Indexed OCR Text

Pages 81-100

الجزء التاسع
٧٩
باب الرضاع
ومُفادُهُ أَنَّها لو أقرَّتْ بالثَّلاثِ مِن رجلٍ حَلَّ لها تزوُّجُه.
((قَالَتْ لرجلٍ: إنَّهُ أَبِي رَضَاعاً، وأصرَّتْ عليهِ يجوزُ أنْ يتزوَّجَها إذا كان الزَّوجُ يُنْكِرُهُ، وكذا إذا
أقرَّ بِهِ ثُمَّ أَكْذَبَتْهُ فِيهِ لا يُصَدَّقُ على قولِهَا؛ لأنَّ الحرمةَ ليسَتْ إليها، حَتَّى لو أقرَّتْ بِهِ بعدَ النّكاحِ
لا يُلْتَفَتُ إليهِ، وهذا دليلٌ على أنَّ لها أنْ تُرَوِّجَ نفسَها منهُ في جميعِ الوُجُوهِ، وِبِهِ يُقْتَّى)) اهـ.
[١٢٨٨٢] (قولُهُ: ومُفَادُهُ إِلخ) هذا ذكرَهُ في "الخلاصة"(١) عن "الصُّغْرَى" لـ "الصَّدْرِ الشَّهِيدِ"
بلفظِ: ((وفيهِ دليلٌ على أنّها لو ادَّعَتِ الطَّلَقاتِ الثَّلاثَ، وأنكرَ الزَّجُ حَلَّ لها أنْ تُزَوِّجَ نفسَها
منه))، وذكرَهُ في "البزَّازيّة"(٢) آخرَ الطَّلاقِ بقولِهِ: ((قَالَتْ: طَلَّقَنِي ثلاثاً، ثمَّ أرادَتْ تزويجَ نفسِها
منه ليسَ لها ذلك، أصرَّتْ عليهِ، أو أَكْذَبَتْ نفسَها، ونَصَّ في الرَّضَاعِ على أنَّها إذا قالَتْ: هذا ابني
رَضَاعاً، وأصرَّتْ عليهِ جازَ لَهُ أنْ يتزوَّجَها؛ لأنَّ الحرمةَ ليسَتْ إليها، قالوا: وبِهِ يُفْتَّى في جميعٍ
الوُجُوهِ)) اهـ كلامُ البَّازِيَّةِ، فقولُهُ: ((ونَصَّ)) إِلخ يريدُ بِهِ الاستدلالَ على أنَّ لها التَّرَوُّجَ بِهِ في
مسألة الطَّلاقِ كما فَعَلَ في "الخلاصة"، ويِهَذَا يُعْلَمُ ما في كلام "الشَّارِحِ" قُبْلَ بابِ الإِيلاءِ؛ حيثُ
ذَكَرَ عبارةَ "البرَّازِيَّة" هذِهِ، وأسقَطَ قولَهُ: ((ونَصُّ فِي الرَّضَاعِ)) إلخ.
[١٢٨٨٣] (قولُهُ: حَلَّ لَهَا تَزَوَّجُهُ) لأنَّ الطَّلاقَ في حقِّها ◌َّا يَخْفَى؛ لاستقلالِ الرَّحلِ بِهِ،
فَصَحَّ رجوعُها، "نهر".(٢) أي: حَلَّ في الحكمٍ، أمَّا فيما بينها وبينَ اللهِ تعالى فلا إذا كانَتْ عالمةٌ
بالثَّلاثِ، "ح".(٤) [٣/ ق ١/١٧٦]
(قولُهُ: وكذا إذا أقرَّ به ثُمَّ أَكْذَبْتْهُ فيه إلخ) الَّذي رأيْتُهُ فِي نُسخةٍ من "البزَّازِيَّة": ((وكذا إذا أقرَّتْهُ
ثُمَّ أَكْذِبَتْه فيه، ولا يُصدَّقُ على قولِها إِلخ))، فلتُرَاجعْ نُسخةٌ أُخْرى، ثمَّ رأيتُ نُسخةً أُخْرى بلفْظِ:
((وكذا إذا أقرَّتْ ثُمَّ أَكْذَبَتْهُ فيه، ولا يُصدَّقُ إِلخ)) بدون ضميرٍ.
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب النكاح۔۔ الفصل الرابع في الرساع ق٧٦/ب.
(٢) "البزازية": كتاب الطلاق - الفصل الثامن في العدة ٢٦٤/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "النهر": كتاب الرضاع ق ٢٠٠٠/أ ..
(٤) "ح": كتاب الرضاع ق ١٧٥/أ.

قسم الأحوال الشخصية
٨٠
حاشية ابن عابدين
(أو أَقَرَّا بذلك جميعاً ثمَّ أكذَبَا أنفسَهما وقالا) جميعاً: (أخطأنا ثمَّ تزوَّجَها) جاز
(وكذا) الإقرارُ (في النِّسَبِ ليس يلزمُهُ إلاَّ ما ثبَتَ عليه، فلو قال: هذه أختي أو أمِّي،
وليس نَسَبُها معروفاً، ثمَّ قال: وَهَمْتُ صُدِّقَ، وإنْ ثبَتَ عليه فُرِّقَ بينهما)
[١٢٨٨٤] (قولُهُ: أو أقرَّا بِذَلِكَ) أي: بأُخُوَّةِ الرَّضَاعِ، أي: ولم يصرَّ الرَّجلُ على إقرارِهِ،
فإِنَّهُ إذا أصرَّ لا ينفعُهُ إكذابُ نفسِهِ بعدَهُ كما مرَّ(١).
[١٢٨٨٥] (قولُهُ: وإنْ ثَبَتَ عليهِ فُرِّقَ بينَهما) أي: إذا لم يكنْ لها نَسَبٌ معروفٌ، وكانَتْ
تَصْلُحُ أُمَّ لَهُ أو بِنْثَاً لَهُ، فَيُفَرَّقُ بينَهما لظُهُورِ السَّبَبِ بإقرارِهِ معَ إصرارِهِ، وإنْ كانَ لهَا نَسَبٌ
معروفٌ، أَوْ لا تَصْلُحُ أمَّاً له أو بنتاً لا يُفَرَّقُ بينَهما وإِنْ دَامَ على ذلك؛ لأَنَّهُ كاذبٌ في إقرارِهِ
بیقینٍ، "بدائع"(٢).
(قَوْلُ "الشَّارح": وكذا الإقرارُ فِي النَّسَبِ ليس يَلْزَمُهُ إِلَّ مَا ثَبَتَ عليه إلخ) قال في "الفتح" - عند قوْلِ
"الهداية" من كتاب العتق: ((ولو قال: هذا ابني، وثَّبَتَ على ذلك عَتَقَ اهـ)) نقلاً عن فخْرِ الإسلام -:
((الثّاتُ على ذلك شَرْطٌ لُبُوت النَّسَبِ لا العِثْقِ، ويُوافقُهُ ما في "المحيط" و"جامع شمس الأئمة" و"المجتبى"))،
هذا ليس بقيْدٍ حتّى لو قال بعد ذلك: وَهِمْتُ، أو أخطأْتُ يَعْتَقُ ولا يُصَدَّقُ، ولو قال لأجنبيَّةٍ يُولدُ مِثْلُها
لِمِثْلِهِ: هذه بِنْتِي ثُمَّ تزوَّجها بعد ذلك جاز، أصرَّ على ذلك أَمْ لا، قالوا: هذا في مَعْروفَةِ النَّسَبِ، أمَّا مَجهُولةُ
النَّسَبِ إنْ دامَ على ذلك ثمَّ تزوَّجها لَم يَجُزْ وإلاَّ جاز، وإنّما شُرِطَ الثَّباتُ لُبُوتِ النَّسَبِ دون العِثْقِ
لأنَّ تُبُوتَ النَّسَبِ يَصِحُّ الرُّجُوعُ عن الإقرارِ به دون العِثِْ، وفي "مُخْصَرِ الكَرْخِيِّ": ((إذا أقرَّ فِي مَرَضِه بأخٍ
من أبيه وأُمِّهِ، أو بابنِ ابنٍ، أو بعَمِّ وصدَّقَهُ المُقَرُّلَهُ، ثمَّ أنكَرَهُ المريضُ وقال: ليس بيني وبينَهُ قرابةٌ، ثُمَّ أَوْضَى
بمالِهِ لرحُلٍ ولا وَارِثَ له فإنَّالمالَ للمُوْصَى له؛ لأنَّالمريضَ جحَدَ ما أقرَّ به من ذلك، ولم يكُنْ إقرارُهُ لازماً))
اهـ. لكِنْ يُخالِفُ هذا ما يأتي في الاستحقاقِ.
(١) المقولة [١٢٨٧٦] قوله: ((هكذا فسَّر الثّبات في "الهداية" وغيرها)).
(٢) "البدائع": كتاب الرضاع - فصل: وأما بيان ما يثبت به الرضاع ١٤/٤.

الجزء التاسع
٨١
باب الرضاع
(و) الرَّضاعُ (حُجَّتُهُ حُجَّةُ المال(١)) وهي شهادةُ عَدْلين أو عدلِ
ء
[١٢٨٨٦) (قولُهُ: حُجَُّهُ إلخ) أي: دليلُ إثباتِهِ، وهذا عندَ الإنكارِ؛ لأَنَّه يَتْبُتُ بالإقرارِ معَ
الإصرارِ كما مرَّ(٢).
[١٢٨٨٧] (قولُهُ: وهيَ شهادةُ عَدْلَيْنِ إلخ) أي: من الرِّجَال، وأفادَ أَنْهُ لا يُثُبُتُ بخبرِ الواحدِ،
امرأةً كان أو رجلاً، قبلَ العَقْدِ أو بعدَهُ، وبِهِ صَرَّحَ في "الكافي"(٣) و"النّهايةِ" تَبَعَاً لِمَا فِي رَضَاعِ
"الخانَّةِ"(٤): ((لو شَهِدَتْ بِهِ امرأةٌ قبلَ النّكَاحِ فهو في سَعَةٍ مِنْ تكذّبِها))، لكنْ في محرَّمَاتٍ
"الخانَّةُ"(٥): ((إنْ كانَ قبلَهُ والْمُخْبِرُ عدلٌ ثقةٌ لا يجوزُ النِّكَاحُ، وإِنْ بعدَهُ وهما كبيرانِ فالأحوطُ
الّهُ))، وِهِ جَزَمَ "البَّازِيُّ"(٦) معلّلاً بأنَّ الشَّكَّ في الأوَّلِ وَقَعَ في الجواز، وفي الَّانِي فِي الْبُطْلانِ،
والتَّفْعُ أسهلُ من الرَّفْعِ، ويُوَقَّقُ بحملِ الأوَّلِ على ما إذا لم تُعْلَمْ عدالةُ الْمُخْرِ، أو عَلَى ما في "المحيط "
مِنْ أَنَّ فيهِ روايتينِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ بعدَ العَقْدِ لا يُعْتَبَرُ اتفاقاً، لكنْ نَقَلَ "الزَّلعيُّ)(٧) عن "المغني"
وكراهية "الهداية (٨) أنَّ خبرَ الواحدِ مقبولٌ فِي الرَّضَاعِ الطارئِ بأنْ كانَ تحتَهُ صغيرةٌ، فَشَهِدَتْ
واحدةٌ بأنَّ أمَّهُ أو أختَهُ أرضعَتْها بعدَ العَقْدِ.
قلت: ويشيرُ إليهِ ما مرَّ(٩) من قولِ "الخانيّة": ((وهما كبيرانٍ))، لكنْ قالَ في "البحر"(١٠)
بعدَ ذلك إنَّ ظاهرَ المتونِ أَنَّهُ لا يُعْمَلُ بِهِ مطلقاً، فَلْيَكُنْ هو المعتمدَ في المذهبِ.
(١) عبارة "التنوير" في "ط": ((وكذا النّسب وحجتُه حجّة المال))، وما تبقى من كلام "الدر"، وهو مخالف لباقي النسخ، وما
أثبتناه هو الموافق لما في "المنح".
(٢) المقولة [١٢٨٧٦] قوله: ((هكذا فسر الثبات في "الهداية" وغيرها)).
(٣) "کافي النسفي": كتاب النكاح ق١٢٦/ب بتصرّف.
(٤) "الخانية": كتاب النكاح ٤٢١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الخانية": كتاب النكاح - فصل في إقرار أحد الزوجين بالحرمة وفساد النكاح إلخ ٣٧٠/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "البزازية": كتاب النكاح - الفصل الرابع في الرضاع ١١٥/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الرضاع ١٨٧/٢.
(٨) "الهداية": كتاب الرضاع ٢٢٦/١.
(٩) في المقولة نفسها.
(١٠) "البحر": كتاب الرضاع ٢٥٠/٣ بتصرف.

قسم الأحوال الشخصية
٨٢
حاشية ابن عابدين
وعَدْلتين، لكنْ لا تقعُ الفُرقةُ إلَّ بتفريقِ القاضي.
قلت: وهو أيضاً ظاهرُ كلامٍ "كافي الحاكم" الذي هو جَمْعُ كتبِ ظاهرِ الرِّوَايَةِ، وفرَّقَ بينَه
وبينَ قبولِ خبرِ الواحدِ بنجاسةِ الماءِ أو اللَّحْمِ، فراجِعْهُ من كتاب الاستحسان.
(تنبيه)
في "الهنديَّة"(١): ((تزوَّجَ امرأةً فقالَتْ امرأةٌ: أرضعْتُكُمَا، فهو على أربعةٍ أوجهٍ: إِنْ صَدَّقَاهَا
فَسَدَ النّكاحُ ولا مهرَ إنْ لم يدخُلْ، وإِنْ كَذِّبَاهَا وهي عَدْلَةٌ فالتَّرُّهُ المفارقةُ، والأفضلُ لَهُ إِعطاءُ
نصفِ المهرِ لو لم يدخُلْ، والأفضلُ لَهَا أنْ لا تأخذَ شيئاً، ولو دَخَلَ [٣/ق١٧٦ /ب] فالأفضلُ دَفْعُ
كمالِهِ والنّفقةِ والسُّكْنَى، والأفضلُ لَهَا أخذُ الأقلِّ من مهرِ المثلِ والمسمَّى، لا النّفْقةِ والسُّكْنَى،
ويَسَعُهُ الْمُقَامُ معها، وكَذَا لو شهدَ غيرُ عدولٍ أو امرأتانٍ أو رجلٌ وامرأةٌ، وَإِنْ صَلَّقَها الرَّجُلُ
وكذَّبَتْها فَسَدَ النّكاحُ والمهرُ بحالِهِ، وإِنْ بالعكسِ لا يَفْسُدُ، وَلَهَا أنْ تحلّفَهُ ويُفَرَّقُ إذا نَكَلَ)) اهـ
[١٢٨٨٨) (قولُهُ: وعَدْلَيْنِ) أي: ولو إِحدَاهُمَا الْمُرْضِعَةَ، ولا يَضُرُّ كونُ شهادتِها على فِعْلِ
نفسِها؛ لأَنَّهُ لا تُهَمَةَ في ذلك، كشهادةِ القَاسِمِ والوَزَّنِ والكَّالِ على ربِّ الدَّيْنِ حيثُ كانَ
حاضراً، "بحر "(٢).
قلت: وما في "شرح الوهبانيَّةُ"(٣) عن "النَّفِ"(٤) - مِنْ أَنَّهُ لا تُقْبَلُ شهادةُ الْمُرْضِعَةِ عندَ "أبي
حنيفة" وأصحابِهِ - فالظَّاهرُ: أنَّ المرادَ إذا كانَتْ وحدَهَا؛ احترازاً عن قولِ "مالكٍ"، وإِنْ أوهَمَ
(قولُهُ: ولا يَضُرُّ كونُ شهادَتِها على فعْلِ نَفْسِها؛ لأنّه لا تُهَمَةَ إِلخ) مَحلُّ القَبُولِ: إذا شَهِدَتْ أَنَّها
رضيعَتُهُ فقط بدون أنْ تذكُرَ أَنَّها فعَلَتْ كما في "لَقْدِسيّ"، فلعلَّ مَا فِي "النَّفِ" مَحمُولٌ على ما إذا ذكَرَتْ
أَنَّها فعَلَتْ، ويدُلُّ على ذلك تعليلُ شارحِ "الوَهْبَانَّةِ": ((لعدَمِ القَبُولِ بأنَّهَا شَهِدَتْ على فعلٍ نَفْسِها))، وقد
عَزَا في "شرح الوهبانَّة" القَبُولَ للشَّافِعِيِّ.
(١) "الفتاوى الهندية": كتاب الرضاع ٣٤٧/١ بتصرف، نقلاً عن "التهذيب" و"السراج الوهاج"، و"البدائع".
(٢) "البحر": كتاب الرضاع ٢٥١/٣.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الشهادات ق٢٣٣/ب.
(٤) "النتف" للسغدي: كتاب الشهادات - باب شهد على فعل نفسه ٨٠١/٢ وعبارته: ((قول أبي حنيفة وصاحبيه)).

٨٣
باب الرضاع
الجزء التاسع
لتضمُّنِها حقَّ العبدِ (وهل يتوقّفُ ثبوتُهُ على دعوى المرأة؟ الظَّاهرُ لا) لتضمُِّها
حرمةَ الفرجِ، وهي (١) من حقوقِهِ تعالى (كما في الشَّهادةِ بطلاقِها) ولو شَهِدَ عندها
عَدْلان على الرَّضاعِ بينهما أو طلاقِها ثلاثاً وهو يَجحَدُ، ثمَّ ماتا أو غابا قبل
الشَّهادةِ عند القاضي لا يَسَعُها المُقَامُ معه ولا قتلُهُ، به يُفتَى، ولا التّوُّجُ بآخرَ، ....
"نظمُ الوهبانَّةِ" خلافَ ذلك، فتأمَّلْ.
[١٢٨٨٩] (قولُهُ: لتضمُّنْهَا) أي: الشهادةِ ((حقَّ العبدِ))، أي: إبطالَ حقّهِ، وهو حِلُّ التّمَتُّعِ،
فلا بُدَّ مِنَ القَضَاءِ، أي: إنْ لم تُوْحَدِ الْمُتَارَكَةُ؛ لِمَا في "النّهر"(٢): ((الحاصلُ أنَّ المذهبَ عندَنا -
كَمَا قال "الزَّيلِعِيُّ)(٣) في اللّعَانِ - أنَّ النّكاحَ لا يرتفعُ بحرمةِ الرَّضَاعِ والمصاهَرَةِ، بل يَفْسُدُ، حتّى
لو وَطِها قبلَ التَّفريقِ لا يجبُ عليهِ الحَدُّ، اشْتَبَهَ الأمرُ (٤) أَوْ لم يشتِهِ، نَصَّ عليهِ في "الأصلِّ"، وفي
الفاسِدِ لا بُدَّ مِنْ تفريقِ القاضي أو المتَارَكَةِ بالقولِ في المدخولِ بِهَا، وفي غيرِها يُكْتَفَى بِالْمُفَارَقَةِ
بالأبدانِ كَمَا مِرَّ)) اهـ.
٤١٣/٢
[١٢٨٩٠] (قولُهُ: الظَّاهِرُ لا) كذا استظهرَهُ في "البحر"(٥) مُسْتِداً لمسألةِ الطَّلاقِ المذكورةِ،
ومثلُها الشَّهَادَةُ بِعِثْقِ الأَمَةِ ونحوُها من المسائلِ الأربعةَ عشرةَ أَّتي تُقُبُلُ الشَّهَادةُ فيها حِسْبَةً
بلا دعوى، وهي مذكورةٌ في قضاءِ "الأشباه"(٦) فُتُزَادُ هذِهِ عليها.
[١٢٨٩١) (قولُهُ: ثُمَّ مَاتَا) أي: الشَّاهِدَانِ.
[١٢٨٩٢] (قولُ: لا يَسَعُها المُقَامُ مَعَهُ) لأنَّ هذهِ شهادةٌ لو قامَتْ عندَ القاضي يثُبُتُ الرَّضَاعُ،
فَكَذَا إذا قامَتْ عندَها، "خانّة"(٧).
(١) في "د": ((وهو)).
(٢) "النهر": كتاب الرضاع ق١٩٩/ب.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الطلاق ١٨/٣.
(٤) عبارة "النهر": ((الأثر)) بدل ((الأمر)).
(٥) "البحر": كتاب النكاح - باب الرضاع ٢٥١/٣.
(٦) "الأشباه والنظائر": كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٨٥-٢٨٦ -.
(٧) "الخانية": كتاب النكاح - باب الرضاع ٤٢١/١، (هامش "الفتاوى الهندية").

قسم الأحوال الشخصية
٨٤
حاشية ابن عابدين
وقيل: لها التّزوُّجُ ديانةً، "شرح وهبانيَّةً".
(فروعٌ) قَضَى القاضي بالتَّفريقِ برضاعٍ بشهادةِ امرأتين(١) لم يَنفُذْ. مَصَّ رجلٌ
تديَ زوجتِهِ لم تَحرُمْ. تزوَّجَ صغيرتين، فأرضَعَتْ كلَّ امرأةٌ ولبُهما من رَجُلٍ .....
[١٢٨٩٣) (قولُهُ: وقيلَ: لَهَا التَّزَوُّجُ دِيَانَةٌ) أشارَ إلى ضَعْفِهِ لِمَا في "شرح الوهبانَّةَ"(٢) عن
"القنية"(٣) عن "العلاء التّرْجِمانيِ)(٤): (( أَنَّهُ لا يجوزُ في المذهبِ الصَّحِيحِ)) اهـ. وجَزَمَ بِهِ "الشَّارِح"
في آخرِ بابِ الرَّجْعَةِ(٥)، فانْهَمْ.
[١٢٨٩٤] (قولُهُ: قَضَى القَاضِي) أي: المجتهِدُ أو المُقُلِّدُ كمالكيِّ.
[١٢٨٩٥] (قولُهُ: لم يَنْفُذْ) لأَنّهُ مِنَ المسائلِ الَّتي لا يَسُوْغُ فيها الاجتهادُ، وهيَ نِيِّفٌ وثلاثونَ،
مذكورةٌ [٣/ق١/١٧٧] في قضاءِ "الأشباِ"(٦).
[١٢٨٩٦] (قولُهُ: مَصَّ رَجُلٌ) قَّدَ بِهِ احترازاً عَمَّا إذا كانَ الزَّوْجُ صغيراً في مدَّةِ الرَّضَاعِ، فَإِنَّهَا
تحرُمُ علیهِ.
[١٢٨٩٧) (قولُهُ: ولبُهُمَا مِنْ رَجُلٍ) أي: واحدٍ، وفَّدَ بِهِ لِيَتَصَوَّرَ التَّحْرِيمُ بينَ الصَّغيرتِينِ؛
لأَنْهُمَا صارَتًا أختينِ لأَبٍ رَضَاعًاً، أمَّا لو كان لبنُ كلِّ واحدٍ مِنْ رجلٍ لم تحرُمِ الصَّغِيرتانِ، والمرادُ
بالرَّجُلٍ غِيرُ الزَّوْجِ؛ إذْ لو كانَ لِبُهُمَا من الزَّوْجِ ففي "الفتح"(٧): ((أَنَّ الصَّوَابَ وجوبُ الضَّمَانِ
على كلٍّ منهما؛ لأنَّ كُلاَّ أَفْسَدَتْ لصيرورةِ كلِّ صغيرةٍ بنتاً لَهُ، خلافاً لِمَنْ حَرَّفَ المسألةَ وقالَ:
ولِبُهُمَا مِنْهُ، بدلَ قولِهِ: مِنْ رجلٍ)) اهـ.
(١) في "د": ((امرأة)).
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الرضاع ق٩٣/أ.
(٣) "القنية": كتاب النكاح - باب فيما يتعلق بالتحليل في نكاح المتعة ق٣٧/أ-ب.
(٤) محمد بن محمود بن محمد، علاء الدين المكيّ الخوارزميّ الشهير بالترجماني (ت٦٤٥هـ). ( "الجواهر المضية" ١٦٣/٤
و٤١٧، "الفوائد البهية" صـ ٢٠١-، صـ ٢٣٨ -، و"هدَّية العارفين" ١٢٥/٢ ووفاته فيها: (٦٥٥هـ)).
(٥) صـ ٦٨٢ - "در".
(٦) "الأشباه والنظائر": كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٧٤ -٢٧٥ -.
(٧) "الفتح": كتاب النكاح - باب الرضاع ٣٢٢/٣ بتصرف.

الجزء التاسع
٨٥
باب الرضاع
لم يَضمنا وإِنْ تعمَّدَتا الفسادَ؛ لعُرُوضِهِ بالأختيَّةِ. قَبَّلَ الابنُ زوجةً أبيه وقال:
تعمَّدتُ الفسادَ غَرِمَ المهرَ، ولو وَطِئَها وقال ذلك لا؛ لِلُزُومِ الحدِّ، فلم يَلْزَم المهرُ ...
[١٢٨٩٨] (قولُهُ: لم يَضْمَنَا إلخ) بخلافِ ما مرَّ(١) فيما لو أرضعَتِ الكبيرةُ ضَرَّتَها متعَمِّدَةً
الفَسَادِ حيثُ ضِمِنَتْ؛ لأنَّ فِعْلَ الكبيرةِ هناك مُسْتَقِلٌّ بالإِفسادِ، فَيُضَافُ الإِفسادُ إليها، أمَّا هُنَا
فِفِعْلُ كلِّ مِنَ الكبيرتينِ غيرُ مستقلِّ بِهَا، فَلا يُضَافُ إلى واحدةٍ منهما؛ لأنَّ الفَسَادَ باعتبارِ الجمعِ
بينَ الأختينِ منهما، بخلافِ الحرمةِ هناكَ؛ لأَنَّهُ للجمعِ بينَ الأُمِّ والبنتِ، وهو يقومُ بالكبيرةِ،
"فتح"(٢) ملخّصاً.
[١٢٨٩٩) (قولُهُ: غَرِمَ الَّهْرَ) أي: يجبُ المهرُ على الأبِ، ويرجِعُ بِهِ على الابنِ، والمسألةُ
مذكورةٌ في "الهنديَّة"(٣) في المحرَّمات، وقَّدَها (بِمَا إذا كانَتِ الزَّوجةُ مُكْرَهَةً، وصَدَّقَ الزَّوجُ أنَّ
التّقْبِيلَ بشهوةٍ لِتَقَعَ الفُرْقَةُ، وإلاّ فالقولُ لَهُ)) اهـ.
وأمَّا لو كانَتْ مطاوِعَةً فَلا مهرَ لَهَا؛ لأنَّ الفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِيَلِهَا، ثُمَّ ينبغي - كَمَا قالَ
"الرَّحْمَتِىُّ" -: أنْ يكونَ ذلك مقيداً بِمَا قبلَ الدُّخُولِ، وأنَّ المرادَ بالمهرِ نصفُهُ، أمَّا بعدَ الدُّخُولِ
فلا غُرْمَ؛ لأنَّ المهرَ وَحَبَ بالدُّخُولِ، والأبُ قَدِ استوفاهُ، كَمَا قَالُوا في رجوعٍ شاهدَي الطَّلاقِ، إِنْ
كانَ قبلَ الدُّخُولِ غَرِمَا نصفَ المهرِ، وإنْ بعدَهُ فَلا غُرْمَ أصلاً.
[١٢٩٠٠) (قولُهُ: وقالَ ذَلِكَ) أي: تعَمَّدْتُ الفَسَادَ.
[١٢٩٠١] (قولُهُ: لا) أي: لا يَغْرَمُ مَا لَزِمَ الأبَ مِنْ نصفِ المهرِ، "بزَّازِيَّةُ"، (٤) وتعبيرُهُ بالنّصْفِ
مُؤَيِّدٌ لِمَا قَالَهُ "الرحميُّ".
[١٢٩٠٢] (قولُهُ: فلم يَلْزَمِ المهرُ) لأَنَّهُ لا يُحْمَعُ بِينَ حدٍّ ومهٍ، "بزَّازِيَّةُ"(٥)، واللهُ تَعَالى أعلمُ،
ولَهُ الحمدُ عَلَى ما عَلَّمَ.
(١) "در" صـ ٦٧ - وما بعدها.
(٢) "الفتح": كتاب النكاح - باب الرضاع ٣٢٢/٣.
(٣) "الفتاوى الهندية": كتاب النكاح - القسم الثاني: المحرمات بالصهرية ٢٧٦/١.
(٤) "البزَّازيَّة": كتاب النكاح - الفصل الثاني والثالث ١١٣/٤ بتصرّف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "البزَّازيَّة": كتاب النكاح - الفصل الثاني والثالث ١١٣/٤ بتصرّف (هامش "الفتاوى الهندية").

قسم الأحوال الشخصية
٨٦
حاشية ابن عابدين
﴿كتابُ الطَّلاق﴾
(هو) لغةً: رفعُ القيدِ، لكنْ جعلوه في المرأةِ طلاقاً وفي غيرها إطلاقاً، فلذا كان:
أنتِ مُطْلَقَةٌ بالسكون كنايةً،
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿كتاب الطَّلاق﴾
لَمَّا ذَكَرَ النّكَاحَ وأحكامَهُ اللازِمَةَ والمتأخّرَةَ عنْهُ شَرَعَ فيمَا بِهِ يرتفِعُ، وَقَدَّمَ الرَّضَاعِ؛
لأَنَّهُ يُوْجِبُ حرمةٌ مؤبَّدَةً بخلافِ الطّلاقِ، تقديماً للأشدِّ عَلَى الأخَفِّ، "بحر "(١).
[١٢٩٠٣] (قولُهُ: لكنْ حَعَلُوهُ إِلخ) عبارةُ "البحر"(٢): ((قالُوا: إنَّهُ استُعْمِلَ [٣/ ق١٧٧ / ب] في
النِّكَاحِ بِالّطليقِ، وفي غيرِهِ بالإطلاقِ، حتّى كانَ الأوَّلُ صريحاً والثَّانِي كنايةً، فلمْ يتوقّفْ على
النِّةِ فِي: طلّقْتُكِ، وأنتِ مُطَلّقَةٌ بالتّشديدِ، ويتوقّفُ عليها في: أطلقْتُكِ، ومُطْلَقَةٌ بالتَّخفيفِ)) اهـ.
قال في "البدائع"(٣): ((وهذا الاستعمالُ في الْعُرْفِ، وإِنْ كانَ المعنى في اللّفْظينِ لا يختلفُ
في اللُّغَةِ، ومِثْلُ هذا جائزٌ كَمَا يُقَالُ: حَصَانٌ وحِصَانٌ، فإنَّهُ بفتحِ الحاءِ يُسْتَعْمَلُ في المرأةِ،
وبكسرِهَا في الفرسِ)) اهـ.
والظَاهرُ: أَنَّهُ أرادَ بالعُرْفِ عُرْفَ اللُّغَةِ؛ لأَنَّهُ صَرَّحَ(٤) في محلِّ آخرَ أنَّ الطَّلاقَ في اللُّغَةِ.
﴿كتابُ الطَّلاق﴾
(قولُهُ: والمُتأخّرَةُ عنه إلخ) هي أحكامُ الرَّضَاعِ، كما في "الفتح"، وذكَرَ: ((أَنَّ بينَه وبين الرَّضاعِ
مُنَاسَبَةٌ مِن جِهَةٍ أنَّ كُلاَّ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ، إلاَّ أنَّ حُرْمَةَ الرَّضاعِ مُؤَّدّة إلخ)).
(١) "البحر": كتاب الطلاق ٢٥٢/٣.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق ٢٥٢/٣.
(٣) "البدائع": كتاب الطلاق - فصل: وأما بيان ركن الطلاق ٩٨/٣ بتصرف.
(٤) أي: في "البدائع": كتاب الطلاق - شرائط ركن الطلاق - فصل: ومنها النية ١٠٣/٣.

الجزء التاسع
٨٧
كتاب الطلاق
وشرعاً: (رَفْعُ قِيدِ النِّكاحِ.
والشَّرْعِ عبارةٌ عن رَفْعِ قَيْدِ النكاحِ، وصَرَّحَ (١) أيضاً بِمَا يدُلُّ على أنَّ الطَّلاقَ في اللُّغَةِ صريحٌ
وكنايةٌ، فَافْهَمْ.
[١٢٩٠٤) (قولُهُ: وشَرْعاً رَفْعُ قَيْدِ النّكَاحِ) اعترضَهُمْ في "البحر)(٢) بأمورٍ:
((الأَوَّلُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: ركنُهُ اللَّفْظُ المخصوصُ الدَّالُ على رَفْعِ القَيْدِ، فينبغي تعريفُهُ بِهِ؛ لأنَّ
حقيقةَ الشيءِ ركُهُ، فَعَلَى هذا هو لفظٌ دالٌّ عَلَى رَفْعٍ قَيْدِ النّكَاحِ.
الثّاني: أنَّ القيدَ صيرورتُهَا منوعةٌ عن الخُرُوجِ والبُرُوزِ كما في "البدائع"(٣)، فكانَ هذا
التَّعريفُ مناسِباً للمعنى اللغويِّ لا الشرعيِّ.
الثّالثُ: أَنَّهُ كانَ ينبغي تعريفُهُ بِأَنَّهُ رَفْعُ عَقْدِ النّكَاحِ بِلفظٍ مخصوصٍ ولو مَآلاً)) اهـ.
أقول: والجوابُ عن الأَوَّلِ أنَّ الطَّلاقَ اسمٌ بمعنى المصدرِ الَّذي هو التَّطْلِيقُ، كالسَّلامِ
والسَّرَاحِ بمعنى التّسْلِيمِ والتّسْرِيحِ، أو مصدرُ طَلْقَتْ بضمِّ اللامِ أو فتحِهَا طَلاقَاً كالفَسَادِ كَذَا في
"الفتح"(٤)، وتقدَّمَ(٥) أَنَّهُ لغةً: رَفْعُ الوَثَاقِ مُطْلَقَاً، أي: حِسِيّاً كَوَّثَاقِ البعيرِ والأسيرِ، ومعنويًّاً كَمَا
هُنَا، وأنَّ المعنى الشَّرعيَّ مستعملٌ فِي اللُّغَةِ أيضاً، فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ حقيقةَ الطَّلاقِ الشرعيِّ هو الحدثُ
الَّذي هو مدلولُ المصدرِ لا نفسُ اللّفْظِ، لكنْ لَمَّا كانَ أمراً معنويّاً لا يتحقَّقُ إلَّ بلفظِهِ المستعملِ
فيهِ قيل: إنَّ رَكَنَهُ اللَّفْظُ، فليسَ اللّفْظُ حقيقتَهُ، بل دالٌّ عليهِ، فِذَا قال "المصنّفُ" تَبَعاً لـ "الفتح"(٦):
٤١٤/٢
(قولُهُ: كما في "البدائع)") تَمامُ عبارَتِه هُنا: (وَرَفْعُهُ يَحْصُلُ بالإِذْنِ لَها بِالْخُرُوجِ والبُرُوزِ، فكان
هذا إلخ))، ثمَّ إِنَّ الاعتراضَ الثَّالثَ ثَمَرةُ الثَّاني ومُتفرِّعٌ عليه.
(١) أي: في "البدائع": كتاب الطلاق - فصلٍ: وأما بيان ركن الطلاق ٩٨/٣.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق ٢٥٢/٣ وما بعدها بتصرف.
(٣) "البدائع": كتاب النكاح - فصل: ومن ملك الحبس والقيد ٣٣١/٢.
(٤) "الفتح": كتاب الطلاق ٣٢٥/٣.
(٥) أي: في "الفتح".
(٦) "الفتح": كتاب الطلاق ٣٢٥/٣.

قسم الأحوال الشخصية
٨٨
حاشية ابن عابدين
((إنَّهُ رفعُ قِيدِ النّكَاحِ بلفظٍ مخصوصٍ)).
وعن الثَّاني والثّالثِ(١) أنَّ المرادَ بالقيدِ العَقْدُ؛ ولذا قالَ في "الجوهرة(٢): ((هو في الشَّرعِ
عبارةٌ عنِ المعنى الموضوعِ لِحَلِّ عُقْدِ النّكَاحِ))، فَقَدْ فَسَّرَهُ بالمعنى المصدريِّ كَمَا قُلْنَا أَوَّلاً، وعبَّرَ
عن رفعِ القيدِ بَحَلِّ العُقْدةِ، أي: بِفَكِّ رابطةِ النِّكَاحِ [٣/ ١٧٨٥/أ) استعارةً، والمرادُ برفعِ العَقْد رفعُ
أحكامِهِ؛ لأنَّ العقودَ كلماتٌ لا تَبْقَى بعدَ النَّكُلُّمِ بِهَا كما حقْقَهُ فِي "التّويح"(٣) في بحثِ العِلَلِ،
وعن هذا قال في "البدائع"(٤): ((وأمَّا بيانُ ما يَرفَعُ حكمَ النّكاحِ فالطَّلَاقُ))، وقال(٥) قبلَهُ:
((اللّكاحِ الصَّحيحِ أحكامٌ، بعضُها أصليٌّ، وبعضُها من التّوَابعِ، فالأوَّلُ حِلُّ الوطءِ إِلاَّ لعارَضٍ،
والثّانِي حِلُّ النَّظَرِ ومِلْكُ الْعَةِ وملكُ الحبسِ وغيرُ ذلك)) اهـ.
وأمَّا ما أوردَهُ في "البحر"(٦) - مِنْ أنَّ مِنْ آثَارِ العَقْدِ العدَّةَ في المدخولِ بها؛ فَلِذا لم يفسِّرُوهُ
برَفْعِ العَقْدِ - ففيهِ أنَّ العِدَّةَ ليسَتْ من أحكام النّكَاحِ؛ لأنّهُ غيرُ موضوعٍ لَهَا، وكونُها مِنْ آثَارِهِ
لا يُنَافِي وجودَهَا بعدَ رفعِ أحكامِهِ، كَمَا أنَّ نفسَ الطّلاقِ مِنْ أثارِ عَقْدِ النّكاحِ، ولا يَصِحُّ أنْ
يكونَ مِنْ أُحکامِهِ.
(قولُهُ: فالأوَّلُ حِلُّ الوَطْءِ إلخ) الظَّاهِرُ أنَّ حِلَّ الوَطْءِ من التّابِعِ، ومِلْكَ المِعةِ من الأصليِّ.
(قولُهُ: وأمَّا ما أوردَهُ في "البحر" إلخ) أي: ذكَرَهُ، وعبارتُهُ: ((وقد يقالُ: إنّما لم يقولوا: رَفْعُ
العَقْدِ لبَقَاءِ آثارِهِ من العِدَّة، إلاّ أنّه يَخُصُّ المَدْخولَ بها، وأمَّا غيرُ الَّدْخولِ بها فلا أَثَرَ بعد الطَّلاقِ)).
(١) أي: والجوابُ عن الثّاني و الثّالث.
(٢) "الجوهرة النيرة": كتاب الطلاق ٩٩/٢.
(٣) "التلويح": الركن الرابع في القياس - العلة ١٣٢/٢.
(٤) "البدائع": كتاب النكاح - فصل: وأما بيان ما يرفع حكم النكاح ٣٣٦/٢.
(٥) أي: في "البدائع": كتاب النكاح - فصل: وأما بيان حكم النكاح ٣٣١/٢ بتصرف.
(٦) "البحر": كتاب الطلاق ٢٥٣/٣.

الجزء التاسع
٨٩
كتاب الطلاق
في الحالِ) بالبائنِ (أو المآلِ) بالرَّجعيِّ (بلفظٍ مخصوصٍ)
بيانُ ذلك أنَّ العقودَ عِلَلٌ لأحكامِهَا كَمَا صرَّحُوا بِهِ، وقالوا أيضاً: إنَّ الخارجَ المتعلّقَ بالحكمِ
إنْ كانَ مؤثّراً فيهِ فهو العِلّةُ، وإنْ كانَ مُفْضِيّاً إليهِ بلا تأثيرِ فهو السَّبَبُ، وإنْ لم يكُنْ مؤثّراً فیهِ
ولا مُفْضِيَّاً إليه فإنْ توقّفَ عليهِ وجودُ الحكمِ فهو الشَّرْطُ، وَإِلاّ فإِنْ دَلَّ عليهِ فهو العَلَامَةُ، وتمامُهُ فِي
كُتُبِ الأُصُولِ، ولا شبهةَ أنَّ عَقْدَ النّكَاحِ عِلّةٌ لِحِلِّ الوطءِ ونحوِهِ، لا لرفعِ الحِلِّ، بل رفعُ الحِلِّ عِلْهُ
الطَّلاقُ؛ لأَنَّهُ وُضِعَ لَهُ، نَعَمْ النِّكَاحُ شرطُهُ، كَمَا أنَّ الطَّلاقَ شرطٌ لوجِوبِ العِدَّةِ الواجبةِ لأجلِهِ،
فَقَدْ صرَّحُوا في باب العِدَّةِ أَنَّ شرطَهَا رفعُ النِّكَاحِ أو شبهتُهُ(١)، فالنّكَاحُ شرطٌ لانعقادِ الطَّلاقِ
شَرْطً(٢) للعِدَّةِ، فصَحَّ كونُها مِنْ آثَارِهِ بهذا الاعتبار، فافْهَمْ.
[١٢٩٠٥) (قولُهُ: في الحَالِ بالبَائِنِ) متعلّقانِ بـ (رفع).
[١٢٩٠٦] (قولُهُ: أوِ المالِ) أي: بعدَ انقضاءِ العِدَّةِ أو انضمامٍ طَلْقَتَيْنٍ إلى الأُوْلَى، وعليهِ فلو
ماتَتْ في العِدَّةِ أو بعدَ ما راجَعَها ينبغي أنْ يتبيَّنَ عدمَ وقوعِ الطَّلْقةِ الأُوْلَى، حتَّى لو حَلَفَ أَنَّهُ
لم يوقعْ عليها طلاقاً قَطُّ لا يحنَثُ، "بحر "(٣)، وفيهِ(٤): أنَّالمُرَاجَعَةَ تقتضي وقوعَ الطَّلاقِ، فَقَدْ صَرَّحَ
"الزَّيلعيُّ (٥) وغيرُهُ بأنَّ المراجعةَ بدونٍ وقوعِ الطّلاقِ مُحَالٌ، "مقدسيّ"، فالصَّوَابُ في تعریفِهِ
الشَّاملِ لنوعَيْهِ ما في "الْقُهُسْتَانِ)(٦) مِنْ أَنَّهُ: (إزالةُ الّكَّاحِ أو نُقْصانُ حِلِّهِ بلفظٍ مخصوصٍ)).
قلت: ولِذَا قال في "البدائع"(٧): ((أمَّ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ فالحكمُ الأصليُّ لَهُ: نُقْصَانُ العددِ،
(قولُهُ: فقد صرَّحُوا في بابِ العِدَّةِ أنَّ شَرْطَها رَفْعُ النّكاحِ إلخ) وسَبِيُها: عقْدُ النّكاحِ المُتأكّدِ
بالتَّسليمِ، وما جَرَى مَجْراهُ من موتٍ أو خَلْوةٍ.
(١) أي: أو شبهةُ رفع النكاحِ.
(٢) (شرطاً) مفعولٌ لـ (انعقاد).
(٣) "البحر": كتاب الطلاق ٢٥٣/٣.
(٤) هذا إيراد على صاحب "البحر".
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الطلاق ١٩٣/٢.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الطلاق ٣٠١/١.
(٧) "البدائع": كتاب الطلاق - فصل: وأما بيان حكم الطلاق ١٨٠/٣ بتصرف.

قسم الأحوال الشخصية
٩٠
حاشية ابن عابدين
هو ما اشتَمَلَ على الطَّلاقِ، فخرَجَ الفُسوخُ كخيارِ عتقٍ وبلوغٍ ورِدَّةٍ، فإنّه فسخٌ
لا طلاقٌ،.
[٣/ق١٧٨ /ب] فأمَّا زوالُ المِلْكِ وحلُّ الوطءِ فليسَ بحكمٍ أصليٌّ لَهُ لازمٍ حتّى لا يثُبُتُ للحالِ، بل
بعدَ انقضاءِ العِدَّةِ وهذا عندَنا، وعندَ الشَّافعيِّ زوالُ حِلِّ الوطءِ مِنْ أحكامِهِ الأصلَّةِ لَهُ حتّى لا يحِلُّ
لَّهُ وطُها قبلَ الرَّجْعَةِ(١))).
[١٢٩٠٧] (قولُهُ: هَوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَى الطَّلاقِ) أي: عَلَى مادَّةِ(ط ل ق) صريحاً، مثل أنتِ
طالقٌ، أو كنايةٌ كمُطْلَقَةٌ بالَتَّخْفِيفِ، [وهجاءً طالقٌ بلا تركيب](٢) كَأَنْتِ (ط ا ل ق)(٣)،
وغيرِهِمَا كقولِ القاضي: فَرَّقْتُ بِينَهُما، عندَ إِياءِ الزَّوجِ الإِسلامَ والعِنَّةِ واللّعَانِ وسائرِ الكِنَاياتِ
المُفِيدةِ لرَّجْعَةِ والتَّئُونةِ ولفظِ الخُلْعِ، "فتح"(٤)، لكنْ قولُهُ: ((وغيرِهما)) - أي: غيرِ الصَّريحِ
والكنايةِ - يفيدُ أنَّ قولَ القاضي: فرَّقْتُ والكناياتِ ولفظَ الْخُلْعِ ثَما اشتمل على ماَّةِ((ط ل ق))،
وليسَ كذلكَ، فَالْنَاسِبُ عطفُهُ عَلَى ((ما اشْتَمَلَ))، والضَّمِيرُ عائدٌ عَلَى ((ما))، وثَنَّاهُ نَظَراً للمعنى؛
لأَنّهُ واقعٌ على الصَّرِيحِ والكتابةِ.
[١٢٩٠٨] (قولُهُ: فَخَرَجَ الفُسُوخُ إِلخ) قال في "الفتح"(٥): ((فخَرَجَ تفریقُ القاضي في إبائِها،
ورِدَّةُ أحدِ الرَّوجينِ، وتباينُ الدَّارينِ حقيقةً وحُكْمَاً، وخيارُ البلوغِ، والعِثْقُ، وعدمُ الكفاءةِ،
ونُقْصَانُ المهرِ؛ فإِنَّها ليسَتْ طَلاقاً)) اهـ.
وقد مرّ(٦) نَظْماً في باب الوليِّ ما هو طلاقٌ، وما هو فَسْخٌ، وما يُشترَطُ فيه قضاءُ القاضي،
(١) في "ب": ((الراجعة))، وهو خطأ، وفي "م": ((المراجعة))، وما أثبتناه من "الأصل" و"آ" هو الموافق لما في "البدائع".
(٢) ما بين المنكسرين من "الفتح"، والسياقُ يقتضيها لتوضيح المعنى؛ إذ النقلُ عن "الفتح".
(٣) في النسخ جميعها: ((ط ل ق))، وما أثبتناه من "الفتح" هو الصواب.
(٤) "الفتح": كتاب الطلاق ٣٢٥/٣.
(٥) "الفتح": كتاب الطلاق ٣٢٥/٣.
(٦) "در" ٢٤٤/٨ وما بعدها.

الجزء التاسع
٩١
كتاب الطلاق
وبهذا عُلِمَ أنَّ عبارة "الكنز"(١) و"الملتقى" منقوضةٌ طرداً وعكساً، "بحر "(٢).
(وإيقاعُهُ مباحٌ) عند العامَّةِ؛ لإطلاقِ الآياتِ، "أكمل". (وقيل) قائلُهُ "الكمال"
(الأصحُّ حَظْرُهُ) أي: منعُهُ (إلاَّ لحاجةٍ) كرِيْبةٍ وكِيَرِ، والمذهبُ الأوَّلُ كما في "البحر"،
وما لا يُشْتَرَطُ، فراجعْهُ.
[١٢٩٠٩) (قولُ: وبِهَذَا) أي: بزيادةِ قولِهِ: ((أو المآلر))، وقولِهِ: ((بلفظٍ مخصوصٍ)).
[١٢٩١٠] (قولُهُ: عبارَةَ "الكنزِ"(٣) و"الملتقى)"(٤) هيَ رفعُ القيدِ الثَّبتِ شرعاً بالنِّكَّاحِ.
[١٢٩١١] (قولُهُ: منقوضَةٌ طَرْدًاً وعَكْسَاً) أي: أنَّها غيرُ مانعةٍ لدخُولِ الفُسُوخِ فيها، وغيرُ
جامعةٍ لخروجِ الرَّجْعِيِّ.
[١٢٩١٢] (قولُهُ: كَرِيبَةٍ) هي الظَّنُّ والشَّكُّ، أي: ظنُّ الفاحشةِ.
(١٢٩١٣] (قولُهُ: والمذهَبُ الأَوَّلُ) لإطلاق قولِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق - ١]
﴿لَّا ◌ُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِسَآءَ﴾ [البقرة - ٢٣٦]، ولأَنَّهُ مَ﴿ِ طَلَّقَ "حفصةَ "(٥) لا لِرِيْبَةٍ ولا كِيْرٍ،
(١) في "د" زيادة: ((قوله: وبهذا عُلِم أنَّ عبارة "الكنز" إلخ، قال في "البحر": هو رفعُ القيد الثّابت شرعاً بالنكاح،
فخرج ((بالشَّرعي)): القيدُ الحسي، و((بالنكاح)): العتق، ولو اقتصر على رفع قيد النكاح لخرجا به، ويرد عليه أنّه
منقوض طرداً وعكساً: أمَّا الأول: فبالفسخ كتفريق القاضي بإبائها عن الإسلام، وردَّة أحد الزَّوجين، وخيار البلوغ
والعتق، فإنَّ تفريق القاضي ونحوه فيه فسخ وليس بطلاق، وقد وجد الحدُّ ولم يوجد المحدود. وأما الثاني: فبالطّلاق
الرَّجعي فإنّه ليس فيه رفع قيد، فقد انتفى الحدُّ ولم ينتفِ المحدود، فالحدُّ الصحيح قولنا: ((رفع قيد النكاح حالاً
أو مآلاً بلفظٍ مخصوص)) فخرج بقيد ((النكاح)): الحسي والعتق، و((بلفظ المخصوص)) الفسخ؛ لأنَّ المراد به ما
اشتمل على مادَّة الطلاق صريحاً وكناية، وسائر الكنايات الرجعية والبائنة، ولفظ الخلع، وقول القاضي: فرَّقتُ بينكما
عند إباء الزَّوج عن الإسلام، وفي العُنّة واللّعان، ودخل الرجعي بقولنا: أو مآلاً. انتهى)). ق١٧٥/ب.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق ٢٥٢/٣.
(٣) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الطلاق ١٦٩/١.
(٤) "ملتقى الأبحر": كتاب الطلاق ٢٥٩/١.
(٥) أخرجه أبو داود (٢٢٨٣) كتاب الطلاق - باب في الرجعة، والنسائي ٢١٣/٦ كتاب الطلاق - باب الرجعة -
ووقع فيه: عن ابن عباس عن ابن عمر، - وهو تحريف -، وابن ماجه (٢٠١٦) كتاب الطلاق وابن حبان
(٤٢٧٥) كتاب الطلاق - باب الرجعة، وأبو يعلى (١٧٣)، والحاكم في "المستدرك" ١٩٧/٢ وقال: صحيح على
شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣٢١/٧ - ٣٢٢ كتاب الخلع والطلاق -
باب إباحة الطلاق. کلهم من حديث عمر څه. وفي الباب عن أنس، وعمار بن ياسر.

قسم الأحوال الشخصية
٩٢
حاشية ابن عابدين
وقولهم: الأصلُ فيه الحَظْرُ معناه: أنَّ الشَّارع ترَكَ هذا الأصلَ فأباحَهُ،
وكَذَا فِعَلَهُ الصَّحَابةُ، و"الحسنُ بنُ عليٍّ" رضي الله عنهما استكثَرَ النّكَاحَ والطَّلاقَ، وأمَّا ما رواهُ
أبو داودَ أَنَّهَلَّ قال: ((أَبْغَضُ الحلالِ إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ الطَّلاقُ) (١) فالمرادُ بالحلالِ ما ليس فعلُهُ
بلازمٍ، الشَّامِلُ للمُبَاحِ والمندوبِ والواجبِ والمكروهِ كما قالَهُ "الشُّمُنِّ" "بحر "(٢) مُلَخّْصاً.
قلت: لكنْ حاصلُ الجوابِ أنَّ كونَهُ مبغوضاً لا يُنَافِي كونَهُ حلالاً؛ فإنَّ الحلالَ بهذا المعنى
يَشْمَلُ المكروهَ وهو مبغوضٌ، بخلاف ما إذا أُرِيْدَ بالحلالِ ما لا [٣/ق١٧٩ /أ] يترجَّحُ تركُهُ على فعلِهِ،
٤١٥/٢ وأنتَ خبيرٌ أنَّ هذا الجوابَ مؤيِّدٌ للقولِ الثَّاني، ويأتي بعدَهُ تأييدُهُ أيضاً، فافْهَمْ.
[١٢٩١٤) (قولُهُ: وقولُهُمْ إلخ) جوابٌ عن قولِهِ في "الفتح"(٣): إنَّ قولَهُمْ يإباحتِهِ وإبطالَهُمْ قولَ
مَنْ قالَ: لا يَُّاحُ إلَّ لكِبْرِ أو رِئَةٍ بِأَنَُّ ◌َ طَلَقَ "حفصةً" ولم يقترِنْ بواحدٍ منهما منافٍ لقولِهِمْ:
الأصلُ فيهِ الحظرُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كُفْرَانِ نعمةِ النّكَاحِ والإِباحةُ للحاجةِ إلى الخلاصِ؛ ولحديثٍ:
(أبغضُ الحلالِ إلى اللهِ تَعَلَى الطَّلاقُ)، وأجابَ في "البحر "(٤) ((بأنَّ هذا الأصلَ لا يَدُلُّ على أَنَّهُ
مخطورٌ شرعاً، وإِنَّمَا يفيدُ أنَّ الأصلَ فيه الحظرُ، وتُرِكَ ذلك بالشَّرعِ، فصَارَ الحِلُّ هو المشروعَ، فهو
نظيرُ قولِهِمْ: الأصلُ في الّكَاحِ الحظرُ، وإِنَّمَا أُبْحَ للحاجةِ إلى الثَّوَالُدِ والتَّاسِلِ، فَهَلْ يُفْهَمُ منهُ أَنَّهُ
محظورٌ؟ !! فالحقُّ إِباحتُهُ لغيرِ حاجةٍ طَلَباً للخلاصِ منها؛ للأدَّّةِ المارَّةِ)) اهـ.
أقول: لا يَخْفَى ما بين الأصلينِ من الفَرْقِ، فإنَّ الحظرَ الذي هو الأصلُ في الّكَاحِ قد زالَ
(١) أخرجه أبو داود (٢١٧٨) كتاب الطلاق - باب في كراهية الطلاق، وابن ماجه (٢٠١٨) كتاب الطلاق
والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣٢٢/٧ كتاب الخلع والطلاق - باب ما جاء في كراهية الطلاق، والحاكم ١٩٦/٢،
والبغوي في "شرح السنة" ١٥٩/٩ من حديث معرِّف بن واصل وعبيد الله الوصافي عن محارب بن دثار عن ابن
عمر مرفوعاً، وقد اختلف على معرّف في وصله وإرساله ولفظ الحاكم: ((ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من
الطلاق)).
(٢) "البحر": كتاب الطلاق ٢٥٣/٣ - ٢٥٤.
(٣) "الفتح": كتاب الطلاق ٣٢٦/٣ -٣٢٧ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الطلاق ٢٥٤/٣ - ٢٥٥.

الجزء التاسع
٩٣
كتاب الطلاق
بالكُلَّةِ، فلم يَبْقَ فيهِ حظرٌ أصلاً إلاَّ لعارضٍ خارجِيٍّ، بخلافِ الطَّلَاقِ فَقَدْ صَرَّحَ في "الهداية"(١).
((بأنّهُ مشروعٌ في ذاتِهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ إزالةُ الْرِّقِّ(٢)، وأنَّ هذا لا يُنَافِي الحظرَ لمعنىً في غيرِهِ، وهوَ ما
فِيهِ مِنْ قَطْعِ النّكَاحِ الَّذِي تعلّقَتْ بِهِ المصَالِحُ الدِّينيَّةُ والدُّنْيُوِيَّةُ)) اهـ.
فهذا صريحٌ في أَنَّهُ مشروعٌ ومحظورٌ مِنْ جِهَتَيْنٍ، وأَنَّهُ لا مُنَافَاةَ في اجتماعِهِمَا؛ لاختلافٍ
الحَرِيَّةِ كالصَّلاةِ في الأرضِ المغصوبةِ، فكوتُ الأصلِ فيهِ الحظرَ لم يَزُلْ بالكُلُّةِ، بل هو باقٍ إلى الآنَ،
بخلافِ الحظرِ فِي النّكَاحِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ حيثُ كونُهُ انتفاعاً بجزءِ الآدميِّ الْمُخْتَرَمِ، واطلاعاً على العَوْرَاتِ قد
زالَ للحاجةِ إلى الّوَالُدِ وبِقاءِ العَالَمِ، وأمَّ الطَّلاقُ فإِنَّ الأصلَ فيه الحظرُ، بمعنى أنَّهُ محظورٌ إلاَّ لعارضٍ
يُبْحُهُ، وهو معنى قولِهِمْ: الأصلُ فيهِ الحظرُ، والإباحةُ للحاجةِ إلى الخلاصِ، فإذا كانَ بلا سببٍ
أصلاً لم يَكُنْ فيه حاجةٌ إلى الخلاص، بل يكونُ حُمْقاً وسَفَاهَةَ رأيٍ وبحرَّدَ كُفْرَانِ النّعْمَةِ وإخلاصَ
الإيذاءِ بِهَا وبأهلِها وأولادِها؛ ولِهَذَا قالُوا: إنَّ سببَهُ الحاجةُ إلى الخَلاصِ عندَ تَّبَأيْنِ الأخلاقِ
وعُرُوضِ البغضاءِ الموجِبَةِ عدمَ إقامةِ حدودِ [٣/ق١٧٩ /ب] الله تَعَلَى، فليسَتْ الحاجةُ مختصَّةً بالكِثْرِ
والرَِّةِ كما قيلَ، بل هي أعمُّ كَمَا اختارَهُ في "الفتح"(٣)، فحيثُ تجرَّدَ عن الحاجةِ الُمِيحَةِ لَهُ شرعاً
يَبْقَى عَلَى أصلِهِ من الحظرِ؛ ولِهَذَا قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ﴾ [النساء
- ٣٤] أي: لا تَطْلُبُوا الفِرَاقَ، وعليهِ حديثُ: ((أبغضُ الحلالِ إلى اللهِ الطَّلاقُ))، قال في "الفتح"(٤):
((ويُحْمَلُ لفظُ المباحِ عَلَى مَا أُبْحَ في بعضِ الأوقاتِ، أعني: أوقاتَ تحقَّقِ الحاجةِ المبيحَةِ)) اهـ.
وإذا وُجِدَتِ الحاجةُ المذكورةُ أُبْحَ، وعليها يُحمَلُ مَا وَقَعَ مِنهُ ﴿ وَمِنْ أصحابِهِ وغيرِهم مِنَ
الأئمَّةِ صَوْناً لهم عن العَبَثِ والإيذاءِ بلا سببٍ، فقولُهُ في "البحر"(٥): ((إنَّ الحقَّ إباحتُهُ لغيرِ حاجةٍ
(١) "الهداية": كتاب الطلاق - باب طلاق السنة ٢٢٧/١ بتصرف.
(٢) قال "العيني": ((أي: إزالة قيد النكاح)) وقال "الكمال": ((فإنه في ذاته إزالة الرّق لما قدمنا من أن النكاح نوع
رق)). انظر "البناية": ١٠/٥، "الفتح": ٣٣٢/٣.
(٣) "الفتح": كتاب الطلاق ٣٢٧/٣.
(٤) "الفتح": كتاب الطلاق ٣٢٧/٣.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق ٢٥٥/٣.

قسم الأحوال الشخصية
٩٤
حاشية ابن عابدين
طلباً للخلاصِ منها)) إِنْ أرادَ بالخلاصِ منها الخلاصَ (١) بلا سببٍ كما هو الْبَادِرُ منهُ فهو ممنوعٌ؟
لمخالفتِهِ لقولِهِمْ: إِنَّ إباحتَهُ للحاجةِ إلى الخلاصِ، فلم يُبْحُوهُ إلاّ عندَ الحاجةِ إليه، لا عندَ محرَّدٍ إرادةٍ
الخلاصِ، وإنْ أرادَ الخلاصَ عندَ الحاجةِ إليه فهو المطلوبُ.
وقولُهُ في "البحر"(٢) أيضاً: ((إنَّ ما صحَّحَهُ في "الفتح" اختيارٌ للقولِ الضَّعيفِ وليسَ
المذهبَ عن علمائِنا)) فيه نَظَرّ؛ لأنَّ الضَّعِيفَ هو عدمُ إِباحتِهِ إلاّ لكِبْرٍ أو رِبِيَةٍ، والذي صحَّحَهُ في
"الفتح"(٣) عدمُ الِّيدِ بذلك كَمَا هو مقتضى إطلاقِهِمْ الحاجةَ، وبِمَا قَرَّرْناهُ أيضاً زالَ التَّافِي بِينَ
قولِهِمْ بإباحتِهِ وقولِهِمْ إِنَّ الأصلَ فيه الحظرُ؛ لاختلافِ الحينَّةِ، وظَهَرَ أيضاً أنَّهُ لا مخالفةَ بينَ ما
ادَّعاهُ أَنَّهُ المذهبُ وما صحَّحَهُ في "الفتح"، فاغتِمْ هذا التّحريرَ؛ فإِنَّهُ من فتحِ القديرِ.
(قولُهُ: وظهَرَ أيضاً أنّه لا مُخالَفةَ بين ما ادَّعاهُ أَنَّ الَمَذْهَبُ وما صحَّحَهُ في "الفتح" إلخ) فيه أنَّالذي يُفيدُه
كلامُ "الفتح " اختيارُ القوْلِ بالحَظْرِ إِلَّ لحاجةٍ أيِّ حاجةٍ كانت، وهذا هو المذهبُ على ما يُفيدُ تحقيقُ
: "المحشِّي"، ومُقابِلُه: القوْلُ بإباحته ولو لدُونِ حاجَةٍ وهو الضَّعيفُ، وإن ادَّعى صاحبُ "البحر" أنّه المذهبُ كما
تُفيدُ عبارتُهُ ذلك، وليس لهم قوْلٌ بعدم إباحتِهِ إلاَّ لكِّرِ أو رِيَِّةٍ دون غيرِهِما، حَتَّى يَصِحُّ أنْ يقالَ: لا مُخالَفةً بين
ما ادَّعى في "البحر" أَنَّ الَذْهَبُ، وبين ما صحَّحهُ في "الفتح"، تأمَّل، وليس في قوْلِ "البحرِ" - نقلاً عن "المعراج":
(إيقاعُ الطَّلاقِ مُباحٌ، وإنْ كان مُبْغَضَاً في الأصْلِ عند عامَّة العلماء، ومن النَّاس مَن يقولُ: لا يُباحُ إيقاعُهُ
إلّ لضرورةٍ من كِبَرِ سِنِّ أو رِيْئَةٍ)) إهــ ما يدُلُّ على أَنَّه لا يُباحُ لغيرِهِما من الحاجات، بل مُرادُهُ: أَنَّه يُباحُ عند
تَحقُّقِ إحدى الحاجَتَيْنِ الَّذْكورتَيْن أو نَحْوِهِمَا، فَبْن ما ادَّعاهُ في "البحر": ((أَنَّه الَذْهَبُ مِن أَنّهُ يُباحُ ولو بدُونِ
حاجَةٍ))، وبين ما صحَّحهُ في "الفتح" مُخالَفةٌ ظاهِرَةٌ، نعم إذا قِيِّدَ قَوْلُهم: (إِباحتُهُ)) بما إذا وُجِدَتِ الحاجةُ تَزُولُ
المخالفةُ، لكنَّه خلافُ تصريحِ "البحر" بالإباحةِ ولو بدُونِ حاجَةٍ.
(١) ((منها الخلاص)) ساقط من "الأصل".
(٢) "البحر": كتاب الطلاق ٢٥٤/٣.
(٣) "الفتح": كتاب الطلاق ٣٢٧/٣.

الجزء التاسع
-
٩٥
کتاب الطلاق
بل يُستحَبُّ لو مؤذيةٌ أو تاركةَ صلاةٍ، "غاية". ومُفادُهُ أنْ لا إثمَ بمعاشرةٍ مَن لا تصلّي.
ويجبُ لو فاتَ الإِمساكُ بالمعروفِ، ويحرُمُ لو بِدْعَيّاً.
[١٢٩١٥] (قولُهُ: بل يُسْتَحَبُّ) إضرابٌ انتقالِيٌّ، "ط))(١).
[١٢٩١٦) (قولُهُ: لو مُؤْذِيَةٌ) أطلقَهُ فِشَمِلَ المؤذيةَ لَهُ أو لغيرِهِ بقولِهَا أو بفعلِهَا، "ط"(٢).
[١٢٩١٧] (قولُهُ: أو تارِكَةَ صلاةٍ) الظَّاهِرُ أنَّ تركَ الفرائضِ غيرِ الصَّلاةِ كالصَّلاةِ، وعن "ابن
مسعود"(٣): ((لِأَنْ أَلْقَى اللّهَ تَعَلَى وَصَدَاقُها بذِمَّتِي خيرٌ مِنْ أنْ أعاشرَ امرأةٌ لا تُصَلّي))، "ط) (٤).
[١٢٩١٨] (قولُهُ: ومُفَادُهُ) أي: مُفَادُ استحبابِ طلاقِها، وهذا قالَهُ في "البحر"(٥) وقالَ:
((ولِهَذَا قَالُوا في "الفتاوى": لَهُ أنْ يضربَها على تَرْكِ الصَّلاةِ، ولم يقولُوا(٦): عليهِ، مَعَ أنَّ في ضربِها
على تركِها روايتينِ ذكرَهُمَا "قاضي خان"(٧)) اهـ.
[١٢٩١٩] (قولُهُ: لو فاتَ الإمساكُ بالمعروفِ) كَمَا لو كانَ خِصِيّاً أو مَحْبُوبَاً أو عِنِّيْنَاً أو
شَكّاراً أو مُسَخَّراً، والشَّكَازُ - بفتحِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ [٣/ ق ١٨٠/أ) وتشديدِ الكافٍ وبالرَّايٍ -: هو الّذي
تنتشيرُ التَّهُ للمرأةِ قبلَ أنْ يخالطَها، ثمَّ لا تنتشِرُ الْتُهُ بعدَهُ لحِمَاعِها، والمُسَخَّر بفتحِ الحاءِ المشدَّدَةِ وهوَ
المسحُورُ، ويُسَمَّى المربوطَ في زمانِنا، "ح"(٨) عن "شرح الوهبانيّة"(٩).
[١٢٩٢٠] (قولُهُ: لو بِدْعِيَّاً) يأتي (١٠) بيانُهُ.
(١) "ط": كتاب الطلاق ١٠٢/٢.
(٢) "ط": كتاب الطلاق ١٠٢/٢.
(٣) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر الحديثية.
(٤) "ط": كتاب الطلاق ١٠٢/٢.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق ٢٥٥/٣.
(٦) في "ب": ((يعولوا))، وهو تحريف.
(٧) "الخانية": كتاب النكاح - باب النفقة - فصل في حقوق الزوجية ٤٤٢/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) "ح": كتاب الطلاق ق١٧٥/أ - ب.
(٩) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الطلاق ق٩٤/أ بتصرف.
(١٠) صـ١٠٧ - وما بعدها "در".

قسم الأحوال الشخصية
٩٦
حاشية ابن عابدين
ومِن محاسنِهِ التخلُّصُ به من المكَارِهِ، وبه يُعلَمُ أنَّ طلاق الدَّوْرِ بنحوٍ:
إِنْ طَلَّقْتُكِ فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً ..
[١٢٩٢١) (قولُهُ: ومِنْ محاسِهِ التَّخَلُّصُ بِهِ مِنَ المَكَارِهِ) أي: الدِّينَّةِ والدُّنيويَّةِ، "بحر "(١)، أي:
كَأَنْ عَجَزَ عن إقامةٍ(٢) حقوقِ الزَّوجةِ(٣)، أو كانَ لا يشتَهِيْهَا، قال في "الفتح"(٤): ((ومنها: أي:
مِنْ محاسِهِ جعلُهُ بيدِ الرِّحَالِ دُونَ النّسَاءِ لاختصاصِهِنَّ بُنُقْصَانِ العَقْلِ وغلبةِ الهَوَى وَنُقْصَانِ
الدّينِ(*)، ومنها: شَرْعُهُ ثلاثًا؛ لأنَّ النّفْسَ كذوبةٌ، ربَّمَا تُظْهِرُ عَدمَ الحاجةِ إليها، ثمَّ يَحْصُلُ
النَّدَمُ، فَشُرِعَ ثلاثاً لِيُحَرِّبَ نفسَهُ أَوَّلاً وثانياً)) اهـ مُلَخّْصاً.
مطلب في(٦) طلاقِ الدَّوْرِ
[١٢٩٢٢) (قولُهُ: وبِهِ) أي: بكونِ التّخَلَّصِ المذكورِ من محاسنِهِ؛ إذْ لو لم يقعْ طلاقُ الدَّوْرِ
لفاتَتْ هذهِ الحكمةُ اهـ "ح"(٧)، وسُعِّيَ بالدَّوْرِ؛ لأَنَّهُ دَارَ الأمرُ بينَ متنافيين؛ لأَنَّهُ يلزَمُ من وقوعِ
الْنَخَّرِ وقوعُ الثَّلاثِ المعلّقَةِ قبلَهُ، ويلزَمُ مِنْ وقوعِ الثّلاثِ قبلَهُ عدمُ وقوعِهِ، فليسَ المرادُ الدَّوْرَ
٤١٦/٢
(١) "البحر": كتاب الطلاق ٢٥٥/٣.
(٢) في "م": ((إقامته)).
(٣) في "٢" و"ب": ((الزوجية)).
(٤) "الفتح": كتاب الطلاق ٣٢٧/٣.
(٥) روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﴿ قال لجمع من النساء في حديث طويل: (( ... ما
رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل الحازم من إحداكن)). فتوهَّم بعضهم أنَّ الإسلام ينتقص المرأة أخذاً من
ظاهر ما ورد في هذا الحديث. وليس الأمر كذلك، فأمَّا وصفُ النبيِّ وَّ المرأةَ بالنقصان في العقل، فما هو معلوم في مبادئ علم
النّفس التربوي أن المرأة أقوى عاطفةً من الرجل، وعليه فالمقصود من نقص عقلها غلبة عاطفتها على عقلها، وبهذا التقابل
التكاملي بين غلبة عاطفة المرأة على عقلها وغلبة عقل الرجل على عاطفته يكمنُ سرُّ سعادةٍ كلٌّ منهما بالآخر.
وأمَّا وصفُ النِي وَّ المرأةَ بالنقصان في الدِّين فإنه يعني أنَّ الله خفّف عنها بعض التكاليف الدينية فهي لا تُكلِّفُ
مثلاً بالصلاة والصيام أثناء المحيض والنفاس، وعلى ذلك فلا ينقص من ثوابها شيء بهذا الترك، والمتأمل لرواية
الحديث بتمامها يظهر له ذلك واضحاً جلياً والله تعالى أعلم.
انظر كتاب "المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني" للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
صـ١٧٣ - وما بعدها.
(٦) ((في)) ليست في "ب" و"م".
(٧) "ح": كتاب الطلاق ق١٧٥ /ب.

الجزء التاسع
٩٧
كتاب الطلاق
واقعٌ إجماعاً كما حرَّرَهُ "المصنّفُ" معزيّاً لـ "جواهر الفتاوى"، حتّى لو حَكَمَ بصحَّةٍ
الدَّوْرِ حاكمٌ لا ينفُذُ أصلاً.
المُصْطَلَحَ عليه في علمِ الكلامِ، وهو توقُّفُ كلِّ مِنَ الشيئينِ على الآخرِ، فيلزَمُ توقُّفُ الشيءٍ على
نفسِهِ وتأخُّرُهُ إِمَّا بمرتبةٍ أو مرتبتينٍ، "ط) (١).
(١٢٩٢٣) (قولُهُ: واقِعٌ) أي: إذا طلّقَها واحدةٌ يقعُ ثلاثٌ، الواحدةُ الْنَخَّرَةُ وثنتَانِ مِنَ الْمُعَلّقَةِ،
ولو طلّقَها ثنتينِ وقعًَّا وواحدةً مِنَ المُعلّقَةِ، أو طلّقَها ثلاثاً يقعْنَ، فينزِلُ الطَّلاقُ المعلَّقُ
لا يصادِفُ أهليةً فيلغُو، ولو قال: إنْ طَلَقْتُكِ فأنتِ طالقٌ قبلَهُ، ثمَّ طلّقَها واحدةٌ وَقَعَ ثنتانِ، الْنَخَّزَةُ
والمعَلَّقَةُ، وقِسْ على ذلكَ، كَذَا في "فتح القدير"(٢).
[١٢٩٢٤] (قولُهُ: حتّى لو حَكَمَ إلخ) تفريعٌ عَلَى قولِهِ: واقعٌ إجماعاً، ثمَّ هذا ذكرَهُ "المصنّفُ"
أيضاً عن "جواهر الفتاوى"، فإنَّهُ قالَ: ((ولو حَكَمَ حاكمٌ بصحَّةِ الدَّوْرِ وبقاءِ النِّكَاحِ وعدمٍ وقوعِ
الطَّلاقِ لا ينفُذُ حكمُهُ، ويُحِبُ عَلَى حاكمٍ آخرَ تفريقُهُمَا؛ لأنَّ مثلَ هذا لا يُعَدُّ خلافاً؛ لأَنَّهُ قولٌ
مجهولٌ باطلٌ فاسدٌ ظاهرُ الْبُطْلانِ))، ونَقَلَ قبلَهُ عن "جواهر الفتاوى" أنَّ هذا القولَ لـ "أبي العَبَّاسِ
ابنِ سُرَيَجٍ"(٣) مِنْ أصحابِ "الشَّافعيّ"، وأَنَّهُ أنكَرَ عليهِ جميعُ أئمَّةِ المسلمينَ، وأَنَّهُ قولٌ مختَرَعٌ؛ فإنَّ
الأمَّةَ من الصَّحَابةِ والتَّابعينَ وأئمَّةِ السَّلَفِ من "أبي حنيفة" و"الشافعيِّ" وأصحابِهِمَا [٣/ ق ١٨٠ /ب]
أجمَعَتْ على أنَّ طلاقَ المكلّفِ واقعٌ)) اهـ.
قلت: لكنْ يُشْكِلُ عَلَى دَعْوَى الإجماعِ أنَّ كثيراً من أئمَّة الشَّافِعَّةِ قَالُوا بصحَّةِ الدَّوْرِ، كـ
"الْرَبِيِّ" و"ابنِ الحَدَّادِ" و"القَفَّالِ" والقاضي "أبي الطَّيِّبِ" و"البيضاويّ"، وكَذَا "الغَزَالِيُّ"
و"السُّبْكِيُّ" ، لكنَّهُمَا رَجَعَا عنهُ، وقد عَزّا في "فتح القدير "(٤) القولَ بُطْلانِ الدَّوْرِ إلى بعضٍ
الْتَأَخّرِينَ مِنْ مشائِنا، والقولَ بصحَّتِهِ وأَنَّهَا لا تطلُقُ إلى أكثرِهِمْ، وانتصَرَ لَهُ صاحب "البحر "،
(١) "ط": كتاب الطلاق ١٠٣/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الطلاق - فصل في إضافة الطلاق إلى الزمان ٣٧١/٣ بتصرف.
(٣) أبو العباس، أحمد بن عمر بن سُرَيج البغداديّ القاضي الشافعي (ت ٣٠٦هـ). ("سير أعلام النبلاء" ٢٠١/١٤،
"طبقات الشافعية الكبرى" ٢١/٣، "الوافي بالوفيات" ٢٦٠/٧).
(٤) "الفتح": كتاب الطلاق - فصل في إضافة الطلاق إلى الزمان ٣٧٢/٣.

قسم الأحوال الشخصية
٩٨
حاشية ابن عابدين
لكنْ رَأيْتُ مؤلّفاً حافِلاً للعَلامةِ "ابنٍ حَجَرِ المَكِّيِّ)"(١) فِي بُطْلانِهِ، ((وأَنْهُ قولُ أكثرِ الشَّافِعَّةِ، وأنَّ
"الْقَرَافِيِّ" مِنَ المالكَّةِ نَقَلَ عن شيخِهِ "العِزِّ بنِ عبدِ السَّلامِ" الشافعيِّ الْلَقَّبِ بـ "سُلْطَانِ العلماءِ" أَنْهُ
لا يصِحُّ، بل يحرُ تقليدُ القائلِ بصحَّتِهِ، ويُنْقَضُ قضاءُ القاضي بِهِ؛ لمخالفتِهِ لقواعدِ الشَّرْعِ، وقال:
إِنّهُ شَنْعَ على القائلِ بِهِ جماعةٌ من الحنفيّةِ والمالكِيَّةِ والحنابلةِ، وأَنُّ نَقَلَ بعضُ الأئمَّةِ عن "أبي حنيفة"
وأصحابِهِ الاتفاقَ على فَسَادِ الدَّوْرِ، وإِنَّمَا وَقَعَ عنهم في وقوعِ الثّلاثِ أو الْنَجَّزٍ وحدَهُ، وأنَّ
شارِحٌ(٢) "الإرشادِ" قال: إنَّ المعتمدَ في الفتوى وقوعُ الْنَخَّرِ، وعليهِ العملُ في الدِّيَارِ المصرِيَّةِ
والشَّامَّةِ، وعَزَاهُ "الرَّفِيُّ" إلى "أبي حنيفة"، وأَنّهُ بالَغَ "السُّرُوجِيُّ" من الحنفيَّةِ فقال: إِنَّهُ يُشْبِهُ
مذاهبَ النَّصَارَى أَنَّهُ لا يُمْكِنُ الرَّوجَ إِيقاعُ طلاقٍ عَلَى زوجِتِهِ مدَّةَ عمٍهٍ)) اهـ ملخَّصًاً، وذَكَرَ في
"فتح القدير"(٢) أيضاً أنَّ القولَ بصحَّةِ الدَّوْرِ مخالِفٌ لِحُكْمِ اللُّغَةِ، ولحكمِ العقلِ، ولحكمِ الشَّرْعِ،
وقرَّرَهُ بِمَا لا مزيدَ علیهِ، فارجِعْ إليهِ.
(تنبيه)
قَدْ بَانَ لَكَ أنَّ المعتمدَ عندَ الشَّافِعَّةِ وقوعُ الْنَخَّرِ فَقَطْ، بناءً على إيطالِ الكلامِ كلِّهِ، وهو
جملةُ التّعلِيقِ، وقد مرَّ(٤) عن "الفتح" الجزمُ بوقوعِ الثّلاثِ عندَنا، بناءً على إبطالِ لفظِ (قبله) فَقَطْ؛
لأنَّ الدَّوْرَ إِنَّمَا حَصَلَ بِهِ، ونَقَلَ "ابنُ حجرٍ" عن "مغني الحنابلةِ"(٥) حكايةَ القولينِ عندَهُمْ،
وقدَّمْنا(٦) عنهُ(٧) ما يفيدُ أنَّ الخلافَ ثابتٌ عندَنا أيضاً، والله أعلمُ.
(١) وهذا المؤلف الحافل ضمن "فتاواه الكبرى". انظر "الفتاوى الكبرى": كتاب الطلاق ١٧٩/٤ وما بعدها.
(٢) هو كمال الدين موسى بن زين العابدين ابن الرّداد البكري الصدّيقي الشافعي (ت٩٢٣هـ) واسم الكتاب:
"الكوكب الوقّاد في شرح الإرشاد". و"الإرشاد" لشرف الدين إسماعيل بن أبي بكر بن المقري اليمني الشافعي
(ت ٨٣٦هـ). ("كشف الظنون" ٦٩/١، "النور السافر" صـ١١٥-، "إيضاح المكنون" ٣٩٥/٢).
(٣) "الفتح": كتاب الطلاق - فصل في إضافة الطلاق إلى الزمان ٣٧١/٣.
(٤) المقولة [١٢٩٢٣] قوله: ((واقع)).
(٥) "المغني" لابن قدامة: كتاب الطلاق - فصل: وإن قال لزوجته إذا طلقتك ٢١٠/١٠ -٢١١.
(٦) في المقولة نفسها.
(٧) أي: عن ابن حجر. ولفظة ((عنه)) ساقطة من "ب" و"م".