Indexed OCR Text

Pages 661-680

الجزء التاسع
٦٥٩
باب الرجعة
والموتُ عنها لا) كما في "القنية"(١)،.
قلت: لكنْ حَزَمَ بِهِ في "الخانَيَّةِ"(٢) وغيرِهَا، وَكَذَا في "الفتحِ"(٣) كَمَا علمْتَ، ونقلَهُ
"الزَّيِعِيُّ)(٤) عَنِ "الغايةِ" وقالَ: خِلافً لـ "زُفَرَ"، ومثلُهُ في "البدائِعِ"(٥)، وهَذَا يُفيدُ اعتمادَ قولِ "أبي
يوسف"، نَعَمْ الأوجَهُ قولُ "مُحَمَّدٍ" و"زفرَ"، ولا يُنَافِيهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ؛ فَإِنَّهُ يَعْتَمِدُ قيامَ الفراشِ وإِنْ
لَمْ يُوجَدْ وطءٌ حقيقةً، والتَّحليلُ يَعْتَمِدُ الوطءَ لا محرَّدَ العقدِ المُثبِتِ للَّسَبِ، فَإِنَّهُ خِلافُ الإجماعِ
كَمَا تقدَّمَ(٦)، ويلزَمُ على هَذَا ثبوتُ التّحليلِ بتزوُّجِ مشرقِيِّ بمغربَّةٍ جَاءَتْ بِوَلَّدٍ لسنَّةِ أشهرٍ لُبُوتٍ
نَسَبِّهِ مَعَ العِلْمِ بعدمِ الوطِ، وما ذاكَ إلاَّ لكونِ النِّسَبِ مِمَّا يُحْتَالُ لإِنْباتِهِ بِمَا أمكَنَ ولو توهُّماً؛
عملاً بنصِّ: ((الولدُ الفِرَاشِ))(٧)، وإقامةً للعقدِ مُقَامَ الوطءِ، كالخلوةِ الموجِبَةِ للعِدَّةِ، وأمَّا التَّحليلُ
[٣/ق٤ ٣١/أ] فقد شدَّدَ الشَّرعُ فِي تُبُوتِهِ؛ ولِذَا قَالُوا: إنَّ شرعيََّهُ لإغاظةِ الزَّوجِ، عُومِلَ بِمَا يُبْغِضُ
حِينَ عَمِلَ أَبْغَضَ ما يُبَاحُ؛ فِذَا اشترطُوا فِيهِ الوطءَ الموجِبَ للغُسلِ بإيلاجِ الحَشَفَةِ بِلا حائلٍ في
المحلِّ المتيقْنِ؛ احترازاً عَنِ المُفضَاةِ والصَّغيرةِ مِنْ بالغٍ أو مُرَاهِقٍ قادرٍ عليهِ بِعَقْدٍ صحيحٍ لا فاسدٍ
ولا موقوفٍ ولا بملكِ يمينِ.
[١٤٣٥١] (قولُهُ: والموتُ عنها لا) أي: لوماتَ عنها قبلَ الوطءِ لا يُحِلُّها للأوَّلِ وإِنْ كانَ
الموتُ كالدُّخُولِ في إيجابِ العِدَّةِ وتقريرِ المهرِ المسمَّى؛ لأنَّ الشَّرِطَ هُنَا الوطءُ.
(١) "القنية": كتاب النكاح - باب فيما يتعلق بالتحليل ونكاح المطلقة ق٣٧/أ بتصرف.
(٢) "الخانية": كتاب النكاح - باب في المحرمات - فصل في مسائل النسب ٣٧٢/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الفتح": كتاب الطلاق - باب الرجعة - فصل فيما تحل به الرجعة ٣٣/٤.
(٤) "تبیین الحقائق": کتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ٢٥٨/٢ - ٢٥٩.
(٥) "البدائع": كتاب الطلاق - فصل: وأما شرائط جواز الرجعة - فصل: ومنها أن يكون النكاح الثاني صحيحاً ١٨٩/٣.
(٦) المقولة [١٤٣٢٤] قوله: ((حتى يطأها غيره)).
(٧) أخرجه مسلم (١٤٥٨) كتاب الرضاع - باب الولد للفراش، وتوقي الشبهات، والنسائي ١٨٠/٦ كتاب الطلاق -
باب التغليظ في الانتفاء من الولد، وابن ماجه (٢٠٠٦) كتاب النكاح - باب الولد للفراش وللعاهر الحجر،
جميعُهُم من حديث أبي هريرة، وفي الباب عن عمر، وأبي أمامة، وعائشة، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم.

قسم الاحوال الشخصية
٦٦٠
حاشية ابن عابدين
واستشكَلَهُ "المصنّفُ"(١)، وفي "النّهر"(٢): ((وكأنّه ضعيفٌ؛ لِما في "التّبيين" (٣).
يُشترَطُ أنْ يكونَ الإِيلاجُ مُوجباً للغُسل، وهو التقاءُ الختانين بلا حائلٍ يَمنَعُ الحرارةَ
وكونُهُ عن قُوَّةِ نفسِهِ، فلا يُحِلُّها(٤) مَن لا يَقدِرُ عليه إلاَّ بمساعدةِ اليدِ،.
[١٤٣٥٢] (قولُهُ: واستشكّلَهُ "المصنّفُ") الضَّمِيرُ يرجِعُ إلى الإحلالِ المفهومِ مِنْ قولِ
"المصنّفِ": يُحِلُّهَا، وأصلُ الإشكالِ لصاحبِ "البحرِ"، فإنَّهُ قالَ(٥) بعدَ ذِكْرِ هَذَا الفرعِ: ((مَعَ أَنَّهُ
نَقَلَ في "المحيطِ" مِنْ كِتَابِ الطَّهَارةِ أنَّهُ لو أَنَى امرأةً وهي عذراءُ لا غُسْلَ عليهِ مَا لَمْ يُنزِلْ؛ لأنَّ
العُذْرَةَ مانعَةٌ مِنْ مُوَارَاةِ الحَشَفَةِ)) اهـ. أي: ولا يُحِلُّها إلاَّ الوطءُ الموحِبُ الغُسلِ، "ط"(٦).
وأجابَ "الرَّحمُّ" و"السَّائِحانيُّ" بِحَمْلِ ما في "القنيةِ" على ما إذا أزالَ البَكَارَةَ بقرينةِ الإيلاجِ؛
٥٣٩/٢ فإنَّهُ لا يكونُ بدونِهِ، وفيهِ: أنَّ عبارةَ "القنيةِ(٧) هَكَذَا: ((إذا أَولَجَ إلى مكانِ البَكَّارَةِ))، وحَمْلُ
(إلى) على معنى (في) بعيدٌ.
[ مطلبٌ: ما ينفرد بهِ صاحبُ "القنية" لا يُعتمَدُ علیهِ ]
ثُمَّ لا يخفَى أنَّ ماينفردُ بِهِ صاحبُ "القنيةِ" لا يُعتَمَدُ عليهِ، كيفَ وهو مخالِفٌ لِمَا في المشاهيرِ
(قولُهُ: وأجابَ "الرَّحمنُّ" و"السَّائِحانيُّ": بحمْلٍ ما في "القُنيةِ" على ما إذا أزالَ البكارةَ بقرينةِ الإيلاجِ إلخ)
في "السِنديّ": ((إنّما يكونُ أي: الإيلاجُ في محلّها إذا أزالَها، ومعَ بقائِها لا يكونُ في محلّها؛ إذ يستحيلُ حلولُ
حالَينِ في محلٍ واحدٍ))، وهو لم يقُل: والإيلاجُ معَ البكارةِ، بل في محلّها، أي: بعدَ إزالتها، ثمَّ قالَ: ((وعلى تقديرٍ
أنَّ نُسخةَ "القُنَةِ": إلى محلِّ البكارةِ يُمكِّنُ أنْ تُجعَلَ إلى بمعنى: في، أو الغايةُ داخلةً في المغيّا دفعاً للإشكالِ)).
(١) المنح": كتاب الطلاق - باب الرجعة ١/ق ١٥١/أ.
(٢) "النهر": كتاب الطلاق - باب الرجعة - فصل فيما تحل به المطلقة ق ٢٣٢/أ.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الطلاق - باب الرجعة - فصل فيما تحل به المطلقة ٢٥٨/٢.
(٤) في "د" زيادة: ((قوله: فلا يُحِلُّها، كذا نقله في "الشرنبلالية"، ثم قال: والصواب أنه يُحِلُّها، كذا في "شرح
الزاهدي. مدني)). ق ٢٠١/أ.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ٦٢/٤.
(٦) "ط": كتاب الطلاق - باب الرجعة ١٧٦/٢.
(٧) "القنية": كتاب النكاح - باب فيما يتعلّق بالتحليل ونكاح المطلقة ثلاثاً ق٣٧/أ.

الجزء التاسع
٦٦١
باب الرجعة
إلاّ إذا انْتَعَشَ وعَمِلَ ولو في حيضٍ ونفاسٍ وإحرامٍ وإنْ كان حراماً وإنْ لم يُنزِلْ؛
لأنَّ الشَّرطَ الذَّوقُ لا الشِّبَعُ.
قلت: وفي "المجتبى": ((الصَّوابُ حِلُّها بدخولِ الحشفةِ مطلقاً))،
كقولِ "الهدايَةِ"(١): ((والشَّرطُ الإِيلاجُ))، وقولِ "الفتحِ"(٢): ((بقَيْدِ كونِهِ عن قوَّةِ نفسِهِ وإنْ كانَ
ملفوفاً بخِرْقَةٍ إذا كانَ يَجِدُ حرارةَ المحلِّ)) إلى آخرٍ (٢) ما يأتِي (٤) عَنِ "النّبِينِ"، وكَذَا ما مَرَّ(٥) عَنِ
"البزَّازِيَّةِ"، ومسألةِ المفضاةِ.
وبعدَ اعترافِ "المصنّفِ" بإِشكالِهِ ما كانَ ينبغي لَهُ جعلُهُ متناً.
[١٤٣٥٣] (قولُهُ: إلَّ إذا انتعَشَ وعَمِلَ) هَذَا لَمْ يذكرْهُ فِي "الَّبِينِ"، نَعَمْ ذَكرَهُ في "الفتحِ"(٦)
و "النّهرِ"(٧)، والظَّاهِرُ أنَّ الاستثناءَ منقَطِعٌ؛ لأنَّ الانتعاشَ الانتهاضُ، والمرادُ بِهِ وبالعَمَلِ أنْ يكونَ لَهُ
نوعُ انتشارٍ يحصُلُ بِهِ إِيلاجٌ كَيلا يكونَ بمنزلةِ إدخالِ خِرْقَةٍ فِي المَحَلِّ، فإنّهُ رَبَّمَا لا يحصُلُ بِهِ التقاءُ
الخِتَانِينِ؛ وَلِذَا قَالَ بعدَ ذلك في "الفتحِ"(٨): ((بخلافٍ مَنْ فِي الْتِهِ فُورٌ وأولَجَهَا فيها حتّى النَقَى
الخِتَانانِ فَإِنَّهَا تَحِلُّ ◌ِهِ.
[١٤٣٥٤] (قولُهُ: ولو في حيضٍ إلخ) الأَوْلَى حذفُ هذِهِ الجملةِ مِنَ البَيْنِ (٩) وذكرُهَا عندَ قولِ
"المصنّفِ": حتّى يَطَأَّهَا غيرُهُ.
[١٤٣٥٥) (قولُهُ: مُطْلَقاً) أي: سواءٌ كانَ الإِيلاجُ بِمُسَاعَدَةِ الَيَدِ أَوْ لا، وعبارةُ "المجتبى":
(١) "الهداية": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ١٠/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلقة ٣٣/٤.
(٣) في النّسَخِ: (إلخ)، وصرَّحْنا بِهِ للإيضاحِ، والمقصودُ ما يأتي في الشَّرحِ من عبارة "التبيين"، واعلم أنَّ عبارةً "التبيينِ"
انتهَتْ عندَ قولِ "الشَّارحِ": (الختانين)، وما بعدها مِنَ "الفتحِ".
(٤) انظر "الدر" في الصحيفة نفسها.
(٥) المقولة [١٤٣٤٨] قوله: ((فإنها لا تحل حتى تحبل إلخ)).
(٦) "الفتح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحل به المطلقة ٣٣/٤.
(٧) "النهر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحل به المطلقة ق ٢٣٢/أ.
(٨) "الفتح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحل به المطلقة ٣٣/٤.
(٩) في "م": ((من هنا)) بدل ((من البين)).

قسم الاحوال الشخصية
٦٦٢
حاشية ابن عابدين
لكنْ في "شرح المشارق" لـ "ابن مَلَكٍ": ((لو وَطِئَها وهي نائمةٌ لا يُحِلُّها للأوَّل؛
لعدمٍ ذَوْقِ العُسَيلةِ))، وينبغي أنْ يكونَ الوطءُ في حالةِ الإغماءِ كذلك ..
((وقيلَ: إِيلاجُ الشَّيخِ الفَانِي بِيدِهِ يُحِلُّهَا، وقيلَ: إذا لَمْ تَنتَشِرْ آلتُهُ فأدخلَهُ بيدِهِ أو بيدِهَا أو كانَ
الذَّكَرُ أَشَلَّ لاَ يُحِلُّهَا بِالإِيلاجِ، والصَّوابُ حِلُّهَا؛ لأَنَّهُ متعلّقٌ بِدُخُولِ الحَشَفَةِ)). اهـ. وأقرَّهُ في
"الشُّرُ بلائيَّةِ"(١)، وهو خِلافُ ما مَشَى عليهِ [٣/ق٣١٤/ب] "الزَّيلعيُّ" و"ابنُ الهُمَامِ" وصاحبُ "النَّهِ"
كَمَا مَرَّ(٢)، وفيهِ: أنَّ الحِلَّ معلَّقٌ بِذَوْقِ العُسَيَلَةِ كَمَا علمْتَ، فتأمَّلْ.
[مطلب: كتابُ "شرحِ المشارقِ" ليسَ موضوعاً لَنَقْلِ المذهبِ ]
[١٤٣٥٦) (قولُهُ: لكنْ في "شرحِ المشارِقِ"(٣) إلخ) فيهِ: أنَّ هَذَا الكتابَ ليسَ موضوعَاً لَنَقْلٍ
المذهبِ. وإِطلاقُ الْتُونِ والشُّرُوحِ يرُّهُ، وذوقُ العُسَيلةِ للَّائِمَةِ موجودٌ حُكْمَاً، أَلَا يُرَى(٤) أنَّ النَِّمَ
إذا وَجَدَ الْبَلَلَ يَجِبُ عليهِ الْغُسْلُ، وَكَذَا المُغْمَى عليهِ مَعَ أنَّ خُرُوجَ المِّ لا يُوجِبُهُ إلَّ مَعَ وجودٍ
اللَّةِ، وما ذاكَ إِلَّ لوجودِهَا حُكْمًاً؛ لأنَّهَا رَبَّمَا حصلَتْ وَذَهِلَ عنها بِقَلِ النَّومِ والإغماءِ، وقد تقدَّمَ
أنَّ المجنونَ يُحِلُّهَا، والجنونُ فوقَ الإغماءِ والّومِ، "رحمتيّ".
قلت: ورأيْتُ في "معراجِ الدِّرَايةِ": ((ووطءُ الّائمةِ والمُغمَى عليهَا يُحِلُّ عندَنَا، وفي أحدٍ
قَوْلَي "الشَّافِعِيِّ)) اهـ. هَكَذَا رأيتُهُ في نسخةٍ سقيمةٍ فَلْرَاجَعْ نسخةٌ أُخْرَى، ثمَّ لا يخفَى أَنَّ نومَهُ
وإغماءَهُ كنومِهَا وإغمائِهَا، لكنْ إذا قُلْنَا (٥): إنَّ إيلاجَ الشَّيخِ الفَانِي لا يُحِلُّهَا مالَمْ ينتعِشْ وَيَعْمَلْ -
(قولُهُ: لكنْ إذا قُلنا: إنَّ إيلاجَ الشَّيخِ الفاني لا يُحِلُها ما لم يَنتعِشْ إلخ) لا ورودَ لهذا الاستِدراكِ
للفرقِ الظَّاهرِ بينَ حالةِ الشَّيخِ الفاني وبين حالةِ النَّومِ؛ لوجودِ اللَّذِ حُكماً في حالةِ النّومِ، تأمَّل.
(١) "الشرنبلالية": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ٣٨٦/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) صـ ٦٦٠ - "در".
(٣) "مبارق الأزهار": الباب السابع ١٢٣/٢ بتصرف.
(٤) في "م": ((ترى)).
(٥) في هامش "م": ((قوله: (لكنْ إذا قلنا إلخ) فيه: أنَّ إيلاجَ الشيخ الغاني لا يفيدُ لذّةً أصلاً بخلاف الّائم، فإنَّ فيه لذّةً
كإيلاجٍ المستيقظِ، غايةُ الأمرِ أَنَّه بالّومِ أو الإغماءِ يحصلُ ذهولٌ عنها، ولم يَقُلْ أحدٌ باشتراطِ تذكُّرِها، فقولُهُ: يلزمُ أنْ
يكونَ مثلَهُ النائمُ إلَخْ غيرُ مناسبٍ؛ للفَرَقِ الجليِّ بين المسألتين، وقد تقدَّمَ له قريباً ما يفيدُ هذا الفَرْقَ)) اهـ.

الجزء التاسع
٦٦٣
باب الرجعة
(وكُرِهَ) التّوُّجُ النَّاني (تحريماً) لحديثِ: ((لَعَنَّ اللَّهُ المحلِّلَ والمحلّلَ له)).
يلزمُ أنْ يكونَ مثلَهُ النَّائمُ والمُغْمَى عليهِ، وكَذَا في جانِهَا، نَعَمْ على تصويبِ "المجتبى" مِنَ
الاكتفاءِ بدخولِ الحَشَفَةِ يظهَرُ الإحلالُ في الكُلِّ، فتأمَّلْ.
[١٤٣٥٧] (قولُهُ: وكُرِهَ التّزوُّجُ للَّانِي) كَذَا في "البحرِ"(١)، لكنْ في "القهستانيّ)"(٢):
((وكُرِهَ للأوَّلِ والثَّانِي، وعَزَاهُ "مُحَشِّي مسكين"(٣) إلى "الحَمَوِيِّ" عَنِ "الظَّهيريَّةِ"(٤)،
وينبغي أنْ يُزَادَ المرأةُ، بل هِيَ أَوْلَى مِنَ الأَوَّلِ فِي الكَرَاهَةِ؛ لأنَّ العقدَ بشرطِ التَّحليلِ إِنَّمَا
حَرَى بِينَهَا وبينَ الثَّاني، والأوَّلُ ساعٍ في ذلِكَ ومتسبِّبٌ، والمُبَاشِرُ أَوْلَى مِنَ المتسبِّبِ،
ولفظُ الحديثِ يشمَلُ الكُلَّ؛ فإنَّ ((المحلَّلَ لَهُ)) يَصْدُقُ على المرأةِ أيضاً.
[١٤٣٥٨] (قولُهُ: لحديثٍ: ((لعنَ اللَّهُ المحلِّلَ والمحلَّلَ لَهُ))(٥) بإضافةِ ((حديث))
إلى ((لَعَنَ))، فهو حكايةٌ للمعنى، وإلاَّ فلفظُ الحديثِ كَمَا في "الفتحِ"(٦): (( لَعَنَ اللهُ المحلِّلَ
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ٦٣/٤.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الطلاق - فصل تصح الرَّجْعَة ٣٢٢/١.
(٣) "فتح المعين": كتاب الطلاق - باب الرجعة ١٧١/٢.
(٤) "الظهيرية": كتاب الطلاق - القسم الرابع - الفصل الرابع في العنين وفيمن يحلُّ على الزوج الأول الخ ق ١٠٦/أ.
(٥) أخرجه أحمد في المسند ٨٧/١، وأبوداود (٢٠٧٦) في النكاح باب التحليل، وعبدالرزَّق (١٠٧٩٢)، والبزار
(٨٢٢)(٨٢٣)(٨٢٥)، والبيهقي ٢٠٨/٧ من طرق عن حصين وجابر الجعفي وإسماعيل بن أبي خالد وعبد الله
ابن عون ومغيرة وقتادة وغيرهم كلهم عن عامر الشعبيّ (ح)، وأخرجه أحمد ٩٣،٨٨/١ من طريق إسرائيل عن
أبي إسحاق (ح)، والخطيب في التاريخ ٤٢٤/٧ عن خالد بن العباس كلهم عن الحارث الأعور عن علي مرفوعاً،
واختلف على مجالد فرواه أبو أسامة وحماد عن مجالد عن الحارث عن علي موقوفاً، أخرجه أحمد ٨٣/١، والبزار
(٨١٩) (٨٢٠) وابن ماجه (١٩٣٥) وأبو يعلى (٤٠٥) عن يحيى ومحاضر وحماد وأبي أسامة عن محالد مرفوعاً به.
وأخرجه الترمذي (١١١٩) عن أشعث عن عبدالرحمن عن مجالد عن الشعبي عن جابر وعن الحارث عن علي مرفوعاً.
قال الترمذي (١١١٩): هذا حديث معلول هكذا رواه أشعث وليس إسناده بالقائم، ومحالد ممن ضعفه أحمد، وقد وهم ابن نمير
فقال: عن جابر عن علي ورواية داود وإسماعيل وليث عن الشعبي عن الحارث عن علي لعن ... ، وله حكم الرفع وكذلك اختلف
على حديث ابن عون. وأخرجه عبدالرزَّق (١٠٧٩٣) عن عبد الله بن مرة عن الحارث عن ابن مسعود، وأخرجه أحمد ٤٥٠/١
عن أبي واصل عن ابن مسعود مرفوعاً، وأخرجه أحمد ٤٤٨/١، والترمذي (١١٢٠)، والنسائي ١٤٩/٦، وغيرهم عن أبي
قيس عن هزيل بن شرحبيل عن ابن مسعود مرفوعاً قال الترمذي: حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجه (١٩٣٤) عن ابن
عباس وفيه زَمعة بن صالح ضعيف، وأخرجه أحمد ٣٢٣/٢، عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً.
(٦) "الفتح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحل به المطلقة ٣٤/٤.
٠

قسم الاحوال الشخصية
٦٦٤
حاشية ابن عابدين
(بشرطِ التّحليلِ) كـ: تَزَوَّخْتُكِ على أنْ أُحلّلَكِ (وإنْ حَلَّتْ للأوَّلِ) لصحَّةِ النكاح
وبطلان الشَّرط، فلا يُجَبَرُ على الطَّلاق كما حقَّقَهُ "الكمالُ" خلافاً لِمَا زَعَمَهُ
"البزَّازيُّ". ومِن لطيفِ الحِيَلِ قولُهُ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ وجامعتُكِ.
والمحلَّلَ لَهُ))، وهو كذلِكَ في بعضِ النُّسَخِ.
[١٤٣٥٩] (قولُهُ: بشرطِ التّحليلِ) تأويلٌ للحديثِ بِحَمْلِ اللَّعنِ على ذلك، ويأتي(١) تَمَامُ
الکلامِ عليهِ.
[١٤٣٦٠] (قولُهُ: وإِنْ خَلَّتْ للأوَّلِ إلخ) هَذَا قولُ "الإِمامِ" وعن "أبي يوسف": أنَّهُ يفسُدُ
النّكَاحُ؛ لأَنَّهُ في معنى الْمُؤَقَّتِ، ولا يُحِلُّهَا، وعن "مُحَمَّدٍ": يَصِحُّ، ولا يُحِلُّهَا؛ لأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ ما أَخَّرَهُ
الشَّرعُ كَمَا في قتلِ المُوَرِّثِ، "هداية"(٢).
(١٤٣٦١) (قولُهُ: خلافاً لِمَا زِعَمَهُ "البزَّازِيُّ") حيثُ قالَ(٣): ((زوَّجَتِ المطلَّقَةُ نفسَهَا مِنَ
الثَّانِي بِشَرْطِ أنْ يُحَامِعَها ويطلّقَهَا لِتَحِلَّ للأوَّلِ، قَالَ "الإِمامُ": النِّكَاحُ والشَّرطُ جَائِزَانٍ، حتّى إذا
أَبِى النَّانِي طَلَاقَهَا أَجْرَهُ القاضِي على ذلِكَ وحلَّتْ للأوَّلِ)) اهـ.
وهو مأخوذٌ مِنْ "روضةِ الزَّئْدويسيّ"، قالَ في "النّهرِ"(٤): ((قالَ الإِمامُ "ظهيرُ الدِّينِ": هذا
البَيَانُ لَمْ يُوجَدْ [٣/ ق١/٣١٥) في غيرِهِ مِنَ الكُبِ، كَذَا في "العنايةِ"(٥)، وفي "فتحِ القديرِ"(٦): هَذَا مِمَّا
لَمْ يُعَرَفْ في ظاهرِ الرِّوَيَّةِ، ولا ينبغي أنْ يُعَوَّلَ عليهِ ولا يُحْكَّمَ بِهِ؛ لأَنَّهُ مَعَ كونِهِ ضعيفَ النُُّوتِ تَنُو
عنْهُ قواعدُ المذهبِ؛ لأَنَّهُ لا شَكَّ أَنَّهُ شرطٌ فِي النّكَاحِ لا يقتضِيهِ العقدُ، وهو مِمَّا لا يبطُلُ بالشُّرُوطِ
الفاسدةِ، بل يبطُلُ الشَّرطُ وَيَصِحُّ، فيجبُ بُطْلانُ هذا وأنْ لا يُخَبَرَ على الطَّلَاقِ)) اهـ(٧).
(١) المقولة [١٤٣٦٨] قوله: ((وتأويل اللعن إلخ)).
(٢) "الهداية": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ١١/٢ بتصرف.
(٣) "البزازية": كتاب الطلاق - الفصل التاسع في الحظر والإباحة ٢٦٣/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "النهر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلقة ق ٢٣٢/ب - ٢٣٣/أ.
(٥) "العناية": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلقة ٣٥/٤ (هامش "فتح القدير").
(٦) "الفتح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلقة ٣٥/٤ بتصرف.
(٧) في "د" زيادة: ((وتمامه في "حواشي الحموي" من الحيل)). ق ٢٠١/أ.

الجزء التاسع
٦٦٥
باب الرجعة
أو وأمسكتُكِ فوقَ ثلاثٍ مثلاً فأنتِ بائنٌ، ولو خافَتْ أنْ لا يُطلِّقَها تقولُ:
زَوَّجْتُكَ نفسي على أنَّ أمري بيدي، "زيلعي"(١)، وتمامُهُ في "العماديَّة"
[١٤٣٦٢] (قولُهُ: أَوْ وَأَمْسَكْتُكِ) أي: أو يقولُ: إِنْ تزوَّخُكِ وأمسكتُكِ، وهَذَا إذا خافَتْ
إمساكَهَا مُطْلقاً، والأوَّلُ إذا خافَتْ إمساكَهَا بعدَ الجِمَاعِ.
[١٤٣٦٣) (قولُهُ: ولو خافَتْ إلخ) الأَوْلَى: أو تقولُ: زوَّ جُتُكَ إلخ؛ لأنَّ الحيلتينِ السَّابقتينِ
سبُهُمَا الخوفُ المذكورُ، "ط"(٢).
[١٤٣٦٤) (قولُهُ: وتمامُهُ في "العماديَّةِ") حيثُ قالَ: ((ولو قالَ لَهَا: تزوَّجْتُكِ على أنَّ أمرَكِ
بيدِكٍ فَقَبِلَتْ جَازَ النّكَاحُ وَلَغَا الشَّرطُ؛ لأنَّ الأمرَ إِنَّمَا يَصِحُّ في الِلْكِ أو مُضَافاً إليهِ، ولَمْ يُوجَدْ
واحدٌ منْهُمَا، بخلافٍ ما مَرَّ، فإِنَّ الأمرَ صارَ بِيدِهَا مُقَارِناً لصَيرورَتِهَا منكوحةٌ)) اهـ. "نهر "(٣).
وقدَّمناهُ(٤) قبلَ فصلِ المشيئةِ.
والحاصل: أنَّ الشَّرطَ صحيحٌ إذا ابتدأَتِ المرأةُ لا إذا ابتدَأَ الرَّجُلُ، ولكنَّ الفرقَ خَفِيٌّ(٥)،
(قولُهُ: ولكنَّ الغرقَ خفِيٌّ إلخ) لعلَّ وجهَهُ: أَنَّه بقَبولِهِ يكونُ راضياً يجعلِ المرأةِ أمرَها بيدِها وبحيزاً لَهُ، مع
أَنَّ لا يَملِكُه حينذاكَ، بل وقعَ باطلاً فلا يصِحُّ قَبَولُه والرِّضا به، وحينَئِذٍ لم يُصادِفْ الأمرُ باليدِ صَيرورَتَها
منكوحةً، بل صادفَ الرِّضا بهِ وقبولَهُ كونَها منكوحةً، وهذا غيرُ كافٍ، وإذا قيلَ: إِنَّ الزَّوجَّ هو الموجِبُ
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الطلاق - باب الرجعة - فصل: فيما تحلُّ به المطلقة ٢٥٩/٢.
(٢) "ط": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ١٧٦/٢.
(٣) "النهر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلقة ق ٢٣٣/أ.
(٤) المقولة [١١٢٣٤] قوله: ((صح)).
(٥) في هامش "": ((قوله: (ولكنَّ الفَرْقَ خفي) قال شيخُنا: لعلَّ وجهَهُ هو أنَّ قول المرأة : - على أنَّ أَمْرِي بيدي -
لا غٍ؛ لكونِهِ قبل النّكاح، فلا يؤثّرُ قبولُ الزَّوجِ فيه، وليس صحيحاً موقوفاً على الإجازة حتّى يكونَ للقبول تأثيرٌ،
فساوى بَدْءَ الزَّوج )) اهـ.

قسم الاحوال الشخصية
٦٦٦
حاشية ابن عابدين
(أمَّا إذا أضمَرًا(١) ذلك لا) يُكرَهُ (وكان) الرَّجلُ (مأجوراً) لقَصْدِ(٢) الإصلاحِ،
وتأويلُ اللَّعْنِ إذا شَرَطَ الأجرَ، ذكرَهُ "البزَّازِيُّ"
نَعَمْ يَظْهَرُ على القولِ بأنَّ الزَّوجَ هو الموجِبُ(٣) تقدَّمَ أو تأخَرَ، والمرأةَ هي القابِلَةُ كذلِكَ، تَأمَّلْ.
[١٤٣٦٥) (قولُهُ: أمَّا إذا أَضْمَرَا ذِلِكَ) مُحَتَرَزُ قولِهِ: بشَرْطِ التَّحليلِ.
[١٤٣٢٦] (قولُهُ: لا يُكرَهُ) بل يَحِلُّ لَهُ في قولِهِمْ جميعاً، "قهستاني"(٤) عَنِ "المضمراتِ".
٥٤٠/٢
[١٤٣٦٧) (قولُهُ: لِقَصْدِ الإصلاحِ) أي: إذا كانَ قصدُهُ ذلِكَ لا مجرَّدَ قَضَاءِ الشَّهوةِ ونحوِهَا،
وأورَدَ "السُّرُوجِيُّ" أنَّ النَّابتَ عادةً كالثَّابِتِ نصًّا، أي: فيصيرُ شرطُ التَّحليلِ كأَنَّهُ منصوصٌ عليهِ
في العقدِ فيكرَهُ، وأجابَ في "الفتحِ"(٥): ((بأنَّهُ لا يلزَمُ مِنْ قصدِ الزَّوجِ ذلِكَ أنْ يكونَ معروفاً بِهِ
بِينَ النَّاسِ، إِنَّمَا ذلكَ فيمَنْ نَصَّبَ نفسَهُ لذلكَ وصارَ مُشتَهِراً بِهِ)) اهـ. تأمَّلْ.
مطلبٌ: في حُكْمٍ لَعْنِ العُصَاةِ
[١٤٣٦٨) (قولُهُ: وتأويلُ اللَّعْنِ إلخ) الأَوْلَى أنْ يقولَ: وقيلَ: تأويلُ اللَّعنِ إِلَخْ كَمَا هُوَ عبارةٌ
"البزَّازِيَّةِ"(٦)، ولا سيَّمَا وقد ذكرَهُ بعدَ مامَشَى عليهِ "المصنّفُ" مِنَ التَّويلِ المشهورِ عندَ علمائِنَا؛
ولو تأخّرَ، كما قالَ: يكونُ قولُهُ: قبلَتْ بعدَ قولِها مُتَضَمِّناً؛ لابتداءِ إيجابِ الأمرِ بيدِها، وقد صادفَ كونَها
منكوحةً فيصِحُّ، لكنْ قد يُزالُ الخفاءُ بأنَّ الجوابَ متضمِّنٌ ما فِي السُّؤالِ، فيكونُ قَبَولُهُ متضَمِّناً لجعِلِهِ الأمرَ في
يدِها حينَ صارَتْ منكوحةٌ، إلاَّ أنَّه يُرِدُ أنَّ الطَّلاقَ الْمُقَارِنَ لثبوتِ الملكِ لا يقعُ إلاَّ أنْ يُفرَّقَ بينَه وبينَ الأمرِ
باليدِ، فيصِحُّ جعلُهُ مُقَارِناً دونَ الطَّلاقِ، أو يُقالُ: إنَّ الجوابَ متضمِّنٌّ إعادةَ ما في السُّؤَالِ على نسَقِهِ، فكأنّه
ذكّرَ الجوابَ أوَّلاً، ثمَّ ذكَرَ الأمرَ باليدِ فصادَفَ كونَها منكوحةٌ.
(١) في " و": ((أضمر)).
(٢) في "و": ((بقصد)).
(٣) ((هو الموجب)) ساقط من "الأصل".
(٤) "جامع الرموز": كتاب الطلاق - فصل: تصحُّ الرجعة ٣٢٢/١.
(٥) "الفتح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلقة ٣٥/٤.
(٦) "البزازية": كتاب الطلاق - الفصل التاسع في الحظر والإباحة ٢٦٢/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
--

الجزء التاسع
٦٦٧
باب الرجعة
لِيُفِيدَ أنَّهُ تأويلٌ آخَرُ، وأَنَّهُ ضعيفٌ، قالَ في "الفتحِ"(١): ((وهُنَا قولٌ آخَرُ وهو أنّهُ مأجورٌ وإنْ شَرَطَ
لِقَصْدِ الإصلاحِ، وتأويلُ اللَّعنِ عندَ هؤلاءِ إذا شَرَطَ الأجرَ على ذلكَ)) اهـ.
قلت: واللَّعَنُ على هَذَا الحَمْلِ أظهَرُ؛ لأَنَّهُ كأخذِ الأجرةِ على عَسْبٍ (٢) الّيْسِ وهو حرامٌ،
ويقرِّبُهُ أَنَّهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَّاهُ: الّيسَ المستعارَ(٣)، وأُورِدَ على النَّأويلِ الأوَّلِ أَنَّهُ مَعَ اشتراطٍ
التَّحليلِ مكروه تحريماً، وفاعِلُ الحَرَامِ لا يستوجِبُ اللَعنَ، ففاعِلُ المكروهِ أَوْلَى.
أقول: [٣/ق٥ ٣١/ب] حقيقةُ اللَّعنِ المشهورةُ هي الطَّردُ عَنْ الرَّحمةِ، وهِيَ لا تكونُ إلاَّ لكافرِ؛
ولِذَا لَمْ تَحُزْ على معَنٍ لَمْ يُعَلَمْ موتُهُ على الكُفرِ بدليلٍ وإنْ كانَ فاسقاً مُتَهَوِّراً كَـ"يَزِيدَ" على
المعتمدِ، بخلافٍ نحوِ "إبليس" و"أبي لهبٍ" و"أبي جهلٍ" فيجوزُ، وبخلافٍ غيرِ المعَّنِ كالظَّالمينَ
والكاذبينَ فيجوزُ أيضاً؛ لأنَّ المرادَ جِنْسُ الظَّلمينَ، وفيهِمْ مَنْ يموتُ كافراً، فيكونُ اللَّعنُ لبيان أنَّ
هذا الوصفَ وصفُ الكافرينَ للَّغيرِ عنهُ، والتَّحذيرُ منهُ لا لِقَصْدِ اللَّعنِ على كُلِّ فردٍ مِنْ هَذَا
الجِنْسِ؛ لأنَّ لعنَ الواحدِ المعَّنِ كَهَذَا الظَّالِ لا يجوزُ، فكيفَ كُلُّ فردٍ مِنْ أفرادِ الظَّالمينَ، وإذا كانَ
المرادُ الجنسَ لِمَا قُلْنَا مِنَ الَّغيرِ والتّحذيرِ لا يلزَمُ أنْ تكونَ تلكَ المعصيةُ حَرَاماً مِنَ الكبائِرِ، خلافاً
لِمَنْ أَنَاطَ اللَّعْنَ بالكبائرِ، فإنَّهُ وَرَدَ اللَّعنُ في غيرِهَا، كَ(لَعْنِ الْمُصَوِّرِينَ))(٤) و((مَنْ أَّ قوماً وهُمْ لَهُ
(١) "الفتح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلقة ٣٥/٤.
(٢) العَسْبُ: ضِرابُ الفحل أو ماؤه أو نسله. "القاموس": مادة ((عسب)).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٩٣٦) كتاب النكاح - باب المحلِّل والمحلّل له، والدارقطني ٢٥١/٣ كتاب النكاح - والحاكم في
المستدرك ١٩٨/٢ كتاب الطلاق - وقال هذا حديث صحيح الإسناد، وأقرّه الذهبي، والبيهقي في "السنن الكبرى"
٢٠٨/٧ كتاب النكاح - باب ما جاء في نكاح المحلل، والطبراني في المعجم الكبير ٢٩٩/١٧ رقم (٨٢٥) ولفظ
الحديث: ((ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلل، ولعن الله المحلل والمحلل له))،
جميعهم عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر، قال البوصيري في "مصباح الزجاجة": هذا إسناد مختلف فيه.
(٤) أخرجه أحمد ٣٠٨/٤، والبخاري (٥٩٦٢) كتاب اللباس - باب مَنْ لعن المصور، و(٢٠٨٦) كتاب البيوع - باب
موكل الربا، و(٢٢٣٨) كتاب البيوع - باب ثمن الكلب، و(٥٣٤٧) كتاب الطلاق - باب مهر البغي ونكاح =

قسم الاحوال الشخصية
٦٦٨
حاشية ابن عابدين
كارِهُونَ(١)) و((مَنْ سَلَّ سَخْمَتَهُ(٢)) أي: تغوَّطَ على الطَّريقِ، و((المرأةِ السَّلْنَاءِ)): أي: الّتي
لا تَخْضِبُ يَدَيْهَا، و((الَرْهَاءِ)) أي: الَّتي لا تكتحِلُ و((المرأةِ إذا خَرَجَتْ مِنْ
دارِهَا بغيرِ إذنِ زوجِهَا))(٣) و((ناكِحِ اليَدِ))(٤) و((زائراتِ القبورِ))(*) و((مَنْ جَلَسَ وَسَطَ
= القاصر، وأبو يعلى في "مسنده" (٨٩٠)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٦/٦ كتاب البيوع - باب النهي عن ثمن
الكلب، وأبو داود (٣٤٨٣) كتاب البيوع - باب في أثمان الكلب، وابن حبان (٥٨٥٢) كتاب الحظر والإباحة -
باب الصور والمصورين. كلهم من حديث أبي جحيفه ظـ
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٨) كتاب أبواب الصلاة - باب ما جاء فيمن أمَّ قوماً وهم له كارهون، من طريق محمد بن القاسم عن
الفضل بن دَلْهم عن الحسن قال: سمعت أنس بن مالك قال لعن رسول الله:﴿ .. فذكره، وقال: حديث أنس لا يصح؛
لأنه قد روي هذا الحديث عن الحسن عن النبي څ#1: مرسل ومحمد بن القاسم تكلم فيه أحمد بن حنبل وضعفه وليس
بالحافظ، وأخرجه البيهقي ١٢٨/٣ كتاب الصلاة - باب من أم قوماً وهم له كارهون، من طريق الحجاج عن قتادة عن
الحسن مرسلاً وعبد الرزاق عن معمر عن قتادة مرسلاً، وليس فيه لفظ ((لعن)) وفي الباب عن ابن عباس، وطلحة، وعبد
الله بن عمرو، وأبي أمامة.
(٢) أخرجه الحاكم ١٨٦/١ ولفظه: ((من سلّ سخيمته على طريق عامر من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس
أجمعين))، والطبراني في "الأوسط" (٥٤٢٦) وفي "الصغير" (٨١١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٩٨/١ كتاب
الطهارة - باب النهي عن التخلي في طريق الناس وظلهم، من حديث محمد بن عمرو الأنصاري عن محمد بن سيرين عن
أبي هريرة مرفوعاً، قال ابن حجر في "التلخيص" ١٠٥/٣ وإسناده ضعيف.
(٣) أخرجه الديلمي كما في الكنز ٣٨٢/١٦ ونحوه الخطيب ٢٠١/٦ وفيه: إبراهيم بن هدية كذاب، وأورده
الشوكاني في "الفوائد المجموعة" صـ١٣٦ - عن أنس مرفوعاً.
(٤) تقدم تخريجه ٢٧١/٦.
(٥) أخرجه أحمد ٣٣٧/٢، والترمذي (١٠٥٦)، وابن ماجه (١٥٧٦) وابن حبان (٣١٧٨) الإحسان والبيهقي ٧٨/٤،
كلُّهم في الجنائز من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه أحمد ٤٤٣/٣، وابن أبي شيبة ٣٤٥/٣، وابن ماجه (١٥٧٤)، والحاكم ٣٧٤/١، والطبراني (٣٥٩١)
والبيهقي وأبو نعيم في المعرفة (٢٢١٨) من طريق عبدالرحمن بن بهمان - وفيه جهالة - عن عبدالرحمن بن حسان بن
ثابت عن أبيه څبه مرفوعاً.
وأخرجه أحمد ١٨٧،٢٢٩/١، وأبو داود (٣٢٣٦) في الجنائز باب زيارة القبور والترمذي (٣٢٠) في الصلاة: باب كراهية أن
يتخذ على القبور مسجداً والنسائي ٩٤/٤ في الجنائز باب اتحاد السرج على القبور، وابن ماجه (١٥٧٥) وابن حبان
(٣١٧٩)، والحاكم ٣٧٤/١ وغيرهم من طريق محمد جُحادة عن أبي صالح يحدث بعدما كبر عن ابن عباس مرفوعاً، قال
الترمذي: هذا حديث حسن، وجزم بأن أبا صالح هو باذام - وهو وإن كان صالحا إلا أنه تغیر بعدما كبر وبذلك جزم
الحاكم ولم يصححه إلا بالشواهد، إلا أنَّ ابن حبان ادعى أنَّه ميزان - فإن كان كذلك فهو ثقة لكنه بعيد والله أعلم.

الجزء التاسع
٦٦٩
باب الرجعة
الحَلْقَةِ))(١) وغيرِ ذلكَ، ومنهُ مَاهُنَا، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، لكنْ يُشكِلُ على مَنْعِ لَعْنِ المعَّنِ مشروعيةُ
الْعانِ، وفيهِ لَعْنُ معَيَّنٍ، نَعَمْ يُجَابُ بأنَّهُ معلَّقٌ على تقديرٍ كونِهِ كاذباً، لكنّهُ لا يخرُجُ عَنْ لَعْنِ
معَيَّنٍ، تأمَّلْ.
ثُمَّ رأيْتُ فِي لِعَانِ "القهستانِّ)(٢) قال: ((الَّعْنُ في الأصلِ: الطَّردُ، وشرعاً في حَقِّ الكفّارِ:
الإبعادُ مِنْ رحمةِ اللهِ تعالَى، وفي حقِّ المؤمنينَ: الإسقاطُ عَنْ درجةِ الأبرارِ)) اهـ وفِي لِعَانِ
"البحرِ"(٣): ((فإنْ قلتَ: هل يُشرَعُ لعنُ الكاذبِ المعَّنِ؟ قلتُ: قالَ في "غايةِ البيانِ" مِنْ بابِ العِدَّةِ:
وعنِ "ابنِ مسعودٍ" أنَّهُ قالَ: مَنْ شاءَ باهَلْتُهُ(٤)، والُبَاهَلَةُ: الملاعَنَةُ، وكانُوا يقولونَ إذا اختَلَفُوا في
شيءٍ: بَهْلَّةُ اللهِ على الكَاذِبِ مِنَّا، قالُوا: هيَ مشروعةٌ في زمانِنَا أيضاً)) اهـ. وعَنْ هَذَا قِيلَ: إِنَّ
المرادَ باللّعنِ في مثلِ ذلكَ الطَّدُ عَنْ مَنَازِلِ الأبرارِ لا عَنْ رحمةِ العزيزِ الغفَّارِ، وقيلَ: إِنَّ الأشبهَ أنَّ
حقيقةَ اللَّعْنِ هُنَا ليسَتْ بمقصودةٍ، بل المقصودُ إظهارُ حَسَاسَةِ المحلّلِ بِالْبَاشَرَةِ، والمحلَّلِ لَهُ بِالعَوْدِ إليهَا
بعدَ مُضَاجَعَةٍ غيرِهِ، وعَزَاهُ "القهستانيُّ) (٥) إلى (٦) "الكشفِ" (٧) ثمَّ قالَ: ((وفيهِ كَلامٌ، فتأمَّلْ)) اهـ.
وَلَعَلَّ وجهَهُ أَنَّهُ لو كانَ كذلِكَ لا يلزَمُ كونُهُ مكروهاً تحريماً.
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٢٦) كتاب الأدب - باب الجلوس وسط الحلقة، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢٣٤/٣ -
٢٣٥ كتاب الجمعة - باب كراهية الجلوس في وسط الحلقة، والترمذي (٢٧٥٣) كتاب الأدب - باب ما جاء في
كراهية القعود وسط الحلقة، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الطلاق ٣٣٣/١.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق ١٢٧/٤.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٣٠٧) كتاب الطلاق - باب في عدة الحامل، والنسائي ١٩٧/٦ كتاب الطلاق - باب عدة
الحامل المتوفى عنها زوجها، وابن ماجه (٢٠٣٠) كتاب الطلاق - باب الحامل يتوفى عنها زوجها إذا وضعت
حلّت للأزواج. ثلاثتهم بلفط: ((من شاء لاعنته))، وأورده الزيلعي في "نصب الراية" ٢٥٦/٣ كتاب الطلاق -
باب العدة، وذكره ابن حجر في "الدراية" ٢٧٨/٢.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الطلاق - فصل تصح الرَّجْعَة ٣٢٢/١.
(٦) في "ب" و"م": ((في)) بدل ((إلى)).
(٧) "كشف الأسرار": الحقيقة والمجاز - باب معرفة أحكام الخصوص ٢١٦/١.

قسم الاحوال الشخصية
٦٧٠
حاشية ابن عابدين
ثُمَّ هذا كلُّهُ فرعُ صحَّةِ النِّكاحِ الأوَّلِ، حتّى لو كان بلا وليّ بل بعبارةِ المرأة أو
بلفظِ هبةٍ أو بحضرةٍ فاسقَينٍ، ثُمَّ طَلّقَها ثلاثاً وأرادَ حِلَّها بلا زوجٍ يَرفَعُ الأمرَ لشافعيّ،
[١٤٣٢٩] (قولُهُ: ثمَّ هَذَا كُلُّهُ) أي: كُلُّ مَامَرَّ مِنْ لُزُومِ التَّحليلِ بالشُّرُوطِ المارَّةِ وكَرَاهَةٍ
التَّصريحِ بِالشَّرْطِ.
[١٤٣٧٠) (قولُهُ: فَرْعُ صحَّةِ النّكاحِ) كذا عبَّرَ في "النّهر"(١)، والمرادُ صحَُّهُ باتفاق [٣/ق١/٣١٦]
الأئمَّةِ، لا صحَّتُهُ عندنا؛ بقرينةٍ ما بعدَهُ(٢)، فافهم. وقد مَرَّ(٣) أَنَّه لو كان فاسداً أو موقوفاً لا يَلزَمُ
التّحليلُ، بل تَحِلُّ بِدُونِهِ وإِنْ كُرِهَ، وهل تُقْبَلُ دَعْوَاهُ الفسادَ عندنا لإسقاطِ الَّحليلِ؟ لم أرَهُ الآن، نعم
يأتي(٤) آخرَ الباب: أَنَّه لو ادَّعَى بعدَ الثّلاثِ أَنَّه طَلَّقَها واحدةً قبلُ وانقَضَتْ عِدَّنُها لا يُصدَّقان،
وستأتي(٥) هذه المسألةُ في العِدَّةِ، وتأتي هناك حادثةُ الفتوى في ذلك، فراجعها.
[١٤٣٧١] (قولُهُ: أو بحضرةٍ فاسقَينٍ) أي: تَحَقَّقَ فسقُهما، وإلاَّ فظاهرُ العدالةِ يكفي عند
"الشَّافعيِّ"، فافهم.
مطلبٌ في حيلةِ إسقاطِ التَّحليلِ بُحُكْمٍ شافعيِّ بفسادِ النكاحِ الأوَّل
[١٤٣٧٢) (قولُ: يُرفَعُ الأمرُ لشافعيِّ إلخ) أقول: الّذي عليه العملُ عند الشَّافعيَّةِ هو ما حرَّرَهُ
"ابنُ حَجَرِ" في "النّحفِ"(٦): ((مِنْ أنَّ الحاكمَ لا يَحكُمُ بفسخِ النّكَاحِ بالنسبةِ لسُقُوطِ الَّحليل))،
وذلك أنّه ذكَرَ: ((أنَّ الرَّوجينِ لو تَوافَقًا أو أقاما بَيِّئَةً بفسادِ النّكَاحِ لم يُلتَفَتْ لذلك بالنسبةِ
السُّقُوطِ التَّحليلِ؛ لأَنَّه حقُّ الله تعالى، نعم يَجوزُ لهما العَمَلُ به باطناً، لكنْ إذا عَلِمَ بهما الحاكمُ
فَرَّقَ بينهما))، ثمَّ قال في موضعٍ آخرَ(٧): ((وحينئذٍ فمَن نكَحَ مُختَلَفاً فيه فإنْ قَلَّدَ القائلَ بصحَّتِهِ،
(١) "النهر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلقة ق٢٣٢/ب.
(٢) في "د" زيادة: ((أي: قوله: يرفع الأمر الشافعي؛ إذ لو كان غيرَ صحيحٍ عندنا لما احتاج لذلك)). ق ٢٠١/أ.
(٣) المقولة [١٤٣٣٠] قوله: ((خرج الفاسد والموقوف)).
(٤) صـ ٦٨٣ -٦٨٤ - "در".
(٥) المقولة [١٥٤٢٦] قوله: ((فلو مضيها معلوماً عند الناس)).
(٦) "تحفة المحتاج": كتاب النكاح - باب ما يحرم من النكاح ٢٣٢/٧ -٢٣٣ بتصرف (هامش "حواشي الشراواني" و"العبادي").
(٧) "تحفة المحتاج": كتاب النكاح - باب ما يحرم من النكاح ٢٤٠/٧ (هامش "حواشي الشراواني" و"العبادي").

الجزء التاسع
٦٧١
باب الرجعة
أو حكَمَ بها مَن يراها ثمَّ طَلّقَ ثلاثاً تعَّنَ التَّحليلُ، وليس له تقليدُ مَن يَرَى بُطْلَانَهُ؛ لأَنَّه تَلْفِيقٌ
للتّقليدِ في مسألةٍ واحدةٍ، وهو ممتنعٌ قطعاً، وإن انَتَفَى النَّقليدُ والحكمُ لم يَحْتَجْ لِمُحلِّلٍ، نعم يَتَعَيّنُ
أَنَّه لو ادَّعَى بعدَ الثّلاثِ عدمَ النَّقليدِ لم يُقْبَلْ منه؛ لأَنَّه يريدُ بذلك رفعَ الَّحليلِ الذي لَزِمَهُ باعتبارِ
ظاهرٍ فعلِهِ، وأيضاً فِعْلُ المكلَّفِ يُصانُ عن الإلغاءِ لا سيَّما إنْ وقَعَ منه ما يُصرِّحُ بالاعتدادِ به
كالتَّطليقِ ثلاثاً هنا)) اهـ.
٥٤١/٢
والذي تحرَّرَ مِنْ كَلامَيْهِ: أنَّ الرَّوجَ إِنْ عَلِمَ بفسادِ النكاحِ فإِنْ قَلَّدَ القائلَ بصحَّتِهِ أو حكَمَ
بها حاكمٌ يَراها لا يَسقُطُ التَّحليلُ، وإلاَّ سقَطَ، وله تَحْدِيدُ العقدِ بعدَ الثّلاثِ ديانةً، وإذا عَلِمَ به
الحاكمُ فَرَّقَ بِينَهُمَا، ولو ادَّعَى عدمَ التَّقليدِ لم يُصدّقْهُ الحاكمُ، وإذا عَلِمْتَ ذلك علمتَ أنّه لا فائدةَ
في قولِ "الشَّارِحِ" تبعاً لغيره: (يُرفَعُ الأمرُ لشافعيِّ))؛ إذ لا يَحْكُمُ الشَّافِعِيُّ بسُقُوطِ الَّحليلِ،
ولا يَقبَلُ ما يُسقِطُهُ، لكنْ قال "ابنُ قاسٍ" في "حاشيةِ الْتُّحفِ"(١): ((إِنَّ له تقليدَ "الشَّافِعِيِّ" والعقدَ
بلا مُحلّلٍ؛ لأنَّ هذه قضيّةٌ أخرى، فلا تَلْفيقَ ما لم يَحِكُمْ بصحَّةِ التّقليدِ الأَوَّلِ حاكمٌ)) اهـ
قلت: لكنْ هذا في الدِّيانةِ؛ لِمَا عَلِمْتَ من أنَّ الحاكمَ يُفرِّقُ بينهما إذا عَلِمَ به؛ لأنَّ التَّحليلَ
حَقُّ الله تعالى، نعم صرَّحَ شيخُ الإسلام "زكريًّا " في "شرح منهجِهِ"(٢): ((بأنَّ الزَّوجينِ لو اختَلَفا
في المُسمَّى ومهرِ المثلٍ، وأُقِيمَتْ بِيّةٌ على فسادِهِ يَتْبتُ مهرُ المثلِ، وَيَسقُطُ الَّحليلُ تبعاً)) اهـ. لكن
[٣ / ق٣١٦/ب] استظهَرَ "ابنُ حَجَرِ "(٢) عدمَ سُقُوطِهِ، والله أعلم.
فإن قلت: يمكنُ الحكمُ به عندنا على قولِ "محمَّدٍ" باشتراطِ الوليِّ.
قلت: لا يمكنُ في زمانِنا؛ لأَنَّه خلافُ الْمُعتمَدِ في المذهبِ، والقضاةُ مأمورون بالحكمِ بأصحٌّ
الأقوالِ، على أنَّه نقَلَ في "الَّار خانَّةِ"(٤): ((أنَّ "شيخَ الإِسلام" سُئِلَ: هل يصحُّ القضاءُ به؟ فقال:
(١) انظر "حاشية التحفة": كتاب النكاح - فصل فيمَنْ يعقد النكاح وما يتبعه ٢٤٠/٧ بتصرف.
١
(٢) لم نعثر عليها في "شرح المنهج".
(٣) "تحفة المحتاج": كتاب النكاح - فصل في أركان النكاح وتوابعها ٢٣٢/٧.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الطلاق - مسائل رفع اليمين بالطلاق المضاف ٦١٩/٣ بتصرف.

قسم الاحوال الشخصية
٦٧٢
حاشية ابن عابدين
فَيَقضي به وبُبُطْلانِ النِّكاح، أي: في القائمِ والآتي(١) لا في المنقضي، "بزَّازِيَّة".
وفيها: ((قال الزَّوجُ الثَّاني: كان النّكاحُ فاسداً، أو لم أدخل بها وكذَّبَتْهُ.
لا أدري، فإنَّ "محمَّدً" وإِنْ شرَطَ الوليَّ لكنَّه قال: لو طَلََّها ثمَّ أرادَ أنْ يَتَزوَّجَها فإنّي أَكرَهُ له
ذلك)) اهـ، أي: فإنَّ لفظَ ((أَكرَهُ)) قد يُستعمَلُ من الْمُحَتَهِد في الحرامِ.
(١٤٣٧٣) (قولُهُ: فَيَقضي به) أي: بِحِلِّها للأوَّلِ، وقولُهُ: ((وبُيُطْلانِ النكاحِ)) عطفُ سببٍ
على مُسبَّبٍ، فإنَّ قضاءَهُ بُطْلانِ النّكاحِ الأوَّلِ سببٌ لحِلِّها بلا زوجٍ آخرَ. اهـ "ح"(٢).
وإنما ذكَرَ القضاءَ لتصيرَ الحادثةُ الخلافَّةُ كالمُجمَعِ عليها، "ط)(٣). وقدَّمنا(٤) في بابِ التَّعليقِ
ما ينبغي استذكارُهُ هنا، ولا نُعِيدُهُ لِقُرْبِ العَهْدِ به.
[١٤٣٧٤] (قولُهُ: أي: في القائمِ والآتي لا في الُنقضِي) عبارةُ "البزَّازِيَّةِ"(*) - على ما في
"الّهر"(٦) -: ((وبه لا يَظهَرُ أنَّ الوطءَ في النّكاحِ الأَوَّلِ كان حراماً، وأنَّ في الأولادِ خَبَثاً؛ لأنَّ
القضاءَ اللَّحقَ كدليلِ النَّسخِ يَعمَلُ في القائمِ والآتي لا في الُنقضِي)) اهـ. أي: لأنَّ ما مَضَى كان
مَبِنَّاً على اعتقادِ الحِلِّ تقليداً لمذهبٍ صحيحٍ، وإنما لَزِمَهُ العملُ بخلافِهِ بعدَ الحكمِ الْمُلزِمِ، كما لو
نُسِخَ حكمٌ إلى آخَرَ لا يَلْزَمُ منه بُطلانُ ما مَضَى، ومثلُهُ ما لو تَغَيَّر رأيُ الْمُحتهِدِ، وكذا لو تَوَضَّأَ
حنفيٌّ ولم يَنْوِ وصلَّى به الظُّهرَ، ثمَّ صار شافعيّاً بعدَ دُخُولٍ وقتِ العصرِ يَلزَمُّهُ إعادةُ الوضوءِ بِالنّةِ
دُونَ ما صَلاَّهُ به.
(قولُ "الشَّارحِ": وفيها: قالَ الزَّوجُ الّاني: كانَ النّكاحُ فاسداً أو لم أدخُلْ بها وكذَّبَتْهُ فالقولُ لها إلخ)
لأنَّ الزَّوجَ الثَّانِيَ صارَ أجنبيّاً، وهي أمينةٌ على نفسِها. اهـ "رحميّ".
(١) في "و": ((والآن)).
(٢) "ح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ق١٩٥/أ باختصار.
(٣) "ط": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ١٧٧/٢ بتصرف.
(٤) المقولة [١٣٨٤٧] قوله: ((يبطل بزوال الحل)).
(٥) "البزازية": كتاب النكاح - الفصل الخامس في الأكفاء ١١٧/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "النهر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلقة ق ٢٣٢/ب.

الجزء التاسع
٦٧٣
باب الرجعة
فالقولُ لها، ولو قال الزَّوجُ الأوَّلُ ذلك فالقولُ له))، أي: في حقِّ نفسِهِ.
(والزَّوجُ الثّاني يَهدِمُ بالدُّخولِ) فلو لم يَدخُلْ لم يَهدِمِ اتّفاقاً، "قنية"(١).
[١٤٣٧٥) (قولُهُ: فالقولُ لها) كذا في "البحرِ"(٢)، وعبارةُ "البَزَّازِيَّةِ"(٣): ((ادَّعَتْ أنَّ الثّانيَ
جامَعَها وأنكَرَ الجماعَ حَلَّتْ للأوَّلِ، وعلى القَلْبِ لا)) اهـ. ومثلُهُ في "الفتاوى الهنديَّةُ"(٤) عن
"الخلاصة"(٥).
ويُخالِفُ قولُهُ: ((وعلى القَلْبِ لا))(٦) ما في "الفتح"(٧) و"البحر"(٨): ((ولو قالت: دخَلَ بيَ
الثّاني، والثَّانِي مُنكِرٌّ فالمُعتَبرُ قولُها، وكذا في العكسِ)) اهـ، فتأمَّل.
[١٤٣٧٦] (قولُهُ: فالقولُ له) أي: في حقِّ الفُرقةِ، كأنَّه طَلَّقَها، لا في حَقِّها، حتّى يجبُ لها
نصفُ الُسمَّى أو كَمَالُهُ إِنْ دَخَلَ بها، البحر "(٩).
[١٤٣٧٧] (قولُهُ: والزَّوجُ الثّاني) أي: نكاحُهُ، "نهر "(١٠).
(قولُهُ: ويُخالِفُ قولُهُ: وعلى القلبِ إلخ) لا مُخالفةَ، فإِنَّا قد اعتبرْنا قولَها في الدُّخولِ فحلَّتْ، وفي
عدَمِهِ فلم تحِلَّ، تأمَّل.
(١) "القنية": كتاب النكاح - باب فيما يتعلق بالتحليل ونكاح المطلقة ق٣٧/أ بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق باب الرَّجْعَة ٦٤/٤.
(٣) "البزازية": كتاب الطلاق - الفصل التاسع في الحظر والإباحة ٢٦٢/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الفتاوى الهندية": كتاب الطلاق - الباب السادس في الرجعة وفيما تحلُّ به المطلّقة وما يتصل به - فصل فيما تحلّ
به المطلّقة وما يتصل به ٤٧٤/١.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطلاق - الفصل التاسع في الحظر والإباحة ق ١٠٩/ب نقلاً عن نكاح "الأجناس".
(٦) في هامش "م": ((قوله: (ويخالفُ قولَهُ: وعلى القلبِ لا إلخ) لا يخفى أنَّ قول البزَّازيِّ: ((وعلى القلبِ لا)) معناه
أنّه لو ادَّعى الزَّوجُ الثاني الجماعَ، وأنكْرَتْهُ لا تحلُّ للأوَّل، فهذا اعتبارٌ لقولها كالمسألةِ الأولى، وحينئذٍ فلا مخالفةً
بين ما في "البزَّازيَّة" و"الفتح"، فإنَّ قول "الفتح": و کذا في العكس، أي: الحکمُ في مسألةِ العکس کالحكم في
الأصل من اعتبارِ قول المرأة، فيكونُ قوله: وكذا في العكس مساوياً لقول البزَّازيِّ: وعلى القلبِ لا)) اهـ.
(٧) "الفتح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلّقة ٣٨/٤.
(٨) "البحر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ٦٤/٤.
(٩) "البحر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ٦٤/٤.
(١٠) "النهر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلقة ق ٢٣٣/أ.

قسم الاحوال الشخصية
٦٧٤
حاشية ابن عابدين
(ما دون الثّلاثِ أيضاً) أي: كما يَهدِمُ الثَّلاثَ إجماعاً؛ لأنّه إذا هدَمَ الثَّلاثَ فما دونها
أَولى خلافاً لـ "محمَّدٍ"، فمَن(١) طُلّقَتْ دونها وعادَتْ إليه بعدَ آخرَ عادَتْ بثلاثٍ لو
.....
حُرَّةً وثنتين لو أَمَةً، وعند "محمَّدٍ" وباقي الأئمَّةِ بما بقي، وهو الحقُّ، "فتح"،.
مطلبٌ: مسألةُ الهدم
[١٤٣٧٨] (قولُ: ما دُونَ الثَّلاثِ) أي: يَهدِمُ ما وقَعَ من الطّقةِ أو الطَّقتينِ، فَيَجعَلُهُما كأنْ
لَمْ يكونا، وما قيل: إنَّ المرادَ أَنَّه يَهدِمُ ما بقيَ من الِلْكِ الأوَّلِ فهو مِنْ سُوءِ التّصوُّرِ كما نَّهَ عليه
"الهنديُّ" ، أفادَهُ في "النّهر"(٢).
[١٤٣٧٩) (قولُهُ: أي: كما يَهدِمُ الثَّلاثَ) تفسيرٌ لقولهِ: ((أيضاً)).
[١٤٣٨٠] (قولُهُ: لأَنَّه إلخ) جوابٌ عمَّ قالَهُ "محمَّدٌ": من أنَّ قولَهُ تعالى: ﴿حَّ تَنكِحَ زَوْبًا
غَيْرَهُ﴾ [البقرة - ٢٣٠] جُعِلَ غايةً لانتهاءِ الحُرْمةِ الغليظةِ فَيَهدِمُها، والجوابُ: أَنَّه إذا هدَمَها يَهدِمُ ما
دُونَها [٣/ق٣١٧/ أم بالأَولى، فهو مما ثَبَتَ بدلالةِ النَّصِّ، وتمامُ مَباحِثِ ذلك في كتبِ الأصول،
وقولُهما مَرْويٌّ عن "ابنِ عمرً" و"ابنِ عِبَّاسٍ"، وقولُ "محمَّدٍ" مَرْويٌّ عن "عمر" و"عليِّ" وأُبيِّ بنِ
كعبٍ" و"عِمْرانَ بن الحُصَيْنِ" كما في "الفتح"(٣).
[١٤٣٨١] (قولُهُ: وهو الحقُّ) ليس هذا في عبارةِ "الفتح"، بل ذَكَرَهُ في "الَّحريرِ"(٤)، وَتَبِعَهُ في
"النَّهِ"(٥)، وعبارةُ "الفتحِ"(٦) بعدَما أطالَ في الكلامِ من الجانبين: ((فظهَرَ أنَّ القولَ ما قالَهُ "محمَّدٌ"
وباقي الأئمَّةِ الثَّلاثةِ، ولقد صدَقَ قولُ صاحبِ "الأسرارِ": ومسألةٌ يُخَلَفُ فيها كِبارُ الصَّحابةِ
(١) في "ب": ((فيمن)).
(٢) "النهر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلّقة ق ٢٣٣/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلّقة ٣٦/٤.
(٤) "التحرير": الفصل الخامس في الحقيقة والمجاز - مسائل الحروف - حروف العطف - مسألة (حتى) صـ٢٠٠ -.
(٥) "النهر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلّقة ق ٢٣٣/أ.
(٦) "الفتح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلّقة ٣٧/٤.

الجزء التاسع
٦٧٥
باب الرجعة
وأقرَّهُ "المصنّفُ" كغيرِهِ.
(ولو أَخَبَرَتْ مُطلَّقةُ الثَّلاثِ مضيِّ عِدَّتِهِ وعِدَّةِ الزَّوجِ الثّاني) بعد دخولِهِ
(والمدَّةُ تَحتمِلُهُ جازَ(١) له) أي: للأوَّلِ.
يُعْوَزُ فِقْهُها(٢)، ويَصعُبُ الخروجُ منها)).
[١٤٣٨٢] (قولُهُ: وأقرَّهُ "المصنّفُ" كغيرِهِ) أي: كصاحبِ "البحرِ"(٣) و"الَّهِ"(٤) و"المقدسيّ"
و"الشُّرُ بلَالِيٌ"(٥) و"الرَّملِيِّ" و"الحَمَوِيِّ"، وكذا شارحُ "التّحريرِ" المحقّقُ "ابنُ أميرٍ حاجٌ"(٦)، لكنَّ
المتونَ على قولِ "الإِمامِ"، وأشارَ في مَّتْنِ "الملتقى)(٧) إلى ترجيحِهِ، ونقَلَ ترجيحَهُ العلاّمةُ "قاسمٌ"!
عن جماعةٍ من أصحابِ التَّرجيحِ، ولم يُعرِّجْ على ما قالَهُ شيخُهُ في "الفتحِ"، وكَذَا لَمْ يُعرِّجْ عليهِ
في "مواهبِ الرَّحمنِ" مَعَ أنَّه كثيراً ما يَتْبُعُ صاحبَ "الفتحِ" في ترجيحِهِ.
(١٤٣٨٣) (قولُهُ: بِمُضيِّ عِدَّتِهِ) أي: الزَّوجِ الأَوَّلِ، أسنَدَ العِدَّةَ إليه لأَنَّه سَبِبُها، "نهر "(٨).
وإلاّ فالعِدَّةُ للطَّلاق.
[١٤٣٨٤) (قولُهُ: وعِدَّةُ الزَّوجِ الثَّاني) ليس المرادُ أَنَّهَا قَالَتْ: مَضَتْ عِدَّتي من الثَّاني فقط،
(قولُهُ: يُعوَزُ فِقْهُها) في "القاموسِ": ((عَوِزَ الشَّيءُ كَفَرِحَ لم يُوجَدْ، والرَّجُلُ: افتقَرَ، كأعْوَزَ،
والأمرُ اشتَدَّ)) اهـ.
(١) ((جاز)) ليست في "د" و"و".
(٢) في هامش "٢": ((قوله: (ُيُعوَزُ فقهُها إِلَخْ) يُعوَزُ بفتحِ الواو من عَوِزَ كَفَرِحَ بمعنى فقَدَ، أي: المسألةُ الخلافيّةُ بين
كبارِ الصحابة يُفقَّدُ فقهُها، أي: فهمُها، أي: لا يُوقَفُ فيها على الواقعِ يقيناً)) اهـ.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ٦٣/٤.
(٤) "النهر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلّقة ق ٢٣٣/أ.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ٢٧٨/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٦) "التقرير والتحبير": الفصل الخامس - مسائل الحروف - مسألة (حتى جارّةٌ كإلى) ٥٩/٢.
(٧) "ملتقى الأبحر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ٢٨/١.
(٨) "النهر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلّقة ق ٢٣٣/أ.

٦٧٦
حاشية ابن عابدين
قسم الاحوال الشخصية
(أَنْ يُصدِّقَها إِنْ غَلَبَ على ظنّهِ صدقُها).
٥٤٢/٢
بل قالت: تَزَوَّجْتُ ودخَلَ بِي الزَّوجُ، وطَلَّقَني وانقَضَتْ عِدَّتي، كما ذكرَهُ في "الهداية"(١)؛ لأنَّ
قولَها: مَضَتْ عِدَّتي لا يُفيدُ ما ذُكِرَ، لوجوبِها بالخَلْوِ، وبمجرَّدِها لا تَحِلُّ، ومِن ثَمَّ قال في
"النّهايةِ": ((إِنَّمَا ذكَرَ في "الهدايةِ"(٢) إخبارَها مبسوطاً؛ لأَنَّها لو قالت: حَلَلْتُ لكَ فَتَزَوَّجَها، ثمَّ
قالت: لم يكن الثَّانِي دخَلَ بِي إِنْ كانَتْ عالِمَةٌ بِشَرَائطِ الحِلِّ لم تُصدَّقْ، وإلاّ تُصدَّقْ، وفيما ذكرتُهُ
مبسوطاً لا تُصدَّقُ في كلِّ حالٍ، وعن "السَّرْخسيّ" (٣): لا يَحِلُّ له أنْ يَتَزوَّجَها حتّى يَستَفْسِرَها؛
لاختلافِ النَّاسِ فِي حِلّها بمجرَّدِ العَقْدِ، وعن الإمام "الفَضْلِيِّ": لو قالَتْ: تَزَوَّجْني، فإنّي تَزَوَّحْتُ
غيرَكَ وانقَضَتْ عِدَّتِي، ثُمَّ قالَتْ: ما تَزَوَّحْتُ صُلِّقَتْ، إلاّ أنْ تكونَ أَقَرَّتْ بِدُخُولِ الثَّاني)) اهـ
لأنّها غيرُ مُتناقضةٍ بَحَمْلِ قولِها: تَزَوَّجْتُ على العقدِ، وقولُها: ما تَزَوَّجتُ معناه: ما دخَلَ بي، فإذا
أَقَرَّتْ بالدُّخولِ ثْبَتَ تناقُضُها كما أفادَهُ في "الفتحِ"(٤)، ويأتي(٥) تمامُهُ.
[١٤٣٨٥] (قولُهُ: لَهُ أنْ يُصلِّقَها) لأَنّه إمَّا مِنَ المعاملاتِ لكونِ البُضْعِ مُتُقوَّماً عند الدُّخولِ،
أو الدِّياناتِ لتَعَلّقِ الحِلِّ به، وقولُ الواحدِ مقبولٌ فيهما، "درر"(٦).
[١٤٣٨٦) (قولُهُ: إِنْ غَلَبَ على ظَنِّهِ صِدْقُها) أشارَ به إلى أنَّ عَدالتَها ليست شرطاً، ولهذا قالَ
في "البدائع"(٧) [٣/ ق٣١٧/ب] و"كافي الحاكم" وغيرهما: ((لا بأسَ أنْ يُصدِّقَها إنْ كانَتْ ثِقَةً عندَهُ،
أو وقَعَ في قلبِهِ صِدْقُها)) اهـ.
وكذا لو قالت منكوحةُ رَجُلٍ لآخرَ: طَلَّقَتِيْ زَوْجِي وانقَضَتْ عِدَّتِي جاز تصديقُها إذا وقَعَ
(١) "الهداية": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ١١/٢.
(٢) "الهداية": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ١١/٢.
(٣) "المبسوط": كتاب الاستحسان ١٨٠/١٠.
(٤) "الفتح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلّقة ٣٨/٤.
(٥) المقولة [١٤٣٩٣] قوله: ((ولو تزوجت إلخ)).
(٦) "الدرر والغرر": كتاب الطلاق - باب الرجعة ٣٧٨/١.
(٧) "البدائع": كتاب الطلاق - فصل: وأما شرائط جواز الرجعة - فصل: ومنها أن يكون نكاح الثاني صحيحاً ١٨٩/٣.

الجزء التاسع
٦٧٧
باب الرجعة
وأقلُّ مدَّةٍ عِدَّةٍ عنده بحيضٍ شهران،.
في ظنّهِ، عَدْلَةً كانَتْ أم لا، ولو قالَتْ: نِكَاحِي الأَوَّلُ فاسدٌ لا ولو عَدْلَةً، كَذَا في "البزَّازِيَّةِ"(١)،
"بحر "(٢).
[١٤٣٨٧] (قولُهُ: وأقلُّ مُدَّةِ عِدَّةٍ عندَهُ) أي: عندَ "الإِمام"، وهذا بيانٌ لقولِهِ: ((والُدَّةُ
تَحَتَمِلُهُ))، فلا احتمالَ فيما دُونَ ذلك.
[١٤٣٨٨) (قولُهُ: بِحَيْضٍ) متعلّقٌ بقولِهِ: ((عِدَّةٍ))، وهذا أَولِى مِمَّا قِيلَ: أي: بسببِ كونِ المرأةِ
حائضاً، فافهم. واحترَزَ به عن العِدَّةِ بالأشهُرِ في حقِّ ذواتِ الأَشْهُرِ، فإنَّ عِدَّتَها ليس لها أقلُّ
وأكثرُ، بل هي ثلاثةُ أشهرٍ لو حُرَّةً، ونصفُها لو أَمَّةً.
[١٤٣٨٩) (قولُهُ: شهران) أي: سِتُّون يوماً عنده؛ لأَنَّه يَجعَلُهُ مُطلّقاً في أوَّلِ الطُّهرِ حَذَراً من
وقوعِ الطَّلاقِ في طهرٍ وَطِيئَ فيه، فيحتاجُ إلى ثلاثة أطهارِ بخمسةٍ وأربعين، وثلاثٍ حِيَضِ بخمسةَ
عشرَ حَمْلاً للطُّهرِ على أقلّهِ، والحيضِ على وَسَطِهِ؛ لأنَّ اجتماعَ أقلّهما في مُدَّةٍ واحدةٍ نادرٌ، وهذا
على تخريجِ "محمَّدٍ" لقولِ "الإمامِ"، أمَّا على تخريجٍ "الحَسَنِ)" فَيَجعَلُهُ مُطلِقً في آخرِ الطَّهرِ حَذَراً مِنْ
تطويلِ العِدَّةِ عليها، فَيَحتاجُ إلى طهرين بثلاثين، وثلاثِ حِيَضٍ بثلاثين، حَمْلاً للطُّهرِ على
أقلِّهِ والحيضِ على أكثرِهِ لَيَعْتَدِلا، وتَحتاجُ إلى مثلِها في عِدَّةِ الزَّوجِ الثَّاني، وزيادةِ طُهرٍ على
تخريجِ "الحَسَنِ"، فتُصدَّقُ في مِائَةٍ وخمسةٍ وثلاثينَ يوماً، وعلى تخريجِ "محمَّدٍ" في مائةٍ
وعشرينَ يوماً(٣) اهـ، أفادَهُ "ح(٤).
(١) "البزازية": كتاب الطلاق - الفصل التاسع في الحظر والإباحة ٢٦٢/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ٦٤/٤.
(٣) في هامش "م": (( قوله: وعلى تخريجٍ محمَّدٍ في مائةٍ وعشرين يوماً، ينبغي أنْ يُزادَ طهرٌ هنا أيضاً ليكونَ زواجُ
الثاني وطلاقُهُ واقِعَيْنِ فيه، وحينئذٍ يلزمُ عليه أنْ يُطلّقَها في طهرٍ وُطِئَتْ فيه، فيساوي تخريجَ الحسن، وبهذا تعلمُ ما
في قولِ المحشِّ: لكنْ يلزمُ على هذا التخريج إلخ )) اهـ.
(٤) "ح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ق١٩٥/أ.

قسم الاحوال الشخصية
٦٧٨
حاشية ابن عابدين
ولأَمَةٍ أربعون يوماً ما لم تَدَّعِ السِّقْطَ كما مَرَّ(١). ولو تَزَوَّجَتْ بعدَ مُدَّةٍ تَحتمِلُهُ،
ثمَّ قالت: لم تَنْقَضِ عِدَّتي أو ما تَزَوَّجْتُ بآخرَ لم تُصدَّقْ؛
قلت: والمرادُ بزيادةِ الطُّهرِ هو الطُّهرُ الذي تَزَوَّجَها فيه الثَّانِي وطَلَقَها في آخرِهِ، لكنْ
يَلْزَمُ على هذا التَّخريجِ وقوعُ الطَّلَاقِ فِي طُهرٍ وَطِفَها فيه؛ إذ لا بُدَّ مِنْ دُخُولِهِ بها، تأمَّل. وهذا
يُؤْيِّدُ تخريجَ "محمَّدٍ".
[١٤٣٩٠] (قولُهُ: ولأمةٍ أربعونَ) عطفٌ على محذوفٍ، كأنَّه قال: لِحُرَّةٍ شهرانٍ، ولأَمَةٍ أربعون
يوماً، أي: على تخريجٍ "محمَّدٍ" طُهران بثلاثين وحيضتان بعشرةٍ، وعلى تخريجِ "الحسنِ" خمسةٌ
وثلاثون يوماً: طُهرٌ بخمسةَ عشرَ وحيضتان بعشرين، فُتُصدَّقُ بثمانين يوماً على تخريجٍ "محمَّدٍ"،
وخمسةٍ وثمانين يوماً على تخريج "الحَسَنِ"، وتمامُ النَّفصيلِ وحكايةِ الخلافِ في "الّينِ"(٢)، "ح"(٣).
[١٤٣٩١) (قولُهُ: مالم تَدَّعِ السِّقْطَ) أي: من الزَّوجِ الأوَّلِ؛ لأَنَّه يمكنُ إسقاطُها في يومِ الطَّلاقِ
فَتَنقضِي عِدَّتُها به، أمَّ ادِّعاؤُهُ مِنَ الثّاني فلا بدَّ مِنْ أنْ يَمضِيَ عليه زمنٌ يُمكِنُ أَنْ يَسْتِيْنَ فيه بعضُ
خَلْقِهِ، "رحمنيّ".
قلت: وكَذَا [٣/ق١/٣١٨] لو ادَّعَتْهُ مِنَ الأَوَّلِ لابُدَّ أنْ يكونَ بينَهُ وبِينَ عقدِ الأوَّلِ مدَّةُ أربعةِ
أُشھر.
[١٤٣٩٢] (قولُهُ: كَمَا مَرَّ) أي: في أوَّلِ البابِ، "حلبي"(٤).
[١٤٣٩٣] (قولُهُ: ولو تَزَوَّجَتْ إِلخ) قالَ في "الفتحِ"(٥): ((وفي "التَّفاريقِ": لو تَزَوَّجَها
(قولُهُ: لكنْ يلزَمُ على هذا النَّخريجِ وقوعُ الطَّلاقِ إلخ) هذا اللُّزومُ متحقّقٌ على تخريجِ "محمَّدٍ" أيضاً؛
إذ قيلَ فيهِ: تَنقضي العِدَّتانِ بمائةٍ وعشرينَ يوماً، فلا بُدَّ أنَّ وطءَ الثَّانِي فِي طُهرٍ طلّقَها فِيهِ، تأمَّل.
(١) صـ ٦٢٨ - "در".
(٢) انظر "تبيين الحقائق": كتاب الطلاق - باب الرجعة - فصل فيما تحلّ به المطلقة ٢٦٠/٢.
(٣) "ح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ق ١٩٥/أ.
(٤) "ح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة ق ١٩٥/أ.
(٥) "الفتح": كتاب الطلاق - باب الرَّجْعَة - فصل فيما تحلُّ به المطلقة ٣٨/٤.