Indexed OCR Text
Pages 421-440
الجزء التاسع
٤١٩
فصل في المشيئة
فيتقيّدُ به.
(ولا يَرجِعُ) لصيرورتِهِ تمليكاً، في "الخانيّة": ((طَلّقْها إنْ شاءَتْ لم يَصِرْ وكيلاً ما
لم تَشَأْ، فإِنْ (١) شاءَتْ في مجلسٍ عِلْمِها طَلَّقَها في مجلسِهِ لا غير،.
في "الخلاصةِ"(٢) وغيرِهَا، "نهر"(٣). ومُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ لا يُمْكِنُهُ عزلُهُ؛ لأَنَّهُ مِنْ أنواعِ الرُّجُوعِ،
[٣/ ق٢٥٧/ب] ويُخالِفُهُ ما في "البحرِ "(٤) عَنِ "الخانيَّةِ"(٥): ((الصَّحيحُ أَنَّهُ يملِكُ عزلَهُ، وفي طريقِهِ(٦)
أقوالٌ: قالَ "السَّرْخسيُ)(٧): يقولُ: عزلتُكَ عَنْ جميعِ الوَكَالاتٍ، فينصرِفُ إلى المعلَّقِ والْنَجَّزِ،
وقيلَ: يقولُ: عزّتُكَ كَمَا وَكُلْتُكَ، وقيلَ: يقولُ: رَجَعْتُ عَنِ الوَكَالاتِ المعلِّقَةِ، وعزلْتُكَ عَنِ
الوكالةِ المُطْلَقَةِ)).
[١٣٧٤٥) (قولُ: فيتقيَّدُ بِهِ إلخ) لأَنَّهُ علَّقَهُ بالمشيئةِ، والمالِكُ هو الّذي يتصرَّفُ عن مشيئِهِ،
"هداية"(٨). ثُمَّ اعلَمْ أَنَّهُ لو قالَ: شِئْتُ لا يَقَعُ؛ لأنَّ الزَّوجَ أَمَرَهُ بتطليقِهَا إِنْ شاءَ، ولَمْ يُوجَدٍ
التّطليقُ بقولِهِ: شئْتُ، ولو قالَ: هي طالِقٌ إِنْ شِئْتَ، فقالَ: شِئْتُ وَقَعَ لوجودِ الشَّرطِ وهو
مشيَتُهُ، ولو قالَ: طَلّقْها فقالَ: فعلْتُ وَقَعَ؛ لأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ قولِهِ: طَلَّقْتُ، "بحر "(٩) عَنِ "المحيطِ"،
وفيهِ عن "كافي الحاكمِ": لو وكّلَهُ أنْ يُطَلّقَ امرأتَهُ فطلّقَهَا الوكيلُ ثلاثاً إنْ نَوَى الزَّوجُ الثّلاثَ
وَقَعْنَ، وإِلاَّ لَمْ يَقَعْ شيءٌ عندَهُ، وقالا(١٠): تقعُ واحدةٌ.
[١٣٧٤٦] (قولُهُ: طَلّقَهَا فِي مَجْلِسِهِ لا غير) فلو قامَ مِنْ مَجْلِسِهِ بَطَلَ التّوكيلُ، هو الصَّحِيحُ؛
(١) في "د" و"و": ((فإذا)).
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الوكالة - الفصل الأول في التوكيل والعزل ق ٢٤٦/أ.
(٣) "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض - فصل في المشيئة ق٢١٩/ب.
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٠/٣.
(٥) "الخانية": كتاب الوكالة - فصل في التوكيل بالنكاح والعتاق والطلاق ٥٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) أي: وفي طريق العزل أقوال.
(٧) "المبسوط": كتاب الوكالة ٧/١٩.
(٨) "الهداية": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٢٤٨/١.
(٩) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٥٨/٣.
(١٠) في "م": ((قال))، وهو تحريف.
قسم الأحوال الشخصية
٤٢٠
حاشية ابن عابدين
والوكلاءُ عنه غافلون)).
(قال لها: طَلّقي نفسَكِ ثلاثاً) أو ثنتين (وطلَّقَتْ واحدةً وَقَعَتْ) لأنّها بعضُ
ما فَوَّضَهُ،
لأنَّ تُبُوتَ الوَكَالِ بالطَّلاقِ بناءً على ما فَوَّضَ إليها مِنَ المشيئةِ، ومشيئَتُهَا تقتصِرُ على المَجْلِسِ فَكَذَا
الوَكَالَةُ، كَذَا في "الخانَّةِ"(١). قالَ "الحَلْوَانِيُّ": ينبغي أنْ يُحْفَظَ هَذَا فإنَّهُ مِمََّ عمَّتْ بِهِ البِلْوَى؛ فإنَّ
الوُكَلَاءَ يُؤَخِرُونَ الإِيقاعَ عَنْ مشيَتِهَا ولا يدرُون أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ، وهَذَا مِمَّا يُسْتَى مِنْ قولِهِ:
لَمْ يَتْقِيَّدْ بالمجلسِ، "نهر"(٢). وهَذَا مِمَّا يُلْغَرُ بِهِ فَيُقالُ: وَكَالٌ تَقَّدَتْ بمجلسِ الوكيلِ، "بحر"(٣).
[١٣٧٤٧] (قولُهُ: وطَلّقَتْ واحدةٌ) قالَ في "البحرِ"(٤): ((لا فَرْقَ بينَ الواحدةِ والتّتينِ، ولو
قالَ: وطلّقَتْ أقلَّ وَقَعَ مَا أوقَعَتْهُ لَكَانَ أَوْلَى، وأشارَ إلى أَنْهَا لَو طَلّقَتْ ثلاثاً فَإِنَّهُ يقعُ بِالأَوْلَى،
وسواءٌ كانَتْ متفرّقةً أو بلغظٍ واحدٍ)) اهـ.
[١٣٧٤٨) (قولُهُ: وَقَعَتْ) أي: رجعيَّةٌ؛ لأنَّاللَّفْظَ صريحٌ، كَذَا في بعضِ النِّسَخِ.
[١٣٧٤٩] (قولُهُ: لِأَنَّهَا) أي: الواحدةَ، وقالَ في "الفتحِ"(٥): ((لأَنْهَا لَمَّا ملكَتْ إيقاعَ الثَّلاثِ
كانَ لَهَا أنْ تُوقِعَ منها ما شاءَتْ كالزَّوجِ نفسِهِ)) اهـ. قالَ "الرَّملِيُّ": ((مُقْتَضَاهُ أنَّ في مسألةٍ ما إذا
قالَ لَهَا: طَلِّقِي نفسَكِ ونَوَى ثَلاثًاً فَطَلّقَتْ ثِنْتَيْنِ تَقَعُ ثِنْتَانٍ؛ لأَنْهَا ملكَتْ أيضاً إيقاعَ الثَّلاثِ فكانَ
(قولُهُ: لأنَّ ثبوتَ الوكالةِ بالطّلاقِ بناءً على ما فوَّضَ إليها إلخ) مُجرَّدُ ما ذكَرَهُ لا يَكفي لإثباتِ الحُكمِ
المذكور، فلم يُعلَمْ وجهُ اشتراطِ كونِ مشيَتِها في المجلِسِ؛ إذ مُجرَّدُ جعْلِها شرطاً للوكالةِ لا يقتضي اشتراطَ
تحقَّقِها فيه، وأيضاً اقتصارُها على المجلس لا يَستلزِمُ اشتراطَ تطليقِ الوكيلِ فيهِ.
(١) "الخانية": كتاب الوكالة - فصل في التوكيل بالنكاح والعتاق والطلاق ٥١/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض - فصل في المشيئة ق ٢٢٠/أ.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٥٩/٣.
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦١/٣.
(٥) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣١/٣.
الجزء التاسع
٤٢١
فصل في المشيئة
وكذا الوكيلُ ما لم يَقُل: بألفٍ (لا) يقعُ شيءٌ (في عكسِهِ)
لَهَا أنْ تُوقِعَ منها ما شاءَتْ، ولَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عليهِ، ويدُلُّ عليهِ قولُهُمْ فيها: إنَّهُ لا فَرْقَ بينَ إِيقاعِهَا
الثّلاثَ بلفظٍ واحدٍ أو متفرِّقَةً، فإنّا عندَ النَّريقِ قد حَكَمْنَا بوُقُوعِ الثّانيةِ قبلَ الثّالثةِ، فلو اقتصَرْنَا
على الثّانيةِ تَقَعُ الّانِ [٣/ ق١/٢٥٨] فقط، فلو لَمَّ تَمْلِكِ الثّينِ لَمَا جَازَ النَّفويضُ، تأمَّل.)) اهـ.
٤٨٧/٢
[١٣٧٥٠] (قولُهُ: وَكَذَا الوكيلُ إِخْ) قالَ في "البحرِ"(١): ((ولا فرقَ في هذا الحكمِ بينَ النّعليكِ.
والتَّوكيلِ، فلو وكّلَهُ أنْ يُطَلِّقَها ثلاثاً فطلّقَها واحدةً وقعَتْ واحدةٌ، فلو وكّلَهُ أنْ يُطَلَّقَها (٢) ثَلاثَاً
بألفِ درهمٍ فطلّقَها واحدةٌ لَمْ يقعْ شيءٌ إلاَّ أنْ يُطَلّقَها واحدةٌ بَكُلِّ الألفِ، كَذَا في الكافي
الحاكمِ")) اهـ. أي: لأنَّ الواحدةَ وإِنْ كانَتْ بعضَ ما فُوِّضَ إليهِ لكنَّ الزَّوجَ لَمْ يَرْضَ بالطَّلاقِ
إلاّ بِعِوَضٍ مخصوصٍ، فلا يَصِحُّ بدونِهِ.
[١٣٧٥١] (قولُهُ: لا يَقَعُ شيءٌ فِي عَكْسِهِ) أي: فيما إذا أَمَرَهَا بالواحدةِ، فطلَّقَتْ ثَلاثاً بكلمةٍ
واحدةٍ عندَ الإِمامِ، أمَّا لو قالَتْ: واحدةً وواحدةً وواحدةً وقعَتْ واحدةٌ اتفاقاً؛ لامتثالِهَا بِالأُوَّلَى
وَيَلْغُو ما بعدَهُ، وَكَذَا لو قالَ: أمرُكِ بيدِكِ يَنْوِي واحدةً، فطلّقَتْ نفسَهَا ثلاثاً، قالَ في "المبسوطِ"(٣):
((َقَعُ واحدةٌ اتفاقاً؛ لأَنَّهُ لَمْ يتعرَّضْ للعَدَدِ لفظاً، واللّفْظُ صالِحٌ للعُمُومِ والخُصُوصِ))، وتمامُهُ
(قولُهُ: فلو لم تملِك الَّيْنِ لَمَا جازَ النَّفويضُ) لعلَّهُ: التَّفريقُ.
(قولُهُ: وكذا لو قالَ: أمرُكِ بيدِكِ ينوي واحدةً فطلّقَتْ نفسَها ثلاثاً إلخ) هذا مخالفٌ لِمَا قدَّمه أوَّلَ
الفصْلِ عن "الشُّرُ نُلاليَّةِ"، فيما إذا أوقعَت ثلاثاً وقد قال لها طلّقي نفسَكِ معَ نَّةِ الواحدةِ أو الْتَينِ أو معَ عدمٍ
النّةِ؛ حيث قالَ فيما تقدَّمَ: ((أنَّ وقوعَ الواحدةِ جارٍ على قولِهِما، أمَّا عندَ "الإمامِ" فإنّها إذا طلّقَت ثلاثاً
ونوَى واحدةً فإِنَّه لا يقعُ شيءٌ)) اهـ، والظَّاهِرُ عدمُ الفرْقِ بينَ قوله: أمرُكِ بيدِكِ المذكورِ هُنا وقولِهِ: طلّقي
نفسَكِ المذكورِ سابقاً، والعلّةُ المذكورةُ ظاهرةٌ فيما تقدَّمَ أيضاً، وما نقلَه "المُحَشِّي" عن "الكافِي" قَبْلَ هذا
يُوافِقُ ما في "الشُّرُبُلاَيَّةِ".
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦١/٣.
(٢) من ((فطلقها واحدة)) إلى ((أن يطلقها)) ساقط من "الأصل".
(٣) "المبسوط": كتاب الطلاق - باب الأمر باليد ٢٢٢/٦ بتصرف.
قسم الأحوال الشخصية
٤٢٢
حاشية ابن عابدين
وقالا: واحدٌ.
(طَلِّقي نفسَكِ ثلاثاً إِنْ شئتِ، فَطَلَّقَتْ واحدةً و) كذا (عكسُهُ لا) يَقَعُ فيهما؛
لاشتراطِ الموافقةِ لفظً؛.
في "البحرِ"(١).
[١٣٧٥٢] (قولُهُ: وقالا: واحدةٌ) أي: تَقَعُ واحدةٌ.
[١٣٧٥٣] (قولُهُ: طَلْقِي نفسَكِ إلخ) لا فرقَ في المُعلَّقِ بالمشيئةِ بينَ كونِهِ أمراً بالتّطليقِ أو نفسٍ
الطَّلاقِ، حتّى لو قالَ لَهَا: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إِنْ شِئْتٍ، أو واحدةً إِنْ شِئْتِ فخالَفَتْ لَمْ يَقَعْ شيءٌ،
"بحر "(٣).
[١٣٧٥٤] (قولُهُ: وَكَذَا عَكْسُهُ) بأنْ يقولَ: طَلِّقِي نفسَكِ واحدةٌ إِنْ شِئْتِ فطلّقَتْ ثَلاثَاً،
"بحر "(٣).
[١٣٧٥٥] (قولُهُ: لا يَقَعُ فِيهِمَا) بِلا خِلافٍ في الأُوْلَى؛ لأنَّ تفويضَ الثَّلاثِ مُعَلَّقٌ بشرطٍ هو
مشيئْتُهَا إِيَّاهَا؛ لأنَّ معناهُ: إنْ شِئْتِ الثَّلاثَ، فَلَمْ يُوجَدِ الشَّرِطُ؛ لأَنّهَا لَمْ تَشَأُ إلاَّ واحدةً، بخلافٍ
ما إذا لَمْ يقيِّدْ بالمشيئةِ، ودَخَلَ في كلامِهِ ما لو قالَتْ: شئْتُ واحدةً وواحدةً وواحدةٌ مُنْفَصِلاً
بعضُها عن بعضٍ بالسُّكُوتِ؛ لأَنَّهُ فَاصِلٌ فَلَمْ تُوجَدْ مشيئةُ الثَّلاثِ، بخلافِ الَّصِلَةِ بِلا سُكُوتٍ؛
لأنَّ مشيئةَ الثَّلاثِ قد وُجِدَتْ بعدَ الفَرَاغِ مِنَ الكُلِّ وهِيَ فِي نِكَاحِهِ، ولا فرقَ بينَ المدخولةِ
وغيرِها، وأمَّا الثّانيةُ فعَدَمُ الوقوعِ فيها قولُ "الإِمامِ"، وعندَهُمَا تقعُ واحدةٌ، "بحر "(٤).
[١٣٧٥٦) (قولُهُ: لاشتراطِ الْمُوَافَقَةِ لَفْظٌ) إِنَّمَا تُشْتَرَطُ الموافقةُ لفظاً فيما هوَ أصلٌ لا فيما هو
تَبَعِ، وهُنَا كذلكَ؛ لأنَّ الإيقاعَ بالعددِ عندَ ذِكْرِهِ لا بالوصفِ، فإذا أَمَرَهَا بالثَّلاثِ أو بالواحدةِ
(١) انظر "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦١/٣.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٣/٣.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٢/٣.
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٢/٣ باختصار.
الجزء التاسع
٤٢٣
فصل في المشيئة
لِما في تعليق "الخانيّة": ((أمَرَها بعَشْرِ فِطَلَّقَتْ ثلاثاً، أو بواحدةٍ فطَلَّقَتْ نصفاً لم يقع)).
(أمَرَها ببائنٍ أو رجعيّ فعكَسَتْ في الجوابِ وَقَعَ ما أمَرَ الزَّوجُ (به، ويلغو وصفُها)
فَعَكَسَتْ تكونُ قد خالَفَتْ في الأصلِ الَّذِي بِهِ الإيقاعُ، بخلافٍ ما مَرَّ(١) مِنْ أَنَّهُ لو قالَ لَهَا: طَلِّقِي
نفسَكِ، فقالَتْ: أَبَنْتُ نفسِي؛ [٣/ ق٢٥٨ /ب] فإِنَّهَا تطُلُقُ؛ لأَنَّهَا خَالَفَتْ في الوصفِ فَقَطْ، فَلْغُو
ويقَعُ الرَّجِعِيُّ كَمَا مَرَّ(٢)، لكنْ هَذَا يقتضِي عدمَ الفَرْقِ بينَ المعَلَّقِ بالمشيئةِ وغيرِهِ مَعَ أَنَّهُ تقدَّمَ(٣) في
غيرِ المعلِّقِ بِهَا كطَلّقِي نفسَكِ ثَلاثً وطلّقَتْ واحدةٌ أَنَّهُ يِقَعُ واحدَةٌ، إلاّ أنْ يُقَالَ: إِنَّ اشتراطَ الموافقةِ
لفظاً خاصٌّ بالمعلَّقِ بالمشيئةِ فيكونُ تعليقاً؛ للإتيان بصورةِ اللَّفْظِ كَمَا يُفِيدُهُ ما يذكرُهُ(٤) "الشَّارِعُ"
قريباً عَنِ "الخانَّةِ"، فليتأمَّلْ.
[١٣٧٥٧) (قولُهُ: لِمَا في تعليقِ "الخانيَّةِ "(٥) عبارتهُ على ما في "البحرِ"(٦): ((طَلِّقِي نفسَكِ
عَشْراً إِنْ شِئْتٍ، فقالَتْ: طلّقْتُ نفسِي ثَلاثًاً لا يَقَعُ، ثمَّ قالَ: لو قالَ لَهَا: أنتِ طالقٌ واحدةٌ إِنْ
شْتٍ، فقالَتْ: شئْتُ نِصْفَ واحدةٍ لا تَطْلُقُ)) اهـ. وبِهِ عُلِمَ أنَّ "الشَّارحَ" أَسْقَطَ قيدَ المشيئةِ،
ووَجْهُ عدمِ الوُقُوعِ المُخَالَفَةُ فِي الْفَظِ وإِنْ وَافَقَ في المعنى؛ لأنَّالعَشَرَةَ لا يَقَعُ منها إلاَّ ثلاثةٌ،
والنّصْفُ يقعُ واحدةٌ.
[١٣٧٥٨] (قولُهُ: أَمَرَهَا ببائنٍ أو رَجْعِيِّ إلخ) بأنْ قَالَ لَهَا: طَلْقِي نفسَكِ بائنةً، فقالَتْ: طَلّقْتُ
نفسِي رجعيَّةً، أو قالَ لَهَا: رجعيَّةً، فقالَتْ: طلّقْتُ نفسِي بائنةٌ، وشَمِلَ ما إذا قالَتْ: أَبنْتُ نفسِي؛
لأَنَّهُ راجِعٌ لِمَا قبلَهُ، وقد فرَّقَ بينَهُمَا "قاضيخان)(٧) في حَقِّ الوكيلِ فقالَ: ((رجلٌ قالَ لغيرهٍ: طَلْقٍ
امرأتِي رجعيّةً، فقالَ لَهَا الوكيلُ: طلّقْتُكِ بائنةٌ تَقَعُ واحدةٌ رجعيَّةٌ، ولو قالَ الوكيلُ: أَبْتُهَا لا يَقَعُ
(١) المقولة [١٣٧٣٥] قوله: ((وبقولها في جوابه إلخ)).
(٢) المقولة [١٣٧٣٥] قوله: ((وبقولها في جوابه إلخ)).
(٣) صـ ٤٢٠- "در".
(٤) في الصحيفة نفسها.
(٥) "الخانية": كتاب الطلاق - باب التعليق ٥٠٤/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٢/٣.
(٧) "الخانية": كتاب الوكالة - فصل في التوكيل بالنكاح والعتاق والطلاق ٥١/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
قسم الأحوال الشخصية
٤٢٤
حاشية ابن عابدين
والأصلُ أنَّ المخالفةَ في الوصف لا تُبُطِلُ الجوابَ(١) بخلافِ الأصل، وهذا إذا
لم يكن مُعلّقاً بمشيئِها، فإنْ علَّقَهُ فعكَسَتْ لم يَقَعْ شيءٌ؛ لأنَّها ما أَتَّتْ بمشيئةِ ما
فَوَّضَ إليها،.
شيءٌ)) اهـ. ولعلَّ وجهَ (٢) الفَرْقِ بينَ الوكيلِ والمأمورةِ أنَّ الوكيلَ بالطّلاقِ لا يَمْلِكُ الإيقاعَ بلفظِ
الكنايةِ؛ لأَنّهَا متوقّفَةٌ على نَتِهِ، وقد أمرَهُ بطَلَاقٍ لا يتوقّفُ على النِّةِ، فَكَانَ مُخَالِفاً في الأصلِ،
بخلافِ المرأةِ فإِنَّهُ ملَّكَها الطّلاقَ بكلِّ لفظٍ يملِكُ الإِيقاعَ بِهِ، صريحاً كانَ أو كِنَايةٌ، لكنّهُ يتوقَّفُ
على وُجُودِ النّقْلِ بأنَّ الوكيلَ لا يَملِكُ الإِيقاعَ بالكِتَايةِ، "بحر "(٣). واعترَضَهُ في "الَّهِ"(٤) بأنَّ ما في
"الخانَّةِ" صريحٌ في أنَّ الوكيلَ يكونُ مخالِفاً بإيقاعِهِ بِالكِتَابِ، هَذَا وَقَّدَ "الشِّهَابُ الشَّلْيُّ" كلامَ المتنِ
بِمَا إذا قالَتْ: طلّقْتُ نفسِي بائنةً، بِخِلافٍ: أَبْتُ نفسِي، فإنَّهُ لا يَقَعُ شيءٌ، وقالَ: فاغتِمْ هَذَا
الَّحريرَ؛ فإِنَّكَ لا تجدُّهُ في شَرْحٍ مِنَ الشُّرُوحِ، ونقلَهُ "الشُّرُ بِلالُِ) (٥) وأقرَّهُ.
قلتُ: لكنَّ "الشِّلِيَّ" قَّدَ بذلكَ أخذاً مِنْ كلامِ "قاضيخان" في الوكيلِ، وهو يتوقّفُ على
ثُبُوتٍ عدمِ الفَرْقِ بينَهُمَا، وفيهِ ما علمْتَ مَعَ أَنَّهُ تقدَّمَ(٦) أوَّلَ الفصلِ أنَّها تطلُقُ بقولِهَا: أبْتُ
نفسِي، فليتأمَّلْ.
[١٣٧٥٩] (قولُهُ: والأصلُ إلخ) قالَ في "الفتحِ"(٧): ((والحاصِلُ [٣/ ق ٢٥٩/ أ] أنَّ المخالفةَ
إِنْ كانَتْ في الوصفِ لا تُبْطِلُ الجوابَ، بل يَبْطُلُ الوصفُ الَّذِي بِهِ الْمُخَالَفَةُ، وَيَقَعُ على الوَجْهِ الَّذي
(قولُهُ: فكانَ مُخُلِفاً في الأصلِ إلخ) كونُ المخالفةِ في الأصلِ غيرُ مُسلَّمٍ، بلْ هيَ في الوصْفِ، فإنَّ
كونَ اللَّفظِ متوقّفاً على النِّيَّةِ أو لا يتوقّفُ وصفٌ له لا أصلٌ، فالفرقُ المذكورُ غيرُ تامٌ.
(١) ((الجواب)) ليست في "د" و"و".
(٢) ((وجه)) ليست في "الأصل" و"ب" و"م".
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٣/٣.
(٤) "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض - فصل في المشيئة ق ٢٢٠/ب.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الطلاق - باب التفويض ٣٧٦/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٦) المقولة [١٣٧٣٥] قوله: ((وبقولها في جوابه إلخ)).
(٧) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣٢/٣.
الجزء التاسع
٤٢٥
فصل في المشيئة
"خانَّة"، "بحر".
(قال لها: أنتِ طالقٌ إنْ شئتٍ، فقالت: شئتُ إنْ شئتَ) أنتَ (فقال: شئتُ
ينوي الطّلاقَ، أو قالت: شئتُ إنْ) كان (كذا لمعدومٍ) أي: لم يوجد بعدُ كـ: إنْ شاء
أبي أو إنْ جاءَ اللَّلُ وهي في النّهار (بطَلَ) الأمرُ لفَقْدِ الشَّرط.
فُوِّضَ بِهِ، بخلاف ما إذا كانَتْ في الأصلِ؛ حيثُ يبطُلُ كَمَا إذا فَوَّضَ واحدةٌ فطلَّقَتْ ثَلاثًاً
على قولِ "أبي حنيفةً"، أو فوَّضَ ثلاثاً فطلّقَتْ أَلْفَاً )).
[١٣٧٦٠] (قولُهُ: "خانَّةُ"("بحر ") أي: نقلَهُ في "البحرِ"(١) عَنِ "الخانَّةِ "(٢)، وفي بعضِ النُسَخِ:
((و"بحر")) بالواوٍ، وهي صحيحٌ أيضاً، بل أَوْلَى؛ لأنَّ ذلك مستَفَادٌ مِنْ مجموعِ الكِتَابِينِ، فَإِنَّهُ في
"الخانَّةِ" ذكَرَ في بابِ التّعليقِ: ((قَالَ لَهَا: طَلَّقِي نفسَكِ واحدةً بائنةٌ إِنْ شِئْتٍ، فطلّقَتْ نفسَهَا
رجعيَّةٌ، أو قالَ: واحدةٌ أَمْلِكُ الرَّجْعَةَ إِنْ شِئْتُ، فطلّقَتْ بائنةٌ لا يَقَعُ شيءٌ في قياسِ قولٍ "أبي
حنيفةً"؛ لأَنَّهَا مَا أَتَتْ بمشيئةٍ ما فُوِّضَ إليها))، فاستَبُطَ منهُ في "البحرِ" أنَّ ما ذكرَهُ "المصنّفُ"
مفروضٌ في غيرِ المعلِّقِ بالمشيئةِ، فافْهَمْ.
٤٨٨/٢
[١٣٧٦١] (قولُهُ: أَيْ: لَمْ يُوجَدْ بعدُ) لَمَّا كانَ قولُهُ: لمعدومٍ صادقاً على ما مَضَى وانقطَعَ مَعَ
أنَّ التّعليقَ بِهِ تنجيزٌ خصَّصَهُ بقولِهِ: أَيْ: لَمْ يُوجَدْ بعدُ، "ح"(٣). وإِنَّمَا أطلقَهُ "المصنّفُ" اعتماداً
علی ما ذکرَهُ في مُقَائِلِهِ.
[١٣٧٦٢) (قولُهُ: كـ: إِنْ شَاءَ إلخ) مثَّلَ بِثَالَينِ إشارةً إلى أَنَّهُ لا فرقَ بينَ أنْ يكونَ المعدومُ
محقَّقَ المجيءِ أو مُخْتَمَلَهُ، "ح"(٤).
[١٣٧٦٣) (قولُهُ: بَطَلَ الأَمْرُ إِلخ) أَيْ: حالُ الطَّلَاقِ، قالَ في "البحرِ"(٥): ((لأَنَّهُ علَّقَ الطَّلاقَ
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٣/٣.
(٢) "الخانية": كتاب الطلاق - باب التعليق ٥٠٤/١-٥٠٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "ح": كتاب الطلاق - باب الأمر باليد - فصل في المشيئة ق ١٨٧/أ.
(٤) "ح": كتاب الطلاق - باب الأمر باليد - فصل في المشيئة ق١٨٧/أ وفيه: ((محرم المجيء)) بدل ((محقّق المجيء)) وما
أثبتناه هو الصواب.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٥/٣.
قسم الأحوال الشخصية
٤٢٦
حاشية ابن عابدين
(وإنْ قالت: شئتُ إنْ) كان (الأمرُ قد مَضَى) أرادَ بالماضي المحقَّقَ وجودُهُ كـ: إنْ كان
أبي في الدَّار وهو فيها، أو إنْ كان هذا ليلاً وهي فيه مثلاً (طَلُقَتْ) لأَنَّه تنجيزٌ .......
بمشيئَتِهَا الْمُنَخَّرَةِ، وهي أَنَتْ بِالمُعَلِّقَةِ، فَلَمْ يُوجَدِ الشَّرِطُ، فَيَّدَ بقولِهِ: شِئْتَ مقتصِرَةٌ عليهِ؛ لأنّهَا لو
قَالَتْ: شْتَ طَلَاقِي إِلَخْ وَقَعَ؛ لأَنْهَا إذا لَمْ تذكُرِ الطَّلاقَ لا تُعْتَبَّرُ النَّّةُ بِلا لفظٍ صالحٍ للإيقاعِ،
ويُستَفَادُ منهُ أَنَّهُ لو قالَ: شِئْتُ طَلَاقَكِ وَقَعَ بالنّةِ؛ لأنَّ المشيئةَ تُنِىءُ عَنِ الْوُجُودِ؛ لأَنَّهَا مِنَ الشيءٍ
وهو الموجودُ، بخلافٍ: أردْتُ طلاقَكِ؛ لأَنَّهُ لا يُنْبِىءُ عَنِ الوُجُودِ، فقد فرَّقَ الفقهاءُ بينَ المشيئةِ
والإرادةِ في صفاتِ العبدِ وإِنْ كانَا مُتَرَادِفَينِ في صفاتِهِ تَعَالَى كَمَا هو اللُّغَةُ فِيهِمَا، وأحبْتٍ
ورَضِيْتِ مثلُ: أردْتٍ)) اهـ
[١٣٧٦٤) (قولُهُ: وإِنْ قالَتْ) أَيْ: في المجلسِ، "بحر "(١).
[١٣٧٦٥] (قولُهُ: أرادَ بالماضِي المحقّقَ وُجُودُهُ) أَيْ: سواءٌ وُجِدَ وانقضَى مثلُ: إنْ كانَ فلانٌ
قد جاءَ وقد جاءَ، أو كانَ حاضِراً كَمَا مثَّلَ "الشَّارِعُ".
(١٣٧٦٦] (قولُهُ: مَثلاً) راجعٌ إلى قولهِ: ليلاً.
[١٣٧٦٧] (قولُهُ: لأَنَّهُ تنحيٌ أَيْ: لأنَّ التّعلِيقَ(٢) بـ(كائن) تنجيزٌ؛ ولِذَا صَحَّ تعليقُ الإِبراءِ
بـ(كائن)، ولا يَرِدُ أَنْهُ لو قالَ: هو كافِرٌ إِنْ كُنْتُ كَذَا، وهو يعلمُ أنَّهُ قد فعلَهُ، مَعَ أنَّ المختارَ أَنَّهُ
لا يُكْفَرُ؛ لأنَّ الكُفْرَ بَبْتَنِي على تبدُّلِ الاعتقادِ، وتبدُّلُهُ [٣/ ق٢٥٩/ب] غيرُ واقعٍ مَعَ ذلِكَ الفِعْلِ،
(قولُهُ: قَّدَ بقولِهِ: شِئْتُ مقتصرةً عليه؛ لأنّها لو قالَت إلخ) عبارةُ "البَحْرِ": ((قَّدَ بقولهِ: فقالَت: شِئْتُ
مقتصرةٌ عليهِ؛ لأنّها لو قالَت: شِئْتُ طلاقي، فقالَ: شِئْتُ ناوياً الطَّلاقَ وقَعَ؛ لكونِهِ شائِياً طلاقها لفظاً،
بخلافٍ ما إذا لم تذكر الطَّلاقَ؛ لأنَّ المشيئةَ ليس فيها ذِكرُ الطَّلاقِ، ولا عبرةَ بالنّةِ بلا لفظٍ صالحٍ للإيقاعِ،
ويُستفادُ منه إلخ)).
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٥/٣.
(٢) في "م": ((لتعليق)) وهو تحريف.
الجزء التاسع
٤٢٧
فصل في المشيئة
(قال لها: أنتِ طالقٌ متى شئتِ أو متى ما شئتٍ، أو إذا شئتِ أو إذا ما شئتٍ،
فرَدَّتِ الأمرَ لا يَرْتَدُّ،.
وتمامُهُ في "البحرِ" (١).
[١٣٧٦٨) (قولُهُ: فردَّتِ الأَمْرَ) بأنْ قالَتْ: لا أشاءُ، "نهر "(٢).
[١٣٧٦٩) (قولُهُ: لا يرتَدُّ) فَلَهَا بعدَ ذلك أنْ تَشَاءَ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْها في الحَالِ شيئاً، بل أضافَهُ
إلى وقتٍ مشيئَتِهَا، فلا يكونُ تمليكاً قبلَهُ، فلا يرتَدُّ بالرَّدِّ، كَذَا في "الهداية)"(٣)، وقد يُقَالُ: إِنَّهُ ليسَ
تمليكاً في حالٍ أصلاً، بل هو تعليقٌ للطَّلاقِ على مشيَتِهَا، وقولُهَا: طلّقْتُ إيجادٌ للشَّرطِ الَّذي هو
مشيئْتُهَا، وليسَ الواقعُ إلَّ طَلَاقَهُ المُعَلَّقَ، نَعَمْ هَذَا صحيحٌ في قولِهِ: طَلِقِي نفسَكِ إِنْ شِئْتٍ،
"فتح"(٤). وأجابَ في "البحرِ"(٥) بِمَا في "المحيطِ": ((مِنْ أَنَّهُ يتضمَّنُ معنى التَّعليقِ، وهو لازِمٌ لا يَقبَلُ
الإبطالَ ومعنى التَّمليكِ؛ لأنَّ المالِكَ هو الَّذي يتصرَّفُ عن مشيَتِهِ وإرادتِهِ، وهي عامِلَةٌ فِي التَّطليقِ
لنفسِهَا، والمالِكُ هو الّذي يعمَلُ لنفسِهِ، وجوابُ الَّتَّمليكِ يقتصِرُ على المجلسِ، وفي "الجامعِ"(٦):
أنتِ طالقٌ إِنْ شِئْتِ أو أحيْتِ أو هَوِيْتٍ ليسَ بيمينٍ؛ لأَنَّهُ تمليكٌ معنّى، تعليقٌ صورةً؛ ولِهَذَا يقتصِرُ
على المجلسِ، والعِيْزَةُ للمعنى دونَ الصَّوْرَةِ اهـ. وفائدتُّهُ: أَنَّهُ لا يحنَثُ في يمِهِ لا يَحْلِفُ)) اهـ.
أقول: وقولُهُ: (وجوابُ التَّعليكِ يقتصِرُ على المجلسِ) خاصٌّ بِمَا إذا علَّقَ بأداةٍ لا تُفِيدُ عُمُومَ
الوقتِ، كإِنْ وكيفَ وحيثُ وكَمْ وأينَ، بخلافِ ما يدُلُّ على العُمُومِ، وهو المذكورُ هُنَا، وتقدَّمَ(٧)
أيضاً أوَّلَ الفَصْلِ.
(١) انظر "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٧/٣.
(٢) "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض - فصل في المشيئة ق ٢٢١/أ.
(٣) "الهداية": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٢٤٩/١ بتصرف.
(٤) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣٥/٣.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٧/٣.
(٦) لم نعثر عليها في نسخة "الجامع الصغير" التي بين أيدينا.
(٧) المقولة [١٣٧٤١] قوله: ((ونحوه إلخ)).
قسم الأحوال الشخصية
٤٢٨
حاشية ابن عابدين
ولا يتقيَّدُ بالمجلسِ، ولا تُطلِقُ) نفسَها (إلاَّ واحدةً) لأنَّها تَعُمُّ الأزمانَ لا الأفعالَ،
فَتَملِكُ التَّطليقَ في كلِّ زمانٍ لا تطليقاً بعد تطليقِ (ولها تفريقُ الثَّلاثِ في: كلَّما
شئتٍ، ولا تَجمَعُ) ولا تُثْنِّي؟.
[١٣٧٧٠) (قولُهُ: ولا يتقَّدُ بالَجْلِسِ) أمَّا في كلمةِ ((مَتَى)) و((مَتَى ما)) فلأَنَّهَا للَّوقيتِ،
وهي عامَّةٌ في الأوقاتِ كُلِّهَا، كأنَّهُ قالَ: فِي أَيِّ وقتٍ شِئْتٍ، وأمَّا ((إذا) و((إذا ما)) فكمَتَى
عندَهُمَا وعندَ "الإِمامِ" وإنْ كانَتْ تُسْتَعمَلُ للشَّرطِ، فَكَمَا تُسْتَعمَلُ لَهُ تُسْتَعمَلُ للوقتِ، لكنَّ الأمرَ
صارَ بِيدِهَا فلا يَخْرُجُ بِالقِيَامِ عَنِ المَجْلِسِ بالشَّكِّ، نَعَمْ لو قالَ: أردْتُ مجرَّدَ الشَّرطِ لَنَا أنْ نقولَ:
يَتْقَيَّدُ بالَحْلِسِ وَيُحِلِفُ لَنَفْيِ الَّهْمَةِ، "نهر "(١)، وتمامُّهُ في "الفتحِ"(٢).
[١٣٧٧١) (قولُهُ: لِأَنْهَا تَعُمُّ الأزمانَ) تعليلٌ لعَدَمِ التَّقبيدِ بالْمَحْلِسِ، كَمَا أنَّ قولَهُ: لا الأفعالَ
عِلّةٌ لقولِهِ: ولا تَطْلُقُ إلَّ واحدةً، "ط)" (٣).
[١٣٧٧٢] (قولُهُ: لا تطليقاً) كَذَا في بعضِ النُّسَخِ بالنِّصْبِ عَطْفَاً على التَّطليقِ، وفي أكثرِ
النّسَخِ لا تَطليقَ، ويُمْكِنُ تأويلُهُ بِمَعْلِ ((لا)) نافيةٌ للجنسِ، والخبرُ محذوفٌ دَلَّ عليهِ ما قبلَهُ،
والتّقديرُ: لا تطليقَ بعدَ تطليقٍ مملوكٌ لَهَا، فافْهَمْ.
(١٣٧٧٣) (قولُهُ: ولا تَحْمَعُ ولا تُثْنِّي) عبارةُ "الهدايةِ"(٤): ((فلا تملكُ الإيقاعَ حُمْلَةٌ
وجَمْعَاً))، قالَ في "العنايةِ "(٥): ((قيل: معناهُمَا واحِدٌ، [٣/ ق ١/٢٦٠] وقيلَ: الجملةُ أنْ تقولَ: طلّقْتُ
(قولُهُ: لكنَّ الأمرَ صارَ بِيدِها فلا يَخرُجُ بالقيامِ إلخ) كونُها صارَ بيدِها منافٍ لِمَا مرَّ من أنّه
لم يُلِّكْها في الحالِ شيئاً، بل أضافَهُ إلى وقتِ مشيئَّتِها. اهـ "سِنديّ".
(١) "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض - فصل في المشيئة ق ٢٢١/أ.
(٢) انظر "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣٥/٣.
(٣) "ط": كتاب الطلاق - باب الأمر باليد - فصل في المشيئة ١٤٨/٢.
(٤) "الهداية": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٢٤٩/١.
(٥) "العناية": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣٩/٣ (هامش "فتح القدير").
الجزء التاسع
٤٢٩
فصل في المشيئة
نفسِي ثلاثاً، والجَمْعُ أنْ تقولَ: طلّقْتُ واحدةً وواحدةٌ وواحدةً، هذا هو الظَّاهِرُ) اهـ.
يعني: في تفسيرِ الجَمْعِ، فكأنَّهُ يُشِيرُ إلى ما في "الدِّرَايَةِ"؛ حيثُ فسَّرَ الجمعَ بأن تقولَ: طَلّقْتُ
وطلّقْتُ وطلّقْتُ، قالَ: والأوَّلُ أصَحُّ، يعني: كونَهُمَا بمعنى واحدٍ، كَذَا في "النّهرِ"(١)، ويُمْكِنُ أنْ
يُرَادَ بالجملةِ الَّانِ، وبالجَمْعِ الثّلاثُ، ويكونَ قولُهُ: ((ولا تَحْمَعُ ولا تُتَنِّي)) إشارةً إلى ذلِكَ، ثمَّ
اعلَمْ أنَّ ما في "الدِّرَايةِ" - مِنْ تفسير الجَمْعِ بأَنْ تقولَ: طلّقْتُ وطلَّقْتُ وطلّقْتُ، وأنَّ الأصحَّ خلاقُهُ
- يُغِيدُ أنَّ لَهَا أنْ تُطَلَقَ ثلاثاً متفرّقةً في مجلسٍ واحدٍ على الأصَحِّ، وإليهِ يُشِيرُ ما في "العنايةِ" أيضاً؛
حيثُ فسَّرَهُ بِطَلّقْتُ واحدةٌ وواحدةً وواحدةً، فإنَّهُ جَمْعٌ لاَتْحَادِ العاملِ، بخلافٍ ما في "الدِّرَايةِ"
فإنُّ تفريقٌ لا جَمْعٌ لتكوُّرِ الفِعْلِ، وعلى هذا فما في "القُهُستَانِ)(٢) - مِنْ قولِهِ: تُطَلَقُ ثلاثاً متفرّقةً،
أَيْ: في ثلاثةِ مَحَالسَ، فلا تُطَلِّقُ نفسَهَا في كلِّ مجلسٍ أكثرَ مِنْ واحدةٍ؛ لأنَّ ((كُلِّمَا)) لعُمُومٍ
الأفرادِ، فلا تُطَلَقُ ثلاثاً مجتمِعَةً اهــ مبنيٌّ على خِلافِ الأَصَحِّ، إلاَّ أنْ يُحْمَلَ قولُهُ: ((أكثرَ مِنْ
واحدةٍ)) على المجتمِعَةِ بقرينةِ قولهِ: ((فلا تُطَلِّقُ ثلاثاً مجتمِعَةٌ))، تأمَّلْ.
ويدُلُّ على ما قُلْنا ما في "جامعِ الفُصُولينِ"(٣): ((أمرُكِ بيدِكِ كُلِّمَا شِئْتٍ فَلَهَا أنْ تختارَ
نفسَهَا كُلِّما شاءَتْ في المجلسِ أو بعدَهُ حَتَّى تبينَ بثلاثٍ، إلاّ أنَّها لا تُطَلّقُ نفسَهَا فِي دُفْعَةٍ واحدةٍ
أكثرَ(٤) مِنْ واحدةٍ)) اهـ فإِنَّ مُقْتَضَاهُ أنَّ لَهَا أنْ تُطَلّقَ في مجلسٍ واحدٍ ثلاثاً متفرّقةً، إلاَّ أنْ يُفَرَّقَ
بينَ: أنتِ طالقٌ وأمرُكِ بيدِكِ، لكنْ في "غايةِ البَيَانِ" قالَ: ((وهذِهِ مِنْ مَسَائِلِ "الجامعِ
الصَّغِيرِ"(٥)، وصورتُهَا: "محمَّد" عَنْ "يعقوب" عَنْ "أبي حنيفةً" في رجلٍ قالَ لامرأتِهِ: أنتِ طالقٌ
٤٨٩/٢
(١) "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض - فصل في المشيئة ق ٢٢١/أ.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الطلاق - فصل تفويض الطلاق ٣١٣/١.
(٣) "جامع الفصولين": الفصل الثالث والعشرون في الأمر باليد ومتعلقه ٢٩٢/١ بتصرف.
(٤) في "م": ((كثر)) وهو تحريف.
(٥) "الجامع الصغير": كتاب الطلاق - باب المشيئة صـ٢٠٩-٢١٢ - بتصرف.
قسم الأحوال الشخصية
٤٣٠
حاشية ابن عابدين
كُلِّمَا شِئْتِ، قالَ: لَهَا أنْ تُطَلِّقَ نفسَهَا وإِنْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِها(١) وأخذَتْ في عملٍ آخَرَ واحدةٌ
بعدَ واحدةٍ حَتّى تُطَلَقَ نفسَهَا ثَلاثً إلخ))، قالَ في "غايةِ البَيَانِ": ((لأنَّ كلمةَ (كُلَّمَا) لتعميمِ الفِعْلِ،
فَلَهَا مشيئةٌ بعدَ مشيئةٍ إلى أنْ تستوفِيَ الثَّلاثَ، فإذا قامَتْ مِنْ المجلسِ أو أخذَتْ فِي عَمَلٍ آخَرَ
بَطَلَتْ مشيئْتُهَا الَمْلُوكَةُ لَهَا فِي ذَلِكَ المجلسِ(٢) بوجودِ دليلِ الإعراضِ، ولكنْ لَهَا مشيئةٌ أُخْرَى
بُكْمِ (كُلِّمَا))) اهـ. فَهَذَا صريحٌ في أنَّ لَهَا تفريقَ الثّلاثِ في مجلسٍ واحدٍ اهـ.
وَأَصْرَحُ منهُ ما في "التَّاتر خانَّةِ"(٣) عَنِ "المحيطِ"(٤): ((ولو قالَ لَهَا: أنتِ طالقٌ كُلِّما
شْتٍ فَلَهَا ذلكَ أبداً كُلَّما شاءَتْ في المجلسِ وغيرِهِ واحدةٌ بعدَ واحدةٍ [٣/ق٢٦٠/ ب] حتَّى تَطْلُقَ
ثلاثاً)) اهـ فانْهَمْ.
( تنبيةٌ )
قالَ في "الفتحِ"(٥): ((فلو طلّقَتْ ثَلاثًاً أو ثِنْتِينِ وَقَعَ عندَهُمَا واحدةٌ، وعندَهُ لا يَقَعُ شيءٌ)) اهـ.
وفي "البحرِ"(٦) عَنِ "المبسوطِ"(٧): ((كُلِّمَا شِئْتِ فأنتِ طالقٌ ثَلاثَاً، فقالَتْ: شئْتُ واحدةٌ
فَهَذَا باطِلٌ؛ لأنَّ معنى كلامِهِ: كُلَّمَا شِئْتِ الثَّلاثَ)) اهـ.
قلت: فأفادَ أنَّ تفريقَ الثَّلاثِ إِنَّمَا هو فيمَا إذا لَمْ يُصَرِّحْ بِالعَدَدِ، وفي "كافي الحاكمِ":
((كُلَّمَا شِئْتِ فأنتِ طالقٌ ثَلاثًاً، فشاءَتْ واحدةٌ فذلِكَ باطِلٌ، وكَذَا: فأنتِ طالقٌ واحدةٌ فشاءَتْ
(١) ((من مجلسها)) ساقط من "الأصل".
(٢) في "م": ((مجاس))، وهو تحريف.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الطلاق - الفصل الخامس في الكنايات - نوع آخر في تفويض الطلاق بالمشيئة ٣٦٥/٣.
(٤) "المحيط البرهاني": كتاب الطلاق - الفصل الخامس في الكنايات - نوع آخر يتصل بهذا الفصل في تعليق الطلاق
بالمشيئة ١/ق ٢٤٤/ب.
(٥) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣٩/٣.
(٦) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٩/٣.
(٧) "المبسوط": كتاب الطلاق - باب المشيئة في الطلاق ٢٠١/٦.
الجزء التاسع
٤٣١
فصل في المشيئة
لأنّها لعمومِ الأفرادِ (ولو طلّقَتْ بعد زوجٍ آخرَ لا يَقَعُ) إنْ كانت طلّقَتْ نفسَها
ثلاثاً مُتَفرِّقَةً، وإلاّ فلها تفريقُها بعد زوجٍ آخرَ،
ثلاثاً، وكَذَا لو قالَ: فأنتِ طالقٌ ولَمْ يَقُلْ ثَلاثً فشاءَتْ ثَلاثً(١)) اهـ. أَيْ: جملةً، فلو متفرّقةً ولو
في مجلسٍ جازَ كَمَا علمْتَ.
[١٣٧٧٤) (قولُهُ: لأَنَّهَا لِعُمُومِ الإفرادِ) بكسرِ الهمزةِ أَيُّ: الانفرادِ، كَذَا ضَبَطَهُ "الشَّارِعُ"
في شرحِهِ على "المنارِ"(٢)، وكَذَا ضَبَطَهُ "ح"(٣) وقال: ((هو مصدرٌ فيوافِقُ تعبيرَهُمْ بالانفرادِ،
ويجوزُ فتحُهَا)) اهـ.
وفي "شرحِ العيني"(٤): ((لأنَّ (كلَّمَا) تَعُمُّ الأوقاتَ والأفعالَ عُمُومَ الانفرادِ لا عُمُومَ
الاجتماعِ، فيقتضي إيقاعَ الواحدةِ في كُلِّ مرَّةٍ إلى ما لا يَتَنَاهَى، إلاَّ أنَّ اليمينَ تُصرَفُ
إلى المِلْكِ القائمِ)) اهـ.
[١٣٧٧٥) (قولُهُ: لا يَقَعُ) لأنَّ النَّعليقَ إِنَّمَا ينصرفُ إلى المِلكِ القائمِ وهو الثّلاثُ، فباستغراقِهِ
ينتهِي الْتّفويضُ، "بحر "(٥).
[١٣٧٧٦] (قولُهُ: وإلاّ) أَيْ: وإِنْ لَمْ تُطَلَّقْ نفسَهَا أصلاً، أو طلّقَتْ نفسَهَا ثَلاثاً في مجلسٍ،
أو طلّقَتْ نفسَهَا واحدةً فقط أو ثِنْتَينِ في مجلسٍ، "ح"(٦).
(١) ((فشاءت ثلاثاً)) ساقط من "الأصل".
(٢) "إفاضة الأنوار": مبحث العموم صـ٥٦ - (هامش "حاشية نسمات الأسحار").
(٣) "ح": كتاب الطلاق - باب الأمر بالید - فصل في المشيئة ق١٨٧ /ب.
(٤) "رمز الحقائق": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ١٨٥/١.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٨/٣.
(٦) "ح": کتاب الطلاق - باب الأمر بالید - فصل في المشيئة ق١٨٧/ب.
قسم الأحوال الشخصية
٤٣٢
حاشية ابن عابدين
وهي مسألةُ الهدم الآتيةُ.
(أنتِ طالقٌ حيث شئتِ أو أين شئتِ لا تَطْلُقُ إلاّ إذا شاءَتْ في المجلسِ، وإنْ
قامَتْ من مجلسِها) قبل مشيئتِها (لا) مشيئةً لها؛.
مطلبٌّ: مسألةُ الهَدْمٍ
[١٣٧٧٧) (قولُهُ: وهي مسألةُ الهَدْمِ الآتيةُ) أَيْ: في آخرِ بابِ الرَّجعةِ(١)، وهي أنَّ الزَّوجَ الثَّانِيَ
يهدِمُ ما دونَ الثَّلاثِ كَمَا يَهْدِمُ الثّلاثَ، فمَنْ طَلَّقَ امرأتَهُ واحدةً أو أكثرَ، ثمّ عادَتْ إليهِ بعدَ زوجٍ
آخَرَ عادَتْ إليهِ بملكٍ جديدٍ، فيملِكُ عليها ثَلاثَ طَلْقَاتٍ، وهذا عندَهُمَا، وعندَ "محمَّدٍ": إنَّمَا يهدِمُ
النَّانِي الثَّلاثَ فقط لا ما دونَهَا، فَمَنْ طَلَقَ امرأتَهُ ثْتِينِ، ثُمَّ عادَتْ إليهِ بعدَ زوجٍ آخَرَ عادَتْ إليهِ
بِمَا بَقِيَ وهو طَلْقَةٌ واحدةٌ، فإذا طَلِّقَها بعدَ العَوْدِ طَلْقَةٌ واحدةٌ لا تحرُمُ عليهِ حرمةً غليظةً عندَهُمَا،
وعندَهُ تحرُّمُ، وكَذَا إذا قالَ: كُلَّمَا دخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ، فدخلَتْهَا مَرَّتِينِ، ووقَعَ عليها الطَّلاقُ،
وانقضَتْ عِدَّتُها، ثُمَّ عادَتْ إليهِ بعدَ زوجٍ آخَرَ فعندَهُمَا تطلُقُ كُلَّمَا دخلَتِ الدَّارَ إلى أنْ تَبَيْنَ
بِثَلاثِ طَلَقَاتٍ خِلافًاً لـ"محمَّدٍ" كَمَا ذَكرَهُ "الزَّيلِعِيُّ)(٢) في بابِ التَّعليقِ عندَ قولِهِ: ((وَيُطِلُ تنجيزُ
الثلاث تعليقه))(٣)، (٣/ ق ٢٦١/أ) وعبارةُ "البحرِ"(٤) هنا: ((قَيّدْنا بكونِهِ بعدَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ؛ لأَنَّهَا لو
طلّقَتْ نفسَهَا واحدةً أو ثِنْتينٍ، ثمَّ عادَتْ إليهِ بعدَ زوجٍ آخَرَ فَلَهَا أنْ تُفَرِّقَ الَّلاثَّ خِلافً ل "محمَّدٍ"،
وهي مسألةُ الهدمِ الآتيةُ)) اهـ.
وهو موافِقٌ لِمَا نقلناهُ(٥) عَنِ "الزَّلعيِّ"، ومثلُهُ في "الفتحِ"(٦) و"غايةِ البيانِ"، وهذا صريحٌ في
أَنَّهَا بعدَ العَوْدِ لَهَا أنْ تُطَلّقَ نفسَهَا ثَلاثً متفرَّقَةً عندَهُمَا، وعندَ "محمَّدٍ " تُطَلَقُ ما بَقِيَ فقطْ، فتفريقُ
الثّلاثِ مبنٌّ على قولِهِمَا لا على قولِ "محمَّدٍ" ، فَاقْهَمْ.
(١) صـ ٦٧٣ - وما بعدها "در".
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الطلاق ٢٣٩/٢ - ٢٤٠.
(٣) في النسخ جميعها: ((وتعليق الثلاث يبطل تنجيزه))، وما أثبتناه هو الموافق لعبارة "الكنز" كما في "تبيين الحقائق".
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٨/٣ - ٣٦٩.
(٥) في المقولة نفسها.
(٦) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣٩/٣.
الجزء التاسع
٤٣٣
فصل في المشيئة
لأنّهما للمكان، ولا تعلّقَ للطّلاقِ به(١)، فحُعِلا بجازاً عن ((إِنْ))؛ لأنّها أُمُّ الباب
(وفي: كيف شئتٍ.
نَعَمْ يُشْكِلُ على هذا التَّعليلُ الماءِّ(٢) بأنَّ التَّعليقَ إِنَّمَا ينصرِفُ إلى الِلْكِ القائمِ وهو الثَّلاثُ،
فإِنَّهُ يقتضِي أَنْهَا لو طلّقَتْ نفسَهَا ثِنْتَينٍ، ثمَّ عادَتْ إليهِ بعدَ زوجٍ آخَرَ ليسَ لَهَا أنْ تُطَلِّقَ نفسَهَا
أصلاً عندَهُمَا؛ لأنّهَا عادَتْ إليهِ بملكٍ حادِثٍ، وطَلَقَاتُ المِلْكِ الأَوَّلِ هَدَمَها الزَّوجُ الثَّاني،
ولا إشكالَ على قولِ "محمَّدٍ" مِنْ أَنَّهَا تُطَلّقُ واحدةً فقط؛ لأنّها الباقيةُ لكونِ الرَّوجِ الَّانِي لَمْ يَهْدِمْ
ما دونَ الثّلاثِ عندَهُ، ثمَّ رأيْتُ المحقّقَ في "الفتحِ"(٣) أفادَ الجوابَ عن ذلك في بابِ النَّعليقِ بِمَا
حاصلُهُ: أنَّ قولَهُمْ : - إِنَّ المُعَلَّقَ طَلَقَاتُ هذا الملكِ الثَّلاثُ - مُقَيَّدٌ بِمَا دَامَ مالكاً لَهَا، فإِذا زالَ مِلْكُهُ
لبعضِها صارَ المُعَلّقُ ثَلاثَاً مُطْلِقاً.
[١٣٧٧٨] (قولُهُ: لِأَنْهُمَا للمَكَانِ) ف: حيثُ ظرفُ مكانٍ مبنيٌّ على الضَّمِّ، و((أينَ)) ظرفُ
مكان يكونُ استفهاماً، فإذا قيلَ: أينَ زيدٌ؟ لَزِمَ الجوابُ بتعيينِ مكانِهِ، ويكونُ شَرْطَاً أيضاً، وتُزَادُ
فيهِ ((ما)) فيقالُ: أَيْنَمَا تَقُمْ أَقُمْ، "بحر "(٤) عَنِ "المصباحِ"(٥).
[١٣٧٧٩) (قولُهُ: ولا تَعَلّقَ الطَّلاقِ بِ) ولِذَا لو قالَ: أنتِ طالقٌ بمكَّةً أو في مكّةَ كانَ تنحيزاً
للطَّلَاقِ كَمَا مَرَّ(٦)، فتكونُ طالِقاً في كُلِّ مكانٍ في الحالِ، بخلافِ الزَّمانِ؛ فإنَّالطَّلاقَ يتعلَّقُ بِهِ.
[١٣٧٨٠] (قولُهُ: فَحُعِلا مَجَازاً عن إِنْ إِلخ) جوابٌ عَنْ إيرادينٍ: أحدُهُمَا أَنَّهُ إذا أُلْغِيَ ذِكْرُ
(١) في "د" زيادة: ((قوله: ولا تعلّق للطلاق به، قال في "الدرر": حتى لو قال: أنت طالق في الشام تطلُقُ الآن فيلغو.
فيبقى ذكرُ مطلق المشيئة، فيقتصر على المجلس بخلاف الزمان، فإن له تعليقين حتى يقع في زمان دون زمان فيجب
اعتباره، كما لو قال: أنت طالق غداً أو عموماً كما لو قال: في أي وقت، انتهى)). ق١٨٩ /ب.
(٢) في المقولة نفسها.
(٣) "الفتح": كتاب الطلاق - باب الأيمان في الطلاق ٤٥٨/٣.
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٦٩/٣.
(٥) "المصباح المنير": مادة ((حَيث)) و((أين)).
(١) ص٠ ١٩٩-"در".
قسم الأحوال الشخصية
٤٣٤
حاشية ابن عابدين
يَقَعُ) في الحالِ (رجعيَّةٌ، فإنْ شاءَتْ بائنةً أو ثلاثاً وقَعَ) ما شاءَتْهُ (مع نَّتِهِ).
المكان صارَ أنتٍ طالقٌ شِئْتٍ، وبِهِ يَقَعُ للحَالِ كأنتِ طالقٌ دخلْتِ الدَّارَ.
٤٩٠/٢
ثانيهِمَا: أَنَّهُ إِذا كانَ(١) مَجَازاً عَنِ الشَّرطِ فَلِمَ حُمِلَ على ((إِنْ)) دونَ ((متى)) مِمَّا
لا يَيْطُلُ بالقِيَامِ عَنِ المجلسِ؟ والجوابُ عنِ الأوَّلِ أَنَّهُ جُعِلَ الظَّرفُ مَجَازَاً عَنِ الشَّرطِ؛ لأنَّ كُلّ
مِنْهُمَا يُفِيدُ ضَرْباً مِنَ النَّخِيرِ، وهو أَوْلَى مِنْ إلغائِهِ بالكُلِيَّةِ، وعَنِ الثَّاني بأنَّ حمَلَهُ على ((إِنْ)) أَوْلَى؛
لأَنّهَا أُّ البابِ، [٣/ ق ٢٦١ /ب] ولأَنَّهَا حرفُ الشَّرطِ، وفيهِ يَيْطُلُ بالقيامِ، أفادَهُ في "الفتحِ"(٢).
(١٣٧٨١) (قولُهُ: يَقَعُ فِي الْحَالِ رَجْعيَّةٌ إِلخ) أَيْ: تطلُقُ طَلْقَةً رجعيَّةٌ بمجرَّدٍ قولِهِ ذلِكَ، شاءَتْ
أَوْ لا، ثمَّ إِنْ قالَتْ: شِئْتُ بائنةً أو ثَلاثًا وقد نَوَى الزَّوجُ ذِكَ تصيرُ كذلِكَ للموافَقَةِ، وَهَذَا عندَهُ،
أمَّا عندَهُمَا فَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَقَعْ شيءٌ، فعندَهُ أصلُ الطَّلاقِ لا يتعلَّقُ بمشيَتِهَا بل صِفَتِهِ، وعندَهُمَا
يتعلَّقَانِ مَعَاً، وتمامُهُ في "الفتحِ"(٣). وكتبْتُ في حاشِيَتِي على "شرحِ المَنَارِ"(٤): ((الفرقُ بينَ هَذَا
(قولُ "الشَّارحِ": وقعَ ما شاءَتْهُ معَ نَّتِه) أي: للبائنةِ أو الثَّلاثِ.
(قولُهُ: وهذا عندَه أمَّا عندَهُما فمَا لم تشَأ إلخ) لَهُما أنَّ هذا تفويضُ الطَّلاقِ إليها على أيِّ وصفٍ
شاءّت، وإنَّما يكونُ كذلكَ إذا تعلَّقَ أصلُ الطَّلاقِ بمشيئِها، ولا يُمكِنُ ذلك إلاَّ بتعليقِ أصلِهِ؛ لاستحالته
بدونِ وصفٍ من أوصافِهِ، ولأَنَّه لو لم يتعلقْ أَصلُهُ لَلَغَا تخييرُهُ قَبْلَ الدُّخولِ بها، ولَهُ أنَّ كَيْفَ
للاسْتِيِصَافِ، ولا يُتصوَّرُ ذلك إلاَّ بَعْدَ وجودِ أصلِهِ. اهـ "زِيلَعِيّ".
(قولُهُ: وكتبْتُ في "حاشَتِي" على "شرْحِ المنار" الفرقَ بينَ هذا التَّفْرِيضِ إلخ) فيما قالَه نظرٌ،
وذلكَ أنَّ كُلّ من الأمْرِ باليدِ والتَّفويضِ بالاختِيارِ يتوقَّفُ على نَيَّةِ الطَّلاقِ، وتَصِحُّ نَّةُ الثّلاثِ في الأوَّلِ
لا الثَّاني، وفيما نحنُ فيه لا حاجةً لها أصلاً وإن اشتَرَطَ موافقةَ ما أوقعَنْهُ من بائنٍ أو ثلاثٍ لِنَّتِهِ إذا
وُجِدَتْ منه نيّةٌ، فما هنا بأبُهُ أوسعُ مِمَّ تقدَّمَ، وإنْ كانَ مرادُه بعامَّةِ النَّفويضاتِ النَّفْويضاتِ المذكورةَ
المفيدةَ لتفويضِ العددِ فهو غيرُ محتاجٍ إليها أيضاً كالتّقويضِ بـ: كيف.
(١) في "آ": ((جعل)).
(٢) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣٦/٣.
(٣) انظر "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣٨/٣.
(٤) "حاشية نسمات الأسحار": مبحث كيف صـ٩٧ -.
الجزء التاسع
٤٣٥
فصل في المشيئة
وإلاَّ فرجعيَّةٌ لو موطوءةً، وإلاّ بانَتْ وبطَلَ الأمرُ،
التَّفويضِ وعامَّةِ التّفويضاتِ حيثُ لَمْ تَحْتَجْ إلى نِيَّةِ الزَّوجِ أنَّ المفوَّضَ هَهُنَا حَالُ الطَّلاقِ، وهو
متنوِّعٌ بينَ البينونةِ والعَدَدِ، فيحتاجُ إلى النّةِ لتعيينِ أحدِهِمَا، بخلافِ عامَّةِ النَّفويضاتِ.
[١٣٧٨٢) (قولُهُ: وإلاّ فرجعيَّةٌ) صادِقٌ بِمَا إذا شاءَتْ خِلافَ ما نَوَى، وبِمَا إذا لَمْ يَنْوِ شيئاً،
والمرادُ الأوَّلُ لِمَا في "الفتحِ"(١): ((وإن اختلفًا بأنْ شاءَتْ بائنةً، والزَّوجُ ثلاثاً، أو على القَلْبِ فهِيَ
رجعيّةٌ؛ لأَنَّهُ لَغَتْ مِشِئْتُهَا لعدمِ الْمُوَافَقَةِ، فَبَقِيَ إيقاعُ الزَّوجِ بِالصَّرِيحِ، وَنَّتُهُ لا تعمَلُ فِي جعِلِهِ بائناً
أو ثَلاثً، ولو لَمْ تَحْضُرِ الزَّوجَ بِّةٌ لَمْ يذكرْهُ في "الأصلِ"، ويَحِبُ أَنْ تُغْتَبَرَ مشيئَتُهَا، حتَّى لو
شاءَتْ بائنةً أو ثَلاثً ولَمْ يَنْوِ الزَّوجُ يَقَعُ مَا أوقَعَتْ بِالاتّفَاقِ إِلخ)) اهـ.
(١٣٧٨٣] (قولُهُ: لو موطوءَةٌ) قَيْدٌ لقولِهِ: رجعيَّةٌ في الموضعينِ، وتقدَّمُ(٢) في بابِ المهرِ نَظْماً أنَّ
المُخْتَلَى بِهَا كالموطوءَةِ فِي لُزُومِ العِدَّةِ، وَكَذَا فِي وُقُوعٍ طَلاقٍ آخَرَ فِي عِدَّتِها، فافْهَمْ.
[١٣٧٨٤) (قولُهُ: وإلاّ) أَيْ: بأنْ كانَتْ غيرَ مدخولٍ بِهَا طَلْقَتْ طلقةً بائنةً، وخَرَجَ الأمرُ مِنْ
يَدِهَا لِفَوَاتٍ مَحَلَّتِها بِعَدَمِ العِدَّةِ، كَذَا في "الفتحِ"(٣)، أمَّا الْمُخْتَلَى بِهَا فتلزَمُهَا العِدَّةُ كَمَا علمْتَ،
فتطُقُ رجعيَّةٌ، ولا يُخْرُجُ الأمرُ مِنْ يَدِهَا، فافْهَمْ.
(قولُهُ: ويجبُ أنْ تُعتبرَ مَشِيئَتُها إلخ) حَرْياً على موجبِ التَّخْبِيرِ؛ لأَنَّه أقامَها مقامَ نفسِهِ، وهو يقدِرُ أنْ
يجِعَلَهُ بائناً أو ثلاثاً بَعْدَ ما وقعَ رجعياً، فكذا مَنْ قَامَ مقامَهُ. اهـ "زِيلَعِيّ".
(قولُهُ: أمَّا الْمُختَلَى بها فتلزَمُها العِدَّةُ كما عِلِمْتَ فتطلُقُ رجعيّةً إلخ) الذي تقدَّمَ في بابِ المهْرِ أنَّ طلاقَ
المُختَلى بها بائنٌ وإِنْ لزِمَها العِدَّ ووقَعَ طلاقٌ آخرُ في عدَّتِها، فقولُهُ: لو موطوءةٌ قَيْدٌ في كونِ الطَّلاقِ رجعيّاً،
وهو احترازٌ عن المُختَلَى بها وغيرِ المدخولِ بها، فإن طلاقَهُما بائنٌ، نعمْ بطلانُ الأمْرِ من يدِ غيرِ المدخولةِ
ظاهرٌ، ومن يدِ المُخْتَلَى بها لا يَظهرُ في مشيئتها الثَّلاثَ، فلها ذلك في العِدَّةِ كَما يَظهَرُ.
(١) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣٧/٣.
(٢) ٤٠٨/٨ وما بعدها "در".
(٣) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣٧/٣.
قسم الأحوال الشخصية
٤٣٦
حاشية ابن عابدين
وقولُ "الزَّيلعيِّ" و"العينيّ"(١): ((قبلَ الدُّخولِ)) صوابُهُ: بعدَهُ، فتنَّهُ.
(وفي كَمْ شئتِ أو ما شئتٍ لها أنْ تُطلِّقَ ما شاءَتْ).
[١٣٧٨٥) (قولُهُ: وقولُ "الزَّيلعيّ"(٢)) عبارتُهُ: ((وَمَرَّةُ الخِلافِ تَظْهَرُ في موضعين: فِيْمَا إذا
قامَتْ عَنِ المجلسِ قبلَ المشيئةٍ، وفِيْمَا إذا كانَ ذلكَ قبلَ الدُّخُولِ، فإِنَّهُ يَقَعُ عندَهُ طَلْقَةٌ رجعيّةٌ،
وعندَهُمَا لا يَقَعُ شيءٌّ، والرَُّّ كالقيامِ)). اهـ "ح"(٣).
(١٣٧٨٦] (قولُهُ: لَهَا أنْ تُطَلْقَ مَا شَاءَتْ) أَيْ: واحدةٌ أو ثِنْتَينِ أو ثَلاثً، ويتعلّقُ أصلُ الطَّلاقِ
بمشيئَتِهَا بالاتّفاق، بخلافِ مسألةٍ: كيفَ شئْتِ على قولِهِ؛ لأنَّ ((َكَمْ)) اسمٌ للعددِ، وما شئْتِ
تعميمٌ للعَدَدِ، والواحِدُ عددٌ على اصطلاحِ الفُقَهَاءِ فَكَانَ التَّفويضُ في نفسِ العَدَدِ، والواقِعُ ليسَ إلاّ
العددُ إذا ذُكِرَ، فصارَ [٣/ ق٢٦٢/أ] الّفويضُ في نفسِ الواقِعِ، فلا يَقَعُ شيءٌ ما لَمْ تَشَأْ، "فتح"(٤).
( تنبيه )
لَمْ يَذْكُرِ اشتراطَ النَّةِ مِنَ الزَّوجِ، وشَرَطَهُ "الشَّارِعُ" في شرحِهِ على "المنارِ(*)، وكَذَا في
"شرحِ المرقاةِ"، وذَكَرَ في "الكشفِ"(٦) أنَّهُ رَأَى بخطّ شيخِهِ مُعَلَّماً بعلامةِ "البزدويّ": أنَّ مُطَابقةَ
إرادةِ الزَّوجِ شَرْطٌ؛ لأَنّهُ لَمَّا كانَ للعددِ المبهمٍ احتيجَ إلى النّيةِ، وأقرَّهُ في "التقريرِ"، لكنْ ظاهِرُ
"الهدايةِ"(٧) و"الفتحِ"(٨) وغيرِهِ أَنَّهُ لا يُشْتَطُ، واستظْهَرَهُ صاحبُ "البحرِ" في شرحِهِ على "المنارِ"(٩)؛
(قولُهُ: واستظهَرَهُ "صاحبُ البحْرِ" في "شرْحِهِ على المنارِ": لأَنَّهُ لا اشتراكَ إلخ) فيهِ أنَّ المعلومَ له إنَّما يعمَلُ
بالصَّرِيحِ دونَ الظَّاهِرِ إذا تعارَضا، فالأوجهُ ما صرَّحَ بِهِ مِنْ اشتراطِ نَّةِ الزَّوجِ عملاً بالصَّرِيحِ مِنْ عباراتِهِم.
(١) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ١٨٦/١.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٢٣٠/٢.
(٣) "ح": کتاب الطلاق ۔ باب الأمر بالید - فصل في المشيئة ق١٨٧ /ب.
(٤) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣٩/٣ بتصرف.
(٥) "إفاضة الأنوار": مبحث كم صـ٩٧ - (هامش "حاشية نسمات الأسحار").
(٦) "كشف الأسرار" للبزدوي: حروف الشرط ٣٧٨/٢ بتصرف.
(٧) "الهداية": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٢٥٠/١.
(٨) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣٩/٣.
(٩) "فتح الغفار": حروف المعاني - الكلام على ((كم وحيث وأين)) ٣٩/٢.
الجزء التاسع
٤٣٧
فصل في المشيئة
في مجلسِها، ولم يكن بِدْعيّاً للضَّرورة (وإنْ رَدَّتْ) أو أَتَتْ بما يفيدُ الإِعراضَ (ارتَدَّ)
لأَنَّه تمليكٌ في الحالِ، فجوابُهُ كذلك.
(قال لها: طَلِّقي) نفسَكِ (مِن ثلاثٍ ما شئتٍ تُطلِّقُ ما دون الثَّلاثِ، ومثلُهُ: اختاري
من الثَّلاثِ ما شئتٍ) لأنَّ ((مِن)) تبعيضيّةٌ، وقالا: بيانيَّةٌ، فتُطلِّقُ الثَّلاثَ،
لأَنّهُ لا اشتراكَ؛ لأنَّ المفوَّضَ إليها القَدْرُ فَقَطْ، وَلَهُ أفرادٌ فلا إبهامَ، بخلافِهِ في ((كيف))؛ لأنَّ
المفوَّضَ إليها الحَالُ، وهو مُشْتَرَكْ كَمَا قَدَّمْناهُ(١). قلت: وهو ظاهِرُ الْمُتُونِ أيضاً.
[١٣٧٨٧) (قولُهُ: في مجِلِسِهَا) لأَنَّهُ تمليكٌ فيقتصِرُ عليهِ كَمَا مَرَّ(٢).
[١٣٧٨٨] (قولُهُ: وَلَمْ يَكُنْ بِدْعِيًّاً) قالَ في "البحرِ"(٣): ((وأفادَ بقولِهِ: ما شاءَتْ أنَّ لَهَا أنْ
تُطَلِّقَ أكثرَ مِنْ واحدةٍ مِنْ غيرِ كَرَاهَةٍ، ولا يكونُ بِدْعِيَّاً إلاَّ ما أوقعَهُ الزَّوجُ؛ لأَنَّهَا مضطرَّةٌ إلى
ذلِكَ؛ لأَنْهَا لو فرَّقَتْ خَرَجَ الأمرُ مِنْ يَدِهَا)) اهـ.
قلت: وكَذَا لو كانَتْ حائِضَاً، وقد مَرَّ(٤) النَّصريحُ بِهِ في أوَّلِ الطَّلاقِ، قَالَ "ط)" (٥).
((وَيُقَالُ نظيرُ ذلكَ في: كيفَ شْتِ السَّابِقِ إذا أوقعَتْ ثَلاثًاً مَعَ النّةِ)).
[١٣٧٨٩) (قولُهُ: وإِنْ رَدَّتْ) بأنْ قالَتْ: لا أُطَلّقُ، "فتح"(٦).
[١٣٧٩٠) (قولُهُ: بِمَا يُفِيدُ الإعراضَ) كالنّومِ والقيامِ عَنِ المجلسِ.
[١٣٧٩١] (قولُهُ: لأَنَّهُ تمليكٌ في الحَالِ) احترازٌ عَنْ (إذا) و(متى) يعني: هَذَا تمليكٌ منخَّزٌ غيرُ
مضافٍ إلى وقتٍ في المستقبلِ، فَاقْتَضَى حَوَاباً في الْحَالِ، "فتح"(٧).
(١) المقولة [١٣٧٤١] قوله: ((ونحوه إلخ)).
(٢) صـ ٤١٦ - "در".
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٧٠/٣.
(٤) المقولة [١٢٩٦٠] قوله: ((لأنّ التخيير إلخ)).
(٥) "ط": كتاب الطلاق - باب الأمر باليد - فصل في المشيئة ١٤٩/٢.
(٦) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣٩/٣.
(٧) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٤٣٩/٣.
قسم الأحوال الشخصية
٤٣٨
حاشية ابن عابدين
والأوَّلُ أُظھرُ.
(فروعٌ) قال: أنتِ طالقٌ إن شئتِ وإنْ لم تشائي طَلْقَتْ للحالِ، ولو قال: إنْ
كنتِ تُحبِّينِ الطَّلاقَ فأنتِ طالقٌ، وإنْ كنتِ تُبْغِضِينَهُ فأنتِ طالقٌ.
[١٣٧٩٢] (قولُهُ: والأوَّلُ أَظْهَرُ لأَنَّهُ لو كانَ المرادُ البيانَ لَكَفَى قولُهُ: طَلَّقِي مَا شِئْتِ كَمَا في
"الَّهِ"(١) عَنِ "التّحريرِ"(٢)، "ح"(٣).
مطلبٌ: أنتِ طالِقٌ إِنْ شِئْتِ وإِنْ لَمْ تَشَائِي
(١٣٧٩٣) (قولُهُ: إِنْ شِئْتٍ وإِنْ لَمْ تَشَائِي) اعَلَمْ أَنَّهُ إِذا جَعَلَ المشيئةَ وعدمَهَا شَرْطاً واحداً، أو
المشيئةَ والإِباءَ فإنّهَا لا تَطْلُقُ أبداً للتِّعَذُّرِ كأنتِ طالقٌ إِنْ شِئْتِ وَلَمْ تَشَائِي، أو إِنْ شِئْتٍ وَأَبْتٍ،
وإِنْ كرَّرَ ((إِنْ)) وقدَّمَ الجزاءَ كأنتِ طالقٌ إِنْ شِئْتٍ وإِنْ لَمْ تَشَائِي فشاءَتْ في مجلسِهَا، أو لَمْ تَشَأُ
تطلُقُ؛ لأَنْهُ جَعَلَ كُلاّ منهما شَرْطاً على حِدَةٍ كقولِهِ: أنتِ طالقٌ إِنْ دخلْتِ الدَّارَ أو لَمْ تدخُلِيْ،
وإِنْ أَخْرَ الجزاءَ كِنْ شِئْتِ وإِنْ لَمْ تشائِي فأنتِ طالقٌ لا تَطْلُقُ أبداً؛ لأَنَّهُ مَعَ النَّأخيرِ صارَا كَشَرْطٍ
واحدٍ وتعذَّرَ اجتماعُهُمَا، بخلافٍ ما إذا أمكنَ فلا تطُلُقُ حتَّى يُوجَدَا كإِنْ أَكُلْتِ وإِنْ شَرِبْتٍ
فأنتِ طالقٌ، وإِنْ كَرَّرَ ((إِنْ)) وأحدُهُمَا المشيئةُ والآخَرُ الإِباءُ كأنتِ طالقٌ إِنْ شِئْتِ وإِنْ أَبْتِ وَقَعَ
شاءَتْ أو أَبَتْ، وإنْ [٣/ ق٢٦٢/ب] سَكَّنَتْ حَتَّى قامَتْ مِنَ المجلسِ لا يَقَعُ؛ لأنَّ كُلاَّ مِنْهُمَا شَرطٌ
على حِدَةٍ، والإِباءُ فِعْلٌ كالمشيئةِ، فَأُهُمَا وُجِدَ يقعُ، وإذا انعدَمَا لا يَقَعُ، وكَذَا لولَمْ يُكَرِّرْ ((إِنْ))
وعَطَفَ بأَوْ كأنتِ طالِقٌ إِنْ شِئْتِ أو أبْتٍ؛ لأَنَّهُ علَّقَهُ بأحدِهِمَا، ولو قَالَ: إِنْ شئْتِ فأنتِ طالِقٌ
وإِنْ لَمْ تَشَائِي فأنتِ طالِقٌ طَلْقَتْ للحَالِ، بخلافٍ إِنْ كُنْتٍ تُحِّينَ الطَّلاقَ فأنتِ طالِقٌ وإِنْ كُنْتٍ
تُبْغِضِينَ فأنتِ طالِقٌ؛ لأَنَّهُ يجوزُ أنْ لاَ تُحِبَّ ولا تُبْغِضَ، فَلَمْ يُتَقِّنْ شرطُ الوقوعِ، ولا يجوزُ
أنْ تَشَاءَ ولا تَشَاءَ»(٤) فيكونُ أحدُ الشَّرْطينِ ثابتاً لا محالَةَ فَوَقَعَ، ولو قالَ: أنتِ طالِقٌ إِنْ أبْيْتِ
٤٩١/٢
(١) "النهر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ق ٢٢١/ب.
(٢) "التحرير": المقالة الأولى في المبادئ اللغوية - الفصل الرابع - التقسيم الثاني - البحث الثالث صـ٧٥ -.
(٣) "ح": کتاب الطلاق ۔ باب الأمر بالید - فصل في المشيئة ق١٨٧ /ب.
(٤) عبارة "ب": ((أن تشا أو لا تشائي))، وعبارة "الأصل" و"آ": ((أو لا تشاء))، وهي الموافقة لنسخة "البحر" التي
بين أيدينا، وكلاهما تحريف، وما أثبتناه من "م" هو الصواب الموافق لعبارة "الدر" ولنقل "ط" عن "البحر".