Indexed OCR Text
Pages 641-660
الجزء الثامن
٦٣٩
باب نکاح الكافر
(فهي له).
(و) المرأةُ (تَبْنُ بتباينِ الدَّارِينِ) حقيقةً وحكماً (لا) بـ (السَّبِيِ(١)، فلو خرَجَ)
أحدُهما (إلينا مسلماً) أو ذمّاً، أو أسلَمَ، أو صارَ ذا ذِمَّةٍ في دارنا ..
[١٢٦٠٧] (قولُهُ: فهي له) لأَنَّه يجوزُ له التّروُّجُ بها ابتداءً، فالبقاءُ أَولى؛ لأَنَّه أسهلُ،
"نهر"(٢).
[١٢٦٠٨) (قولُهُ: حقيقةً وحكماً) المرادُ بالتّباينِ حقيقةٌ تباعُدُهما شخصاً، وبالحكمِ أنْ
لا يكونَ في الدَّارِ التي دخَلَها على سبيلِ الرُّجوعِ، بل على سبيلِ القَرارِ والسُّكنى، حتّى لو دخَلَ
الحربيُّ دارَنا بأمانٍ لم تَبِنْ زوجتُهُ؛ لأَنّه في دارِهِ حكماً إلاَّ إذا قَبِلَ الذِّمَّةَ، "نهر"(٣).
[١٢٦٠٩] (قولُهُ: لا بالسَِّيٍ) تنصيصٌ على خلافِ "الشَّافِعِيِّ"، فإنه عكَسَ وجعَلَ سببَ
الفُرقةِ السَّبِيَ لا الَّباينَ، فتفرَّعَ أربعُ صورٍ: وِفَاقَّتَان وخلافَتَانَ(٤)، فقولُهُ: ((فلو خرَجَ أحدُهما
إلخ)) وقولُهُ: ((وإِنْ سُبِيا إلخ)) خلافَّان، وقولُهُ: ((أو أُخرِجَ مَسْبِيّاً)) وقولُهُ: ((أو خَرَجا إلينا
إلخ)) وِفَاقَّتان.
[١٢٦١٠) (قولُهُ: فلو خرَجَ أحدُهما إلخ) هذه خلافيَّةٌ لوجودِ التِّأينِ دون السِّبْىِ، قال في
"البدائع"(٥): ((ثُمَّ إنْ كان الزَّوجُ هو الذي خرَجَ فلا عِدَّةً عليها بلا خلافٍ؛ لأنَّها حربَّةٌ، وإنْ
كانَتْ هي فكذلك عنده خلافاً لهما)) اهـ.
وفي "الفتح"(٦): ((لو كان الخارجُ هو الرَّجُلَ يَحِلُّ له عندنا التّزوُّجُ بأربعٍ في الحالِ،
(١) في"د" زيادة: ((قوله: ولا بالسَّبي إلخ؛ لأنه يوجب ملك الرقبة، وهو لا ينافي النكاح ابتداءً، ولذا لو زوَّج أمته جاز فكذا
انتهاءً. ولهذا لو كانت المسبية منكوحة مسلم أو ذميّ لا يبطل النكاح، كذا في "العناية"، "نهر")). ق ١٧٠/ب.
(٢) "النھر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ق ١٩٤/ب.
(٣) "النهر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ق١٩٤/ب، وفيه: ((الذمية)) بدل ((الذّمة)) ..
(٤) في "د" زيادة: ((ثنتان وفاقيتان، وثنتان خِلافيتان)). ق١٧٠/ب.
(٥) "البدائع": کتاب النكاح - فصل في بیان ما يرفع حكم النكاح ٣٣٩/٢.
(٦) "الفتح": كتاب النكاح - باب نكاح أهل الشرك ٢٩٢/٣.
قسم الأحوال الشخصية
٦٤٠
حاشية ابن عابدين
(أو أُخرِجَ مَسِيّاً) وأُدخِلَ في دارِنا (بانَتْ) بتبأيُنِ الدَّارِ؛ إذ أهلُ الحربِ كالموتى،
ولا نکاحَ بین حيّ ومیتٍ.
(وإنْ سُبِيا) أو خَرَجا إلينا (معاً) ذمَّيْنٍ أو مسلمين، أو ثُمَّ أسلما أو صارا ذمَّيْنِ
(لا) تَيْنُ لعدمِ التّينِ، حَتّى لو كانت المَسْيّةُ منكوحةَ مسلمٍ أو ذمِّيٌّ لم تَبِنْ،
..
وبأختِ امرأتِهِ التي [٣/ق ١/١٥١] في دارِ الحربِ إذا كانَتْ في دار الإسلام)).
[١٢٢١١] (قولُهُ: أو أُخرِجَ) هذه وِفاقيَّةٌ لوجودِ الَّينِ والسَِّ.
[١٢٦١٢) (قولُهُ: وأُدخِلَ في دارِنا) أفادَ أَنَّه لا يتحقَّقُ النَّايُنُ بمجرَّدِ السَّبْيٍ، بل لا بدَّ من
الإحرازِ في دارِنا كما في "البدائع"(١).
(١٢٦١٣] (قولُهُ: كالموتى) ولهذا لو التَحَقَ بهم المرتدُّ يُحرَى عليه أحكامُ الموتى، "ط) (٢).
[١٢٦١٤) (قولُهُ: وإِنْ سُيا) هذه خِلافيَّةٌ، والتي بعدَها وِفِاقيَّةٌ لعدمِ السَِّ فيها.
[١٢٦١٥] (قولُهُ: أو ثُمَّ أَسْلَما) عبارة "البحر"(٣): ((أو مُستَأَمِنَينِ ثُمَّ أَسْلَمَا إِلخ)) فـ((أو))
هنا عاطفةٌ لحالٍ محذوفةٍ على الحالِ السَّابقةِ، وهي قولُهُ: ((ذِمِّينِ(٤)))، و(ُثُمَّ)) عاطفةٌ
لـ ((أَسْلَمَا)) على تلك الحالِ المحذوفةِ.
[ ١٢٦١٦] (قولُهُ: حتّى لو كانَتْ إلخ) تفريعٌ على اشتراطِ تباينِ الدَّارَينِ حقيقةً وحكماً.
[١٢٦١٧) (قولُهُ: لم تَبِنْ) لأنَّ الدَّارَ وإن اختَلَفَتْ حقيقةً لكنّها مُتَّحِدةٌ حكماً؛ لأنَّ فَرْضَ
(قولُهُ: لأنَّ الدَّارَ وإن اختلَفَتْ حقيقةً لكنّها مُتَّحِدةٌ حُكْماً إلخ) لكنَّ الاتّحادَ الْحُكْمِيَّ غيرُ ظاهرٍ
(١) "البدائع": كتاب النكاح - فصل في بيان ما يرفع حكم النكاح ٣٣٩/٢.
(٢) "ط": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٨٤/٢.
(٣) "البحر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٢٩/٣.
(٤) في "د" زيادة: ((أو مسلمين)). ق ١٧٠/ب.
الجزء الثامن
٦٤١
باب نکاح الكافر
ولو نكَحَها ثَمَّةَ ثُمَّ خرَجَ قبلها بانَتْ، وإنْ حَرَجَتْ قبله لا، وما في "الفتح"
عن "المحيط" تحريفٌ، "نهر" ......
المسألةِ فيما إذا نكَحَها مسلمٌ أو ذِمِّيٌّ ثَمّة ثمَّ سُبِيَتْ، ولا يمكنُ فرضُها فيما لو نكَحَها هنا؛ لأَنَّه
لا يصحُّ؛ لأنَّ تباينَ الدَّارين يَمنَعُ بقاءَ النّكَاحِ، فَيَمنَعُ ابتداءَهُ بالأَولى كما قاله "الرَّحمِيُّ"، ولو
نكَحَها وهي هنا بأمانٍ صارَتْ ذِيَّةً؛ لأنَّ المرأةَ تَبَعّ لزَوجِها في المُقامِ كما في "الفتح"(١) من باب
المستأمِنِ، فافهم.
[١٢٦١٨] (قولُهُ: ولو نكَحَها) أي: المسلمُ أو الذِّمَيُّ.
[١٢٦١٩) (قولُهُ: بانَتْ) لتباينِ الدَّارَينِ حقيقةً وحكماً، "ط)) (٢).
[١٢٦٢٠) (قولُهُ: وإِنْ خَرَجَتْ قبلَهُ لا) أي: لا تَبِينُ؛ لأنَّ الرَّوجَ من أهلِ دار الإسلام، فإذا
خَرَجَتْ قِبَلَهُ صَارَتْ زِيَّةً لا تُمكِّنُ من العَوْدِ؛ لأَنّها تَبَعّ لزوجِها في المقامِ كما علمتَ، فافهم.
[١٢٦٢١) (قولُهُ: وما في "الفتح" إلخ) قال في "النّهر"(٣): ((وفي "المحيط": مسلمٌ تَزَوَّجَ حربيَّةً
في دارِ الحرب، فخرَجَ بها رَجُلٌ إلى دارِ الإِسلام بأنَتْ من زوجِها بالّباينِ، فلو خَرَجَتْ بنفسِها
في الذّمِّيِّ إذا نكَحَها ثَمَّةَ ثُمَّ سُبِيَتْ؛ وذلك أنَّ الذّمِّيَّ إذا رجَعَ إلى دارِ الحربِ انتقَضَ عهْدُهُ وصارَ مِن أهلٍ
الحربِ، فإذا سُبِّتِ امرأتُهُ وُجِدَ تَحقُقُ التّباينِ حقيقةً وحُكْمً، ومسألةُ "الشَّارِحِ" نقَلَها في "النّهر" عن "العِنَايةِ"
حيثُ قال عند قوْلِ "الكَثْر": ((لا السَِّيُّ؛ لأَنَّه يُوجِبُ مِلْكَ الرَّقَةِ، وهو لا يُنافِي مِلْكَ النّكاحِ ابتداءً، ولذا لو
زوَّجَ أمَتَّهُ جاز، فكذا بقاءً، ولهذا لو كانت المَسْيَّةُ مَنْكُوحةَ مُسْلِمٍ أو ذِّيٌّ لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ، كذا في "العنايةِ"))
اهـ. وتَصَوُّرُ هذه المسألةِ بما إذا دَخَلَ النّمِّيُّ دارَ الحربِ لا على وجْهِ اللَّحَاقِ بِهِمْ، بل دخَلَها للتِّحَارَةِ بأمانٍ
مِنْهُمْ مَعَ أَمْنٍ عَوْدِهِ، فَإِنَّه لا يَمْنَعُ من ذلك، كما يأتي في بابِ المُسْتَأْمِنِ، ويكونُ بعد دُخُولِها من أهل دارِنا
حُكْماً، فإذا تزوَّجِ ثَمَّةَ وسُبِّتْ زوجَتُهُ لا تَبْنُ.
(١) "الفتح": كتاب السير - باب المستأمن ٢٧٢/٥.
(٢) "ط": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٨٤/٢.
(٣) "النهر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ق ١٩٤ /ب - ق١٩٥/أ.
قسم الأحوال الشخصية
٦٤٢
حاشية ابن عابدين
قبل زوجِها لم تَبِنْ؛ لأنّها صارَتْ من أهلِ دارِنا بالتزامِها أحكامَ المسلمينَ؛ إذ لا تُمكَّنُ من
العَوْدِ والزَّوجُ من أهلِ دارِ الإِسلام، فلا تبأيُنَ. قال في "الفتح"(١) بعدَ نقلِهِ - يريدُ: في
الصُّورةِ الأُولى -: إذا أخرَجَها الرَّجُلُ قَهْراً حتّى مَلَكَها؛ لتحقُّقِ التِّبَايُنِ بينها وبين زوجِها
حينئذٍ حقيقةً وحكماً، أمَّا حقيقةً فظاهرٌ، وأمَّا حكماً فلأنَّها في دارِ الحربِ حكماً
وزوجُها في دار الإسلام، قال في [٣/ق ١٥١ /ب] "الحواشي السَّعديَّة"(٢): وفي قولِهِ: وأمَّا
حكماً(٣) إلخ بحثٌ اهـ. ولعلَّ وجهَهُ ما مَرَّ(٤) من أنَّ معنى الحكمِ أنْ لا يكونَ في الدَّارِ التي
دخَلَها على سبيلِ الرُّجوعِ بل على سبيلِ القرارِ، وهي هنا كذلك؛ إذ لا تُمكَّنُ من
الرُّجوع، ثمَّ راجعتُ "المحيطَ الرَّضَويّ" فإذا الذي فيه(٥): مسلمٌ تَزَوَّجَ حربيَّةً كتابيّةً في دارٍ
الحرب، فخرَجَ عنها الزَّوجُ وحدَهُ بانَتْ، ولو خرَجَتِ المرأةُ قبلَ الزَّوجِ لم تَبِنْ، وعلَّلَهُ بما
مَرَّ، وهذا لا غبارَ عليه. والظّاهرُ أنَّ ما وقَعَ في نسخةِ صاحب "الفتح" تحريفٌ، والصَّوابُ
ما أسمعُتُكَ)) اهـ "ح"(٦).
قلت: وما نقَلَهُ في "النّهر" عن "المحيط" ذكَرَ مثلَهُ في "كاني الحاكم الشَّهيد"،
فالصَّوابُ في المسألةِ الأُولى التي نقَلَها في "الفتح" عن "المحيط" أنَّها لا تَبِينُ لاختلافِ الدَّارِ
حقيقةً لا حكماً.
(١) "الفتح": كتاب النكاح - باب نكاح أهل الشرك ٢٩٢/٣.
(٢) "الحواشي السعدية": ٢٩٣/٣ (هامش "فتح القدير").
(٣) في "د" زيادة: ((فلأنها في دار الحرب حكماً. بحث، انتهى)). ق ١٧٠/ب.
(٤) المقولة [١٢٦٠٨] قوله: ((حقيقة وحكماً)).
(٥) في "د" زيادة: ((ما لفظه)) ق ١٧٠/ب.
(٦) "ح": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ق ١٧٠/ب - ق ١٧١/أ.
الجزء الثامن
٦٤٣
باب نکاح الكافر
(ومَن هاجَرَتْ إلينا) مسلمةً أو ذِمِّيَّةً (حائلاً بانَتْ بلا عِدَّةٍ) فَيَحِلُّ تزوُّجُها،
أمَّا الحاملُ فحتّى تضعَ على الأظهرِ، لا للعِدَّةِ.
[١٢٦٢٢) (قولُهُ: ومَن هاجَرَتْ إلينا إلخ) المُهاجِرةُ: التَّاركةُ دارَ الحربِ إلى دارِ الإِسلام على
عَزْمٍ عدمِ العَوْد، وذلك بأنْ تَخرُجَ مسلمةً أو زِمِيَّةً أو صارَتْ كذلك، "بحر"(١). وهذه المسألةُ
داخلٌ فيما قبلَها، لكنَّ ما مَرَّ(٢) فيما إذا خرَجَ أحدُهما مُهاجِراً وَقَعَتِ الفُرقةُ بينهما، والمقصودُ
٣٩١/٢ من هذه أَنَّ إذا كانت المُهاجِرةُ المرأةَ ووَقَعَتِ الفُرقةُ فلا عِدَّةَ عليها عند "أبي حنيفةً" سواءٌ كانت
حاملاً أو حائلاً، فتُزَوَّجُ للحالِ إلَّ الحاملَ، فَتَرَبَّصُ لا على وجهِ العِدَّةِ، بل ليرتفعَ المانعُ بالوضعِ،
وعندهما عليها العِدَّةُ، "فتح"(٣).
وبه يَظْهَرُ أنَّ تقييد "المصنّف" بالحائلِ - أي: غيرِ الحُبْلى - لا وجه له، بخلاف قول
"الكنز"(٤): ((وَتُنْكَحُ الْمُهاجِرَةُ الحائلُ بلا عِدَّةٍ))، فإِنَّها للاحترازِ عن الحاملِ كما علمتَ، لكنَّه
يُوهِمُ أنَّ الحاملَ لها عِدَّةٌ كما تَوَهَّمَهُ "ابنُ ملكٍ" وغيرُهُ، وليس كذلك(٥).
(١٢٦٢٣) (قولُهُ: على الأظهرِ) مُقابِلُهُ روايةُ "الحسن": أَنَّه يصحُّ نكاحُها قبلَ الوضع، لكنْ
لا يَقرَّبُها زوجُها حتّى تضعَ كالخُيْلى من الزِّنَا، وَرَجَّحَها "الأَقطعُ"، لكنَّ الأُولى ظاهرُ الرِّواية،
"نهر"(٦). وصحَّحَها الشَّارحون، وعليها الأكثرُ، "بحر "(٧).
[١٢٦٢٤) (قولُهُ: لا للعِدَّةِ) نفيٌ لقولِهما ولِما تَوَهَّمَهُ "ابنُ ملكٍ" وغيرُهُ.
(١) "البحر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٢٩/٣.
(٢) المقولة [١٢٦٠٤] قوله: ((وليست بعدة)).
(٣) "الفتح": كتاب النكاح - باب نكاح أهل الشرك ٢٩٥/٣ بتصرف.
(٤) انظر "شرح العني علی الکنز": کتاب النكاح - باب في بیان أحکام نكاح الكافر ١٦٥/١.
(٥) في "د" زيادة: ((فالصواب للمصنّف إبدال قوله: (بانت) بـ(زوجت) لما قلنا، ولئلاً يحصل التكرار فإنّها داخلةٌ
تحت قوله: (فلو خرج أحدهما إلينا مسلماً أو أخرج مسْبيّاً بانت)) ق ١٧٠ /ب.
(٦) "النهر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ق ١٩٥/أ بتصرف.
(٧) "البحر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٣٠/٣ بتصرف.
قسم الأحوال الشخصية
٦٤٤
حاشية ابن عابدين
بل لشُغْلِ الرَّحِمِ بحقِّ الغيرِ.
(وارتدادُ أحدِهما) أي: الزَّوجين (فسخٌ)
[١٢٦٢٥) (قولُهُ: بل لشُغْلِ الرَّحِمِ بحقِّ الغيرِ) أفادَ به الفَرْقَ بينها وبين الحاملِ من الزِّنا، فإنَّ
هذه حَمْلُها ثابتُ النَّسَبِ، فَيُؤثّرُ في منعِ العَقْدِ احتياطاً؛ لئلاّ يقعَ الجمعُ بين الفراشين، وهو ممتنعٌ
بمنزلةٍ [٣/ ق١٥٢ / أ) الجمعِ وَطْئاً كما في "الفتح"(١) بخلافِ الحاملِ من الزِّنا، فإنَّ ماءَ الرِّنا لا حرمةً
له، وليس فيه حقُّ الغيرِ، فلذا صَحَّ نكاحُها، فافهم.
[١٢٦٢٦] (قولُهُ: فسخٌ) أي: عند "الإمام" بخلافِ الإباءِ عن الإسلام، وسَوَّى "محمَّدٌ"
بينهما بأنَّ كُلّ منهما طلاقٌ، و"أبو يوسف" بأنَّ كُلاَّ منهما فسخٌ، وفَرَّقَ "الإِمامُ" بأنَّ الرِّدَّةَ
مُنَافِيَةٌ للنّكاح لمنافاتِها العِصْمَةَ، والطَّلاقُ يَستدعِي قيامَ النّكاحِ، فتعذَّرَ جَعْلُها طلاقاً، وتمامُهُ في
"الّهر"(٢). قال في "الفتح"(٣): ((ويقعُ طلاقُ زوجٍ المرتدَّةِ عليها ما دامَتْ في العِدَّةِ؛ لأنَّ الْحُرمةَ
بالرِّدَّةِ غيرُ مُتْأَبِّدَةٍ، فإنّها ترتفعُ بالإِسلامِ، فيقعُ طلاقُهُ عليها في العِدَّةِ مُستِعاً فائدتَهُ من حُرمتِها
عليه بعدَ الثّلاثِ حرمةً مُغَّةً بوطءٍ زوجٍ آخرَ بخلاف حُرمة المَحرَمَِّةِ، فإنّها مُتَأَبِّدةٌ لا غايةَ لها،
فلا يُفيدُ لُحُوقُ الطَّلاقِ فائدةً)) اهـ.
قلت: وهذا إذا لم تَلحَقْ بدارِ الحرب، ففي "الخانيّة"(٤) قبيل الكناياتِ: ((المرتدُّ إذا لَجِقَ
بدارِ الحربِ فطَلَّقَ امرأتَهُ لا يقعُ، وإنْ عادَ مسلماً وهي في العِدَّةِ فطَلَّقَها يقعُ، والُرتدَّةُ إذا لَحِقَتْ
(قولُهُ: لُنَافاتِها العِصْمَةَ) لنفسِهِ ومالِهِ.
(قولُهُ: الْمُرْتدُّ إذا لَحِقَ بدارِ الحربِ فطلَّقَ امرأتَهُ لا يَقَعُ إلخ) هكذا عبارةُ "الخانَيَّة"، وفي "حاشية
(١) "الفتح": كتاب النكاح - باب نكاح أهل الشرك ٢٩٦/٣.
(٢) انظر "النهر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ق ١٩٥/أ.
(٣) "الفتح": كتاب النكاح - باب نكاح أهل الشرك ٢٩٠/٣ باختصار.
(٤) "الخانية": كتاب الطلاق ٤٦٧/١ باختصار (هامش "الفتاوى الهندية").
الجزء الثامن.
٦٤٥
باب نکاح الكافر
فلا يَنقُصُ عددً (عاجلٌ) بلا قضاء (فللموطوءَةِ) ولو حكماً (كلُّ مهرها) لتأكُّدِهِ
به (ولغيرها نصفُهُ(١)) لو مُسمَّى.
فِطَلّقَها زوجُها ثمَّ عادَتْ مُسلِمةً قبلَ الحيضِ فعنده لا يقعُ، وعندهما يقعُ)).
[١٢٦٢٧] (قولُهُ: فلا يَنقُصُ عَدَداً) فلو ارتَدَّ مِراراً وجَدَّدَ الإِسلامَ في كلِّ مَرَّةٍ وجدَّدَ
النِّكاحَ على قول "أبي حنيفة" تَحِلُّ امرأتُهُ من غيرِ إصابةِ زوجٍ ثانٍ، "بحر"(٢) عن
"الخانيَّة"
[١٢٦٢٨) (قولُهُ: بلا قضاءٍ) أي: بلا توقُّفٍ على قضاءِ القاضي، وكذا بلا توقّفٍ على
مُضِيِّ عِدَّةٍ في المدخولِ بها كما في "البحر "(٣).
[١٢٦٢٩) (قولُهُ: ولو حكماً) أرادَ به الخلوةَ الصَّحيحةَ، "ح"(٤).
[١٢٦٣٠] (قولُهُ: كلُّ مهرِها) أطلَقَهُ فشَمِلَ ارتدادَهُ وارتدادَها، "بحر "(٥).
[١٢٦٣١] (قولُهُ: لتأكُّدِهِ) أي: تأكَّدٍ تمامِ المهرِ ((به))، أي: بالوطءِ الحقيقيِّ أو
الحكميِّ.
البحر" عن "البدائع": ((وإذا ارتدَّ ولَحِقَ بدارِ الحربِ وطلَّقَها في العِدَّةِ لم يقَع لانقطاعِ العِصْمَةِ،
فإنْ عاد إلى دارِ الإسلامِ وهي في العِدَّةِ وَقَعَ، وإذا ارتدَّتْ ولَحِقَتْ لَم يقَعْ عليها طلاقُهُ، فإنْ
عادَتْ بعد الطَّلاقِ لَم يقَعْ كذلك عند "أبي حنيفة"؛ ليُطْلانِ العِدَّةِ بِاللَّحَاقِ ثمَّ لا تعودُ، بخلافٍ
الْمُرْتَدِّ)) اهـ.
(١) في"د" و"و": ((النصف)).
(٢) "البحر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٣١/٣.
(٣) "البحر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٣٠/٣.
(٤) "ح": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ق ١٧١/أ.
(٥) "البحر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٣٢/٣.
قسم الأحوال الشخصية
٦٤٦
حاشية ابن عابدين
أو المُتعةُ (لو ارتَدَّ) وعليه نفقةُ العِدَّةِ (ولا شيءٌ) من المهرِ والنّفقةِ سوى السُّكْنى، به يُفتَى
[١٢٦٣٢) (قولُهُ: أو المتعةُ) أي: إنْ لم يكن مُسمَّى.
[١٢٦٣٣] (قولُهُ: لو ارتَدَّ) قيدٌ في قولِهِ: ((ولغيرِها النّصفُ إِلَخ)).
[١٢٦٣٤] (قولُهُ: وعليه نفقةُ العِدَّةِ) أي: لو مدخولاً بها؛ إذ غيرُها لا عِدَّةَ عليها. وأفاد
وجوبَ العِدَّةِ - سواءٌ ارتَدَّ أو ارتَدَّتْ - بالحيضِ، أو بالأشهرِ لو صغيرةً أو آيسةً، أو بوضعِ الحَمْلِ
كما في "البحر"(١).
[١٢٦٣٥) (قولُهُ: ولا شيءَ من المهرِ) أي: في غيرِ المدخولِ بها؛ لأنَّها محلُّ التّفصيلِ بقولِهِ:
((لو ارتَدَّ)) وقولِهِ: ((لو ارتَدَّتْ)).
[١٢٦٣٦] (قولُهُ: والنّقةِ) قد علمتَ أنَّ الكلامَ في غيرِ المدخولِ [٣/ق١٥٢/ب] بها، وهذه
لا نفقةً لها لعدمِ العِدَّةِ، لا لكونِ الرِّدَّةِ منها، لكنَّ المدخولَ بها كذلك لا نفقةً لها لوارتَدَّتْ، ولذا
قال في "البحر"(٢): ((وحكمُ نفقةِ العِدَّةِ كحكمِ المهرِ قبلَ الدُّخولِ، فإنْ كان هو المُرْتَدَّ فلها نفقةُ
العِدَّةِ، وإن ارتَدَّتْ فلا نفقةً لها)).
[١٢٦٣٧) (قولُهُ: سوى السُّكْنى) فلا تسقطُ سُكْنى المدخولِ بها في العِدَّةِ؛ لأنَّها حقُّ
الشَّرعِ بخلافِ نفقةِ العِدَّةِ، ولذا صَحَّ الُلعُ على النَّفقةِ دونَ السُّكْنِى.
والظَّاهرُ: أنَّ هذا مفروضٌ فيما لو أسلَمَتْ، وإلاّ فالُرتدَّةُ تُحبَسُ حتَّى تعودَ، وسيأتي(٣) أنَّ
المحبوسةَ كالخارجةِ بلا إذنِهِ، ولا نفقةً لها ولا سُكْنى.
(قولُهُ: والظَّاهرُ: أنَّ هذا مَفروضٌ فيما لو أسلَمَتْ إلخ) بل الظَّاهرُ أنَّها تَستحِقُّ السُّكْنى أسلَمَتْ
أوْ لا، إلاّ إذا حُبِسَتْ.
(١) "البحر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٣٢/٣.
(٢) "البحر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٣٢/٣.
(٣) المقولة [١٢٧١٣] قوله: ((رجعية)).
الجزء الثامن
٦٤٧
باب نکاح الكافر
(لو ارتَدَّتْ) لمجيءِ الفُرقةِ منها قبلَ تأكُّدِهِ، ولو ماتَتْ في العِدَّةِ وَرِثَها زوجُها المسلمُ
استحساناً، وصرَّحُوا بتعزيرِها خمسةً وسبعين،
[١٢٦٣٨] (قولُهُ: لو ارتَدَّتْ) أطلَقَهُ فشَمِلَ الحُرَّةَ، وَالأَمَةَ، والصَّغيرةَ، والكبيرةَ، "بحر"(١).
[١٢٦٣٩] (قولُهُ: قبلَ تأكُّدِهِ) أي: المهرِ، فإِنَّ يتأكَّدُ بالموتِ أو الدُّخولِ ولو حكماً.
[١٢٦٤٠) (قولُهُ: وَرِثَها زوجُها استحساناً) هذا إذا ارتَدَّتْ وهي مريضةٌ ثمَّ ماتَتْ أو لَحِقَتْ
بدارِ الحربِ بخلاف رِدَّتِها في الصِّحَّةِ، وبخلافٍ ما لو ارتَدَّ هو، فإِنَّها تَرِثُهُ مطلقاً إذا ماتَ أو لَحِقَ
وهي في العِدَّةِ كما في "الخانيّة"(٢) من فصل المُعتدَّةَ التِي تَرِثُ، وسيذكرُهُ(٣) "المصنّفُ" أيضاً في
طلاق المريض. ووجهُهُ أنَّ رِدَتَهُ في معنى مرضِ الموت؛ لأَنَّه إنْ لم يُسلِمْ يُقْتَلُ، فيكونُ فارًا فَتَرِثُهُ
مُطْلِقاً، أمّا المرأةُ فلا تُقْتَلُ بالرِّدَّةِ، فلم تكن فارَّةً إلاَّ إذا كانَتْ رِدَّتُها في المرض.
[١٢٦٤١) (قولُهُ: وصرَّحُوا بتعزيرِها خمسةً وسبعين) هو اختيارٌ لقولِ "أبي يوسف"، فإنَّ
نهايةَ تعزيرِ الْحُرِّ عنده خمسةٌ وسبعون، وعندهما تسعةٌ وثلاثون، قال في "الحاوي القدسيِّ(٤):
((وبقولِ "أبي يوسف" نأخذُ))، قال في "البحر"(٥): ((فعلى هذا المعتمَدُ في نهايةِ التَّعزيرِ قولُ
(قولُهُ: إلاّ إذا كانَتْ رِدَّتُها في المرَضِ) لأَنَّه تَبَّنَ أنَّ قصْدَها الفِرارُ، والقِياسُ أنْ لا يَرِثَها لَعَدَمِ
حَرَيانِهِ بين مُسلِمٍ وكافِرٍ كما يأتي في طلاقِ المريضِ.
(قولُهُ: الْمُعْتمِدُ في نهايةِ التَّعزيرِ قوْلُ "أبي يوسف" إلخ) سيأتي له في باب التَّعزيرِ تصحيحُ قولِهِما
أنَّ أكثَرَهُ تِسعةٌ وثلاثون؛ حيثُ قال: ((وفي "الحاوي": قال "أبو يوسف": أكثرُهُ فِي العَبْدِ تِسعةٌ وثلاثون
سَوْطً، وفي الحُرِّ خمسةٌ وسبعون سَوْطاً، وبه نأخُذُ)) اهـ. فعُلِمَ أنَّ الأصَحَّ قوْلُ "أبي يوسف" "بحر".
(١) "البحر": کتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٣٢/٣.
(٢) "الخانية": كتاب الطلاق - باب العدة ٥٥٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) انظر "الدر" عند المقولة [١٤١٨٤] قوله: ((ورثها)).
(٤) "الحاوي القدسي": کتاب الحدود - باب حد التعزير ق ١٥٥/أ.
(٥) "البحر": کتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٣٠/٣.
قسم الأحوال الشخصية
٦٤٨
-
حاشية ابن عابدين
وتُجَبَرُ على الإسلامِ وعلى تجديدِ النِّكاح زجراً لها بمهرٍ يسيرِ كدينارِ، وعليه
الفتوى، "ولو الجيَّة" (١). وأفتى مشايخُ بَلْخِ بعدمِ الفُرقةِ برِدَّتِها زحراً وتيسيراً،
لا سيَّما التي تقعُ في المكفِّر ثمَّ تُنكِرُ،.
"أبي يوسف"، سواءٌ كان في تعزيرِ المرتدَّةِ أَوْ لا)).
[١٢٦٤٢) (قولُهُ: وتُجَبَرُ) أي: بالحبسِ إلى أنْ تُسلِمَ أو تَمُوتَ.
٣٩٢/٢
(١٢٦٤٣] (قولُهُ: وعلى تجديدِ النّكاحِ) فلكُلِّ قاضٍ أنْ يُحدِّدَهُ مهرِ يسيرِ ولو بدينارِ رَضِيَتْ
أم لا، وتُمنَعُ من الّزُوُّجِ بِغيرِهِ بعدَ إسلامها، ولا يخفى أَنَّ محلّهُ ما إذا طَلُّبَ الزَّوجُ ذلك، أمَّا لو
سكَتَ أو تَرَكَهُ صريحاً فإِنَّها لا تُجَرُ وتُزوَّجُ من غيرِهِ؛ لأَنَّه تَرَكَ حقَّهُ، البحر "(٢) و"نهر "(٣).
[١٢٦٤٤] (قولُهُ: زَجْراً لها) عبارة "البحر"(٤): ((حَسْماً لبابِ المعصيةِ والخِيْلةِ للخلاصِ
منہ)) اهـ.
ولا يَلزَمُ من هذا أنْ يكون الجَبْرُ على تجديدِ النّكاحِ مقصوراً على ما إذا ارتَدَّتْ [٣/ ق١٥٣/أ]
قلتُ: يُحتمَلُ أنَّ قَوْلَه: ((وبه نأخُذُ)) ترجيحٌ للرِّوايةِ الثَّانيةِ عن "أبي يوسف" على الرِّوايةِ الأُوْلى
يعني: وهي تنقيصُ سَوْطٍ؛ لكونِ الثّانيةِ ظاهرُ الرِّوايةِ عنه، ولا يلزَمُ من هذا ترجيحُ قولِهِ على قولِهِما
الَّذي عليه مُنُونُ المذهَبِ مع نقْلِ العلاَّمةِ "قاسم" تصحيحَهُ عن الأئمَّ اهـ. وأيضاً عند اختلافِ التَّصحيحِ
يُرْجَعُ لِمَا فِي الْمُونِ.
(قولُهُ: ولا يَلزَمُ من هذا أنْ يكونَ الْجَبْرُ على تجديدِ النّكاحِ مَقصُوراً إلخ) لكنْ ما نقلَهُ "ط" عن
"الهنديَّة" بقولِهِ: ((لو أجْرَتْ كلمةَ الكُفْرِ مُغَايَظةً لِزَوْجِها أو إخراجِهَا نفْسَها عن حالَتِهِ أو استيجابٍ
المهْرِ عليه بنكاحٍ مُسْتَأَنَفٍ تَحرُمُ على زَوْجِها، ولكلٍّ قاضٍ أنْ يُحدِّدَ النّكاحَ بأذْنَى شَيْءٍ إِخْ)) ظاهرُهُ
التَّقييدُ، وأَنَّها لو ارتدَّتْ جِهْلاً لا تُعطَى هذا الحُكْمَ، كما قاله "ط"، تأمَّل.
(١) "الولوالجية": كتاب الطلاق - الفصل الثامن في المسائل المتفرقة ق ٨٢/ب.
(٢) "البحر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٣٠/٣.
(٣) "النهر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ق ١٩٥/أ.
(٤) "البحر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٣٠/٣.
الجزء الثامن
٦٤٩
باب نکاح الكافر
قال في "النّهر": ((والإفتاءُ بهذا أَولى من الإفتاءِ بما في "النّوادر"))، لكنْ (١) قال
"المصنّفُ"(٢): ((ومَن تصفّحَ(٣) أحوالَ نساءٍ زماننا وما يقعُ منهنَّ مِن مُوجِباتٍ
الرِّدَّةِ مُكرَّراً في كلِّ يومٍ لم يَتَوقَّفْ في الإفتاءِ بروايةِ "النَّوادر")).
لأَجْلِ الخَلاصِ منه، بل قالوا ذلك سَدّاً لهذا البابِ من أصلِهِ، سواءٌ تعمَّدَتِ الْحِيْلَةَ أم لا كيلا تَجعَلَ
ذلك حِيلةً.
[١٢٦٤٥)] (قولُهُ: قال في "النّهر "(٤) إلخ) عبارتُهُ: ((ولا يخفى أنَّ الإفتاءَ بما اختارَهُ بعضُ أئمَّةٍ
بلغٍ أَولى من الإفتاءِ بما في "النَّوادر"، ولقد شاهدنا من المَشَاقِّ في تجديدِها فضلاً عن جَبْرِها
بالضَّربِ ونحوِهِ ما لا يُعَدُّ ولا يُحَدُّ، وقد كان بعضُ مشايخنا من علماءِ العَجَمِ ابْتُلِيَ بامرأةٍ تقعُ
فيما يُوجِبُ الكفرَ كثيراً ثُمَّ تُنكِرُ، وعن التَّحديدِ تَأَبَى، ومن القواعدِ: المشَقَّةُ تَجلِبُ الَّيسيرَ،
والله الميسِّرُ لكلِّ عسيٍ)) اهـ.
قلت: المَشَقَّةُ في التّحديدِ لا تقتضي أنْ يكون قولُ أئمَّةٍ بلخِ أَولى مما في "النّوادر"، بل أَولى
مما مَرَّ(٥) أنَّ عليه الفتوى، وهو قولُ البُخاريِّينَ؛ لأنَّ ما في "الَنَّوادر" هو ما يأتي(٦) من أَنَّها بالرِّدَّةِ
تُستَرَقُّ، تأمَّل.
(قولُهُ: من أنّها بالرِّدَّةِ تُسْتَرِقُّ، تأمَّل) قد يقالُ: الإفتاءُ بقوْلِ أئمَّةٍ بَلْخ أَوْلى من الإفتاءِ بروايةٍ
"النَّوادر"؛ لأنَّ فيها مَشقَّةَ الشِّراءِ من الإِمامِ بعد الاستِرْقَاقِ، أو طَلَبَ صَرْفِها إليه مع أنَّه قد لا يَصْرِفُها،
وإذا كان أَوْلِى ثَمَّا في "النَّوادر" يكونُ أَوْلى من قوْلِ البُخاريِّين؛ لِمَا فيه من زيادةِ المَشْقَّةِ، لكنْ يُنظَرُ على
قوْلِ البَّلْتِّن القائلينَ بعدَمِ الفُرْقَةِ: هل يُباحُ الوَطْءُ مع الرَِّّةِ أو لا؟ والظَّاهِرُ لا.
(١) من ((قال في النهر)) إلى ((لكن)) ساقط من "ط".
(٢) "المنح": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ١/ق ١٣٢/أ بتصرف يسير.
(٣) ((تصفح)) ساقطة من "ط".
(٤) "النهر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ق ١٩٥/أ بتصرف.
(٥) "در" صـ ٦٤٨ -.
(٦) المقولة [١٢٦٤٧] قوله: ((والفتح)).
قسم الأحوال الشخصية
٦٥٠
حاشية ابن عابدين
قلت: وقد بُسِطَتْ في "القنية"(١) و"المجتبى" و"الفتح" و"البحر"(٢)، وحاصلُها:
((أَنَّها بالرِّدَّةِ تُستَرَقُّ، وتكونُ فيئاً للمسلمين عند "أبي حنيفة" رحمه الله تعالى،
ويَشترِيها الزَّوجُ من الإِمامِ، أو يَصرِفُها إليه لو مَصرِفاً،
[١٢٦٤٦) (قولُهُ: وقد بُسِطَتْ) أي: روايةُ "النّوادر".
[١٢٦٤٧) (قولُهُ: و"الفتحِ"(٣)) فيه أنّه لم يَزِدْ على قولِهِ: ((ولا تُستَرَقُّ المرتدَّةُ ما دامَتْ في
دارِ الإِسلام في ظاهرِ الرَّواية، وفي روايةِ "النَّوادر" عن "أبي حنيفة" تُستَرَقُ)) اهـ، ثمَّ رأيتُ
صاحب "الفتح"(٤) بسّطَ ذلك في بابِ المرتدِّ(٥).
[١٢٦٤٨) (قولُهُ: وحاصلُها إلخ) قال في "القنية"(٦) بعد ما مَرَّ(٧) عن "الفتح": ((ولو كان
الزَّوجُ عالِماً اسْتَوَلَى عليها بعدَ الرِّدَّةِ تكونُ فَيْئاً للمسلمين عند "أبي حنيفة"، ثمَّ يَشترِيها من الإمام
أو يَصرِفُها إليه إنْ كان مَصرِفاً، فلو أَفْتِى مُفْتٍ بهذه الرِّوايةِ حَسْماً لهذا الأمرِ لا بأس به)) اهـ.
قال في "البحر "(٨): ((وهكذا في "خزانة الفتاوى"، ونقَلَ قولَهُ: فلو أفتى مُفْتٍ الخ عن
شمسِ الأئمَّةِ "السَّرخسيّ")) اهـ.
قلتُ: ومقتضى قولِهِ: ((ثمَّ يَشترِيها إلخ)) أَنَّه إنْ كان مَصرِفاً لا يَملِكُها بمجرَّدِ الاستيلاء
(قولُهُ: ومُقْتضى قولِهِ: ثمَّ يَشْتَرِيها إلى أنَّه إنْ كان مَصْرِفاً إلخ) جعَلَ "السِّنْدِيُّ" ضميرٌ يَصْرِفُها الواقعَ
في "الشَّارِحِ" راجعاً للزَّوجِ، وقال: ((قوله: أو يَشْتَرِيها الزَّوجُ من الإمامِ أي: إنْ لَم يَكُنْ مَصْرِفً بدليلِ المُقَابَةِ
في قولهِ: أو يَصْرِفُها إليه))، والحقُّ ما سَلَكَهُ "السِّدِيُّ" لِمَا تقدَّمَ قُبَلَ بابِ استيلاءِ الكُفَّارِ: أنَّ مَن له استحقاقٌ
في بيتِ المالِ إذا ظَفِرَ بشيءٍ من مالِهِ فله أنْ يأخُذَه ويتملَّكَهُ لنفسِهِ، فليُنظَرْ.
(١) "القنية": كتاب النكاح- باب نكاح المرتدة والكفار ق٣٥/ب.
(٢) "البحر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٣٠/٣.
(٣) "الفتح": كتاب النكاح - باب نكاح أهل الشرك ٢٩٧/٣.
(٤) "الفتح": كتاب السير ٣١٠/٥.
(٥) من ((ثم رأيت)) إلى ((باب المرتد)) ساقط من "الأصل".
(٦) "القنية": كتاب النكاح - باب نكاح المرتدة والكفار ق٣٥/ب.
(٧) في المقولة السابقة.
(٨) "البحر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٣١/٣.
الجزء الثامن
٦٥١
باب نکاح الکافر
ولو استولى عليها الزَّوجُ بعدَ الرِّدَّةِ ملَكَها، وله بَيْعُها ما لم تكن وَلَدَتْ منه، فتكونُ
كأمِّ الولدِ)).
ونقَلَ "المصنّفُ" في كتاب الغصب(١): ((أنَّ "عمر" بَُه هِجَمَ على نائحةٍ فَضَرَبَها
عليها، وقولُهُ: ((تكونُ فَيْئاً)) قال "ط"(٢): ((ظاهرُهُ: ولو أسلَمَتْ بعدَهُ؛ لأنَّ إسلامَ الرَّقِيقِ
لا يُخرِجُهُ عن الرِّقِ)) اهـ.
[١٢٦٤٩) (قولُهُ: ولو استَولَى عليها الزَّوجُ) فيه اختصارٌ مُخِلٌّ، وعبارةُ "القنية"(٣) بعدَما
تقدَّمَ: ((قلت: وفي زمانِنا بعدَ فتنةِ الّرِ العامَّةِ صارَتْ هذه الولاياتُ التي غَلَبُوا عليها وأَجْرَوا
أحكامَهم فيها كخُوارزمَ وما وراءَ النّهرِ وخراسانَ ونحوِها صارَتْ دارَ الحربِ في الظَّاهر، فلو
اسْتَولَى عليها الزَّوجُ بعدَ الرِّدَّة يَمِلِكُها، [٣/ق١٥٣/ب] ولا يَحتاجُ إلى شرائِها من الإِمام، فَيُفْتَّى
بحكمِ الرِّقِّ حَسْماً لِكَيْدِ الَجَهَلَةِ وَمَكْرِ المَكْرَةِ على ما أشار إليه في "السِّير الكبير"(٤)) اهـ.
فقولُهُ: ((يَمِلِكُها إِخْ)) مبنيّ على ظاهرِ الرّوايةِ من أنَّها لا تُستَرَقُّ ما دامَتْ في دارِ الإسلامِ،
ولا حاجةً إلى الإفتاءِ بروايةِ النَّوادرِ؛ لِما ذَكَرَهُ من صيرورةِ دارِهم دارَ حربٍ في زمانِهم،
فَيَملِكُها بمجرَّدٍ الاستيلاء عليها؛ لأَنَّها ليسَتْ في دارِ الإسلام، فافهم.
[١٢٦٥٠] (قولُهُ: وله بَيْعُها إلخ) ذكرَهُ في "البحر "(٥) بحثاً أخذاً من قول "القنية": ((يَمِلِكُها))،
(قولُهُ: فقولُهُ يَمْلِكُها إِلَخْ مَبِيٍّ على ظاهرِ الرِّوايةِ مِن أَنَّها لا تُسْتَرَقُّ إلخ) فيه أَنَّه بصَيْرورَةِ دارِهِم
دارَ حربٍ لا يَمْلِكُها بالاستيلاءِ عليها على ظاهرِ الرِّوايةِ؛ لعدَمِ الإِحْرازِ بدارِ الإسلامِ، والِلْكُ لا يَتأَتَّى
بدُونِهِ عليها بل على روايةِ "النَّوادِرِ".
(١) "المنح": فصل في بیان مسائل تتصل بمسائل الغصب ٣/ق ٤١/ب بتصرف يسير.
(٢) "ط": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٨٥/٢.
(٣) "القنية": کتاب النكاح - باب نكاح المرتدة والکفار ق٣٥/ب.
(٤) "السير الكبير": باب من يكون آمناً من غير أن يؤمنه أهل الإسلام ٥٤٧/٢.
(٥) "البحر": کتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٣١/٣ بتصرف.
قسم الأحوال الشخصية
٦٥٢
حاشية ابن عابدين
بالدِّرَّةِ حتَّى سقَطَ خمارُها، فقيل له: يا أمير المؤمنين، قد سقَطَ خمارُها! فقال: إنّها
لا حرمةً لها))(١)، ومن هنا قال الفقيهُ "أبو بكرِ البَلْخِيُّ" حين مَرَّ بنساءِ على شَطٌ
نهرٍ كاشفاتِ الرُّؤُوسِ والذّراعِ، فقيل له: كيف تَمُرُّ؟! فقال: لا حرمةَ لهنَّ، إنما
الشَّكُّ فِي إِمانِهنَّ، كأنَّهنَّ حَرْيَّاتٌ.
واستشهَدَ لقولهِ: ((ما لم تكن إلخ)) بما في "الخانَّة"(٢): ((لو لَحِقَتْ أُّ الولدِ بعدَ ارِدادِها بدارِ
الحربِ، ثُمَّ سُيَتْ ومَلَكَها الزَّوجُ(٣) يَعُودُ كونُها أمَّ ولدِهِ، وأُمُومِيَّةُ(٤) الولدِ تتكرَّرُ بتكرارِ المِلكِ)) اهـ.
[١٢٦٥١] (قولُهُ: بالدِّرَّةِ) بالكسرِ: السَّوْطُ، والجمعُ دِرَرٌ، مثلُ: سِدْرةٍ وسِدَرٍ، "مصباح"(٥).
[١٢٦٥٢] (قولُهُ: والذّراعِ) ((أل)) للجنسِ، والمناسبُ لِما قبلَهُ: الأَذرُعِ بالجمع، "ط(" (٦).
(١٢٦٥٣] (قولُهُ: فقال) تأكيدٌ لـ ((قال)) الأوَّلِ، "ط)(٧). والدَّاعي إليه طولُ الفاصلِ.
[١٢٦٥٤] (قولُهُ: كأَنَّهُنَّ حَرْيِّاتٌ) أي: فُهُنَّ فَيْءٌ مملوكاتٌ، والرَّاسُ والذّراعُ ليس بِحَوْرةٍ
من الرَّقيق، ووجهُ الأخذِ من قولِ "عمر" رضي الله تعالى عنه: أنَّه إذا سَقَطَتْ حرمةُ النَّائحةِ
تَسقُطُ حرمةُ هؤلاء الكاشفاتِ رؤوسَهنَّ في مَمَرِّ الأجانبِ؛ لِما ظهَرَ له من حالِهِنَّ أَنَّهنَّ
مُستخِفّاتٌ مُستهيناتٌ، وهذا سببٌ مُسقِطٌ لحرمتِهِنَّ، فافهم.
ثُمَّ اعلم أنَّهَ إذا وَصَلْنَ إلى حالِ الكفر وصِرْنَ مُرْتدّاتٍ فحُكمُهنَّ ما مَرَّ(٨) من أَنَّهن لا يُملَكْنَ
ما دُمْنَ في دارِ الإِسلام على ظاهرِ الرِّواية، وأمَّا ما مَرَّ(٩) من أَنَّه لا بأسَ من الإفتاءِ بما في "النَّوادر"
(١) أخرجه عبد الرزاق (٦٦٨١)، وذكره القرطي في "تفسيره" ٧٥/١٨.
(٢) "الخانية": كتاب الطلاق - فصل في الاستيلاء ٥٧٠/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) عبارة "الخانية": كما في "البحر": ((السيد)) بدل ((الزوج))، والذي في نسخة "الخانية" التي بين أيدينا: ((المولى)).
(٤) الذي في نسخة "البحر": ((أمية)) بدل ((أمومية)) ولعله تحريف.
(٥) "المصباح": مادة ((دَرَّ)).
(٦) "ط": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٨٥/٢ بتوضيح من ابن عابدين رحمه الله تعالى.
(٧) "ط": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٨٥/٢ وعبارته: ((تكرار مع قال الأولى)).
(٨) المقولة [١٢٦٤٧] قوله: ((والفتح)).
(٩) المقولة [١٢٦٤٨] قوله: ((وحاصلها إلخ)).
الجزء الثامن
٦٥٣
باب نکاح الكافر
(وبقيَ النِّكاحُ إن ارتَدًّا معاً).
من جوازِ استرقاقِهِنَّ فذا بالنّسبةِ إلى رِدَّةِ الزَّوجةِ للضَّرورةِ لا مطلقاً؛ إذ لا ضرورةً في غيرِ
الزَّوجةِ إلى الإفتاءِ بالرِّوايةِ الضَّعيفةِ، ولا يَلزَمُ من سقوطِ الحرمةِ وجوازِ النَّظَرِ إليهنَّ جوازٌ
تَملُّكِهِنَّ في دارِنا؛ لأنَّ غايتَهُ أَنَّهِنَّ صِرْنَ فَيْئاً، ولا يَلزَمُ من جوازِ النَّظرِ إليهنَّ جوازٌ
الاستيلاءِ والتَّمتُّعِ بهنَّ وطئاً وغيرَهُ؛ لأَنَّه يجوزُ النّظرُ إلى مملوكةِ الغيرِ، ولا يجوزُ وطُها
بلا عَقْدِ نکاحٍ.
وبهذا ظهَرَ غَلَطُ مَن يَنسِبُ نفسَهُ إلى العِلمِ في زماننا في زعمِهِ الباطلِ أنَّ الزَّنياتِ
اللاتي يَظهَرْنَ في الأسواقِ بلا احتِشامٍ يجوزُ وطُهنَّ بحكمٍ الاستيلاءِ، فإنّه غلطٌ قبيحٌ
[٣/ق١٥٤/ب] يكادُ أنْ يكونَ كفراً، حيث يؤدِّي إلى استباحةِ الرِّنا، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ
بالله العليِّ العظيم.
(فرعٌ)
في "البحر"(١) عن "الخانيّة"(٢): ((غابَ عن امرأتِهِ قبلَ الدُّخولِ بها، فأخبَرَهُ برِدَّتِها مُخِرٌ
٣٩٣/٢ ولو مملوكاً أو محدوداً في قذفٍ وهو ثِقَةٌ عنده، أو غيرُ ثِقَةٍ لكنَّ أكبرَ رأيِهِ أَنَّه صادقٌ له التَّزوُّجُ
بأربعٍ سواها، وإِنْ أُخِرَتْ بِرِدَّةِ زَوجِها لها التّوُّجُ بآخرَ بعدَ العِدَّةِ في روايةِ الاستحسان، قال
"السَّرخسيُّ": وهي الأصحّ)).
[١٢٦٥٥] (قولُهُ: إن ارتَدًا معاً) المسألةُ مُقَيَّدةٌ بما إذا لم يَلحَقْ أحدُهما بدارِ الحربِ، فإنْ
لَحِقَ بَانَتْ، وكأنَّهِ اسْتَغْنَى عنه بما قدَّمَهُ(٣): من أنَّ تبأيْنَ الدَّارينِ سببُ الفُرقةِ، "نهر "(٤).
(١) "البحر": كتاب النكاح ۔ باب نكاح الكافر ٢٣١/٣ بتصرف.
(٢) "الخانية": كتاب السير - باب الردة وأحكام أهلها ٥٨٣/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "در" صـ ٦٣٤ -.
(٤) "النھر": کتاب النكاح - باب نكاح الكافر ق ١٩٥/ب.
قسم الأحوال الشخصية
٦٥٤
حاشية ابن عابدين
بأن: لم يُعلَمِ السَّبْقُ، فُيُجعَلُ كالغرقى (ثُمَّ أسلَمَا كذلك) استحساناً(١) (وفسَدَ إنْ أسلَمَ
أحدُهما قبل الآخرِ) ولا مهرَ قبل الدُّخولِ.
[١٢٦٥٦) (قولُهُ: بأنْ لم يُعلَمِ السَّبِقُ) أمَّ المعيَّةُ الحقيقيَّةُ فمُتعذّرَةٌ، وما في "البحر"(٢): ((هي
ما لو عُلِمَ أنّهما ارتَدًّا بكلمةٍ واحدةٍ)) ففيه بُعدٌ ظاهرٌ، نعم ارتِدادُهما معاً بالفعلِ ممكنٌ، بأنْ
حَمَلًا مُصحَفاً وألقياه في القاذوراتِ، أو سَحَدا للصَّنَمِ معاً، "نهر"(٣).
[١٢٦٥٧] (قولُهُ: كالغَرْقَى) فإِنّه إذا لم يُعلَمْ سَبْقُ أحدِهم بالموتِ يُزَّلُون منزلةَ مَن ماتوا معاً،
ولا يَرِثُ أحدٌ منهم الآخرَ، فالتَّشبيهُ في أنَّ الجهل بالسَّبَقِ كحالةِ المعَيَّةِ، "ط)" (٤).
[١٢٦٥٨] (قولُهُ: كذلك) أي: معاً، بأنْ لم يُعلَمِ السَّبْقُ.
[١٢٦٥٩) (قولُهُ: وفسَدَ إِلخ) لأنَّ رِدَّةً أحدِهما مُنافيةٌ للنّكاح ابتداءً فكذا بقاءً، "نهر "(٥).
وهذا تصريحٌ بمفهومٍ قولِهِ: ((ثُمَّ أَسَلَما كذلك))، وسكَتَ عن مفهومٍ قولِهِ: ((إِنِ ارتّدًا معاً))؛
لأَنّه تقدَّمَ في قولِهِ: ((وارتدادُ أحدِهما فسخٌ عاجلٌ)).
[١٢٦٦٠) (قولُهُ: قبلَ الآخرِ) وكذا لو بَقِيَ أحدُهما مُرتدًا بالأولى، "نهر"(٦).
[١٢٦٦١] (قولُهُ: قبلَ الدُّخولِ) أمَّا بعدَهُ فلها المهرُ في الوجهين؛ لأنَّ المهرَ يتقرَّرُ بالدُّخولِ
دَيْناً في ذِمَّةِ الزَّوجِ، والدُّيونُ لا تسقطُ بالرِّدَّةِ، "فتح"(٧).
(١) في "د" زيادة: ((وجهُ الاستحسان؛ أنَّ بني حنيفة ارتدَّوا ثم أسلموا ولم تأمرهم الصحابةُ بتحديد الأنكحة،
وارتدادُهم وإسلامهم واقعٌ معاً لجهالة التاريخ فتر کنا القیاس یإجماعهم.
وقال زفر: تبين، وهو القياس؛ لأنَّ ردَّة أحدهما منافيةٌ، وفي ردَّتهما ردَّةً أحدهما وزيادة، فكان أولى بالبينونة،
ولأنّه مناف ابتداءً فيكون منافياً بقاء كردَّة أحدهما، انتهى. "زيلعي")). ق ١٧١/أ.
(٢) "البحر": كتاب النكاح- باب نكاح الكافر ٢٣٢/٣.
(٣) "النھر": کتاب النكاح ۔ باب نكاح الكافر ق١٩٥ /ب.
(٤) "ط": کتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٨٥/٢.
(٥) "النھر": کتاب النكاح۔۔ باب نکاح الكافر ق١٩٥ /ب.
(٦) "النھر": کتاب النكاح - باب نكاح الكافر ق١٩٥/ب.
(٧) "الفتح": كتاب النكاح - باب نكاح أهل الشرك ٢٩٩/٣.
الجزء الثامن
٦٥٥
باب نکاح الکافر
لو المتأخّرُ هي، ولو هو فنصفُهُ أو متعةٌ (والولدُ يَتَبَعُ خيرَ الأبوين دِيْناً)
إِن أَّحَدَتِ الدَّارُ.
[١٢٦٦٢] (قولُهُ: لو المتأخِّرُ هي) لمجيءِ الفُرقةِ مِن قَِلِها بسببِ تأخُّرِها.
[١٢٦٦٣] (قولُهُ: فنصفُهُ) أي: عندَ التَّسميةِ، ((أو مُتَعَةٌ)) عند عدمها.
مطلبٌ: الولدُ يَتَبَعُ خيرَ الأبوين دِيْناً
[١٢٦٦٤] (قولُهُ: والوَلَدُ يَتْبَعُ خيرَ الأبوين دِيْناً) هذا يُتصوَّرُ من الطَّرفين في الإسلامِ
العارضِ، بأنْ كانا كافرَينٍ فأسلَمَ أو أسلَمَتْ، ثمَّ جَاءَتْ بولدٍ قبل العَرْضِ على الآخرِ والتّرِيقِ،
أو بعدَهُ فِي مُدَّةٍ يَثْبتُ النَّسَبُ في مثلِها، أو كان بينهما ولدٌ صغيرٌ قبلَ إسلامِ أحدِهما؛ فإنّه
بإسلامِ أحدِهما يصيرُ الولدُ مسلماً، وأمَّ في الإسلامِ الأصليِّ فلا يُتصوَّرُ إلاَّ أنْ تكونَ الأمُّ كتابَّةً
والأبُ [٣/ ق١٥٤/ب] مسلماً، "فتح"(١) و"نهر "(٢).
( تنبيةٌ)
يُشعِرُ التّعبيرُ بالأبوين إخراجَ ولدِ الزِّنا، ورأيتُ في "فتاوى الشِّهاب الشِّلْبِيِّ" قال: ((واقعةُ
الفتوى في زماننا: مسلمٌ زَنَا بنصرانيَّةٍ، فَتَتْ بولدٍ فهل يكونُ مسلماً؟ أجابَ بعضُ الشَّافِعَّةِ بعدمِهِ
وبعضُهم بإسلامِهِ، وذكَرَ: أنَّ "السُّكيَّ" نَصَّ عليه، وهو غيرُ ظاهرٍ، فإنَّ الشَّارِعَ قطَعَ نَسَبَ ولدِ
الرِّنا، وبنتُهُ من الرِّنا تَحِلُّ له عندهم، فكيف يكونُ مُسلِماً؟! وأفتى قاضي القضاةِ "الحَنْلِيُّ" بإسلامِهِ
أيضاً، وتوقّفْتُ عن الكتابة، فإِنَّه وإنْ كان مقطوعَ النَّسَبِ عن أبيه - حَتَّى لا يَرِثُهُ - فقد صرَّحُوا
عندنا بأنَّ بنتَهُ من الرِّنا لا تَحِلُّ له، وبأنّه لا يَدِفَعُ زكانَهُ لاينِهِ من الرِّنا، ولا تُقبَلُ شهادتُهُ له. والذي
يَقْوَى عندي أنّه لا يُحكَمُ بإسلامِهِ على مقتضى مذهبِنا، وإنما أَتْبتُوا الأحكامَ المذكورةَ احتياطاً نظراً
(١) "الفتح": كتاب النكاح - باب نكاح أهل الشرك ٢٨٧/٣.
(٢) "النهر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ق١٩٣/ب ق ١٩٤/أ.
قسم الأحوال الشخصية
٦٥٦
حاشية ابن عابدين
لحقيقةِ الجزئيَّةِ بينهما)) اهـ.
قلت: يَظهَرُ لي الحكمُ بالإِسلامِ؛ للحديثِ الصَّحيح: ((كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطرة، حتَّى
يكونُ أبواه هما اللَّذانِ يُهوِّدَانِهِ أو يُنصِّرِهِ))(١)، فإِنَّهم قالوا: إنَّه جعَلَ اتّفاقَهما ناقلاً له عن
الفِطرةٍ، فإذا لم يَتْفِقا بقيَ على أصلِ الفِطْرة أو على ما هو أقربُ إليها، حتَّى لو كان أحدُهما
مجوسّاً والآخرُ كتابيّاً فهو كتابيٌّ كما يأتي(٢)، وهنا ليس له أبوان مُتَّفقانٍ، فَبْقَى على الفِطرةِ،
ولأنّهم قالوا: إنَّ إلحاقَهُ بالمسلمِ منهما أو بالكتابيِّ أنفعُ له، ولا شكَّ أنَّ النّظرَ لحقيقةِ الجزئيَّةِ أنفعُ
له، وأيضاً حيث نَظَرُوا للجزئَّةِ في تلك المسائلِ احتياطاً فَلْيُنظَرْ إليها هنا احتياطاً أيضاً، فإِنَّ
الاحتياطَ بالدِّين أَولى، ولأنَّ الكفر أقبحُ القبيحِ، فلا ينبغي الحكمُ به على شخصٍ بدُونِ أمرٍ
صريحٍ، ولأنَّهم قالوا في حرمةِ بنِتِهِ من الرِّنا: إنَّ الشَّرعَ قطَعَ النّسبةَ إلى الزَّاني لِما فيها من إشاعةِ
الفاحشةِ، فلم يُثِبِتِ النَّفقةَ والإرثَ لذلك، وهذا لا يَنْفِي النّسبةَ الحقيقيَّةَ؛ لأنَّ الحقائقَ لا مَرَدَّ لها،
فمَنَ ادَّعَى أَنَّه لا بدَّ من النّسبةِ الشَّرعيَّةِ فعليه البيانُ.
(تتمَّةٌ)
ذكَرَ "الأستروشيُّ" في سِيَرِ "أحكام الصِّغار"(٣): ((أنَّ الولدَ لا يصيرُ مسلماً بإسلام جَدِّهِ
ولو أبوه ميتاً، وأنَّ هذه من المسائلِ التي ليس فيها الجَدُّ كالأبِ؛ لأَنَّه لو كان تابعاً له لكان تابعاً
لِحَدِّ الجَدِّ وهكذا، فُيُؤدِّي إلى أنْ يكونَ النَّاسُ مسلمين [٣/ق ١٥٥/أ] بإسلامٍ آدَمَ عليه السَّلام))،
وفيه (٤) أيضاً: ((الصَّغِيرُ تَبَعٌ لأبويه أو أحدِهما في الدِّيْنِ، فإن انعَدَما فلِذي اليدِ، فإِنْ عُدِمَتْ
(١) تقدم تخريجه ١٩٣/٥.
(٢) المقولة [١٢٦٦٦] قوله: ((والمجوسي شر من الكتابي)).
(٣) "جامع أحكام الصغار": مسائل الردة ٢٠٧/١ بتصرف.
(٤) أي: في "جامع أحكام الصغار": مسائل الردة ٢٠٨/١ بتصرف.
الجزء الثامن
٦٥٧
باب نکاح الكافر
فالدَّارِ، ويَستوي فيما قلنا أنْ يكونَ عاقلاً أو غيرَ عاقلٍ؛ لأَنَّه قبلَ البلوغِ تَبَعٌّ لأبويه في الدِّين ما لم
يَصِفِ الإِسلامَ)) اهـ. فأفاد أنَّ التّبعَيَّةَ لا تَنقطِعُ إلَّ بالبلوغِ أو بالإِسلامِ بنفسِهِ، وبه صرَّحَ في
"البحر" (١) و"المنح"(٢) من باب الجنائز.
وذكَرَ أيضاً المحقّقُ "ابنُ أمير حاجٌ" في "شرح التَّحرير"(٣) عن "شرح الجامع الصَّغير"
لـ "فخر الإسلام": ((أَنَّه لا فَرْقَ في الصَّغِيرِ بين أنْ يَعقِلَ أوْ لا، وأَنَّه نَصَّ عليه في "الجامعِ
الكبير" و"شرحِهِ")).
قلت: وفي "شرح السِّير الكبير" للإمام "السَّرَخسيِّ" (٤) قال بعدَ كلامٍ ما نصُّهُ: ((وبهذا
تبيَّنَ خطأُ مَن يقول مِن أصحابنا(٥): إنَّ الذي يُعبِّرُ عن نفسِهِ لا يصيرُ مسلماً تبعاً لأبويه، فقد
نَصَّ هاهنا على أنَّه يصيرُ مسلماً)) اهـ.
وذكَرَ (٦) قبلَهُ أيضاً: ((أنَّالَّبِعِيَّةَ تَنقطِعُ بُلُوغِهِ عاقلاً)) اهـ، أي: فلو بلَغَ مجنوناً تبقى الَّعِيَّةُ.
فقد تبيَّنَ لكَ أنَّ ما في "القهستانِيِّ(٧): ((من أنَّ المرادَ بالولدِ هنا الطّفلُ الذي لا يَعْقِلُ
الإِسلامَ)) خطأٌ كما سمعتَهُ من عبارة "السَّرخسيِّ" وإنْ أفتى به "الشِّهابُ الشِّلِيُّ"؛ لمخالفتِهِ لِما
نَصَّ عليه الإِمامُ "محمَّدٌ" في "الجامع الكبير"(٨) و"السِّير الكبير"(٩)، ولِما صُرِّحَ به في هذه الكتبِ،
ولإطلاقِ المتون أيضاً، فافهم.
٣٩٤/٢
(١) "البحر": كتاب الجنائز - فصل: السلطان أحق بصلاته ٢٠٥/٢.
(٢) "المنح": كتاب الصلاة ١ /ق ٧٦/ب.
(٣) "التقرير والتحبير": المقالة الثانية - الباب الأول - الفصل الثاني في الحاكم ١١٢/٢.
(٤) "شرح السير الكبير": باب: بيان الوقت الذي يتمكن المستأمن فيه من الرجوع إلى أهله ١٨٧٧/٥.
(٥) في "الأصل": ((خطأ بعض من أصحابنا)).
(٦) أي: في "شرح السير الكبير": باب بيان الوقت الذي يتمكن المستأمن فيه من الرجوع إلى أهله ١٨٧٠/٥ بتصرف.
(٧) "جامع الرموز": کتاب النكاح۔۔ باب نكاح القن ٢٩٥/١.
(٨) "الجامع الكبير": كتاب النكاح - باب النكاح في الفرقة في المجبوب وغيره صـ ٩٤ - بتصرف.
(٩) انظر "شرح السير الكبير": باب: بيان الوقت الذي يتمكن المستأمن فيه من الرجوع إلى أهله ١٨٧٧/٥.
قسم الأحوال الشخصية
٦٥٨
حاشية ابن عابدين
ولو حكماً، بأنْ كان الصَّغيرُ في دارنا والأَبُ ثَمَّةَ بخلافِ العكس.
(والمجوسيُّ ومثلُهُ) كوَتَيٌّ.
[١٢٦٦٥) (قولُهُ: ولو حكماً) أي: سواءٌ كان الاّحادُ حقيقةً وحكماً - كأنْ يكونَ خیرُ
الأبوين مع الولدِ في دارِ الإِسلام أو في دارِ الحرب - أو كان حكماً فقط كما مثَّلَ به "الشَّارِحُ".
واحترَزَ عن اختلافِهما حقيقةً وحكماً، بأنْ كان الأبُ في دارِنا وَالصَّغِيرُ ثَمَّةَ، وإليه أشارَ بقولِهِ:
((بخلافِ العكسِ)) اهـ "ح"(١).
قلت: وما في "الفتح"(٢) من جعلِهِ حكمَ العكسِ كما قبلَهُ قال في "البحر"(٣): ((إنّه
سھوٌ)).
[١٢٦٦٦) (قولُهُ: والمجوسيُّ شرٌّ من الكتابِيِّ) قال في "النَّهر "(٤): ((أَردَفَ هذه الجملةَ لبيان أنَّ
أحدَ الأبوين لو كان كتابيّاً والآخرُ مجوسيّاً كان الولدُ كتابيًا، نظراً له في الدُّنيا لاقترابِهِ من المسلمين
بالأحكامِ من حِلِّ الذَّبيحةِ والمناكحةِ، وفي الآخرةِ من نُقْصانِ العقاب، كذا في "الفتح"(٥)، يعني:
أنَّ الأصلَ بقاؤُهُ بعدَ البلوغ على ما كان [٣/ ق١٥٥/ب] عليه، وإلاَّ فأطفالُ المشركين في الجِنَّةِ،
وتوقّفَ فيهم "الإِمامُ" كما مَرَّ(٦). ولم يُدخِلْهُ فِي حَيِّزِ الجملةِ الأُولى تَحَامِياً عمَّا وقَعَ في بعضِ
العبارات من إطلاقِ الخيرِ على الكتابيِّ، بل الشَّرُّ ثابتٌ فيه، غيرَ أنَّ المجوسيَّ شَرٌّ) اهـ.
وعلى هذا فقولُهُ: ((والولدُ يَتَبَعُ خيرَ الأبوين دِيْناً)) المرادُ به دِيْنُ الإسلامِ فقط؛ لئلاّ
تتكرَّرَ الجملةُ الثّانيةُ، فإنّه ليس المرادُ منها مجرَّدَ بيانٍ أنَّ المجوسيَّ شرٌّ من الكتابيِّ؛ إذ لا دخلَ
له في بحثِهِ، بل المرادُ بيانُ لازمِهِ المقصودِ هنا، وهو تبعيَّةُ الولدِ لأخفهما شَرّاً، فَتَحِلُّ مناكحتُهُ
(١) "ح": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ق ١٧١/أ.
(٢) "الفتح": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٨٧/٣.
(٣) "البحر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ٢٢٥/٣.
(٤) "النهر": كتاب النكاح - باب نكاح الكافر ق ١٩٤/أ.
(٥) "الفتح": كتاب النكاح - باب نكاح أهل الشرك ٢٨٧/٣.
(٦) "در" ١٩٢/٥.