Indexed OCR Text

Pages 61-80

الجزء الثامن
٥٩
كتاب النكاح
في "الفتح"(١)، وتَبِعَهُ في "النّهر"(٢) قائلاً: ((وارتضاهُ غيرُ واحدٍ))، وخالَفَهم في "البحر"(٣):
((بأنَّ المعتمدَ ما أطلَقَهُ الشَّارحون من عدم الجواز؛ لأنَّ الوصيّةَ مجازٌ عن التَّمليك، فلو انعقَدَ
بها لكان مجازاً عن النّكاح، والمجازُ لا مجازَ له كما في بيوع "العناية"(٤))) اهـ. ونقَلَ "الرَّملِيُّ".
عن "المقدسيِّ": ((أنَّ قوله: إنَّ المجازَ لا مجازَ له مردودٌ، يَعرِفُ ذلك مَن طاَلَعَ "أساس
البلاغة"(٥))) اهـ، أي: كما قرَّرُوه في: رأيتُ مِشْفَرَ زيدٍ من أَنَّه مجازٌ بمرتبتين، وكذا في
﴿فَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل - ١١٢].
قلتُ: لكنَّ قول "المصنّف" كغيره: ((وما وُضِعَ لَتَمْلِيكِ العين في الحالِ)) لا يَشملُ
الوصيّةَ؛ لأَنَّها موضوعةٌ لتَمْليكِ العينِ(٦) بعد الموت، فإذا استُعمِلَتْ في تمليكِ العينِ في الحال
(قولُهُ: ونقل "الرَّمْلِيُّ" عن "الَقْدِسيِّ" أنَّ قولَهُ: وَأنَّ المجازَ لا مَجازَ له مردودٌ إلخ) الرَّدُّ صحيحٌ إذا
كان الفقهاءُ يقولون بصحة بناء المجاز على المجاز، كأهل البيان فُيُردُّ عليه بما قاله البيانُّون لموافقتهم لهم،
وإلاَّ فلا يَتِمُّ الرَّدُّ بكلامهم على الفقهاء خصوصاً والمسألةُ خلافيَّةٌ عند أهل البيان، تأمل. على أنَّ ما نقله
عن "العناية" دالٌّ على مُخالفَتِهم لأهل البيان.
(قولُهُ: كما قرَّروه في: رأيتُ مِشْفَرَ زَيدٍ إلخ) فإنَّ الِشْفِرَ اسمٌ لشَفَة البعير فأُرِيدَ به مُطْلقُ شَفَةٍ، ثمَّ
أُطْلقَ على شَفَة زيدٍ، وشَبَّهَ ما أصابهم بالشَّيء المُرِّ البَشِع بقرينة الإذاقة، ثمَّ شَبَّههُ باعتبار اشتماله عليهم
بالّوب السَّابِغ الْمُشْتِل على لابسه، وأشار إلى النَّشبيه بلفظ لباس.
(١) "الفتح": كتاب النكاح ١٠٨/٣ معزياً إلى الكرخي.
(٢) "النهر": كتاب النكاح ق١٦٣/ب.
(٣) "البحر": كتاب النكاح ٩٢/٣.
(٤) لم نعثر عليها في "العناية" بعد بحث طويل، ولعلها محرَّفة عن "النهاية"؛ إذ أصل المسألة في "النهاية" كما ذكر في
"الفتاوى الهندية" ٢٧٢/١.
(٥) "أساس البلاغة": مادة ((شفر)) وهو لأبي القاسم محمود بن عمر، جار الله الْخُوارزمي الزَّمَخْشَريّ (ت ٥٣٨هـ).
("كشف الظنون" ٧٤/١، "بغية الوعاة" ٢٧٩/٢، "الفوائد البهية" صـ٢٠٩-).
(٦) من ((في الحال)) إلى ((العين)) ساقط من "الأصل".

٧
قسم الأحوال الشخصية
٦٠
حاشية ابن عابدين
(كهبَةٍ وتمليكٍ وصدقةٍ) وعَطِيَّةٍ، وقَرْضٍ،
كانت مجازاً، فلم يصحَّ بها النّكاحُ بناءً على أنَّها لم تُوضَعْ للَّمليكِ في الحال، لا بناءً على
أنَّها [٣/ ق١٢ /ب] مجازُ المجازِ، اللَّهمَّ إلاَّ أنْ يجابَ بأنَّ قولهم: وُضِعَ بمعنى استُعْمِلَ، فَيَشْمَلُ
الحقيقةَ والمجازَ، أو هو مبنيٌّ على أنَّ المجازَ موضوعٌ بالوَضْعِ النَّوْعِيِّ كما أوضَحَهُ شارح
"التَّحرير"(١) في أوَّلِ الفصل الخامس، فتأمَّل.
[١١١٨٨] (قولُهُ: كهِبَةٍ) أي: إذا كانت على وجهِ النّكاح.
واعلمْ أنَّ المنكوحةَ إِمَّا أَمَةٌ أو حُرَّةٌ: فإذا أضافَ الهِبةَ إلى الأَمَةِ - بأنْ قال لرَجُلٍ: وَهَبْتُ
أَمَني هذه منكَ - فإنْ كان الحالُ يدلُّ على النّكاح من إحضارٍ شهودٍ وتسميةِ المهر مُعجَّلاً
ومُؤخَّلاً ونحوِ ذلك يَنصُرِفُ إلى النّكاح، وإنْ لم يكن الحالُ دليلاً على النّكاح فإنْ نَوَى
النّكاحَ وصدَّقَهُ الموهوبُ له فكذلك يَنصرِفُ إلى النّكاح بقرينةِ النَّة، وإنْ لم يَنْوِ يَنصرِفُ
إلى مِلْكِ الرَّقبةِ.
وإنْ أُضِيفَتْ إلى الحُرَّة فإِنَّه يَنعقِدُ من غيرِ هذه القرينة؛ لأنَّ عدم قبولِ المحلِّ للمعنى
الحقيقيِّ - وهو الِلْكُ للحُرَّةَ - يُوجِبُ الحملَ على المجازِ، فهو القرينةُ، فإنْ قامَت القرينةُ
على عدمِهِ لا يَنعقِدُ، فلو طلَبَ من امرأةٍ الزِّنا، فقالت: وهبتُ نفسي منكَ، فقال الرَّجُل:
قَبْتُ لا يكونُ نكاحاً كقولٍ أبي البِنْتِ: وهبْتُها لكَ لتَخْدِمَكَ فقال: قَلْتُ، إلاّ إذا أرادَ به
النَّكاحَ، كذا في "البحر"(٢)، "ط"(٣).
[١١١٨٩] (قولُهُ: وَقَرْضِ إِلَخْ) قال في "النّهر "(٤): ((وفي الصَّرْفِ والقَرْض والصُّلْح والرَّهْن
(١) "التقرير والتحبير": المقالة الأولى - الفصل الخامس في تقسيم المفرد إلى حقيقة ومجاز - مسألة: واعلم أن الوضع
يكون لقاعدةٍ كلَّةٍ الخ ٤/٢.
(٢) "البحر": كتاب النكاح ٩٢/٣ معزياً إلى "الخانية".
(٣) "ط": كتاب النكاح ٩/٢.
(٤) "النهر": كتاب النكاح ق١٦٣/أ.

الجزء الثامن
٦١
کتاب النكاح
قولان، وينبغي ترجيحُ انعقادِهِ بالصَّرْفِ عملاً بالكلِّيّة؛ لِما أَنَّه يُفيدُ(١) مِلْكَ العين في الجملة،
وبه يترجَّحُ ما في "الصَّيرفيَّة" من تصحيحِ انعقادِهِ بالقَرْض وإِنْ رجَّحَ في "الكشف"(٢) وغيرِهِ
عدمَهُ، وجزَمَ "السَّرْخسيُّ"(٣) بانعقادِهِ بالصُّلْحِ والعَطِيَّةِ، ولم يَحْكِ "الإتقانِيُّ" غيرَهُ)) اهـ،
وسيأتي(٤) الكلامُ على الرَّهْن.
لكنَّ قوله: ((ولم يَحْكِ "الإتقانيُّ" غيرَهُ)) سَبْقُ قلمٍ، فإنَّ الذي ذكرَهُ "الإتقانيُّ"
في "غاية البيان": ((أَنَّه لا يَنعقِدُ بالصُّلْحِ))، وهكذا نقلَهُ عنه في "البحر"(٥)، وعزاه
في "الفتح"(٦) إلى "الأجناس"، ثمَّ نقَلَ كلامَ "السَّرخسيِّ".
قلتُ: وينبغي التَّفصيلُ والتَّوفيقُ بأنْ يقال: إنْ جُعِلَت المرأةُ بدَلَ الصُّلْحِ يصحُّ، مثل أنْ
يقولَ أبو البِنْتِ لدائِهِ مثلاً: صالَحْتُكَ عن ألفِكَ التي لَكَ عليَّ بِنْتِيَ هذه، وإِنْ جُعِلَتْ
٢٦٨/٢ مُصالحاً عنها - بأنْ قال: صالَحْتُكَ عن ◌ِنْتِي بألفٍ- لا يصحُّ، وعليه يُحمَلُ كلامُ "غاية البيان"،
بدليل أنَّه علَّلَهُ بقوله: ((لأنَّ الصُّلْحِ حَطِيطٌ وإسقاطٌ للحقِّ)) اهـ.
ولا يخفى أنَّ الإسقاط إنما هو بالنّسبة [٣/ ق١٣/أ] للمُصالَحِ عنه، والمقصودُ مِلْكُ المتعة
(قولُهُ: لِمَا أَنَّه يُفيدُ مِلكَ العَيْنِ فِي الْجُمْلة، وبه يَتَرجَّحُ إلخ) وسيذكر "المصنّفُ" في فصلٌ في القرض:
أنَّ المُستقرِضَ يملكُ القرضَ بنفس القَبْض عندهما خلافاً للثّاني؛ حيث قال: ((لا يملِكُه ما دام قائماً)) اهـ.
فانعقادُ النِّكاح به وعدَمُه مبنيٌّ على هذا الخلاف.
(قولُهُ: ولا يَخفى أنَّ الإسقاطَ إِنَّما هو بالنّسبة إلخ) هو وإن أفاد الإسقاطَ للمُصالَح عنه إلاَّ أنّه بالنسبة لآخذ
البَدَل لا لدافعه؛ فإنَّه يفيدُ المِلكَ في المصالَحِ عنه له فيظهرُ من هذا ترجيحُ الانعقاد به وإن جعلت مُصالَحًا عنه.
(١) في "ب": ((يفيده)).
(٢) "كشف الأسرار": لعبد العزيز البخاري، باب أحكام الحقيقة والمجاز والصريح والكناية ١٢١/٢.
(٣) "المبسوط": كتاب الصلح - باب الصلح في العقار ١٦٠/٢٠ بتصرف.
(٤) المقولة [١١١٩٥] قوله: ((ورهن)).
(٥) "البحر": كتاب النكاح ٩٢/٣.
(٦) "الفتح": كتاب النكاح ١٠٨/٣.

قسم الأحوال الشخصية
٦٢
حاشية ابن عابدين
وسَلَمٍ، واستئجارٍ، وصُلْحٍ، وصَرْفٍ (١)،
٠٠
من المرأة لا إسقاطُهُ، فلذا لم يصحَّ، أمَّا بَدَلُ الصُّلْح فالمقصودُ مِلْكُهُ أيضاً، فيصحُّ به مِلْكُ المتعة.
هذا، ولم أرَ مَن تعرَّضَ للخلافِ فِي العَطِيّة مثل قوله: هي لَكَ عَطِيَّةٌ بكذا؛ لأَنَّه بمنزلةٍ
الهبةِ، وقد أفتى به في "الخيريَّة"(٢)، وأمَّا لفظُ: أعطيتُكَ بِنْتِي بكذا ـــ كما هو الشَّائعُ عند
الأَعْرابِ(٣) والفلاَّحين .- فيصحُّ به العَقْدُ كما قدَّمناه(٤) عن "الفتح" عن "شرح الطَّحاويّ"،
ويقعُ كثيراً أنَّه يقولُ: جئتُكَ خاطباً ابنتَكَ لنفسي، فيقولُ أبوها: هي جاريةٌ في مَطَبَخِكَ،
فينبغي أن يصحَّ إذا قصَدَ العَقْدَ دون الوَعْدِ أَخْذاً مما قدَّمناه آنفاً (٥) عن "البحر" في: وَهَبْتُها
لكَ لتخدِمَكَ، ويؤيِّدُهُ ما في "الذَّخيرة": ((إذا قال: جَعَلْتُ ابنتي هذه لكَ بألفٍ صَحَّ؛ لأنَّه
أَتَّى بمعنى النّكاح، والعبرةُ في العُقُودِ للمعاني دون الألفاظ )) اهـ.
[١١١٩٠) (قولُهُ: وسَلَمٍ واستِثْجارٍ) هذا إذا جُعِلَت المرأةُ رأسَ مالِ السَّلَمِ أو جُعِلَتْ
أجرةً، فَيَنعقِدُ إجماعاً، أمَّا إِنْ جُعِلَتْ مُسْلَماً فيها فقيل: لا يَنعقِدُ؛ لأنَّ السَّلَم في الحيوان
لا يصحُّ، وقيل: يَنعقِدُ؛ لأَنَّه لو أَّصَلَ به القبضُ يفيدُ مِلْكَ الرَّقَبةِ مِلْكاً فاسداً، وليس كلُّ ما
يُفسِدُ الحقيقيَّ يُفسِدُ مَجازيَّهُ، ورجَّحَهُ في "الفتح"(٦)، وهو مقتضى ما في المتون، وإنْ لم تُجْعَلْ
(قولُهُ: وهو مُقتضى ما في المُتون إلخ) فيه أنَّ المُنونَ ناطقةٌ بالانعقاد بما وُضِعَ لتمليك العين، والسَّلَمُ
موضوعٌ لتمليك الدَّين بالنّسبة للمسلم فيه لا العين.
(١) عبارة "د": ((وقرض وصلح وصرف وعطية وسلم واستئجار))، وعبارة "و": ((وعطية وسلم واستئجار وقرض
وصلح وصرف)).
(٢) "الفتاوى الخيرية": كتاب النكاح ٢٠/١.
(٣) في "الأصل": ((العرب)).
(٤) المقولة [١١١٥١] قوله: ((إذا لم ينوِ الاستقبال)).
(٥) المقولة [١١١٨٨] قوله: ((كهبة)).
(٦) "الفتح": كتاب النكاح ١٠٧/٣ بتصرف.

الجزء الثامن
٦٣
کتاب النكاح
وكلِّ ما تُملَكُ به الرِّقَابُ بشَرْطِ نَّةٍ أو قرينةٍ، وفَهْمِ الشُّهودِ المقصودَ.
. . . . .
أُجرةٌ كقوله: أَجَّرْتُكَ (١) ابنني بكذا فالصَّحيحُ أَنَّه لا يَنعقِدُ؛ لأنَّها لا تُفيدُ مِلْكَ العين، أفادَهُ
في "البحر"(٢).
[١١١٩١] (قولُهُ: وكلِّ ما تُملَكُ به الرِّقابُ) كالجَعْلِ والبَيْعِ والشّراء، فإنّه يَنعقِدُ بها
كما مرَّ (٣).
[١١١٩٢] (قولُهُ: بشَرْطِ نَّةٍ أو قرينةٍ إلخ) هذا ما حقَّقَهُ في "الفتح" رداً على ما قدَّمناه(٤) عن
"الزَّيلعيِّ" - حيث لم يَجْعَلِ النََّ شرطاً عند ذِكْرِ المهر - وعلى "السَّرخسيِّ" حيث لم يَجْعَلها
شَرْطاً مطلقاً.
وحاصلُ الرَّدِّ: ((أنَّ المختارَ أَنَّه لا بدَّ مِن فَهْمِ الشُّهودِ المرادَ، فإنْ حكَمَ السَّامعُ بأنَّ المتكلِّم
أرادَ من اللَّفظ ما لم يُوضَعْ له لا بدَّ له من قرينةٍ على إرادتِهِ ذلك، فإنْ لم تكن فلا بدَّ من
إعلامِ الشُّهود بمرادِهِ، ولذا قال في "الدِّراية" - في تصويرِ الانعقاد بلفظ الإجارةِ عند مَن
يُجيزُهُ -: أنْ يقولَ: أَخَّرْتُ بِنْتِي وَنَوَى به النّكاحَ وأعلَمَ الشُّهودَ اهـ، بخلافِ قولِهِ: بِعْتُكَ
بِنْني، فإنَّ عدم قبول المحلِّ للبيع يُوجِبُ الحملَ على المجازيِّ، فهو قرينةٌ يَكتفِي بها الشُّهودُ، حَتّى
لو كانت المعقودُ عليها أَمَةً لا بدَّ من قرينةٍ [٣/ق١٣ /ب] زائدةٍ تدلُّ على النكاح من إحضارٍ
الشُّهود وذِكْرِ المهرِ مُؤْجَّلاً أو مُعجَّلاً، وإلاّ فإنْ نَوَى وصدَّقَهُ الموهوبُ له صَحَّ، وإنْ لم يَنْوِ
(قولُهُ: وحاصلُ الرَّدِّ أنَّ المختارَ أَنَّه لأُبدَّ من فَهْم الشُّهود إلى) هذا الحاصلُ شيءٌ آخَرَ؛ فإنَّه إنَّما يفيدُ أنَّه
لأُبدَّ من فَهْم الشُّهود المرادَ على وجهِ ما ذَكَرَه، ولا دَلالةَ فيه على الرَّدِّ عليهما؛ إذ فَهْمُهم شيءٌ آخَرُ غيرُ النِيّة.
(١) ((أجرتك)) ساقط من "آ".
(٢) "البحر": كتاب النكاح ٩١/٣ - ٩٢، وعزا النقل وتصحيحه في مسألة الأجرة إلى "الفتاوى الظهيرية".
(٣) المقولة [١١١٨٢] قوله: ((وإنما يصح إلخ)).
(٤) المقولة [١١١٨٣] قوله: ((وما عداهما كناية إلخ)).

قسم الأحوال الشخصية
٦٤
حاشية ابن عابدين
(لا) يصحُّ (بَلَفْظِ إجارةٍ)(١) (٢) براءٍ أو بزايٍ (وإعارةٍ ووصيّةٍ)(٢).
انصرَفَ إلى مِلْكِ الرَّقبة كما في "البدائع"(٤). والظَّاهرُ أَنَّه لا بدَّ مع النَّةِ من إعلامِ الشُّهود،
وقد رجَعَ "شمس الأئمّة" إلى التَّحقيق حيث قال: ولأنَّ كلامَنا فيما إذا صَرَّحا به ولم يَبْقَ
احتمالٌ)) اهـ، هذا حاصلُ ما في "الفتح"(٥).
وملخّصُهُ: أَنَّه لا بدَّ في كناياتِ النّكاحِ من النّة مع قرينةٍ أو تصديقِ القابِلِ للمُوجِبِ
وفَهْمِ الشُّهودِ المرادَ أو إعلامِهم به.
[١١١٩٣] (قولُهُ: بَلَفْظِ إجارةٍ) أي: في الأصحِّ كـ: آجَرَّتُكَ نفسي بكذا بخلاف لفظِ
الاستئجار، بأنْ جُعِلَت المرأةُ بدلاً مثل: استأجرتُ دارَكَ بنفسي أو بِنْتِيَ عند قَصْدِ النِّكاح
كما مرَّ بيانُهُ (٦)، وعبَّرَ هناك بالاستئجارِ وهنا بالإِجارةِ إشارةً للفَرْقِ المذكور، فلا تكرارَ، فافهم.
[١١١٩٤] (قولُهُ: ووصيّةٍ) أي: غيرِ مقيَّدةٍ بالحالِ كما مرَّ(٧).
(١) في "د" زيادة: ((قوله: ولا يصحُّ يلفظ الإجارة، أقول: حكي عن الكرخيِّ أنّه قال: ينعقد بلفظ الإجارة؛ لأنَّ المملوك
بالنكاح منفعةُ البضع، والإِجارة وضعت لتمليك المنفعة، والأصحُّ أنَّ لا ينعقد؛ لأنَّ الإجارة ما وضعت لتمليك البضع،
وإنّما وضعت لتمليك المنفعة وقتاً، والنّكاح لا ينعقد إلا مؤبَّداً. قال الإمام السرخسي في شرح الكافي - في صوره -: "
الانعقادُ بلفظ الإجارة أن يقول إنسانٌ لآخر: أجرت ابنتي منك، ونوى به الكناية، وأَعْلَمَ الشهود الذين حضروا ذلك،
وأمَّا إذا جعل الحرّة أجرةً في الإجارة بأن قال إنسان لآخر: استأجرْتُ دارك منك بابنتي هذه، وقبل الآخر، ينبغي
أن ينعقد النكاح؛ لأنه روي عن محمد أنه قال: كلُّ لفظٍ تملك الرقاب به ينعقدُ به النكاح، وهذا كذلك، انتهى.
کذا ذكره ابن کمال ویعقوب باشا في شرحه وحاشیته)). ق ١٥٠/ب.
(٢) في "و": ((إجازة)).
(٣) في "د" زيادة: ((قوله: ووصية، أقول: هذا إذا أطلق أو أضاف إلى ما بعد الموت، أمَّا لو قال: أوصيت لك بابنتي في
الحال وذلك بمحضر من الشهود، ويقول الرجل: قبلت، ينعقد النكاح، كذا في النهاية وغيرها.
ولا يخفى أنّه على هذا في لفظ المختصر كلامٌ، وهو أنّه ينعقد النكاح في الصورة المذكورة مع عدم ما وضع لتمليك العين
حالاً؛ لأنَّ التمليك في الحال لهما مجاز بقرينة الحال إلا أن يُبْنَى الكلامُ على ثبوت الوضع في المجاز، ويُرَاد من الوضع ها هنا
أعمُّ منها، لكنه في غاية البعد، فليتأمل. كذا ذكره يعقوب باشا في حاشيته على أصل الشرعة)). ق ١٥٠/ب.
(٤) "البدائع": كتاب النكاح ٢٣١/٢.
(٥) "الفتح": كتاب النكاح ١٠٦/٢.
(٦) المقولة [١١١٩٠] قوله: ((وسَلَمٍ واستئجارٍ)).
(٧) "در" ص٥٨ -.

الجزء الثامن
٦٥
کتاب النكاح
ورَهْنٍ ووديعةٍ ونحوِها مما لا يُفيدُ المِلْكَ، لكنْ تثبتُ به الشُّبهةُ فلا يُحَدُّ، ولها الأقلُّ
من المسمَّى ومهرِ المثلٍ، وكذا تتْبُتُ بكلِّ لفظٍ لا يَنعقِدُ به النِّكاحُ، فليحفظ.
[١١١٩٥] (قولُهُ: ورَهْنٍ) فيه اختلافُ المشايخ كما في "البناية"(١)، ورجَّحَ في "الولوالحيَّةِ"(٢)
ما هنا من عدم الصِّحَّة، ولعلَّ "ابن الهمام" لم يَعتِرِ القولَ الآخرَ لعدم ظُهُورِ وجهِهِ، فَعَدَّ الرَّهْنَ مِن
قسمٍ ما لا خلافَ في عدم الصِّحَّةِ به؛ لأَنَّه لا يُفيدُ المِلكَ أصلاً.
[١١١٩٦) (قولُهُ: ونحوِها) كإباحةٍ وإحلالٍ وتمتُّعٍ وإقالةٍ وخُلْعٍ كما قدَّمناه(٣) عن "الفتح"،
لكنْ ذكَرَ في "النّهر "(٤): ((أَنّ ينبغي أنْ يُقَّدَ الأَخيرُ بما إذا لم تُجَعَلْ بِدَلَ الخُلْعِ، فإنْ جُعِلَتْ
- كما إذا قال أجنبيُّ: اخلَعْ زوجتَكَ بِنْتِي هذه فقَبِلَ - صَحَّ أَخْذاً من مسألةِ الإجارة)).
[١١١٩٧] (قولُهُ: لكنْ تثبُتُ به) أي: بنحوِ المذكوراتِ.
[١١١٩٨] (قولُهُ: وكذا تثبتُ بكلِّ لفظٍ لا يَنعقِدُ به النِّكاحُ) هذا ساقطٌ من بعضٍ
النُّسخ، وهو الأحسنُ، ولذا قال "ح"(٥): ((إِنَّه مكرَّرٌ مع قولِهِ: لكنْ تَثْبُتُ به الشُّبهةُ، مع أنَّ
قوله: بكلِّ لفظٍ لا يَنعقِدُ به النّكاحُ شاملٌ لِلَفْظٍ لا دخلَ له أصلاً كقوله لها: أنتِ صديقتي،
فقالت: نعم، فإنَّه يَصدُقُ عليه أنّه لَفْظٌ لا يَنعقِدُ به النِّكاحُ، ومع ذلك لا تثْبُتُ به الشُّبهةُ(٦)
بخلاف العبارة الأُولى، فإنّها وَقَعَتْ بياناً لنحوِ المذكوراتِ في "المتن"، فَتَخْتَصُّ بكلِّ لفظٍ يفيدُ
الِلْكَ ولا يَنعقِدُ به النّكاح)) اهـ.
(قولُهُ: فتختصُّ بكلِّ لفظٍ يُفيدُ المِلكَ إلخ) فيه حذفُ ((ا)) النَّفية، وهي ثابتةٌ في "ط"، والظَّاهرُ أنَّ
الأصوبَ ما فعلَهُ "المحشِّي"، وأنَّ المرادَ ما يُفيدُ المِلكَ في الجملة، وعلى إثباتها يدخلُ: أنتِ صديقتي، تأمَّل.
(١) "البناية": كتاب النكاح ٤٨٦/٤.
(٢) "الولوالجية": كتاب النكاح - الفصل الثالث في الخلوة وحرمة المصاهرة والنسب، والألفاظ التي ينعقد بها النكاح
١/ق ٥٥/ب.
(٣) المقولة [١١١٨٢] قوله: ((وإنما يصحُّ إلخ)).
(٤) "النهر": كتاب النكاح ق١٦٣/أ بتصرف، وذكر: أنَّ هذا هو الأصح.
(٥) "ح": كتاب النكاح ق١٥٣/ب.
(٦) عبارة "ح": ((ومع ذلك لا تثبت به الشبهة ولا يندرئ به الحدُّ عنه)).

قسم الأحوال الشخصية
٦٦
حاشية ابن عابدين
(وألفاظٍ مصحَّفةٍ كـ: تَجَوَّزْتُ) لصُدُورِهِ لا عن قَصْدٍ صحيحٍ، بل عن تحريفٍ
وتصحيفٍ، فلم تكن(١) حقيقةً ولا مجازاً لعدمٍ العلاقةِ بل غلطاً، فلا اعتبارَ بِهِ أصلاً،
مطلبٌ: هل يَنعقِدُ النّكاحُ بالألفاظِ المصحَّفة نحو: تَجَوَّزْتُ؟
[١١١٩٩] (قولُهُ: وألفاظٍ مُصحَّفةٍ) من النَّصحيف، وهو تغييرُ اللَّفظ حتَّى يتغيَّرَ المعنى
المقصودُ من الوَضْعِ كما في "المصباح"(٢)، وفي "المغرب"(٣): ((التَّصحيفُ أنْ يُقرَأَ الشَّيءُ
على خلافٍ [٣/ق١٤/أ] ما أرادَهُ كائبُهُ، أو على غيرِ ما اصطَلَحُوا عليه)).
[١١٢٠٠] (قولُهُ: كـ: تَجَوَّزْتُ) أي: بتقديمِ الجيم على الزَّاي، قال في "المغرب"(٤).
((جازَ المكانَ وأجازَهُ وجاوَزَهُ(٥) وتجاوَزَهُ إذا سارَ فيه وخلّفَهُ، وحقيقتُهُ: قَطَعَ جَوْزَهُ، أي:
وَسَطَّهُ، ومنه: جازَ البيعُ أو النِّكاحُ إذا نَفَذَ، وأجازَهُ القاضي إذا نفَّذَهُ وحكَمَ به، ومنه المجيزُ:
الوكيلُ أو (٦) الوَصِيُّ؛ لتنفيذِهِ ما أُمِرَ به، وجوَّزَ الحكمَ: رآه جائزاً، وتجويزُ الضَّرَّابِ الدَّراهمَ:
أنْ يَجْعَلَها رائجةً جائزةً، وأجازَهُ بجائزةٍ سِيَّةٍ إذا أعطاه عَطِيَّةً، ومنها جوائزُ الوُفُودِ للتّحَفِ
واللَّطَفِ، وتَحَاوَزَ عن المسيءٍ وَتَجَوَّزَ عنه: أَغْضَى عنه وعَفَا، وَتَجَوَّزَ في الصلاة: ترخَّصَ
فيها وتساهَلَ، ومنه: تحوَّزَ في أَخْذِ الدَّراهم)) اهـ ملخَّصاً.
٢٦٩/٢
[١١٢٠١] (قولُهُ: لصُدُورِهِ لا عن قَصْدٍ صحيحٍ) أشار به إلى الفَرْقِ بينه وبين انعقادِهِ
(قولُهُ: من التَّصحيف وهو: تغييرُ اللَّفظ إلخ) والمرادُ هنا الخطأُ مُطلقاً، أعمُّ من أن يكون تحريفاً أو
تصحيفاً؛ وذلك أنَّ ما كان من الغَلَط في النَّقْط يُسمَّى تصحيفاً، كـ: خبيرٌ بمعنى عليمٍ، وحبيرٌ بالمهملة
بمعنى الحرير، وما كان في الشَّكْل يُسمَّى تحريفاً، كـ: سَليمٌ مُكَبَراً، أو سُلَيمٌ مُصغَّراً اهـ "سندي".
(١) في "د" و"و": ((يكن)).
(٢) "المصباح": مادة ((صحف)) بتصرف يسير.
(٣) "المغرب": مادة ((صحف)).
(٤) "المغرب": مادة ((جوز)).
(٥) ((وجاوزه)) ساقطة من "آ".
(٦) في "م" بالواو بدل ((أو)).

الجزء الثامن
٦٧
کتاب النكاح
"تلويح".
بلغظٍ أعجميِّ بأنَّ اللُّغةَ الأعجميَّةَ تصدُرُ عمَّن تكلّمَ بها عن قَصْدٍ صحيحٍ بخلافٍ لَفْظٍ
التَّجويز، فإنّه يصدُرُ لا عن قَصْدٍ صحيحٍ، بل عن تحريفٍ وتصحيفٍ، فلا يكونُ حقيقةٌ
ولا مجازاً، "منح"(١) ملخّصاً. والتَّحريفُ: النَّغييرُ، وهو المرادُ بالنَّصحيف كما مرَّ(٢).
[١١٢٠٢] (قولُهُ: "تلويح") ليس مرادُهُ عَزْوَ المسألةِ إلى "التّويح"، بل عَزْوَ مضمونٍ
التّعليل؛ لأَنّها غيرُ مذكورةٍ فيه ولا في غيرِهِ من الكتب المتقدِّمة، وإنما ذكَرَها "المصنّف"
في "متنه"، وذكَرَ في شرحِهِ "المنحِ"(٣): ((أَنَّ كَثُرَ الاستفتاءُ عنها في عامَّةِ الأمصار))، وأَنَّه
كَتَبَ فيها رسالةً حاصلُها: ((اعتمادُ عدمِ الانعقادِ بهذا اللَّفظ؛ لأنَّه لم يُوضَعْ لتمليكِ العَيْن
للحال، وليس لَفْظَ نكاحٍ ولا تزويجٍ، وليس بينه وبين ألفاظِ النّكاح علاقةٌ مُصحِّحةٌ
للمجازيَّة عنها كما استُعِيْرَ لفظُ الهِيَةِ والبيعِ للنّكاح، ومِن ثَمَّ صرَّحُوا بأنّه لا يَنعقِدُ بِلَفْظِ
الإحلال والإجارةِ والوصيّة؛ لعدمٍ صحَّةِ الاستعارة، ولا يصحُّ قياسُ ذلك على اللُّغَةِ
الأعجميَّةِ لعدم القَصْدِ الصَّحيح)) كما مرَّ(٤)، ثمَّ استشهَدَ لذلك بما ذكرَهُ المحقّقُ " السَّعدُ
النَّفتازانيُّ" في بحثِ الحقيقة والمجاز من "التَّلويح"(٥)، وهو: ((أنَّ اللَّفَظَ المستعملَ استعمالاً
صحيحاً جارياً على القانون إمَّا حقيقةٌ أو مجازٌ؛ لأَنّه إن استُعمِلَ فيما وُضِعَ له فحقيقةٌ،
وإن استُعمِلَ في غيرِهِ فإنْ كان لعلاقةٍ بينه وبين الموضوع له فمجازٌ، وإلاَّ فمُرْتَجَلٌ، وهو
أيضاً من قسمٍ [٣/ ق٤ ١ /ب] الحقيقةِ؛ لأنَّ الاستعمال الصَّحيح في الغيرِ بلا علاقةٍ وضعٌ جديدٌ،
فيكونُ اللَّفظُ مُستعمَلاً فيما وُضِعَ له، فيكونُ حقيقةً، وقَّدنا الاستعمالَ بالصَّحيح احترازاً
عن الغَلَطِ مثل: استعمالِ لفظِ الأرض في السَّماء من غيرِ قصدٍ إلى وضعٍ جديدٍ)) اهـ.
(١) "المنح": كتاب النكاح ١/ق ١١٣/ب.
(٢) المقولة [١١١٩٩] قوله: ((وألفاظ مصحَّفة)).
(٣) "المنح": كتاب النكاح ١/ق ١١٣/أ بتصرف يسير.
(٤) المقولة [١١٢٠١] قوله: ((لصدوره لا عن قصدٍ صحيحٍ)).
(٥) "شرح التلويح على التوضيح": الباب الأول - التقسيم الثاني: في استعمال اللفظ في المعنى في الحقيقة والمجاز والمرتجل
والمنقول ٦٩/١ بتصرف.

قسم الأحوال الشخصية
٦٨
حاشية ابن عابدين
نعم لو اتَّفَقَ قومٌ على النَّطقِ بهذه الغلطةِ وصدَرَتْ عن قصدٍ كان ذلك وضعاً
جديداً فيصحُّ، به أفتى "أبو السُّعود"(١).
[١١٢٠٣] (قولُهُ: نَعَمْ إلخ) هذا ذكرَهُ "المصنّفُ" أيضاً، حيث قال(٢) عقب عبارة
"التّلويح" المذكورة: ((نَعَمْ لو اتَّفَقَ قومٌ على النُّطْقِ بهذه الغلطةِ بحيث إنَّهم يَطْلُون بها الدِّلالة
على حِلِّ الاستمتاعِ، وتصدُرُ عن قَصْدٍ واختيارٍ منهم فللقولِ بانعقادِ النّكاح بها وجهٌ ظاهرٌ؛
لأَنّه - والحالةُ هذه- يكونُ وضعاً جديداً منهم، وبانعقادِهِ بين قومٍ الْفَقَتْ كلمتُهم على هذه
الغلطةِ أفتى شيخ الإسلام "أبو السُّعود" مُفتيّ الدِّيار الرُّومِيَّة، وأمَّا صُدُورُها لا عن قَصْدٍ
إلى وضعٍ جديدٍ - كما يقعُ من بعضِ الجهلةِ الأَغْمار - فلا اعتبارَ به، فقد قال في "النَّلويح"(٣):
إِنَّ استعمال اللَّفظ في الموضوعِ له أو غيرِهِ طلبُ دلالِتِهِ عليه وإرادتِهِ منه، فمجرَّدُ الذِّكْرِ لا
يكونُ استعمالاً صحيحاً، فلا يكونُ وَضْعاً جديداً)) اهـ.
وحاصلُ كلام "المصنّف": أنّه إن انَفَقُوا على استعمالِ التَّحْوِيزِ في النّكاح بوضعٍ جديدٍ
قَصْداً يكونُ حقيقةً عُرْفَّةً مثل الحقائقِ المرتَجَلةٍ، ومثل الألفاظِ الأعجميَّة الموضوعةِ للنّكاح،
فيصحُّ به العَقْدُ لوجودٍ طلب الدِّلالة على المعنى المرادِ وإرادِتِهِ من اللَّفظ قَصْدً، وإلاّ فذِكْرُ هذا
الَّفْظِ بدونٍ ما ذُكِرَ لا يكونُ حقيقةً لعدم الوَضْعِ، ولا مجازاً لعدم العلاقة، فلا يصحُّ به العَقْدُ
الكونِهِ غَلَطًا كما أفتى به "المصنّف" تبعاً لشيخِهِ العلاَّمة "ابن نجيمٍ)" ومُعاصِرِيه، لكنْ أَفْتَى
بخلافِهِ العلاّمةُ "الخيرُ الرَّمليُّ" في "الفتاوى الخيريَّة"(٤)، ونازَعَ "المصنّفَ" فيما استشهَدَ به،
(قولُهُ: الأغمارِ) في "القاموس": ((الغَمْرُ من النّاس: جماعتُهُمْ وَلَفِيفُهُم، ومَن لَم يُحرِّبِ الأُمورَ اهـ)).
(١) "فتح المعين": كتاب النكاح ٨/٢ نقلاً عن المفتيّ "أبي السعود".
(٢) "المنح": كتاب النكاح ١/ق ١١٣/ب.
(٣) "شرح التلويح على التوضيح": الباب الأول - التقسيم الثاني في استعمال اللفظ في المعنى في الحقيقة والمجاز والمرتجل
والمنقول ٧١/١ بتصرف.
(٤) "الفتاوى الخيرية": كتاب النكاح ٢٠/١.

الجزء الثامن
٦٩
كتاب النكاح
وكذا نازَعَهُ في "حاشيته" على "المنح": ((بأَنَّ لا دَخْلَ لبحثِ الحقيقة والمجازِ المرتَّبِ على
عدم العلاقة))، وقد أقرَّ "المصنّفَ": ((بأنَّه تصحيفٌ))، فكيف يتّجِهُ ذِكْرُ نَفْىِ العلاقةِ؟! بل
نُسلِّمُ كونَهُ تصحيفاً بإبدالِ حرفٍ مكانَ حرفٍ، فلو صدَرَ مِن عارِفٍ لا يَنعقِدُ به، وهو محلٌّ
فتوى الشَّيخِ "زين بن نجيمٍ" ومُعاصِرِ يه، فيقعُ الدَّليلُ في محلّهِ حينئذٍ. والمسألةُ [٣/ق١٥/ أ] لم يُوجَدْ
فيها نقلٌ بخصوصِها عن المشايخ، فصارَتْ حادثةَ الفتوى، وقد صرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ(١) بأنَّه لا يَضُرُّ
من عامِّيٌ إبدالُ الزَّيِ جِيْماً وعكسُهُ مع تشديدِهم في النكاح، بحيث لم يُحَوِّزُوه إلاَّ بَفْظِ
الإنكاحِ والتّزويجِ، والإفتاءُ بحسبِ الإنهاء، فإذا سُئِلَ المفتي: هل يَنعقِدُ بلفظِ التَّجويزِ؟ يجيبُ
بـ: لا؛ لعدمِ التّعرُّضِ لذكر التّصحيف، والأصلُ عدمُهُ، وإذا سُئِلَ في عامِّيٌّ قدَّمَ الجيمَ على
الزَّاي بلا قَصْدِ استعارةٍ لعدمٍ علمه بها، بل قصَدَ حِلَّ الاستمتاعِ باللَّفظِ الواردِ شرعاً، فوقَعَ
له ما ذُكِرَ ينبغي فيه موافقةُ الشَّافِعِيَّةِ، وبالأَولى فيما إذا اتَّفَقَتْ كلمتُهم على هذه الغلطةِ كما
قطَعَ به "أبو السُّعود"(٢). وقد صرَّحُوا بعدمِ اعتبار الغَلَطِ والتَّصحيفِ في مواضعَ، فأوقَعُوا
الطَّلَاقَ بالألفاظِ المصحَّةِ مع اشتراكِ الطَّلاق والنكاح في أنَّ جِدَّهما حِدٌّ وهَزْلَهُما جِدٌّ
وخَطَرِ الفُرُوجِ، وَقْتَوا بالوقوعِ في: عليَّ الطَّلاق، وأَنَّه تعليقٌ يقعُ به الطَّلاق عند وقوعِ
(قولُهُ: وكذا نازعه في حاشيته على "المنح" بأنّه لا دَخْلَ لبحث الحقيقة والمجاز إلخ) عبارتُهُ في
"الفتاوى": ((ولا(٣) شَكَّ أنَّ الصَّادرَ من الجَهَلة الأغمارِ تصحيفٌ لا دَخْلَ لبحث الحقيقة والمجاز، ولا لنفىٍ
الاستعارةِ الُرَّبِ على عدمِ العلاقة فيه الُصرَّحِ به في كلام "الغَرِّيّ"؛ إذ معناه الأصليُّ وهو النِّسويغُ، أو جَعْلُه
مارًاً غيرَ مُلاحِظٍ لهم أصلاً إلخ)).
(١) انظر "تحفة المحتاج": كتاب النكاح ٢١٩/٧ (هامش "حواشي الشرواني وابن قاسم)، و"نهاية المحتاج": كتاب
النكاح ٢١١/٦.
(٢) مرت ترجمته ٥٥/١.
(٣) في المطبوعة ((لأن))، وما أثبتناه هو الصواب الموافق لما في "الفتاوى الخيرية".

قسم الأحوال الشخصية
٧٠
حاشية ابن عابدين
وأمَّ الطَّلاقُ فيقعُ بها قضاءً(١) كما في أوائلِ "الأشباه"(٢) (و) لا (بَتَعَاطٍ).
الشَّرْطِ؛ لأَنَّه صار بمنزلةِ: إِنْ فَعَلْتِ فأنتِ كذا، ومثلُهُ: الطَّلاق يَلْزَمُني لا أفعلُ(٣) كذا مع كونِهِ
غلطاً ظاهراً لغةً وشرعاً؛ لعدم وجود ركنِهِ وعدمٍ محلّةِ الرَّجُلِ للطّلاق، وقولُ "أبي السُّعود":
((إنَّه - أي: هذا الطَّلاقَ - ليس بصريحٍ ولا كنايةٍ )) نظراً بمجرَّدِ اللَّفظِ لا إلى الاستعمالِ الفاشي؛
لعدم وجودِهِ في بلاده، فإذا لم نَعَتِرْ هذا الغَلَطَ الفاحشَ لَزِمَنَا أنْ لا نعتبرَهُ فيما نحن فيه مع فُشُوِّ
٢٧٠/٢ استعمالِهِ وكثرةٍ دَوَرَانِهِ في أَلْسِنَةِ أهل القُرى والأمصار، بحيث لو لُقْنَ أحدُهم التّزويجَ لعَسُرَ عليه
النُّطقُ به، فلا شكَّ أنَّهم لا يَلْمَحُون استعارةً لَنَرُدَّ مَلْمَحَهم بعدم العلاقةِ، بل هو تصحيفٌ عليهم
فَشَا في لسانِهم، وقد استحسَنَ بعضُ المشايخ عدمَ فساد الصَّلاة بإبدال بعضِ الحروف وإنْ
لم يتقارب المخرجُ؛ لأنَّ فيه بلوى العامَّة، فكيف فيما نحن فيه؟! اهـ ملخَّصاً.
[١١٢٠٤] (قولُهُ: وأمَّ الطَّلاقُ فيقعُ بها إلخ) أي: بالألفاظِ المصحَّفةِ كتَلاقٍ وتَلاكٍ
وطَلاكٍ وطَلاغٍ وتَلاغٍ. قال في "البحر "(٤): ((فيقعُ قضاءً، ولا يُصدَّقُ إلَّ إذا أشهَدَ على ذلك
قبل النَّكُلُّم، بأنْ قال: امرأتي تطلُبُ مني الطَّلاقَ وأنا لا أُطلِّقُ فأقولُ هذا، ولا فَرْقَ بين العالِمِ
[٣/ق١٥/ب] والجاهلِ، وعليه الفتوى)) اهـ.
ثُمَّ إِنَّه لا فَرْقَ يظهرُ بين النِّكاحِ والطَّلاق، وقد استدلَّ "الخيرُ الرَّمليُّ" على ذلك بما
قدَّمناه(٥) من قول "قاضي خان": ((إنّه ينبغي أنْ يكون النّكاحُ كالطَّلاق والعِتاق في أنَّه
لا يُشْتَرَطُ العِلْمُ بمعناه؛ لأنَّ العِلْم مضمون اللَّفظ إنما يُعتبَرُ لأجلِ القَصْد، فلا يُشترَطُ فيما
يَستوِي فيه الجِدُّ والهزلُ)) اهـ.
(١) في "د" زيادة: ((قوله: مقتضى ما مرَّ عن أبي السعود وقوعُهُ ديانةً إلا أن يُقَالَ: إذا وقع قضاء يقع ديانة بالأولى؛
لأنّه قاصدٌ الإيقاعَ. ق ١٥١/أ.
(٢) "الأشباه والنظائر": القاعدة الأولى: لا ثواب إلا بالنية، بيان ما تكون النية فيه شرطاً، وما لا تكون صـ١٩ -.
(٣) ((لا أفعل)) ساقط من "الأصل".
(٤) "البحر": كتاب الطلاق ٢٧١/٣.
(٥) المقولة [١١١٧٩] قوله: ((ولا يشترط ... )).
٠٠

الجزء الثامن
٧١
كتاب النكاح
قال: ((فإذا عَلِمنا أنَّ الطَّلاق واقعٌ مع التّصحيف فينبغي أن يكون النّكاحُ نافذاً معه
أيضاً)) اهـ.
قلتُ: وأمَّا الجوابُ بأنَّ وقوع الطَّلاق للاحتياطِ في الفُرُوجِ فهو مشتركُ الإلزامِ،
على أنَّه لا احتياطَ في التَّفريق بعد تحقَّقِ الزَّوحِيَّةِ بمجرَّدِ الَّلْفُّظِ بلغظٍ مُصحَّفٍ أو مهملٍ
لا معنى له، بل الاحتياطُ في بقاء الزَّوحِيَّةِ حَتّى يتحقَّقَ المزيلُ، فلولا أنَّهم اعتبروا القصدَ بهذا
اللّفظِ المصحَّفِ بدونِ وضعٍ جديدٍ ولا علاقةٍ لم يُوقِعُوا بِه الطَّلاقَ؛ لأنَّ اللَّفظَ (١) الخارجَ
عن الحقيقةِ والمجاز لا معنى له، فعُلِمَ أنَّهم اعتَبَرُوا المعنى الحقيقيَّ المرادَ، ولم يَعتبِرُوا تحريفَ
اللَّفظِ، بل قولُهم: يقعُ بها قضاءً يفيدُ أَنَّه يُقضَى عليه بالوقوع وإنْ قال: لم أُرِدْ بها الطَّلاقَ
حملاً على أنَّها من أقسامِ الصَّريح، ولذا قُيِّدَ تصديقُهُ بالإِشهادِ، فبالأَولى إذا قال العامِّيُّ:
((جَوَّزْتُ)) بتقديمِ الجيم، أو ((زَوَّرْتُ)) بالزَّاي بدل الجيم قاصداً به معنى النّكاحِ يَصِحُّ،
ويدلُّ عليه أيضاً ما قدَّمناه(٢) عن "الذَّخيرة": ((من أَنَّه إذا قال: جَعَلْتُ بِنْتي هذه لكَ بألفٍ
صَحَّ؛ لأنَّه أتى بمعنى النَّكاح، والعبرةُ في العُقُودِ للمعاني دون الألفاظ))، فهذا التَّعليل يدلُّ
على أنَّ كلَّ ما أفادَ معنى النّكاح يُعطَى حكمَهُ، لكنْ إذا كان بلَفْظِ نكاحٍ أو تزويجٍ أو ما
وُضِعَ لتمليكِ العَيْن للحال، ولا شكَّ أنَّ لفظَ ((جَوَّزْتُ)) أو ((زَوَّرْتُ)) لا يَفْهَمُ منه
العاقدان والشُّهودُ إلاّ أنَّه عبارةٌ عن التّزويجِ، ولا يُقَصَدُ منه إلاَّ ذلك المعنى بحسب العُرِف،
وقد صرَّحُوا بأنَّه يُحمَلُ كلامُ كلِّ عاقدٍ وحالِفٍ وواقِفٍ على عُرْفِهِ، وإذا وقَعَ الطَّلاقُ
بالألفاظِ المصحَّفة - ولو مِن عالِمٍ كما مرَّ(٣) وإنْ لم تكن مُتعارفةً كما هو ظاهرُ إطلاقِهِم
فيها - يصحُّ النّكاحُ من العَوَامِّ بالمصحَّفةِ [٣/ق١٦ / أ] المتعارَفةِ بالأولى، والله تعالى أعلم.
(١) في "آ" و"ب" و"م": ((الغلط)).
(٢) المقولة [١١١٨٩] قوله: ((وقرض إلخ)).
(٣) المقولة [١١١٩٩] قوله: ((وألفاظٍ مصحَّفة)).

قسم الأحوال الشخصية
٧٢
حاشية ابن عابدين
احتراماً للغُرُوجِ(١).
(وشُرِطَ سماعُ كلُّ من العاقِدَيْنِ لفظَ الآخرِ) ليتحقّقَ رضاهما.
( تنبيةٌ )
عُلِمَ مما قرَّرناه جوازُ العَقْد بلفظِ ((أَزْوَجْتُ)) بالهمزةِ في أوَّلِهِ خلافاً لِما ذكرَهُ السيِّد
"محمَّد أبو السُّعود"(٢) في "حاشية مسكين" عن "شيخه" من عدمٍ الجواز معلّلاً: ((بأنّه لم
يَجِدْهُ في كتب اللّغة، فكان تحريفاً وغَلَطاً)).
[١١٢٠٥) (قولُهُ: احتراماً للفُرُوجِ) أي: لِخَطَرِ أَمْرِها وشدَّةِ حُرْمتِها، فلا يصحُّ العَقْدُ
عليها إلاَّ بَلَفْظٍ صريحٍ أو كنايةٍ.
[١١٢٠٦) (قولُهُ: سَمَاعُ كلِّ) أي: ولو حكماً كالكتابِ إلى غائبةٍ؛ لأنَّ قراءَتَهُ قائمةٌ مَقامَ
الخطابِ كما مَرَّ(٣)، وفي "الفتح"(٤): ((يَنعقِدُ النّكاحُ من الأخرسِ إذا كانت له إشارةٌ معلومةٌ)).
[١١٢٠٧) (قولُهُ: ليتحقَّقَ رضاهما) أي: لَيَصِدُرَ منهما ما مِن شأنِهِ أنْ يدلَّ على الرِّضا(٥)؛
(قولُ "الشَّارح" ليتحقَّق رضاهُما) هذه العلّةُ قاصرةٌ؛ فإنَّه إذا أوجبَ الرَّجلُ مُسْمِعاً لها، وقبِلَت
غيرَ مُسْمِعَةٍ له قُبُولَها فقد صدَرَ منهُما ما من شَأْنِهِ أن يَدُلَّ على الرِّضا، ومع هذا لا ينعقدُ النّكاحُ، تأمَّل.
(قولُهُ: لأنَّ قراءتَهُ قائمةٌ مَقامَ الخطاب إلخ) الظاهرُ أنَّ مسألةَ الكتابة مُسْتثناةٌ من اشتراط سَماعٍ
كلِّ من العاقدَيْن لفْظَ الآخر؛ لأنَّ القراءةَ وإن أُقيمت مُقَامَ الخطاب لم يُوجَد من الكاتب سماعُ القَبُول
من الآخر لا حقيقةً ولا حُكْماً، وإن وُجِدَ من المكتوب إليه السَّماحُ حُكْمًاً بالقراءة.
(١) في "ب": ((للفرج)).
(٢) "فتح المعين": كتاب النكاح ٨/٢ معزياً إلى "التلويح" نقلاً عن والده.
(٣) المقولة [١١١٦٢] قوله: (("فتح" )).
(٤) "الفتح": كتاب النكاح ١٠٣/٣.
(٥) في "ب": ((الرضاء)).

الجزء الثامن
٧٣
كتاب النكاح
إذ حقيقةُ الرِّضا غيرُ مشروطةٍ في النّكاح؛ لصحَّتِهِ مع الإكراهِ والهزلِ، "رحمتي". وذكَرَ السيِّد
"أبو السُّعود"(١): (( أنَّ الرِّضا(٢) شرطٌ مِن جانبها لا من جانبِ الرَّجُل))، واستدلَّ لذلك بما
صرَّحَ به "القهستانيُ) (٣) في المهرِ من فسادِ العَقْدِ إذا كان الإكراهُ من جهتِها.
وأقول: فيه نظرً، فإنَّه ذكَرَ في "الّقاية"(٤): (( أنَّ في النّكاحِ الفاسدِ لا يجبُ شيءٌ إِنْ
لم يَطَأْها، وإِنْ وَطِئَها وجَبَ مهرُ المثل))، فقال "القهستانيُّ"(٥) - عند قوله: ((في النكاحِ
الفاسدِ)) -: (( أي: الباطلِ كالنّاحِ للمَحَارِمِ المؤنَّدةِ أو المؤقّتة، أو بإكراهٍ مِن جِهَتِها
إلخ))، فقولُهُ: ((مِن جِهَتِها)) معناه: أنَّها إذا أَكْرَهَت الزَّوْجَ على التّزوُّجِ بها لا يَحِبُ لها
عليه شيءٌ؛ لأنَّ الإِكراهَ جاء مِن جِهَتِها، فكان في حكمِ الباطل لا باطلاً حقيقةً، وليس
معناه أنَّ أحداً أَكْرَهَها على التّزوُّجِ، ونظيرُ هذه المسألةِ ما قالوه في كتاب الإكراه من أنَّه
لو أُكْرِهَ على طلاقِ زوجتِهِ قبل الدُّخولِ بها لَزِمَهُ نصفُ المهر، ويَرجِعُ به على المُكرِهِ إنْ كان
المُكرِهُ له(٦) أجنبيّاً، فلو كانت الزَّوجةُ هي التي أَكْرَهَتْهُ على الطَّلاقِ لم يَجِبْ لها شيءٌ، نَصَّ
عليه "القهستانيُ)(٧) هناك أيضاً. وأمَّا ما ذُكِرَ مِن: ((أنَّ نكاحَ المُكرَهِ صحيحٌ إنْ كان هو
الرَّجُلَ، وإنْ كان هو المرأةَ فهو فاسدٌ)) فلم أرَ مَن ذكَّرَهُ وإِنْ أوهَمَ كلامُ "القهستانِيِّ" السَّابِقُ(٨)
(قولُهُ: لا يجبُ لها عليه شيءٌ إلخ) أي: فيما لو طُلّقت قبل الدُّخول، أو لم يطَأْها.
(١) "فتح المعين": كتاب النكاح ٧/٢.
(٢) في "٢" و"ب": ((الرضاء)).
(٣) "جامع الرموز": كتاب النكاح ٢٨٨/١.
(٤) انظر "شرح النقاية" لملا علي القاري: كتاب النكاح - فصل: أقل المهر عشرة دراهم صـ٥٨٦-٥٨٧ ..
(٥) "جامع الرموز": كتاب النكاح ٢٨٨/١.
(٦) ((له)) ساقطة من "الأصل".
(٧) "جامع الرموز": كتاب الإكراه ٣٧١/٢ معزياً إلى "الظهيرية".
(٨) في المقولة نفسها.

قسم الأحوال الشخصية
٧٤
حاشية ابن عابدين
(و) شُرِطَ (حضورُ) شاهدَيْنِ.
ذلك، بل عباراتُهم مُطلَقَةٌ في أنَّ نكاح المكرَهِ صحيحٌ كطلاقِهِ وعتقِهِ مما يصحُّ مع الهزلِ،
ولفظُ المكرَهِ شاملٌ للرَّجُلِ والمرأةِ، فمَن ادَّعَى التَّخصيصَ فعليه إثباتُهُ بالنّقلِ الصَّرِيحِ، نعم
فرَّقُوا بين الرَّجُلِ والمرأةِ في الإكراه على الزِّنا في إحدى الرِّوايتين، [٣/ق١٦ /ب] ثمَّ رأيتُ في
٢٧١/٢ إكراهِ "الكافي"(١) لـ "الحاكم الشَّهيد" ما هو صريحٌ في الجوازِ، فإنّه قال: ((ولو أُكْرِهَتْ على
أَنْ تَزَوَّجَتْهُ بألفٍ ومهرُ مِثْلِها عشرةُ آلافٍ فَزَوَّجَها(٢) أولياؤُها مُكرَهين فالنكاحُ جائزٌ،
ويقولُ القاضي للزَّوجِ: إنْ شئتَ أَتْمِمْ لها مهرَ مِثْلِها وهي امرأْتُكَ إنْ كان كُفْناً لها، وإلاّ
فَرَّقَ بينهما ولا شيءَ لها إلخ))، فافهم.
[١١٢٠٨] (قولُهُ: وشُرِطَ حُضُورُ شاهدَيْنِ) أي: يَشهدانِ على العَقْدِ، أمَّا الشَّهادةُ على
الّوكيلِ بالنّكاح فليست بشرطٍ لصحَّتِهِ كما قدَّمناه(٣) عن "البحر"، وإنما فائدتها الإِثباتُ عند
جُحُودِ التَّوكيلِ. وفي "البحر"(٤): ((قَّدنا الإشهادَ بأنّه خاصٌّ بالنّكاح لقولٍ "الإسبيجابيِّ":
وأمَّا سائرُ العُقُود فتنفُذُ بغيرِ شهودٍ، ولكنَّ الإشهاد عليه مستحبٌّ للآيةِ اهـ. وفي "الواقعات":
أَنَّه واجبٌ في المداينات، وأَمَّا الكتابةُ ففي عِثْقِ "المحيط": يُستحَبُّ أنْ يَكُتُبَ للعِثْقِ كتاباً
ويُشهِدَ عليه صيانةً عن التَّجاحُدِ كما في المداينة بخلاف سائرِ التّجاراتِ للحَرَج؛ لأَنَّها مما يكثُرُ
وقوعُها اهـ. وينبغي أنْ يكون النّكاحُ كالعِثْقِ؛ لأَنَّه لا حَرَجَ فيه)) اهـ.
( تنبيةٌ )
أشارَ بقوله فيما مَرَّ(٥): ((ولا المنكوحةُ مجهولةً)) إلى ما ذكرَهُ في "البحر "(٦) هنا بقوله:
(قولُهُ: زَوَّجها أولياؤُها إلخ) لعلَّ فيه حذفَ ((أو))(٧) العاطفة.
(١) انظر "المبسوط": كتاب الإكراه - باب الإكراه على العتق والطلاق والنكاح ٦٤/٢٤ بتصرف.
(٢) في النسخ جميعها: ((زوَّجها))، وما أثبتناه من عبارة "المبسوط".
(٣) المقولة [١١١٤٦] قوله: ((وقيل: هو إيجاب)).
(٤) "البحر": كتاب النكاح ٩٦/٣.
(٥) "در" ص ٥٣ -.
(٦) "البحر": كتاب النكاح ٩٥/٣.
(٧) انظر التعليق (٢) من هذه الصحيفة.

الجزء الثامن
٧٥
كتاب النكاح
((ولا بدَّ من تمييزِ المنكوحةِ عند الشَّاهدَيْنِ لتنتفيَ الجهالةُ، فإنْ كانت حاضرةً مُنْتَقِبَةً كَفَى
الإشارةُ إليها، والاحتياطُ كَشْفُ وَجْهِها، فإنْ لم يَرَوا شَخْصَها وسَمِعُوا كلامَها من البيت إِنْ
كانت وحدَها فيه جازَ، ولو معها أخرى فلا؛ لعدم زوالِ الجهالة، وكذا إذا وَكَّلَتْ بِالتَّرويجِ
فهو على هذا)) اهـ، أي: إِنْ رَأَوْها أو كانت وحدَها في البيت يجوزُ أنْ يَشْهَدُوا عليها بالتَّوكيل
إِذا جَحَدَتْهُ، وإلاَّ فلا؛ لاحتمالِ أنَّ الموكِّل المرأةُ الأخرى، وليس معناه أنَّه لا يصحُّ الَتَّوكيلُ بدون
ذلك، وأَنَّه يصيرُ العَقْدُ عَقْدَ فُضُولٍّ فيصحُّ بالإِجازةِ بعده قولاً أو فعلاً؛ لِما علمتَهُ آنفاً، فافهم.
مطلبٌ: "الخصَّافُ" كبيرٌ في العِلْم يجوزُ الاقتداءُ به
ثُمَّ قال في "البحر"(١): ((وإنْ كانت غائبةً ولم يَسْمَعُوا كلامَها - بأنْ عَقَدَ لها وكيلُها
فإنْ كان الشُّهودُ يَعرِفُونها كَفَى ذِكْرُ اسِها إذا عَلِمُوا أَنَّه أرادَها، وإنْ لم يَعرِفُوها لا بدَّ
مِن ذِكْرِ اسمِها واسمٍ أبيها وجَدِّها، وجَوَّزَ "الخصَّافُ" النِّكَاحَ (٢) مطلقاً، حتَّى لو وكَّلَتْهُ فقال
بحضرتِهما: زَوَّجْتُ نفسي مِن مُوكِّلتي أو مِن امرأةٍ جَعَلَتْ أمرَها بيدي فإِنَّه يصحُّ عنده، قال
"قاضي خان"(٣): [٣/ق١٧/أ) و"الخصَّافُ" كان كبيراً في العِلْم يجوزُ الاقتداءُ به، وذكَرَ
"الحاكم الشَّهيد" في "المنتقى" كما قال "الخصَّافُ")) اهـ.
قلتُ: وفي "الَّار خانَّة"(٤) عن "المضمرات": ((أنَّ الأوَّلَ هو الصَّحيحُ، وعليه الفتوى))،
وكذا قال في "البحر"(٥) في فصل الوكيل والفُضُولِيِّ: ((إنَّ المختار في المذهب خلافُ ما قالَهُ
(١) "البحر": كتاب النكاح ٩٥/٣.
(٢) عبارة "الأصل": ((في النكاح)).
(٣) "الخانية": كتاب النكاح - الباب الأول فيما يتعلق به انعقاد النكاح - الفصل الأول في الألفاظ التي ينعقد بها
النكاح ٣٢٣/١ معزياً إلى شمس الأئمة السرخسي (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "التاترخانية": كتاب النكاح - الفصل الخامس في تعريف المرأة والزوج في العقد بالتسمية أو الإشارة
٦٠٤/٢ - ٠٦٠٥
(٥) "البحر": كتاب النكاح ١٤٧/٣ بتصرف.

قسم الأحوال الشخصية
٧٦
حاشية ابن عابدين
"الخصَّاف" وإنْ كان "الخصَّافُ"(١) كبيراً)) اهـ.
وما ذكرُوه في المرأةِ يَحري مثلُهُ فِي الرَّجُل، ففي "الخانَّة"(٢): ((قال الإِمامُ "ابنُ الفضل":
إنْ كان الزَّوجُ حاضراً مُشاراً إليه جازَ، ولو غائباً فلا ما لم يُذكَر اسمُهُ واسمُ أبيه وجَدِّهِ، قال:
والاحتياطُ أنْ يُنسَبَ إلى المحلّة أيضاً، قيل له: فإنْ كان الغائبُ معروفاً عند الشهود؟ قال: وإنْ
كان معروفاً لا بدَّ من إضافةِ العَقْدِ إليه. وقد ذكرنا عن غيره في الغائبة: إذا ذُكِرَ اسُها لا غيرُ
وهي معروفةٌ عند الشُّهود، وعَلِمَ الشُّهودُ أَنَّ أرادَ تلك المرأةَ يجوزُ النّكاح)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ الغائبةَ لا بدَّ مِن ذِكْرِ اسمِها واسمٍ أبيها وجَدِّها وإنْ كانت معروفةً عند
الشُّهود على قولِ "ابنِ الفضل"، وعلى قولِ غيرِهِ يكفي ذكرُ اسمِها إنْ كانت معروفةٌ (٣)
عندهم، وإلاَّ فلا، وبه جزَمَ صاحبُ "الهداية" في "التَّجنيس"، وقال: ((لأنَّ المقصود من
التَّسمية التَّعريفُ وقد حصَلَ))، وأقرَّهُ في "الفتح"(٤) و"البحر"(٥)، وعلى قولِ "الخصَّاف"
يكفي مطلقاً، ولا يخفى أنَّه إذا كان الشُّهودُ كثيرِينَ لا يَلْزَمُ معرفةُ الكَلِّ، بل إذا ذُكِرَ اسُها
وعَرَفها اثنان منهم كَفَى.
والظَّاهرُ: أنَّ المراد بالمعرفة أنْ يَعرِفا أنَّ المعقودَ عليها هي فلانٌ بنتُ فلان الفلانيِّ لا معرفةُ
شَخْصِها، وأنَّ ذِكْرَ الاسمِ غيرُ شرطٍ، بل المرادُ الاسمُ أو ما يُعَيِّنُها مما يقومُ مَقَامَهُ؛ لِما في
"البحر"(٦): ((لو زَوَّجَهُ بِنْتَهُ ولم يُسَمِّها وله بِنْتان لم يصحَّ للجهالةِ، بخلاف ما إذا كانت له بِنْتٌ
واحدةٌ، إلاَّ إذا سَمَّاها بغيرِ اسمِها ولم يُشِرْ إليها فإنَّه لا يصحُّ كما في "التّجنيس")) اهـ.
(١) ((وإن كان الخصاف)) ساقط من "الأصل".
(٢) "الخانية": كتاب النكاح - الباب الأول فيما يتعلّق به انعقاد النكاح - الفصل الأول في الألفاظ التي ينعقد بها
النكاح ٣٢٤/١ (هامش " الفتاوى الهندية").
(٣) من ((عند الشهود)) إلى ((معروفة)) ساقط من "آ".
(٤) "الفتح": كتاب النكاح - فصل في الوكالة بالنكاح وغيرها ١٩٧/٣.
(٥) "البحر": كتاب النكاح ٩٥/٣.
(٦) "البحر": كتاب النكاح ٩٠/٣-٩١.

الجزء الثامن
٧٧
كتاب النكاح
(حُرَّيْنِ) أو حرِّ وحرَّتين (مكلَّفَيْنِ سامَعَيْنِ قولَهما معاً(١)
وفيه (٢) عن "الذَّخيرة": ((إذا كان للمُزَوِّجِ ابنةٌ واحدةٌ وللقابِلِ ابنٌ واحدٌ، فقال: زَوَّحْتُ
ابنتي من اينِكِ يجوزُ النّكاح، وإنْ كان للقابِلِ ابنان فإِنْ سَمَّى أحدَهما باسِهِ صَحَّ إلخ))، وفيه(٣)
عن "الخلاصة"(٤): ((إذا زَوَّجها أخوها فقال: زَوَّجْتُ أختي ولم يُسَمِّها جاز إنْ كانَتْ له أختٌ
واحدةٌ))، وانظر ما قدَّمناه (٥) [٣/ق١٧ /ب] عند قوله: ((ولا المنكوحةُ مجهولةً)).
[١١٢٠٩) (قولُهُ: حُرَّيْنِ إلخ) قال في "البحر)"(٦): ((وشُرِطَ في الشُّهودِ الحرِّيَّةُ، والعقلُ،
والبلوغُ، والإِسلامُ، فلا يَنعقِدُ بحضرةِ العبيد والمجانين والصِّبيان والكفّار في نكاحِ المسلمين؛ لأنّه
لا وِلايَةَ لهؤلاء، ولا فَرْقَ في العبد بين القِنِّ والُدَبَّر والمكاَتَبِ، فلو عتَقَ العبيدُ أو بَلَغَ الصِّبيان بعد
التّحمُّلِ، ثمَّ شَهِدُوا إِنْ كان معهم غيرُهم(٧) وقتَ العَقْدِ ممن يَنْعقِدُ بحضورِهِم جازَتْ شهادتُهم؛
لأنّهم أهلٌ للّحمُّل وقد انعقَدَ العَقْدُ بغيرِهم، وإلاَّ فلا كما في "الخلاصة(٨) وغيرها)).
[١١٢١٠] (قولُهُ: أو حُرٍّ وحُرَّتين) كذا في "الكنز "(٩)، وقد نسَبَهُ "المصنّفُ"، فذكرَهُ
"الشَّارح" لدَفْعِ إبهامِ اختصاصِ الذِّكور في شهادةِ النِّكاح كما نََّ عليه "الخيرُ الرَّملِيُّ".
[١١٢١١) (قولُهُ: سامِعَيْنِ قولَهما معاً) فلا يَنعقِدُ بحضرةِ النَّائِمَيْنِ وَالأَصَمَّيْنِ، وهو قولُ
٢٧٢/٢ العامَّةِ، وتصحيحُ "الزَّيلعيِّ"(١٠) الانعقادَ بحضرةِ النَّائمَيْنِ دونَ الأَصَمَّيْنِ ضعيفٌ رَدَّهُ
(١) في "د" و"و": ((معاً قولهما)).
(٢) "البحر": كتاب النكاح ٩١/٣ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب النكاح ٩٥/٣.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب النكاح - الفصل السادس في الشهود ق٧٧/ب معزياً إلى "فتاوى البقالي".
(٥) المقولة [١١١٧٨] قوله: ((ولا المنكوحة مجهولة)).
(٦) "البحر": كتاب النكاح ٩٥/٣.
(٧) في "م": ((غير)).
(٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب النكاح - الفصل السادس في الشهود ق٧٧/أ.
(٩) انظر "شرح العين على الكنز": كتاب النكاح ١٣٩/١.
(١٠) "تبيين الحقائق": كتاب النكاح ٩٩/٢.

قسم الأحوال الشخصية
٧٨
حاشية ابن عابدين
في "الفتح"(١) و"البحر"(٢)، وأجابَ في "النّهر"(٣) بِحَمْلِ النَّائمَيْنِ على الوَسْنَانَيْنِ السَّامِعَيْنِ،
واعتُرِضَ بأنّه حينئذٍ يكونُ محلَّ وِفاقٍ لا خلافٍ، ثُمَّ قال في "النّهر"(٤): ((وينبغي أنْ
لا يُختَلَفَ في انعقادِهِ بالأَصَمَّيْنِ إذا كان كلٌّ من الزَّوجِ والزَّوجةِ أخرسَ؛ لأنَّ نكاحَهُ - كما
قالوا - يَنعقِدُ بالإشارةِ حيث كانت معلومةً)) اهـ.
قال في "الفتح"(٥): ((ومن اشتراطِ السَّماع ما قدَّمناه في التّزوُّجِ(٦) بالكتاب من أَنَّه لا بدَّ من
سَمَاعِ الشُّهود ما في الكتاب المشتمل على الخِطبة - بأنْ تقرأَهُ المرأةُ عليهم - أو سماعِهِم العبارةَ
عنه بأنْ تقولَ: إنَّ فلاناً كَتَبَ إليَّ يَخْطُبُني، ثمَّ تُشهِدَهم أنَّهَا زَوَّجَتْهُ نفسَها)) اهـ.
لكنْ إذا كان الكتابُ بلَفْظِ الأَمْرِ - بأنْ كَتَبَ: زَوِّجِي نفسَكِ مِنِّي - لا يُشترَطُ سماعُ
الشَّاهدَيْنِ لِما فيه بناءً على أنَّ صيغةَ الأَمْرِ توكيلٌ؛ لأَنَّه لا يُشترَطُ الإشهادُ على التَّوكيل، أمَّا
على القولِ بأنّه إيجابٌ فُشترَطُ كما في "البحر"(٧)، وقدَّمنا بيانَهُ فيما مَرَّ(٨).
وخرَجَ بقولِهِ: ((معاً)) ما لو سَمِعًا مُتُفرِّقَيْنِ، بأنْ حضَرَ أحدُهما العَقْدَ، ثُمَّ غَابَ وَأُعِيْدَ
بحضرةِ الآخرِ، أو سَمِعَ أحدُهما فقط العَقْدَ، فَأُعِيْدَ فسَمِعَهُ الآخرُ دون الأوَّل، أو سَمِعَ أحدُهما
الإيجابَ والآخرُ القبولَ، ثُمَّ أُعِيْدَ فسَمِعَ كلٌّ وحدَهُ ما لم يَسْمَعْهُ أَوَّلاً؛ لأنَّ في هذه الصُّورِ وُجِدَ
عَقْدَانِ لم يَحضُرْ كلَّ واحدٍ منهما شاهدان كما في "شرح النّقاية" (٩). [٣/ق١٨/ أ]
(١) "الفتح": كتاب النكاح ١١٤/٣، وقال: ((ولقد أبعدَ عن الفقه والحكمة الشرعية من زاد النائِمَيْن)).
(٢) "البحر": كتاب النكاح ٩٤/٣ معزياً إلى "التجنيس" نقلاً عن "شرح قاضيخان".
(٣) "النهر": كتاب النكاح ق١٦٣/ب.
(٤) "النهر": كتاب النكاح ق١٦٣/ب.
(٥) "الفتح": كتاب النكاح ١١٤/٣.
(٦) في "الأصل": ((التزويج)).
(٧) "البحر": كتاب النكاح ٩٥/٣.
(٨) المقولة [١١٢٠٨] قوله: ((وشرط حضور شاهدين)).
(٩) انظر "شرح النقاية لملا علي القاري": كتاب النكاح صـ ٥٤٨ - بتصرف.