Indexed OCR Text
Pages 141-160
- ١٤١ - وَنَفَقَةُ الْمَحْرَمَ عَلَيْهَا، وَتَحُجُّ مَعَهُ حَجَّةَ الإسْلامِ بَغْيرِ إذْنِ زَوْجِها، وَوَقْتُهُ شَوَّالٌ وَذُو القَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِى الحِجَّةِ، وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُ الإِحْرَامِ عَلْها وَيَجُوزُ. وَالْمَوَاقِيتُ: لِلْعِرَاقِيِّينَ ذَاتُ عِرْقٍ، وَلِلشَّامِيِّينَ الجُحْفَةُ، وَلِلْمَدَنِيَّيْنَ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَلِلنَّجْدِ يِّينَ قَرْنٌ، وَلِلْيَمَنِيِّينَ يَلَمْلَمُ، وَإِنْ قَدَّمَ الإِحْرَامَ عَلْها فَهُوَ أَفْضَلُ، وَلاَ يَجُوزَ لِلأفاقِىّ أنْ يَتَجاوَزَها إلاَّ ◌ُحْرِما إذَا أَرَادَ دُخُولَ مَنَكَّةَ ، نكاحها ، والفاسق لأنه لا يحصل به المقصود ، ولا بد فيه من العقل والبلوغ لعجز الصبى والمجنون عن الحفظ . قال ( ونفقة المحرم عليها ) لأنه محيوس لحقها، وذكر الطحاوى أنه لايلزمها لأن المحرم شرط وليس عليها تحقيق الشروط ، فان لم يكن لها محرم لا يجب عليها لما بينا . قال ( وتحج معه حجة الإسلام بغير إذن زوجها ) لأن حق الزوج لا يظهر مع الفرائض كالصوم والصلاة . قال ( ووقته شوَّال وذو القعدة وعشر ذى الحجة ) لقوله تعالى - الحج أشهر معلومات - أى وقت الحج ، وفسروه كما ذكرنا ( ويكره تقديم الإحرام عليها ويجوز) أما الكراهية فلما فيه من تعرض الإحرام للفساد بطول المدَّة . وأما الجواز فلأنه شرط للدخول فى أفعال الحج عندنا ، وتقدم الشرط على الوقت يجوز كما فى تكبيرة الإحرام ، إلا أنه لا يجوز تقديمها على أفعال الصلاة لاتصال القيام بها وأفعال الحج تأخر عن الإحرام ، ولا يفعل شيئا من أفعال الحج بعد الإحرام قبل أشهر الحج ، ولو فعله لا يجزيه لوقوعه قبل وقته حتى لو أحرم فى رمضان فطاف وسعى لايجزيه عن الطواف الفرض ، بخلاف طواف القدوم لأنه ليس من أفعال الحج حتى لايجب على أهل مكة . قال (والمواقيت : للعراقيين ذات عرق ، وللشاميين الجحفة ، وللمدنيين ذو الحليفة، وللنجديين قرن، ولليمنيين يلملم ) ويقال ألملم ، لأنه صلى الله عليه وسلم وقت هذه المواقيت وقال ((هنَّ لأهلهنَّ ولمن مرَّ بهنَّ من غير أهلهنَّ ممن أراد الحج أو العمرة )) رواه ابن عباس ، فلو أراد المدنى دخول مكة من جهة العراق فوقته ذات عرق ، وكذا فى سائر المواقيت ، ومن قصد مكة من طريق غير مسلوك أحرم إذا حاذى الميقات ( وإن قدم الإحرام عليها فهو أفضل) لقوله تعالى - وأتموا الحج والعمرة لله - قال على وابن مسعود: وإتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله ، ولأنه أشق على النفس فكان أفضل . قال أبو حنيفة : الإحرام من مصره أفضل إذا ملك نفسه فى إحرامه . قال ( ولا يجوز للأفاقى أن يتجاوزها إلا محرما إذا أراد دخول مكة ) سواء دخلها حاجا أو معتمرا أو تاجرا ، لأن فائدة التأقيت هذا لأنه يجوز تقديم الإحرام عليها بالاتفاق . وقال عليه الصلاة والسلام ((لا يتجاوز أحد الميقات إلا محرما)) ومن كان داخل الميقات فله أن يدخل مكة بغير - ١٤٢ - فانْ جاوَزَها الأفاقِىُّ بغَسْرِ إِحْرَامٍ فَعَلَيْهِ شاةٌ فانْعَادَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ سَقَطَ الدَّمُ ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ ◌ُثُمَّ عادَ إِلَيْهِ مُلَبِّيَّا سَقَطَ أيْضًا ( سم ز)، وَلَوْ عادَ بَعْدَ ما اسْتْلَمَ الحَجَرَ وَشَرَعَ فى الطَّوَافِ لَمْ يَسْقُطْ، وَإنْ جاوَزَ المِيقات لايُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ كانَ دَاخِلَ المِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ الحِلُّ، وَمَنْ كانَ بِمَكَّةَ فَوَقْتُهُ فى الحَجّ الحَرَمُ، وفى العُمْرَةِ الحِلِّ. إحرام لحاجته ، لأنه يتكرر دخوله لحوائجه فيخرج فى ذلك فصار كالمكى إذا خرج ثم دخل ، بخلاف ما إذا دخل للحج لأنه لا يتكرر فانه لا يكون فى السنة إلا مرة فلا يخرج ، وكذا لأداء العمرة لأنه التزمها لنفسه . قال ( فان جاوزها الأفاقى بغير إحرام فعليه شاة ) لأنه منهى عنه لما مر من الحديث ( فان عاد فأحرم منه سقط الدم ، وإن أحرم بحجة أو عمرة ثم عاد إليه ملبيا سقط أيضا ) عند أبى حنيفة، وعندهما يسقط بمجرد العود ، وعند زفر لا يسقط وإن لبى ، لأن الجناية قد تقرّرت فلا ترتفع بالعود ، كما إذا دفع من عرفات قبل الغروب ثم عاد بعده . ولنا أنه استدرك الفائت قبل تقرر الجناية بالشروع فى أفعال الحج فيسقط الدم ، بخلاف الدفع من عرفات لأن الواجب استدامة الوقوف ولم يستدركه ، ثم عندهما أظهر حق الميقات بنفس العود ، لأن التلبية ليست بشرط فى الابتداء حتى لو مر به محرما ساكتا جاز ، وعنده أنه جنى بالتأخير عن الميقات ، فيجب عليه قضاء حقه بانشاء التلبية ، فكان التدارك فى العود ملبيا . قال ( ولو عاد بعد ما استلم الحجر وشرع فى الطواف لم يسقط ) بالاتفاق لأنه لم يعد على حكم الابتداء ، وكذلك إن عاد بعد الوقوف لما بينا ( وإن جاوز الميقات لا يريد دخول مكة فلا شيء عليه ) لأنه إنماوجب عليه الإحرام لتعظيم مكة شرَّفها الله تعالى وما قبلها من القرى والبساتين غير واجب التعظيم ، وإذا جاوز الميقات صار هو وصاحب المنزل سواء ، فله دخول مكة بغير إحرام لما مر . قال ( ومن كان داخل الميقات فميقاته الحل ) الذى بين الميقات وبين الحرم لأنه أحرم من دويرة أهله ( ومن كان بمكة فوقته فى الحج الحرم ، وفى العمرة الحل ) لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه أن يحرموا بالحج من مكة ، ولأن أداء الحج لا يتم إلا بعرفة وهى فى الحل ، فاذا أحرم بالحج من الحرم يقع نوع سفر ، وأما العمرة فلأن النبى عليه الصلاة والسلام أمر عبد الرحمن أخا عائشة أن يعتمر بها من التنعيم وهو فى الحل ، ولأن أداء العمرة بمكة فيخرج إلى الحل ليقع نوع سفر أيضا ، ولو أحرم بها من أى موضع شاء من الحل جاز إلا أن التنعم أفضل لما روينا . - ١٤٣ - وَإِذَا أُرَادَ أَنْ يُحْرِمَ يُسْتَحَب لَهُ أنْ يُقَلِّمَ أظْفَارَهُ، وَيَقُصَّ شاربه، وَيَحْلِقَ عانَتَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ أوْ يَغْتَسلُ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَيَلْبِسُ إِزَارًا وَرِداءٌ جَديدَيْنِ أَبْيَضَيْنِ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَلَوْ لَبِسَ ثَوْبًا وَاحدًا يَسْمُتْرُ عَوْرَتَهُ جازَ، وَيَنَطَّبُ إِنْ وَجَدَ، وَيُصَلِّى رَ كْعَتَدْنٍ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنى أرِيدُ الحَجَّ فِيَسِّرْهُ لى وَقَبَّلْهُ مِّى، وَإنْ نَوَى بِقَلْبهِ أجْزأهُ، ثُمَّ يُلَسَّبِى عَقِيبَ صَلاتِهِ. فصل ( وإذا أراد أن يحرم يستحب له أن يقلم أظفاره ، ويقص شاربه ، ويحلق عانته ) وهو المتوارث ، ولأنه أنظف للبدن فكان أحسن ( ثم يتوضأ أو يغتسل وهو أفضل ) لأنه صلى الله عليه وسلم اغتسل ، ولأن المراد منه التنظيف ، والغسل أبلغ ؛ ولو اكتفى بالوضوء جاز كما فى الجمعة ، وتغتسل الحائض أيضا لما ذكرنا أنه للتنظيف ( ويلبس إزارا ورداء جديدين أبيضين وهو أفضل ) لأنه لابد من ستر العورة ودفع الحر والبرد ، والنبى عليه الصلاة والسلام اتزر وارتدى عند إحرامه ، الجديدان أقرب إلى النظافة . وقال عليه الصلاة والسلام (( خير ثيابكم البيض)) (ولو لبس ثوبا واحدا يستر عورته جاز) لحصول المقصود (ويتطيب إن وجد) قالت عائشة ((كنت أطيب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم)) وقال محمد : لا يتطيب بما يبقى بعد الإحرام لأنه كالمستعمل له بعد الإحرام . وجوابه ما روى عن عائشة أنها قالت : فكأنى أنظر إلى وبيص (١) الطيب من مفرق (٢) رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاثة من إحرامه، والممنوع التطيب قصدا ، وهذا تابع لاحكم له ، وصار كما إذا حلق أو قلم أظفاره ثم أحرم . قال ( ويصلى ركعتين ) لأنه صلى اللّه عليه وسلم صلى ركعتين بذى الحليفة عند إحرامه ( ويقول: اللهم إنى أريد الحج فيسره لى وتقبله منى ) لأنه أفعال متعددة مشقة يأتى بها فى أماكن متباينة فى أوقات مختلفة، فيسأل الله التيسير عليه ( وإن نوى بقلبه أجزأه) لحصول المقصود والأول أولى ، والأخرس يحرك لسانه ، ولو نوى مطلق الحج يقع عن الفرض ترجيحا لجانبه وهو الظاهر من حاله ، لأن العاقل لا يتحمل المشاق العظيمة وإخراج الأموال إلا لإسقاط الفرض إذا كان عليه ، وإن نوى التطوع وقع متطوعا إذ لادلالة مع التصريح ( ثم يلبى عقيب صلاته ) وإن شاء إذا استوت به راحلته والأول أفضل (١) الوبيص بالصاد المهملة : البريق واللمعان . (٢) المفرق بكسر الراء وفتحها : وسط الرأس ، وهو الموضع الذى يفرق فيه الشعر . كذا فى مختار الصحاح . : - ١٤٤ - وَالتَّلْبِيَّةُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لاشَرِيكَ لَكَ لَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ والنَّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاشَرِيكَ لَكَ. فاذَا نَوَى وَلَّبِى فَقَدْ أَحْرَمَ، فَلْيَتَّقَ الرَّفَتَ وَالْفُسُوقَ والجِدَالَ، وَلَا يَلْبَسُ قَمِيصًا وَلا سَرَاوِيلَ، وَلَا عِمامَةً ، وَلا قَلَنْسُوَةٌ، وَلا قباءً، وَلا خُفَّيْنِ، وَلا يَحْلِقُ شَيْئًا مِنْ شَعْرِ رَ أْسِهِ وَجَسَدِهِ وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مُعَصْغَرًا وَتَحْوَهُ، وَلا يُغَطِّى رَ أْسَهُ وَلا وَجْهَهُ ، ( والتلبية : لبيك اللهم لبيك، لاشريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لاشريك لك ) وكسر إنَّ أصوب ليقع ابتداء ويرفع صوته بالتلبية . قال عليه الصلاة والسلام ((أفضل الحج العج والثج)) فالعج: رفع الصوت بالتابية، والثج: إسالة دم الذبائح ، ولا يخل بشىء من هذه الكلمات لأنها منقولة باتفاق الرواة ، وإن زاد جاز بأن يقول زي لبيك وسعديك والخير كله فى يديك لبيك إله الخلق غفار الذنوب إلى غير ذلك مما جاء عن الصحابة والتابعين وهى مرة شرط والزيادة سنة ، ويكون بتركها مسيئا . قال ( فإذا نوى ولبى فقد أحرم ) لأنه أتى بالنية والذكر كما فى الصلاة فيدخل فى الإحرام ( فليتق الرفث والفسوق والجدال) لقوله تعالى - فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج - والمراد النهى عن هذه الأشياء نقلا وإجماعا ؛ فالرفث : الجماع ، وقيل دواعيه ، وقيل ذكر الجماع بحضرة النساء ، وقيل الكلام القبيح ؛ والفسوق : المعاصى وهى حرام وفى الإحرام أشد ؛ والجدال : المخاصمة مع الرفيق والجمال وغيرهما . قال ( ولا يلبس قميصا ولا سراويل ولاعمامة ولا قلنسوة ولا قباء ولا خفين ) لأنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يلبس المحرم هذه الأشياء ، فان لم يجد إزارا فتق سراويله فاتزر به ، وإن لم يجد رداء شق قميصه فارتدى به ، وإن لم يجد نعلين يقطع الخفين أسفل الكعبين ، لأن هذه الأشياء تخرج عن لبس المخيط وهو الذى يقدر عليه والتكليف بحسب الطاقة . وقد قال عليه الصلاة والسلام فى آخر الحديث (( إلا أن لا يجد النعلين فيقطع الخفين أسفل من الكعبين)) وإن ألقى على كتفيه قباء جاز ، ما لم يدخل يديه فى كميه لأنه حامل لالابس . قال ( ولا يحلق شيئا من شعر رأسه وجسده ) لقوله تعالى - ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله - ولأن فيه إزالة الشعث، وقد قال عليه الصلاة والسلام ((الحاج الشعث التفل)) الشعث: الانتشار، ومراده انتشار شعر الحاج فلا يجمعه بالتسريح والدهن والتغطية ونحوه ، والتفل بالسكون : الرائحة الكريهة ، والتفل : الذى ترك استعمال الطيب فيكره رائحته ، والمحرم كذلك . قال ( ولا يلبس ثوبا معصفرا ونحوه ) لأنه طيب حتى لو كان غسيلا لاتفوح رائحته لا بأس به ( ولا يغطى رأسه) لقوله عليه الصلاة والسلام ((إحرام الرجل فى رأسه )» (ولا وجهه) بطريق الأولى ، ولأنه لما حرم على المرأة تغطية الوجه وفى كشفه فتنة كان الرجل بطريق ١ - ١٤٥ - وَلا يَتَطَيِّبُ، وَلا يَغْسِلِ رَأْسَهُ وَلا لِحَْتَهُ بالحِطْمِىّ، وَلا يَدَّهِنُ، وَلَا يَقْتُل صَيْدَ الَبَرّ، وَلا يُشِيرُ إلَيْهِ، وَلا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ لَهُ قَتْلُ الْبَرَاغِيثِ وَالبَقّ والذُّبَابِ والحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ وَالفَأْرَةِ وَالذَّتْبِ والغُرَابِ وَالِحِدَّأَةِ وَسَائِرٍ السَّاعِ إِذَا صَالَتْ عَلَيْهِ، وَلا يَكْسِرُ بَيْضَ الصَّيْدِ، وَلا يَقْطَعُ شَجَرَ الحَرَمِ، وَيَجُوزُ لَهُ صَيْدُ السَّمَكِ وَيَجُوزُ لَهُ ذَبْحُ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالَغَمِ وَالدَّجَاجِ وَالْبَطْ الأهْلِىّ، وَيَجُوزُ لَهُ أنْ يَغْتَسِلَ وَيَدْخُلَ الحَمَّامَ، وَيَسْتَظِلَّ بِالْبَيْتِ وَالْمِحْمَلِ، وَيَشُدُّ فِى وَسَطِهِ الهِمْيَانَ، الأولى . قال ( ولا يتطيب ، ولا يغسل رأسه ولا لحيته بالخطمى ، ولا يدّهن ) لأن فى ذلك كله إزالة الشعث . قال ( ولا يقتل صيد البر، ولا يشير إليه ، ولا يدل عليه ) لقوله تعالى - لاتقتلوا الصيد وأنتم حرم - ولقوله تعالى - وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما - ولما روى (( أن أبا قتادة صاد حمار وحش وهو حلال وأصحابه محرمون، فسألوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن أكله فقال: هل أشرتم، هل دللتم؟ قالوا لا، قال: إذًا فكلوا)) ولأن الإشارة والدلالة فى معنى القتل لما فيه من إزالة الأمن عن الصيد فيتناوله النص كالرده والمعين فى قتل بنى آدم. قال : ولا القمل لأنه إزالة الشعث . قال (ويجوز له قتل البراغيث والبق والذباب والحية والعقرب والفأرة والذئب والغراب والحدأة ، وسائر السباع إذا صالت عليه ) أما البراغيث والبق والذباب فلأنها ليست بصيد ولا متولدة منه ، فليس قتلها إزالة الشعث ، وتبتدئُ بالأذى ، وكذلك النمل والقراد لما ذكرنا . وأما الحية والعقرب والفأرة والذئب والغراب والحدأة لقوله عليه الصلاة والسلام ((خمس من الفواسق يقتلن فى الحل والحرم: الحدأة والحية والعقرب والفأرة والكلب العقور)) وفى بعض الروايات زاد الغراب. وذكر فى رواية الذئب ، قالوا : وهو المراد بالكلب العقور إذ هو فى معناه ، والغراب هو الذى يأكل الجيف، ولأن هذه الأشياء تبدأ بالأذى . وأما السباع إذا صالت فلأنه لما أذن الشرع فى قتل الخمس الفواسق لاحتمال الأذى ، فلأن يأذن فى قتل ما تحقق منه الأذى كان أولى. قال ( ولا يكسر بيض الصيد ) لأنه أصل الصيد ( ولا يقطع شجر الحرم ) للحديث ولأنه محظور على الحلال فالمحرم أولى ( ويجوز له صيد السمك ) لقوله تعالى - أحل لكم صيد البحر - الآية ( ويجوز له ذبح الإبل والبقر والغنم والدجاج والبط الأهلى) لأنها ليست بصيود لإمكان أخذها من غير معالجة لكونها غير متوحشة . قال ( ويجوز له أن يغتسل ويدخل الحمام ) لأنه يحتاج إلى الاغتسال للجنابة وغيرها ، وقد اغتسل عمر وهو محرم . قال ( ويستظل بالبيت والمحمل ) لأنه لايصل إلى رأسه فلا يتغطى وقد ضرب لعثمان الفسطاط وهو محرم ( ويشد فى وسطه الهميان ) لأنه ليس بليس وهو يحتاج إليه لحفظ النفقة . ١٠ - الاختيار - أول - ١٤٦ - وَيُقاتِلُ عَدُوَّهُ، وَيُكْيْرُ مِنَ التَّلْبِيَةِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ، وَكُلَّمَا عَلَا شَرَفا أَوْ مَبَطَ وَادٍ يا أوْ لَقِىَ رَكْبا وَبَالْأَسْحَارِ . فصل وَلا يَضُرُّهُ لَيْلاَ دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ نَهَارًا كَغَيْرِها مِنَ البلادِ، فَاذَا دَخَلَها ابْنَدَأ بالمَسْجدِ، فإذَا عليَنَ البَيْتَ كََّرَ وَهَلَّلَ، وَابْتَدَأ بالحَجَرِ الأسْوَدِ فاسْتَقْبَلَهُ وَكَبَرَ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كالصَّلاةِ وَيُقَبُّلُهُ إِنِ اسْتَطَاعَ مِنَّ غْرِ أنْ يُؤْذِىّ مُسْلِمَا، أَوْ يَسْتَلِمُهُ أَوْ يُشِيرُ إِلَيْهِ إِنْلَمْ يَقْدِرْ على الإِسْتِلامِ، ( ويقاتل عدوه ) لما تقدم ( ويكثر من التلبية عقيب الصلوات ، وكلما علا شرفا أو هبط واديا أو لقى ركباً وبالأسحار ) هو المأثور عن الصحابة . فصل ( ولا يضره ليلا دخل مكة أو نهارا كغيرها من البلاد ، فإذا دخلها ابتدأ بالمسجد ) لأن البيت فيه، والمقصود زيارته؛ ويستحب أن يدخل من باب بنى شيبة اقتداء بفعله صلى اللّه عليه وسلم، ويستحب أن يقول عند دخولها : اللهم هذا حرمك ومأمنك ، قلت وقولك الحق - ومن دخله كان آمنا - اللهم فحرم لحمى ودمى على النار، وقنى عذابك يوم تبعث عبادك ، ويدخل المسجد حافيا إلا أن يستضر ، ويقول عند دخوله : بسم الله وعلى ملة رسول الله، الحمد لله الذى بلغنى بيته الحرام، اللهم افتح لى أبواب رحمتك ومغفرتك وأدخلنى فيها، وأغلق عنى معاصيك وجنبى العمل بها) فاذا عاين البيت كبر وهلل ) ويستحب أن يقول : الله أكبر الله أكبر ، اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام وأدخلنا دار السلام ؛ اللهم زد بيتك هذا تشريفا ومهابة وتعظيما ، اللهم تقبل توبتى وأقلنى عثرتى ، واغفر لى خطيئتى يا حنان يا منان . ( وابتدأ بالحجر الأسود فاستقبله وكبر ) هكذا فعل صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد ( ويرفع يديه كالصلاة ) لقوله عليه الصلاة والسلام ((لا ترفع الأيدى إلا فى سبع مواطن)) وعد منها استلام الحجر (ويقبله إن استطاع من غير أن يؤذى مسلما أو يستلمه) وهو أن يلمسه بكفه ، أو يلمسه شيئا بيده ثم يقبله أويحاذيه ( أو يشير إليه إن لم يقدر على الاستلام ) لأن التحرز عن أذى المسلم واجب ، والتقبيل والاستلام سنة، والإتيان بالواجب أولى (( والنبى صلى الله عليه وسلم قبل الحجر الأسود وقال لعمر : إنك رجل أيد : أى قوىّ ، فلا تزاحم الناس على الحجر ، ولكن إن وجدت فرجة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلل وكبر)) وروى (( أنه عليه الصلاة والسلام طاف على - ١٤٧ - "ثُمَّ يَطُوفُ طَوَافَ القُدُومِ، وَهُوَ سُنَّةٌ لِلأَفاقىّ، فَيَبْدَأُ مِنَ الحَجَرِ إلى جِهَةٍ بابِ الكَتَعْبَةِ، وَقَدْ اضْطَبَعَ رِدَاءَهُ، فَيَطُوفُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ وَرَاءَ الحَظِيمِ، يَرْمَلُ فى الثَّلاثَةِ الْأُوَّلِ، ثُمَّ يَمْشِى عَلَى هِينَتِهِ، وَيَسْلِمُ الحَجَرَ كُلَّمَا مَرَّبِهِ، وَيَخِْمُ الطَّوَافَ بِالإِسْتِلامِ، راحلته ، واستلم الأركان (١) بمحجنه (٢)، ويستحب أن يقول عند استلام الحجر: اللّه أكبر الله أكبر ، اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ، ووفاء بعهدك ، واتباعا لنبيك ؛ أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ؛ آمنت بالله وكفرت بالجبت والطاغوت . قال ( ثم يطوف طواف القدوم ) ويسمى طواف التحية (وهو سنة للأفاقى) قال عليه الصلاة والسلام ((من أتى البيت فليحيه بالطواف)) ولفظة التحية تنافى الوجوب ، ولا قدوم لأهل مكة فلا يسن فى حقهم ؛ ويقول عند افتتاح الطواف : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، اللهم أعذنى من أهوال يوم القيامة ( فيبدأ من الحجر إلى جهة باب الكعبة وقد اضطبع رداءه ) والاضطباع : إخراج طرف الرداء من تحت الإبط الأيمن والقاؤه على عاتقه الأيسر ( فيطوف سبعة أشواط وراء الحطيم ، يرمل فى الثلاثة الأول ، ثم يمشى على هيئته ويستلم الحجر كلما مر به ، ويختم الطواف بالاستلام ) هكذا نقل نسكه صلى الله عليه وسلم . والحطيم : موضع مبنى دون البيت من الركن العراقى إلى الركن الشامى ، سمى بذلك لأنه حطم من البيت : أى كسر ، وفيه نصب الميزاب ، وهو الحجر لأنه حجر من البيت : أى منع وبينه وبين البيت فرجة من الجانبين ، فلو دخل فيها فى طوافه لم يجزه لأنه من البيت . قال عليه الصلاة والسلام ((الحطيم من البيت) فيعيد الطواف ، فان أعاده على الحطيم وحده أجزأه لأنه تم طوافه ، والأولى أن يعيده على البيت أيضا ليؤديه على الوجه الأحسن والأكمل ويخرج به عن خلاف بعض الفقهاء . والرمل هز الكتفين كالتبختر ، وسببه إظهار الجلد للمشركين حيث قالوا عن الصحابة: أوهنتهم حمى يثرب، فقال عليه الصلاة والسلام (( رحم الله امرأ أظهر من نفسه جلدا)) وزال السبب وبقى الحكم إلى يومنا به التوارث ؛ واستلام الحجر أول الطواف وآخره سنة ، وما بقى بينهما أدب ؛ ويستحب أن يستلم الركن اليمانى ولا يقبله . وعن محمد أنه سنة ولا يقبل بقية الأركان ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يستلم الحجر والركن اليمانى لاغير ، ويستحب أن يقول إذا بلغ الركن العراقى : اللهم إنى أعوذ بك من (١) قوله الأركان : أى الحجر الأسود . (٢) المحجن بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم : عود معوج الرأس ، والمراد هنا منه عصا النبى صلى الله عليه وسلم . - ١٤٨ - "ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ فِى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، أوْ حَيْثُ تَيَسَّرَ لَهُ مِنَ المَسْجِدِ ثُمَّ يَسْتَلِمُ الحَجَرَ، وَيَخْرُجُ إلى الصَّفَا فَضْعَدُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَقْبِلُ البَيْتَ وَيُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَهُلِّلُ، وَيُصَلَّى عَلَى النَّسِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْعُو بِحَاجَتِهِ، ثُمَّ يَنْحَطُّ نَحْوَ المَرْوَةِ عَلى هِينَتِهِ، فَذَا بَلَغَ المِيلَ الأخْضَرَ سَعَى حَّى يُجَاوِرُ المِيلَ الآخَرَ، ثُمَّ يَمْشِى إلى المَرْوَةِ فَيَفْعَلُ كالصَّفَا وَهَذَا شَوْطٌ ، يَسْعَى سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ يَبْدأُ بالصَّفَا وَيَخِْمُ بِالمَرْوَةِ، الشرك والكفر والنفاق وسوء الأخلاق . وعند الميزاب : اللهم اسقنى بكأس نبيك محمد شربة لا أظمأ بعدها ، وعند الركن الشامى : اللهم اجعله حجا مبرورا ، وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا ، وتجارة لن تبور برحمتك ياعزيز ياغفور . وعند الركن اليمانى : اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر وفتنة المحيا والممات . قال ( ثم يصلى ركعتين فى مقام إبراهيم أو حيث تيسر له من المسجد) وهى واجبة ، قال عليه الصلاة والسلام (( ليصل الطائف لكل أسبوع ركعتين)) وقيل فى تفسير قوله تعالى - واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى - إنه ركعتى الطواف ، ويقول عقيبهما : اللهم هذا مقام العائذ بك من النار ، فاغفر لى ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم . (ثم يستلم الحجر) لأنه عليه الصلاة والسلام استلمه بعد الركعتين . قال ( ويخرج إلى الصفا) من أى باب شاء، والأولى أن يخرج من باب بنى مخزوم اتباعا للنبى صلى الله عليه وسلم، ولأنه أقرب إلى الصفا ، وهو الذى يسمى اليوم باب الصفا ( فيصعد عليه ، ويستقبل البيت ويكبر ، ويرفع يديه ويهلل ، ويصلى على النبى صلى الله عليه وسلم، ويدعو بحاجته ) هكذا فعل صلى الله عليه وسلم ، ولأن الدعاء عقيب الثناء والصلاة أقرب إلى الإجابة فيقدمان عليه ( ثم ينحط نحو المروة على هينته ، فاذا بلغ الميل الأخضر سعى حتى يجاوز الميل الآخر ثم يمشى إلى المروة فيفعل كالصفا ) هكذا فعل عليه الصلاة والسلام ( وهذا شوط ، يسعى سبعة أشواط ) كما وصفنا ( يبدأ بالصفا ويختم بالمروة ) فالمشى من الصفا إلى المروة شوط ، والعود من المروة إلى الصفا آخر . وذكر الطحاوى أن العود ليس بشوط ، ويشترط البداءة فى كل شوط بالصفا والختم به ، والأول أصح لأنه المنقول المتوارث ، ولئلا يتخلل بين كل شوطين مالا يعتد به والأصل فى العبادات الإتصال كالطواف وركعات الصلاة ، ثم السعى بين الصفا والمروة واجب ، لقوله عليه الصلاة والسلام ((كتب عليكم السعى فاسعوا)) وأنه خبر آحاد فلا يوجب : الركنية فقلنا بالوجوب، وقوله تعالى - فلا جناح عليه أن يطوف بهما - ينفى الركنية أيضا والأفضل ترك السعى حتى يأتى به عقيب طواف الزيارة لأن السعى واجب ، وإنما شرع مرة واحدة ، وطواف القدوم سنة ، ولا يجعل الواجب تبعا للسنة ، وإنمارخص - ١٤٩ - مُثُمَّ يُقِيمُ بِمَكَّةَ حَرَاما يَطُوفُ بالْبَيْتِ ما شاءَ، ثُمَّ يَخْرُجُ غَدَاةَ الَّتَرْوِيَةِ إلى مِى فَيَبِيتُ بِهَا حَّتِى يُصَلِّىَ الفَجْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إلى عَرَفَاتٍ» فإذَا زَالَتِ الشَّمْسُ تَوَضَّأَ أوِ اغْتَسَلَ، فانْ صَلَى مَعَ الإِمامِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بأذَانٍ وَإِقَامَتَسَدْنِ فِى وَقْتِ الظُّهْرِ ، فى ذلك ، لأن يوم النحر يوم اشتغال بالذبح والرمى وغيره ، فربما لا يتفرَّغ للسعى ؛ ويستحب أن يقول عند خروجه إلى الصفا : باسم الله ، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اللهم افتح لى أبواب رحمتك وأدخلنى فيها ؛ ويقول على الصفا : الله أكبر "الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت وهو حى لا يموت ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، لا إله إلا الله أهل التكبير والتحميد والتهليل ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، فله الملك وله الحمد ، ويسأل حوائجه ؛ فإذا نزل من الصفا قال : اللهم يسر لى اليسرى ، وجنبنى العسرى ، واغفر لى فى الآخرة والأولى ؛ ويقول فى السعى : رب اغفر وارحم ، وتجاوز عما تعلم ، إنك أنت الأعز الأكرم ، ويستكثر من قول: سبحان اللّه، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ؛ ويقول على المروة مثل الصفا . قال ( ثم يقيم بمكة حراما يطوف بالبيت ما شاء) لأنه عبادة وهو أفضل من الصلاة ، وخصوصا للأفاقى ، ويصلى لكل طواف ركعتين ، ولا يسعى بعده لما بينا . قال ( ثم يخرج غداة التروية ) وهو ثامن ذى الحجة ( إلى منى ) فينزل بقرب مسجد الخيف ( فيبيت بها حتى يصلى الفجر يوم عرفة ) فيصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، هكذا فعل جبريل بابراهيم ومحمد عليهم الصلاة والسلام وهو المنقول من نسك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه البيتوتة سنة ، ولو بات بمكة وصلى هذه الصلوات بها جاز ، لأنه لانسك بمنى هذا اليوم ، وقد أساء لمخالفته السنة ؛ ويقوله عند نزوله بمنى : اللهم هذه منى ، وهى مما مننت بها علينا من المناسك ، فامنن علىّ بما مننت به على عبادك الصالحين . قال ( ثم يتوجه إلى عرفات ) اقتداء بفعله عليه الصلاة والسلام ، ولأنه يحتاج إلى أداء فرض الوقوف بها فى هذا اليوم وينزل بها حيث شاء ( فاذا زالت الشمس توضأ واغتسل ) لأنه يوم جمع فيستحب له الغسل ، وقيل هو سنة ( فان صلى مع الإمام صلى الظهر والعصر بأذان وإقامتين فى وقت الظهر ) فقد تواتر النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجمع بينهما. وروى جابر بأذان وإقامتين، وهو أن يؤذن ويقيم للظهر ثم يقيم للعصر لأنها تؤدى فى غير وقتها فيقيم إعلاما لهم ، لأنه لو لم يقم ربما ظنوا أنه يتطوع فلا يشرعون مع الإمام ، ولا يتطوَّع بين الصلاتين لأن العصر إنما قدمت ليتفرَّغ - ١٥٠ - وَإِنْ صَلَّى وَحْدَهُ صَلَى كُلِ وَاحِدَةٍ فِى وَقِْها (سم)، ◌ُثُمَّ يَقِفُ رَاكِبِا رَافِعا يَدَيْهِ بَسْطَا يَحْمَدُ اللّهَ، وَيُؤْنِى عَلَيْهِ، وَيُصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَيَسْأَلُ حَوَائِجَتَهُ، وَعَرَفَاتُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ بَطْنَ عُرْنَةَ، وَوَقْتُ الوُّقُوفِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلى طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّانِى مِنَ الغَدِ، فَمَنْ فاتَهُ الوُقُوفُ فَتَدْ فَاتَهُ الحَجُّ، فَيَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَتَحَلَّلُ مِنَ الإِحْرَامِ وَيَقْضِى الحَجّ إلى الوقوف ، فالتطوَّع بينهما يخل به . قال ( وإن صلى وحده صلى كل واحدة فى وقتها ) وقال أبو يوسف ومحمد : يجمع بينهما المنفرد ، لأن جوازه ليتفرغ للوقوف ويمتد وقته والكل فى ذلك سواء. ولأبى حنيفة أن تقديم العصر على خلاف الأصل ، لأن الأصل أداء كل صلاة فى وقتها ، لكن خالفناه فيما ورد به الشرع، وهو الإمام فى الصلاتين، والإحرام بالحج قبل الزوال ، وفيما عداه بقى على الأصل . قال ( ثم يقف راكبا رافعا يديه بسطا يحمد الله ، ويثنى عليه، ويصلى على نبيه عليه الصلاة والسلام، ويسأل حوائجه) والأفضل أن يتوجه عقيب صلاة العصر مع الإمام فيقف بالموقف مستقبل القبلة قريبا من جبل الرحمة، لأنه صلى الله عليه وسلم راح عقيب صلاة العصر إلى الموقف ووقف على راحلته مستقبل القبلة يدعو باسطا يديه كالمستطعم المسكين، رواه ابن عباس ، ويقدم الثناء والحمد والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وإن وقف قائما أو قاعدا جاز ، والأول أفضل ، ويلبى فى الموقف ساعة بعد ساعة ، لأنه عليه الصلاة والسلام ما زال يلبى حتى أتى جمرة العقبة. قال ( وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة) لقوله عليه الصلاة والسلام ((عرفات كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة)) ( ووقت الوقوف من زوال الشمس إلى طلوع الفجر الثانى من الغد ) لأنه عليه الصلاة والسلام وقف بعد الزوال . وقال عليه الصلاة والسلام ((الحج عرفة، فمن وقف بها ليلا أو نهارا فقد تمَّ حجه، ومن فاته عرفة بليل فقد فاته الحج ، فليحل بعمرة وعليه الحج من قابل ، وإن وقف ساعة بعد الزوال ثم أفاض أجزأه، لقوله عليه الصلاة والسلام ((من وقف ساعة بعرفة من ليل أو نهار فقد تمَّ حجه)) ولأن الركن أصل الوقوف وامتداده إلى غروب الشمس واجب ، لقوله عليه الصلاة والسلام ((امكثوا على مشاعركم فانكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم صلوات الله عليه)) أمر بالمكث وأنه للوجوب . قال (فمن فاته الوقوف ) فى هذا الوقت ( فقد فاته الحج فيطوف ويسعى ويتحلل من الإحرام ويقضى الحج ) لما روينا . واعلم أن الأحاديث كثيرة فى فضيلة يوم عرفة وإجابة الدعاء فيه ، فينبغى أن تجتهد فيه بالدعاء ، وتدعو بكل دعاء تحفظه ، وإن لم تقدر على الحفظ فاقرأ المكتوب ؛ ويستحب أن يقرأ عقيب صلاته الفاتحة والإخلاص عشر مرات ويقول: لا إله إلا الله وحده لاشريك له - ١٥١ - فاذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أفاضَ مَعَ الإمامِ إلى المَزْدَ لِفَةِ، وَيَأْخُذُ الجِمارَ مِنَ الطَّرِيقِ سَبْعِينَ حَصَاةً كالباقِلاَءِ، وَلا يُصَلَّى الْمَغْرِبَ حَتى يَأْ نِىَ الْمُؤْدَلِفَةَ فَيُصَلَّيِها مَعَ العِشاءِ بِأذَانٍ وإقامَةٍ ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت ، وهو حى لا يموت ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلىّ العظيم ، يا رفيع الدرجات، يا منزل البركات ، يا فاطر الأرضين والسموات ، ضجت لك الأصوات بصنوف اللغات، تسألك الحاجات ، وحاجتى أن ترهمنی فی دار البلاء إذا نسینی أهل الدنيا ، أسألك أن توفقنى لما افترضت على ، وتعيننى على طاعتك وأداء حقك وقضاء المناسك التى أريتها خليلك إبراهيم ، ودللت عليها محمدا حبيبك ؛ اللهم لكل متضرّع إليك إجابة ، ولكلّ مسكين لديك رأفة ، وقد جئتك متضرّعا إليك ، مسكينا لديك ، فاقض حاجتى ، واغفر ذنوبى ، ولا تجعلنى من أخيب وفدك ، وقد قلت وأنت لاتخلف الميعاد - ادعونى أستجب لكم - وقد دعوتك متضرّعا سائلا ، فأجب دعائى وأعتقنى من النار ، ولوالدىّ ولجميع المسلمين والمسلمات برحمتك يا أرحم الراحمين . قال ( فإذا غربت الشمس أفاض مع الإمام إلى المزدلفة) لقوله عليه الصلاة والسلام (( إن أهل الشرك كانوا يدفعون من عرفة إذا صارت الشمس على رءوس الجبال مثل عمائم الرجال ، وأنا أدفع بعد غروب الشمس مخالفة لهم)) ويمشى على هينته ، كذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فى ذلك اليوم، وقال (( يا أيها الناس عليكم بالسكينة)) ويستحب أن يقول عند غروبها قبل الإفاضة : اللهم لا تجعله آخر العهد بهذا الموقف ، وارزقنيه ما أبقيتنى، واجعلى اليوم مفلحا مرحوما مستجابا دعائى ، مغفورا ذنوبى يا أرحم الراحمين . وينبغى أن يدفع مع الإمام ولا يتقدم عليه إلا إذا تأخر الإمام عن غروب الشمس ، فيدفع الناس قبله لدخول الوقت ، ولو مكث بعد الغروب وإفاضة الإمام قليلا خوف الزحمة جاز ، هكذا فعلت عائشة ؛ وينبغى أن يكثر من الاستغفار . قال الله تعالى - ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم -. قال (ويأخذ الجمار من الطريق سبعين حصاة كالباقلاء ولا يصلى المغرب حتى يأتى المزدلفة فيصليها مع العشاء بأذان وإقامة ) أما تأخير المغرب فلحديث أسامة بن زيد قال: «كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات إلى المزدلفة ، فنزل بالشعب وقضى حاجته ولم يسبغ الوضوء ، فقلت يا رسول الله الصلاة ، فقال : الصلاة ليست هنا الصلاة أمامك)) وأما الجمع بينهما بأذان وإقامة فلرواية جابر (( أن النبى صلى الله عليه وسلم فعل كذلك)) ولأن العشاء فى وقتها فلا حاجة إلى الإعلام بوقتها بخلاف العصر يوم عرفة، ولا يتطوَّع بينهما لأنه يقطع الجمع ، فإن تطوَّع أو اشتغل - ١٥٢ - وَيَبْعِتُ بِهَا، ثُمَّ يُصَلَّى الفَجْرَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ يَقْفُ بالمشْعَرِ الحَرَامِ. والمُؤْدَلفّة كُلُها مَوْقِفٌ إِلاَّ وادِىُ مُحَسِّرٍ ؛ ثُمَ يَتَوَجَّهُ إلى مسَنِى قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ، فَيَبْتدِىُ بِحَمْرَةِ العَقَبَةِ يَرْميها بسَبْعِ حَصَيَاتٍ منْ بَطْنِ الوَادِى، يُكَبِرُ مَعَ كُل حَصَاةٍ. بشىء آخر أعاد الإقامة ، لأنه انقطع حكم الإقامة الأولى ، ولو صلى المغرب فى الطريق أو بعرفة لم يجزه . وقال أبويوسف : يجزيه لأنه صلاها فى وقتها . ولنا ما تقدم من حديث أسامة ، ويقضيها مالم يطلع الفجر ، فاذا طلع الفجر فلا قضاء ، لأنه فات وقت الجمع ، وينبغى أن ينزل بقرب الجبل الذى عليه الميقدة (١) لأنه عليه الصلاة والسلام وقف هناك ( ويبيت بها ) وهى سنة . قال ( ثم يصلى الفجر بغلس) كذا روى ابن مسعود عن النبى عليه الصلاة والسلام ، وليتفرّغ للوقوف والدعاء ( ثم يقف بالمشعر الحرام ) ويدعو ويجتهد فى الدعاء كما مر بعرفة ؛ ويستحب أن يقول إذا نزل بها : اللهم هذه مز دلفة وجمع ، أسألك أن ترزقنى جوامع الخير، واجعلنى ممن سألك فأعطيته ودعاك فأجبته ، وتوكل عليك فكفيته ، وآمن بك فهديته ؛ وإذا فرغ من الصلاتين يقول: اللهم حرم لحمى وشعرى ودمى وعظمى وجميع جوارحى على النار يا أرحم الراحمين ، ويسأل الله تعالى إرضاء الخصوم فإن الله تعالى وعد ذلك لمن طلبه فى هذه الليلة؛ ويستجب أن يقف بعد صلاة الفجر مع الإمام ويدعو ، قال الله تعالى - فاذكروا الله عند المشعر الحرام - ويستحب أن يكبر ويهلل ويلبى ويقول : اللهم أنت خير مطلوب وخير مرغوب إليه ، إلهى لكل وفد جائزة وقرى فاجعل اللهم جائزتى وقراى فى هذا المقام أن تتقبل توبتى وتتجاوز عن خطيئى ، وتجمع على الهدى أمرى ، وتجعل اليقين من الدنيا همى ، اللهم ارحمنى وأجرنى من النار ، وأوسع علىَّ الرزق الحلال ، اللهم لاتجعله آخر العهد بهذا الموقف ، وارزقنيه أبدا ما أحييتنى برحمتك يا أرحم الراحمين ( والمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر (٢) ) لقوله عليه الصلاة والسلام ((المزدلفة كلها موقف إلا وادى محسر)). قال (ثم يتوجه إلى منى قبل طلوع الشمس ) كذا فعل صلى الله عليه وسلم ، ويمشى بالسكينة ، فاذا بلغ بطن محسر أسرع مقدار رمية حجر ماشيا كان أو راكبا ، هكذا فعله عليه الصلاة والسلام (ف) إذا وصل إلى منى ( يبتدئ بجمرة العقبة يرميها بسبع حصيات من بطن الوادى يكبر مع كل حصاة (١) قوله الميقدة ، قال فى رد المختار ما نصه : قيل هى أسطوانة من حجارة مدوَّرة ، تدويرها أربعة وعشرون ذراعا ، وطولها اثنى عشر ، وفيها خمسة وعشرون درجة ، وهى على خشبة مرتفعة كان يوقد عليها فى خلافة هرون الرشيد الشمع ليلة مز دلفة ، وكان قبله یوقد بالحطب ، وبعده بمصابیح کبار اهـ . (٢) محسر بضم الميم وفتح الحاء مخففة وكسر السين مشددة: موضع معروف عن يسار المزدلفة - ١٥٣ - وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أوَّلِ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَذْبَحُ إنْ شاءَ، ثم يُقَصِّرُ أوْ يَحْلِقُ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَحَلَّ لَهُ كُلُّ شَىْءٍ إِلاَّ النُّسَاءَ، ثُمَّ يَمْشِى إِلى مَكَّةَ فَيَطُوفُ طَوَافَ الزيارَةِ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوّ ولا يقف عندها، ويقطع التلبية مع أول حصاة ) لما روى جابر (( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى منى لم يعرج إلى شىء حتى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، وقطع التلبية عند أوَّل حصاة رماها ، وكبر مع كل حصاة ، ثم نحر ، ثم حلق رأسه ، ثم أتى مكة فطاف بالبيت )) ويرمى من بطن الوادى من أسفل إلى أعلى ، ويجعل منى عن يمينه والكعبة عن يساره ، ويقف حيث يرى موضع الحصاة ، هكذا نقل عنه عليه الصلاة والسلام وهو مثل حصى الخذف . قال عليه الصلاة والسلام الفضل بن العباس غداة يوم النحر ((ائننى بسبع حصيات مثل حصى الخذف ، فأتاه بهنَّ، فجعل يقلبهنَّ ويقول : بمثلهن بمثلهن لاتغلو)) والخذف : أن يضع الحصاة على رأس السبابة ، ويضع إبهامه عليها ثم يرمى بها . واختلفوا فى مقدارها ، والمختار قدر الباقلاء ، ولو رمى بحجر أكبر أو أصغر جاز لحصول الرمى ، ويقول عند الرمى : بسم الله والله أكبر رغما لنشيطان وحز به ؛ ويجوز الرمى بكلما كان من جنس الأرض ، ولا يجوز بما ليس من جنسها ، ومن أى موضع أخذه جاز إلا الحصاة المرمى بها فانه يكره لأنها حصى من لم يقبل حجه ، فقد جاء فى الحديث ((ومن قبل حجه رفع حصاه)) ولأنه رمى به مرة فأشبه الماء المستعمل ، وكيف مارمى جاز، وعدد حصى الجمار سبعون : جمرة العقبة يوم النحر سبعة ، وثلاثة أيام منى كل يوم ثلاث جمرات باحدى وعشرين ؛ وقد استحب بعضهم غسل الحصى ليكون طاهرا بيقين . قال ( ثم يذبح إن شاء ) لأنه مسافروهو مفرد ولاوجوب عليه ( ثم يقصر أو يحلق وهو أفضل ) قال عليه الصلاة والسلام (( إن أول نسكنا فى يومنا هذا أن نرمى ثم نذبح ثم نحلق)) ولأن الحلق من محظورات الإحرام فيؤخر عن الذبح ، والحلق أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام (( يغفر الله للمحلقين ، قيل يا رسول الله وللمقصرين، فقال: يغفر الله للمحلقين، قالها ثلاثا ، ثم قال وللمقصرين )) وإن لم يكن على رأسه شعر أجرى الموسى على رأسه تشبيها بالحلق كالتشبيه بالصوم عند العجز عن الصوم ؛ والسنة حلق الجميع فان نقص من ذلك فقد أساء لمخالفة السنة ، ولا يجوز أقل من الربع ونظيره مسح الرأس فى الوضوء فى الاختلاف والدلائل ، والتقصير : أن يأخذ من رءوس شعره وأقله مقدار الأنملة ، ويستحب أن يدفن الشعر . قال الله تعالى - ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا - ويستحب أن يقول عند الحلق: اللهم هذه ناصيتي بيدك ، فاجعل لى بكل شعرة نورا يوم القيامة يا أرحم الراحمين . (وحل له كل شىء إلا النساء) لقوله عليه الصلاة والسلام فيه ((حل له كل شىء إلا النساء)). قال ( ثم يمشى إلى مكة فيطوف طواف الزيارة من يومه أو من غده أو بعده ، وهو - ١٥٤ - وكْن إِنْ تَرَكَهُ أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْهُ بَقِىَ ◌ُمْرِ مَا حََّى يَطُوفَهَا. وَصِفَتُهُ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطِ لارَمَلَ فِيها وَلَا سَعْىَ بَعْدَها، وَإِن لَمْ يَكُنْ طافَ لِقُدُومِ رَمَلَ وَسَعَى وَحَلَّ لَهُ النِّساءُ، فإذَا كَانَ اليَوْمُ الثَّانِى من أيَّامٍ النَّحْرِ رَمى الجِمارَ الثَّلاثَ بَعْدَ الزَّوَالِ يَرْمِيها بِسَبْعِ حَصَّيَاتٍ ثُمَّ يَقِفُ عِنْدَها مَعَ النَّاسِ مُسْتَقْلَ الكَعْبَةِ ، ركن إن تركه أو أربعة أشواط منه بقى محرما حتى يطوفها . وصفته : أن يطوف بالبيت سبعة أشواط لارمل فيها ولا سعى بعدها ، وإن لم يكن طاف للقدوم رمل وسعى وحل له النساء ) ويسمى أيضا طواف الإفاضة، والأفضل أن يطوفه أول أيام النحر ، لأنه عليه الصلاة والسلام لما رمى جمرة العقبة ذبح وحلق ومشى إلى مكة فطاف للزيارة ثم عاد إلى منى فصلى بها الظهر، ووقت الطواف أيام النحر . قال اللّه تعالى - فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير - ثم قال - وليطوَّفوا بالبيت العتيق - جعل وقتهما واحدا ، فلو أخره عنها لزمه شاة، وكذا إذا أخر الحلق عنها أو أخر الرمى . وقال أبو يوسف ومحمد : لا يلزمه لأنه استدرك ما فاته ؛ وله حديث ابن مسعود (( من قدم نسكا على نسك فعليه دم )) ولأن ما هو مؤقت بالمكان وهو الإحرام يجب بتأخيره عنه دم ، فكذا ما هو مؤقت بالزمان وهو ركن لأنه المراد بقوله تعالى - وليطوّفوا - فكان فرضا ، فان تركه أو أربعة أشواط منه بقى محرما حتى يطوفها . أما إذا تركه فلما بينا أنه ركن . وأما إذا ترك أربعة أشواط فهو الأكثر ، وللأكثر حكم الكل، فكأنه لم يطف أصلا ، ولا رمل فيه ولا سعى بعده إن كان أتى بهما فى طواف القدوم لأنهما شرعا مرة واحدة ، وإن لم يكن فعلهما أتى بهما فى هذا الطواف وقد بيناه ، وحل له النساء لقوله عليه الصلاة والسلام ((إذا طفتم بالبيت حللن لكم)) ولأنه أتى بما عليه من فرائض الحج التى عقد لها الإحرام ، ويطوف على قدميه حتى لوطاف راكبا أو محمولا لغير عذر أعاد مادام بمكة ؛ وإن خرج من غير إعادة فعلیه دم ، وإن كان بعذر فلا شىء عليه وما روى ((أنه عليه الصلاة والسلام طاف راكبا)) محمول على العذر حالة الكبر وكذا التيامن واجب ، وهو أن يأخذ فى الطواف عن يمينه من باب الكعبة حتى لو طاف منكوسا أو أكثره أعاد ما دام بمكة ، فان لم يعد فعليه دم ، فاذا طاف للزيارة عاد إلى منى فبات بها لياليها ، والمبيت بها سنة لفعل النبي صلى اللّه عليه وسلم ( فاذا كان اليوم الثانى من أيام النحر ) وهو حادى عشر الشهر ويسمى يوم القرّ لأنهم يقرّون فيه بمنى ( رمى الجمار الثلاث بعد الزوال ) يبتدئ بالتى تلى مسجد الخيف ( يرميها بسبع حصيات ثم يقف عندها مع الناس مستقبل الكعبة ) يرفع يديه حذاء منكبيه بسطا يذكر الله تعالى ويثنى عليه ويهلل ويكبر ويصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ويدعو الله بحاجته. وعن أبى يوسف - ١٥٥ - وكذلكَ يَرْسِيها فى اليَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وكذلكَ فى اليَوْمِ الرَّ بِعِ إنْ أقامَ، وَإنْ نَفَرَ إلى مَكَّةَ فى اليَوْمِ الثَّالِثِ سَقَطَ عَنْهُ رَفَىُ البَوْمِ الرَّبِعِ، فاذَا انْفَرَدَ إلى مَكَّةَ نَزَلَ بالأَبْطَحِ وَلَوْ ساعَةٌ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ ويُقِيمُ بِها، فاذَا أُرَادَ العَوْدَ إلى أهْلِهِ طافَ طَوَافَ الصَّدْرِ، وَهُوَ سَبْعَةُ أشْوَاطٍ لارَمَلَ فِيها وَلَا سَعْىَ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الأفاقىّ، ◌ُثُمَّ يَأْتِ زَمْزَمَ يَسْتَقِى بِنَفْسِهِ وَيَشْرَبُ إِنْ قَدَرَ ، أنه يقول : اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا ، اللهم إليك أفضت ، ومن عذابك أشفقت ، وإليك رغبت ومنك رهبت ، فاقبل نسكى وعظم أجرى وارحم تضرّعى واقبل توبتى واستجب دعوتى وأعطنى سؤلى ، ثم يأتى الجمرة الوسطى فيفعل كذلك ، ثم يأتى جمرة العقبة فيرميها ولا يقف عندها ، ولو لم يقف عند الجمرتين لاشىء عليه لأنه للدعاء . قال ( وكذلك يرميها فى اليوم الثالث من أيام النحر بعد الزوال) كما وصفنا ( وكذلك فى اليوم الرابع إن أقام ) وجميع ما ذكرنا من صفة الرمى والوقوف والدعاء مروى فى حديث جابر عن النبى صلى اللّه عليه وسلم . قال (وإن نفر إلى مكة فى اليوم الثالث سقط عنه رمى اليوم الرابع ) ولا شىء عليه لقوله تعالى - فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه - والأفضل أن يقف حتى يرمى اليوم الرابع لأنه أتم لنسكه ، فلو رماها فى اليوم الرابع قبل الزوال جاز . وقالا : لا يجوز لأن وقته بعد الزوال كما فى اليومين الأولين ، وهو مروى عن عمر رضى الله عنه . ولأبى حنيفة أنه لما جاز ترك الرمى أصلا فلأن يجوز تقديمه أولى ، وهو مروى عن ابن عباس رضى الله عنهما. قال ( فاذا انفرد إلى مكة نزل بالأبطح واو ساعة) وهو المحصب وهو سنةً ، لأنه عليه الصلاة والسلام نزل به قصدا وهو نسك ، كذا روى عن عمر رضى اللّه عنه ( ثم يدخل مكة ويقيم بها ) ويكثر فيها من أفعال الخير كالطواف والصلاة والصدقة والتلاوة وذكر الله تعالى، ويجتنب إنشاد الشعر وحديث الفحش وما لا يعنيه ، ففى الحديث النبوى (( أن الحسنة فيه تضاعف إلى مائة ألف وكذلك السيئة)) ولهذا كره أبو حنيفة المجاورة خوفا من الوقوع فيما لا يجوز فيتضاعف عليه العقاب بتضاعف السيئات حتى لو كان ممن يثق من نفسه ويملكها عما لا ينبغى من الأفعال والأقوال ، فالمجاورة أفضل بالإجماع . قال ( فاذا أراد العود إلى أهله طاف طواف الصدر) ويسمى طواف الوداع لأنه يصدر عن البيت ويودعه ، (وهو سبعة أشواط لارمل فيها ولاسعى ) لما بينا (وهو واجب على الأفاقى ) لقوله عليه الصلاة والسلام (( من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف)) بخلاف المكى فانه لا یصدر عنه ولا یودعه ( ثم یأتی زمزم یستقی بنفسه ویشرب إن قدر ) فهو أفضل لما روى أنه عليه الصلاة والسلام أتى زمزم ونزع بنفسه دلوا فشرب ثم أفرغ ماء الدلو عليه - ١٥٦ - مُثُّ يَأْتِى بابَ الكَعْةِ وَيُؤَبِّلُ العَقَبَةَ، ثُمَّ يَأْنِ المُلْزَمَ، فَيُلْصِقَ بَطْنَهُ بالبَيْتِ وَيَضَعُ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ وَيَتَشَبَّتُ بِأَسْتَارِ الكِتَعْبَةِ، وَيَجْهَدُ فى الدعاءِ وَيَبْكِى وَيَرْجِعُ القَهْفَرَى حَّى يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَإِذَا لَمْ يَدْخُلِ المُحْرِمُ مَكَّةَ وَتَوَجَّهَ إلى عَرَفَهَ وَوَقَفَ بِهَا سَقَطَ عَنْهُ طَوَافُ القُدُومِ، وَمَنْ اجْتَازَ بِعَرَفَةَ نائما أوْ مُغْمَى عَلَيْهِ أوْ لايَعْلَمُ بها أجْزِأُهُ عَنِ الوُقُوفِ، وَالمَرأةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَّنْهَا تَكْشِفُ وَجْهَهَا دُونَ رَأْسِها، وَلا تَرْفَعُ صَوَّهَا بالتَّلْبِيَةِ، ولا تَرْمُلُ وَلا تَسْعَى، وَتُقَصِّرُ وَلا تَحْلِقُ، وَتَلْبِسُ المَخِيطَ وَلا تَسْتَلِمُ الحَجَرَ، ويستحب أن يتنفس فى الشرب ثلاث مرات ، وينظر إلى البيت فى كل مرة ويقول : بسم اللّه، والحمد لله، والصلاة على رسول اله؛ ويقول فى المرة الأخيرة: اللهمّ إنى أسألك رزقا واسعا ، وعلما نافعا ، وشفاء من كل داء وسقم يا أرحم الراحمين ؛ ثم يمسح به وجهه ورأسه ، ويصبّ عليه إن تيسر له ( ثم يأتى باب الكعبة ويقبل العتبة ) لما فيه من زيادة التضرّع ( ثم يأتى الملتزم) وهو بين الباب والحجر الأسود ( فيلصق بطنه بالبيت ويضع خده الأيمن عليه ويتشبث بأستار الكعبة ) كالمتعلق بطرف ثوب مولاه يستغيثه فى أمر عظيم ( ويجتهد فى الدعاء ) فانه موضع إجابة الدعاء جاء به الأثر (ويبكى ) أو يتباكى فانه من علامات القبول ( ويرجع القهقرى حتى يخرج من المسجد ) ليكون نظره إلى الكعبة ؛ ويستحب أن يقول عند الوداع : اللهمّ هذا بيتك الذى جعلته مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله، اللهم فكما هديتنا لذلك فتقبله منا ولا تجعله آخر العهد من بيتك الحرام وارزقنى العود إليه حتى ترضى عنى برحمتك يا أرحم الراحمين . قال (وإذا لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفة ووقف بها ) على الوجه الذى بيناه ( سقط عنه طواف القدوم ) لأنه شرع فى أفعال الحج ، فيجب عليه الإتيان بسائر أفعاله على وجه الترتيب، ولا دم عليه لأنه سنة فلا يجب بتركها شىء. قال ( ومن اجتاز بعرفة نائما أو مغمى عليه أو لا يعلم بها أجزأه عن الوقوف ) لوجود الركن وهو الوقوف، ولإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام ((من وقف بعرفة فقد تم حجه)). قال ( والمرأة كالرجل ) لأن النص يعمهما ( إلا أنها تكشف وجهها دون رأسها) لقوله عليه الصلاة والسلام ((إحرام المرأة فى وجهها)) (ولا ترفع صوتها بالتلبية ) خوفا من الفتنة ( ولا ترمل ولا تسعى ) لأن مبنى أمرها على الستر ، وفى ذلك احتمال الكشف (وتقصر ولا تحلق ) لأنه عليه الصلاة والسلام نهى النساء عن الجلق وأمرهن بالتقصير ( وتلبس المخيط ) لأن فى تركه خوف كشف العورة ( ولا تستلم الحجر - ١٥٧ - إذَا كانَ هُنَاكَ رِجَالٌ، وَلَوْ حاضَتْ عِنْدَ الإِحْرَامِ اغْتَسَلَتْ وَأَحْرَمَتْ، إلاَّ أَّنها لا تَطُوفُ، وَإِنْ حاضَتْ بَعْدَ الوُقُوفِ وَطَوَافِ الزّيارَةِ عَادَتْ وَلَا شَىْءٌ عَلْها لِطَوَافِ الصَّدْرِ . فصل العُمْرَةُ سُنَّةٌ، وَهِىَ: الإِحْرَامُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْىُ، ثُمَّ تَخْلِقُ أوْ يُقَصِّرُ، وَهِىَ جَائِزَةٌ فِى جَمِيعِ السَّنَةِ، وَتُكْرَهُ يَوْمَتَىْ عَرَفَةَ وَالنَّحَرِ وأيَّامَ الَّشْرِيقِ، ويَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فى أوَّلِ الطَّوَافِ. إذا كان هناك رجال ) لأنها ممنوعة عن مماستهم . قال ( ولو حاضت عند الإحرام اغتسلت وأحرمت) لما مر فى الرجل ( إلا أنها لا تطوف ) لأن الطواف فى المسجد وهى ممنوعة من دخول المسجد ( وإن حاضت بعدالوقوف وطواف الزيارة عادت ولا شىء عليها لطواف الصدر ) لأنه عليه الصلاة والسلام رخص للحيض فى طواف الصدر . ( العمرة سنة) (١) وينبغى أن يأتى بها عقيب الفراغ من أفعال الحج ، لقوله عليه الصلاة والسلام (( تابعوا بين الحج والعمرة ، فانه يزيد فى العمر والرزق ، وينفيان الذنوب كما نفى الكير خبث الحديد)). وقال عليه الصلاة والسلام ((الحج جهاد والعمرة تطوّع)) وأنه نص فى الباب ، والآية (٢) محمولة على وجوب الإتمام ، وذلك يكون بعد المشروع ، ونحن نقول بوجوب الإتمام بعد الشروع ، ولا حجة فيها على الوجوب ابتداء. قال ( وهى الإحرام والطواف والسعى ثم يحلق أو يقصر (٣) ) للتحليل ، هكذا فعله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع ( وهى جائزة فى جميع السنة ) لأنها غير مؤقتة بوقت ( وتكره يومى عرفة والنحر وأيام التشريق ) منقول عن عائشة ، والظاهر أنه سماع من النبى صلى الله عليه وسلم، ولأن عليه فى هذه الأيام باقى أفعال الحج ، فلو اشتغل بالعمرة ربما اشتغل عنها فتفوت ، ولو أَدَّاها فيها جاز مع الكراهة كصلاة التطوّع فى الأوقات الخمسة المكروه: (ويقطع التلبية فى أوّل الطواف) لأنه عليه الصلاة والسلام قطعها لما استلم الحجر ، والله أعلم . (١) وفى البدائع: قال علماونا: إنها واجبة كصدقة الفطر والأضحية والوتر. وقال بعضهم تطوّع ، ومنهم من أطلق اسم السنة قال : وإطلاق السنة لاينافى الوجوب ، وقيل إنها فرض كفاية ، وقيل عين ، كذا بهامش نسخة اهـ . (٢) قوله والآية: هى قوله تعالى : - وأتموا الحج والعمرة لله -. (٣) قال فى المنتقى: ركن العمرة شيئان: الإحرام، والطواف. وواجبها: السعى بين الصفا والمروة ، والحلق . - ١٥٨ - باب التمتع وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الإِفْرَادِ. وَصِفَتُهُ: أَنْ يُحْرِمَ بعمْرَةٍ فِى أَشْهُرِ الحَجّ، وَيَطوفَ وَيَسْعَى، وَيَحْلِقَ أَوْ يُقْتَصِّرَّ وَقَدْ حَلَّ، ◌ُثُمَّ يُحْرِمُ بِالحَجّ يَوْمَ الَّرْوِيَِّةِ، وَقَبْلُهُ أَفْضَلُ، وَيَفْعَلُ كالْمُفْرِدِ، وَيَرْمُلُ وَيَسْعَى، وَعَلَيْهِ دَمُ التَّمَتَّعِ، فانْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ آخِرُها يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَوْ صَامَهَا قَبْلَ ذلكَ وَهُوَ ◌ُحْرِمّ جازَ، وَسَبْعَةَ إِذَا فَرَعَ مِنْ أَفْعالِ الحَجّ، فإن لم يصمِ الثَّلاثَةَ لَمْ يُجْزِهِ إلاَّ الدَّمُ (فِ) ، باب التمتع وهو الجمع بين أفعال العمرة والحج فى أشهر الحج فى سنة واحدة بإحرامين بتقديم أفعال العمر؟ من غير أن يلمّ بأهله إلماما صحيحا ، حتى أو أحرم قبل أشهر الحج وأنى بأفعال العمرة في أشهر الحج كان متمتعا ، ولو طاف طواف العمرة قبل أشهر الحج أو أكثره لم يكن متمتعا ، والإلمام الصحيح أن يعود إلى أهله بعد أفعال العمرة حلالا ( وهو أفضل من الإفراد ) وعن أبى حنيفة أن الإفراد أفضل ، لأن المفرد يقع سفره للحج والمتمتع للعمرة ، وجه الظاهر أن سفر المتمتع يقع للحج أيضا ، وتخلل العمرة بينهما لا يمنع وقوعه للحج كتخلل التنفل بين السعى والجمعة ، ولأن المتمتع يجمع بين نسكين من غير أن بلم بأهله حلالا ، ويجب فيه الدم شكرا لله تعالى، ولا كذلك المفرد (وصفته : أن يحرم بعمرة فى أشهر الحج، ويطوف ويسعى) كما بينا (ويحلق أو يقصر، وقد حلّ ) فهذه أفعال العمرة على ما بينا ( ثم يحرم بالحج يوم التروية، وقبله أفضل) يعنى من الحرم لأنه فى معنى المكى ( ويفعل كالمفرد ) فى طواف الزيارة ( ويرمل ويسعى) لأنه أوّل طواف أتى به ( وعليه دم التمتع ) لقوله تعالى - ثمن تمتع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدى - ( فان لم يجد صام ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة) لقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم - والمراد وقت الحجّ (ولو صامها قبل ذلك وهو محرم جاز) لأنها فى وقت الحج. قال ( وسبعة إذا فرغ من أفعال الحج ) يعنى بعد أيام التشريق ، لأنه المراد من قوله تعالى - إذا رجعتم - لأنه سبب للرجوع إلى الأهل. وقيل المراد إذا رجعتم من أفعال الحجٌ فقد صام بعد السبب فيجوز . ولو قدر على الهدى قبل صوم الثلاثة أو بعده قبل يوم النحر لزمه الهدى وبطل صومه ، لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل وهو التحلل ، وإن قدر عليه بعد الحلق قبل صوم السبعة لأهدى عليه الحصول المقصود بالبدل . قال (فان لم يصم الثلاثة لم يجزه إلا الدم ) كذا روى عن عمر وابنه وابن عباس رضى الله عنهم، - ١٥٩ - وَإنْ شاءَ أَنْ يَسوقَ الهَدْىَ أَحْرَمَ بالعُمْرَةِ وَسَاقَ وَفَعَلَ مَا ذَكِتَرْنَا وَهُوَ أَفْضَلُ، وَلا يَحِلَّلُ مِنْ عُمْرَتِهِ، وَيُحْرِمُ بالحَجّ، فإذَا حَقَ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنَّ الإِحْرامَسْنٍ وَذَبَحَ دَمَ الثَّمْتُّعِ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَمَنْ كانَ دَاخِلَ المِيقاتِ تَمَتَّعٌ وَلا قِرَانٌ، وَإنْ عادَ الْمُتَمَنِّعُ إلى أهْلِهِ بَعْدَ العُمْرَةِ وَلَمْ يَكُّنْ ساقَ الحَدْىَ بَطَلَ تْمَتُّعُهُ، وَإنْ سَاقَ لَمْ يَبْطُلْ (م). ولا تقضى لأنها بدل ولا بدل للبدل ، ولأن الأبدال لا تنصب قياسا ، ولا يجوز صومها أيام النحر لأنها وجبت كاملة ، فلا تتأدّى بالناقص ، وإذا لم يصم الثلاثة لم يصم السبعة ، لأن العشر وجبت بدلا عن التحلل ، وقد فاتح بفوات البعض فيجب الهدى ، فان لم يقدر على الهدى تحلل وعليه دمان : دم التمتع ، ودم لتحلله قبل الهدى قال ( وإن شاء أن يسوق الهدى أحرم بالعمرة وساق وفعل ما ذكرنا وهو أفضل ) لأنه عليه الصلاة والسلام فعل كذلك ، ولما فيه من المسارعة وزيادة المشقة ، فان ساق بدنة قلدها بمزادة أو نعل ، لأنه عليه الصلاة والسلام قلد هداياه ، والإشعار مكروه عند أبى حنيفة حسن عندهما . وصفته : أن يشق سنامها من الجانب الأيمن، لهما ما روى أنه عليه الصلاة والسلام فعل كذلك، وكذا روى عن الصحابة . ولأبى حنيفة أنه مثلة فيكون منسوخا لتأخير المحرّم ؛ وقيل إنما كره أبو حنيفة الإشعار إذا جاوز الحدّ فى الجرح ، وفعله عليه الصلاة والسلام كان لأن المشركين كانوا لا يمتنعون عن التعرّض له إلا بالإشعار ، أما اليوم فلا . قال ( ولا يتحلل من عمرته ) لقوله عليه الصلاة والسلام ( من لم يسق الهدى فليحلّ" وليجعلها عمرة ، ومن ساق فلا يحلّ حتى ينحر معنا)) روته حفصة رضى الله عنها. قال (ويحرم بالحج ) كما تقدم ( فاذا حلق يوم النحر حلّ من الإحرامين ) لأنه محلل فيتحلل به عنهما ( وذبح دم التمتع ) لما مر ( وليس لأهل مكة ومن كان داخل الميقات تمتع ولا قران ) لقوله تعالى - ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام - ولو خرج المكى إلى الكوفة وقرن صحّ ولا يكون له تمتع ، لأنه إذا تحلل من العمرة صار مكيا ، فيكون حجه من وطنه . قال ( وإن عاد المتمتع إلى أهله بعد العمرة ولم يكن ساق الهدى بطل تمتعه) لأنه ألمّ بأهله إلماما صحيحا فانقطع حكم السفر الأوّل (وإن ساق لم يبطل ) وقال محمد : يبطل أيضا لأنه أتى بالحج والعمرة فى سفرتين حقيقة، ولهما أنه لم يصحّ إلمامه لبقاء إحرامه ، فكان حكم السفر الأوّل باقيا، وصار كأنه بمكة فقد أتى بهما فى سفر واحد حكما . - ١٦٠ - باب القران وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَنَّعِ (ف). وصِفَتُهُ: أنْ يُهِلَّ بِالحَجّ وَالعُمْرَةِ مَعًا مِن الميقاتٍ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنى أُرِيدُ الحَجَّ والعُمْرَةَ فَيَسِّرْهُما ◌ِى وَتَقَبَّلْهُمَا مِنى، فاذَا دَخَلَ مَكةَ طافَ للعُمْرَةَ وَسَعَتَى، ◌ُثُمَّ يَشْرَعُ فى أفْعالِ الحَجّ فَطُوفُ للْقُدُومِ، فَاذَا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَّةِ يَوْمَ النَّحْرِ ذَبَحَ دَمَ القِرَانِ، فإنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ كالمُتْمَنَّعِ، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلِ القارِنُ مَكَّةَ وَ تَوَجَّهَ إلى عَرَفَاتِ بَطَلَ قِرَآنُهُ وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ القِرَانِ باب القران وهو الجمع بين العمرة والحجّ بإحرام واحد فى سفرة واحدة ( وهو أفضل من التمتع ) لقوله عليه الصلاة والسلام((أتانى آت من ربى وأنا بالعقيق فقال: صلّ فى هذا الوادى المبارك ركعتين وقل: لبيك بحجة وعمرة معا)). وقال عليه الصلاة والسلام ((يا آل محمد أهلوا بحجة وعمرة معا)) ولأنه أشقّ لكونه أدوم إحراما وأسرع إلى العبادة وفيه جمع بين النسكين ( وصفته: أن يهلّ بالحجّ والعمرة معا من الميقات) لأن القران ينبىء عن الجمع ( ويقول : اللهمّ إنى أريد الحج والعمرة فيسرهما لى وتقبلهما منى ) لما تقدم ، وكذا إذا أدخل حجة على عمرة قبل أن يطوف لها أربعة أشواط لتحقق الجمع . قال ( فاذا دخل مكة طاف للعمرة وسعى) على ما بيناه ( ثم يشرع فى أفعال الحج فيطوف للقدوم ) لقوله تعالى - فمن تمتع بالعمرة إلى الحج - جعل الحج نهاية للعمرة ، والترتيب إن فات فى الإحرام لم يفت فى حقّ الأفعال ، فيأتى بأفعال الحج كما بينا فى المفرد، ولا يحلق بعد أفعال العمرة لأنه جناية على إحرام الحج ، ويحلق يوم النحر كالمفرد ( فاذا رمى جمرة العقبة يوم النحر ذبح دم القران ، فان لم يجد صام كالمتمتع ) وقد بيناه ، وإن طاف القارن طوافين وسعى سعيين أجزأه ، لأنه أدى ما عليه وقد أساء لمخالفته السنة ، ولا شىء عليه لأن طواف القدوم سنة وتركه لايوجب شيئا ، فتقدمه على السعى أولى ، وتأخير السعى بالاشتغال بعمل آخر لا يوجب الدم ، فكذا الاشتغال بالطواف . قال ( وإذا لم يدخل القارن مكة وتوجه إلى عرفات ووقف بها بطل قرانه ) لأنه عجز عن تقديم أفعال العمرة كما هو المشروع فى القران ، ولا يصير رافضا بالتوجه حتى يقف هو الأصح عند أبى حنيفة بخلاف مصلى الظهر يوم الجمعة حيث تبطل بمجرد السعى لأنه مأمور ثم بالسعى بعد الظهر ، وههنا هو منهىّ عن التوجه إلى عرفة قبل أداء العمرة فافترقا . قال ( وسقط عنه دم القران ) لأنه لم يوفق لأداء