بإذنه) لأنه تعلق به حقّ الموكل وانتقل الملك
إليه فصار كما إذا باعه من آخر . قال ( وللمشترى أن يمتنع من دفع الثمن إلى الموكل )
لما بينا أن الحقوق راجعة إلى الوكيل فهو أجنبى من العقد ( فان دفعه إليه جاز ) لأنه حقه ،
وليس للوكيل أن يطالبه به ، إذ لافائدة فى الأخذ منه ثم يدفعه إليه ، ولو كان للمشترى
عليهما دين أو على الموكل تقع المقاصة بدين الموكل لما بينا أنه حقه ، وتقع المقاصة بدين
الوكيل لوكان وحده ، لأنه يملك الإبراء عنه لكن يضمنه للموكل . قال ( وكلّ عقد يضيفه
إلى موكله فحقوقه تتعلق بموكله : كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد ) فلا يطالب
وكيل الزوج بالمهر ، ولا يلزم وكيل المرأة تسليمها ، ولا بدل الخلع ، لأن الوكيل سفير ،
ولهذا لابدّ له من ذكر الموكل وإسناد العقد إليه ، حتى لو أضاف العقد إلى نفسه كان
النكاح واقعا له لالموكله كالرسول والخلع ، والصلح عن دم العمد إسقاط كما يوجد يتلاشى
فلا يمكن صدوره من شخص وثبوت حكمه لغيره ( و) على هذا ( العتق على مال والكتابة
والصلح عن إنكار والهبة والصدقة والإعارة والإيداع والرهن والإقراض والشركة
والمضاربة) لأن الحكم يثبت فى هذه الأشياء بالقبض . وأنه يلاقى محلا مملوكا للموكل فكان

- ١٥٩ -
وَمَنْ وَكَّلَ رَجُلاً بِشِرَاءِ شَىْءٍ يَنْبَغِى أَنْ يَدْكُرَ صِفَتَهُ وَجِنْسَهُ أَوْ مَبْلَغَ
"ثْمَنِهِ، إلاَّ أنْ يَقُولَ لَهُ ابْتَعْ لى ما رأيْتَ؛ وَإِنْ وَكَّلَّهُ بِشِرَاءٍ شَىْءٍ بِعَيْنِهِ
لَيْسَ لَهُ أنْ يَشْتَرِيَّهُ لِنَفْسِهِ، فانِ اشْتَرَاهُ بِغْرِ النَّقْدَيْنِ أَوْ يِخِلافٍ
ما سَّى لَهُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ أوْ وَكَّلَ آخَرَ بِشِرَائِهِ وَقَعَ الشِّرَاءُ لَهُ،
سفيرا، وكذا لو كان وكيلا من الجانب الآخر لأنه يضيف العقد إلى المالك إلا فى الاستقراض
فإن التوكيل به باطل ، ولا يثبت الملك فيه للموكل بخلاف الرسول .
فصل
الجهالة ثلاثة أنواع : فاحشة ، ويسيرة ، وبينهما . فالأولى جهالة الجنس كالتوكيل
بشراء ثوب أو دابة فإنه لايصح وإن سمى الثمن ، لأنه لا يمكن الوكيل امتثال ما وكله به
لتفاوته تفاوتا فاحشا . والثانية جهالة النوع والصفة كالحمار والفرس وقفيز حنطة وثوب
هروى ، فانه يصحّ وإن لم يقدّر الثمن ، لأن الوكيل يقدر على تحصيل مقصوده وتتعين
الصفة بحال الموكل ، واختلاف الصفة لايوجب اختلاف المقصود ، فصار كأنه وكله بشراء
ثوب هروى بأىّ صفة كان وبالثمن المعتاد، وقد صحّ (( أن النبيّ صلى الله عليه وسلم وكل
حكيم بن حزام بشراء شاة للأضحية)). والثالثة التوكيل بشراء عبد أو جارية أو دار إن سمى
الثمن صحّ وإلا فلا ، لأن الجمال منفعة مقصودة من بنى آدم ، ويختلف فى ذلك الهندى
والتركى ، فإذا سمى الثمن ألحقناه بمجهول النوع ، وإن لم يسمّ ألحقناه بجهالة الجنس لأن
بالتسمية يصير معلوم النوع عادة ، فإن ثمن كل نوع معلوم. عادة . قال (ومن وكل رجلا
بشراء شىء ينبغى أن يذكر صفته وجنسه أو مبلغ ثمنه ) لأن بذلك يصير معلوما فيقدر
الوكيل عليه ( إلا أن يقول له: ابتع لى ما رأيت ) لأنه فوّض الأمر إلى رأيه ، فأىّ شىء
اشترى كان مؤتمرا . قال (وإن وكله بشراء شىء بعينه ليس له أن يشتريه لنفسه ) لأن
الآمر اعتمد عليه فى شرائه فيصير كأنه قد خدعه بقبول الوكالة ليشتريه لنفسه وأنه لا يجوز
( فإن اشتراه بغير النقدين أو بخلاف ما سمى له من جنس الثمن أو وكل آخر بشرائه وقع
الشراء له ) لأنه خالف أمر الموكل فوقع له ، لأن الوكيل بالشراء لا يجوز له أن يشترى إلا
بالدراهم والدنانير لأنه المعروف ، والمعروف كالمشروط . وقال زفر : إذا اشتراه بكيلى
أو وزنى يقع للموكل لأنه شراء من كلّ وجه لتعلقه بالذمة كالنقدين ، بخلاف ما إذا
اشتراه بعين لايثبت فى الذمة ، لأنه بيع من وجه شراء من وجه . ولنا أنه ينصرف إلى
المتعارف عند الإطلاق وهو النقدان فيتقيد به ، ولو عقد الوكيل الثانى بحضرة الأوّل لزم

- ١٦٠ -
وَإنْ كان بَغْرِ عَيْنِهِ فاشْتَرَاهُ فَهُوَ لَهُ، إلاَّ أنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ مِنْ مالِ
المُوَكِّلِ أَوْ يَنْوِىَ الشِّرَاءَ لَهُ، وَالوَكِيلُ فى الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ تُعْتَبَرُ مُفَارَقَتُهُ
لامُفَارَقَةُ المُوَكِّلِ، وَإِنْ دَفَعَ إِلَيْهِ دَرَاهِمَ لِيَشْتَرِىَ بِهَا طَعَامًا فَهُوَ عَلى
الحِنْطَةِ وَدَقِيقِها؛ وَقِيلَ إنْ كانَتْ كَثِيرَةً فَعَلَى الحُنطَةِ، وَقَليلَةً فَعَلى
الْحُسْزِ، وَمُتَوَسِّطَةٌ فَعَلَى الدَّقِيقِ؛ وَإِنْ دَفَعَ الوَكِيلُ الثَّمَنَ مِنْ مالِهِ فَلَهُ
حَبْسُ المَبِيعِ حَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، فإنْ حَبَسَهُ وَهَلَكَ فَهُوَ كالمَبِيِعِ (سز)
وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءٍ عَشَرَةٍ أَرْطالٍ تَحْمٍ بِدِ رْهَمٍْ فَاشْتَرَى عِشْرِينَ
الموكل لأنه برأيه فلم يكن مخالفا . قال ( وإن كان بغير عينه فاشتراه فهو له ، إلا أن يدفع
الثمن من مال الموكل ، أو ينوى الشراء له ) وهذا لا يخلو ، إما إن أضاف العقد إلى دراهم
الآمر أو نقد الثمن من مال الآمر فيقع للامر عملا بالظاهر ، وإن أضافه إلى دراهم نفسه كان
لنفسه عملا بالمعتاد ، فإن الشراء وإضافة العقد إلى دراهمه معتاد غير مستنكر شرعا ، وإن
أضافه إلى مطلق الدراهم فان نواه للآمر فله ، وإن نواه لنفسه فلنفسه ، لأن له أن يعمل
لنفسه وللآمر ، وإنإ تكاذبا فى النية يحكم النقض لأنه دليل وإن توافقا على عدم النية ، قال
محمد : هو للعاقد عملا بالأصل ، وقال أبو يوسف : يحكم النقد لاحتمال الوجهين والوكيل
بشراء شىء بعينه يقع العقد والملك للموكل وإن لم يضف العقد إليه إلا فى مسألة ، وهو
ما إذا قال لعبد غيره : اشتر لى نفسك من مولاك ، فقال لمولاه : بعنى نفسى من فلان ،
فباعه فهو للآمر لأنه يصلح وكيلا عنه فى ذلك لأنه أجنبىّ عن ماليته ، وإن وجد به عيبا
إن علم به العبد لا يرده ، لأن علم الوكيل كعلم الموكل ، وإن لم يعلم فالردّ للعبد ، وإن
لم يقل من فلان عتق لأن بيع العبد من نفسه إعتاق. أمره أن يشترى له كرّ حنطة من قرية
كذا ، فالحمل على الآمر لجريان العادة أو العرف بذلك . قال ( والوكيل فى الصرف والسلم
تعتبر مفارقته لامفارقة الموكل) لما ذكرنا أن الحقوق ترجع إليه ، ومراده الوكالة بالإسلام
لا بالقبول ، فانه لا يجوز أن يبيع الوكيل فى ذمته على أن یکون الثمن لغيره . قال ( وإن دفع
إليه دراهم ليشترى بها طعاما فهو على الحنطة ودقيقها ) اعتبارا بالعرف ( وقيل إن كانت.
كثيرة فعلى الحنطة ، وقليلة فعلى الخبر ، ومتوسطة فعلى الدقيق) اعتبارا بالعرف أيضا ،
وإن كان فى موضع يتعارفون أكل غير الحنطة وخبزها فعلى ما يتعارفونه . قال ( وإن
دفع الوكيل الثمن من ماله فله حبس المبيع حتى يقبض الثمن ) لأنه بمنزلة البائع من الموكل
حكما حتى يردّه الموكل على الوكيل بالعيب ، ولو اختلفا فى الثمن تحالفا ( فإن حبسه وهلك
فهو كالمبيع ) لما قلنا . وقال أبو يوسف : كالرهن لأنه حبسه للاستيفاء بعد أن لم يكن
محبوسا وهو معنى الرهن . قال ( وإن وكله بشراء عشرة أرطال لحم بدرهم فاشترى عشرين