Indexed OCR Text
Pages 361-380
الجزء التاسع
٣٥٩
باب الکنایات
لأَنَّه تشبيه بالسُّرعةِ. ولا يقعُ بـ: أربعةُ طرقٍ عليك مفتوحةٌ وإنْ نَوَى ما لم يَقُلْ:
خُذِي أيَّ طريقٍ شئتٍ.
كالخمرِ والخنزيرِ والميتةِ، فالحكمُ فيه كالحكمِ في: أنتِ عليَّ حرامٌ، بخلاف ما لو قال: أنتِ عليَّ
كمتاعٍ [٣/ق٢٤٤/أ] فلان فلا يقعُ وإِنْ نَوَى، أفادَهُ في "الذَّخيرة"، أي: لأنَّ متاعَ فلانٍ ليس مُحرَّمَ
العينِ، وجَعْلُهُ كـ: أنتِ عليَّ حرامٌ مبنىٌّ على مذهبِ المتقدِّمين من توقُّفِ الوقوعِ به على النّة.
[١٣٥٦٢] (قولُهُ: لأَنّه تشبية بالسُّرعةِ) الأولى: في السُّرعة، كأنّه قال: أنتِ حرامٌ سريعاً
كسرعةِ الماءِ فِي حَرْبِهِ، وقد مَرَّ(١) أنَّ: أنتِ حرامٌ مُلحَقٌ بالصَّريح، فلا يَحتاجُ إلى نَّةٍ، فلعلَّ هذا
مبنيٌّ على غيرِ المفتى به، "ط"(٢).
قلت: وهو المُتُعِيِّنُ.
(١٣٥٦٣] (قولُهُ: ما لم يقل: خُذِي أيَّ طريقٍ شئتٍ) أي: فإنْ نَوَى يقعُ ثلاثٌ في روايةٍ
"أسدٍ"(٣) عن "محمَّدٍ"، وقال "ابنُ سلّمَ"(٤): أخافُ أنْ يقعَ ثلاثٌ لمعاني كلامِ النّاس، كأنّه يريدُ أنَّ
مرادَ النَّاس بمثلِهِ: اسْلُكِي الطُّرُقَ الأربعَ، وإلاّ فاللَّغظُ إنما يُعطي الأمرَ بسلوكِ أحدِها، والأوجهُ أنْ
٤٧٤/٢ تقعَ واحدةٌ بائنةٌ، "فتح "(٥)، والله سبحانه أعلم.
(١) المقولة [١٣٠٩٤] قوله: ((فيقع بلا نية للعرف)).
(٢) "ط": كتاب الطلاق - باب الكناية ١٣٨/٢.
(٣) أبو عبد الله، أسد بن الفرات الحرّاني ثم المغربيّ، القاضي الأمير (ت٢١٣هـ). ("وفيات الأعيان" ٨٢/٣، "سير
أعلام النبلاء" ٢٢٥/١٠، "شذرات الذهب" ٦٠/٣).
(٤) تقدمت ترجمته ٤٦٠/١.
(٥) "الفتح": باب إيقاع الطلاق - فصل في الطلاق قبل الدخول ٤٠٢/٣.
قسم الأحوال الشخصية
٣٦٠
حاشية ابن عابدين
﴿بابُ تفويض الطَّلاق﴾
لَمَّا ذكَرَ ما يُوقِعُهُ بنفسِهِ بنوعيه ذكَرَ مَا يُوقِعُهُ غیرُهُ بإذنِهِ.
وأنواعُهُ ثلاثةٌ: تفويضٌ، وتو کیلٌ،
﴿بابُ تفويض الطَّلاق﴾
أي: تفويضِهِ للزَّوجةِ أو غيرِها صريحاً كان النَّفويضُ أو كنايةً، يقال: فَوَّضَ له الأمرَ، أي:
رَدَّهُ إليهِ، "حموي". فالكنايةُ قولُهُ: اختاري أو أمرُكِ بيدِكِ، والصَّرِيحُ قولُهُ: طَلِّقِي نفسَكِ، "أبو
السُّعودِ"(١).
[١٣٥٦٤] (قولُهُ: بَنَوْعَيهِ) أي: الصَّرِيحِ والكنايةِ، "ح"(٢).
[١٣٥٦٥] (قولُهُ: وأنواعُهُ) الضَّمِيرُ عائدٌ إلى ما يُوقِعُهُ الغيرُ لا للتَّفويضِ، وإلاَّ يَلزَمُ تقسيمُ
الشَّيءٍ إلى نفسِهِ وإلى غيره، "أبو السُّعود"(٣).
[١٣٥٦٦] (قولُهُ: تفويضٌ وتوكيلٌ) المرادُ بالتّويضِ تمليكُ الطَّلاقِ كما يأتي(٤)، وذكَرَ في
"الفتح"(٥) في فصل المشيئةِ: ((أنَّ صاحبَ "الهداية،" جعَلَ مَناطَ الفَرْقِ بين التَّمليكِ والتّوكيلِ مرَّةً بأنَّ
المالك يَعمَلُ برأي نفسِهِ بخلاف الوكيل، ومرَّةً بأَنَّه عاملٌ لنفسِهِ بخلافه، ومرَّةً بأَنَّه يَعمَلُ بمشيئةِ نفسِهِ
بخلافه))، قال(٦): ((والفَرْقُ بين الرَّآيِ والمشيئةِ: أنَّ العملَ بالرَّأىِ عملٌ بما يَراهُ أصوبَ بلا اعتبارٍ
كونِهِ لنفسِهِ أو غيرِهِ، والعملَ بمشيئتِهِ أي: باختيارِهِ ابتداءً بلا اعتبارِ مطابقةِ أمرِ الآمِرِ ولا اعتبارِ معنى
الأَصْوَيَّةِ))، ثمَّ قال(٧) بعدما بحَثَ فِي الأَوَّلين: ((إنَّ الفَرْقَ الثّالثَ أصوبُ)).
(١) "فتح المعين": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٣٦/٢.
(٢) "ح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ق ١٨٥/أ.
(٣) "فتح المعين": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٣٦/٢.
(٤) صـ ٣٦٥ - "در".
(٥) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٤٣٠/٣.
(٦) أي: صاحب "الفتح": ٤٣٠/٣ بتصرف.
(٧) أي: صاحب "الفتح" أيضاً ٤٣١/٣ وعبارته: ((الثالث أقرب)).
الجزء التاسع
٣٦١
باب تفويض الطلاق
ورسالةٌ. وألفاظُ التَّفويضِ ثلاثةٌ: تخييرٌ، وأَمْرّ بيدٍ، ومشيئةٌ.
(قالَ لها: اختارِي أو أَمْرُكِ بيدِكِ ..
[١٣٥٦٧] (قولُهُ: ورسالةٌ) كأن يقولَ لرَجُلٍ: اذهبْ إلى فلانةٍ وقل لها: إنَّ زَوْجَكِ يقولُ لك:
اختاري، فهو ناقلٌ لكلامِ المُرسِلِ لا مُنشِىٌّ الكلامِهِ، بخلافِ المالكِ والوكيل؛ لأنّهم قالوا: إنَّ
الرَّسولَ مُعبِّرٌ وسفيرٌ، هذا ما ظهَرَ لي.
[١٣٥٦٨] (قولُهُ: ثلاثةٌ) أي: بالاستقراءِ، بدأ "المصنّفُ" منها بالاختيارِ لُبُوتِهِ بصريحِ الإخبار،
ولم يَجعَلْ له فَصْلاً على حِدَةٍ - كصاحب "الهداية"(١) - لأنّه لم يَسبِقْهُ شيءٌ يُفِصَلُ به عمَّا قبلَهُ
بخلافِ الأخیرین، فاکنَفَی فیه بالبابِ، "نهر "(٢).
وحاصلُهُ: أنَّ النَّقويضَ أعمُّ [٣/ق ٢٤٤/ ب] فناسَبَ أنْ يُترجِمَ له بالبابِ، والثَّلاثةَ أنواعُهُ
فناسَبَ أنْ يُترجِمَ لكلِّ منها بفَصْلٍ، لكنْ لم يُترجِمْ به للتَّخبيرِ لأَنَّه لم يَسِقْهُ كلامٌ(٣)، وبه ظهَرَ أنَّ
ترجمةَ "المصنّفِ" للنَّاني بالبابِ غيرُ مناسبةٍ.
[١٣٥٦٩] (قولُهُ: قال لها: اختاري) أشارَ بعدمِ ذِكْرٍ قَبُولِها إلى أَنَّه تمليكٌ يَتِمُّ بِالمُملّكِ وحدَهُ،
فلو رجَعَ قبلَ انقضاءِ المجلس لم يصحَّ، وقَّدَ باقتصارٍِ على التّخييِ المطلَقِ لأَنّه لو قال لها: اختاري
الطَّلاقَ، فقالت: اخترتُ الطَّلاقَ فهي واحدةٌ رجعيَّةٌ؛ لأَنَّه لَمَّا صرَّحَ بِالطَّلاقِ كان النَّخييرُ بين
الإتيانِ بالرَّجعيِّ وتركِهِ، "ط " (٤) عن "البحر "(٥).
[١٣٥٧٠] (قولُهُ: أو أمرُكِ بيدِكِ) لا حاجةَ إلىه لذكرِ أحكامِ الأمرِ باليد في فصلٍ مُستقِلٌ
يأتي(٦)، "ط"(٧).
(١) "الهداية": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٢٤٣/١.
(٢) "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض ق ٣١٦/أ.
(٣) ((كلام)) ساقطة من "الأصل".
(٤) "ط": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٣٩/٢.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق باب تفويض الطلاق ٣٣٦/٣ بتصرف.
(٦) صـ ٣٩١ - وما بعدها "در".
(٧) "ط": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٣٩/٢.
قسم الأحوال الشخصية
٣٦٢
حاشية ابن عابدين
يَنْوي) تفويضَ (الطَّلاقِ) لأنَّهما كنايةٌ، فلا يَعمَلان بلا نَّةٍ (أو طَلِّقِي نفسَكِ فلها
أنْ تُطلِّقَ.
[١٣٥٧١] (قولُهُ: تفويضَ الطَّلاقِ) دَلَّ على هذا المضافِ عَقْدُ البابِ له كما في "الّهر)"(١)،
"_"(٢)
.
ح
[١٣٥٧٢] (قولُهُ: لأَنّهما كنايةٌ) أي: من كناياتِ التَّفويضِ، "شرنبلاليّةً"(٣).
[١٣٥٧٣] (قولُهُ: فلا يَعمَلان بلا ئيَّةِ) أي: قضاءً وديانةً في حالةِ الرِّضا، أمَّا في حالةِ الغضبِ
أو المذاكرةِ فلا يُصدَّقُ قضاءً في أَنَّه لم يَنْوِ الطَّلَاقَ؛ لأَنْهما ◌َّا تَمَخَّضَ للجوابِ كما مَرَّ(٤)،
ولا يَسَعُها المُقَامُ معه إلاَّ بنكاحٍ مُستقبلٍ؛ لأنّها كالقاضي، أفادَهُ في "الفتح"(٥) و"البحر"(٦).
ثُمَّ اعلمْ أنَّ اشتراطَ النَّةِ إنما هو فيما إذا لم يَذكُرُ النَّفْسَ أو ما يَقُومُ مَقَامَها في كلامِهِ، وإنَّما
ذُكِرَتْ في كلامِها فقط كما يأتي(٧) تحريرُهُ، فتنبّهْ لذلك، فإِنّي لم أر مَن نَّهَ عليه.
[١٣٥٧٤) (قولُهُ: أو طَلّقي نفسَكِ) هذا تفويضٌ بالصَّرِيحِ، ولا يَحتاجُ إلى نَّةٍ، والواقعُ به
رَجْعِيٌّ، وتصحُّ فيه نيَّةُ الثَّلاثِ كما سيذكرُهُ(٨) "المصنّفُ" أوَّلَ فصل المشيئة.
﴿بابُ تَفْوِيضِ الطَّلاقِ﴾
(قولُهُ: ثُمَّ اعلمْ أنَّ اشتراطَ النَّةِ إنّما هو إلخ) كلماتُهم متَّفَقَةٌ على اشتراطِ النَّةِ وذِكرِ النّفسِ أو ما يقومُ
مقامَها، والاكتفاءُ بذِكرِ النّفسِ عن النّةِ يكونُ مُخالِفاً لِمَا اتَّفقوا على اشتراطِهِ، فلا يُعوَُّ عليهِ.
(١) "النهر": كتاب الطلاق ق ٣١٦/أ؛ إذ قال: ((باب التفويض)).
(٢) "ح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ق ١٨٥/أ.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الطلاق - باب التفويض ٣٧١/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) صـ٣١٧ - وما بعدها "در".
(٥) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الاختيار ٤١٢/٣.
(٦) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٣٣٥/٣-٣٣٦.
(٧) المقولة [١٣٦٤٤] قوله: ((بلا نية)).
(٨) صـ ٤١٢- "در".
الجزء التاسع
٣٦٣
باب تفويض الطلاق
في مجلسٍ عِلْمِها به) مشافهةً أو إخباراً (وإنْ طالَ) يوماً أو أكثرَ ما لم يُوقّْهُ ويمضي الوقتُ
[١٣٥٧٥] (قولُهُ(١): في مجلسٍ عِلْمِها) أفادَ أَنَّ لا اعتبارَ بمجلسِهِ، فلو خََّها ثمَّ قامَ هو لم يَبطُلْ
بخلافٍ قيامِها، "بحر"(٢) عن "البدائع"(٣)، "ط " (٤).
[١٣٥٧٦] (قولُهُ: مشافهةٌ) أي: في الحاضِرةِ ((أو إخباراً)) في الغائبةِ، منصوبان على الحالَيَّةِ مِن
((عِلْمِها)).
[١٣٥٧٧) (قولُهُ: ما لم يُوقّهُ إلخ) فلو قال: جَعَلتُ لها أنْ تُطلّقَ نفسَها اليومَ اعتُبرَ مجلسُ عِلْمِها
في هذا اليومٍ، فلو مَضَى اليومُ ثمَّ عَلِمَتْ خَرَجَ الأمرُ عن يدِها، وكذا كلُّ وقتٍ فَيَّدَ النَّفويضَ به
وهي غائبةٌ ولم تَعَلَمْ حَتّى انقَضَى بِطَلَ خِيَارُها، "فتح"(٥) والبحر "(٦)، وسيأتي(٧) فروعٌ في التّوقيتِ
آخرَ الباب، وأنَّه لا يَبطُلُ الْمُوقَّتُ بالإعراض.
[١٣٥٧٨] (قولُهُ: وَيَمضي الوقتُ) معطوفٌ على (يُوقّهُ)) المجزومِ، وإثباتُ الياءِ فيه مِن
تحريفِ النَّسّاخِ، أو على لغةٍ كما هو أحدُ الأوجهِ التي يُحابُ بها عن قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ
وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف- ٩٠] في قراءةٍ [٣/ ق١/٢٤٥] رفعٍ ﴿وَيَصْبِرُ﴾، فالمعنى: لها أنْ تُطلِقَ في المجلسِ
وإنْ طالَ مُدَّةَ عدمٍ توقيتِهِ ومُضِيِّ الوقتِ، بأنْ لم يُوقُّهُ، أو وَقْتُهُ ولم يَمْضِ، فَإِنْ وَقَّتُهُ ومَضَى سقَطَّ
الخيارُ. وأمَّا جَعْلُهُ مرفوعاً والواوُ فيه للحال فهو فاسدٌ صناعةً ومعنّى، أمَّا الأوَّلُ فلأنَّ جملةَ الحال
التي فِعْلُها مضارعٌ مُثَبَتٌ لا تَقْتِنُ بالواو، وأمَّ الثَّانِي فِلِصيرورةِ المعنى: مُدَّةَ لم يُوقّتْ في حالِ مُضِيٍّ
الوقتِ، وإذا لم يُوقّتْ كيف يَمضي الوقتُ؟! فافهم. نعمْ في بعضِ النَّسخ: ((فِمُضيِّ الوقتِ)) بالفاءِ
والباءِ الجارَّةِ للمصدر، والمعنى: فإِنْ وَقَّتَ فينتهي المجلسُ بِمُضِيِّ الوقت.
(١) ((قوله)) ساقطة من "م".
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٣٣٦/٣.
(٣) "البدائع": كتاب الطلاق - فصل: وأما قوله: أمرك بيدك ١١٣/٣.
(٤) "ط": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٣٩/٢.
(٥) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الاختيار ٤١٢/٣.
(٦) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٣٣٦/٣.
(٧) صـ ٣٨٨ - وما بعدها "در".
حاشية ابن عابدين
قسم الأحوال الشخصية
٣٦٤
قبل عِلْمِها (ما لم تَقُمْ) لتبدُّل مجلسِها حقيقةً (أو) حكماً، بأنْ (تَعمَلَ ما يَقطَعُهُ) ...
[١٣٥٧٩] (قولُهُ: قبلَ عِلْمِها) ليس قيداً احترازيّاً، بل هو تنبيه على الأخفى ليُعلَمَ مُقابِلُهُ
بالأَولى كما هو عادةُ "الشَّارح" في مواضعَ لا تُحصَى، فافهم.
[١٣٥٨٠] (قولُهُ: ما لم تَقُمْ إلخ) الأولى أنْ يَذكُرَ له عاطفاً يَعطِفُهُ على قولِهِ: ((ما لم يُوقّهُ))، ولو
٤٧٥/٢ قال: ما لم تَفَعَلْ ما يدلُّ على الإعراضِ لكان أخصرَ وأَفوَدَ؛ لَيَصِحَّ عطفُ قولِهِ: ((أو حكماً)) على
((حقيقةٌ))، ولأَنَّه يُغنيه عن قولِهِ: ((أَو تَعْمَلَ ما يَقْطَعُهُ))، ولأنَّ بُطلانَهُ بكلِّ قيامٍ مطلقاً قولُ البعضِ،
والأصحُّ - كما في "البحر"(١) و "النّهر "(٢) -: ((أَنَّه لا بدَّ أنْ يَدُلَّ على الإعراضِ))، وأثرُ الخلافِ يَظهَرُ
فيما لو قامَتْ لَتَدعُوَ الشُّهودَ كما يأتي(٣)، ولو أقامَها أو جامَعَها بطَلَ كما يأتي(٤)؛ لِتَمَكُّنِها من
المبادرةِ إلى اختيارِها نفسَها، فعدمُ ذلك دليلُ الإعراض.
(١٣٥٨١] (قولُهُ: لِتَبَدُّلِ مَجلِسِها حقيقةً) أفادَ أَنَّ القيام يَخْتِلِفُ به المجلسُ حقيقةً، وهو خلافُ
ما في "إيضاح الإصلاح"، فإنّه قال: ((إنَّ المجلسَ وإنْ لم يَتبدَّلْ بمجرَّدِ القيام إلاَّ أنَّ الخيارَ يَطُلُ به؛
لأَنّه يدلُّ على الإعراضِ، وهذا ظاهرٌ من كلامٍ صاحب "الهداية"(٥)، وفي "الَّبِينَ" (٦): المجلسُ يتبدَّلُ
(قولُهُ: ولو قالَ: ما لم تفعلْ ما يدلُّ على الإِعْراضِ لكانَ أخصرَ وأَفْوَدَ إلخ) لم يظهرْ وجهُ كونِ ما
ذكَرَهُ أَفْوَدَ من عبارةِ "المصنّفِ"، بلْ هيَ مفيدةٌ ما أفادَهُ كلامُ "المصنّفِ"، نعمْ هو أظهرُ من عبارةِ "المصنّفِ"،
ولعلَّهُ المرادُ من قولِهِ: ((أَفْوَدَ)).
(قولُهُ: لَيَصِحَّ عطْفُ إلخ) فيهِ خفاءٌ.
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٣٣٨/٣.
(٢) "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض ق٢١٦/ب.
(٣) المقولة [١٣٥٨٢] قوله: ((مما يدلُّ على الإعراض)).
(٤) صـ٣٧٢ - "در".
(٥) "الهداية": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٢٤٣/١.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الأمر باليد ٢٢٤/٢.
الجزء التاسع
٣٦٥
باب تفويض الطلاق
◌َما يدلُّ على الإعراضٍ؛ لأنّه تمليك - فيتوقَّفُ على قبولِها(١) في المجلسِ - لا توكيلٌ،
تارةً حقيقةً بالتَّحوُّلِ إلى مكانٍ آخرَ، وتارةً حكماً بالأخذِ في عملٍ آخرَ)) اهـ "ط)(٢).
قلت: وكأنَّ "الشَّارح" حَمَلَ القيامَ على التّحوُّلِ - فإِنّه يقال: قامَ عن مَجلِسِه إذا تَحَوَّلَ
عنه - لا مجرَّدِ القيامِ عن قُعُودٍ؛ لِما علمتَ من أنَّ بُطلانَهُ بكلِّ قيامٍ مطلقاً خلافُ الأصحِّ.
[١٣٥٨٢] (قولُهُ: مما يدلُّ على الإعراضِ) قَّدَ به لأَنْه لو خَّرَها فَلَبِسَتْ ثوباً أو شَرِبَتْ
لا يَبطُلُ خيارُها؛ لأنَّ الَّْسَ قد يكونُ لتدعوَ شُهُوداً، والعطشَ قد يكونُ شديداً يَمنَعُ من التَّأْمُّل.
ودخَلَ في العملِ الكلامُ الأجنبيُّ، وهذا في التَّخيير المطلق، أمَّا الُوقَّتُ بشهرٍ مثلاً فلا يَبطُلُ بذلك
ما دام الوقتُ باقياً كما مَرَّ(٣)، أفادَهُ في "البحر "(٤)، [٣/ ق ٢٤٥/ ب] ويأتي(٥) تمامُ الكلام فيما يكونُ
إعراضاً وما لا يكون.
[١٣٥٨٣] (قولُهُ: فَتَوقّفُ على قَبُولِها في المجلسِ) أرادَ بالقَبُولِ الجوابَ، والضَّمِيرُ في
(يَتَوقَّفُ)) عائدٌ على النَّطليقِ المفهوم من قولهِ: ((فلها أنْ تُطْلِّقَ)) لا على التَّمليكِ؛ لِما صرَّحُوا به
من أنَّ هذا التَّمليكَ يَتِمُّ بالُمَلِّكِ وحدَهُ ولا يتوقّفُ على القَبُولِ؛ لكونِها تُطلّقُ بعدَ النَّفويض، وهو
بعدَ تمامِ الَّمليك كما أوضَحَهُ في "الفتح"(٦) و "النّهر"(٧). وبه عُلِمَ أنَّ هذا النَّمليكَ لا يتوقَّفُ تمامُهُ
على القَبُولِ ولا على الجوابِ في المجلس؛ لأنَّ الجوابَ - أي: التَّطليقَ - بعدَ تمامِهِ، وإِنَّمَا الْمُتَوقّفُ على
الجوابِ هو صحَّةُ التَّطليق، فافهم.
(١) في "ط": ((قولها)).
(٢) "ط": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٤٠/٢.
(٣) صـ٣٦٢ -٣٦٣ - "در".
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٣٣٧/٣ - ٣٣٨ نقلاً عن "الجوهرة" عن "الخلاصة".
(٥) ص ٣٧١ - "در".
(٦) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الاختيار ٤١١/٣ - ٤١٢.
(٧) "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض ق٢١٦/أ.
قسم الأحوال الشخصية
٣٦٦
حاشية ابن عابدين
فلم يصحَّ رجوعُهُ، حتّى لو خَيََّها ثمَّ حَلَفَ أنْ لا يُطلِقَها فِطَلَّقَتْ لم يحنثْ في الأصحِّ.
(لا) تُطلِقُ (بعدَهُ) أي: المجلسِ (إلاَّ إذا زادَ) على قوله: طَلِّقِي نفسَكِ.
...
[١٣٥٨٤] (قولُهُ: فلم يصحَّ رجوعُهُ) تفريعٌ على كونِهِ ليس توكيلاً، فإنَّ الوكالةَ غيرُ لازمةٍ،
فلو كان توكيلاً لصَّحَّ عَزَّلُها، قال في "البحر"(١) عن "جامع الفصولين"(٢): ((تفويضُ الطَّلاقِ إليها
قيل: هو وكالةٌ يَمِلِكُ عَزْلَها، والأصحُّ أنّه لا يَمِلِكُهُ)) اهـ.
لكنْ إذا كان تمليكاً لا يَلَمُ منه عدمُ صحَّةِ الرُّجوعِ كما في "المعراج"، قال: ((لانتقاضِهِ
بالهبةِ، فإنّها تمليكٌ ويصحُّ الرُّجوعُ)) اهـ.
وعلَّلَ له في "الذَّخيرة": ((بأنّه بمعنى اليمين؛ إذ هو تعليقُ(٢) الطَّلاقِ بتطليقها نفسَها))،
واعترضَهُ في "الفتح"(٤): ((بأنَّ هذا يَجري في سائرِ الوكالات لتضمُّنِهِ معنى: إذا بعتَهُ فقد أَجَزَتُهُ،
مع أنَّ الرُّجوعَ عنها صحيحٌ، وإنما العلّةُ هي كونُهُ تمليكاُ يَتِمُّ بِالُملّكِ وحدَهُ بلا قَبُولٍ))، وتمامُهُ في
"النّهر"(٥)، فافهم.
[١٣٥٨٥] (قولُهُ: حتّى لو خَّرَها إلخ) تفريعٌ ثانٍ على عدمٍ كونِهِ توكيلاً بل هو تمليكٌ، فإنَّ
علّةَ الحنثِ - وهو قولُ "محمَّدٍ" - كونُها نائبةً عنه، وهو ممنوعٌ كما في "الفتح"(٦) عن "الزِّيادات"(٧)
(قولُهُ: لانتقاضِهِ بالهبةِ فإنّها تمليك إلخ) يُدفَعُ بالفرْقِ، وهو: أنَّه إنَّا مَلَكَ الرُّجوعَ في الهبةِ؛ لاحتمالِ
قصدِهِ المعاوضةَ فيها، ولذلكَ لا يملِكُ الرُّجوعَ في الرَّحِمِ المَخْرَمِ والزَّوجةِ؛ لعدمِ هذا القصدِ عادةً، وما ذكَرَ
غيرُ موجودٍ في مسأَلَتِنا؛ فإنّه لم تْجِر العادةُ أَنَّه يُملّكُها الطَّلاقَ في أَمَلٍ أنْ تُعوِّضَهُ، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٣٣٦/٣.
(٢) "جامع الفصولين": الفصل الثالث والعشرون في الأمر باليد ومتعلقه ٢٩١/١.
(٣) في "ب": ((تطليق))، وهو خطأ.
(٤) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الاختيار ٤١٢/٣.
(٥) انظر "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض ق ٢١٦/أ.
(٦) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الاختيار ٤١١/٣.
(٧) أي: "شرح زيادات" الإمام محمد، لأبي المعالي محمود (وقيل: محمد) بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مازه،
برهان الدين البخاري المرغيناني (ت٦١٦هـ). ("كشف الظنون" ٩٦٣/٢، "الفوائد البهية" صـ ٢٠٥-، "هدية
العارفين" ٤٠٤/٢، "الأعلام" ١٦١/٧).
الجزء التاسع
٣٦٧
باب تفويض الطلاق
وأخواتِهِ: (متى شئتِ أو متى ما شئتٍ، أو إذا شئت أو إذا ما شئت) فلا يتقيَّدُ
بالمجلسِ(١) (ولم يصحَّ رجوعُهُ) لِما مرَّ(٢) (و) أمَّا (في: طلِّقي ضَرَّتَكِ.
....
لصاحب "المحيط"، أي: لكونها صارَتْ مالكةً، وعليه فلو وَكَّلَ رجلاً بطلاقِها يَحَنَثُ كما سيأتي(٣)
في الأيمان إن شاء الله تعالى عندَ ذكرِ ما يَحْنَثُ فيه بفعلٍ مأمورِهِ.
[١٣٥٨٦) (قولُهُ: وأخواتِهِ) الأَولى: وأُختيه، وهما: اختاري، وأمرُكِ بيدِكِ.
واعلم أنَّ ما ذكَرَ (٤) "المصنّفُ" هنا إلى قولِهِ: ((وجلوسُ القائمةِ)) سيذكرُهُ(٥) أيضاً في فصلٍ
المشيئة.
[١٣٥٨٧] (قولُهُ: فلا يتقيَّدُ بالمجلسِ) أمَّا في ((متى)) و((متى ما)) فلأنّهما لعُمُومِ الأوقات،
فكأنّه قال: في أيِّ وقتٍ شئتٍ، فلا يَقتصِرُ على المجلسِ، وأمَّا في ((إذا)) و((إذا ما)) فإنّهما ومتى
سواءٌ عندهما، وأمَّا عنده فُيُستعمَلان للشَّرطِ كما يُستعمَلان للظَّرف، لكنَّ الأمرَ صار بيدِها،
فلا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ، "ح"(٦) عن "المنح)(٧).
[١٣٥٨٨] (قولُهُ: لِمَا مَرَّ) أي: من أَنَّه ليس توكيلاً، بل لو صرَّحَ بتوكيلِها بطلاقِها يكونُ
تمليكاً لا توكيلاً كما في "البحر(٨) عن "الفصولين" (٩).
(١) في "د" زيادة: ((قوله: أو إذا ما شئت فلا يتقيد بالمجلس، قال الشُّمُّنِّي: ((بخلاف: إنْ شئتٍ، فإنّه يتقيد بمجلس
علمها لعدم ما يدلُّ على عموم الوقت، انتهى)). ق ١٨٦/أ.
(٢) صـ ٣٦٥-٣٦٦ - "در".
(٣) المقولة [١٧٩٨٧] قوله: ((الأصل فيه إلخ)).
(٤) في "م": ((ذكره)).
(٥) صـ٤٢٧- وما بعدها "در".
(٦) "ح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ق ١٨٥/أ.
(٧) "المنح": كتاب الطلاق - باب في بيان أحكام تفويض الطلاق ١/ق ١٤٢/أ.
(٨) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٣٣٦/٣.
(٩) "جامع الفصولين": الفصل الثالث والعشرون في الأمر باليد ومتعلقه ٢٩١/١.
قسم الأحوال الشخصية
٣٦٨
حاشية ابن عابدين
أو) قولِهِ لأجنبيٌّ: (طلِّقِ امرأتي) فـ (يصحُّ رجوعُهُ) عنه (ولم يُقَيَّدْ بالمجلسِ)
لأنّه توكيلٌ محضرٌ، وفي: طلّقي نفسَكِ وضَرَّتَكِ كان تمليكاً في حقّها توكيلاً في حقِّ
ضَرَّتِها، "جوهرة"(١). (إلاّ إذا عَلَّقَهُ بالمشيئةِ) فيصيرُ تمليكاً ...
[١٣٥٨٩] (قولُهُ: أو قولِهِ لأجنبيّ: طَلْقِ امرأتي) فَيَّدَ بالطَّلاقِ لأَنّه لو قال: أَمْرُ امرأتي بيدِكَ
يَقتصِرُ على المجلسِ، ولا يَمِلِكُ الرُّجوعَ على الأصحّ، "بحر "(٢) عن "الخلاصة"(٣) في فصل المشيئة.
ولو جَمَعَ له بين [٣/ ق٢٤٦/أ] الأمرِ باليدِ والأمرِ بالتّطليقِ ففيه تفصيلٌ مذكورٌ هناك.
[١٣٥٩٠] (قولُهُ: فيصحُّ رجوعُهُ) زاد "الشَّارِحُ" الفاءَ لتكونَ في جوابِ ((أمَّا)) التي زادَها قبلُ.
[١٣٥٩١] (قولُهُ: لأَنّه توكيلٌ محضّ) أي: بخلافٍ: طَلّقي نفسَكِ؛ لأَنّها عاملةٌ لنفسِها، فكان
تمليكاً لا توكيلاً، "بحر "(٤).
[١٣٥٩٢) (قولُهُ: كان تمليكاً في حقّها) لأنّها عاملةٌ فيه لنفسِها، وقولُهُ: ((توكيلاً في حقٍّ
ضَرَِّها)) لأَنّها عاملةٌ فيه لغيرِها.
والظّاهرُ: أَنَّه ليس من عمومٍ المجاز، ولا من استعمالِ المُشترَكِ في معنييه؛ لأنَّ حقيقةً (٥) قولِهِ:
((طَلّقي)) واحدةٌ، وهي الأمرُ بالتّطليق وإِنْ اختلَفَ الحكمُ المترتّبُ عليه باختلافٍ مُتُعلَّقِهِ(٦)، كما
لو قال لآخرَ: طَلَّقِ امراتي وامرأتَكَ، فإنّه وكيلٌ وأصيلٌ، فافهم.
[١٣٥٩٣] (قولُهُ: فيصيرُ تمليكاً) فلا يَملِكُ الرُّجوعَ؛ لأَنَّه فَوَّضَ الأمرَ إلى رأيِهِ، والمالكُ هو
الذي يتصرَّفُ عن مشيئِهِ، والوكيلُ مطلوبٌ منه الفعلُ شاء أو لم يشأ، "ط)"(٧) عن "المنح "(٨).
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الطلاق ١٢١/٢ بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٣٥٧/٣.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطلاق - الفصل الرابع في الأمر باليد ق ١٠٤/ب.
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق فصل في المشيئة ٣٥٦/٣.
(٥) في "ب": ((حقيقته)).
(٦) في "ب": ((متعلقة)).
(٧) "ط": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٤٠/٢.
(٨) "المنح": كتاب الطلاق - باب في بيان أحكام الطلاق ١/ق ١٤٢/ب.
الجزء التاسع
٣٦٩
باب تفويض الطلاق
لا توكيلاً، والفرقُ بينهما في خمسةٍ أحكامٍ: ففي التّمليكِ لا يَرجِعُ، ولا يَعزِلُ،
ولا يَبطُلُ بجنونِ الزَّوجِ، ويتقيَّدُ بمجلسٍ لا بعقلٍ، فيصحُّ تفويضُهُ لمجنونٍ وصِيِّ لا يَعْقِلُ
[١٣٥٩٤) (قولُهُ: لا توكيلاً) أي: وإنْ صرَّحَ بالوكالةِ، "بحر "(١) عن "الخالنَّةُ"(٢).
[١٣٥٩٥] (قولُهُ: لا يَرجِعُ ولا يَعِزِلُ) لا يَلْزَمُ من عدمٍ مِلكِ الرُّجوعِ عدمُ مِلكِ العَزْلِ؛ لأَنَّه لو
٤٧٦/٢ قال لأجنبيِّ: أَمْرُ امرأتي بيدِكَ، ثُمَّ قال: عَزَلْتُكَ وجعلتُهُ بيدِها لا يصحُّ عَزَّلُهُ، مع أنّه لم يَرجِعْ عن
الّفويضِ بالكلِّيّة، فافهم.
[١٣٥٩٦] (قولُهُ: ولا يَبطُلُ بجنونِ الزَّوجِ) نظراً إلى أنَّه تعليقٌ، "ط"(٣).
[١٣٥٩٧] (قولُهُ: لا بعقلٍ) هو الخامسُ، "ط "(٤).
[١٣٥٩٨] (قولُهُ: فيصحُّ) تفريعٌ على الخامس، وبيانُهُ ما في "البحر"(٥) عن "المحيط ": (( لو جعَلَ
أمرَها بيدٍ صِيِّ لا يَعْقِلُ أو مجنونٍ فذلك إليه ما دام في المجلس؛ لأنَّ هذا تمليكٌ في ضمنِهِ تعليقٌ،
فإنْ لم يصحَّ باعتبارِ التَّمليكِ يصحُّ باعتبارِ معنى التَّعليقِ، فصحَّحناه باعتبارِ التَّعليق، فكأنَّه قال:
إِنْ قال لكِ المجنونُ: أنتِ طالقٌ فأنتِ طالقٌ، وباعتبار معنى التَّعليكِ يَقتصِرُ على المجلسِ عملاً
بالشَّبهين)) اهـ "ط"(٦).
قال في "الذَّخيرة": ((ومن هذا استخرجنا جوابَ مسألةٍ صارَتْ واقعةَ الفتوى، صورتُها: إذا
قال لامرأتِهِ الصَّغيرةِ: أَمْرُكِ بيدِكِ يَنْوي الطَّلاقَ، فطَلّقَتْ نفسَها صَحَّ؛ لأنَّ تقديرَ كلامِهِ: إِنْ طَلَّقْتٍ
نفسَكِ فأنتٍ طالقٌ)).
[١٣٥٩٩] (قولُهُ: وصبيِّ لا يَعْقِلُ) بشرطِ أنْ يتكلّمَ، فيصحُّ أنْ يُوقِعَ عليها الطَّلاقَ، ولا يَلْزَمُ
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق فصل في المشيئة ٣٥٦/٣.
(٢) "الخانية": كتاب الوكالة - فصل في التوكيل بالنكاح والطلاق والعتاق ٥٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "ط": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٤٠/٢.
(٤) "ط": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٤٠/٢.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٥٨/٣.
(٦) "ط": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٤٠/٢.
قسم الأحوال الشخصية
٣٧٠
حاشية ابن عابدين
بخلاف التَّوكيل، "بحر"(١). نَعَمْ لو جُنَّ بعد التَّفويضِ لم يَقَعْ، فهنا تُسُومِحَ ابتداءً
لا بقاءً عكسَ القاعدةِ، فليحفظ.
من التّعبيرِ العقلُ، "ط)" (٢) عن "البحر"(٣).
[١٣٢٠٠] (قولُهُ: بخلافِ التّوكيلٍ) أي: في المسائلِ الخمسِ، لكنْ في الأخيرة بحثٌ سأذكرُهُ(٤)
في فصل المشيئة.
[١٣٦٠١) (قولُهُ: نعمْ لو حُنَّ أي: المفوَّضُ إليه، "ط)"(٥).
[١٣٦٠٢] (قولُهُ: فهنا تُسُومِحَ إلخ) نظيرُهُ - كما في البحر (٦) من فصل المشيئة -: ((لو جُنَّ الوكيلُ
بالبيعِ جنوناً يَعْقِلُ فيه البيعَ والشِّراءَ، ثمَّ باعَ لا يَنعقِدُ بيعُهُ، بخلاف ما لو [٣/ ق ٢٤٦/ب] وكَّلَ مجنوناً
بهذه الصِّفَةِ؛ لأَنّه في الأوَّلِ كان الّوكيلُ بِعٍ تكونُ العُهدةُ فيه على الوكيلٍ، وبعدما حُنَّ تكونُ
العُهدةُ على الموكّلِ فلا يَنفُذُ، وفي الثّاني إنَّما وكَلَ يبيعٍ عُهدتُهُ على المُوكِّلِ، فَيَنفُذُ عليه كما في
"الخانَّة(٧)، وفي تفويضِ الطَّلاقِ وإِنْ كان لا تُهدةَ أصلاً لكنَّ الزَّوجَّ حين التّفويضِ لم يُعلّقْ
إلاّ على كلامٍ عاقلٍ، فإذا طَلَّقَ وهو مجنونٌ لم يُوجَد الشَّرطُ، بخلافِ ما إذا فَوَّضَ إلى مجنونِ ابتداءٌ
وإِنْ لم يَعْقِلْ أصلاً، فإِنَّه يصحُّ باعتبارِ معنى التَّعليق، وفي الَّّوكيلِ بالبيعِ لا يصحُّ إلاّ إذا كان يَعْقِلُ
البيعَ والشِّراءَ كما مَرَّ(٨)، وكأنّه بمعنى المعتوهِ. ومِن فَرْعي التّفويضِ والتّوكيلِ بالبيع ظهَرَ أَنَّه
تُسُومِحَ في الابتداءِ ما لم يُتسامَحْ في البقاء، وهو خلافُ القاعدةِ الفقهيَّةِ من أنَّه يُتسامَحُ في البقاء
ما لم يُتسامَحْ في الابتداء)) اهـ ما في "البحر"(٩) ملخَّصاً.
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٥٧/٣-٣٥٨ بتصرف.
(٢) "ط": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٤٠/٢.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٥٨/٣.
(٤) المقولة [١٣٧٤٣] قوله: ((وإذا قال لرجل ذلك)).
(٥) "ط": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٤٠/٢.
(٦) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٣٥٨/٣.
(٧) "الخانية": كتاب الطلاق - فصل في الطلاق الذي يكون من الوكيل أو من المرأة ٥٢٨/١.
(٨) في المقولة نفسها.
(٩) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في المشيئة ٣٥٨/٣.
الجزء التاسع
٣٧١
باب تفويض الطلاق
(وجلوسُ القائمةِ، واتّكاءُ القاعدةِ، وقعودُ المنِّكئةِ، ودعاءُ الأبِ) أو غيرِهِ
(للمَشُورةِ) بفتحِ فضمُ: المشاورةُ (و) دعاءُ (شهودٍ للإشهادِ) على اختيارِها الطّلاقَ
قلت: وهذه القاعدةُ عَبَّرَ عنها في "الأشباه"(١) بقولِهِ: ((الرَّابعة: يُغْتَفَرُ في التّوابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ
في غيرِها))، ثمَّ فرَّع عليها فروعاً، ثمَّ فرَّعَ على عكسِها فرعين غيرَ هذين الفرعين، فتصيرُ فروعُ
العكسِ أربعةً بزيادةِ هذين الفرعین.
[٠٣ ١٣٦] (قولُهُ: وجلوسُ القائمةِ) في "جامع الفصولين"(٢): ((ولو مَشَتْ في البيتِ من
جانبٍ إلى جانبٍ لم يَبطُلْ)) اهـ.
قال في "البحر"(٣): ((ومعناه: أنْ يُخِّرَها وهي قائمةٌ فمَشَتْ من جانبٍ إلى آخرَ، أمَّا لو
خَيَّرَها وهي قاعدةٌ في البيتِ فقامَتْ بِطَلَ خيارُها بمجرَّدٍ قيامِها؛ لأَنَّ دليلُ الإِعراض)) اهـ.
قلت: وفيه أنَّ هذا قولُ البعض، وأنَّ الأصحَّ أَنَّه لا بدَّ أنْ يكونَ مع القيام دليلُ الإعراضِ
كما مَرَّ(٤).
[١٣٦٠٤) (قولُهُ: واتّكاءُ القاعدةِ) أمَّا لو اضطجَعَتْ فقيل: لا يَبطُلُ، وقيل: إِنْ هَيََّت الوسادةَ
كما يُفْعَلُ للّومِ بِطَلَ، "بحر "(٥) عن "الخلاصة)"(٦).
[١٣٢٠٥] (قولُهُ: للمَشُورةِ) فلو دَعَتْهُ لغيرِها بطَلَ؛ لِمَا مَرَّ(٧) من أنَّ الكلامَ الأجنبِيَّ دليلٌ
الإعراض.
[١٣٦٠٦] (قولُهُ: بفتحِ وضمِّ) أي: فتحِ الميم وضمِّ الشِّين، وكذا بسكونِ الشِّين مع فتحِ الميمِ
(١) "الأشباه والنظائر": النوع الثاني من القواعد - القاعدة الرابعة صـ١٣٥ -.
(٢) "جامع الفصولين": الفصل الثالث والعشرون في الأمر باليد ومتعلقه ٢٩١/١.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الأمر باليد ٣٥١/٣.
(٤) المقولة [١٣٥٨١] قوله: ((لتبدُّل مجلسها حقيقة)).
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الأمر باليد ٣٥١/٣ بتصرف يسير.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطلاق - الفصل الرابع في الأمر باليد - الجنس الخامس في بطلان الأمر ق ١٠٦/أ،
معزياً إلى "المحيط".
(٧) المقولة [١٣٥٨٢] قوله: ((مما يدلُّ على الإعراض)).
قسم الأحوال الشخصية
٣٧٢
حاشية ابن عابدين
إذا لم يكن عندها مَن يدعوهم، سواءٌ تحوَّلَتْ عن مكانِها أوْ لا في الأصحِّ،
"خلاصة"(١). (وإيقافُ دَبَّةٍ هي راكبتُها لا يقطعُ) المجلسَ، ولو أقامَها أو جامَعَها
مُكرَهةً بطَلَ لتمكَّنِها من الاختيارِ.
(والفُلْكُ لها كالبيتٍ، وسَيْرُ دَّتِها كسَيْرِها) حتّى لا يتبدَّلُ المجلسُ بَجَرْي
الفُلْكِ، ويتبدَّلُ بِسَيْرِ الدَّابَّةِ لإضافِهِ إليها،.
والواوٍ كما في "المصباح"(٢).
[١٣٦٠٧] (قولُهُ: إذا لم يكن عندَها مَن يَدعُوهم) صادقٌ بما إذا لم يكن عندَها أحدٌ أصلاً،
أو عندَها ولا يَدعُوهم، فلو عندها مَن يَدْعُوهم فدَعَتْ بنفسِها بطَلَ، والظَّاهرُ أنَّ هذا الحكمَ
يَجرِي في دعاءِ الأبِ للمَشُورةِ، "ط"(٣).
[١٣٢٠٨) (قولُهُ: في الأصحِّ) وقيل: إنْ تَحَوَّلَتْ بِطَلَ بناءً على أنَّ المُعتبَرَ إِمَّا تبدُّلُ المجلسِ
أو الإعراضُ، والأصحُّ اعتبارُ(٤) الإعراضِ، أفادَهُ في "البحر "(٥).
[١٣٦٠٩] (قولُهُ: لَتَمَكَّنِها من الاختيارِ) أي: اختيارِها نفسَها، فعدمُ ذلك دليلُ الإعراضِ،
[٣/ق٢٧٤/ أ] "بحر"(٦).
[١٣٦١٠] (قولُهُ: والفُلْكُ) أي: السَّفينةُ.
[١٣٦١١) (قولُهُ: حَتَّى لا يَتَبدَّلُ إِلَخ) لأنَّ سَيْرَها غيرُ مضافٍ إلى راكبها، بل إلى غيرِهِ من
الرِّيحِ ودفعٍ الماء، فلا يَطُلُ الخِيَارُ بِسَيْرِها بل بتبدُّلِ المجلسِ، "فتح"(٧).
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطلاق - الفصل الخامس في المشيئة والخيار ق ١٠٦/ب بتصرف معزياً إلى "الأصل" من
نسخة الإمام خواهر زاده.
(٢) "المصباح المنير": مادة ((شور)).
(٣) "ط": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٤١/٢.
(٤) في "ب": ((عتبار)) بغير ألف.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الأمر باليد ٣٥٠/٣.
(٦) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الأمر باليد ٣٥٠/٣.
(٧) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الأمر باليد ٤٢٦/٣.
الجزء التاسع
٣٧٣
باب تفویض الطلاق
إلاَّ أنْ تُجِيبَ مع سكوتِهِ، أو يكونا في مَحمَلٍ يقودُهما الجَمَّالُ فإنّه كالسَّفينةِ.
(وفي: اختاري نفسَكِ لا تصحُّ نيَّةُ الثّلاثِ).
[١٣٦١٢) (قولُهُ: إلاَّ أنْ تُجِيبَ مع سُكُوتِهِ) لأَنَّها لا يُمكِنُها الجوابُ بأسرعَ من ذلك،
فلا يَتَبَدَّلُ حكماً؛ لأنَّ اتّحادَ المجلسِ إِنَّما يُعتبرُ ليصيرَ الجوابُ متّصلاً بالخطاب، وقد وُجدَ إذا كان
بلا فصلٍ، كذا في "الفتح"(١). وفسَّرَ الإسراعَ في "الخلاصة"(٢): ((بأنْ يَسبِقَ جوابُها خطوتَها))،
"نهر "(٢). وظاهرُ قولِ "الفتح": ((فلا يَتَبدَّلُ حكماً)) أنّه لا يُشترَطُ هذا السَّبْقُ؛ لأَنَّه لا يَحصُلُ به
التّدُّكُ لا حقيقةً ولا حكماً.
[١٣٦١٣) (قولُهُ: فإنَّه كالسَّفينةِ) يعني: يجامعِ أنَّ السَّيرَ في كلِّ منهما غيرُ مضافٍ إلى راكبٍ،
وقياسُ هذا أَنَّها لو كانَتْ على دَّةٍ وَثَمَّةً مَن يَقُودُها أنْ لا يَبطُلَ بِسَيْرِها، "نهر "(٤)، وأقرَّهُ "الرَّملِيُّ".
قلت: قد يقال: إنَّه قياسٌ مع الفارقِ، فإنّهما لو كانا في محملٍ يَقُودُهما آخرُ يُنسَبُ السَّيْرُ
إلى القائدِ؛ لعدم تمكَّنِ راكبِ المحمل من تسييرِ الدََّةِ بخلافٍ راكبِ الدََّبَّة، فإنّه يُمكِنُهُ التَّسبيُ،
فُيُنْسَبُ إليه وإِنْ قَادَهُ غيرُهُ، تأمَّل.
قال "الرَّحمنُّ": ((وينبغي أنَّ الدََّبَّةَ لو جَمَحَتْ وعجَزَتْ عن رَدِّها أنْ تكونَ كالسَّفينةِ؛ لأنَّ
/٤٧٧ فعلَها حينئذٍ لا يُنسَبُ إلى الرَّاكبِ، كما يأتي في الجنايات)).
لا يَبطُلُ خِيارُها فيما لو نامَتْ قاعدةً، أو كانَتْ تُصلّي المكتوبةَ أو الوترَ فَأَتَّمَّنْها، أو السُّنَّةَ
المؤكَّدَةَ في الأصحِّ، أو ضَمَّتْ إلى النَّافلةِ ركعةً أخرى، أو لَبِسَتْ من غيرِ قيامٍ، أو أَكَلَتْ قليلاً،
(تتمَّةٌ)
(١) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الأمر باليد ٤٢٦/٣.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطلاق - الفصل الرابع في الأمر باليد - الجنس الخامس في بطلان الأمر ق ١٠٦/أ، معزياً
إلى "المحيط".
(٣) "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض - فصل في الأمر باليد ق٢١٩/أ.
(٤) "النھر": کتاب الطلاق - باب التفويض - فصل في الأمر باليد ق٢١٩/أ.
قسم الأحوال الشخصية
٣٧٤
حاشية ابن عابدين
لعدمِ تنوُّعِ الاختيار، بخلاف: أنتِ بائنٌ أو أمرُكِ بيدِكِ (بل تَبْيْنُ) بواحدةٍ (إِنْ قالت:
اخترتُ) نفسي (أو) أنا (أختارُ نفسي) استحساناً، بخلافِ قولِهِ: طلّقي نفسَكِ».
أو شَرِبَتْ، أو قَرَّأَتْ قليلاً، أو سَبَّحَتْ، أو قالت: لِمَ لا تُطلّقُني بلسانِكَ؟ قال في "الفتح"(١): ((لأنَّ
المُبدِّلَ للمجلسِ ما يكونُ قَطْعاً للكلامِ الأوَّلِ وإفاضةً في غيره، وليس هذا كذلك، بل الكلُّ يَتَعَلَّقُ
بمعنّى واحدٍ وهو الطَّلاقُ))، وتمامُهُ فِي "النّهر"(٢).
[١٣٦١٤) (قولُهُ: لعدمٍ تَنُوُّعِ الاختيارِ) لأنَّ اختيارَها إَّما يُعيدُ الخُلُوصَ والصَّفا، والبينونةُ تَتْبُتُ
به مُقْتضىٌ ولا عمومَ له، "نهر"(٣)، أي: معنى اخترتُ نفسي: اصطَفَيْتُها من مِلكِ أحدٍ لها، وذلك
بالبينونةِ، فصارت البينونةُ مُقْتضِّى، وهو ما يُقدَّرُ ضرورةَ تصحيحِ الكلام، فإنَّ اصطفاءَها نفسَها
مع مِلكِ الزَّوجِ لا يُمكِنُ، فَيُقدَّرُ: لأَنّي أَبَنْتُ نفسي، والُقْتَضَى لا عمومَ له؛ لأَنَّه ضروريٌّ، فَيُقدَّرُ
بِقَدْرِ الضَّرورةِ وهو البيئونةُ الصُّغْرى؛ إذ بها تَستَخِصُ نفسَها وتَصطَفِيها من مِلكِ الزَّوَجِ،
فلا تصحُّ نيَّةُ الكبرى لعدم احتمالِ اللَّفظِ لها، "رحمتيّ".
[١٣٦١٥] (قولُهُ: بخلافٍ: أنتِ بائنٌ) لأَنَّه ملفوظٌ به لا مانعَ من عمومِهِ، فإذا أُطلِقَ انصرَفَ
إلى الأدنى وهو البينونةُ الصُّغْرى، ولو نَوَى [٣/ق٢٤٧/ب] الكبرى صَحَّ؛ لأَنَّه نَوَى مُحتمَلَ لفظِهِ،
وكذا قولُهُ: أمُرُكِ بيدِكٍ، ولا يصحُّ إيقاعُ الرَّجعيِّ به؛ لأنّه تفويضٌ بلفظِ الكناية، والواقعُ بها البائنُ،
وهو يَحتمِلُ البينونتين فَيَنصرِفُ إلى الصُّغْرى، وإِنْ نَوَى الكبرى فأَوقَعَتْها بلفظِها أو بنَّتِها صحَّ لِما
قلنا، أفادَهُ "الرَّحميُّ".
[١٣٦١٦) (قولُهُ: استحساناً) راجعٌ إلى قولِهِ: ((أو أنا أختارُ نفسي))، أي: لو ذَكَرَتْ بلفظِ
(قولُ "الشَّارِحِ": بخِلافٍ: أنتِ بائنٌ إلخ) ذكَرَ في "الفَتْحِ" وجْهَ عدمٍ صِحَّةٍ نَيَّةِ الثَّلاثِ في : أنتِ
طالقٌ، ووجْهَ صحَّتِها في : أنتِ بائنٌ ونحوِهِ منْ ألفاظِ الكناياتِ أوَّلَ الطَّلاقِ، فَانْظُرْهُ.
(١) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الأمر باليد ٤٢٦/٣.
(٢) انظر "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض - فصل في الأمر باليد ق٢١٨/ب ٢١٩/أ.
(٣) "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض ق٢١٦/ب.
الجزء التاسع
٣٧٥
باب تفويض الطلاق
المضارع سواءٌ ذَكَرَتْ: أنا أو لا ففي القياسِ لا يقعُ؛ لأنّه وعدٌ، ووجهُ الاستحسان قولُ "عائشةً"
رضي الله عنها لَمَّا خَّرَهَا النَّبِيُّ ◌َ﴿: «بل أختارُ اللَّهَ ورسولَهُ(١))، واعتبَرَهُ،فَتَّ جواباً، ولأنَّ
المضارعَ حقيقةٌ في الحالِ مجازٌ في الاستقبالِ كما هو أحدُ المذاهب، وقيل بالقلب، وقيل: مُشترَكٌ
بينهما، وعلى الاشتراكِ يُرجَّحُ هنا إرادةُ الحال بقرينةٍ كونِهِ إخباراً عن أمرٍ قائمٍ في الحالِ، وذلك
ممكنّ في الاختيارِ؛ لأنَّ محلّهُ القلبُ، فَيَصِحُّ الإخبارُ باللّسانِ عمَّا هو قائمٌ بمحلٌ آخرَ حالَ الإخبار
كما في الشَّهادة، بخلاف قولِها: أُطلّقُ نفسي، لا يُمكِنُ حَعْلُهُ إخباراً عن طلاقٍ قائمٍ؛ لأَنَّه إنَّما
يقومُ باللّسانِ، فلو جازَ لقامَ به الأمران في زمنٍ واحدٍ وهو مُحالٌ، وهذا بناءً على أنَّ الإيقاعَ
لا يكونُ بنفسِ: أُطلّقُ لعدم التّعَارُفِ، وقدَّمنا أنّه لو تُعُورِفَ جاز، ومقتضاه أنْ يقعَ به هنا إنْ
تُعُورِفى (٢)؛ لأَنَّه إنشاءٌ لا إخبارٌ، كذا في "الفتح"(٢) ملخّصاً.
(قولُهُ: ولأنَّ المضارِعَ حقيقةٌ في الحالِ مجازٌ في الاستِقِبالِ إلخ) الأوضحُ في الاستِدلالِ ما ذكرَهُ "الزَّيلِعِيُّ"؛
حيث قالَ: ((ولأنَّ هذهِ الصِّغةَ غلبَ استعمالُها في الحالِ، كما في كلمةِ الشَّهادةِ وأداءِ الشَّاهدِ الشَّهادةَ، يُقالُ:
فلانٌ يختارُ كذا يُريدونَ تحقيقَهُ، فيكونُ كنايةً عن تحقيقِها في القَلْبِ، بخلافٍ قولها: أنا أُطلَّقُ نفسي؛ لأَنَّه لا يُمكِنُ
أنْ يُحِعَلَ حكايةً عن تطليقِها في تلك الحالةِ؛ لعدمٍ تصوُّرِهِ ولأنَّ الطَّاقَ فعلُ اللّسانِ، فلا يُمكِنُها أنْ تَنطِقَ به مع
نُطْقِها بهذا الخبرِ، بخلافِ الاختيارِ؛ لأَنَّه فعلُ القَلْبِ، فلا يستحيلُ اجتماعُهُما، كما في كلمةِ الشَّهادةِ لَمَّا
كانَت حكايةً عن التّصديقِ بالقلْبِ لم يستحِلْ اجتماعُهُما، فحُعِلَتْ إخباراً عمَّا في ضميرٍ)) اهـ.
(١) أخرجه أحمد ١٨٥/٦، والبخاري (٢٤٦٨) كتاب المظالم - باب إماطة الأذى - في حديث طويل - ومسلم (١٤٧٩)
كتاب الطلاق - باب في الإيلاء، واعتزال النساء وتخييرهن، والنسائي ١٦٠/٦ كتاب الطلاق - باب التوقيت بالخيار،
و"الكبرى" (٩٢٠٨) كتاب عشرة النساء، باب إذا لم يجد الرجل ما ينفق على امرأته هل يُخَيِّرُ امرأته، وابن ماجه
(٢٠٥٣) كتاب الطلاق - باب الرجل يخير امرأته، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣٧/٧ كتاب النكاح - باب ما
وجب عليه من تخيير النساء. وفي الباب عن جابر وعمر رضي الله عنهما.
(٢) ((إن تعورف)) ساقط من "م".
(٣) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الاختيار ٤١٥/٣ - ٤١٦.
قسم الأحوال الشخصية
٣٧٦
حاشية ابن عابدين
فقالت: أنا طالقٌ أو أنا أُطلِّقُ نفسي لم يقع؛ لأنَّه وعدٌ، "جوهرة"، ما لم يُتعارَفْ
أو تَنْوِ الإنشاءَ، "فتح".
قال في "النّهر"(١): ((وقَّدَ المسألةَ في "المعراج" بما إذا لم يَنْوِ إنشاءَ الطَّلاقِ، فإنْ نَوَاهُ
وقَعَ)) اهـ. والمناسبُ التَّعبيرُ بضميرِ المؤنَّث؛ لأنَّ المسألةَ هي قولُ المرأةِ: أُطَلْقُ نفسي، تأمَّل.
[١٣٦١٧] (قولُهُ: أنا طالقٌ) ليس هذا في "الجوهرةِ" ولا في "البحرِ" و"النّهرِ" و"المنحِ" و"الفتحِ"،
بل صرَّحَ في "البحر"(٢) في الفصل الآتي نقلاً عن "الاختيار"(٣) وغيرِهِ - وسيَذكرُّهُ(٤) "الشَّارُ" أيضاً
هناك -: ((أَنَّه يقعُ بقولها: أنا طالقٌ؛ لأنَّ المرأةَ تُوصَفُ بالطّلاقِ دُونَ الرَّجُل)) اهـ.
وعبارةُ "الجوهرة"(٥): ((وإِنْ قال: طَلِّقي نفسَكِ، فقالت: أنا أُطلِّقُ لم يقع قياساً
واستحساناً)) اهـ.
نعم ذكَرَ في "البحر"(٦) في فصل المشيئة عن "الخانَّةُ"(٧): ((قال لامرأتِهِ: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إِنْ
شئتٍ، فقالت: أنا طالقٌ لا يقعُ شيءٌ)) اهـ.
لكنَّ عدمَ الوقوع لأَنَّه علَّقَ الَّلاثَ على مشيئِها الثَّلاثَ، ولا يمكنُ إيقاعُ الثَّلاثِ بلفظٍ:
طالقٌ، فلا يقعُ شيءٌ؛ لأَنَّه لم يُوجَد المُعلَّقُ عليه، ولذا قال في "الذَّخيرة": ((لا يقعُ إلاَّ أن تقول: أنا
طالقٌ ثلاثاً))، وبه عُلِمَ أنَّ لفظَ: أنا طالقٌ يَصُلُحُ جواباً، وإنَّما لم يقع هنا لِما قلنا، فتدبَّر. [٣/ ق٢٤٨/أ]
[١٣٦١٨] (قولُهُ: أو تَنْوِ) مضارعٌ مبنيٌّ للمعلوم، فاعلُهُ ضميرُ المرأة، مجزومٌ بحذفِ الياء عطفاً
(١) "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض ق٢١٧/أ.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الأمر باليد ٣٤٣/٣.
(٣) "الاختيار": كتاب الطلاق - فصل كنايات الطلاق ١٣٧/٣.
(٤) صـ ٣٩٦ - "در".
(٥) "الجوهرة النيرة": كتاب الطلاق ١١٩/٢.
(٦) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٣٥٦/٣.
(٧) "الخانية": كتاب الطلاق - باب التعليق ٥٠٥/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
الجزء التاسع
٣٧٧
باب تفويض الطلاق
(وذِكْرُ النَّفسِ أو الاختيارةِ في أحدِ كلاميهما شرطٌ) صحَّةِ الوقوعِ بالإجماع
(ويُشتَرَطُ ذكرُها مَتَّصلاً، فإنْ كان منفصلاً فإنْ في المجلسِ صَحَّ) لأنَّها تَملِكُ فيه
الإنشاءَ (وإلاّ لا).
على (يُتْعارَفْ)) المبنِّ للمجهول، "ح"(١). ثمَّ هذا ليس من عبارةِ "الفتح"، بل من زيادةِ "الشَّارح"
أخذاً ما نقلناه(٢) آنفاً عن "النَّهر" عن "المعراج".
[١٣٦١٩] (قولُهُ: أو الاختيارةِ) مصدرُ: اختارِي. وأفادَ أنَّ ذِكْرَ النَّفْسِ ليس شرطاً بخصوصِهِ،
بل هي أو ما يَقُومُ مَقَامَها فَما يأتي(٣).
[١٣٦٢٠] (قولُهُ: في أحدٍ كلاميهما) وإذا كانت النّفْسُ في كلاميهما فبالأَولى، وإذا خَلَتْ
عن كلاميهما لم يقع، "بحر "(٤).
[١٣٦٢١] (قولُهُ: بالإجماعِ) لأنَّ وقوعَ الطَّلاقِ بلفظِ الاختيار عُرِفَ بإجماعِ الصَّحابةِ،
وإجماعُهم في اللَّفظةِ المُفسَّرةِ من أحدِ الجانبين، "ط("(٥) عن "إيضاح الإصلاح".
[١٣٦٢٢] (قولُهُ: لِأَنَّها تَملِكُ فيه الإنشاءَ) أي: فَتَملِكُ تفسيرَهُ أيضاً، "ط)"(٦). قال في
"البحر"(٧) عن "المحيط" و"الخانيّة "(٨): ((لو قالت في المجلسِ: عَنَيْتُ نفسي يقعُ؛ لأنَّها ما دامَتْ فيه
تَملِكُ الإِنشاءَ)).
(١) "ح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ق١٨٥ /ب.
(٢) المقولة [١٣٦١٦] قوله: ((استحساناً)).
(٣) صـ ٣٧٨- وما بعدها "در".
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٣٣٨/٣، معزياً إلى "الفتح".
(٥) "ط": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٤٢/٢.
(٦) "ط": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٤٢/٢.
(٧) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٣٣٨/٣.
(٨) "الخانية": كتاب الطلاق - فصل في الطلاق الذي يكون من الوكيل أو من المرأة ٥٢٠/١ بتصرف (هامش
"الفتاوى الهندية").
قسم الأحوال الشخصية
حاشية ابن عابدين
-
٣٧٨
إلاَّ أنْ يتصادقًا على اختيارِ النّفسِ فيصحُّ وإنْ خلا كلامُهما عن ذكرِ النّفس، "درر"(١)
و"التّاجيّة"، وأقرَّهُ "البَهْنَسيُّ" و"الباقائيُّ"، لكنْ رَدَّهُ "الكمالُ"، ونقلَهُ "الأكملُ"
بـ ((قيل))، فالحقُّ(٢) ضعفُهُ، "نهر "(٣). (فلو قال: اختاري اختيارةً أو طَلْقةٌ) أو أُمَّكِ
(وقَعَ لو قالت: اختَرْتُ) فإنَّ ذكرَ الاختيارةِ كذكرِ النِّس؛ إذ الّاءُ فيه للوَحْدة، ......
(١٣٦٢٣] (قولُهُ: إلاّ أنْ يَتَصادَقا) ظاهرَهُ: ولو بعدَ المجلسِ، "بحر)(٤).
[١٣٦٢٤] (قولُهُ: و"النَّاحِيَّة") نسبةٌ إلى "تاج الشَّريعة".
[١٣٦٢٥] (قولُهُ: لكنْ رَدَّهُ "الكمالُ"(٥)) حيث قال: ((الإيقاعُ بالاختيارِ على خلافٍ
القياس، فيُقتصَرُ على مَورِدِ النَّصِّ فيه، ولولا هذا لأمكَنَ الاكتفاءُ بتفسيرِ القرينةِ الحاليّةِ دون المقالَّةِ
بعدَ أنْ نَوَى الَّوجُ وقوعَ الطَّلاق به وتَصَادَقا عليه، لكنَّ باطلٌ، وإلاّ لوقَعَ بمجرَّدِ النَّيّةِ مع لفظٍ
لا يصلُحُ له أصلاً كـ: اسقِي)) اهـ.
[١٣٦٢٦] (قولُهُ: ونقَلَهُ "الأكملُ") أي: في "العناية"(٦)، "ط "(٧).
[١٣٦٢٧] (قولُ: فلو قال إلخ) تفريعٌ على ما عُلِمَ من أنَّ الشَّرطَ ذِكْرُ النّفسِ أو ما يقومُ
مقامها في تفسیر الاختيار.
٤٧٨/٢
[١٣٦٢٨] (قولُهُ: إذ الّاءُ فيه للوَحْدةِ) أي: واختيارُها نفسَها هو الذي يَتَّحِدُ مرَّةُ -بأنْ قال لها:
اختاري، فقالت: اخترتُ نفسي تقعُ واحدةٌ - ويتعدَّدُ أخرى كـ: اختاري نفسَكِ بثلاثِ تطليقاتٍ،
فقالت: اخترتُ وَقَعْنَ، فلمَّا قَّدَ بالوَحْدَةِ ظهَرَ أَنَّه أرادَ تخييرَها في الطَّلاقِ، فكان مُفسَّرَاً، ولا يَرِدُ
(١) "الدرر": كتاب الطلاق - باب التفويض ٣٧٤/١.
(٢) في "ب" و"ط": ((والحق)).
(٣) "النهر": كتاب الطلاق - باب التفويض ق٢١٦/ب.
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ٣٣٨/٣.
(٥) "الفتح": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الاختيار ٣٣٨/٣.
(٦) "العناية": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق - فصل في الاختيار ٤١٣/٣ (هامش "فتح القدير").
(٧) "ط": كتاب الطلاق - باب تفويض الطلاق ١٤٢/٢.