Indexed OCR Text
Pages 121-140
الجزء الثامن
١١٩
فصل في المحرمات
(ولا فَرْقَ) فيما ذُكِرَ (بين اللَّمْسِ والنّظَرِ بشهوةٍ بين عَمْدٍ ونسيانٍ) وخطٍ
وإكراهٍ، فلو أيقَظَ زوجتَهُ أو أيقَظَنْهُ هي لجماعِها، فمَسَّتْ يدُهُ بنتَها المشتهاةَ
أو يَدُها ابْنَهُ حَرُمَت الأمُّ أبداً، "فتح".
فتحصَّلَ من هذا أَنَّه لا بدَّ في كلٌّ منهما من سِنِّ المراهَقَةِ، وأقلُّهُ للأنثى تسعُ سنين(١)،
وللذَّكَرِ اثنا عشر؛ لأنَّ ذلك أقلُّ مدَّةٍ يمكنُ فيها البلوغُ كما صرَّحُوا به في باب بلوغ الغلام،
وهذا يُوافِقُ مَا مَرَّ من أنَّ العلّة هي الوطءُ الذي يكونُ سبباً للولدِ، أو المسُّ الذي يكون
سبباً(٢) لهذا الوطءِ، ولا يخفى أنَّ غيرَ المراهق منهما لا يتأَنَّى منه الولدُ.
[١١٣١٧) (قولُهُ: ولا فَرْقَ فيما ذُكِرَ) أي: من التَّحريم، وقولُهُ: ((بين اللَّمْسِ والنّظَرِ))
صوابُهُ: في اللَّمْسِ والنَّظَرِ، وعبارةُ "الفتح"(٣): ((ولا فَرْقَ في ثبوتِ الحرمة بالمسِّ بين كونه
[٣/ق٢٧/ب] عامداً أو ناسياً أو مُكرّهاً أو مُخطِئً إِلخ))، أفادَهُ "ح"(٤)، قال "الرَّحمنُّ": ((وإذا
عُلِمَ ذلك في المسِّ والنّظَرِ عُلِمَ في الجِماعِ بِالأَولى)).
[١١٣١٨] (قولُهُ: فلو أيقَظَ إلخ) تفريعٌ على الخطأ(٥)، "ط"(٦).
[١١٣١٩] (قولُهُ: أو يدُها ابنَهُ) أي: المراهقَ كما عُلِمَ مما مَرَّ(٧)، وأمَّا تقييدُ "الفتح"(٨)
بكونِهِ ابنَهُ من غيرِها فقال في "النَّهر"(٩): (( ليُعَلَمَ ما إذا كان ابنَهُ منها بالأَولى))، ولا بدَّ من
التّقييدِ بالشَّهوةِ أو ازديادِها في الموضعين.
(١) ((سنين)) ليست في "الأصل" و"ب" و"م".
(٢) ((للولد أو المس الذي يكون سبباً)) ساقط من "آ".
(٣) من ((ولا فرق)) إلى (("الفتح")) ساقط من "آ".
(٤) "ح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ق ١٥٥/أ.
(٥) في "ب": ((الخطاء)).
(٦) "ط": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٧/٢.
(٧) المقولة [١١٣١٦] قوله: ((لو جامع غير مراهق إلخ)).
(٨) "الفتح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٢٩/٣. "
(٩) "النهر": كتاب النكاح - أسباب الحرمة ق ١٦٦/ب.
٢
قسم الأحوال الشخصية
١٢٠
حاشية ابن عابدين
(قَّلَ أَمَّ امرأتِهِ) في أيِّ موضعٍ كان على الصَّحيح، "جوهرة"
[١١٣٢٠] (قولُهُ: قَبَّلَ أُمَّ امرأتِهِ إلخ) قال في "الذَّخيرة": ((وإذا قَبَّلَها أو لَمَسَها أو نَظَرَ إلى
فَرْجِها، ثمَّ قال: لم يكن عن شهوةٍ ذكَرَ "الصَّدرُ الشَّهيد": أَنَّه في القُبلة يُغْتَى بالحرمةِ ما لم يتبيَّنْ
أَنَّه بلا شهوةٍ، وفي المسِّ والنَّظَرِ لا، إلاَّ إنْ تَبَّنَ أنّه بشهوةٍ؛ لأنَّ الأصل في التّقبيلِ الشَّهوةُ بخلافٍ
المسِّ والنّظَرِ، وفي بيوع "العيون" خلافُ هذا: إذا اشتَرَى جاريةً على أَنَّه بالخيارِ، وقَلَها أو نظَرَ
إلى فَرْجِها، ثمَّ قال: لم يكن عن شهوةٍ وأرادَ رَدَّها صُدِّقَ، ولو كانت مُباشِرَةً لم يُصدَّقْ. ومنهم
مَن فصَّلَ في القُبلة فقال: إنْ كانت على الفمٍ يُفْتَى بالحرمةِ، ولا يُصدَّقُ أَنَّه بلا شهوةٍ، وإنْ كانت
على الرَّاسِ أو الذّقَنِ أو الخدِّ فلا، إلَّ إذا تبيّنَ أَنَّه بشهوةٍ، وكان الإِمامُ "ظهيرُ الدِّين" يُفتي بالحرمةِ
في القُبلة مطلقاً ويقول: لا يُصدَّقُ في أَنَّه لم يكن بشهوةٍ، وظاهرُ إطلاقِ بيوع "العيون" يدلُّ
على أنَّه يُصدَّقُ في القُبلةِ على الفمِ أو غيرِهِ، وفي "البقّالِيّ": إذا أنكَرَ الشَّهوةَ في المسِّ يُصدَّقُ،
إلاَّ أنْ يقومَ إليها مُنتشِراً فُيُعانِقَها، وكذا قال في "المجرَّدِ"، وانتشارُهُ دليلُ شهوتِهِ)) اهـ.
[١١٣٢١] (قولُهُ: على الصَّحيحِ، "جوهرة") الذي في "الجوهرة" لـ "الحدَّاديّ"(١) خلافُ
هذا، فإنَّه قال: ((لو مَسَّ أو قَبَّلَ وقال: لم أَشْتَهِ صُدِّقَ، إلاّ إذا كان المسُّ على الفَرْجِ والتَّقبيلُ
في الفمِ)) اهـ.
وهذا هو الموافقُ لِما سينقلُهُ "الشَّارح"(٢) عن "الحدَّادِيِّ"، ولِما نقَلَهُ عنه في "البحر"(٣)
قائلاً: ((ورجَّحَهُ في "فتح القدير"(٤)، وألحَقَ الخدَّ بالفمِ)) اهـ.
وقال في "الفيض": ((ولو قامَ إليها وعانَقَها مُنتشِراً، أو قَبَّلَها وقال: لم يكن عن شهوةٍ
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب النكاح ٦٩/٢.
(٢) "در" صـ١٢٦ -.
(٣) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٧/٣.
(٤) "الفتح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٣٠/٣.
الجزء الثامن
١٢١
فصل في المحرمات
(حَرُمَتْ) عليه (امرأتُهُ ما لم يَظهَرْ عدمُ الشَّهوةِ)
لا يُصدَّقُ، ولو قَبَّلَ ولم تَنتشِرْ آلتُهُ وقال: كان عن غيرِ شهوةٍ يُصدَّقُ، وقيل: لا يُصدَّقُ لو
قَلَها على الفمٍ، وبه يُفتَى)) اهـ
فهذا - كما ترى - صريحٌ في ترجيحِ التَّفصيل، وأمَّا تصحيحُ الإطلاقِ الذي ذكرَهُ
"الشَّارح" فلم أرَهُ لغيره، نعم قال [٣/ق٢٨/أ] "القهستانيُ)(١): ((وفي القُبلةِ يُفْتَى بها - أي:
بالحرمةِ - ما لم يتبَّنْ أَنَّه بلا شهوةٍ، ويَستوِي أنْ يُقْبِّلَ الفمَ أو الذَّقَنَ أو الخدَّ أو الرَّاسَ، وقيل: إِنْ قَبَّلَ
الفمَ يُقْتَى بها وإن ادَّعَى أَنَّ بلا شهوةٍ، وإِنْ قَبَّلَ غيرَهُ لا يُقْتَى بها إلاَّ إذا تَبَت الشَّهوةُ)) اهـ.
وظاهرُهُ ترجيحُ الإطلاقِ في التّقبيل، لكنْ علمتَ التَّصريحَ بترجيحِ التَّفصيل، تأمَّل.
[١١٣٢٢] (قولُهُ: حَرُمَتْ عليه امرأتُهُ إِلَخْ) أي: يُفتَى بالحرمةِ إذا سُئِلَ عنها، ولا يُصدَّقُ إِذا
ادَّعَى عدمَ الشَّهوةِ إلَّ إذا ظهَرَ عدمُها بقرينةِ الحال، وهذا موافقٌ لِما تقدَّمَ(٢) عن "القهستانِيِّ"
و"الشَّهِيدِ"، ومخالفٌ لِما نقلناه عن "الجوهرة"، ورجَّحَهُ في "الفتح"(٣)، وعلى هذا فكان الأولى
أنْ يقول: لا تحرُمُ ما لم تُعْلَم الشَّهوةُ، أي: بأنْ قَلَها مُنتشِراً أو على الفمِ، فُيُوافِقُ ما نقلناه عن
"الفيض"، ولِما سيأتي(٤) أيضاً، وحينئذٍ فلا فَرْقَ بين التَّقبيلِ والمسِّ.
(قولُهُ: وأمَّا تصحيحُ الإطلاق الذي ذكره "الشَّارحُ" فلم أَرَهُ لغيره إلخ) أي: مع التَّصريح
بالإِطلاق، وإلا فعبارةُ "الصَّدر" تُصحِّحُ ما حَرَى عليه "المصنّف" من الإطلاق فلذا صرَّح به "الشَّارِحُ"،
نعم الأصوبُ أن يقولَ: خلافاً لـ "الجوهرة"، أو يُبْدَلَها بـ "القُهِستانِيِّ".
(قولُهُ: وعلى هذا فكان الأَولى أن يقول: لا تَحرمُ إلخ) لا أولويَّة؛ حيثُ كان ما جَرَى عليه موافقاً
لتصحيح "القُهِستانيِّ" وظاهرٍ إطلاق "الصَّدر".
(١) "جامع الرموز": كتاب النكاح ٢٧٣/١.
(٢) ما تقدَّم عن الشهيد في المقولة [١١٣٢٠] قوله: ((قَبل أمَّ امرأته إلخ))، وما تقدَّم عن "القهستاني" في المقولة
[١١٣٢١] قوله: ((على الصحيح "جوهرة")).
(٣) "الفتح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٣٠/٣.
(٤) المقولة [١١٣٤١] قوله: ((وفي "الفتح" إلخ)).
قسم الأحوال الشخصية
١٢٢
حاشية ابن عابدين
ولو على الفمٍ كما فَهِمَهُ في "الذَّخيرة" (وفي المسِّ لا) تحرُمُ (ما لم تُعَلَمِ الشَّهوةُ)
لأنَّ الأصلَ في التَّقبيلِ الشَّهوةُ بخلافِ المسِّ.
(والمعانقةُ كالتَّقبيلِ) وكذا القَرْصُ والعَضُّ بشهوةٍ ولو لأجنبَّةٍ».
[١١٣٢٣] (قولُهُ: ولو على الغمِ) مبالغةٌ على المنفيِّ لا على النّفْي، والمعنى: حَرُمَت امرأتُهُ إذا
لم يَظهَرْ عدُ الاشتهاءِ، وهو صادقٌ بِظُهُورِ الشَّهوة بالشَّكِّ فيها، أمّا إذا ظهَرَ عدُ الشَّهوةِ
فلا تحرُّمُ ولو كانت القُبلةُ على الغمِ. اهـ "ح"(١).
[١١٣٢٤) (قولُهُ: كما فَهِمَهُ في "الذَّخيرة") أي: فَهِمَهُ من عبارةِ "العيون" حيث قال: ((وظاهرُ
ما أطلَقَ في بيوع "العيون")) إلى آخرِ ما مرَّ(٢)، وأنت خبيرٌ بأنَّ كلام "المصنّف" مبنيٌّ على أنَّ الأصل
في القُبلة الشَّهوةُ، وأَنَّه لا يُصدَّقُ في دعوى عدمِها، وهذا خلافُ ما في "العيون"، تأمَّل.
[١١٣٢٥] (قولُهُ: وكذا القَرْصُ والعَضُّ بشهوةٍ) ينبغي تركُ قولِهِ: ((بشهوةٍ)) كما فعَلَ
"المصنّف" في المعانقةِ؛ لأنَّ المقصود تشبيهُ هذه الأمورِ بالتّقبيل في التّفصيلِ المتقدِّمِ، فلا معنى
للَّقييد. اهـ "ح"(٣).
[١١٣٢٦] (قولُهُ: ولو لأجنبيّةٍ) أي: لا فَرْقَ بين أنْ تكونَ زوجةً أو أجنبيّةً، أمَّ الأجنبيّةُ
فصورتُها ظاهرةٌ، وأمَّا الَّوجةُ فكما إذا تزوَّجَ امرأةً فقرَصَها أو عَضَّها أو قَبَّلَها أو عانَقَها،
ثُمَّ طلّقَها قبل الدُّخولِ حَرُمَتْ عليه بِنْتُها.
٢٨٢/٢
(قولُهُ: ينبغي ترْكُ قوله: ((بشَهْرةٍ))، كما فعل "المُصنّفُ" في المعانقة إلخ) لَمَّا كان القَرْصُ والعَضُّ
قد يُقْصَدُ بهما الإِيلامُ، ولم يكن الأصلُ فيهما الشَّهوةُ بخلاف المعانقة قَّدَ بالشَّهوة فيهما، ولو أطلق
النَّشبيهَ لَتَوَهُّم أنَّ حُكْمَهما حُكْمُ الَّقبيل من تُبُوت الحُرْمة ما لم يظهر عدمُ الشَّهوه فالقَصدُ تشبيهُهُما به
في تُبُوت الحُرْمة إذا حَصَلا بشهوةٍ.
(١) "ح": كتاب النكاح- فصل في المحرمات ق١٥٥/أ.
(٢) المقولة [١١٣٢٠] قوله: ((قبّل أمَّ امرأته إلخ))
(٣) "ح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ق١٥٥/أ.
الجزء الثامن
١٢٣
فصل في المحرمات
وتكفي الشَّهوةُ من أحدِهما، ومراهقٌ ومجنونٌ وسكرانُ كبالغٍ، "بزازيَّة". وفي
"القنية": ((قَبَّلَ السَّكرانُ بنتَهُ تحرُمُ الأمُّ(١).
واعلمْ أنَّ هذا التَّعميمَ لا يَخُصُّ ما نحن فيه، فإنَّ جميع ما قبلَهُ كذلك، "ح"(٢). وخَصَّ
البِنْتَ لأنَّ الأُمَّ تحرُمُ بمجرَّدِ العَقْدِ.
[١١٣٢٧] (قولُهُ: وتكفي الشَّهوةُ من أحدِهما) هذا إنما يظهرُ في المسِّ، أمَّا فِي النَّظَر
فُتُعتبرُ الشَّهوةُ من النَّاظرِ، سواءٌ وُجِدَتْ من الآخرِ أم لا. اهـ "ط" (٣).
وهكذا بحَثَ "الخيرُ الرَّمليُّ" أخذاً مِن ذِكْرِهم ذلك [٣/ ق٢٨/ب] في بحث المسِّ فقط،
قال: ((والفرقُ اشتراكُهما في لذَّةِ المسِّ كالمشتركَيْنِ في لذَّةِ الجِماعِ بخلاف النَّظَر)).
[١١٣٢٨) (قولُهُ: كبالغٍ) أي: في تُبُوتِ حُرْمةِ المصاهرةِ بالوطءِ أو المسِّ أو النَّظرٍ، ولو
تَمَّمَ المقابلاتِ - بأنْ قال: كبالغٍ عاقلٍ صاحٍ - لكان أَولى، "ط"(٤). وفي "الفتح"(٥): ((لو مَسَّ
المراهقُ وأقرَّ أَنَّه بشهوةٍ تَثْبُتُ الحرمةُ عليه)).
[١١٣٢٩] (قولُهُ: "بزَّازِيَّةٍ"(٦)) لم أرَ فيها إلّ المراهقَ دون المجنونِ والسَّكرانِ، نَعَمْ رأيتُهما
في "حاوي الزَّاهدي".
[١١٣٣٠) (قولُهُ: تحرُمُ الأُمُّ) كذا يوجدُ في بعض النُّسخ، وفي عامَّتِها بدون ((الأمُّ))،
فهو من بابِ الحذفِ والإيصالِ كما قال "ح"(٧)، وعبارة " القنية"(٨) هكذا: ((قَبَّلَ المجنونُ
(١) ((الأم)) ساقطة من "و".
(٢) "ح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ق ١٥٥/أ.
(٣) "ط": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٧/٢.
(٤) "ط": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٧/٢.
(٥) "الفتح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٣٠/٣.
(٦) "البزازية": كتاب النكاح - الثاني والثالث في محلِّ النكاح وما يثبت به حرمة المصاهرة ١١٢/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "ح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ق١٥٥/أ.
(٨) "القنية": كتاب النكاح - باب في حرمة المصاهرة ق ٣٤/ب.
ے
قسم الأحوال الشخصية
١٢٤
حاشية ابن عابدين
وبحرمةِ المصاهرةِ لا يرتفعُ النّكاحُ، حتّى لا يحلُّ لها التَّزوُّجُ بآخِرَ إلاَّ بعدَ المتاركةِ
وانقضاء العدَّة، والوطءُ بها لا يكون زنًا))،
أُمَّ امرأتِهِ بشهوةٍ أو السَّكرانُ بِنْتَهُ تحرُّمُ)) اهـ، أي: تحرُمُ امرأتُهُ.
[١١٣٣١] (قولُهُ: وبحرمةِ المصاهرةِ إلخ) قال في "الذَّخيرة": ((ذَكَرَ "محمَّدٌ" في نكاحِ
"الأصل " (١): أنَّ النّكاح لا يرتفعُ بحرمةِ المصاهرةِ والرَّضاعِ، بل يَفسُدُ، حتّى لو وَطِئَها الزَّوجُ
قبل التَّفريقِ لا يجبُ عليه الحدُّ اشتبَهَ عليه أو لم يَشتبِهْ عليه)) اهـ.
[١١٣٣٢] (قولُهُ: إلاَّ بعدَ المتاركةِ) أي: وإِنْ مَضَى عليها سنون كما في "البزَّازِيَّة"(٢)،
وعبارة "الحاوي": ((إلاَّ بعدَ تفريقِ القاضي أو بعد المتاركةِ)) اهـ.
وقد علمتَ أنَّ النّكاح لا يرتفعُ بل يَفسُدُ، وقد صرَّحُوا فِي النّكاحِ الفاسدِ بأنَّ المتاركةً
لا تتحقَّقُ إلَّ بالقولِ إنْ كانت مَدخُولاً بها كـ: تركتُكِ أو خَلَّيْتُ سبيلَكِ، وأمَّا غيرُ المدخولِ بها
فقيل: تكونُ بالقول وبالّرك على قَصْدِ عدمِ العَوْدِ إليها، وقيل: لا تكونُ إلاَّ بالقولِ فيهما، حتّى
لو ترَكَها ومَضَى على عِدَّتِها سنون لم يكن لها أنْ تتزوَّجَ بآخرَ، فافهم.
[١١٣٣٣) (قولُهُ: والوطءُ بها إلخ) أي: الوطءُ الكائنُ في هذه الحرمةِ قبل التَّفريقِ والمتاركةِ
((لا يكونُ زِنًا))، قال في "الحاوي": ((والوطءُ فيها لا يكونُ زِنَّا؛ لأنَّه مُختَلَفٌ فيه، وعليه مهرُ
الِثْلِ بوَطْئِها بعد الحرمةِ، ولا حَدَّ عليه، ويثبتُ النَّسَبُ)) اهـ
+
(قولُهُ: والوطءُ فيها لا يكون زناً؛ لأَنَّه مُختَلَفٌ فيه) من هذا يُعلمُ تقييدُ المسألة بما إذا كانت حُرْمةُ
المُصاهَرَة مختلفاً فيها؛ بأن كان الوطءُ زناً بدون شُبْهةٍ، والرَّضاعُ أقلَّ من خمس رَضَعَاتٍ مُشِعاتٍ. وبما
ذَكَرَ تكونُ المسألةُ ظاهرةَ الوجه.
(١) لم نعثر عليها في القسم المطبوع الذي بين أيدينا.
(٢) "البزازية": كتاب النكاح - الثاني والثالث في محل النكاح وما يثبت به حرمة المصاهرة ١١٣/٤. (هامش "الفتاوى
الهندية").
الجزء الثامن
١٢٥
فصل في المحرمات
وفي "الخانَيَّة": ((أنَّ النّظَر إلى فَرْجِ(١) ابنتِهِ بشهوةٍ يُوجِبُ حرمةَ امرأتِهِ، وكذا لو
فَزِعَتْ فدخَلَتْ فراشَ أبيها عُرْيانةً، فانتشَرَ لها أبوها تحرُمُ عليه أمُّها)).
(وبِنْتٌ) سِنُها (دون تسعٍ(٢) ليست بمشتهاةٍ) به يُفْتَى (وإن ادَّعَتِ الشَّهوةَ)
في تقبيلِهِ أو تقبيلِها ابنَهُ (وأنكَرَها الرَّجُلُ.
[١١٣٣٤] (قولُهُ: وفي "الخانيّةِ"(٣) إِلَخ) مُستغَنَّى عنه بما تقدَّمَ، "ح(٤).
[١١٣٣٥] (قولُهُ: فدَخَلَتْ فراشَ أبيها) كَتَّى به عن المسِّ، وإلاّ فمحرَّدُ الدُّخولِ بغيرِ
مسٍّ لا يُعتبرُ، "ط)"(٥).
[١١٣٣٦) (قولُهُ: ليست بِمُشتهاةٍ، به يُفتَى) كذا في "البحر"(٦) عن "الخانَيَّة"(٧)، ثمَّ قال:
((فأفاد أنَّه لا فَرْقَ بين أن تكونَ سمينةً أوْ لا، ولذا قال في "المعراج": بِنْتُ خمسٍ لا تكونُ
مُشتهاةً اتفاقاً، وبِنْتُ تسعٍ فصاعداً مُشتهاةٌ اتفاقاً، وفيما بين الخمسِ والتّسعِ اختلافُ الرِّوايةِ
والمشايخٍ، والأصحُّ [٣/ ق ٢٩/أ] أَنَّها لا تتْبُتُ الحرمةُ)) اهـ.
[١١٣٣٧] (قولُهُ: وإن ادَّعَت الشَّهوةَ في تقبيِهِ) أي: ادَّعَت الزَّوجةُ أَنَّه قَلَ أحدَ أصولِها
أو فروعِها بشهوةٍ، أو أنَّ أحد أصولِها أو فروعِها قَّلَهُ بشهوةٍ، فهو مصدرٌ مضافٌ إلى فاعلِهِ
(١) في "د" و"و": ((لفرج)).
(٢) في "د" زيادة: ((قوله: وبنت دون تسع إلخ، اعلم أنَّ بنت تسع أو أكثر تكون مشتهاة، وقد لا تكون مشتهاة، وهذا يختلف
بعِظَم الجثة وصِغَرِها، أمَّا قبل أن تبلغ تسع سنين فالفتوى على أنها ليست بمشتهاة. وفي شرح الكنز: قال أبو بكر محمد
ابن الفضل: بنت تسع مشتهاة من غير تفصيلٍ، وبنتُ ثمان أو سبع أو ست إن كانت عَبْلة ضخمة كانت مشتهاة،
وإلا فلا. ولو كبرت المرأة حتى خرجت عن حدِّ الاشتهاء توجب الحرمة؛ لأنّها دخلت تحت حكم الاشتهاء، فلا تخرج
عنه بالكِّر، ولا كذلك الصغيرة، انتهى. كذا ذكره الشُّمُيُّ في شرح "النقاية" نقلاً عن شرح "الوقاية")). ق١٥٢ /ب.
(٣) "الخانية": كتاب النكاح - باب في المحرمات ٣٦٣/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "ح": کتاب النكاح- فصل في المحرمات ق١٥٥/أ.
(٥) "ط": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٥/٢.
(٦) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٦/٣.
(٧) "الخانية": كتاب النكاح - باب في المحرمات ٣٦٣/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
قسم الأحوال الشخصية
١٢٦
-
حاشية ابن عابدين
فهو مُصدَّقٌ) لا هي (إلاَّ أنْ يقومَ إليها مُنتشِراً) آلنُّهُ (فُيُعانِقَها) لقرينةٍ كذبهِ (أو يأخذَ
ثديها أو يركبَ معها) أو يَمَسَّها على الفَرْجِ، أو يُقبِّلَها على الفمِ، قاله "الحدَّاديُّ"،
وفي "الفتح": ((يَتَراءى إلحاقُ الخدَّين بالفم))، وفي "الخلاصة"(١): ((قيل له: ما
فَعَلْتَ بأمِّ امرأتِكَ؟ فقال: جامعتُها تثبُتُ الحرمةُ» ..
أو مفعولِهِ، وكذا قولُهُ: ((أو تَقْبِها ابنَهُ))، فإنْ كانت إضافتهُ إلى المفعولِ فـ ((ابْنُهُ)) فاعلٌ،
والأنسبُ لَنَظْمِ الكلام إضافةُ الأوَّلِ لفاعلِهِ والثاني لمفعولِهِ؛ ليكونَ فاعلُ ((يقومُ)) الرَّجُلَ أو ابنَهُ
كما أفادَهُ "ح"(٢).
[١١٣٣٨) (قولُهُ: فهو مُصدَّقٌ) لِأَنَّه يُنكِرُ تُبُوتَ الحرمةِ، والقولُ للمنكِرِ، وهذا ذكرَهُ
في "الدَّخيرة" في المسرِّ لا في النَّقبيل كما فعَلَ "الشَّارح"، فإنَّه مخالفٌ لِما مَشَى عليه
"المصنّف" أوَّلاً: ((من أنّه في التَّقبيل يُفتَى بالحرمةِ ما لم يَظهَرْ عدمُ الشَّهوة))، وقدَّمنا(٣) عن
"الذَّخيرة" نَقْلَ الخلافِ في ذلك، فما هنا مبنيٌّ على ما في بيوع "العيون".
[١١٣٣٩] (قولُهُ: آلْتُهُ) بالرَّفع فاعلُ ((مُنتشِراً))، "ط " (٤).
[١١٣٤٠] (قولُهُ: أو يَرْكَبَ معها) أي: على داَبَّةٍ بخلاف ما إذا رَكِيَتْ على ظَهْرِهِ وعَبَرَ
الماءَ، حيث يُصدَّقُ في أنّه لا عن شهوةٍ، "بزَّازِيَّةِ"(٥).
[١١٣٤١] (قولُهُ: وفي "الفتح" (٦) إلخ) قال فيه: ((والحاصلُ: أَنَّه إذا أَقَرَّ بالنَّظَرِ وأنكَرَ الشَّهوةَ
صُدِّقَ بلا خلافٍ، وفي المباشرةِ لا يُصدَّقُ بلا خلافٍ فيما أعلمُ، وفي التَّقبيل اختُلِفَ فيه،
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب النكاح - الفصل الثالث فيما تثبت به حرمة المصاهرة وفيما لا تثبت ق ٧٦/أ بتصرف.
(٢) "ح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ق ١٥٥/أ.
(٣) المقولة [١١٣٢٠] قوله: ((قَبّل أُمَّ امرأته إلخ)).
(٤) "ط": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ٢٠/٢.
(٥) "البزازية": كتاب النكاح - الثاني والثالث في محل النكاح وما يثبت به حرمة المصاهرة ١١٣/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "الفتح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٣٠/٣.
الجزء الثامن
١٢٧
فصل في المحرمات
ولا يُصدَّقُ أَنَّه كَذَبَ ولو هازلاً)).
(وتُقبَلُ الشَّهادةُ على الإقرارِ باللّمسِ والتّقبيلِ عن شهوةٍ، وكذا) تُقبَلُ (على
نفسِ اللَّمسِ والتّقبيلِ) والنّظرِ إلى ذَكَرِهِ أو فرجِها (عن شهوةٍ في المختارِ) "تجنيس"؛
لأَنَّ الشَّهوة مما يُوقَفُ عليها في الجملةِ بانتشارِ أو آثارٍ ..
قيل: لا يُصدَّقُ؛ لأَنَّه لا يكونُ إلاَّ عن شهوةٍ غالباً، فلا يُقبَلُ إلاَّ أنْ يظهَرَ خلافُهُ بالانتشار
ونحوه، وقيل: يُقبَلُ، وقيل بالنِّفصيلِ بين كونِهِ على الرَّاسِ والجبهةِ والخدِّ فُيُصدَّقُ، أو على
الفمِ فلا، والأرجحُ هذا، إلاَّ أنَّ الخدَّ يتراءى إلحاقُهُ بالفمٍ)) اهـ.
وقولُهُ: ((إلاَّ أنْ يظهَرَ إلخ)) حقُّهُ أنْ يُذكَرَ بعد قولِهِ: ((وقيل: يُقبَلُ)) كما لا يخفى.
ولم يَذكُر المسَّ، وقدَّمنا (١) عن "الذَّخيرة": ((أنَّ الأصل فيه عدمُ الشَّهوةِ مثلَ النّظر، فيُصدَّقُ
إذا أنكَرَ الشَّهوةَ، إلاَّ أن يقومَ إليها مُنتشِراً))، أي: لأنَّ الانتشار دليلُ الشَّهوة، وكذا إذا
كان المسُّ على الفَرْجِ كما مَرَّ(٢) عن "الحدَّديّ"؛ لأَنَّه دليلُ الشَّهوةِ غالباً، وما ذكرَهُ في
"الفتح"(٣) بحثاً من إلحاقٍ تقبيلِ الخدِّ بالفمِ - أي: بخلافِ الرَّاسِ والجبهة - غيرُ ما تقدَّمَ (٤) في
كلامٍ "الذَّخيرة" عن الإمام "ظهير الدِّين"، فإنَّ ذاك لم يُفضِّل، فافهم.
[١١٣٤٢] (قولُهُ: ولا يُصدَّقُ أَنَّ كَذَبَ إلخ) أي: عند القاضي، أمَّا بينه وبين الله تعالى
إنْ كان كاذباً فيما أَقَرَّ لم تَثْبُت الحرمةُ، وكذا إذا أَقَرَّ بجماعٍ أُمِّها [٣/ ق ٢٩/ ب] قَبْلَ التَّرُوُجِ
لا يُصدَّقُ في حقّها، فيجبُ كمالُ المسمَّى لو بعدَ الدُّخول، ونصفُهُ لو قبلَهُ، "بحر "(٥).
[١١٣٤٣] (قولُهُ: "تجنيس") كذا عزاه إليه في "البحر"(٦)، وكذا رأيتُهُ فيه أيضاً، ونصّ عبارتِهِ:
٢٨٣/٢
(١) المقولة [١١٣٢٠] قوله: ((قبّل أمّ امرأته إلخ)).
(٢) "در" صـ ١٢٦ -.
(٣) "الفتح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٣٠/٣.
(٤) المقولة [١١٣٢٠] قوله: ((قبّل أمّ امرأته إلخ)).
(٥) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٩/٣.
(٦) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٩/٣.
قسم الأحوال الشخصية
١٢٨
حاشية ابن عابدين
(و) حَرُمَ (الجمعُ) بين المحارمِ (نكاحاً) أي: عقداً صحيحاً.
((المختارُ: أَنَّ تُقبَلُ، إليه أشارَ "محمَّدٌ" في "الجامع"(١)، وإليه ذهَبَ فخرُ الإسلام "عليُّ
البَزْدويُّ"؛ لأنَّ الشَّهوة مما يُوقَفُ عليه بتحرُّكِ العضوِ ممن يتحرَّكُ عضوُهُ، أو بآثارٍ أُخَرَ ممن
لا يتحرَّكُ عضوُهُ)) اهـ. فما ذكرَهُ من التَّعليل من كلامِ "النَّجنيس" أيضاً.
وبه ظهَرَ أنَّ ما في "النَّهر"(٢) - مِن عَزْوِهِ إلى "النَّجنيس": ((أَنَّ المختار عدمُ القَبُولِ)) -
سبقُ قَلَمٍ.
[١١٣٤٤] (قولُهُ: بينَ المحارِمِ) الأَولى حذفُهُ؛ لأنَّ قول "المصنّف": ((بينَ امرأتين)) يُغني عنه،
ولئلاً يُتُوهَّمَ اختصاصُ الثَّاني بالجَمْعِ وطناً بِلْكِ يمينٍ، ولا يصحُّ إعرابُهُ بدلاً منه بدلَ مُفصَّلٍ مِن
مُحْمَلٍ؛ لأنَّ "الشَّارح" ذكَرَ له عاملاً يَخُصُّهُ، وهو قولُهُ: ((وحَرُمَ الجمعُ))، فافهم.
وأرادَ بالمحارِمِ ما يشملُ النَّسَبَ والرَّضاعَ، فلو كان له زوجتان رضيعتان أرضَعَتْهما أجنبيّةٌ
فسَدَ نكاحُهما كما في "البحر"(٣).
[١١٣٤٥] (قولُهُ: أي: عَقْداً صحيحاً) الأنسبُ حذفُ قوله: ((صحيحاً)) كما فعَلَ
في "البحر"(٤) و"الّهر" (٥)، ولذا قال "ح"(٦): ((لا ثمرةَ لهذا القيدِ(٧) فيما إذا تزَوَّجَهما في عَقْدٍ واحدٍ
- فإِنَّه لا يكونُ صحيحاً قطعاً .- ولا فيما إذا تَزَوَّجَهما على التَّعاقُب وكان نكاحُ الأُولى صحيحاً،
(قولُهُ: لا يكونُ صحيحاً قطعاً إلخ) أي: والحُرْمةُ ثابتةٌ في هذه الصُّورة كالَّي بعدها.
(١) "الجامع الكبير": كتاب النكاح - باب نكاح ما يقام عليه البينة من المرأة والزوج الذي يفرق بين المرأة وزوجها صـ٩٥ -.
(٢) "النهر": كتاب النكاح - أسباب الحرمة ق ١٦٦/ب.
(٣) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٢/٣.
(٤) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٢/٣.
(٥) "النهر": كتاب النكاح - أسباب الحرمة ق١٦٥/ب.
(٦) "ح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ق ١٥٥/ب.
(٧) في "الأصل": ((في القيد)).
الجزء الثامن
١٢٩
فصل في المحرمات
(وعَدَّةً ولو من طلاقٍ بائنٍ، و) حَرُمَ الجمعُ (وطئاً.
فإنَّ نكاح الثّانيةِ - والحالةُ هذه - باطلٌ قطعاً، نعم له ثمرةٌ فيما إذا تزوَّجَ الأُولى فاسداً، فإنَّ له
حينئذٍ أن يَعْقِدَ على الثَّانية، ويصدُقُ عليه أَنَّ جَمَعَ بينهما نكاحاً، ونكاحُ الأُولى - وإنْ كان
فاسداً - يُسمَّى نكاحاً كما شاعَ في عباراتهم)) اهـ.
[١١٣٤٦] (قولُهُ: وعِدَّةً) معطوفٌ على ((نكاحاً)) منصوبٌ مثلَهُ على التَّمييز.
[١١٣٤٧] (قولُهُ: ولو مِن طلاقٍ بائنٍ) شَمِلَ العِدَّةَّ من الرَّجعيِّ، أو من إعتاقِ أمِّ ولدٍ خلافاً
لهما، أو مِن تفريقٍ بعد نكاحٍ فاسدٍ. وأشار إلى أنَّ مَن طَلَّقَ الأربعَ لا يجوزُ له أنْ يتزوَّجَ امرأةً قبل
انقضاء عِدَّتِهِنَّ، فإن انقَضَتْ عِدَّةُ الكلِّ معاً جاز له تزوُّجُ أربعٍ، وإنْ واحدةً فواحدٌ، "بحر"(١).
(فرعٌ)
ماتت امرأتُهُ له التزوُّجُ بأختِها بعد يومٍ من موتها كما في "الخلاصة"(٢) عن "الأصل"،
وكذا في "المبسوط" لـ "صدر الإسلام" و"المحيطِ" لـ "السَّرْخسيِّ" (٣) و"البحر "(٤) و"الَّتر خانَّة"(٥)
وغيرها من الكتب المعتمدة، وأمَّا مَا عُزِيَ إلى "النّشْف"(٦) من وجوبِ العِدَّةِ فلا يُعتمَدُ عليه،
[٣/ق٣٠/أ] وتمامُهُ في كتابنا "تنقيح الفتاوى الحامديَّة"(٧).
(قولُهُ: أو من إعتاق أُمِّ ولدٍ خلافاً لهما إلخ) إذا أعتقَ أُمَّ ولدِهِ ووجبَ عليها العدَّةُ ثلاثَ حِيَضٍ
وتزوَّج أُختَها أو أربعاً من الأجانب فقال "زُفَر": لا يجوزُ كِلاهُما، وقال "أبو يوسف" و"محمد": يجوزُ
كِلاهُما، وقال "أبو حنيفة": نكاحُ الأُخت لا يجوز، ونكاحُ الأربعِ يجوز "سراج"، اهـ "سندي".
(١) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٩/٣.
(٢) "خلاصة الفتاوى": کتاب النكاح- الفصل الثاني فیمن تكون محلاً للنكاح وفیمن لا تكون ق٧٥/ب.
(٣) في "ب" و"م": (("المحيط السرخسي")).
(٤) "البحر": لم نعثر عليها في مظانها.
(٥) "التاتر خانية": كتاب النكاح - الفصل الثامن: ما يجوز من الأنكحة وما لا يجوز ٧/٣.
(٦) "النتف": كتاب النكاح - الشرط السابع: العدة ٢٦١/١.
(٧) انظر "العقود الدرية": كتاب النكاح ١٨/١.
قسم الأحوال الشخصية
١٣٠
حاشية ابن عابدين
بِلْكِ يمينٍ بين امرأتين أَيْتُهُما فُرِضَتْ ذَكَراً لم تحلَّ للأخرى) أبداً؛ لحديثِ "مسلمٍ":
[١١٣٤٨] (قولُهُ: مِلْكِ يمينٍ) متعلّقٌ بـ ((وطناً))، واحترَزَ بالجَمْعِ وطئاً عن الجَمْعِ مِلْكاً
من غيرِ وطءٍ، فإنَّه جائزٌ كما في "البحر"(١)، "ط"(٢).
[١١٣٤٩) (قولُهُ: بين امرأتين) يُرجِعُ إلى الجَمْعِ نكاحاً وعِدَّةً ووطئاً يِلْكِ يمين، "ط)"(٣)،
أي: في عبارة "المصنّف"، أمَّا على عبارة "الشَّارح" فهو متعلّقٌ بالأخير.
[١١٣٥٠] (قولُهُ: أَيْتُهُما فُرِضَتْ إِلخ) أي: أَيَّهُ واحدةٍ منهما فُرِضَتْ ذَكَراً لم يَحِلَّ للأخرى،
كالجمعِ بين المرأةِ وعَمَّتِها أو خالتها، والجمعِ بين الأُمِّ والِنْتِ نَسَباً أو رضاعاً(٤)، وكالجمع بين
عَمَّتين أو خالتين، كأنْ يتزوَّجَ كلٌّ من رَجُلين أمَّ الآخرِ فُيُولَدَ لكلٍّ منهما بِنْتٌ، فيكونُ كلٌّ من
البنْتِين عَمَّةَ الأخرى، أو يتزوَّجَ كلٌّ منهما بِنْتَ الآخرِ ويُولَدَ لهما بنتان، فكلٌّ من البنْتين خالةٌ
الأخرى(٥) كما في "البحر"(٦).
[١١٣٥١] (قولُهُ: أبداً) فَيَّدَ به - تبعاً لـ "البحر(٧) وغيره - لإخراجِ ما لو تزوَّجَ أَمَةً ثُمَّ سيِّدتَها
فإِنَّه يجوزُ؛ لأَنّه إذا فُرِضَت الأَمَّةُ ذَكَرً لا يصحُّ له إيرادُ العَقْدِ على سيِّدَتِهِ، ولو فُرِضَتِ السِّدةُ ذَكَراً
لا يَحِلُّ له إيرادُ العَقْدِ على أَمَتِهِ إلاَّ في موضعِ الاحتياط كما يأتي(٨)، لكنَّ هذه الحرمةَ من الجانبين
مؤقّتةٌ إلى زوالٍ مِلْكِ اليمين، فإذا زالَ فَأَيْتُهُما فُرِضَتْ ذَكَراً صَحَّ إيرادُ العَقْدِ منه على الأخرى،
فلذا جازَ الجمعُ بينهما، واحتِيْجَ إلى إخراجِ هذه الصُّورةِ من القاعدة المذكورة بقَيْدِ الأَبَديَّة،
(١) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٢/٣.
(٢) "ط": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٨/٢.
(٣) "ط": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٨/٢.
(٤) في "د" زيادة: ((هذه العبارة منقولة عن "الفتاوى الهندية")). ق١٥٣/أ.
(٥) من ((أو يتزوج)) إلى ((الأخرى)) ساقط من "آ".
(٦) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٤/٣.
(٧) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٥/٣.
(٨) "در" صـ ١٤٦ -.
الجزء الثامن
١٣١
فصل في المحرمات
((لا تُنكَحُ المرأةُ على عمَّتِها))، وهو مشهورٌ يصلُحُ مُخصِّصاً للكتاب (فجازَ الجمعُ
بين امرأةٍ وبنتِ زوجها) او امرأةِ ابنِها،.
لكنَّ هذا بناءً على أنَّ المراد من عدمِ الحلِّ في قولِهِ: ((أَيْتُهُما (١) فُرِضَتْ ذكراً لم تَحِلّ(٢)
للأخرى)) عدمُ حِلِّ إيرادِ العَقْدِ، أمَّا لو أُرِيدَ به عدمُ حِلِّ الوطءِ لا يُحتاجُ في إخراجها إلى قَيْدِ
الأَبَدِيَّة؛ لأَنَّها خارجةٌ بدونه، فإِنَّه لو فُرِضَت السيِّدَةُ ذَكَرًاً يَحِلُّ له وطءُ أَمَتِهِ، أفادَهُ "ح"(٣).
[١١٣٥٢] (قولُهُ: لا تُنكَحُ المرأةُ على عَمَّتِها) تمامُهُ: ((ولا على خالتِها، ولا على ابنةٍ
أخيها، ولا على ابنة أختها
[١١٣٥٣] (قولُهُ: وهو مشهورٌ) فإِنَّه ثابتٌ في صحيحَيْ "مسلمٍ" و"ابنِ حَبَّان"(٥)، ورواه "أبو
داود"، و"الّرمذيُّ" ، و"النَسائِيُّ" ، وتلقّاهُ الصَّدْرُ الأوَّلُ بالقبول من الصَّحابة والتّابعين، ورواء الجَمُّ
الغفيرُ، منهم "أبو هريرة"، و"جابر"، و"ابن عبّاسٍ"، و"ابن عُمَرَ"، و"ابن مسعودٍ"، و"أبو سعيدٍ
الخدريُّ"، فيصلُحُ مُخصِّصاً لعموم قولهِ تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء - ٢٤]،
مع أنَّ العموم المذكور مخصوصٌ بالْمُشْرِكةِ والمجوسيّةِ وبناتِهِ من الرَّضاعة، فلو كان من أخبارِ الآحادِ
جازُ النَّخصيصُ به غيرَ مُتوقّفٍ [٣/ق٣٠/ب] على كونِهِ مشهوراً.
(١) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((آَيَّة))، وما أثبتناه من "م" هو الموافق لعبارة "الدر".
(٢) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((يحلَّ))، وما أثبتناه من "م" هو الموافق لعبارة "الدر".
(٣) "ح": کتاب النكاح - فصل في المحرمات ق١٥٥ /ب.
(٤) ((ولا على ابنة أختها)) ساقط من "الأصل".
(٥) وأخرجه مالك في "الموطأ" (٥٢٥) كتاب النكاح - باب لا يجمع الرجل بين المرأة وعمَّتها في النكاح، والبخاري
(٥١٠٨) كتاب النكاح - باب: لا تنكح المرأة على عمتها، ومسلم (١٤٠٨) كتاب النكاح - باب تحريم الجمع
بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، وأبو داود (٢٠٦٥) كتاب النكاح - باب ما يكره أن يجمع بينهن من
النساء، والترمذي (١١٢٥) كتاب النكاح - باب ما جاء لا تنكح المرأة على عمَّتها ولا على خالتها، والنسائي
٩٨/٦ کتاب النكاح - باب تحریم الجمع بين المرأة وخالتها، وابن ماجه (١٩٢٩) كتاب النكاح - باب لا تنكح
المرأة على عمَّتها ولا على خالتها، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣٤٥/٥، وصححه ابن حبان (٤٠٦٨) كتاب
النكاح - باب ذكر الزجر عن سؤال المرأة الرجل طلاق أختها ما في صحفتها، و(٤١١٧) باب حرمة المناكحة،
كلَّهم من حديث أبي هريرة ظـ
قسم الأحوال الشخصية
١٣٢
حاشية ابن عابدين
والظَّاهرُ: أَنَّه لا بدَّ من ادِّعاءِ الشُّهرةِ؛ لأنَّ الحديث مَوقِعُهُ النَّسخُ لا النَّخصيصُ؛ لأنَّ
﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾ [البقرة - ٢٢١] ناسخٌ لعمومٍ ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ (١)﴾؛
إذ لو تقدَّمَ لَزِمَ نسخُهُ بالآيةِ، فَلَزِمَ حِلُّ المشركاتِ وهو مُنْتَفٍ، أو تكرارُ النَّسخِ وهو خلافُ
الأصل، بيانُ الملازَمةِ: أَنَّ يكونُ السَّابِقُ حُرْمَةَ الْمُشْرِكاتٍ ثُمَّ يُنسَخُ بِالعامِّ، وهو ﴿وَأُحِلَّلَكُم
مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾، ثمَّ يجبُ تقديرُ ناسخٍ آخرَ؛ لأنَّ الثَّابت الآنَ الحرمةُ، "فتح"(٢). وبه اندفَعَ
ما في "العناية"(٣): ((من أنَّ شرط التَّخصيصِ المقارنةُ عندنا وليست بمعلومةٍ)).
( تنبيةٌ)
ما ذكرَهُ من الدَّليل لا يكفي لإثباتِ عموم القاعدة من حُرْمةِ الجمع بين جميع المحارم،
فإِنَّ الجمع بينهنَّ حَرُمَ لإفضائِهِ إلى قَطْعِ الرَّحِمِ لوقوع التَّشاجُر عادةً بين الضَّرَّتين، والدَّليلُ
٢٨٤/٢ على اعتبارِهِ ما ثبَتَ في الحديثِ بروايةِ "الطَّبرائِيِّ"(٤)، وهو قولُهُ مَ الثّ: («فإِنَّكم إذا فَعَلْتُم ذلك
قَطَّعْتُم أرحامَكم))، وتمامُهُ في "الفتح"(٥).
( تتمَّةٌ)
عن هذا أجابَ "الرَّمليُّ" الشَّافعيُّ عن الجَمْعِ بين الأختين في الجنَّةِ: ((بأنّه لا مانعَ منه؛
لأنَّ الحكم يَدُوْرُ مع العَلَّة وجوداً وعدماً، وعلَّةُ الَّبَاغُضِ وقطيعةِ الرَّحِمِ مُنتَفِيَةٌ في الجنَّة إلاَّ الأمَّ
والبِنْتَ)) اهـ. أي: لعلَّةِ الجزئيَّة فيهما، وهي موجودةٌ في الجنَّة أيضاً بخلافٍ نحو الأختين.
(١) ﴿مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ ليست في "الأصل" و"ب" و"م".
(٢) "الفتح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٢٥/٣.
(٣) "العناية": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٢٥/٣ (هامش "فتح القدير").
(٤) أخرجه الطبراني في "الكبير" ٢٦٦/١١ - ٢٦٧، وأحمد ٢١٧/١ و ٣٧٢، وأبو داود (٢٠٦٧) کتاب النكاح - باب ما يكره
أن يجمع بينهن من النساء، والترمذي (١١٢٥) كتاب النكاح - باب ما جاء لا تنكح المرأة على عمَّتها ولا على خالتها،
وقال: حديث حسن صحيح، وابن حبان (٤١١٦) كتاب النكاح - باب حرمة المناكحة، كلّهم من حديث ابن عباس وفي
الباب عن أبي هريرة وعلي وابن عمر وأبي سعيد وجابر وعائشة وأبي موسى وسمرة بن جندب وعبد الله بن عمرو رضي.
(٥) انظر "الفتح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٢٥/٣.
الجزء الثامن
١٣٣
فصل في المحرمات
أو أَمَةٍ (١) ثمَّ سيِّدتِها؛ لأَنَّه لو فُرِضَت المرأةُ أو امرأةُ الابنِ أو السَّيِّدَةُ ذَكَراً لم يَحِرُمْ
بخلافٍ عکسِهِ.
(وإِنْ تَزَوَّجَ) بنكاحٍ صحيحٍ (أُختَ أَمَةٍ) قد (وَطِفَهَا صَحَّ) النّكَاحُ (لكنْ
لا يَطَأُ واحدةً منهما.
[١١٣٥٤] (قولُهُ: أو أَمَةٍ ثُمَّ سِّدتِها) الأَولى عدمُ ذِكْرِ هذه الصُّورة؛ لِما علمتَ من أنَّ
إخراجَها من القاعدة بقَيْدِ الأَبَديَّة مبنيٌّ على أنَّ المراد من عدم الحِلِّ عدمُ حِلِّ إيرادِ العَقْدِ، وهو
ثابتٌ من الطَّرفين كما قرَّرناه، فيُنافي قولَهُ الآتي: ((لم يَحْرُمْ))، ولو أُرِيدَ بعدم الحلِّ عدمُ حِلِّ
الوطءِ صَعَّ قولُهُ: ((لم يَحْرُمْ))، لكنَّه يُستغنَى عن قَيْدِ الأَبَدِيَّة، ولعلَّه أشار إلى أنَّ جواز الجَمْعِ
بينهما ثابتٌ على كلِّ من النّقديرين، فافهم.
قال "ح(٢): ((وأشار بـ: ثُمَّ إلى أنَّه لو تَزَوَّجَهما في عُقْدةٍ لم يصحَّ نكاحُ واحدٍ،
ولو تَزَوَّجَهما في عُقْدتين والسَّيِّدةُ مُقَدَّمَةٌ لم يصحَّ نكاحُ الأَمَةِ كما قدَّمناه أوَّل الفصل)).
[١١٣٥٥) (قولُهُ: لم يَحرُم) أي: التّزُوُّجُ فِي الصُّور الثّلاث؛ لأنَّ الذِّكَرَ المفروض في الأُولى
يصيرُ مُتزوِّجاً بِنْتَ الزَّوجِ، وهي بِنْتُ رجلٍ أجنبيٌّ، وفي الثّانيةِ يصيرُ مُتزوِّحاً امرأةً أجنبيّةً، وفي
الثّالثةِ(٣) يصيرُ واطئاً لأَمَتِهِ.
[١١٣٥٦) (قولُهُ: بخلافٍ عكسِهِ) هو ما إذا فُرِضَتْ بِنْتُ الزَّوج أو أُمُّالرَّوجِ أو الأَمَّةُ ذَكَراً،
حيث [٣/ ق ١/٣١] تحرُمُ الأخرى؛ لأَنَّه في الأُولى بصيرُ ابنَ الزَّوج فلا تَحِلُّ له موطوءةُ أبيه،
وفي الثّانيةِ يصيرُ أبا الزَّوج فلا تَحِلُّ له امرأةُ اينِهِ، وفي الثَّالثة يصيرُ عبداً فلا تَحِلُّ له سيِّدَتُهُ.
[١١٣٥٧] (قولُهُ: وإنْ تَزَوَّجَ إلخ) قَيَّدَ بالتّزوُّج لأنّه لو اشتَرَى أختَ أَمَتِهِ الموطوءةِ جاز
(١) في "و": ((وأمة)).
(٢) "ح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ق١٥٥/ب.
(٣) في "الأصل": ((الثانية)) بدل ((الثالثة)).
قسم الأحوال الشخصية
١٣٤
حاشية ابن عابدين
(حتّى يُحرِّمَ) حِلَّ استمتاعِ (إحداهما عليه) بسببٍ ما؛
له وطءُ الأُولى، وليس له وطءُ الثّانية ما لم يُحرِّمُ الأُولى على نفسِهِ، ولو وَطِئَها أَثِمَ، ثمَّ
لا يَحِلُّ له وطءُ واحدةٍ منهما حتَّى يُحرِّمَ الأخرى، ويكونُ النّكاحُ صحيحاً؛ لأَنَّه لو كان
فاسداً لا تَحرُمُ عليه الموطوءةُ ما لم يَدخُلْ بالمنكوحةِ لوجود الجَمْعِ حقيقةً. وأطلَقَ في الأختِ
المتزوِّجةِ فشَمِلَ الحرَّةَ والأَمَةَ، وأطلَقَ فِي الأَمَةِ فشَمِلَ أَمَّ الولد، وقَّدَ بكونها موطوءَةً لأنَّ بدونه
يجوزُ(١) له وطءُ المنكوحةِ كما يأتي (٢)؛ لأنَّ المرقوقة ليست بموطوءَةٍ حُكْماً، فلم يَصِرْ جامعاً
بينهما وطئاً لا حقيقةً ولا حكماً، وأشار إلى أنَّه لو لم يَدخُلْ بالمنكوحةِ حتَّى اشتَرَى أختَها لا
يَطَأُ المشتراةَ؛ لأنَّ المنكوحةَ موطوءَةٌ حُكْماً، كذا أفادَهُ في "البحر" (٣). وأراد بأخت الأَمَةِ مَن
ليس بينهما جزئيَّةٌ احترازاً عن أُمِّها أو بِنْتِها؛ لأنَّ وطءَ إحداهما يُحرِّمُ الأخرى أبداً.
[١١٣٥٨] (قولُهُ: حَتَّى يُحرِّمَ) أي: على نفسِهِ كما وقَعَ في عبارتهم، والمتبادرُ منه أَنَّه بالضمِّ
والتَّشديدِ من المزيد، ويُعَلَمُ منه دلالةُ حكمٍ الحرمة بدونِ فعلِهِ كموتِ إحداهما أو رِدَّتِها لحصولِ
المقصود، ولو قُرِئَ بالفتح والتَّخفيف صَحَّ وشَمِلَ ذلك منطوقاً، ولكنّه غيرُ لازمٍ لِما علمت، فافهم.
[١١٣٥٩] (قولُهُ: حِلَّ استمتاعٍ) من إضافةِ الصِّة إلى الموصوف، أي: يُحرِّمَ الاستمتاعَ الحلالَ،
أفادَهُ "ط"(٤). أو الإضافةُ بيانيّةٌ، أي: يُحرِّمَ شيئاً حلالاً هو استمتاٌ، أفادَهُ "الرَّحمنُّ"، وبه اندفَعَ
أنَّ الحِلَّ والحرمةَ من صفاتٍ فِعْلِ المكلّفِ كالاستمتاع، فلا يصحُّ وَصْفُ أحدِهما بالآخر، فافهم.
[١١٣٦٠] (قولُهُ: بسببٍ ما) فتحريمُ المنكوحةِ بالطّلاقِ والخُلْعِ والرِّدَّة مع انقضاءِ العِدَّة،
(قولُهُ: ولكنّه غيرُ لازمٍ لِما علمتَ) أي غيرُ متعَّنٍ لِما علمتَ من دُخولِ ما إذا كانت الحُرْمةُ
بدون فِعْلِه بطريق الدَّلالة.
(١) في "٢": ((لا يجوز))، وهو خطأ.
(٢) "در" صـ ١٣٦ -.
(٣) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٢/٣.
(٤) "ط": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٩/٢.
الجزء الثامن
١٣٥
فصل في المحرمات
لأنَّ للعقد حكمَ الوطءِ، حتَّى لو نكَحَ مشرقيٌّ مغربِيَّةً يثُبُتُ نسبُ أولادِها منه
لثبوتِ الوطءِ حكماً، ..
"قهستانيّ"(١). والمملوكةٍ بَيْعِها كُلاًّ أو بعضاً(٢)، وإعتاقِها كذلك، وهِيَّتِها مع التّسليم، وكتابتها،
وتزويجِها بنكاحٍ صحيحٍ بخلاف الفاسد، إلاَّ إذا دخَلَ بها الزَّوجُ فإِنَّها لوجوبِ العِدَّةِ عليها منه
تَحرُمُ على المالِكِ، فَتَحِلُّ له حينئذٍ المنكوحةُ، ولا يُؤثِّرُ الإحرامُ، والحيضُ، والنّاسُ، والصَّومُ،
والرَّهنُ، والإِجارةُ، والنَّدبيرُ؛ لأنَّ فَرْجَها لا يَحِرُمُ بهذه الأسباب، "بحر "(٣). قال في "النَّهر "(٤):
((ولم أرَ في كلامِهم ما لو باعَها [٣/ ق ٣١/ب] بَيْعاً فاسداً أو وَهَبَها كذلك وقُبِضَتْ، والظَّاهِرُ أَنّه
يَحِلُّ وطءُ المنكوحة)) اهـ، أي: لأنَّ المبيع فاسداً يُملَكُ بالقبض، وكذا الموهوبُ فاسداً على
المفتى به خلافاً لِما صحَّحَهُ في "العماديَّة" كما سيأتي(*) في بابه إن شاء الله تعالى.
( تنبيةٌ)
قال في "البحر"(٦): ((فإنْ عادت الموطوءَةُ إلى مِلْكِهِ بعد الإخراجِ - سواءٌ كان بفَسْخٍ أو
بشراءٍ جديدٍ - لم يَحِلَّ وطءُ واحدةٍ منهما حتّى يُحرِّمَ الأَمَةَ على نفسِهِ بسببٍ كما كان أوَّلاً)).
[١١٣٦١] (قولُهُ: لأنَّ للعَقْدِ حكمَ الوطءِ) أُورِدَ عليه أنَّه لو كان كذلك يجبُ أنْ
لا يصحَّ هذا النّكاحُ كما قالَهُ بعضُ المالكيَّةِ، وإِلاَّ لَزِمَ أنْ يصيرَ جامعاً بينهما وَطْئاً حكماً؛
لأنَّ الوطءَ السَّبق قائمٌ حكماً أيضاً، بدليلٍ أَنَّه لو أرادَ بَيْعَها يُستحَبُّ له استبراؤها، وهذا
اللَّزْمُ باطلٌ، فيلزمُ بُطْلانُ مَلْزومِهِ وهو صحَّةُ العَقْدِ. وأجابَ عنه في "الفتح"(٧): ((بأَنَّه لازمٌ
مُفَارِقٌ؛ لأنَّ بيدِهِ إزالتَهُ، فلا يَضُرُّ بالصِّحَّة)).
(١) "جامع الرموز": كتاب النكاح صـ٢٧٤ -.
(٢) في "م": ((أو بعضها))، وهو خطأ.
(٣) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٢/٣.
(٤) "النهر": كتاب النكاح - أسباب الحرمة ق ١٦٥/ب.
(٥) انظر "الدر" عند المقولة [٢٩١١٨] قوله: ((في "البزازية")).
(٦) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٢/٣.
(٧) "الفتح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٢٢/٢.
قسم الأحوال الشخصية
١٣٦
حاشية ابن عابدين
ولو لم يكن وَطِئَ الأَمَّةَ له وطءُ المنكوحةِ، ودواعي الوطءِ كالوطءِ، "ابن كمال".
(وإنْ تزَوَّجَهما معاً) أي: الأختين أو مَن بمعناهما (أو بعقدتين ونَسِيَ) النّكاحَ
(الأوَّلَ(١).
[١١٣٦٢] (قولُهُ: ولو لم يكن إلخ) محترزُ قوله: ((قد وَطِئَها))، "ح"(٢).
[١١٣٢٣] (قولُهُ: له وَطْءُ المنكوحةِ) فإنْ وَطِئَ المنكوحةَ حَرُّمَت المملوكةُ(٣) حَتَّى يُفارِقَ
المنكوحةَ، كذا في "الاختيار " (٤).
[١١٣٦٤) (قولُهُ: ودَوَاعي الوطءِ كالوطءٍ) حتّى لو كان قَبَّلَ أَمَتَهُ أو مَسَّها بشهوةٍ أو هي
فَعَلَتْ به ذلك، ثمَّ تزوَّجَ أختها لا تَحِلُّ له واحدةٌ منهما حتّى يُحرِّمَ الأخرى، "رحمتي".
[١١٣٦٥) (قولُهُ: أو مَن بمعناهما) هو كلُّ امرأتين أَيُهُما فُرِضَتْ ذَكَراً لم تَحِلَّ للأخرى،
"ح"(٥). ولا حاجةً إلى هذه الزِّيادةِ للاستغناء عنها بقول "المصنّف" بعدُ: ((وكذا الحكمُ في كلِّ.
ما جَمَعَهما من المحارم))، "ط"(٦).
[١١٣٦٦] (قولُهُ: وَنَسِيَ الأوَّلَ) فلو عُلِمَ فهو الصَّحيحُ والثّاني باطلٌ، وله وطءُ الأُولى
إلاَّ أنْ يَطَأَ الثَّانية فتحرُمُ الأُولى إلى انقضاءِ عِدَّةِ الثَّانية، كما لو وَطِئَ أُختَ امرأتِهِ بشبهةٍ
/٢٨٥
(قولُهُ: ولا حاجةً إلى هذه الزِّيادة للاستغناء عنها بقول "المُصنّف" إلخ) لعلَّ "الشَّارحَ" أشار
بذِكْرها هنا إلى أنَّ المُناسبَ لـ "المُصنّف" ذِكْرُها هنا مُراعاةً للاختصار وجمعِ النّظائر مع بعضٍ.
(١) في "د" زيادة: ((قوله: ونسي الأول، عبارة "الوقاية": ولم يدر الأوَّلَ. قال شارحها "ابن كمال باشا": هذا أولى من
قولهم: نسي الأول. انتهى)). ق١٥٣/أ.
(٢) "ح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ق ١٥٦/أ.
(٣) عبارة "آ": ((حرمت عليه المملوكة)).
(٤) "الاختيار": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ٨٦/٣.
(٥) "ح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ق ١٥٦/أ.
(٦) "ط": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٩/٢.
الجزء الثامن
١٣٧
فصل في المحرمات
فرَّقَ) القاضي (بينَهُ وبينَهما) ويكونُ طلاقاً (ولهما نصفُ المهر)
حيث تحرُمُ امرأْتُهُ ما لم تَنْقَضِ عِدَّةُ ذات الشُّبهة، "ح"(١) عن "البحر" (٢). وقال في "شرح درر
البحار "(٣): ((قَيَّدَ بالنّسيان إذ الزَّوجُ لو عَّنَ إحداهما بالفعلِ بدخولِهِ بها أو بيانِ أنّها سابقةٌ قُضِيَ
بنكاحِها لتصادُقِهما، وفُرِّقَ بينه وبين الأخرى، ولو دخَلَ بإحداهما ثمَّ بَّنَ أنَّ الأخرى سابقةٌ يُعتبرُ
البيان؛ إذ الدِّلالةُ لا تُعارِضُ الصَّرِيحَ)) اهـ. ومثلُهُ في "الشُّرُ بِلالَة"(٤) عن "شرح المجمع".
[١١٣٦٧] (قولُهُ: فَرَّقَ القاضي بينه وبينهما) يعني: يُفتَرَضُ عليه أنْ يُفارِقَهما، فإنْ لم يُفارِقْهما
وجَبَ على القاضي - إنْ عَلِمَ - أنْ يُفرِّقَ بينه وبينهما دفعاً للمعصية، "بحر "(٥). لكنْ في "الفتاوى
الهنديَّةِ"(٦) [٣/ ١/٣٢] عن "شرح الطَّحاويِّ": ((ولو تَزَوَّجَهما في عُقْدتين ولا يَدِرِي أَيْتُهُما أسبقُ؟
فإنّه يُؤْمَرُ الزَّوجُ بالبيان، فإِنْ بَيَّنَ فعلى ما بَّنَ، وإنْ لم يُبِّنْ فِنَّه لا يَتَحرَّى في ذلك، ويُفرَّقُ بينه
وبينهما)) اهـ "ح"(٧).
قلت: لا منافاةَ بينهما؛ لأنَّ بيان الزَّوج مبنيٌّ على علمِهِ بالأسبق؛ لِما ذكرناه(٨) عن
"شرح الدُّرر"، ولقوله: ((لا يَتَحرَّى))، تأمَّل. وفي "النَّهر"(٩): ((وينبغي أنْ يكون معنى
التّفريقِ من الزَّوجِ أَنَّه يُطلّقُهما، ولم أرَهُ)) اهـ.
[١١٣٢٨] (قولُهُ: ويكونُ طلاقاً) أي: تفريقُ القاضي المذكورُ، وظاهرُ كلام "الفتح"(١٠)
(١) "ح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ق ١٥٦/أ.
(٢) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٣/٣.
(٣) "شرح درر البحار": كتاب النكاح - ذكر المحرمات ق ١٩١/ب لكن عبارته: ((قَّدَ بالجهل)) بدل ((بالنسيان)).
(٤) "الشرنبلالية": كتاب النكاح ٣٣١/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٣/٣ بتصرف.
(٦) "الفتاوى الهندية": كتاب النكاح - الباب الثالث في بيان المحرمات - القسم الرابع: المحرمات بالجمع ٢٧٨/١.
(٧) "ح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ق ١٥٦/أ.
(٨) المقولة [١١٣٦٦] قوله: ((ونسي الأول)).
(٩) "النهر": كتاب النكاح - أسباب الحرمة ق١٦٥/ب.
(١٠) "الفتح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٢٣/٣.
قسم الأحوال الشخصية
١٣٨
حاشية ابن عابدين
يعني: في مسألةِ النِّسيان؛ إذ الحكمُ في تزَوُّجهما معاً البطلانُ وعدمُ وجوبِ المهر
إلاَّ بالوطءِ كما في عامَّةِ الكتب، فتنبّهْ.
أَنَّه بحثٌ منه، فإِنَّه قال: ((والظَّاهِرُ أَنَّه طلاقٌ، حتَّى يَنْقُصُ مِن (١) طلاقِ كلِّ منهما طلقةٌ لو تَزَوَّجَها
بعد ذلك))، وأقرَّهُ في "البحر"(٢) و"النّهر"(٣)، ويؤِيِّدُهُ أنَّ "الزَّيلعيّ" (٤) عبَّرَ عن التّفريق المذكور
بالطَّلاق، وكذا قال "الإتقانيُّ" في "غاية البيان": ((وتفريقُ القاضي كالطَّلاق من الزَّوج))، ثمّ قال
في "الفتح" (٥): ((فإنْ وقَعَ التّفريقُ قبل الدُّخول فله أنْ يتزوَّجَ أَيَتَهُما شاء(٦) للحال، وإِنْ بعدَهُ فليس
له الّزُوُّجُ بواحدةٍ منهما حَتَّى تنقضيَ عِدَّتُهما، وإن انقَضَتْ عِدَّةُ إحداهما دون الأخرى فله تزوُّجُ
التي لم تَنْقَضِ عِدَّتُها دون الأخرى كيلا يصيرَ جامعاً، وإِنْ وقَعَ بعد الدُّخول بإحداهما فله
أنْ يتزوَّجَها في الحال دون الأخرى، فإنَّ عِدَّتَها تَمنَعُ مِن تزوُّجِ أختِها)) اهـ.
[١١٣٦٩] (قولُهُ: يعني: في مسألةِ النّسيان) تقييدٌ لقوله: ((ويكونُ طلاقاً))، ولقولٍ
"المصنّف": ((ولهما نصفُ المهر))؛ إذ التَّفريقُ في الباطل لا يكون طلاقاً، فافهم.
[١١٣٧٠) (قولُهُ: إذ الحكمُ إلخ) بيانٌ للفَرْقِ بين المسألتين، وذلك أنَّ في مسألةِ النّسيان صَحَّ
نكاحُ السَّابِقة دون اللَّحقة، وتعيَّنَ التَّفريقُ بينهما للجهل، والتي صَحَّ نكاحُها يجبُ لها نصفُ
المهر بالتّفريق قبل الدُّخول، ولَمَّا جُهِلَتْ وجَبَ لهما، أمَّا في مسألةِ تَزَوُّجِهما معاً في عَقْدٍ واحدٍ
فالباطلُ نكاحُ كلٍّ منهما يقيناً، فإذا كان النَّفريقُ قبل الدُّخول فلا مهرَ لهما ولا عدَّةَ عليهما،
وإِنْ دخَلَ بهما وحَبَ لكلِّ الأقلُّ من المسمَّى ومن مهرِ المثل كما هو حكمُ النّكاح الفاسد،
وعليهما العِدَّةُ، "بحر "(٧). قال: ((وقَّدَ بطلانَهما في "المحيط" بأنْ لا تكونَ إحداهما مشغولةً بنكاحِ
(١) ((من)) ساقطة من "آ".
(٢) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٣/٣.
(٣) "النهر": كتاب النكاح - أسباب الحرمة ق١٦٥/ب.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٤/٢ - ١٠٥.
(٥) "الفتح": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٢٤/٣.
(٦) ((شاء)) ساقطة من "آ".
(٧) "البحر": كتاب النكاح - فصل في المحرمات ١٠٣/٣.