Indexed OCR Text

Pages 121-140

- ١٢١ -
وَلا إِلى مَوْلى هاشِمِى، وَإِنْ أَعْطَى فَقِيرًاً وَاحِدًا نِصَابًا أَوْ أَكْسَثْرَ جازَ (ز)
وَيُكْرَهُ ،
فتحل لهم الصدقة ، وكذلك الحكم فيما سوى الزكاة من الصدقات الواجبات كصدقة الفطر
والكفارات والعشور والنذور وغير ذلك ، لأنها فى معنى الزكاة ، فإنه يطهر نفسه بأداء
الواجب وإسقاط الفرض ، فيتدنس المؤدى كالماء المستعمل ، بخلاف صدقة التطوّع حيث
تحل للهاشمى لأنها لاتدنس كالوضوء للتبرد. قال ( ولا إلى مولى هاشمى) لقوله صلى الله
عليه وسلم لمولاه أبى رافع وقد سأله عن ذلك ((إن الصدقة محرّمة على محمد وعلى آل محمد،
وإن مولى القوم منهم (١))). وذكر بعض أصحابنا: يجوز للهاشمى أن يدفع زكاة ماله إلى
الهاشمى عند أبى حنيفة ، خلافا لأبى يوسف ؛ ووجهه أن المراد بقوله أوساخ الناس غيرهم
هو المفهوم من مثله ، فيقتضى حرمة زكاة غيرهم عليهم لاغير . وذكر فى المنتقى عن
أبى عصمة عن أبى حنيفة أن الصدقة تحل لبنى هاشم ، وفقيرهم فيها كفقير غيرهم ، ووجهه
أن عوضها وهوخمس الخمس لم يصل إليهم لإهمال الناس أمر الغنائم وقسمتها وإيصالها إلى
مستحقها ، وإذا لم يصل إليهم العوض عادوا إلى المعوض عملا بمطلق الآية سالما عن
معارضة أخذ العوض ، وكما فى سائر المعاوضات ، ولأنه إذا لم يصل إليهم واحد منهما
هلكوا جوعا ، فيجوز لهم ذلك دفعا للضرر عنهم .
واعلم أن التمليك شرط . قال تعالى - وآتوا الزكاة - والإيتاء : الإعطاء؛ والإعطاء :
التمليك ، فلا بد فيها من قبض الفقير أو نائبه كالوصى والأب ومن يكون الصغير فى عياله
قريبا كان أو أجنبيا ، وكذلك الملتقط للقيط ، لأن التمليك لايتم بدون القبض ولا يبنى بها
مسجد ولا سقاية ولا قنطرة ولا رباط ، ولا يكفن بها ميت ، ولا يقضى بها دين ميت ،
ولا يشترى بها رقبة تعتق لعدم التمليك ؛ ولو قضى بها دين فقير جاز ، ويكون القابض
کالوكيل عن الفقير . قال ( وإن أعطی فقيرا واحدا نصابا أو أكثر چاز ويكره ) وقال
زفر: لا يجوز لمقارنة الأداء الغنى فيمنع وقوعه زكاة . ولنا أن الغنى يتعقب الأداء لحصوله
بالقبض والقبض بعد الأداء ، إلا أنه قريب منه فيكره كمن صلى قريبا من النجاسة .
ومن المشايخ من قال : إن كان عليه دين لو قضاه بقى معه أقل من نصاب ، أو كان له
عيال لو فرَّق عليهم أصاب كل واحد دون النصاب لايكره لأنه أعطاه سهما من ذلك .
(١) نقل الزيلغى هذا الحديث بلفظ آخر نصه: أنه عليه الصلاة والسلام بعث رجلا
من بنى مخزوم على الصدقة ، فقال الرجل لأبى رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم :
اصمبنى كيما تصيب منها ، فقال لا حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق فسأله،
فقال عليه الصلاة والسلام ((إن الصدقة لاتحل لنا، وإن مولى القوم من أنفسهم)) رواه
الجماعة وصححه الترمذى اهـ .

- ١٢٢ -
وَ يَجُوزُ دَفْعُها إِلَى مَنْ يَمْلِكُ دُونَ النَّصَابِ وَإنْ كانَ صَحِحا مُكْنَسِبًا، وَلَوْ
دَفَعَها إلى مَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَكان غَنِيَّاً، أو هاشِمِيًّا، أوْ دَفَعتها فى ظُلْمَةِ
فَظَهَرَ أَنَّهُ أَبُوهُ أَوْ ابْتُهُ أَجْزِأَهُ (س)، وَإنْ كانَ عَبْدَهُ أوْ مُكَاتَبَهُ كَمَّ
يُجْزِهِ، وَيَكْرَهُ نَقْلُها إلى بلدٍ آخَرَ إِلاَّ إِلى قَرَابَتِهِ أَوْ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ مِنْ
أهْلِ بَلَدهِ .
قال ( ويجوز دفعها إلى من يملك دون النصاب وإن كان صحيحا مكتسبا ) لأنه فقير .
واعلم أن الغنىّ على مراتب ثلاثة: غنى يحرّم عليه السؤال ويحلّ له أخذ الزكاة ، وهو
أن يملك قوت يومه وستر عورته ؛ وكذلك الحكم فيمن كان صحيحا مكتسبا ، لقوله عليه
الصلاة والسلام ((من سأل عن ظهر غنى فإنه يستكثر من جمر جهنم ، قيل يا رسول الله
وما ظهر غنى ؟ قال : أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم ويعشيهم)) وغنى يحرم عليه السؤال
والأخذ ويوجب عليه صدقة الفطر والأضحية ، وهو أن يملك ما قيمته نصاب فاضلا عن
الحوائج الأصلية من غير أموال الزكاة كالثياب والأثاث والعقار والبغال والحمير ونحوه .
قال عليه الصلاة والسلام (( لاتحل الصدقة لغنى، قيل ومن الغنى؟ قال: من له مائتا درهم))
وغنى يحرم عليه السؤال والأخذ ، ويوجب عليه صدقة الفطر والأضحية ، ويوجب عليه
أداء الزكاة ، وهو ملك نصاب كامل نام على ما بيناه . قال (ولو دفعها إلى من ظنه فقيرا
فكان غنيا أو هاشميا ) أو حربيا أو ذميا ( أو دفعها فى ظلمة فظهر أنه أبوه أو ابنه أجزأه )
وقال أبو يوسف : لا يجزيه لأنه تبين خطوه بيقين ، فصار كالماء إذا ظهر أنه نجس بعد
استعماله . ولنا أنه أتى بما وجب عليه ، لأن الواجب عليه الدفع إلى من هو فقير فى اجتهاده
لأنه لا يمكن الوقوف على الحقيقة ، فقد يكون فى يد الإنسان مال لغيره أو مغصوب أو عليه
دين ، فاذا أعطاه بعد الاجتهاد أجزأه كما إذا أخطأ القبلة بعد الاجتهاد ، ولحديث معاذ بن
يزيد قال (( دفع أبى صدقته إلى رجل أيفرقها على المساكين فأعطانى ، فلما علم أبى أراد
أخذه منى فلم أعطه ، فاختصمنا إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا معن لك ما أخذت
ويا يزيد لك مانويت)). قال ( وإن كان عبده أو مكاتبه لم يجزه ) لأنه لم يخرج عن ملكه
خروجا صحيحا، وهذا بالإجماع . قال ( ويكره نقلها إلى بلد آخر ) لما تقدم من حديث
معاذ ، ولأن لفقراء بلده حكم القرب والجوار ، وقد اطلعوا على أموالهم وتعلقت بهم
أطماعهم ، فكان الصرف إليهم أولى. قال ( إلا إلى قرابته ) لما فيه من صلة الرحم مع
سقوط الفرض ( أو من هو أحوج من أهل بلده ) لحديث معاذ ، فانه كان ينقل الصدق
من اليمين إلى المدينة ، لأن فقراء المدينة أحوج وأشرف ، ولو نقل إلى غيرهم جاز لإطلاق
النصوص .

- ١٢٣ -
باب صدقة الفطر
وَهِىَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْحُرّ الْمُسْلِمِ المَالِكِ لِقْدَارِ النِّصَابِ فَاضِلاً عَنْ حَوَائِجِهِ
الأصْلِيَّةِ، عَنْ نَفْسِهِ وَأوْلادِهِ الصّغارِ وَعِبِيدِهِ لِلْخِدْمَةِ وَمُدَبَّرِهِ وأُمَّ وَلَدِهِ
وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا لاَ غْرُ، وَهِىَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرّ أَوْ دَقِيقِهِ، أَوْ صَاعٍ مِنْ
شَعِيرٍ أوْ دَقِيقِهِ أَوْ تمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ ،
باب صدقة الفطر
( وهى واجبة على الحر المسلم المالك لمقدار النصاب فاضلا عن حوائجه الأصلية ) كما
بيناه ، وشرط الحرية لأن العبد غير مخاطب بها لعدم ملكه ، والإسلام لأنها عبادة . وقال
عليه الصلاة والسلام فيها ((إنها طهرة للصائم من الرفث)) وإنه مختص بالمسلم والغنى لقوله
عليه الصلاة والسلام ((لاصدقة إلا عن ظهر غنى)) وفى رواية ((إنما الصدقة عن ظهر
غنى)) والأصل فى وجوبها ما روى عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذرى عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه قال (( أدوا عن كل حر وعبد صغير أو كبير نصف صاع من بر أو صاعا من
من تمر أو صاعا من شعير)). وعن عمر رضى الله عنه قال ((فرض رسول الله صلى الله عليه
وسلم زكاة الفطر على الذكر والأنثى والحر والعبد صاعا من تمر أو صاعا من شعير)).
وقال عليه الصلاة والسلام (( أدُّوا صدقة الفطر عن كل حر وعبد يهودى أو نصرانى)).
قال ( عن نفسه وأولاده الصغار وعبيده للخدمة ومدبره وأم ولده وإن كانوا كفارا لا غير )
.والأصل فى ذلك أن سبب وجوبها رأس يمونه ويلى عليه ، لأنه يصير بمنزلة رأسه فى الذب
(والنصرة. قال عليه الصلاة والسلام ((أدُّوا عمن تمونون)) فيلزمه عن أولاده الصغار
.ومماليكه المسلمين والكفار والمدبر وأم الولد بمنزلة العبد ، ولا تجب عن أبويه وأولاده
الكبار وزوجته ومكاتبه لعدم الولاية ، ولو كان أبوه مجنونا فقيرا يجب عليه صدقة فطره
لوجود المئونة والولاية ، ولا تجب عن حفدته (١) مع وجود أبيهم ، فإن عدم فعليه صدقتهم
وقيل لايجب أصلا . وعن أبى يوسف : لو أخرج عن زوجته وأولاده الكبار وهم فى عياله
بغير أمرهم أجزأهم ، لأنه مأذون فيه عادة . قال ( وهى نصف صاع من بر أو دقيقه ،
أو صاع من شعير أو دقيقه ، أو تمر أو زبيب ) أما البر والشعير والتمر فلما روينا ، وأما
الدقيق فلأنه مثل الحب بل أجود ، وكذا سويقهما ؛ وأما الزبيب فقد روى فى حديث
أبى سعيد الخدرى ((أو صاعا من زبيب)). وعن أبى حنيفة فى الزبيب نصف صاع،
(١) الحفيد : ولد الولد .

- ١٢٤ -
أَوْ قِيمَةُ ذلكَ، وَالصَّاعُ ثمانِيَةُ (س) أرْطالٍ بالعِرَائِىّ، وَتَجِبُ بِطُلُوعِ الفَجْرِمِنْ
يَوْمِ الفِطْرِ، فإنْ قَدَّمَها جازَ (ف)، وإن أخَّرَها فَعَلَيْهِ إخْرَاجُها، وَإن كانَ
الصَّغِيرِ مالٌ أدَّى عَنْهُ وَلِيُّهُ وَعَنْ عَبْدِهِ (م)، وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُها يَوْمَ
النِطْرِ قَبْلَ الحُرُوجِ إلى المُصَلَّى.
لأنه لايوكل بعجمه (١) فأشبه الحنطة . قال ( أو قيمة ذلك ) وقد مر فى الزكاة . قال
أبو يوسف : الدقيق أحبُّ إلىَّ من الحنطة، والدراهم أحب إلىّ من الدقيق لأنه أيسر على
الغنى وأنفع للفقير، والأحوط الحنطة ايخرج عن الخلاف ؛ ولا يجوز الخبز والأقط (٢)
إلا باعتبار القيمة لعدم ورود النص بهما . قال ( والصاع ثمانية أرطال بالعراقى ) وقال
أبو يوسف : خمسة أرطال وثلث رطل وهو صاع أهل المدينة ، نقلوا ذلك عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم خلفا عن سلف. وقال عليه الصلاة والسلام ((صاعنا أصغر الصيعان)).
ولنا ما روى الدارقطنى فى سننه عن أنس قال ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ
بالمد ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال )) وعمر رضى الله عنه قدر الصاع لإخراج الكفارة بثمانية
أرطال بحضرة الصحابة ، وأنه أصغر من الهاشمى . قال ( وتجب بطلوع الفجر من يوم
الفطر ) لأنه يقال صدقة الفطر ، والفطر إنما يتجدد باليوم دون الليل ( فان قدمها جاز )
لأنه أدَّاها بعد السبب وهو رأس يمونه ويلى عليه. وقال الحسن: لايجوز . وروى نوح
ابن أبى مريم أنه يجوز إذا مضى نصف رمضان . وعن خلف بن أيوب : يجوز فى رمضان
ولا يجوز قبله ( وإن أخرها فعليه إخراجها ) لأنها قربة مالية معقولة المعنى فلا تسقط
بالتأخير كالزكاة بخلاف الأضحية ، فان الإراقة غير معقولة المعنى ( وإن كان للصغير
مال أدَّى عنه وليه وعن عبده ) لأنها مئونة كالجناية ونفقة الزوجة . وقال محمد : لاتجب
فى ماله كالزكاة ، والمجنون كالصبى ( ويستحب إخراجها يوم الفطر قبل الخروج إلى
المصلى ) وقد بيناه فى العيدين ، والله أعلم .
(١) قوله بعجمه ، قال فى مختار الصحاح : العجم بفتحتين النوى ، وكل ما كان
فى جوف مأكول كالزبيب ونحوه اهـ .
(٢) الأقط : اللبن المجفف .
١

- ١٢٥ -
كتاب الصوم
صَوْمُ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ عاقِلِ بالِيخِ أَدَاءَ وَقَضَاءُ، وَصَوْمٍ
النَّدْرِ وَالكَفَّارَاتِ وَاجِبٌ، وَمَا سِوَاهُ نَفْلٌ، وَصَوْمُ العِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ
حَرَامٌ ،
كتاب الصوم
الصوم فى اللغة : مطلق الإمساك ، يقال : صامت الشمس : إذا وقفت فى كبد السماء
وأمسكت عن السير ساعة الزوال . وقال النابغة: « خيل صيام وخيل غير صائمة. (١)
أى ممسكات عن العلف وغير ممسكات . وفى الشرع : عبارة عن إمساك مخصوص ، وهو
الإمساك عن المفطرات الثلاث بصفة مخصوصة ، وهو قصد التقرب من شخص مخصوص
وهو المسلم بصفة مخصوصة وهى الطهارة عن الحيض والنفاس فى زمان مخصوص ، وهو
بياض النهار من طلوع الفجر الثانى إلى غروب الشمس ، وهو فريضة محكمة يكفر جاحدها
ويفسق تاركها . ثبتت فرضيته بالكتاب وهو قوله تعالى - فمن شهد منكم الشهر فليصمه -
وقوله تعالى - كتب عليكم الصيام -. وبالسنة وهو ما مر من الحديث فى كتاب الصلاة ،
وقوله عليه الصلاة والسلام ((صوموا شهركم)) وعليه إجماع الأمة، وسبب وجوبه الشهر
لإضافته إليه يقال صوم رمضان ، ولتكرره بتكرار الشهر وكل يوم سبب وجوب صومه .
قال ( صوم رمضان فريضة على كل مسلم عاقل بالغ أداء وقضاء ) أما الفرضية فلما ذكرنا.
وأما الإسلام فلأن الكافر ليس أهلا للعيادة . والعقل والبلوغ لأن الصبي والمجنون غير
مخاطبين . وأما أداء فلقوله تعالى - فمن شهد منكم الشهر فليصمه -. وأما قضاء فلقوله تعالى
- فعدَّة من أيام أخر - أى فليصم عدة من أيام أخر . قال ( وصوم النذر والكفارات
واجب (٢)) أما النذر فلقوله تعالى - وليوفوا نذورهم - وقوله عليه الصلاة والسلام ((ف (٣)
بنذرك)) وأما الكفارات فلما يأتى فيها إن شاء الله تعالى . قال ( وما سواه نقل ) لأن النفل
فى اللغة مطلق الزيادة ؛ وفى الشرع : الزيادة على الفرائض والواجبات. قال (وصوم العيدين
وأيام التشريق حرام) لرواية عقبة بن عامر قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن صوم يوم النحر وأيام التشريق)) وقال عليه الصلاة والسلام فى أيام منى ((إنها أيام أكل
(١) تمامه : تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما .
(٢) فى جعله الكفارات من الواجب نظر إذ هى فرض .
(٣) قوله : ف بنذرك، لفظ الحديث فى نسخة أخرى: أوفوا بنذوركم)) اهـ مصححه.

- ١٢٦ -
وَصَوْمُ رَمَضَانَ، والنَّذْرِ الْمُعَنِّينِ يُهُوزُ بِنِيَّةٍ مِنَّ اللَّيْلِ وَإلى نِصْفِ الَّهَارِ،
وَ بُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَبِنِيَّةِ النَّفْلِ.
وشرب وبعال (١))) ويوم الفطر مأمور بإفطاره، وفى صومه مخالفة الأمر ومخالفة الاسم،
وعلى ذلك الإجماع قال (وصوم رمضان والنذر المعين يجوز بنية من الليل وإلى نصف
النهار وبمطلق النية وبنية النفل ) .
اعلم أن النية شرط فى الصوم ، وهو أن يعلم بقلبه أنه يصوم ، ولا يخلو مسلم عن هذا
فى ليالى شهر رمضان ، وليست النية باللسان شرطا ، ولاخلاف فى أول وقتها ، وهو غروب
الشمس . واختلفوا فى آخره على ما نبينه إن شاء اللّه تعالى . وقال زفر : النية فى صوم
رمضان ليست بشرط للصحيح المقيم ، لأن الزمان متعين لعدم الفرض فى حقه حتى لايجوز
غيره ، فمتى حصل فيه إمساك وقع عن فرض رمضان لصوم مزاحمة غيره ، فصار كإعطاء
النصاب جميعه للفقير بعد الحول . ولنا أنه عبادة فلا يجوز إلا بالنية كسائر العبادات ،
ولقوله عليه الصلاة والسلام ((الأعمال بالنيات)) ولما مر فى الصلاة، ولأن الإمساك قد
يكون للعادة أو لعدم الاشتهاء أو للمرض أو للرياضة ويكون للعبادة فلا يتعين لها إلا بالنية
كالقيام إلى الصلاة وأداء الخمس إلى الفقير ، بخلاف تعيين النية فإنه لا يشترط ، لأن الصوم
المشروع فيه لا يتنوّع ، وقوله : الزمان متعين لصوم الفرض . قلنا نعم ، لكن إذا حصل
الصوم فلم قلتم إنه حصل غاية الأمر أنه حصل الإمساك وقد خرج جوابه . وأما هبة النصاب
قلنا وجد منه معنى النية ، وهو القربة لحصول الثواب به ، وهذا لا يجوز الرجوع فى الموهوب
للفقير لحصول الثواب به ، أما هنا حصل مطلق الإمساك ولا ثواب فيه ، ولهذا لا يكون
صوما خارج رمضان . وروى القدورى عن الكرخى أنه أنكر هذا القول عن زفر وقال :
إنما مذهبه أنه يكفيه نية واحدة كقول مالك ، ووجهه أن صوم الشهر عبادة واحدة ، لأن
السبب واحد وهو شهود جزء من الشهر فصار كركعات الصلاة . وجوابه أن النية شرط
لكل يوم ، لأن صوم كل يوم عبادة على حدة ، ألا ترى أنه لو فسد صوم يوم لا يمنع
صحة الباقى ، وكذا عدم الأهلية فى بعضه لا يمنع تقرر الأهلية فى الباقى فتجب النية لكل
عبادة، ولأنه يخرج عن صوم اليوم بمجىء الليلة. قال عليه الصلاة والسلام ((إذا أقبل
الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغابت الشمس فقد أفطر الصائم)) وإذا خرج يحتاج
إلى الدخول فى اليوم الثانى فيحتاج إلى النية كأول الشهر . وأما جواز الصوم بالنية إلى
نصف النهار لما روى ابن عباس (( أن الناس أصبحوا يوم الشك ، فقدم أعرابى وشهد
برؤية الهلال ، فقال عليه الصلاة والسلام : أتشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول اللّه؟ فقال
نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام: الله أكبر يكنفى المسلمين أحدهم ، فصام وأمر بالصيام ،
(١) قوله وبعال ، قال صاحب بلوغ المرام : البعال : مواقعة النساء اهـ مصححه .
٠

- ١٢٧ -
وَالنَّفْلُ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنَ الَّهَارِ، وَيَجُوزُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِنِيَّةٍ وَاجِبٍ آخَرَ ،
وَبَائى الصَّوْمِ لاَ يُجُوزُ إلاَّ بِنِيَّةٍ مُعَّنَةٍ مِن ◌َاللَّيْلِ، وَالمَرِيضُ والمُسافِرُ فى رَمَضَانَ
إِنْ نَوَى وَاجِبًا آخَرَ وَفَعَ عَنْهُ (سم ف) وَإِلاَّ وَقَعَ عَنْ رَ مَضَانَ.
وأمر مناديا فنادى : ألا من أكل فلا يأكل بقية يومه ، ومن لم يأكل فليصم )) أمر بالصوم
وأنه يقتضى القدرة على الصوم الشرعى ، لأنه صلى الله عليه وسلم بعث لبيان الأحكام
الشرعية وآمرا بها ، ولو شرطت النية من الليل لما كان قادرا عليه ، فدلَّ على عدم اشتراطها
ولأنه لو أراد الإمساك لما فرَّق بين الفريقين نفيا للالتباس ، وما يروى من الأحاديث
فى نفى الصوم إلا بالتبييت محمولة على نفى الفضيلة توفيقا بينها وبين ما روينا ، ولأن النية
ليست بشرط حالة الشروع حتى لونوى من الليل جاز ، وإنما جاز دفعا للحرج لأن أول
وقته طلوع الفجر الثانى ، وهو مشتبه لا يعرفه أكثر الناس ولا يقفون على أول طلوعه ،
وهو أيضا وقت نوم وغفلة ؛ والمتهجد يستحب له نوم آخر الليل ، وإنما جاز تقديم النية
دفعا لهذا الحرج ، وأنه موجود ههنا ، لأن من الناس من يبلغ آخر الليل وينقطع الحيض
والنفاس عند آخر الليل وينام حتى يصبح ، وكذا يوم الشك لايقدر على التبييت ، فقلنا
بالجواز بعد الفجر دفعا للحرج أيضا . بخلاف القضاء والكفارات والنذر المطلق ، لأن الزمان
غير متعين لها فوجب التبييت نفيا للمزاحمة ، ويعتبر نصف النهار من طلوع الفجر الثانى ،
فيكون إلى الضحوة الكبرى ، فينوى قبلها ليكون الأكثر منويا فيكون له حكم الكل حتى
لو نوى بعد ذلك لا يجوز لخلو الأكثر عن النية تغليبا للأكثر . وأما جوازه بمطلق النية وبنية
النفل ، لما روى عن على وعائشة رضى الله عنهما أنهما كانا يصومان يوم الشك ويقولان :
لأن نصوم يوما من شعبان أحبُّ إلينا من أن نفطر يوما من رمضان ، وكان صومهما بنية
النفل ، لأنه لا يجوز بنية الفرض ، فلولا وقوعه عن رمضان لو ظهر اليوم من رمضان لما
كان لاحترازهما فائدة ، ولأن الزمان متعين لصوم الفرض حتى لايقع فيه غيره بالإجماع ،
فتى حصل أصل النية كفى لوقوع الإمساك قربة ، فيقع عن رمضان لعدم المزاحمة ،
والأفضل الصوم بنية معينة مبيتة للخروج عن الخلاف . قال ( والنفل يجوز بنية من النهار)
لحديث عائشة قالت (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح دخل على نسائه وقال:
هل عندكنَّ شىء ؟ فان قلن لا ، قال: إنى إذا لصائم)) قال ( ويجوز صوم رمضان بنية
واجب آخر ) لما مر فى مطلق النية ونية النفل . قال ( وباقى الصوم لا يجوز إلا بنية معينة
من الليل ) لأن الوقت يصلح له ولغيره ، فيحتاج إلى التعيين والتبييت قطعا للمزاحمة .
قال ( والمريض والمسافر فى رمضان إن نوى واجبا آخر وقع عنه ، وإلا وقع عن رمضان )
وقالا : يقع عن رمضان فيهما ، لأن الرخصة لاحتمال تضرره وعجزه ، فاذا صام انتفى

- ١٢٨ -
وَوَقْتُ الصَّوْمِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّانِى إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهُوَ الإِمْساكُ
عَنِ الأَكْلِ وَالشَّرْبِ وَالجماعِ مَعَ النِّيَّةِ بِشَرْطِ الطَّهَارَةِ عَنِ الحَيْضِ وَالنَّفَاسِ؛
وَيَجِبُ أَنْ يَلْتَمسَ النَّاسُ الهلالَ فى التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَقْتَ
الغُرُوبِ، فإنْ رأوْهُ صَامُوا، وَإِنْ غُمَّ عَلْهِمْ أَكْمَلُوهُ ثَلاثينَ يَوْمًا ،
ذلك فصار كالصحيح المقيم . وله أن الشارع رخص له ليصرفه إلى ما هو الأهم عنده من
الصوم أو الفطر ، فصار كشعبان فى حق غيره ، فلما نوى واجبا آخر علمنا أنه الأهم
عنده فيقع عنه ، وقيل الأصح عند أبى حنيفة أن المريض إذا نوى واجبا آخر يقع عن
رمضان ، لأن إباحة الفطر للعجز (١)، فاذا قدر فهو كالصحيح ، بخلاف المسافر ،
والأول رواية الكرخى . وعن أبى حنيفة فى النفل روايتان ، فمن قال يقع عن رمضان
فلأنه لم يصرفه فى الأهم ، لأن الخروج عن العهدة أهم من النفل ، بخلاف واجب آخر فان
كل واحد منهما خروج عن العهدة . ومن قال يقع نفلا فلأنه كان مخيرا فله أن يصرفه إلى
ماشاء . قال ( ووقت الصوم من طلوع الفجر الثانى إلى غروب الشمس ) لقوله تعالى
- وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر - . قال
أبو عبيد : الخيط الأبيض : الصبح الصادق ، أباح الأكل والشرب إلى طلوع الفجر
فيحرم عنده . وأما آخره فلقوله عليه الصلاة والسلام (( إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر
النهار من ههنا أفطر الصائم أكل أو لم يأكل)). قال ( وهو الإمساك عن الأكل والشرب
والجماع مع النية بشرط الطهارة عن الحيض والنفاس ) لما تقدم أن الصوم هو الإمساك
لغة ، زدنا عليه النية ليقع قربة على ما قدمناه ، والطهارة من الحيض والنفاس ليتحقق
الأداء فى حق المرأة ، وتمامه ما مر فى الحيض . والنية : أن يعلم بقلبه أنه يصوم وقد مر .
قال ( ويجب أن يلتمس الناس الهلال فى التاسع والعشرين من شعبان وقت الغروب ) وهو
المأثور عنه عليه الصلاة والسلام وعن السلف ( فإن رأوه صاموا ، وإن غمَّ عليهم
أكملوه ثلاثين يوما) لقوله عليه الصلاة والسلام ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن
غمَّ عليكم فعدوا شعبان ثلاثين يوما )) ولأن الشهر كان ثابتا فلا يزول إلا بدليل وهو
الرؤية أو إكمال العدة ، وهكذا الحكم فى كل شهر .
(١) وهو اختيار صاحب الهداية ، والثانى ذكره فى المبسوط وغيره ، والتوفيق بين
اختيار صاحب الهداية وبين ما ذكر فى المبسوط أنه إذا كان الصوم لايضره ولا يزيد
فى علته يقع عن رمضان ، وإن كان يزيد فى علته يقع عما نوى : وهو المختار ، كذا
بهامش بعض النسخ .
1

- ١٢٩ -
وَإنْ كانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةُ غْمٍ أوْ غُّبَارٍ أَوْ نَحْوِهِما مِمَّا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ قُبِلَّ شَهَادَةُ
الوَاحِدِ العَدْلِ، وَالحُرُّ وَالعَبْدُ وَالمرأةُ فى ذلكَ سَوَاءٌ ، فإنْ رَدَّ القاضِى شَهَادَتَهُ
صَامَ، وَإِن لَمْ يَكَنْ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ لَمْ تُقْبَلُ إلاَّ شَهَادَةُ جَمْعٍ يَقَعُ العلْمُ
بِخَبَرِهِمْ، فإذَا ثَبَتَ فِى بَلَدٍ لَزِمَ جَمِيعَ النَّاسِ، وَلا اعْتِبَارَ باخْتِلافٍ
المطالع ،
قال ( وإن كان بالسماء علة غيم أو غبار أو نحوها مما يمنع الرؤية قبل شهادة الواحد العدل ،
والحر والعبد والمرأة فى ذلك سواء ) أما الواحد فلما تقدم من حديث الأعرابى ، ولأنه أمر
دينى فيقبل قول الواحد كرواية الأخبار ، والإخبار عن نجاسة الماء وطهارته ولا يشترط
فيه لفظ الشهادة . وأما العدالة فلأنه من أخبار الديانات ، فتشترط العدالة كسائر الأمور
الدينية ، وتقبل شهادة المحدود فى القذف إذا تاب ، لأن الصحابة قبلوا شهادة أبى بكرة ،
وفى مستور الحال خلاف بين الأصحاب ؛ ويفترض على من رأى الهلال أن يؤدى الشهادة
إذا لم يثبت دونه حتى يجب على المخدرة وإن لم يأذن لها زوجها . فان أكملوا ثلاثين ولم يروا
الهلال قال محمد : يفطرون بناء على ثبوت الرمضانية بشهادة الواحد ، وإن كان الفطر
لايثبت به ابتداء كالإرث بناء على ثبوت النسب بقول القابلة . وروى الحسن عن أبى حنيفة
أنهم لايفطرون أخذا بالاحتياط . وقال محمد رحمه الله: لا أتهم مسلما بتعجيل صوم يوم
( فان ردًّ القاضى شهادته صام) لأنه رآه ، فإن أفطر قضى لوجوب الأداء ولا كفارة عليه.
لمكان الشبهة ، ولا يفطر آخر الشهر إلا مع الناس احتياطا ، ولو أفطر لا كفارة عليه عملا
باعتقاده . قال ( وإن لم يكن بالسماء علة لم تقبل إلا شهادة جمع يقع العلم بخبرهم ) وهو
مفوّض إلى رأى الإمام من غير تقدير هو الصحيح ، وهذا لأن المطالع متحدة والموانع
مرتفعة والأبصار صحيحة والهمم فى الرؤية متقاربة ، فلا يجوز أن يختص بالرؤية البعض
القليل . وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه يكتفى بشهادة الاثنين كما فى سائر الحقوق ،
ولو جاء رجل من خارج المصر وشهد به تقبل ، وكذا إذا كان على مكان مرتفع فى البلد
كالمنارة ونحوها ، لأن الرؤية تختلف باختلاف صفاء الهواء وكدورته ، وباختلاف ارتفاع
المكان وهبوطه ، ولما تقدَّم من حديث الأعرابى . قال ( فإذا ثبت فى بلد لزم جميع الناس
ولا اعتبار باختلاف المطالع ) هكذا ذكره قاضيخان . قال : وهو ظاهر الرواية ، ونقله
عن شمس الأئمة السرخسى ؛ وقيل يختلف باختلاف المطالع . وذكر فى الفتاوى الحسامية :
إذا صام أهل مصر ثلاثين يوما برؤية ، وأهل مصر آخر تسعة وعشرين يوما برؤية فعليهم
قضاء يوم ، إن كان بين المصرين قرب بحيث تتحد المطالع ، وإن كانت بعيدة بحيث
تختلف لا يلزم أحد المصرين حكم الآخر . وذكر فى المنتقى عن أبى يوسف : يجب عليهم
٩ ۔۔ الاختیار - أول

- ١٣٠ -
وَلا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ إِلاَّ تَطَوُّعا، وَيُلْتَمَسُ هلالُ شَوَّالٍ فى التَّاسعِ
وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَنْ رَآهُ وَحْدَهُ لا يُفْطِرُ، فانْ أَفْطَرَ قَضَاهُ وَلا
كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، فإنْ كانَ بالسَّمَاءِ علَّةٌ قُبلَ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ
وَآمِرْ أْتَيْنِ، وَإِنْلَمْ يَكُنْ بِهَا عَلَّةٌ فَجَمْعٌ كثيرٌ، وَذُو الحِجَّةِ كَشَوَّالِ.
قضاء يوم من غير تفصيل . وعن ابن عباس فى مثله : لهم ما لهم ولنا مالنا . وعن عائشة
رضى الله عنها : فطر كل بلدة يوم يفطر جماعتهم وأضحى كل بلدة يوم يضحى جماعتهم .
قال ( ولا يصام يوم الشك إلا تطوعا) لقوله عليه الصلاة والسلام (( لا يصام اليوم الذى
يشك فيه أنه من رمضان إلا تطوُّعا)) وهو الذى يشك فيه أنه من رمضان أو شعبان ، وذلك
بأن يتحدث الناس بالرؤية ولا تثبت . قال ( ويلتمس هلال شوال فى التاسع والعشرين
من رمضان ، فمن رآه وحده لايفطر ) أخذا بالاحتياط فى العبادة ( فان أفطر قضاه ولا
كفارة عليه ) لما بينا ( فان كان بالسماء علة قبل شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ) لأنها
شهادة تعلق بها حق الآدمى فصارت كالشهادة على حقوق الآدميين بخلاف رمضان ، لأنه
أمر دينى لا يتعلق به حق الآدمى ، على أن مبنى الكل على الاحتياط وهو فيما قلناه ( وإن
لم يكن بها علة فجمع كثير ) لما بينا . وعن أبى حنيفة شهادة رجلين كما فى سائر الحقوق
( وذو الحجة كشوال ) لما يتعلق به من حقوق الآدمى من الأضاحى وغيره ، وإذا رأى
هلال رمضان أو شوال نهارا قبل الزوال أو بعده فهو لليلة الآتية . وقال أبو يوسف كذلك
إن كان بعد الزوال ، وإن كان قبله فالماضية ، يروى ذلك عن عمر وعائشة رضى الله
عنهما ، والأول يروى عن على وابن مسعود وابن عمر وأنس وعن عمر أيضا ، ولأن
الشهر ثابت بيقين ، وبعض الأهلة يكون أكبر من بعض ، فيجوز أنهم رأوه قبل الزوال
لكبره لالكونه لليلة الماضية ، والثابت بيقين لايزول بالشك . وقال الحسن بن زياد :
إن غاب بعد الشفق فالليلة الماضية وقبله للراهنة . واختلف العلماء فى يوم الشك هل صومه
أفضل أم الفطر ؟ قالوا : إن كان صام شعبان أو وافق صوما كان يصومه فصومه أفضل ،
وإن لم يكن كذلك قال محمد بن سلمة : الفطر أفضل بناء على الحديث . وقال نصير بن
يحيى : الصوم أفضل لما روينا عن على وعائشة . وعن أبى يوسف وهو المختار أن المفتى
يصوم هو وخاصته ، ويفتى العامة بالتلوُّم (١) إلى ما قبل الزوال لاحتمال ثبوت الشهر ،
وبعد ذلك لاصوم وهو يمكنه الصوم على وجه يخرج من الكراهة ولا كذلك العامة .
(١) التلوُّم : الانتظار .
٠

- ١٣١ -
فصل
وَمَنْ جَامَعَ أَوْ جُومِعَ فى أحَدِ السَّبِيلَْينِ عامداً، أوْ أَكَلَ أوْ شَرِبَ عامدًا
غِذَاءً أَوْ دَوَاءً وَهُوِّ صَائِمٌ فِى رَمَضَانَ عَلَيْهِ القَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ مثْلُ المُظاهِرِ،
وَإنْ جامَعَ فيما دُونَ السَّبِيلَيْنِ أَوْ بَهِيمَةً، أوْ قَبَّلَ، أَوْ كَمَسَ فَأنْزَلَ ،
اوِ احْتَقَنَ ،
فصل
( ومن جامع أو جومع فى أحد السبيلين عامدا ، أو أكل أو شرب عامدا غذاء أو دواء
وهو صائم فى رمضان عليه القضاء والكفارة مثل المظاهر ) ولا خلاف فى وجوب القضاء
ووجوب الكفارة بالجماع للإجماع . ولقوله عليه الصلاة والسلام الأعرابى حين قال :
واقعت أهلى فى نهار رمضان متعمدا ((أعتق رقبة)) ولقوله عليه الصلاة والسلام ((من أفطر
فى نهار رمضان فعليه ما على المظاهر)) ولا يشترط الإنزال لوجود الجماع دونه. وروى
الحسن عن أبى حنيفة عدم وجوب الكفارة في الإيلاج فى الدبر اعتبارا بالحد ، والصحيح
الأول لقضاء الشهوة على الكمال . وأما المرأة فيجب عليها إذا كانت مطاوعة لعموم الحديث
الثانى ، ولأن هذا الفعل يقوم بهما ، فيجب عليها ما يجب عليه كالغسل والحد ،
وإن كانت مكرهة لا كفارة عليها كما فى النسيان لاستوائهما فى الحكم بالحديث ، ولو
أكرهت زوجها فجامعها يجب عليهما، وعن محمد : لاكفارةٍ عليه للإكراه ، ولو علمت
بطلوع الفجر دونه وكتمته عنه حتى جامعها فالكفارة عليها خاصة . وأما وجوبها بالأكل
والشرب بالغذاء والدواء فالحديث المتقدم وهذا قد أفطر. وروى أبو داود ((أن رجلا
جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : شربت فى رمضان ، فقال صلى الله عليه
وسلم: من غير سفر ولا مرض ؟ قال نعم ، فقال له: أعتق رقبة)) وهذا نص فى الباب.
وعن على رضى الله عنه أنه قال: إنما الكفارة فى الأكل والشرب والجماع ، فان حاضت
المرأة ، أو مرض الرجل مرضا يبيح له الفطر سقطت الكفارة ، لأنه تبين أن صوم ذلك
اليوم لم يكن مستحقا عليه صومه ، والكفارة إنما تجب بإفساد صوم مستحق عليه ، بخلاف
السفر لأن الكفارة وجبت حقا لله تعالى فلا يقدر على إبطالها ، بخلاف الحيض والمرض
لأنه ليس منه ، ولو سوفر به مكرها لا يسقط أيضا . وقال زفر: يسقط كالمرض والحيض
وجوابه أنه حصل من غير صاحب الحق فلا يجعل عذرا ، بخلاف المرض والحيض .
قال ( وإن جامع فيما دون السبيلين ، أو بهيمة ، أو قبَّل أو لمس فأنزل ، أو احتقن ،

- ١٣٢ -
أوِ اسْتَعْطَ، أَوْ أَقْطَرَ فى أُذِنِهِ، أَوْ دَاوَى جائِفَةً (سم) أَوْ آَمَّةً فَوَصَلَ إلى جَوْفِهِ
أوْ دِماغِهِ، أوِ ابْتَلَعَ الحَدِيدَ، أوِ اسْتَقَاءَ (مز) ملْءَ فيهِ، أوْتَسَخَّرَ بَظُنُّهُ
لَيْلاً وَالفَجْرُ طالعٌ، أَوْ أَفْطَرَ يَظُنُّهُ لَيْلاً وَالشَّمْسُ طالِعَةٌ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ
لا غيرُ ،
أو استعط ، أو أقطر فى أذنه ، أو داوى جائفة أو آمة فوصل إلى جوفه أو دماغه ، أو ابتلع
الحديد ، أو استقاء ملء فيه ، أو تسحر يظنه ليلا والفجر طالع ، أو أفطر يظنه ليلا
والشمس طالعة ، فعليه القضاء لاغير ) أما الجماع فيما دون السبيلين أو البهيمة مع الإنزال
والإنزال باللمس والقبلة فلقضاء إحدى الشهوتين ، وأنه ينافى الصوم ولا تجب الكفارة
تمكن النقصان فى قضاء الشهوة ، والاحتياط فى الصوم الإيجاب لكونه عبادة ، وفى الكفارات
الدرء لأنها من الحدود . وأما الاحتقان والاستعاط والإقطار فى الأذن ، ودواء الجائفة
والآمة ، فلوصول المفطر إلى الداخل وهو ما فيه مصلحة البدن من الغذاء أو الدواء . قال
عليه الصلاة والسلام (( الفطر مما دخل )) ولو أقطر الماء فى أذنه لا يفطر لعدم الصورة ،
والمعنى بخلاف الدهن لوجوده معنى ، وهو إصلاح الدماغ . وقال أبو يوسف : ومحمد
لا يفسد الصوم فى الجائفة والآمة ، لأن الشرط عندهما الوصول من منفذ أصلى ، ولعدم
التيقن بالوصول لاحتمال ضيق المنفذ وانسداده بالدواء وصار كاليابس ، وله أن رطوبة
الدواء إذا اجتمعت مع رطوبة الجراحة ازداد سيلانا إلى الباطن فيصل ، بخلاف اليابس لأنه
ينشف الرطوبة فينسد فم الجراحة . قال مشايخنا : والمعتبر عنده الوصول حتى لو علم
بوصول اليابس فسد ، ولو علم بعدم وصول الرطب لايفسد . وأما إذا ابتلع الحديد
فاصورة الإفطار ، ولا كفارة لانعدامه معنى . وأما إذا استقاء ملء فيه فلقوله عليه الصلاة
والسلام (( من قاء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء)) روى ذلك عن عكرمة مرفوعا
وموقوفا ، وعند محمد وزفر يفسده وإن لم يملأ الفم ولم يفصل بينهما فى ظاهر الرواية
لإطلاق الحديث ، والصحيح الفصل ، وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة ، لأن ما دون
ملء الفم تبع للريق كما لو تجشأ (١) ولا كذلك ملء الفم. وأما إذا تسحر يظنه ليلا والفجر
طالع ، أو أفطر يظنه ليلا والشمس طالعة فانما يفطر لفوات الركن وهو الإمساك ولا كفارة
لقيام العذر وهو عدم التعمد ، والكفارة على الجانى ولو جومعت النائمة والمجنونة (٢) ،
فسد صومهما لوجود المفطر ، ولا كفارة لعدم التعمد ، ولو استمنى بكفه أفطر لوجبود
(١) تجشأ ، الجشاء بضم الجيم: صوت مع ريح يخرج من الفم عند الشبع، والتجشو:
تكلف ذلك .
(٢) قوله والمجنونة : صورتها نوت الصيام فى الليل وهى عاقلة ، ثم جنته وجومعت
بالنهار حالة الجنون ثم آفاقت فى ذلك اليوم اهـ .
١

- ١٣٣ -
وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَمَعَ ناسِيا، أَوْ نامَ فَاحْتَلَمَ، أَوْ نَظَرَ إلى امْرأة
فأنْزَلَ أوِ ادَّهَنَ أَوِ اكْتَحَلَ، أَوْ قَبَّلَ، أَوِ اغْتَابَ، أَوْ عَلَبَهُ القَىْءُ، أَوَّ
أَقْطَرَ فِى إِحْلِيلِهِ (س)، أوْ دَخَلَ حَلْقَهُ غُبارٌ أَوْ ذَباب، أوْ أَصْبَحَ جُنُبًا كَمْ
يَفْطِرْ، وَإنِ ابْتَلَعَ طَعاما بَبْنَ أَسْنَانِهِ مِثْلَ الِحِمَّصَةِ أَفْطَرَ وَإلاَّ فَلا،
الجماع معنى ، ولا كفارة لعدم الصورة . قال ( وإن أكل أو شرب أو جامع ناسيا ، أو نام
فاحتلم ، أو نظر إلى امرأة فأنزل ، أو ادهن ، أو اكتحل ، أو قبل ، أو اغتاب ، أو غلبه
التيء ، أو أقطر فى إحليله ، أو دخل حلقه غبار أو ذباب ، أو أصبح جنبا لم يفطر ) أما
الأكل والشرب والجماع ناسيا ، فالقياس أن يفطر لوجود المنافى ، وجه الاستحسان قوله
عليه الصلاة والسلام للذى أكل وشرب ناسيا وهو صائم ((تمَّ على صومك إنما أطعمك
ربك وسقاك)) وفى رواية ((أنت ضيف الله)) فان ظن أن ذلك يفطره فأكل متعمدا فعليه
القضاء دون الكفارة ، لأنه ظن فى موضع الظن ، وهو القياس فكان شبهة . وعن محمد :
إن بلغه الحديث ثم أكل متعمدا فعليه الكفارة لأنه لاشبهة حيث أمره عليه الصلاة والسلام
بالإتمام . وروى الحسن عن أبى حنيفة : لا كفارة عليه لأنه خبر واحد لا يوجب العلم .
وأما إذا نام فاحتلم لقوله عليه الصلاة والسلام ( ثلاث لا يفطرن الصائم : القىء ، والحجامة ،
والاحتلام)) رواه الخدرى، ولأنه لاصنع له فى ذلك فكان أبلغ من الناسى؛ والإنزال
بالنظر كالاحتلام من حيث عدم المباشرة ، فانه مقصور عليه لااتصال له بغيره . وأما الدهن
فإنه يستعمل ظاهر البدن كالاغتسال . وأما الكحل فلما روى أبورافع أنه عليه الصلاة
والسلام دعا بمكحلة إثمد فى رمضان فاكتحل وهو صائم . وأما القبلة فلما روت عائشة
((أنه عليه الصلاة والسلام كان يقبل وهو صائم)). وأما الغيبة فلعدم وجود المفطر صورة
ومعنى ، فان ظن أن ذلك يفطر فأكل متعمدا فعليه القضاء والكفارة ، بلغه الحديث أولم
يبلغه ، لأن كون الغيبة غير مفطرة قلما يشتبه على أحد لكونه على مقتضى القياس ، ولأن
العلماء أجمعوا على أن الغيبة لاتفطر ، ولا اعتبار بالحديث فى مقابلة الإجماع . وأما إذا غلبه
القىء فلما تقدم من الحديث . وأما الإقطار فى الإحليل فعندهما لا يفطر . وقال أبو يوسف :
يفطر بناء على أن بينه وبين الجوف منفذا بدليل خروج البول ، والأصح أن ليس بينهما
منفذ ، بل البول يترشح إلى المثانة ثم يخرج ، وما يخرج رشحا لايعود رشحا فلا يصل ،
والطلاف إذا وصل إلى المثانة ، أما إذا وقف فى القصبة لا يفطر بالإجماع .. وأما دخول
الغبار والذباب فلأنه لا يمكن الاحتراز عنه . وأما إذا أصبح جنبا فلما روت عائشة أن النبى
صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من غير احتلام وهو صائم، ولأن الله تعالى أباح
المباشرة جميع الليل بقوله - فالآن باشروهنَّ - الآية . ومن ضرورته وقوع الغسل بعد الصبح.
قال ( وإن ابتلع طعاما بين أسنانه مثل الحمصة أفطر وإلا فلا) لأن ما بين الأسنان لا يستطاع

- ١٣٤ -
وَيُكْرَهُ لِلصَّائِ مَضْغُ العِلْكِ وَالذَّوْقُ وَالقُبْلَةُ إنْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ.
فصل
وَمَنْ خافَ المَرَضَ أَوْ زِيادَتَهُ أَفْطَرَ، وَالمُسافِرُ صَوْمُهُ أَفْضَلُ، وَلَوْ أَفْطَرَ
جازَ، فانْ ماتا عَلى حالِهِما لا شَىْءٌ عَلْهِما،
الامتناع عنه إذا كان قليلا فانه تبع لريقه ، بخلاف الكثير وهو قدر الحمصة لأنه لا يبقى
مثل ذلك عادة فلا تعم به البلوى فيمكن الاحتراز عنه . قال ( ويكره للصائم مضغ العلك
والذوق والقبلة إن لم يأمن على نفسه ) أما مضغ العلك لما فيه من تعريض صومه للفساد ،
وهذا فى العلك الملتصق بعضه ببعض ، أما إذا كان غير ملتثم فانه يفطره ، لأنه لا يلتثم إلا
بانفصال أجزاء تنقطع منه وذلك مفسد الصوم . وأما الذوق لأنه لا يأمن أن يدخل إلى
جوفه . وأما القبلة لما روى : أن شابا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم
فمنعه ، وسأله شيخ فأذن له ، فقال الشاب إن دينى ودينه واحد ، قال نعم ، ولكن الشيخ
يملك نفسه ، ولأنه إذا لم يأمن على نفسه ربما وقع فى الجماع فيفسد صومه وتجب الكفارة
وذلك مكروه ، والمباشرة كالقبلة ، ويكره للمرأة مضغ الطعام لصبيها لما فيه من تعريض
الصوم للفساد ، فان لم يكن لها منه بد فلا بأس ، لأنه لما جاز لها الإفط( إذا خيف عليه
فلأن يجوز لها المضغ كان أولى .
فصل
( ومن خاف المرض أو زيادته أفطر ) لقوله تعالى - فمن كان منكم مريضا أو على سفر
فعدَّة من أيام أخر - معناه : فأفطر فعدة من أيام أخر ، لأن المرض والسفر لايوجبان
القضاء ( والمسافر صومه أفضل ) لأنه عزيمة والأخذ بالعزيمة أفضل . وقال عليه الصلاة
والسلام (١) ((المسافر إذا أفطر رخصة، وإن صام فهو أفضل)) (واو أفطر جاز) لما تلونا .
ولو أنشأ السفر فى رمضان جاز بالإجماع ، وإن سافر بعد طلوع الفجر لا يفطر ذلك اليوم لأنه
أزمه صومه إذهو مقيم فلا يبطله باختياره، فان أفطر فعليه القضاء والكفارة ، بخلاف ما إذا
مرض ، لأن العذر جاء من قبل صاحب الحق . قال ( فان ماتا على حالهما لاشىء عليهما )
لأنه تعالى أوجب عليهما صيام عدَّة من أيام أخر ولم يدركها ، ولأن المرض والسفر لما
كانا عذرا فى إسقاط الأداء دفعا للحرج ، فلأن يكون الموت عذرا فى إسقاط القضاء أولى .
(١) قوله وقال عليه الصلاة والسلام، لم أظفر بهذا اللفظ فى كتب الاستدلال ولا فى
كتب الحديث ، والأولى الاستدلال بقوله تعالى - وأن تصوموا خير لكم - .
1

- ١٣٥ -
وَإنْ صَحَّ وأقامَ ◌ُثُمَّ ماتا لَزِمَهُمَا القَضَاءُ بِقَدْرِهِ، وَيُوصِيانِ بِالإِطْعَامِ عَنْهُما
لِكُلّ يَوْمِ مِسْكِيِنا كالفِطْرَةِ؛ وَالحامِلُ وَالْمُرْضِعُ إذَا خافَتَا عَلَى وَلَدْيِهِما
أوْ نَفْسَيْهِمَا أفْطَرَنا وَقَضَتَا لاَ غْرُ؛ وَالشَّيْخُ الَّذِى لايَقْدِرُ عَلَى الصّيامِ يُفْطِرُ
وَيُطْعِمُ؛ وَمَنْ جُنَّ الشَّهْرَ كُلَّهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أفاقَ بَعْضَهُ.
قَضَى مافاتَهُ؛ وَإنْ أُغْمِىَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ كُلُّهُ قَضَاهُ، وَيَلْزَمُ صَوْمُ النَّفْلِ
بالشُّرُوعِ (ف) أدَاءً وَقَضَاءٌ، وَإِذَا طَهُرَتِ الخائِضُ، أَوْ قَدِمَ المُسافِرُ، أَوْ بَلَغَ
الصَّبِيِّ، أوْ أسْلَمَ الكافِرُ فِى بَعْضِ الَّهارِ أمْسَكَ بَقِيَّتَهُ، وَقَضَاءُ رَمَضَانَ إِنْ
شاءَ تَابَعَ وَإنْ شاءَ فَرَّقَ ،
قال ( وإن صح وأقام ثم ماتا لزمهما القضاء بقدره ) لأنهما بذلك القدر أدركا عدَّة من
أيام أخر . قال ( ويوصيان بالإطعام عنهما لكل يوم مسكينا كالفطرة ) لأنه وجب عليهما
صومه بادراك العدة، وإن لم يوصياً لم يجب على الورثة الإطعام لأنها عبادة فلا تؤدّى إلا
بأمره ، وإن فعلوا جاز ويكون له ثواب ذلك . قال ( والحامل والمرضع إذا خافتا على
ولديهما أو نفسيهما أفطرتا وقضتا لاغير ) قياسا على المريض والجامع دمع الحرج والضرر
( والشيخ الذى لايقدر على الصيام يفطر ويطعم ) لأنه عاجز ولا يرجى له القضاء فانتقل
فرضه إلى الإطعام كالميت ، وقد قيل فى قوله تعالى - وعلى الذين يطيقونه فدية - أى
لا يطيقونه . قال ( ومن جنَّ الشهر كله فلا قضاء عليه ) لأنه لم يشهد الشهر وهو السبب لأنه
غير مخاطب ، ولهذا يصير موليا عليه ( وإن أفاق بعضه قضى ما فاته ) لأنه شهد الشهر ،
لأن المراد من قوله تعالى - فمن شهد منكم الشهر - شهود بعضه ، لأنه لو أراد شهود كله اوقع
الصوم بعده وأنه خلاف الإجماع . قال ( وإن أغمی علیه رمضان کله قضاه ) لأنه مرض
يضعف القوى ولا يزيل العقل ، ولهذا لا يصير موليا عليه فكان مخاطبا فيقضيه كالمريض
ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام كان معصوما عن الجنون ، قال تعالى - ما أنت بنعمة ربك
بمجنون - وقد أغمى عليه فى مرضه . قال ( ويلزم صوم النفل بالشروع أداء وقضاء) وقد
مر وجهه فى الصلاة . قال ( وإذا طهرت الحائض أو قدم المسافر أو بلغ الصبى أو أسلم
الكافر فى بعض النهار أمسك بقيته ) ولا يجب صوم ذلك اليوم على الصبى والكافر ، ولو
صاموه لم يجزهم لانعدام الأهلية فى أوله ، والأداءً لا يتجزى إلا فى المسافر إذا قدم قبل
نصف النهار ونوى جاز صومه لأنه أهل فى أوله . وأما إمساك بقية يومه لك لا يتهمه الناس
والتحرز عن مواضع التهم واجب. قال عليه الصلاة والسلام ((من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فلا يقفنَّ مواقف التهم)). قال ( وقضاء رمضان إن شاء تابع وإن شاء فرق ) لأن
قوله تعالى - فعدّة من أيام أخر - لم يشرط فيه التتابع وهو أفضل مسارعة إلى إسقاط الفرض

- ١٣٦ -
فانْ جاءَ رَمَضَانٌ آخَرُ صَامَهُثُمَّ قَضَى الأوَّلَ لاَ غْرَ، وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمَى
العيدِ وأيَّامِ التَّشْرِيقِ لَزِمَهُ وَيُفْطِرُ وَيَقْضِى، وَلَوْ صَامَهَا أَجْزأهُ .
باب الاعتكاف
الإِعْتكافُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ،
(فان جاء رمضان آخر صامه) لأنه وقته ( ثم قضى الأول لاغير ) لأن جميع السنة وقت
القضاء إلا الأيام الخمسة ، ولا يجب عليه غير القضاء ، لأن النص لم يوجب شيئا آخر .
قال ( ومن نذر صوم يومى العيد وأيام التشريق لزمه ويفطر ويقضى ) لأنه نذر بقربة وهو
الصوم وأضافها إلى وقت مشروع فيه تلك القربة ، فيلزم كالنذر بالصلاة فى الوقت
المكروه ، وليس النذر معصية ، إنما المعصية أداء الصوم فيها ، والدليل على الشرعية قوله
عليه الصلاة والسلام ((ألا لاتصوموا فى هذه الأيام)) نهى عن الصوم الشرعى والنهى
يقتضى القدرة ، لأن النهى عن غير المقدور قبيح ، لأن قوله الأعمى لاتبصر والآدمى
لاتطر (١) قبيح لما أنه غير مقدور ، وإذا اقتضى النهى القدرة كان الصوم الشرعى مقدورا
فى هذه الأيام فيصح النذر إلا أنه منهى عنه ، فقلنا إنه يفطر فيها تحرزا عن ارتكاب النهى
ويقضى ليخرج عما وجب عليه ( ولو صامها أجزأه ) لأنه أدَّاه كما التزمه ، كما إذا قال
اللّه علىّ أن أعتق هذه الرقبة وهى عمياء فأعتقها خرج عن العهدة ، وإن كان إعتاقها
لا يجزى عن شىء من الواجبات ، ولو قال: لله علىّ أن أصوم هذه السنة أفطر العيدين
وأيام التشريق وقضاها لما بيناه ، وكذلك لو نذر سنة متتابعة ، وأو نذر سنة بغير عينها
يلزم صوم اثنى عشر شهرا متفرقة، لأن السنة المنكرة اسم لأيام معدودة فلم يكن مضافا إلى
رمضان ، وفى المعينة إضافة إلى كل شهر منها ، فلم تصح الإضافة إلى رمضان فلا يجب
قضاؤه ، والله أعلم .
باب الاعتكاف
وهو فى اللغة : المقام والاحتباس ، قال تعالى - سواء العاكف فيه والباد -. وفى الشرع:
عبارة عن المقام فى مكان مخصوص وهو المسجد بأوصاف مخصوصة من النية والصوم
وغيرهما على ما يأتى إن شاء الله. قال ( الاعتكاف سنة مؤكدة ) لأن النبى صلى الله عليه
وسلم واظب عليه . روى أبو هريرة وعائشة أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يعتكف العشر
الأواخر من رمضان منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله تعالى . وعن الزهرى أنه عليه الصلاة
والسلام ما ترك الاعتكاف حتى قبض ، وهو من أشرف الأعمال إذا كان عن إخلاص
(١) قوله وللآدمى لاتطر : نهى عن الطيران .
1

- ١٣٧ -
وَلَا يَجُوزُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، وَهَذَا فى الوَاجِبِ وَهُوَ الْمَنْذُورُ باتِّفَاقِ أَصْحابنا
وَهُوَ اللَّبْتُ فى مَسْجِدٍ جَاعَةٍ مَعَ الصَّوْمِ وَالنِّيَّةِ، وَالمَرأةُ تَتَعْتَكُفُ فى مَسْجِد
بَيْهَا، وَيُشْترَطُ فى حَقِّها ما يُشَْرَطُ فى حَقّ الرَّجُلِ فِى الْمَسْجِدِ، وَلا يَخْرُجُ
مِنْ مُعْتَكَفِهِ إِلاَّ لِحَاجَةِ الإنْسانِ أوِ الجُمُعَةِ ،
قال عطاء : مثل المعتكف كرجل له حاجة إلى عظيم فيجلس على بابه ويقول : لا أبرح حتى
تقضى حاجتى ، فكذلك المعتكف يجلس فى بيت الله ويقول : لا أبرح حتى يغفر لى. قال
( ولا يجوز أقل من يوم ، وهذا فى الواجب وهو المنذور باتفاق أصحابنا ) لأن الصوم من
شرطه ، ولا صوم أقل من يوم ، فلا اعتكاف أقل من يوم ضرورة . وكذلك النفل عند
أ.، حنيفة لقوله عليه الصلاة والسلام ((لا اعتكاف إلا بالصوم)) روته عائشة. وعن
أبى يوسف : يجوز أكثر النهار اعتبارا للأكثر بالكل . وعن محمد ساعة ، لأن مبنى النفل
على المسامحة ، ألا ترى أنه يجوز التطوع قاعدا مع القدرة على القيام ولا كذلك الواجب .
قال ( وهو البث (١) فى مسجد جماعة مع الصوم والنية ) أما اللبث فلأنه ينبئ عنه ، وأما
كونه فى مسجد جماعة لقوله تعالى - وأنتم عاكفون فى المساجد - . وقال حذيفة: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((كل مسجد له إمام ومؤذن فانه يعتكف فيه)).
وقال حذيفة : لا اعتكاف إلا فى مسجد. جماعة ، ولأن المعتكف ينتظر الصلاة فيختص
بمكان تؤدّى فيه الجماعة ، فكلما كان المسجد أعظم فالاعتكاف فيه أفضل . وأما الصوم
فلما تقدم ، ولما روى أنه عليه الصلاة والسلام ما اعتكف إلا صائما ، والله تعالى شرعه
لقوله - وأنتم عاكفون فى المساجد - ولم يبين كيفيته ، فكان فعل النبي صلى الله عليه وسلم
بيانا له ، لأنه لو جاز بغير صوم لبينه عليه الصلاة والسلام قولا أو فعلا ولم ينقل فدل على
أنه غير جائز . وأما النية فلأنه عبادة فلا بد من النية لما تقدم . قال ( والمرأة تعتكف
فى مسجد بيتها ) وهو الموضع الذى أعدَّته للصلاة ( ويشترط فى حقها ما يشترط فى حق
الرجل فى المسجد ) لأن الرجل لما كان اعتكافه فى موضع صلاته وكانت صلاتها فى بيتها
أفضل كان اعتكافها فيه أفضل "، قال صلى الله عليه وسلم ((صلاة المرأة فى مخدعها (٢)
أفضل من صلاتها فى مسجد بيتها ، وصلاتها فى مسجد بيتها أفضل من صلاتها فى صحن
دارها ، وصلاتها فى صحن دارها أفضل من صلاتها فى مسجد حيها ، وبيوتهنَّ خير لهنّ
لو كنَّ يعلمن)). ولو اعتكفت فى المسجد جاز لوجود شرائطه، ويكره لما روينا . قال
( ولا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإنسان أو الجمعة ) لما روى عن عائشة : أن النبى
(١) اللبث، قال فى مختار الصحاح: لبث: أى مكث، وبابه فهم اهـ .
(٢) المخدع بضم الميم : بيت صغير يحرز فيه الشىء اه مصباح .

- ١٣٨ -
فإنْ خَرَجَ لِغْيرِ عُدْرِ سَاعَةٌ (سم) فَسَدَ، وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّمْتُ، وَلا يَتَكَلَّمُ
إلاَّ بِخِتَنْيْرٍ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ، فانْ جامَعَ لَيْلاً أَوْ نَهارًا عامِدًاً
أَوْ ناسيا بَطَلَ، وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ أيَّامٍ لَزِمُتْهُ بِلِيَالِيها
مُتْتَابِعَةً، وَلَوْ نَوَى الَّهَارَ خاصَّةٌ صُدِّقَ ،
صلى الله عليه وسلم ما كان يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإنسان ، والحاجة : بول أو غائط
أو غسل جنابة ، ولأنه لابد من وقوعها ولا يمكن قضاؤها فى المسجد فكان مستثنى ضرورة
وأما الجمعة فلأنها من أهم الحوائج ولا بد من وقوعها ، ولأن الاعتكاف تقرب إلى الله
تعالى بترك المعاصى ، وترك الجمعة معصية ، فينافيه ويخرج قدر ما يمكنه أداء السنة قبلها .
وقيل قدر ست ركعات ، يعنى تحية المستجد أيضا ، ويصلى بعدها أربعا أو ستا ، ولو أطال
المكث جاز ، إلا أن الأولى العود إلى معتكنمه لأنه عقده فيه فلا يؤديه فى موضعين . قال
( فان خرج لغير عذر ساعة فسد ) لوجود المنافى . وقال أبو يوسف ومحمد : لايفسد حتى
یکون أ کثر النهار اعتبارا بالأكثر ، ويكون أكله وشربه وبيعه وشراؤه وزواجه ورجعته
بالمسجد ، لأنه يحتاج إلى هذه الأشغال ويمكن قضاؤها فى المسجد ، ولأنه عليه الصلاة
والسلام لم يكن له مأوى إلا المسجد ، وكان يأكل ويشرب ويتحدث ، والبيع والشراء
حديث ، لكن يكره حضور السلع المسجد لما فيه من شغل المسجد بها . قال ( ويكره له
الصمت ) لأنه من فعل المجوس ، وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن صوم الصمت . قال
( ولا يتكلم إلا بخير) لأنه يكره لغير المعتكف وفى غير المسجد ، فالمعتكف فى المسجد
أولى . قال ( ويحرم عليه الوطء ودواعيه ) لقوله تعالى - ولا تباشروهنَ وأنتم عاكفون
فى المساجد - فكانت المباشرة من محظورات الاعتكاف فيحرم الوطء ، وكذا دواعيه وهو
اللمس والقبلة والمباشرة كما فى الحج ، بخلاف الصوم لأن الإمساك ركنه فلا يتعدى إلى
الدواعى . قال ( فان جامع ليلا أو نهارا عامدا أو ناسيا بطل ) لما بينا أنه من محظوراته
فيفسده كالإحرام ، وكذا إذا أنزل بقبلة أو لمس لوجود معنى الجماع . وأما النسيان فلأن
الحالة مذكرة فلا يعذر بالنسيان كالحج بخلاف الصوم . قال ( ومن أوجب على نفسه
اعتكاف أيام لزمته بلياليها متتابعة ) لأن ذكر جمع من الأيام ينتظم ما بازائها من الليالى
كما فى قصة زكريا عليه السلام. قال تعالى - ثلاثة أيام - وقال - ثلاث ليال - والقصة
واحدة ، ويقال : ما رأيتك منذ أيام ، ويريد الليالى أيضا . وأما التتابع فان الاعتكاف
يصح ليلا ونهارا ، فكان الأصل فيه التتابع كما فى الأيمان والإجارات ، بخلاف الصوم
إذا التزم أياما حيث لايلزمه التتابع، لأن الأصل فيه التفريق ، لأن الليل ليس محلا للصوم
فلا يلزم إلا أن يشرطه ( ولو نوى النهار خاصة. صدق ) لأنه نوى حقيقة كلامه ، لأن
٠

- ١٣٩ -
وَيَلْزَمُ بِالشّرُوعِ.
كتاب الحج
وَهُوَ فَرِيضَةُ العُمْرِ ، وَلا يَجِبُ إلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً
اليوم عبارة عن بياض النهار . قال ( ويلزم بالشروع ) عند أبى حنيفة خلافا لهما بناء على
أنه لا يجوز عنده إلا بالصوم فلا يجوز أقل من يوم ، وعندهما يجوز وقد بيناه .
کتاب الحج
وهو فى اللغة: القصد إلى الشىء المعظم . قال الشاعر « يحجون سبّ الزبرقان
المزعفرا (١) » أى يقصدون عمامته. وفى الشرع: قصد موضع مخصوص، وهو البيت
بصفة مخصوصة فى وقت مخصوص بشرائط مخصوصة على ما يأتيك إن شاء الله تعالى،
وهو فريضة محكمة يكفر جاحدها ، وهو أحد أركان الإسلام ثبتت فرضيته بالكتاب ،
وهو قوله تعالى - ولله على الناس حج البيت - . والسنة : وهو قوله عليه الصلاة والسلام
((بنى الإسلام على خمس)) الحديث. وقوله ((وحجوا بيت ربكم)) وعليه انعقد الإجماع ،
وسبب وجوبه البيت لإضافته إليه ، ولهذا لا يتكرر لأن البيت لا يتكرر ، ويجب على الفور .
قال عليه الصلاة والسلام ((من ملك زادا يبلغه إلى بيت الله تعالى ولم يحج فلا عليه أن
يموت يهوديا أو نصرانيا)). وعن أبى حنيفة ما يدل عليه، فانه قال: من كان عنده ما يحت
به ويريد التزوج يبدأ بالحج ، ولأن الموت فى السنة غير نادر ، بخلاف وقت الصلاة فان
الموت فيه نادر ، ولهذا كان التعجيل أفضل إجماعا . قال ( وهو فريضة العمر ، ولا يجب
إلا مرة واحدة) لما روى (( أنه لما نزل قوله تعالى - ولله على الناس حج البيت - قال رجل :
يا رسول الله أفى كل عام؟ قال: لابل مرة واحدة)) ولأن السبب هو البيت ولا يتكرر ،
* يحجون سب الزبرقان المزعفرا * هذا عجز بيت صدره :
(١) قوله
* وأشهد من عوف حلولا كثيرة * وعوف: اسم قبيلة ، والحلول : الجماعات ،
والسب بكسر السين : العمامة ، والزبرقان بتشديد الزاى وكسرها مع كسر الراء : لقب
لحصن بن بدر التميمى ، والمزعفرا : المصبوغ بالزعفران . وقال بعض الكاتبين : إن
الزبرقان كانت له عمامة ، وكان يحج فى كل عام ويمسحها بخلوق الكعبة فتصفر . وكان
كل من كسل عن الحج من قومه أتاها وتمسح بها اهـ . والخلوق بفتح الخاء : ضرب
من الطيب .

- ١٤٠ -
عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ حُرّ عاقِلٍ بالِخِ صَحِيحٍ قادِرٍ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِنَةِ، وَنَفَقَة
ذَهابِهِ وَإيابِهِ فَاضِلاً عَنْ حَوَائْجِهِ الأصْلِيَّةِ وَنَفَقَةٍ عِيالِهِ إلى حِين يَعُودُ
وَيَكُونُ الطَّرِيقُ أمْنَا، وَلا تَحُجُّ المَرأةُ إلا بِزَوْجٍ أَوْ مَبْرَمٍ إِذَا كانَ سَفَرًا،
وعلى ذلك الإجماع . قال ( على كل مسلم حر عاقل بالغ صحيح قادر على الزاد والراحلة ،
ونفقة ذهابه وإيابه فاضلا عن حوائجه الأصلية ، ونفقة عياله إلى خين يعود ، ويكون
الطريق أمنا ) أما الإسلام ، فلأن الكافر ليس أهلا لأداء العبادات . وأما الحرية فلقوله
عليه الصلاة والسلام (( أيما عبد حج عشر حجج ثم أعتق فعليه حجة الإسلام ، وأيما صبى
حج عشر حجج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام )) ولأن منافع بدن العبد لغيره فكان عاجزا ،
وإن أذن له مولاه لأنه كأنه أعاره منافع بدنه فلا يصير قادرا بالإعادة كالفقير لا يصير
قادرا إذا أعاره غيره الزاد والراحلة . وأما العقل والبلوغ فلأنهما شرط لصحة التكليف ،
ولما مر من الحديث. وأما الصحة فلأنه لاقدرة دونها ، والخلاف فى الأعمى كما تقدَّم
فى الجمعة . وقيل عندهما لا يجب عليه الحج ، لأن البذل فى القياد (١) غالب فى الجمعة
نادر فى الحج . وأما القدرة على الزاد والراحلة ، ونفقة ذهابه وإيابه فلا استطاعة دونها .
وسئل عليه الصلاة والسلام عن الاستطاعة ؟ فقال: ((الزاد والراحلة)) وهكذا فسره ابن
عباس . والراحلة : أن يكترى شق محمل أو زاملة (٢) دون عقبة (٣) الليل والنهار ، لأنه
لا يكون قادرا إلا بالمشى فلم يكن قادرا على الراحلة . وأما كونه فاضلا عن الحوائج
الأصلية فلأنها مقدمة على حقوق اللّه تعالى ، وكذا عن نفقة عياله لأنها مستحقة لهم ،
وحقوقهم مقدمة على حقوق الله تعالى لفقرهم وغناه ، وكذا فاضلا عن قضاء ديونه لما بينا .
وعن أبى يوسف : ونفقة شهر بعد عوده إلى وطنه ، وإن كانت له دار لايسكنها وعبد
لا يستخدمه يجب عليه أن يبيعهما فى الحج ، ولا بد من أمن الطريق لأنه لا يقدر على الوصول
إلى المقصود دونه ، وأهل مكة ومن حولها يجب عليهم إذا قدروا بغير راحلة لقدرتهم على
الأداء بدون المشقة . قال ( ولا تحج المرأة إلا بزوج أو محرم إذا كان سفرا ) لقوله عليه
الصلاة والسلام (( لايحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام فما فوقها إلا
ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها)) وقال عليه الصلاة والسلام ((لا تحج المرأة إلا
ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها )) والمحرم : كل من لا يحل له نكاحها على التأبيد
لقرابة أو رضاع أو صهرية ، والعبد والحرو المسلم والذمى سواء ، إلا المجوسى الذى يعتقد إباحة
(١) القياد: أى القائد (٢) الزاملة: البعير الذى يحمل عليه المسافر متاعه وطعامه.
(٣) العقبة بضم العين: النوبة والبذل. والمراد أنه إذا قدر على كريها نهارا لا ليلا
وبالعكس لا يكون قادرا على الراحلة .