Indexed OCR Text

Pages 21-40

باب القسم
الجزء التاسع
١٩
(والبِكْرُ والثّيِّبُ، والجديدةُ والقديمةُ، والمسلمةُ والكتابَيَّةُ سواءٌ) لإطلاق الآيةِ.
[١٢٧٢٢) (قولُهُ: والبكرُ الخ) نصٌّ على الأُوْلَيْنِ؛ لأنَّ فيهما خلافَ الأئمة الثلاثة، وعلى
الأخيرة لتَفْع ما يُتَوَهَّمُ من عدم مساواة الكتابية للمسلمة؛ بسبب ارتفاعها عليها بالإِسلام، أفاده في
"النّهر" (١)، ولعلَّه لم يقتصرْ على قولِهِ: (والجديدة والقديمة) ليشمل ما لو كانت البكْر والنِّب
جديدتين؛ بأنْ تزوَّجَهما معاً، تأمَّل.
[١٢٧٢٣) (قولُهُ: لإطلاق الآية) أي: قولِهِ تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ
خَرَصْتُمْ﴾(٢) [النساء - ١٢٩] أي: في المحبَّة، فلا تميلوا في القَسْم، قاله "ابن عباس"(٣)، وقولِهِ تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ (٤) بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء - ١٩] وغايْتُهُ القَسْم، وقولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْأَلَّانَعْدِلُواْ﴾.
[النساء - ٣] ولإطلاق أحاديث النهي؛ ولأنَّ القَسْم من حقوق النكاح، ولا تفاوت بينهما في ذلك،
وأمَّا ما رُوِيَ مِنْ نحوِ (لِكْر سبع ولِيب ثلاث))(*) فيحتمل أنَّ المرادَ التفضيلُ في البَدَاءة دون الزيادة،
(١) "النھر": كتاب النكاح - باب القسم ق ١٩٦/أ.
(٢) ﴿بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمّ﴾ ليست في "الأصل" و"ب" و"م".
(٣) قول ابن عباس. أخرجه مسلم (١٤٦٠) (٤٢) كتاب الرضاع - باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة
الزوج عندها عقب الزفاف.
(٤) في "ب": ((وعاشرهن))، وهو خطأ.
(٥) أخرجه مالك ٤١٩/١ كتاب النكاح - باب المقام عند البكر والآیم، وابن أبي شيبة ٣٧٩/٣، وعبد الرزاق (١٠٦٤٣) كتاب
النكاح - باب نكاح البكر، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣٠٢/٧ كتاب القسم والنشوز، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"
٢٧/٣-٢٨ من طرق عن خالد وحميد وأبي قلابة عن أنس قال: ((للبكر سبعاً وللثيب ثلاثاً)) - موقوف - وقال هشام وزهير
وخالد الواسطيّ ويزيد عن حميد عن أنس من السنة، وأخرجه ابن ماجه (١٩١٦) باب الإقامة عند البكر، والدارقطني
٢٨٣/٣، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣٠٢/٧ باب إختلاف حال النساء وغيرهم من طرق عن محمد بن إسحاق عن
أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال رسول الله ﴿، وأخرجه ابن حبان (٤٢٠٨) عن سفيان عن أيوب، به، وأكثر الرواة عن
أنس موقوفاً، وزاد بعضهم من السنة لكن صرَّح برفعه ابن إسحاق، واختلف على سفيان فرفعه عبد الجبار بن العلاء، وأبو
قلابة عن أبي عاصم عنه ورواه شعبة وخالد الواسطي وبشر وهشيم وإسماعيل عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس من
السنة إذا تزوج البكر على الثّيب أقام عندها سبعاً، أخرجه البخاري (٥٢١٣) باب إذا تزوج البكر على الثيب، -

قسم الأحوال الشخصية
٢٠
حاشية ابن عابدين
(وللأَّمَةِ، والمكاتبةِ، وأمِّ الولدِ، والمدَّرةِ) والمبعَّضةِ (نصفُ ما للحُرَّةِ) أي: مِن البيتوتةِ
والسُّكنى معها، أمَّا النَّفقةُ فبحالِهما.
(ولا قَسْمَ فِي السَّرِ) دفعاً للحرج (فله السَّفْرُ بمن شاءَ منهنَّ، والقُرعةُ أحبُ) .....
فَوَجَبَ تقديمُ الدليل القطعيِّ كما في "البحر"(١)، وفي "شرح درر البحار"(٢): ((أَنَّ الحديثَ لا يدلُّ
٤٠٠/٢ على نفي التسوية، بل على اختيار الدَّوْر بالسبع والثلاث؛ جمعاً بينه وبين ما رَوَيْنا)).
[١٢٧٢٤] (قولُهُ: وللأَمَةِ إلخ) أي: إذا كان له زوجتان أَمَّةٌ وحُرَّةٌ فللأَمَةِ النصفُ، وهذا إذا
بوّها السَّيِّدُ منزلاً، ولم أرَ مَنْ ذَكَرَهُ، وكأنّهُ لظهوره.
[١٢٧٢٥] (قولُهُ: أمَّا النفقةُ) هي الأكل والشرب واللُّبْس والمسكن.
[١٢٧٢٦) (قولُهُ: فبحالهما) أي: إنْ كان كلٌّ من الزَّوْجِ والزَّوْجة غنيّنِ فالواجبُ نفقةُ
الأغنياء، أو فقيرين فنفقةُ الفقراء، أو مختلفين فالوَسَطُ، وهذا هو المفتى به كما مرَّ(٣)، وقدَّمنا(٤) أنَّ
كلامَ "المصنف" و "الشارح" محمولٌ عليه، فافهم.
[١٢٧٢٧) (قولُهُ: ولا قَسْم فِي السَّفَر إلخ) لأنّه لا يتيسر إلا بحملهنَّ معه، وفي إلزامه ذلك من
الضرَّر ما لا يخفى "نهر "(٥)، ولأنّه قد يَشِقُ بإحداهما في السفر وبالأخرى في الحضر والقرارِ في
المنزل لحفظِ الأمتعة أو لخوفِ الفتنةِ، أو يمنعُ من سفر إحداهما كثرةُ سِمَنِها، فتعيينُ مَنْ يخاف
صحبتَها في السَّفر للسَّفر لخروج قُرْعَتِها إلزامٌ للضَّرَرِ الشَّديد، [٣/ق ١٦١ /ب] وهو مندفعٌ بالنافي
للحَرَجِ "فتح"(٦)، وانظر ما لو سافر بِهِنَّ هل يقسم؟
- ومسلم (١٤٦٠) كتاب الرضاع، وأبو عوانة (٤٣٠٩) باب السنة في المكث عند المرأة، وأبو داود (٢١٢٤)، والترمذي
(١١٣٩)، وعبد الرزاق (١٠٦٤٣)، والطحاوي وابن أبي شيبة والبيهقي من الطرق التي بيناها عن أيوب وخالد الحذّاء عن أبي
قلابة فذكره، قال خالد قال أبو قلابة: أَمَا لو قلت رفعه إلى النبي صَلّ صدقت، لكنه قال: السنة كذلك.
(١) "البحر": كتاب النكاح - باب القسم ٢٣٥/٣.
(٢) "غرر الأذكار": كتاب النكاح۔۔ ذکر القسم ق٢٠٥ /ب.
(٣) المقولة [١٢٦٩٤] قوله: ((في الملبوس والمأكول)).
(٤) المقولة [١٢٦٩٤] قوله: ((في الملبوس والمأكول)).
(٥) "النھر": كتاب النكاح - باب القسم ق١٩٦ /ب.
(٦) "الفتح": كتاب النكاح - باب القسم ٣٠٣/٣.

الجزء التاسع
٢١
باب القسم
تطبيباً لقلوبهنَّ. (ولو تَرَكَتْ قِسْمَها) بالكسرِ أي: نَوْبَتَها (لِضَرَّتِها صحَّ، ولها
الرُّجوعُ (١) في ذلك) في المستقبلِ؛.
[١٢٧٢٨] (قولُهُ: والقُرْعةُ أحبُّ) وقال الشافعيّ(٢): مستحِقّةٌ؛ لِمَا رواه الجماعة مِنْ أَنَّهِ وَلّ:
((كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فَمَنْ خرج سهمُها خَرَج بها معه))(٣)، قلنا: كان استحباباً
لتطبيب قلوبهنَّ؛ لأنَّ مطلق الفعل لا يقتضي الوجوب مع أنَّه وَ﴿ّ لم يكنْ القَسْم واجباً عليه، وتمامُهُ
في "الفتح"(٤) و"البحر"(٥)، وهذا مع قولِهِ قبلَهُ: (فتعيينُ مَنْ يخاف صحبتَها) إِلَخْ صريحٌ في أنَّ مَنْ
خرجَتْ قرعتُها لا يلزمُهُ السَّفْرُ بها.
[ مطلب في النزول عن الوظائف بمال ]
[١٢٧٢٩) (قولُهُ: صحَّ) شَمِلَ ما لو كان بشرط رشوة منه أو منها، وإنْ بَطَلَ الشرطُ كما
أوضحه في "الفتح"(٦)، خلافاً لما بحثه "الباقانيّ"؛ لأَنه اعتياضٌ عن حقِّ لم يجبْ، ولذا لم يسقط
(١) في "د" زيادة: ((قوله: ولها الرجوع إلخ، قال السَّيِّد أحمد الحموي في "حاشية الأشباه": أقول: إنّما جاز لها الرُّجوع؛
لأنَّ حقّها لم يكن ثابتاً بعدُ فيكون مجرَّد وعدٍ فلا يلزم كالُعِير. قال بعض الفضلاء: لكن ينبغي عدم حِلِّ الرُّجوع؛
لأنّه خلفٌ في الوعد وهو حرام كما في "الذخيرة"، وقد صرح صدر الشَّريعة وغيره بأنَّ الرُّجوع في العارية قبل
الوقت مكروه؛ لأنَّ فيه خُلْفَ الوعد، فعلى هذا يكون معنى قوله: ((لها أن ترجع)) يصحُّ لها أن ترجع، ولم أرَ مَنْ
صرَّح بكراهة رجوعها، فيما يقبل الإسقاط وما لا يقبله، انتهى.)). ق ١٧٢/أ.
(٢) "الأم": كتاب النفقات - قَسْم النساء إذا حضر السفر صـ١٥٩-، وسفر الرجل بالمرأة صـ٢٧٧ - بتصرف.
(٣) أخرجه أحمد ١١٧/٦ - ١٩٤ -١٩٥، والبخاري (٢٥٩٣) كتاب الهبة - باب هبة المرأة لغير زوجها، ومسلم مطولاً (٢٧٧٠)
كتاب التوبة - باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، وأبو داود (٢١٣٨) كتاب النكاح - باب في القَسْم بين النساء،
والنسائي في "السنن الكبرى" (٨٩٢٩) و(٨٩٣٠) كتاب عشرة النساء - باب قرعة الرجل بين نسائه إذا أراد السفر، وابن ماجه
(١٩٧٠) كتاب النكاح - باب القسمة بين النساء، و(٢٣٤٧) كتاب الأحكام - باب القضاء بالقرعة، والبيهقي في "السنن
الكبرى" مطوَّلاً ٣٠٢/٧ كتاب القسم والنشوز - باب القَسْم للنساء إذا حضر سفر، وأبو يعلى (٤٣٩٧)، والبغوي في "شرح
السنة" ١٥٣/٩ برقم (٢٣٢٥)، وابن حبَّان مطوَّلاً (٤٢١٢) كتاب النكاح - باب القَسْم، و(٧٠٩٩) كتاب إخبارهِ وَ﴿ عن
مناقب الصحابة. كلهم من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٤) انظر "الفتح": كتاب النكاح - باب القسم ٣٠٣/٣.
(٥) انظر "البحر": كتاب النكاح - باب القسم ٢٣٦/٣.
(٦) "الفتح": كتاب النكاح - باب القسم ٣٠٣/٣.

قسم الأحوال الشخصية
٢٢
حاشية ابن عابدين
لأَنَّه ما وجَبَ فما سقَطَ، ولو جَعَلَتْهُ لمعيّنةٍ هل له جعلُهُ لغيرِها؟ ذكَرَ "الشَّافعيُّ":
لا، وفي "البحر" بحثاً: ((نعم))،.
حقُّها، ولا يقال: إنَّه مثلُ أخذِ العِوَضِ في النُّزول عن الوظائف؛ لأنَّ مَنْ أجازه بناه على العُرْف،
ولا تُرْفَ هنا فتدبّر، نَعَمْ ذكر بعضُ الشافعيَّةِ أَنَّه يُسْتَبُطُ مِنْ هذه المسألة ومِنْ خَلْع الأجنبيّ على
مالٍ جوازُ الّزول عن الوظائف بالدراهم، وأَنَّ أفتى به "شيخُ الإسلام زكريا"(١) من الشافعيّة،
والشيخ "نور الدين الدميريُ))(٢) من المالكية، و"الشيشيّ" (٣) من الحنابلة.
قلت: واضطربَ فيه رأيُ المتأخرين من الحنفية، وأفتى "الخير الرمليُّ))(٤) بعدمه، وسيأتي(٥)
تمامُ الكلام عليه إن شاء الله تعالى في الوقف.
[١٢٧٣٠] (قولُهُ: لأَنَّه) أي: حقَّها وهو القَسْم، ((ما وجب)) أي: لم يجبْ بعدُ، ((فما
سقط)) أي: فلم يسقطْ بإسقاطها، "ح"(٦).
[١٢٧٣١) (قولُهُ: وفي "البحر"(٧) بحثاً: نَعَمْ) حيثُ قال: ((ولعلَّ المشايخ إنَّما لم يعتبروا هذا
التفصيلَ؛ لأنَّ هذه الهبةَ إنَّما هي إسقاطٌ عنه، فكان الحقُّ له سواءٌ وهَبَتْ له أو لصاحبتها، فله أنْ يجعل
(قولُهُ: ولعلَّ المشايخَ إِنَّمَا لَمْ يَعتبرُوا هذا التَّفصيلَ إلخ) أي: الَّذي نقلَهُ في "البحر" عن الشَّافِعَّةِ
وهو أنَّها إذا وَهَبَتْ حقَّها لُعََّةٍ وَرَضِيَ باتَ عند المَوْهُوبةِ ليلَتَيْن، وإنْ كَرِهَتْ ما دامَتْ الوَاهِيةُ في
نكاحِهِ، ولو كانتا مُتفرّقَتَيْن لَمْ يُوالِ بينهُما، ولو وَهَبَتْهُ للجميع جعلَها كالمعْدُومةِ، ولو وَهَبْتْهُ له فخَصَّ
به واحدةً جاز، كذا في "الرَّوْضِ".
(١) في "ب": ((ذكريا)) بالذال، وهو تحريف.
(٢) لم نقف على ترجمته.
(٣) لم نقف أيضاً على ترجمته.
(٤) "الفتاوى الخيرية": كتاب الوقف ١٥٧/١.
(٥) المقولة [٢١٥٠٥] قوله: ((فلو مأمونا لم تصح توليته غيره)).
(٦) "ح": كتاب النكاح - باب القسم ق ١٧٢/أ.
(٧) "البحر": كتاب النكاح - باب القسم ٢٣٦/٣.

الجزء التاسع
٢٣
باب القسم
ونازَعَهُ في "النّهر".
(ويقيمُ عند كلٍّ واحدةٍ منهنَّ(١) يوماً وليلةً) لكنْ إنما تلزمُهُ التّسويةُ في اللّيلِ، حتّى
لو جاءَ للأولى بعد الغروبِ وللثّانيةِ بعد العشاءِ فقد ترَكَ القَسْمَ،.
حصَّةَ الواهبة لِمَنْ شاء)) "ح".(٢)
[١٢٧٣٢] (قولُهُ: ونازعه في "النهر "(٣)) حيثُ قال: ((أقول: كونُ الحقِّ له فيما إذا وهَبَتْ
لصاحبتها ممنوعٌ، ففي "البدائع"(٤) في توجيه المسألة بأنّه حقٌّ يثبتُ لها: فَلَها أنْ تستوفيَ، ولها أنْ
تترك)) اهـ "ح"(٥).
أقول: وقد نقل المحقّق "ابن الهمام"(٦) ما ذكره الشافعيَّة وأقرَّه، غيرَ أنَّه قال: ((وفرَّعوا إذا
كانت ليلةُ الواهبة تلي ليلةَ الموهوبة قَسَمَ لها ليلتينِ متواليتينٍ، وإنْ كانت لا تليها فهل له نقلُها
فيوالي لها ليلتين؟ على قولين للشافعيَّة والحنابلة، والأظهرُ عندي أنْ [٣/ق١٦٢/أ] ليس له ذلك
إلا برضا التي تليها في النَّوْبة(٧)؛ لأَنَّها قد تتضرَّر بذلك)) اهـ. فما استظهره "المحقّقُ" يقتضي ترجيحَ
ما في "النهر" بالأوْلى.
(١٢٧٣٣] (قولُهُ: لكنْ إلخ) قال في "الفتح"(٨): ((لا نعلم خلافاً في أنَّ العدل الواجبَ في
البيتوتة والتأنيس في اليوم والليلة، وليس المرادُ أنْ يضبط زمانَ النَّهار فبقَدْر ما عاشر فيه إحداهما
(١) في "د" و"و": ((منهما)).
(٢) "ح": كتاب النكاح - باب القسم ق ١٧٢/أ.
(٣) "النهر": كتاب النكاح - باب القسم ق ١٩٦/ب.
(٤) "البدائع": كتاب النكاح - بيان حكم النكاح - فصل: ومنها وجوب العدل بين النساء ٣٣٣/٢.
(٥) "ح": كتاب النكاح - باب القسم ق ١٨٢/أ.
(٦) "الفتح": كتاب النكاح - باب القسم ٣٠٣/٣.
(٧) في "م": ((التوبة))، وهو تحريف.
(٨) "الفتح": كتاب النكاح - باب القسم ٣٠٠/٣ بتصرف.

قسم الأحوال الشخصية
٢٤
حاشية ابن عابدين
ولا يُجامِعُها في غيرِ نَوْيَتِها، وكذا لا يدخلُ عليها باللّلِ(١) إلّ لعيادِها، ولو اشتَدَّ ففي
"الجوهرة"(٢): ((لا بأس أنْ يُقيمَ عندها حتَّى تُشفَى أو تموتَ)) انتهى، يعني: إذا لم يكن
عندها مَن يُؤْنِسُها، ولو مَرِضَ هو في بيتِهِ دعا كُلاَّ فِي نَوْبَتِها؛ لأَنَّه لو كان صحيحاً
وأراد ذلك ينبغي أنْ يُقْبَلَ منه، "نهر"(٣). (وإنْ شاءَ ثلاثاً) أي: ثلاثةَ أَّامٍ ولياليَها.
(ولا يُقيمُ عند إحداهما أكثرَ إلاَّ بإذنِ الأخرى) "خلاصة"(٤).
يعاشرُ الأخرى، بل ذلك في البيتوتة، وأمَّا النّهار ففي الجملة)) اهـ. يعني لو مكث عند واحدةٍ أكثرَ
النّهار كفاه أن يَمْكُثَ عند الثانية ولو أقلَّ منه، بخلافه في الليل، "نهر "(٥).
[١٢٧٣٤) (قولُهُ: ولا يجامعُها في غير نَوْيِتِها) أي: ولو نهاراً، "ط".(٦)
[١٢٧٣٥] (قولُهُ: يعني إذا لم يكنْ إلخ) هذا التقييد لصاحب "النهر "(٧) بحثاً، وهو ظاهرٌ،
وأطلقه في "الشرنبلاليَّة"(٨)، "ط". (٩)
[١٢٧٣٦] (قولُهُ: ولو مَرِضَ هو في بيته) هذا إذا كان له بيتٌ ليس فيه واحدةٌ منهنَّ، وإلا فإنْ
لم يَقْدِرْ على التحوُّل إلى بيت الأخرى يقيم بعد الصِّحَّة عند الأخرى بقَدْر ما أقام عند الأولى
مريضاً كما قدَّمناه(١٠) عن "البحر".
[١٢٧٣٧] (قولُهُ: ولا يقيم عند إحداهما أكثرَ إلخ) لم يبِيِّنْ ما لو أقام أكثر من ثلاثة أيام،
هل يُهْدَرُ الزائدُ؟ أو يقيمُ عند الأخرى بقَدْر ما أقام عند الأولى، ثُمَّ يقسمُ بينهما ثلاثةٌ وثلاثةً،
(١) ((بالليل)) ليست في "ب" و"ط".
(٢) "الجوهرة النيرة": كتاب الرضاع ٩٤/٢.
(٣) "النهر": كتاب النكاح - باب القسم ق١٩٦/ب بتصرف.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب النكاح - الفصل الثامن عشر في الحظر والإباحة ق ٨٦/أ.
(٥) "النهر": كتاب النكاح - باب القسم ق ١٩٦/أ.
(٦) "ط": كتاب النكاح - باب القسم ٩١/٢.
(٧) "النهر": كتاب النكاح - باب القسم ق ١٩٦/أ.
(٨) "الشرنبلالية": كتاب النكاح - باب القسم ٣٥٥/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٩) "ط": كتاب النكاح - باب القسم ٩١/٢.
(١٠) المقولة [١٢٧٠٤] قوله: ((ومريض)).

الجزء التاسع
٢٥
باب القسم
أو يوماً ويوماً؟ والظاهرُ الثاني؛ لأنَّ هَدْرَ ما مضى فيما إذا أقام عند إحداهما، لا على سبيل القَسْم
كما تقدَّمُ (١)، وهنا في الإقامة على سبيل القَسْم، فلا يُهْدَرُ شيءٌ، ويؤيِّده ما في "الخانية"(٢) ((مِنْ
أَنَّه لو أقام عند الجديدة ثلاثةَ أيام، أو سبعة أيام يقيم عند الأولى كذلك)) اهـ.
لكن ظاهرُهُ أنَّ له أن يجعل الدَّوْرَ مستمرًّاً ثلاثةً أو سبعةً، وهذا مخالفٌ لما ذكره "المصنّف"،
ويؤيِّده ما قدَّمناه(٣) عن "شرح درر البحار" في التوفيق بين الأدلّة: ((أَنَّ الحديث يدلُّ على اختيار
الدَّوْر بالسبع أو الثلاث))، تأمَّل. وعن هذا نقل "القهستانيّ(٤) عن "الخانية" و"السراجية"(٥)
وغيرِهما : ((أَنَّ له أنْ يقيمَ عند امرأته ثلاثةً أو سبعةً، وعند أخرى كذلك)) اهـ.
والذي في "الخانية" هو ما ذكرناه(٦)، وفي "كافي الحاكم الشهيد" ((يكون عند كلِّ واحدة
٤٠١/٢ منهما يوماً وليلةٌ، وإنْ شاء أنْ يجعلَ لكلِّ واحدةٍ منهما ثلاثةَ أيامٍ فَعَلَ، ورَوَى عن الأشعث عن
الحَكَم عن رسول الله ﴿ أَنَّه قال لأمّ سلمة حين دخل بها: ((إِنْ شِئْتِ سَبَّعتُ لك وسبَّعتُ
لهنَّ)(٧)) اهـ(٨).
(١) صـ ١٦-١٧ - "در".
(٢) "الخانية": كتاب النكاح - فصل في القسم ٤٣٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) المقولة [١٢٧٢٣] قوله: ((لإطلاق الآية)).
(٤) "جامع الرموز": كتاب النكاح - فصل نكاح القن ٢٦٧/١.
(٥) لم نعثر عليها في مخطوطة "الفتاوى السراجية" التي بين أيدينا.
(٦) في المقولة نفسها.
(٧) في النسخ جميعها: ((سبعةً لك وسبعةً لهن)) بالتاء المربوطة، وما أثبتناه هو الصواب الموافق لما في المصادر الحديثية.
(٨) أخرجه عن الحكم مرسلاً ابن أبي شيبة ٣٧٩/٣، وسعيد بن . .. سور (٧٨٢) كلاهما في باب الإقامة عند البكر فقال الحكم:
هذا الحديث عند أهل الحجاز معروف، وأخرجه أحمد ٢٩٢/٦، ٣٠٧، ومسلم (١٤٦٠) كتاب الرضاع - باب قدر ما
تستحقہ البکر والثيب، وأبو داود (٢١١٢) كتاب النكاح - باب في المقام عند البكر، والنسائي في "الكبرى" (٨٩٢٥) كتاب
عشرة النساء - باب الحال التي يختلف فيه حال النساء، وابن ماجه (١٩١٧) كتاب النكاح - باب الإقامة على البكر والثّيبِّ، =

قسم الأحوال الشخصية
٢٦
حاشية ابن عابدين
زاد في "الخانَيَّة": (والرَّأيُ في البداءةِ) في القَسْمِ (إليه) وكذا في مقدارِ الدَّوْرِ،
"هداية"(١) و"تبيين"(٢). وقَّدَهُ في "الفتح" بحثاً بمدَّةِ الإِيلاءِ أو جمعةٍ».
ومقتضى روايةٍ(٣) الحديث أنَّ له [٣/ق١٦٢/ب] التسبيعَ، بل في "غاية البيان" إن شاء ثَلَّثَ لكلِّ
واحدةٍ، وإن شاء سَّعَ إلی غیر ذلك.
[١٢٧٣٨] (قولُهُ: زاد في "الخانية") يُؤْهِمُ أنَّ عبارة "الخانية"(٤) صريحةٌ في الحَصْر كعبارة
"الخلاصة"(٥)، وليس كذلك، فإنَّ الذي فيها: ((عليه أنْ يسوِّيَ بينهما، فيكونُ عند كلِّ واحدة
منهما يوماً وليلةً، أو ثلاثةَ أيامٍ ولیالْها، والرأيُ في البداية إليه)) اهـ
فالظاهرُ أنَّ هذا بيانٌ للأفضل، لا لنفي الزيادة، بقرينة عبارته المارَّة(٦)، تأمَّل.
[١٢٧٣٩] (قولُهُ: وڤَّده في "الفتح") أي: قَّد كلامَ "الهداية" المذكورَ حيث قال:(٧) ((اعلم أنَّ
هذا الإِطلاقَ لا يمكن اعتبارُهُ على صراحتِهِ؛ لأَنّه لو أراد أنْ يدور سنةً سنةً ما يُظَنُّ إطلاقُ ذلك،
بل ينبغي أنْ يُطْلَقَ له مقدارُ مدّة الإِيلاء، وهو أربعة أشهر، وإذا كان وجوبُهُ للتأَنَس ورفعِ الوحشة
وَجَبَ أنْ تعتبرَ المدّةُ القريبةُ، وأظنُّ أنَّ أكثرَ مِنْ جُمُعَةٍ مضارَّةٌ إلا أنْ يرضيا)) اهـ.
- وابن أبي شيبة ٣٧٩/٣، والطّحاوي في "شرح معاني الآثار" ٢٩/٣ كتاب النكاح - باب مقدار ما يقيم الرجل عند
الثيب أو البكر إذا تزوجها، وغيرهم من طرق عن يحيى القطان مجوداً عن سفيان الثوري (ح) ويعلى بن عبيد كلاهما
عن محمد بن أبي بكر عن عبد الملك بن أبي بكر (ح) ومن طريق حبيب بن أبي ثابت عن عبد الحميد بن عبد الله
والقاسم (ح) وعن حفص بن غياث عن عبد الواحد بن أيمن ثلاثتهم عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن أم
سلمة موصولاً مصرحاً عنها بالتحديث، ورواه مالك والثوري واختلف عنه وابن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر عن
عبد الملك عن أبي بكر أنَّ رسول الله ﴿ مرسلاً، ورواه عبد الرحمن بن حميد عن عبد الملك، به، مرسلاً، والصواب
الموصول وله طرق أُخر لا نطيل بذكرها عن عمر بن أبي سلمة وعبد العزيز بن بنت أم سلمة عنها موصولاً.
(١) "الهداية": كتاب النكاح - باب القسم ٢٢٢/١ بتصرف.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب النكاح - باب القسم ١٨٠/٢ بتصرف.
(٣) في "ب" و"م": ((روايته)).
(٤) "الخانية": كتاب النكاح - فصل في القسم ٤٣٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب النكاح - الفصل الثاني عشر في الحظر والإباحة ق ٨٦/أ.
(٦) في المقولة السابقة.
(٧) أي: في "الفتح": كتاب النكاح - باب القسم ٣٠٢/٣.

الجزء التاسع
٢٧
باب القسم
وعمَّمَهُ في "البحر"، ونظَرَ فيه في "النّهر "(١)، قال "المصنّف": ((وظاهرُ بحثهما أَنَّهما لم
يَطْلِعا على ما في "الخلاصة" من التّقييدِ بالثَّلاثةِ أَيَّامٍ كما عَوَّلنا عليه في "المختصر"،
والله تعالى أعلم)).
فقولُهُ: ((وأظنُّ)) الخ إضرابٌ إيطاليٌّ عن مدّة الإِيلاء، فيناسبُ أنْ تكونَ ((أو)) في قول
"الشارح": ((أو جمعة)) بمعنى ((بل)) كما في قول الشاعر: [بسيط]
كانوا ثمانينَ أو زادُوا ثمانيةٌ (٢)
"ح"(٣).
[١٢٧٤٠) (قولُهُ: وعمَّمَهُ في "البحر "(٤) حيث قال: ((والظاهر الإطلاقُ؛ لأَنَّه لا مضارَّةً حيث
كان على وجه القَسْم؛ لأنّها مطمئنةٌ بمجئ نَوْيَتِها.
[١٢٧٤١] (قولُهُ: وَنَظَرَ فيه في "النهر"(٥)) حيث قال: ((في نفي المضارَّة مطلقاً نَظَرٌ
لا يخفى)) اهـ.
قلت: وأيضاً فإنَّ الاطمئنان بمجيئ النَّوْبَة منتفٍ مع طول المدَّةِ كسنةٍ مثلاً؛ لاحتمال موته
أو موتِها، مع ما فيه من تفويت المعنى الذي شُرِعَ القَسْم لأجله وهو الاستئناس.
[١٢٧٤٢] (قولُهُ: وظاهرُ بحثهما) أي: صاحب "الفتح"(٦) و"البحر"(٧) كما في "المنح"(٨)، "ح"(٩).
(١٢٧٤٣] (قولُهُ: من التقييد بالثلاثة أيامٍ) قد علمْتَ ما ينافي هذا التقييد.
(١) "النهر": كتاب النكاح - باب القسم ق١٩٧/أ بتصرف.
(٢) صدر بيت لجرير وعجزه: ((لولا رجاؤك قد قتلت أولادي)). وهو في ديوانه صـ١٥٦-، و"مغني اللبيب" ص ٩١ -
و"فرائد القلائد" صـ٦٦٣ -، وشرح أبيات المغني ٥٤/٢، و"شرح شواهد ابن عقيل" صـ٢٠٧ -.
(٣) "ح": كتاب النكاح - باب القسم ق ١٧١/أ.
(٤) "البحر": كتاب النكاح - باب القسم ٢٣٥/٣.
(٥) "النهر": كتاب النكاح - باب القسم ق ١٩٦/أ.
(٦) "الفتح": كتاب النكاح - باب القسم ٣٠٢/٣.
(٧) "البحر": كتاب النكاح - باب القسم ٢٣٥/٣.
(٨) "المنح": كتاب النكاح - باب في بيان أحكام القسم ١/ق١٣٣/أ.
(٩) "ح": كتاب النكاح - باب القسم ق/١٧٢/أ.

قسم الأحوال الشخصية
٢٨
حاشية ابن عابدين
(فروعٌ) لو كانَ عملُهُ ليلاً كالحارسِ ذكَرَ الشَّافعَّةِ أَنَّه يَقسِمُ نهارً (١)، وهو
حسنٌ. وحقُّهُ عليها أنْ تُطِيعَهُ في كلِّ مباحٍ يأمُرُها به. وله مَنْعُها من الغَزْلِ ومن
أكل ما يتأذّى من رائحتِهِ، بل ومن الحِنَّاءِ والنَّقْشِ إنْ تأذِّى من رائحتِهِ(٢)،
"نهر"(٣). وتمامُهُ فيما علَّقْتُهُ على "الملتقى".
[١٢٧٤٤] (قولُهُ: وهو حسنٌ) كذا قاله في "النهر "(٤).
[١٢٧٤٥] (قولُهُ: في كلِّ مُبَاحِ) ظاهرُهُ أَنَّه عند الأمر به منه يكون واجباً عليها، كأمر
السلطان الرعيةَ به، "ط"(٥).
[١٢٧٤٦] (قولُهُ: ومِنْ أكل ما يُنَأَذِّى به) أي: برائحته كثوم وبصل، ويُؤْخَذُ منه أنَّه لو تأذى
من رائحة الدُّخان المشهورُ له منعُها مِنْ شُرْبه.
[١٢٧٤٧] (قولُهُ: بل ومن الحنّاء) ذكرَهُ في "الفتح"(٦) بحثاً أخذاً ما قبلَهُ.
[١٢٧٤٨) (قولُهُ: وتمامُهُ فيما علَّقته على "الملتقى)(٧) وعبارتُهُ: عن "الخانية"(٨) معزياً لـ "المنتقى"
((لو كان له امرأةٌ وسراري أُمِرَ بيومٍ وليلةٍ مِنْ كلِّ أربعٍ عندها، وفي البواقي عندَ مَنْ شاء منهنَّ،
وكذا لو كان له ثلاثُ نسوةٍ أُمِرَ بيوم [٣/ق١٦٣/أ) وليلة عند كلٌّ منهنَّ، ويقيم في يوم وليلة عند
مَنْ شاء من السراري ولو له أربعةٌ أقام عند كلِّ يوماً وليلةً، ولم يكن عند السراري إلا وِقْقَةَ المارِّ،
ويكره للرَّجل أنْ يطأ امرأته وعندها صِيٌّ يعقل، أو أعمى، أو ضرَّتُها، أو أمتُها، أو أمتُهُ)) اهـ.
ثمّ قال (٩): ((ولا يجمع بين الضَّرائر إلا بالرِّضا، ولو قالت: لا أسكن مع أمتك ليس لها
(١) في "ب": ((لنهاراً))، وهو خطأ.
(٢) في "ب" و"ط": ((برائحته)).
(٣) "النهر": كتاب النكاح - باب القسم ق١٩٧/أ بتصرف.
(٤) "النهر": كتاب النكاح - باب القسم ق ١٩٦/أ.
(٥) "ط": كتاب النكاح - باب القسم ٩١/٢.
(٦) "الفتح": كتاب النكاح - باب القسم ٣٠٤/٣.
(٧) انظر "الدر المنتقى": كتاب النكاح - باب القسم ٣٧٤/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٨) "الخانية": كتاب النكاح - فصل في القسم ٤٤٠/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) أي: في "الدر المنتقى": كتاب النكاح - باب القسم ٣٧٥/١ (هامش "مجمع الأنهر").

الجزء التاسع
٢٩
باب القسم
ذلك، ولو أقام عند الأمة يوماً فَعَنَقَتْ يقيم عند الحرّة يوماً، وكذلك العكس)) اهـ.
أي: لو أقام عند الحرّة يوماً فَعَنَقَتْ زوجتُهُ الأمةُ يتحوَّلُ إلى المُعْنَقَةِ، ولا يُكْمِلُ للحرَّة يومين
تنزيلاً للحريَّة انتهاءً منزلتَها ابتداءً كما في "المعراج".
أقول: وما نقله أوَّلاً عن "المنتقى" مبنيٌّ على رواية "الحسن" المرجوعِ عنها كما تقدَّم، مِنْ أنَّ
للحرَّة يوماً وليلةً مِنْ كلِّ أربع، هكذا خَطَر لي، ثمَّ رأيْتُ "الشرنبلاليّ" صرَّح به في رسالته: "تحدد
المسرَّات بالقَسْم بين الزوجات"(١) وقال: ((ولم أرَ مَنْ نَّه على ذلك، ومَبْنَى الرسالةِ على سؤالٍ
في: رجلٍ له زوجتان وجوارٍ، يقسم للزوجتين، ثمَّ يبيت عند جواريه ما شاء، ثمَّ يرجع
إلى زوجتيه، ويقسم لهما؟ أجاب بالجواز أخذاً من قول "ابن الهمام)(٢) اللازمُ أَنَّه إذا بات عند
واحدة ليلةً يبيت عند الأخرى كذلك، لا أنّ يجب أنْ يبيت عند كلٍّ واحدةٍ منهما دائماً، فإنّه لو
ترك المبيت عند الكلِّ بعضَ الليالي وانفرد لم يُمْنَع من ذلك اهـ.
يعني بعد تمام دَوْرِهِنَّ، وسواءٌ انفرد بنفسه، أو كان مع جواريه)) اهـ. فافهم، والله
سبحانه أعلم.
(١) "تجدّد المسرّات بالقسم بين الزوجات" لأبي الإخلاص حسن بن عمَّار الوفائيّ الشُّرنُبُلالي المصريّ (ت ١٠٦٩ هـ).
("إيضاح المكنون" ٢٢٧/١، "خلاصة الأثر" ٣٨/٢، "التعليقات السَّنية" صـ٥٨-).
(٢) "الفتح": كتاب النكاح - باب القسم ٣٠٣/٣.

قسم الأحوال الشخصية
٣٠
حاشية ابن عابدين
﴿بابُ الرَّضاع﴾
(هو) لغةً بفتحٍ وكسرٍ :.
﴿باب الرَّضاع﴾
لَمَّا كان المقصودُ من النّكاح الولدَ، وهو لا يعيشُ غالباً في ابتداءٍ إنشائِهِ إِلاَّ بالرَّضَاعِ، وكان
له أحكامٌ تتعلَّقُ به، وهي من آثار النّكاح المتأخّرةِ عنه بمدّةٍ وجب تأخيرُهُ إلى آخر أحكامه، ثمَّ
قيل: كتاب الرَّضاع ليس من تصنيف "محمَّدٍ"، إنَّما عَمِلَهُ بعضُ أصحابه ونسَبَهُ إليه لِيُرَوِّجَهُ، ولذا
لم يذكرْهُ "الحاكم أبو الفضل" في مختصره المسمَّى بـ "الكافي"، مع التزامِهِ إيرادَ كلام "محمَّدٍ" في
جميع كتبه محذوفةَ التّعاليل، وعامَّتُهم على أنّه من أوائل مصنَّفاته، وإنَّما لم يذكرُهُ "الحاكم" اكتفاءً
بما أورَدَهُ من ذلك في كتاب النكاح، "فتح" (١).
[١٢٧٤٩] (قولُهُ: بفتحِ وكسرٍ) [٣/ق١٦٣ /ب] ولم يذكروا الضمَّ مع جوازه؛ لأَنّه بمعنى أنْ
تُرْضِعَ معه آخرَ كما في "القاموس"(٢) ، وفيه: أنَّ فِعْلَهُ جاء من باب عَلِمَ في لغة تِهَامة، وهي ما
فوق نجد، ومن باب ضَرَبَ في لغة نجد، وجاء من باب كَرُّمَ، "نهر". (٣) زاد في المصباح(٤) لغةٌ
﴿بَابُ الرَّضَاعِ﴾
(قولُهُ: لأَنّ بمعنى: أنْ تُرْضِعَ معهُ آخَرَ إِلخ) في "القاموس": ((المُرَاضَعَةُ: أنْ يَرْضَعَ الطّفْلُ أُمَّهُ وفِي بَطْنِها
وَلَدْ، وأنْ يَرْضَعَ مَعَهُ آخَرُ، كالرَّضاعٍ)) اهـ. والمَضْبُوطُ بُنُسحةِ الطّبْعِ: الرِّضَاعُ - بالكسر - وهو مُقْتضى ما ذُكِرَ
في المقْصِدِ السَّادسِ من "رسالة" الشَّيِخِ "نَصْرٍ" في "اصطلاحاتِ القامُوسِ"، وكذا صرَّحَ به في "شَرْحِهِ"، وعبارَةُ
"النّهر": ((ولم يَذْكُرُوا الضَّمَّ مع جَوازِهِ لأَنّ بمعنى: أنْ يَرْضَعَ معهُ آخَرُ، كما في "القاموس")) اهـ. ففي ما قالَهُ في
"النّهر"، تأمل. ولم يذكر في "القاموس" ولا في غيرِه على ما رأيتُ ضِبْطَهُ بالضَّمِّ بالَعْنِى الَّذِي قَلَهُ فِي "النّهر"
ولا يَعْنِىٌ آخَرَ، ولو كان هذا الضَبطُ صحيحاً لذَكَرُوه.
(١) "الفتح": كتاب الرضاع ٣٠٤/٣ بتصرف.
(٢) "القاموس": مادة ((رضع)).
(٣) "النهر": كتاب الرضاع ق١٩٧/أ.
(٤) "المصباح المنير": مادة ((رضع)).

الجزء التاسع
٣١
باب الرضاع
مَصُّ الثَّدي، وشرعاً: (مَصُّ الرَّضيعِ(١) من ثديٍ آدمَيَّةٍ) ولو بكراً أو ميتةً أو آيسةً،
وأُلحِقَ بالمصِّ الوُجُورُ والسُّعُوطُ.
٤٤٠٢/٢ أخرى من باب فَتَحَ، مصدرُهُ رَضاعاً ورَضاعة بالفتح.
[١٢٧٥٠) (قولُهُ: مصُّ الّذيِ) قال في "المصباح"(٢): ((الّذي للمرأة، ويقال في الرجل أيضاً،
قال "ابن السُّكِّيت"(٣): يُذَكَّر ويُؤَنّث)) اهـ.
وهذا التعريف قاصرٌ؛ لأَنَّه في اللغة يعمُّ المصَّ ولو من بهيمةٍ، فالأَوْلى ما في "القاموس"(٤):
هو لغةً: شربُ اللَّن من الضَّرْعِ والتَّدْي، "ط" (٥).
[١٢٧٥١) (قولُهُ: آدميةٍ) خَرَج بها الرجلُ والبهيمةُ، "بحر "(٦).
[١٢٧٥٢] (قولُهُ: أو آيسةٌ) ذكره في "النهر"(٧) أخذاً من إطلاقهم، قال: ((وهو حادثة
الفتوى)).
[١٢٧٥٣] (قولُهُ: وأُلْحِقَ بالمصِّ إلخ) تعريضٌ بالردّ على صاحب "البحر" حيث قال(٨):
((التعريفُ منقوضٌ طرداً؛ إذْ قد يوجد المصُّ ولا رضاعَ إن لم يَصِلْ إلى الجوف، وعكساً إِذْ قد
يوجد الرَّضاع ولا مصَّ كما في الوُجُور والسُّعوط))، ثمَّ أجاب بـ: ((أنَّ المرادَ بالمصِّ الوصولُ
(١) ((الرضيع)) ليست في "ب" و"و" و"ط".
(٢) "المصباح المنير": مادة((ثدي)).
(٣) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن السِّكِّيت البغداديّ النَّحويّ، شيخُ العربية (ت٢٤٤هـ وقيل: ٢٤٦هـ)
("بغية الوعاة" ٣٤٩/٢، "وفيات الأعيان" ٣٩٥/٦، "سير أعلام النبلاء" ١٦/١٢).
(٤) "القاموس" مادة ((رضع)) بتصرف.
(٥) "ط": كتاب النكاح - باب الرضاع ٩٢/٢ بتصرف يسير.
(٦) "البحر": كتاب الرضاع ٢٣٨/٣.
(٧) "النهر": كتاب الرضاع ق١٩٧/أ.
(٨) "البحر": كتاب الرضاع ٢٣٨/٣ بتصرف.

قسم الأحوال الشخصية
٣٢
حاشية ابن عابدين
(في وقتٍ مخصوصٍ) هو (حَوْلانِ ونصفٌ عنده، وحَوْلانِ) فقط (عندهما، وهو
الأصحُّ) "فتح"(١). وبه يُفتَى كما في "تصحيح القدوريِّ"
إلى الجوف من المنْفَذَّيْنِ، وخصَّه لأَنّه سببٌ للوصول، فأطلق السببَ وأراد المسبّب))، واعترضه في
"الَّهر"(٢) بأنَّ المصرَّ يستلزم الوصولَ إلى الجَوْف؛ لِمَا في "القاموس"(٣): مَصِصْتُهُ: شَرِيْتُهُ شُرْباً رفيقاً(٤)،
وجعل الوُجُورَ والسُّعُوطَ مُلْحَقَينِ بالمصِّ "ح"(٥)، وفي "المصباح"(٦): الوَجُور بفتح الواو: الدواء يُصَبُّ
في الحَلْقِ، وأَوْجَرْتُ المريضَ إيجاراً فعلْتُ به ذلك، ووَجَرَّتُهُ أَجِرُهُ من باب وَعَد:َ لغةٌ، والسَّعُوط
كَرَسُول: دواءٌ يُصَبُّ في الأنف، والسُّعُوط كقُعُود: مصدرٌ، وأسعطتُهُ الدَّوَاءَ يتعدّى إلى مفعولين.
[١٢٧٥٤] (قولُهُ: في وقتٍ مخصوصٍ) قد يقال: إنَّه لا حاجةً إليه للاستغناء عنه بالرَّضيع،
(قولُهُ: واعترَضَهُ فِي "النّهر" بأنَّ الَصَّ إلخ) عبارَةُ "القاموس" لا تَصلُحُ ردّاً على "البحر" إلاّ إذا كان المَصُّ
معناه شَرْعاً أيضاً ما ذكرَهُ في "القاموس"، مع أنَّ مُقْتَضى ما ذكَرَه "لُحشِّي" في الأيمان عن "الفتح": ((أَنَّه لو
حلَفَ لا يَأْكُلُ عِنباً، أو رُمَّانً فجعَلَ يَمْصُّهُ وَرْبِي تُفْلَهُ، وَيَبْتَلِعُ المُتحصَّلَ بالَصِّ لا يَحْنُثُ؛ لأنَّ هذا ليس أكْلاً
ولا شُرْباً بل مَصِّ اهـ.)) أنَّه يُطلَقُ على الامتصاصِ بدون ابتلاعٍ، ولذا قال: ((وَيَبْتَلِعُ المُتحصَّلَ بِالمَصِّ)، تأمَّل.
(قولُهُ: والسَّعُوطُ كَرَسُولٍ: دواءٌ إلخ) قال "السِّنْدِيُّ": ((السَّعُوطُ - كرَسُولٍ -: دواءٌ مائِعٌ يُصَبُّ في
الأنفِ، وهو بخلافِ النَّشُوقِ والنَّقُوخِ فإنّه دواءً جافٌّ دقيقٌ جدًا يَحْذِيبُهُ الأَنْفُ بِرِيحِهِ إلى الدِّماغِ.
(قولُهُ: للاستغناءِ عنه بالرَّضيعِ إلخ) أي: الواقعِ في عبارَةِ "الكنز"، وفي تنظيره نظَرٌ؛ إذ المُرادُ بالكبيرة في
عبارةِ "العِنايةِ": مَن تَمَّ له مُدَّةُ الرَّضاعِ حَتَّى يَصِحَّ الرَّدُّ على مَن سَوَّى في التّحريمِ، وهو مُؤدَّى عبارَةِ "النّهرِ":
((الكبيرُ لا يُسمَّى رضيعاً))، تأمَّل.
(١) "الفتح": كتاب الرضاع ٣٠٩/٣ بتصرف.
(٢) "النهر": كتاب الرضاع ق١٩٧/أ.
(٣) "القاموس": مادة ((مصص)).
(٤) في النسخ جميعها: ((رقيقاً))، وما أثبتناه من "القاموس".
(٥) "ح": كتاب الرضاع ق ١٧٢/أ.
(٦) "المصباح المنير": مادة ((وجر)).

٣٣
باب الرضاع
الجزء التاسع
عن "العون" لكنْ في "الجوهرة" أنّه في الحولين ونصف ولو بعد الفطام محرَّم وعليه الفتوى،
واستدلوا لقول الإمام بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف -١٥]
أي: مدة كلّ منهما ثلاثون.
وذلك أنّه بعد المدّة لا يُسَمَّى رضيعاً، نصَّ عليه في "العناية"(١)، "نهر "(٢)، وفيه نظر." والذي في
"العناية" أنَّ الكبيرَ لا يُسَمَّى رضيعاً، ذكرَهُ ردًّاً على مَنْ سوَّى في التحريم بين الكبير والصغير.
[١٢٧٥٥] (قولُهُ: عن "العون") كذا في عامّة النُّسَخ، وفي بعضها: ((عن "العيون")) بالياء بين
العين والواو، وهو اسمُ كتابٍ أيضاً، وهو الذي رأيتُهُ في "النهر"(٣) وفي "تصحيح القدوريّ"
[٣/ق١٦٤/أ] أيضا، فافهم.
[١٢٧٥٦) (قولُهُ: لكنْ إلخ) استدراكٌ على قوله: ((وبه يفتى))، وحاصلُهُ: أنّهما قولانٍ أفتى
بكلِّ منهما، "ط" (٤).
[١٢٧٥٧] (قولُهُ: أي: مدّةُ كلِّ منهما ثلاثونَ) تقديرُ المضافِ ليس لصحَّة الحَمْل؛ لأنَّ
الإخبارَ بالزمان عن المعنى صحيحٌ بلا تقديرٍ فافهم، بل لبيان حاصلِ المعنى، قال في "الفتح"(*):
((ووجهُهُ أَنَّه سبحانَه ذَكَرَ شيئينٍ، وضَرَبَ لهما مدّةً، فكانَتْ لكلِّ واحد منهما بكمالها، كالأجل
المضروب لدينين على شخصين، بأنْ قال: أجَّلْتُ الدَّيْنَ الذي على فلان، والدَّيْنَ الذي على فلان
سنةٌ، يُفْهَمُ منه أنَّ السَّنَةَ بكمالها لكلِّ).
(قول "الشَّارِحِ": لكنَّ في "الجوهرة" أنّه إلخ) ونقلَ "السِّنْدِيُّ" عن "الخانيَّة": ((أَنَّ تقديرَ مُدَّتِهِ بِحَوْلَيْن
ونصفٍ ظاهرُ الرِّوايةِ))، وأنَّ في "فتحِ القديرِ" عن "النَّطِيِّ": ((الفَتْوى على ظاهرِ الرِّوايةِ)) اهـ.
(١) "العناية": كتاب الرضاع ٣٠٩/٣ (هامش "فتح القدير").
(٢) "النهر": كتاب الرضاع ق١٩٧/أ.
(٣) "النھر": کتاب الرضاع ق١٩٧ /ب.
(٤) "ط": كتاب النكاح - باب الرضاع ٩٢/٢.
(٥) "الفتح": كتاب الرضاع ٣٠٧/٣ - ٣٠٨.

قسم الأحوال الشخصية
٣٤
حاشية ابن عابدين
غيرَ أنَّ النَّقص في الأوَّلِ قامَ بقولِ "عائشة": ((لا يبقى الولدُ أكثرَ من سنتين))، ومثلُهُ
لا يُعرَفُ إلَّ سماعاً، والآيةُ مُؤوَّلةٌ لتوزيعِهم الأجلَ على الأقلِّ والأكثرِ، فلم تكن
دلالُتُها قطعيَّةً، على أنَّ الواجب على المقلّد العملُ بقولِ المجتهدِ وإنْ لم يظهر دليلُهُ .....
[١٢٧٥٨) (قولُهُ: غيرَ أنَّ النّقْصَ) أي: عن الثلاثين في الأول، يعني في مدّة الحَمْل، أي: أكثرُ
مُدَّتِهِ قام، أي: تحقَّقَ وَثَبَتَ.
[١٢٧٥٩] (قولُهُ: لا يَبْقَى الولدُ إلخ) الذي في "الفتح"(١): ((الولدُ لا يَبْقى في بطن أمِّه أكثرَ مِنْ
سنتينٍ ولو بقَدْرِ فَلْكَة مَغْزَل، وفي رواية: ولو بقَدْر ظِلِّ مَغْزَل، وسنُخَرِّجُه في موضعه)) اهـ.
وفَلْكَة المغزل كَمْرة: معروفةٌ، "مصباح(٢)، وهو على تقديرِ مضافٍ، وقد جاء صريحاً في
"شرح الإرشاد" ولو بِدَوْرِ فَلْكَة مَغْزَل، والغرضُ تقليلُ المُدَّةِ، "مغرب". (٣)
[٢١٢٧٥٩) (قولُهُ: ومثلُهُ لا يُعْرَفُ إلَّ سماعاً)؛ لأنَّ الْمُقَدَّراتِ لا يهتدي العقلُ إليها، "فتح"(٤)
أي: فهو في حكم المرفوع المسموع من النبيّ ◌َلّ.
[١٢٧٦٠] (قولُهُ: والآيةُ مؤولةٌ) أي: قابلةٌ للتأويل بمعنىٍ آخرَ، فلم تكنْ قطعيَّةَ الدَّلالةِ على
المعنى الأوَّلِ، فجاز تخصيصُها بخبر الواحد.
[١٢٧٦١] (قولُهُ: لتوزيعِهم) أي: العلماءِ كالصاحبين وغيرِهما الأجلَ، أي: ثلاثون شهراً على
الأقلِّ، أي: أقلِّ مدَّةِ الحَمْل، وهو ستةُ أشهرٍ، والأكثرِ أي: أكثرِ مُدَّةِ الرَّضاعِ، وهو سنتانِ،
فالثلاثون بيانٌ لمجموع المُدَّتِينِ لا لكلِّ واحدةٍ.
[١٢٧٦٢] (قولُهُ: على أنَّ إلخ) تَرَقِّ في الجواب، وفيه إشارةٌ إلى ما أورده في "الفتح"(٥)
(١) "الفتح": كتب الرضاع ٣٠٨/٣ بتصرف يسير.
(٢) "المصباح": مادة ((فلك)).
(٣) "المغرب": مادة ((فلك)).
(٤) "الفتح": كتاب الرضاع ٣٠٨/٣.
(٥) "الفتح": كتاب الرضاع ٣٠٨/٣.
٠۵

باب الرضاع
الجزء التاسع
٣٥
كما أفادَهُ في "رسم المفتيّ"، لكنْ في آخر "الحاوي": ((فإنْ خالَفَا قيل: يُخَيَّرُ المفتي، .....
على دليل الإمام المارّ(١)، ((مِنْ أَنّ يستلزم كونَ لفظِ (ثلاثين) مستعملاً في إطلاقٍ واحدٍ في مدلول
ثلاثين وفي أربعةٍ وعشرين، وهو الجمعُ بين الحقيقة والمجاز بلفظٍ واحدٍ (٢)، ومِنْ أنَّ أسماءَ العدد لا يُتَجَوَّزُ
بشيءٍ منها في الآخر، نصَّ عليه كثيرٌ من المحقّقين؛ لأَنَّها بمنزلة الأعلام على مسمَّيَّاتِها)) اهـ
وأجاب "الرحميُّ" بـ ((أنَّ حمَلَهُ وفِصالَهُ [٣/ق١٦٤/ب] مبتدآن، وثلاثون خبرٌ عن أحدهما،
أي: الثاني، وحُذِفَ خبرُ الآخر، فأحدُ الخبرين مستعملٌ في حقيقتِهِ، والآخرُ في مجازِهِ، فلا جَمْعَ في
لفظٍ واحدٍ، وعن الثاني بأنَّه ◌ُطْلِقَ الشَّهْرُ في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة - ١٩٧]
على شهرين وبعضِ الثالث)) اهـ.
قلت: وفيه: أنَّ الشَّهْرَ ليس من أسماء العدد، فالمناسبُ الجوابُ بما قاله الجمهور مِنْ أنَّ عشرةً
إلّ اثنينِ أُرِيْدَ به ثمانيةٌ، كما أشار إليه في "الفتح"، لكنْ هذا خاصٌّ بالاستثناء، والكلامُ ليس فيه(٣).
(١٢٧٦٣] (قولُهُ: كما أفادَهُ فِي رَسْمِ المُفْتِ) المُفِيدُ لذلك الإمام "قاضي خان"(٤) في فصل رسم
المفتيّ من أوَّل "فتاواه" بطريق الإشارة لا بصريح العبارة.
[١٢٧٦٤] (قولُهُ: لكنْ إلخ) استدراكٌ على قوله: ((الواجبَ على المقَلِّد)) إلخ، فإنّه يفيدُ
وجوبَ اتباعِهِ، سواءٌ وافقَهُ صاحباه أو خالفاه، وهو قولُ "عبدالله بن المبارك".
[١٢٧٦٥) (قولُهُ: قيل: يُخيّرُ المفتي) أي: وقيل: لا يُخَيَّرُ مطلقاً كما علمت، فهذا قولٌ ثانٍ،
قال في "السراجيَّة"(٥): ((والأوَّلُ أصحُّ إنْ لم يكنِ المفتيّ مجتهداً))، ومُفَادُهُ اختيارُ القول الثاني،
(١) "در" صـ٣٣ -.
(٢) ((واحد)) ساقطة من "الأصل".
(٣) من ((لكن)) إلى ((فيه)) ساقط من "الأصل" و"آ".
(٤) "الخانية": ٣/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) " الفتاوى السراجية": كتاب أدب المفتي والتنبيه على الجواب ٤٨١/٢.

قسم الأحوال الشخصية
٣٦
حاشية ابن عابدين
والأصحُّ أنَّ العبرة لقوَّةِ الدَّليلِ))، ثمَّ الخلافُ في التّحريم،
أي: التخييرِ إنْ كان مجتهداً، ولا يخفى أنَّ تخييرَ المجتهد إنَّما هو في النّظر في الدليل،
وهذا معنى قول "الحاوي": (١) والأصحُّ أنَّ العبرةَ لقوَّةِ الدَّليل؛ لأنَّ قوَّةً الدليلِ لا تظهرُ
٤٠٣/٢ لغير المجتهد في المذهب، تأمَّلْ، وتمامُ تحريرِ هذه المسألة في شرح أرجوزتي في "رسم
المفتيّ"(٢).
[١٢٧٦٦) (قولُهُ: والأصحُّ أنَّ العِيْرَةَ لْقَوَّة الْدَّليل) قال في "البحر"(٣): ((ولا يخفى قوَّةُ دليلهما،
فإنَّ قولَهُ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ الآية [البقرة -٢٣٣] يدُلُّ على أنّه لا رضاعَ بعد النّمام، وأمَّا
قولُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَافِصَا لَّا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا﴾ [البقرة - ٢٣٣] فإنّما هو قَبْلَ الحولينِ، بدليل تقييد
بالتّرَاضِي والتّشَاور، وبعدَهما لا يُحْتَاجُ إليهما(٤)، وأمَّا استدلالُ صاحب "الهداية "(*) للإمام بقوله
تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ تَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف - ١٥] بناءً على أنَّ المدَّةَ لكلٍّ منهما كما
مرَّ(٦)، فقد رجع إلى الحقِّ في باب ثبوت النسب، مِنْ أنَّ الثلاثين لهما: للحمل ستّةُ أشهرِ،
(قولُهُ: ولا يَخْفَى أنَّ تخييرَ الْمُجْتِهِدِ إلخ) المقابلَةُ في عبارةِ "الحاوي" بين القوْلِ بالتَّخييرِ وبين القوْلِ
الأصحِّ دليلٌ على تغَايُرِهِما لا على اتّحادِهِما، وليس مُفادُ عبارةِ "السِّراحيَّةُ" المَذْكُورةِ اختيارَ الَّخييرِ إنْ
مُحْتهِداً، بل يَحتمِلُ اختيارُهُ واختيارُ أنَّ العِبْرَةَ لقوَّةِ الدَّليلِ.
(١) "الحاوي القدسي": كتاب الحيل - فصل: إذا اختلفت الرِّوايات عن الإمام أبي حنيفة ق/١٩١.
(٢) انظر "عقود رسم المفتيّ": ٢٦/١ ضمن "مجموع رسائل ابن عابدين".
(٣) "البحر": كتاب الرضاع ٢٣٩/٣ بتصرف يسير.
(٤) في "د" زيادة: ((وبه يضعفُ ما في "معراج الدراية" معزياً إلى "المحيط": من أنّه بعد حولين، فيكون دليلاً له - لما
علمت - من ضياع القيدين حينئذ)). ق١٧٣/أ.
(٥) "الهداية": كتاب الرضاع ٢٢٣/١.
(٦) المقولة [١٢٧٦١] قوله: ((لتوزيعهم)) ٤٠٣/٢.

الجزء التاسع
٣٧
باب الرضاع
أمَّا لزومُ أجرِ الرَّضاعِ للمطلَّقةِ فمُقدَّرٌ بحولين بالإجماعِ.
(ويثبتُ التّحريمُ في المدَّةِ) فقط ولو (بعد الفِطامِ والاستغناءِ بالطّعامِ على) ظاهرٍ
(المذهب) وعليه الفتوى، "فتح"(١) وغيره. قال "المصنّفُ" (٢) كـ "البحرِ"(٣): ((فما في
"الزَّيلعيّ" خلافُ المعتمدِ؛ لأنَّ الفتوى متى اختلفت رُجِّحَ ظاهرُ الرِّوايةِ)).
والعامانِ للفِصالِ)) اهـ.
[١٢٧٦٧] (قولُهُ: أمَّا لُزُومُ أَجْرِ الرَّضاعِ إلخ) وكذا وجوبُ الإرضاع على الأمّديانةً(٤)،
"نهر "(٥) عن "المجتبى".
[١٢٧٢٨) (قولُهُ: في المدَّةِ فقط) أمَّا بعدَها فإِنَّه لا يوجِبُ التحريمَ، "بحر "(٦).
[١٢٧٦٩] (قولُهُ: فما في "الزيلعيِّ"(٧) أي: مِنْ قولِهِ: ((وذكر "الخصَّاف(٨) أَنَّ إنْ فُطِمَ قبلَ
مضيِّ المدّة، [٣/ق١٦٥/أ] واستغنى بالطَّعام لم يكن رَضاعاً، وإنْ لم يَسْتَغْنِ تَتُتُ به الحرمةُ، وهو
روايةٌ عن "أبي حنيفة" رحمه الله، وعليه الفتوى(٩)).
[١٢٧٧٠] (قولُهُ: لأنَّ الفتوى إلخ) ولأنَّ الأكثرين على الأوَّل كما في "النهر"(١٠).
(١) "الفتح": كتاب الرضاع ٣١٠/٣ بتصرف.
(٢) "المنح": كتاب النكاح - باب في بيان أحكام الرضاع ١/ق ١٣٣/ب بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الرضاع ٢٣٩/٣ بتصرف.
(٤) في "د" زيادة: ((مقدَّرٌ بحولين)). ق١٧٣/أ.
(٥) "النهر": كتاب الرضاع ق١٩٧/ ب.
(٦) "البحر": كتاب الرضاع ٢٣٩/٣.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الرضاع ١٨٣/٢.
(٨) انظر "شرح الصدر الشهيد على النفقات": تفسير ﴿حولين كاملين﴾ صـ٨ - بتصرف.
(٩) في "د" زيادة: ((وروى الحسن عن أبي حنيفة وأبي يوسف: إنْ كان لا يجتزئ بالطّعام، لكنْ أكثرُ ما يتناوله هو
اللَّينُ دون الطّعام يكونُ رضاعاً، انتهى)). ق١٧٣/أ.
(١٠) "النهر": كتاب الرضاع ق١٩٧ /ب.

قسم الأحوال الشخصية
٣٨
حاشية ابن عابدين
(ولم يُبَحِ الإرضاعُ بعدَ مدَّتِهِ)؛ لأنّه جزءُ آدميٍّ، والانتفاعُ به لغيرِ ضرورةٍ
حرامٌ على الصَّحيح، "شرح الوهبانَّة"(١). وفي "البحر": ((لا يجوزُ التِّداوي.
[١٢٧٧١) (قولُهُ: ولم يُيَحِ الإرضاعُ بعد مدَّته) اقتصر عليه "الزيلعيُّ(٢) وهو الصحيح كما في
"شرح المنظومة"(٣) "بحر "(٤)، لكن في "القُهُستانيّ" (٥) عن "المحيط " (٦) ((لو استغنى في حولين خَلَّ
الإرضاعُ بعدهما إلى نِصْفٍ، ولا تأثُمُ عند العامّة خلافاً لـ "خَلَف بن أيوب")) اهـ.
ونَقَلَ(٧) أيضاً قبلَهُ عن إجارة "القاعديّ": ((أَنَّه واجبٌ إلى الاستغناء، ومستحبٌّ إلى حولین،
و جائزٌ إلی حولین ونصف)) اهـ
قلت: قد يُوَقَّقُ بحمل المدَّةِ في كلام "المصنّف" على حولينِ ونصفٍ، بقرينة أنَّ الزيلعيَّ(٨)
ذكرَهُ بعدَها، وحينئذٍ فلا يخالفُ قولَ العامَّة، تأمَّل.
[ مطلب: هل يجوز الانتفاع بحليب المرأة لغير الرضاع ]
[١٢٧٧٢] (قولُهُ: وفي "البحر"(٩)) عبارتُهُ: ((وعلى هذا أي : - الفرعِ المذكورِ - لا يجوزُ
الانتفاعُ به للتّداوي، قال في "الفتح"(١٠): وأهلُ الطّبِّ يُشْتُون ◌ِلَنِ البنتِ، أي: الذي نَزَلَ بسبب بنتٍ
مرضعةٍ نفعاً لوَجَعِ العينِ، واختلف المشايخُ فيه، قيل: لا يجوزُ، وقيل: يجوزُ(١١) إذا عَلِمَ أَنَّه يزولُ به
الرَّمَد، ولا يخفى أنَّ حقيقةَ العلمِ متعذّرةٌ، فالمرادُ إذا غَلَبَ على الظَّنِّ، وإلاّ فهو معنى المنع اهـ.
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الرضاع ق٩٢/أ.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الرضاع ١٨٣/٢.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الرضاع ق ٩٢/أ.
(٤) "البحر": كتاب الرضاع ٢٣٩/٣.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الرضاع ٢٩٨/١.
(٦) "المحيط البرهاني": كتاب النكاح - الفصل الثالث عشر في بيان أسباب التحريم ق ٢٠١/أ بتصرّف.
(٧) أي: في "جامع الرموز": كتاب الرضاع ٢٩٨/١.
(٨) "تبيين الحقائق": كتاب الرضاع ١٨٣/٢.
(٩) "البحر": كتاب الرضاع ٢٣٩/٣.
(١٠) "الفتح": كتاب الرضاع ٣١٠/٣-٣١١.
(١١) ((وقيل: يجوز)) ساقط من "الأصل".