Indexed OCR Text

Pages 461-480

الجزء السابع
٤٥٧
باب الهدي
أو الثَّالث أو الرَّابع (الوسطى والثّالثةَ ولم يَرْمِ الأُولى فعند القضاءِ إنْ رَمَى الكلَّ)
بالتَّرتيب.
يُنظَرُ: فإنْ أمكن للإمامِ أن يقفَ مع الناس أو أكثرِهم نهاراً قُبِلَتْ شهادتُهم قياساً واستحساناً
للتمكُّنِ من الوقوف، فإنْ لم يقفوا عشيَّةً فاتَّهم الحجُّ، وإن أمكنَهُ أنْ يقف معهم ليلاً لا نهاراً
فكذلك استحساناً، وإن لم يمكنه أن يقفَ ليلاً مع أكثرِهم لا تُقبَلُ شهادُتُهم، ويأمُرُهم أنْ يقفوا
من الغدِ استحساناً، والشُّهود في هذا كغيرهم كما قدَّمناه، وفي "الظهيرية"(١): ولا ينبغي للإمام
أنْ يقبلَ في هذا شهادة الواحد والاثنين ونحو ذلك)) اهـ.
فإن قلت: فهل يمكنُ حملُ كلام "المصنّف" على هذه المسألةِ تصحيحاً لكلامه؟
قلت: يمكنُ بتكلُّفٍ، وذلك بأنْ يُجعَلَ قولُهُ: ((وقبله)) ظرفاً لـ ((شهدوا)) لا لـ ((وقوفهم))،
ويُجعَلَ المشهودُ به محذوفاً، فيصيرُ التقدير: ولو شهدوا قبل وقوفهم بأنَّ هذا اليوم يومُ عرفةَ قُبِلَتْ
إن أمكنَ الَّدَارُكُ إلخ، واقتصَرَ "الشارحُ" على إمكانِ التِّدَارُكِ ليلاً؛ لأنّه على تقديرٍ إمكانه نهاراً
يُفهَمُ قبولُ الشهادة بالأَولى، فافهم واغتنم هذا التحرير المفرد.
( تتمَّةٌ )
قال في "اللباب"(٢): ((ولا عبرةَ باختلاف [٢/ق ٤٨٢ /ب] المطالع، فيلزمُ برؤيةِ أهل المغرب
أهلَ المشرق، وإذا ثبَتَ في مصرٍ لَزِمَ سائرَ الناس في ظاهر الرِّواية، وقيل: يُعتَبِرُ في كلِّ بلدٍ مطلعُ بلدهم
إذا كان بينهما مسافةٌ كثيرةٌ، وَقُدِّرَ الكثيرُ بالشَّهر)) اهـ. وقدَّمنا (٣) تمامَ الكلام على ذلك في الصوم،
وقدَّمنا هناك أنَّ ظاهر كلامهم هنا اعتبارُ اختلاف المطالع لِما علمته من هذه المسائلِ، تأمَّل.
[١١٠٤٥] (قولُهُ: أو الثالث أو الرابعِ) أشار إلى أنَّ اليوم الثاني مثالٌ لِما يتكرَّرُ فيه الرَّميُ،
(قولُهُ: فكذلك استحساناً) وقياساً أيضاً؛ إذ مقتضى القياسِ قبولُ الشَّهادة في كلِّ المسائل.
(١) "الظهيرية": كتاب الحج - فصل في الوقوف بعرفة والشهادة إذا التبس على الناس هلال ذي الحجة ق ٧١/أ.
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في اشتباه يوم عرفة صـ١٤٢-١٤٣ -.
(٣) المقولة [٨٩٦٩] قوله: ((على ظاهر المذهب)).

قسم العبادات
٤٥٨
حاشية ابن عابدين
(حَسَنٌ، وإنْ قَضَى الأُولى جازَ) لسنَّّةِ التِّرتيب.
(نذَرَ) المكلَّفُ (حجَّاً ماشياً مَشَى) مِن منزلِهِ وجوباً في الأصحِّ ..
فهو للاحترازِ عن اليوم الأوَّلِ، فإنّه لا رميَ فيه إلاَّ جمرةَ العقبة.
[١١٠٤٦] (قولُهُ: حَسَنٌ) الأولى: فحَسَنٌ بالغاءِ (١)، أي: هو مسنونٌ لقولِهِ: ((لسنَّةِ الترتيب)).
ثُمَّ إِنْ رمى في وقتِ الرَّمي لا شيء عليه، وإنْ أخَّرَهُ إلى الثاني كان عليه بتأخيرِ الجمرة الواحدة
سبعُ صدقاتٍ؛ لأنّها أقلُّ رميٍ يومِها، وإِنْ أخَّرَ الكلَّ أو إحدى عشرةَ حصاةً التي هي أكثرُ رمي
اليوم فعليه دٌّ عند "الإِمام"، ولا شيء بالتأخير عندهما، "رحمتي"، فافهم. وقدَّمنا (٢) في بحث الرَّمي
أنَّ رميَ كلِّ يومٍ فيه أو في ليلةٍ تليه سوى اليومِ الرابع أداءٌ، وفي اليوم الذي يليه قضاءٌ فيه الجزاءُ،
وبغروبِ شمس الرابع فاتَ وقتُ الأداءِ والقضاءِ ولزم الجزاءُ.
[١١٠٤٧] (قولُهُ: لسنَّةِ التِّرتيبِ) هو المختارُ، وعن "محمَّدٍ": أنه واجبٌ كما قدَّمناه(٣)
في بحث الرَّمي.
[١١٠٤٨] (قولُهُ: وجوباً) راجعٌ لقوله: (مَشَى)) ولقوله: ((مِن منزلِهِ))، وقولُهُ: ((في الأصحِ))
راجعٌ للوجوبِ فيهما، ومقابلُ الأوَّلِ روايةُ "الأصل "(٤) - أي: "المبسوط " لـ "محمَّدٍ" - بالتَّخبيرِ بين
الرُّكوب والمشي، وروايةٌ عن "الإمام" أنَّ الرُّكوب أفضلُ، ومقابلُ الثاني القولُ بأنَّ محلّ
وجوب ابتداءِ المشي من الميقات، والقولُ بأنَّه من محلِّ يُحرِمُ منه؛ لأنَّ ابتداء الحجِّ الإحرامُ،
وانتهاؤه طوافُ الزِّيارة، فيلزمُهُ بقدر ما التزَمَ، والمعوَّلُ عليه التصحيحُ الأوَّلُ؛ لِما رُوِي
عن "أبي حنيفة": لو أنَّ بغداديَّاً قال: إنْ كلَّمتُ فلاناً فعليَّ أنْ أَحُجَّ ماشياً، فلقِيَهُ بالكوفة
فكَلَّمَهُ فعليه أنْ يمشيَ من بغداد، وتمامُهُ في "الفتح"(٥) و"البحر "(٦).
(١) وهو الموافق لنسخة "و".
(٢) المقولة [١٠٢١٧] قوله: ((فمن الزوال لطلوع ذُكاء)).
(٣) المقولة [١٠٢٠٢] قوله: ((يبدأ استناناً إلخ)).
(٤) "الأصل": كتاب الأيمان ١٥٠/٣.
(٥) انظر "الفتح": كتاب الحج - مسائل منثورة ٨٨/٣.
(٦) انظر "البحر": كتاب الحج - مسائل منثورة ٨١/٣.

الجزء السابع
٤٥٩
باب الهدي
(حتَّى يطوفَ الفرضَ) لانتهاءِ الأركان، ولو رَكِبَ في كلِّهِ أو أكثرِهِ لَزِمَهُ دمٌ،
وفي أقلِّهِ بحسابه، ولو نذَرَ المشيَ إلى المسجدِ الحرام أو مسجدٍ المدينة أو غيرهما
لا شىءَ علیه.
( تنبيةٌ )
صريحُ كلامهم هنا أنَّ الحجَّ ماشياً أفضلُ منه راكباً خلافاً لِما قدَّمَهُ (١) "الشارح" أوَّلَ كتاب
الحجِّ، وقدَّمنا الكلامَ عليه هناك.
٢٥٢/٢
[١١٠٤٩] (قولُهُ: حتّى يطوفَ الفرضَ) وفي النَّذْرِ بالعمرة حتَّى يحلقَ، "لباب". قال
"شارحه"(٢): ((وقياسُهُ في الحجِّ أنْ يُقَّدَ بحلقه قبل الطواف أو بعده ليخرجَ عن إحرامه)) اهـ.
قلت: لكنَّ مجرَّدَ [٢/ق٤٨٣ /أ] الطواف في الحجِّ إحلالٌ عن غيرِ النساء، فتأمَّل.
[١١٠٥٠] (قولُهُ: وفي أقلِّهِ بحسابِهِ) أي: يلزمُهُ التصدُّقُ بقدْرِهِ من قيمةِ الشَّاة الوسط،
"(٣)
"بحر "(١).
[١١٠٥١] (قولُهُ: لا شيءَ عليه) لعدمِ العُرف بالتزامِ النسك به، ولأنَّ مسجد المدينة يجوزُ
دخوله بلا إحرامٍ، فلم يَصِرْ به ملتزماً للإحرام كما في "الفتح"(٤) وغيره.
1
(قولُ "الشارح": ولو نذَرَ المشيَ إلى المسجدِ إلخ) بخلاف ما لو قال: عليَّ المشيُ إلى بيتِ الله
ولم يَذْكُرْ حجاً ولا عمرةً، حيث يلزمُهُ أحدُ النِّسكين لتعارُفِ أحدِ النسكين بهذا اللَّفظ، من "السنديّ".
(قولُهُ: لكنَّ مجرَّدَ الطوافِ في الحجِّ إلخ) لعلَّ الأصوب ((الحَلْقُ)) بدلَ ((الطَّواف))؛ إذ القصدُ
بالاستدراكِ أَنَّ لا يصحُّ قياسُهُ عليها؛ لأنَّ الحلق فيه إحلالٌ عن غيرِ النّساء، فلم يَتَحلَّلْ به عن إحرامِهِ
بالكُّلِيَّة بخلاف حَلْقِ العمرة؛ إذ يَتَحلَّلُ عن إحرامِها فافترقا، ولم يصحَّ قياسُهُ عليها.
(١) ٤٧١/٦ "در".
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب النذر في الحج والعمرة - فصل في الكنايات صـ٣١١ -.
(٣) "البحر": كتاب الحج - مسائل منثورة ٨١/٣.
(٤) "الفتح": كتاب الحج - مسائل منثورة ٨٨/٣.

قسم العبادات
٤٦٠
حاشية ابن عابدين
(اشتَرَى مُحرِمةً) ولو (بالإذن له أنْ يُحلِّلَها) بلا كراهةٍ لعدم خُلْفٍ وَعْدِهِ (بقَصِّ
شعرِها أو بقَلْمٍ ظُفُرِها) أو بِمَسِّ طيبٍ (ثُمَّ يُجامِعُ،.
[١١٠٥٢] (قولُهُ: اشتَرَى مُحرِمٌ) وكذا لو اشترى عبداً مُحرِماً له أنْ يُحلِّله، "بحر "(١).
[١١٠٥٣] (قولُهُ: ولو بالإِذْنِ) أي: ولو كانت مُحرِمةً بإذنِ البائع.
[١١٠٥٤] (قولُهُ: لعدمِ خُلْفِ وعدِهِ) أي: وعدِ المشتري، فإِنَّه ما وعَدَها بخلافِ البائع لو أَذِنَ
لها، فإنّه يكرهُ(٢) له أنْ يُحلّلها كما في "البحر "(٣).
[١١٠٥٥] (قولُهُ: بقصِّ شعرِها إلخ) أفادَ أَنَّه لا يَتْبُتُ الَّحليل بقوله: حلَّتُكِ، بل بفعِلِهِ
أو بفعلِها بأمرِهِ كالامتشاط بأمره، "بحر "(٤).
قلت: وأفاد أيضاً أنَّه لا يتوقّفُ تحليلُها على أفعال الحجِّ، بل تخرجُ من الإحرام بمجرَّدٍ ما هو
من المحظوراتِ، ولا يَرِدُ عليه ما صرَّحُوا به من أنَّ من فسَدَ حتُّهُ لا يخرُجُ عن الإحرام
إلاَّ بالأفعال، ويلزمُهُ التحُّلُ بها كما توهَّمَهُ "الشرنبلاليُّ"(٥) في الجنايات؛ للفرق الواضح بين
المأمور بالرَّفض والمنهيِّ عنه، ألا ترى أنَّ مَن أحرَمَ بحجَّيْن لَزِمَهُ رفضُ أحدهما، ويتحلَّلُ منه بالحلق،
ولا يلزمُهُ أفعالُهُ؟ وكذا المحصرُ بعدوٍّ أو مرضٍ يتحلَّلُ بالهدي، فكذا هنا، فإنَّ الأَمَة ممنوعةٌ عن
المضيِّ لحقِّ المولى، ومثلُها الزَّوجة، أمَّا مَن فسَدَ حبُّهُ فإنَّه مأمورٌ بالمضيِّ في فاسده كما نَبَّهنا(٦)
على ذلك في الجنايات، فافهم.
وأفاد أيضاً أنّه لا يتوقّفُ تحليلُهما على الهدي وإنْ وجَبَ عليهما بعدُ كما صرَّحَ به
في "اللباب"(٧)، فعليهما إرسالُ هدىٍ وحجٌّ وعمرةٌ إنْ كان إحرامُهما بالحجِّ، وعمرةٌ إن كان
(١) "البحر": كتاب الحج - مسائل منثورة ٨١/٣ بتصرف يسير.
(٢) في "ب" و"م": ((فإنه كان يكره)).
(٣) "البحر": كتاب الحج - مسائل منثورة ٨١/٣.
(٤) "البحر": كتاب الحج - مسائل منثورة ٨١/٣ .
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب الجنايات ٢٤٦/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٦) المقولة [١٠٥٤٧] قوله: ((ويمضي إلخ)).
(٧) انظر "إرشاد الساري": باب الإحصار ــ فصل في بعث الهدي - تنبيه صــ٢٧٩ -.

الجزء السابع
٤٦١
باب الهدي
وهو أَولِى من التّحليل بجماعٍ) وكذا لو نكَحَ خُرَّةً مُحرِمةً بنفلٍ بخلاف الفرض
إِنْ لها مَحْرَمٌ، وإلاَّ فهي محصرةٌ، فلا تتحلَّلُ إلاَّ بالهدي، ولو أَذِنَ لامراتِهِ بِنَفْلٍ ليس
له الرُّجوعُ لملكها منافعَها،.
بالعمرةٍ، وذلك على الأمةِ والعبدِ بعد العتق كما قدَّمناه(١) أوَّلَ باب الإحصار.
[١١٠٥٦] (قولُهُ: وهو أَولى إلخ) لأنَّ الجماع أعظمُ محظورات الإحرام، حتّى تعلَّقَ به الفسادُ،
"بحر"(٢). وذكّرَ بعده: ((أنَّ جماعها تحليلٌ لها إنْ عَلِمَ بإحرامِها، وإلاّ فلا وفسَدَ حجُّها)).
[١١٠٥٧] (قولُهُ: وكذا) أي: له أنْ يُحلّلَها، ولا يتأخَّرُ تحليلُهُ إِيَّاها إلى ذبحِ الهدي، "بحر)"(٣).
[١١٠٥٨] (قولُهُ: إنْ لها مَحرٌَ) فإِنَّها استجمعت حينئذٍ شرائطَ الوجوب، فليس له منعُها،
"ح"(٤).
[١١٠٥٩] (قولُهُ: وإلاَّ) أي: إنْ لم يكن لها محرمٌ.
[١١٠٦٠] (قولُهُ: فهي مُحصَرةٌ) لعدمِ المحرم، فللزَّوجِ منعُها لعدم وجوب خروجه معها،
فكانت مُحصَرةً شرعاً.
[١١٠٦١] (قولُهُ: فلا تتحلَّلُ إِلاَّ بالهدى) أي: ليس له أن يُحلّلها من ساعته [٢/ق٤٨٣ /ب]
كما في حجِّ النفل، بل يتأخَّرُ تحليلُهُ إِيَّها إلى ذبح الهدي، وهذا أحدُ قولين، وعزاه في "المنسك
الكبير" إلى "الكرخيِّ" و"المبسوط "(٥)، وعزا إلى "الأصل"(٦): ((أَنَّ للزَّوج تحليلَها بلا هدي
كما في "شرح اللباب"(٧)))، فعلى رواية "الأصل" لا فرقَ بين النفل والفرض.
(١) المقولة [١٠٨٤٥] قوله: ((أو هلاك نفقة)).
(٢) "البحر": كتاب الحج - مسائل منثورة ٨١/٣.
(٣) "البحر": كتاب الحج - مسائل منثورة ٨٢/٣ .
(٤) "ح": كتاب الحج - باب الهدي ق ١٥٠/أ.
(٥) "المبسوط": كتاب المناسك - باب المحصر ١١١/٤ -١١٢.
(٦) "الأصل": كتاب المناسك - باب المحصر ٣٨٧/٢.
(٧) انظر "إرشاد الساري": باب الإحصار ــ فصل في بعث الهدي - تنبيه صـ٢٧٩ -.

قسم العبادات
٤٦٢
حاشية ابن عابدين
وكذا المكاتبةُ بخلاف الأمةِ إلَّ إذا أَذِنَ لأَمتِهِ فليس لزَوْجها منعُها.
(فروعٌ) حَجُّ الغنيِّ أفضلُ من حجِّ الفقير(١).
[١١٠٦٢] (قولُهُ: وكذا المكاتبةُ) لأنّها حرَّةٌ من وجهٍ، "ط" (٢).
[١١٠٦٣] (قولُهُ: بخلافِ الأَمَةِ) فله أنْ يرجعَ بعد الإذن؛ لأنّها ملَّكَها منافعَها وهي لا تَملِكُ،
فيكونُ الأمرُ إليه، "ط((٣). لكنّه يكرهُ كما مرَّ(٤).
[١١٠٦٤] (قولُهُ: إلاَّ إذا أَذِنَ) استثناءٌ منقطعٌ، "ط " (٥).
: [١١٠٦٥] (قولُهُ: فليس لزوجِها منعُها) وذلك لأَنَّها في تصرُّفِ السيِّد بعد زواجها، فيجوزُ
له أنْ يستخدمَها، ولا يجبُ عليه تَبْوِيَّتُها، "ط"(٦). وهذا أولى من قوله في "شرح اللباب"(٧):
((لعلَّ هذا إذا لم يُوِّئُها)).
[١١٠٦٦] (قولُهُ: حَجُّ الغنيِّ أفضلُ من حجِّ الفقيرِ) لأنَّ الفقير يؤدِّي الفرضَ من مكَّة،
(١) في "د" زيادة: ((قال السري عبد البرِّ بنُ الشحنة: بيان ذلك: أنَّ ذهاب الغنيِّ من بلده ــ وهو من توفرت
فيه شرائط الوجوب من حين خروجه من داره - فرضٌ؛ لوجوب الأداء عليه، والحج على الفقير لم يجب أداؤه،
فذهابه إلى مكة تطوع، وعبادة الفرض أفضل من عبادة التطوع.
قلت: وقد نصوا على أنّه لو صلَّى سنّة العشاء، التي بعدها أربعة فهي مستحبة، والسنة ركعتان فيلزم أن يكون
الركعتان أفضل؛ لأنَّ السنة أفضل من المستحب.
وأجابوا بأنّها داخلة فيها، فلا يبعد ذلك هنا لاشتماله على الفرض. أو نقول فيه كما قالوا في القراءة في الصلاة،
وأنَّ فرضها آية، ولو قرأ أكثر من ذلك كالفاتحة والسورة، وقع الكلُّ فرضاً ولو سُلّم فتختصُّ هذه الصورة فيما إذا
لم يُحرِمْ الفقير من دويرة أهله فإنّه حالٌّ إذ يكون مؤدياً الفرض، ولا يخفى أنَّ الفقير هنا ليس هو الفقير في باب
الزكاة على ما هو معروف في الفقه. انتهى. يعني أنَّ الفقير هنا مَنْ لا يقدر على الزاد والراحلة، سيد أحمد حموي
على "الأشباه")).
(٢) "ط": كتاب الحج - باب الهدي ٥٥٩/١.
(٣) "ط": کتاب الحج - باب الهدي ٥٥٩/١.
(٤) المقولة [٩٤٣٩] قوله: ((في مسجد بيتها)).
(٥) "ط": كتاب الحج - باب الهدي ٥٥٩/١.
. (٦) "ط": كتاب الحج - باب الهدي ٥٥٩/١.
(٧) انظر "إرشاد الساري": باب الإحصار صـ٢٧٥ -.

الجزء السابع
٤٦٣
باب الهدي
حجُّ الفرضِ أَولى من طاعةِ الوالدين بخلاف النَّفل. بناءُ الرِّباطِ أفضلُ من حجِّ
النَّفل، واختُلِفَ في الصَّدقة، ورجَّحَ في "البزَّازِيَّة" أفضليَّةَ الحجِّ لمشقّتِهِ في المال
والبدن جميعاً، قال: ((وبه أفتى "أبو حنيفة" حين حَجَّ وعرَفَ المشقّةَ)).
وهو متطوِّعٌ في ذهابه، وفضيلةُ الفرض أفضلُ من فضيلة التطوُّعٍ، "ح"(١) عن "المنح"(٢). وهذا إنما
يظهرُ في حجِّ الفرض كما قالَهُ "ط"(٣) وفيما إذا أحرما من الميقات، أمّا لو أحرما من بلدهما
فقد تساويا في وجوب الذّهاب.
[١١٠٦٧] (قولُهُ: حَجُّ الفرضِ أَولى من طاعةِ الوالدين) لأَنَّه لا طاعةً لمخلوق في معصية الخالق
سبحانه وتعالى، لكنْ هذا إذا لم يَضِيْعا بسفره؛ لِما قدَّمَهُ(٤) أوَّلَ الحجِّ أَنَّه يكرهُ بلا إذن ممن يجبُ
استئذانُهُ، أي: كأحدِ الأبوين المحتاج إلى خدمته، وقدَّمنا(٥) أنَّ الأجداد والجدَّات، كالأبوين
عند فَقْدِهما.
[١١٠٦٨] (قولُهُ: بخلافِ الَّفل) أي: فإنَّ طاعتَهما أَولى منه مطلقاً كما قدَّمناه(٦) عن "البحر"
عن "الملتقط".
مطلبٌ في تفضيل الحج على الصَّدَقة
[١١٠٦٩] (قولُهُ: ورجَّحَ في "البزَّازِيَّةُ"(٧) أفضلَّةً الحجِّ) حيث قال: ((الصدقةُ أفضلُ من الحجّ
(قولُهُ: أمَّا لو أحرَمَا من بلدِهما فقد تساويا إلخ) قد يقال بعدمِ النَّساوي فيما لو أحرَمَا من بلدهما؛
للفَرْقِ بين إيجاب الرَّبِّ والعبد، فذهابُ الغنيِّ من بلدِهِ بإيجابِ الربِّ وذهابُ الفقيرِ منها بإيجابه.
(١) "ح": كتاب الحج - باب الهدي ق ١٥٠/أ.
(٢) "المنح": كتاب الحج - باب الهدي ٢/ق ١١١/ب.
(٣) "ط": كتاب الحج - باب الهدي ٥٥٩/١.
(٤) ٤٥٧/٦ - ٤٥٨ "در".
(٥) المقولة [٩٥٥٩] قوله: ((ممن يجب استئذانه)).
(٦) المقولة [٩٥٥٩] قوله: ((ممن يجب استئذانه)).
(٧) "البزازية": كتاب الحج ١٠٧/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").

قسم العبادات
٤٦٤
حاشية ابن عابدين
تطوُّعاً، كذا رُوِيَ عن "الإِمام"، لكنّه لَمَّا حَجَّ وعرَفَ المشقّة أفتى بأنَّ الحجَّ أفضلُ، ومرادُهُ
أنّه لو حَجَّ نفلاً وأنفَقَ ألفاً فلو تصدَّقَ بهذه الألفِ على المحاويج فهو أفضلُ، لا أن يكونَ صدقةٌ
فَلْسِ أفضلَ من إنفاق ألفٍ في سبيل الله تعالى، والمشقّةُ في الحجَّ لَمَّا كانت عائدةً إلى المال والبدن
جميعاً فُضِّلَ في المختار على الصدقة)) اهـ.
قال "الرحمتيُّ" : ((والحقُّ التفصيلُ، فما كانت الحاجةُ فيه أكثرَ والمنفعةُ فيه أشملَ فهو
الأفضلُ كما ورَدَ: ((خَّةٌ أفضلُ من عشرِ غزواتٍ(١)))، وورَدَ عكسُهُ(٢)، فُيُحمَلُ على ما كان
أنفعَ، فإذا كان [٢/ق ٤٨٤/أ] أشجعَ وأنفعَ في الحرب فجهادُهُ أفضل من حجِّهِ، أو بالعكس
فحجُّهُ أفضلُ، وكذا بناءُ الرِّباط إن كان محتاجاً إليه كان أفضلَ من الصدقة وحجّ النفل، وإذا كان
الفقيرُ مضطرًّاً أو من أهل الصلاح أو من آل بيتِ النبيِّ ◌َّ فقد يكونُ إكرامُهُ أفضلَ من حجَّاتٍ
وعُمَرٍ وبناءِ رُبُطٍ كما حكى في "المسامرات"(٣) عن رجلٍ أرادَ الحجَّ، فحمَلَ ألف دينارٍ يتأهَّبُ
بها، فجاءته امرأةٌ في الطريق، وقالت له: إنّي من آل بيت النبيِّ : ﴿ وبي ضرورةٌ، فأفرَغَ لها
ما معه، فلمَّ رجع حُجَّاجُ بلده صار كلَّما لقي رجلاً منهم يقول له: تقبّلَ الله منك، فتعجَّبَ
من قولهم، فرأى النبيَّ ◌َطّ في نومه وقال له: تعجَّبتَ من قولهم: تقَّلَ الله منك؟ قال: نعم
٢٥٣/٢
(١) أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" (٣١٦٤)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٣٣٤/٤-٣٣٥ كتاب الحج - باب ركوب
البحر لحج أوعمرة أو غزو، وفي "شعب الإيمان" ١٢/٤ باب في الجهاد.
وأورده الهيثميّ في "المجمع" ٨١/٥ وعزاه إلى الطبرانيّ في "الكبير" و"الأوسط"، وفيه عبد الله بن صالح كاتب
اللّيث وهو ضعيف، والمنذريّ في "الترغيب والترهيب" ٢٩٠/٢، والسيوطيّ في "الجامع الصغير" ٥٦٩/١ (٣٦٧٨)
ورمز له بالحسن، وقال المناويّ في "فيض القدير"٣٧٤/٣: وسندُهُ لا بأس به. كلّهم من حديث عبد الله بن عمرو
ابن العاص رضي الله عنهما مرفوعاً.
(٢) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٣٣٥/٤ كتاب الحج - باب إمكان الحج، والطبراني في "الأوسط" (٣١٦٤)
كلاهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ رسول الله ◌َ﴿ قال: ((حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن
قد حج خير من عشر حجج))، وذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" ٣٠٥/٢، والهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢٨١/٥.
(٣) "محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار": ١٥١/٢، المنسوب للشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربيّ(ت٦٣٨هـ). ("كشف
الظنون" ١٦١٠/٢، "فوات الوفيات" ٤٣٥/٣).

الجزء السابع
٤٦٥
باب الهدي
الوَقْفةِ الجمعةِ مزيَّةُ سبعين حجَّةً، ويُغفَرُ فيها لكلِّ فردٍ بلا واسطةٍ
يا رسول الله، قال: ((إنَّ الله خَلَقَ مَلَكاً على صورتك حَجَّ عنك، وهو يحجُّ عنك إلى يوم
القيامة بإكرامك لامرأةٍ مضطرَّةٍ من آل بيتي))، فانظر إلى هذا الإكرامِ الذي نالَهُ، لم يَنَلْهُ
بحجَّاتٍ ولا ببناءِ رُبْطٍ)).
مطلبٌ في فَضْل وقفة الجُمُعة
[١١٠٧٠] (قولُهُ: لَوَقْفَةِ الجمعة إلخ) في "الشرنبلاليّة"(١) عن "الزيلعيّ"(٢): ((أفضلُ الأَيَّام يومُ
عرفة إذا وافَقَ يومَ الجمعة، وهو أفضلُ من سبعين حجَّةٌ في غير جمعةٍ))، رواهُ "رَزِيْنُ بن معاوية"
في "تجريد الصحاح"(٣))) اهـ.
لكنْ نَقَلَ "المناويُّ(٤) عن بعضِ الحفّاظ: ((أَنَّ هذا حديثٌ باطلٌ لا أصلَ له))، نعم ذكَرَ
"الغزاليُّ" في "الإِحياء"(٥): ((قال بعضُ السَّلف: إذا وافَقَ يومُ عرفة يومَ جمعةٍ غُفِرَ لكلِّ أهلٍ عرفة،
وهو أفضلُ يومٍ في الدنيا، وفيه حَجَّ رسولُ الله ◌ِوَ لَّ حِجَّةَ الوداع، وكان واقفاً إذ نزَلَ قوله:
﴿اَلْيَّوْمَ أَكَمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ [المائدة - ٣]، فقال أهل الكتاب: لو أُنزِلَتْ
هذه الآية علينا لجعلناه يومَ عيدٍ، فقال "عمر" رضي الله عنه: أشهدُ لقد أُنزِلَتْ في يومٍ عيدين اثنين:
يومٍ عرفةَ ويومٍ جمعةٍ على رسول الله (﴿ وهو واقفٌ بعرفةً)) اهـ.
[١١٠٧١] (قولُهُ: بلا واسطةٍ) في "المنسك الكبير" لـ "السنديّ": ((فإنْ قيل: قد ورَدَ أَنَّه يَغْفِرُ
لجميعِ أهل الموقف مطلقاً (٦)، فما وجهُ تخصيص ذلك بيوم الجمعة؟ قيل: لأنّه يَغْفِرُ يومَ الجمعة
(١) "الشرنبلالية": كتاب الحج ٢٢٦/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب الإحرام ٢٦/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) تقدم تخريجه صـ ١١٠ -.
(٤) "فيض القدير": ٢٨/١.
(٥) "إحياء علوم الدين": كتاب أسرار الحج - الفصل الأول في فضائل الحج ٣٦١/١.
(٦) انظر "إحياء علوم الدين": ٣٦١/١ كتاب أسرار الحج.
.

قسم العبادات
٤٦٦
حاشية ابن عابدين
ضاق وقتُ العشاء والوقوفِ يَدَعُ الصَّلاةَ ويذهبُ لعرفةَ للحرج. هل الحجُّ يُكفِّرُ
الكبائرَ؟
بلا واسطةٍ، وفي غيره يَهَبُ قوماً لقومٍ، وقيل: [٢/ق ٤٨٤ /ب] إِنَّه يَغْفِرُ في وقفةِ الجمعة للحاجّ
وغيره، وفي غيره للحاجّ فقط، فإنْ قيل: قد يكونُ في الموقف مَن لا يُقبَلُ حتُّهُ، فكيف يَغْفِرُ له؟
قيل: يُحتمَلُ أن تُغْفَرَ له الذُّنوبُ ولا يُتابَ ثوابَ الحجِّ المبرور، فالمغفرةُ غيرُ مقَيَّدةٍ بالقبول، والذي
يُوجِبُ هذا أنَّ الأحاديث ورَدَتْ بالمغفرة لجميع أهل الموقف، فلا بدَّ من هذا القيدِ))، والله أعلم.
مطلبٌ في الحج الأكبر
( تتمَّةٌ )
قال العلاَّمة "نوح" في رسالته المصنّفة في تحقيق الحجِّ الأكبر(١): ((قيل: إنَّه الذي حَجَّ فيه
رسول الله ﴿ه وهو المشهورُ، وقيل: يومُ عرفة جمعةً أو غيرَها، وإليه ذهَبَ "ابن عبّاسٍ" و"ابن
عمر" و"ابن الزُّبِير" وغيرُهم، وقيل: يومُ النَّحر، وإليه ذهَبَ "عليٌّ" و"ابنُ أبي أوفى" و"المغيرةُ
ابن شعبة"، وقيل: إنَّه أَيَّامُ منى كلُّها، وهو قولُ "مجاهدٍ" و"سفيان الثوريِّ"، وقال "مجاهدّ":
الحجُّ الأكبرُ القِرانُ، والأصغرُ الإفراد، وقال "الزُّهريُّ" و"الشعبيُّ" و"عطاء": الأكبرُ الحجُّ
والأصغرُ العمرة)).
[١١٠٧٢) (قولُهُ: ضاقَ وقتُ العشاءِ والوقوفِ) بأنْ كان لو مكَثَ ليصلّيَ العشاءَ في الطريق
يطلعُ الفجر قبل وصوله إلى عرفةَ، ولو ذهَبَ ووقَفَ يَقُوتُ وقت العشاء.
[١١٠٧٣) (قولُهُ: يدعُ الصلاةَ إلخ) مشى عليه في "السِّراج"، واختار في "شرح اللباب"(٢)
عكسَهُ؛ لأنَّ تأخير الوقوف لعذرٍ مع إمكان التدارُكِ في العام القابل جائزٌ، وليس في الشَّرع تركُ
فرضٍ حاضرٍ لتحصيلِ فرضٍ آخرَ، قال: ((وهذا هو الظاهرُ المتبادرُ من الأدلَّةِ النقليّةِ والعقلِيَّة،
(١) لعلها "أشرف المسالك في المناسك": لنوح بن مصطفى الروميّ القونويّ(ت ١٠٧٠ هـ). ("إيضاح المكنون" ٨٧/١،
"خلاصة الأثر" ٤٥٨/٤).
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب أحكام المزدلفة صـ١٤٥ - بتصرف.

الجزء السابع
٤٦٧
باب الهدي
قيل: نعم كحربيٍّ أسلَمَ، وقيل: غيرَ المتعلّقةِ بالآدميِّ كذمِّيٌّ أسلَمَ، وقال "عياضٌ":
أَجَمَعَ أهلُ السنّة أنَّ الكبائر لا يُكفِّرُها إلاَّ النَّوبة، ولا قائلَ بسقوط الدَّين ولو حقّاً
لله تعالى كدَّيْنِ صلاةٍ وزكاةٍ، نعم إثمُ المَطْلِ وتأخيرِ الصلاة ونحوِها يَسقُطُ،
وهذا معنى التّكفيرِ على القول به، وحديثُ "ابن ماجه" أَنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام
((استُجِيْبَ له حتَّى في الدِّماء والمظالِمِ)).
وهو مختارُ "الرافعيِّ" خلافاً لـ "النوويّ" من الأئمّة الشافعيّة، وقال صاحب "النّخبة": يصلّي ماشياً
مُومِياً على قولِ مَن يراه، ثمَّ يقضيه احتياطاً، قال: وهذا قولٌ حسنٌ وجمعٌ مستحسنٌ)) اهـ.
مطلبٌ في تكفير الحج الكبائر
[١١٠٧٤] (قولُهُ: قيل نعم إلخ) أي: لحديثِ "ابن ماجه" في "سنته" المرويِّ عن "عبد الله بن
كنانةَ بِن عبّاسٍ بن مرداسٍ": أنَّ أباه أخبَرَهُ عن أبيه أنَّ رسول الـهِ وَ ﴿ِ «دعا لأَمَّتِهِ عشيَّةً عرفة،
فأجيبَ: إني قد غفرتُ لهم ما خلا المظالِمَ، فإنّي آخُذُ للمظلومِ منه، فقال: أَيْ ربِّ، إن شئتَ
أعطيتَ المظلوم الجنَّةَ وغفرتَ للظالم، فلم يُحَبْ عشيَّةَ عرفة، فلمَّا أصبَحَ بالمزدلفة أعادَ الدُّعاءَ،
فأجيب إلى ما سأل)) الحديثَ(١)، وقال "ابن حبَّان"(٢) [٢/ق ٤٨٥ / أ]: ((إِنَّ "كنانة" رَوَى عنه ابنُهُ،
منكرُ الحديث، وكلاهما ساقطا الاحتجاج))، وقال "البيهقيُّ": ((هذا الحديث له شواهدُ كثيرةٌ
ذكرناها في كتابِ "الشُّعب" (٣)، فإِنْ صَحَّ بشواهده ففيه الحجَّةُ، وإلاَّ فقد قال تعالى:
(قولُهُ: أي: لحديثِ "ابن ماجه" في "سنته" إلخ) أصلُ الدَّعوى في تكفيرِ الكبائر بالحجِّ، والحديثُ
إنما دلَّ على التَّكفير بواسطةِ دعائه، فلم يَظهَرْ صحَّةُ الاستدلالِ به عليها.
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٠١٣) كتاب المناسك - باب الدعاء بعرفة.
وأخرجه أحمد ١٤/٤، وأبو داود (٥٢٣٤) كتاب الأدب - باب في الرجل يقول للرجل: أضحك الله سِنِّك،
وأبو يعلى (١٥٧٨)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١١٨/٥ كتاب الحج - باب ما جاء في فضل عرفة،
وفي "شعب الإيمان" ٣٠٥/١ (٣٤٦) فصل في القصاص من المظالم، كلّهم من حديث عبد الله بن كنانة،
وكلاهما ضعيفان، كما بيّنه ابن عابدين في المقولة [١١٠٧٥] قوله: ((ضعيف)).
(٢) في "المجروحين": ٢٢٩/٢.
(٣) "شعب الإيمان": ٣٠٥/١ (٣٤٦) فصل في القصاص من المظالم.

قسم العبادات
٤٦٨
حاشية ابن عابدين
﴿وَيَغْفِرُمَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء - ٤٨ ]، وظلمُ بعضهم بعضاً دون الشِّرك)) اهـ.
وروى "ابن المبارك" أَنَّهَ﴿ّ قال: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد غفَرَ لأهل عرفاتٍ وأهلِ المشعر
وضَمِنَ عنهم الِّعات))، فقام "عمر" فقال: يا رسول الله، هذا لنا خاصَّةً؟ قال: ((هذا لكم ولِمَن
أتى من بعدِكم إلى يومِ القيامة))، فقال "عمر"رَظُهُ: كَثُرَ خيرُ ربِّنا وطابَ(١)، وتمامُهُ في "الفتح"(٢)،
وساق فیه أحادیث ◌ُخر.
والحاصلُ: أَنَّ حديث "ابن ماجه" وإن ضُعِّفَ فله شواهدُ تصحِّحُهُ، والآيةُ أيضاً تؤيِّدُهُ، ومما
يشهدُ له أيضاً حديثُ "البخاريّ" مرفوعاً: ((مَن حَجَّ فلم يَرفُثْ ولم يَفْسُقْ رجَعَ من ذنوبه كيومٍ
ولدته أمُّه(٣)، وحديثُ "مسلم" مرفوعاً: ((إنَّ الإسلام يَهدِمُ ما كان قبله (٤)، وإِنَّ الهجرة تَهدِمُ
ما كان قبلها، وإِنَّ الحجَّ يَهدِمُ ما كان قبله))، لكنْ ذكّرَ "الأكملُ" في "شرح المشارق"(٥) في هذا
الحديثِ: ((أنَّ الحربيَّ تَحْبَطُ ذنوبُهُ كُلُّها بالإسلامِ والهجرة والحجِّ، حتّى لو قَتَلَ وأخَذَ المال
وأحرَزَهُ بدارِ الحرب ثمَّ أسلَمَ لم يؤاخذ بشيءٍ من ذلك، وعلى هذا كان الإِسلامُ كافياً
في تحصيل مراده، ولكنْ ذكَرَ﴿ الهجرةَ والحجَّ تأكيداً في بشارته وترغيباً في مبايعته،
٢٥٤/٢
(قولُهُ: والآيةُ أيضاً تؤيِّدُهُ إلخ) فيه أنَّ الآية الكريمة إنما أفادَتْ أنَّ غُفْرانَ ما دون الشِّرك موكولٌ للمشيئة،
ولم تُفِدْ ما أفادَهُ الحديثُ مِن تحقَّقِ المغفرة للأمّةِ حَتَّى في النَّبِعاتِ، إلَّ إذا حُمِلَ الماضي في الحديث
على المستقبل ففيها حينئذٍ نوعُ تأييدٍ، نعم يُؤخَذُ من دلالةِ الآية الظاهرةِ غلبةَ الرَّجاء في عموم المغفرة.
(١) أخرجه ابن عبد البرّ في "التمهيد" ١٢٨/١.
(٢) انظر "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧٤/٢-٣٧٥.
(٣) تقدّم تخريجه صـ ١٧٠ -.
(٤) تقدّم تخريجه ٤٦٥/٤.
(٥) المسمى "تحفة الأبرار في شرح مشارق الأنوار للصغاني": لأبي عبد الله محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين
الروميّ البابرتيّ (ت ٧٨٦هـ). ("كشف الظنون" ١٦٨٨/٢، "الفوائد البهية" صـ١٩٥-).

الجزء السابع
٤٦٩
باب الهدي
فإِنَّ الهجرة والحجَّ لا يُكفّران المظالِمَ ولا يُقطَعُ فيهما بِمَحْوِ الكبائر، وإنما يكفّران الصغائرَ، ويجوزُ
أن يقال: والكبائرَ التي ليست من حقوقِ أحدٍ كإسلامِ الذمِِّّ) اهـ ملخّصاً.
وهكذا ذكَرَ الإِمام "الطيبيُّ" في "شرحه"(١)، وقال: ((إِنَّ الشارحين أَتَّفقوا عليه))، وهكذا
ذكَرَ "النوويُّ)(٢) و"القرطبيُّ(٣) في "شرح مسلمٍ" كما في "البحر"(٤)، وفي "شرح اللباب" (٥).
((ومشى "الطيبيُّ" على أنَّ الحجَّ يَهدِمُ الكبائر والمظالِمَ، ووقَعَ منازعةٌ غريبةٌ بين "أمير بادشاه"(٦)
من الحنفيَّة - حيث مالَ إلى قول "الطيبيِّ" - وبين الشيخ "ابن حجرٍ المكّيِّ" من الشافعيّة، وقد مالَ
إلی قول الجمهور، و كتبت رسالةً(٧) في بیان هذه المسألة)) [٢/ق٤٨٥ /ب] اهـ.
قلت: وظاهرُ كلام "الفتح"(٨) الميلُ إلى تكفيرِ المظالِمِ أيضاً، وعليه مشى الإمامُ "السرخسيُّ"
في "شرح السِّير الكبير"(٩)، وقاس عليه الشَّهيدَ الصابر المحتسب، وعزاه أيضاً "المناويُّ"(١٠)
(قولُهُ: ومَشَى "الطيبيُّ" على أنَّ الحجَّ يَهدِمُ الكبائرَ إلخ) ما عَزَى لـ "الطيبيِّ" و"القرطبيّ": (( من
أنَّ الحجَّ يَهدِمُ الكبائرَ والمظالِمَ)) يُنافي ما نقَلَهُ عنهما أوَّلاً من عدمٍ تكفيرِهِ لها، فقد اختلَفَ النَّقْلُ عنهما.
(١) المسمى "الكاشف عن حقائق السنن في شرح مصابيح السنة للبغوي": للحسين بن محمد بن عبد الله، شرف الدين
الطيبي (ت٧٤٣هـ). ("كشف الظنون" ١٧٠٠/٢، وهو فيها ((الحسن بن محمد))، "الدرر الكامنة" ٦٨/٢).
(٢) "شرح صحيح مسلم": كتاب الطهارة - باب صفة الوضوء وكماله ١٠٦/٣ - ١٠٧.
(٣) "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم": كتاب الطهارة - باب فضل تحسين الوضوء ٤٩٢/١.
(٤) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٤/٢.
(٥) انظر "إرشاد الساري" : باب المتفرقات صـ٣٢١ -.
(٦) محمد أمين بن محمود المعروف بأمير بادشاه البخاريّ (المتوفّى في حدود ٩٧٢هـ، وقيل: ٩٨٧). ("الأعلام" ٤١/٦).
(٧) سمّاها "الذخيرة الكثيرة في رجاء مغفرة الكبيرة" لملّ عليّ بن سلطان محمد، نور الدين القاري الهَرَويّ ثم المكّيّ
(ت ١٠١٤ هـ). ("إيضاح المكنون" ٥٤١/١، "التعليقات السنّة على الفوائد البهية" صـ ٨-).
(٨) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧٥/٢.
(٩) "شرح السير الكبير": فضيلة الرباط ٩/١.
(١٠) "فيض القدير": ١١٥/٦.

قسم العبادات
٤٧٠
حاشية ابن عابدين
إلى "القرطبيِّ"(١) في شرح حديث: ((مَن حَجَّ فلم يَرفُث إلخ)) فقال: ((وهو يشملُ الكبائرَ
والتّعاتِ، وإليه ذهَبَ "القرطبيُّ"، وقال "عياضٌ)(٢): هو محمولٌ بالنّسبة إلى المظالِمِ على مَن تابَ
وعجَزَ عن وفائها، وقال "الترمذيُّ"(٣): هو مخصوصٌ بالمعاصي المتعلّقةِ بحقِّ الله تعالى لا العبادِ،
ولا يسقطُ الحقُّ نفسُهُ، بل مَن عليه صلاةٌ يسقطُ عنه إِثْمُ تأخيرِها لا نفسُها، فلو أخَّرَها بعده تجدَّدَ
إثمّ آخر)) اهـ. ونحوُهُ في "البحر "(٤).
وحقّقَ ذلك "البرهان اللَّقَانِيُّ" في "شرحه الكبير" على "جوهرة التوحيد": ((بأنَّ قوله ◌ِ لّ:
(( خرَجَ من ذنوبه)) لا يتناولُ حقوق الله تعالى وحقوقَ عباده؛ لأَنّها في الذّمَّةِ ليست ذنباً، وإِنما
الذَّنبُ المَطْلُ فيها، فالذي يَسقُطُ إثمُ مخالفة الله تعالى فقط)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ تأخير الدَّين وغيره وتأخيرَ نحوِ الصلاة والزَّكاة من حقوقه تعالى، فيسقطُ إِثمُ
التأخير فقط عمَّ مضى دون الأصل ودون التأخير المستقبل، قال في "البحر"(*): ((فليس معنى
التكفيرِ - كما يتوهَّمُهُ كثيرٌ من الناس - أنَّ الدَّين يَسقُطُ عنه، وكذا قضاءُ الصلاة والصوم والزَّكاة؛
إذ لم يقل أحدٌ بذلك)) اهـ.
وبهذا ظهَرَ أنَّ قول "الشارح": ((كحربيٌّ أسلَمَ)) في غير محلِّهِ لاقتضائه - كما قال "ح"(٦) .
سقوطَ نفسِ الحقِّ، ولا قائلَ به كما علمتَهُ، بل هذا الحكمُ يخصُّ الحربيَّ كما مرَّ(٧) عن "الأكمل".
(١) "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم": كتاب الحج - باب ثواب الحج والعمرة ٤٦٤/٣.
(٢) عبارة المناوي: ((وإليه ذهب القرطبي وعياض، لكن قال الطبري: هو محمول بالنسبة ... )) ولم نعثر على النقل
في: "إكمال المُعلِم" للقاضي عياض.
(٣) لم نجده في "سنن الترمذي"، ولعله الحكيم الترمذي، له كتاب "شرح الصلاة"، انظر "طبقات السبكي" ٢٦٤/٢.
(٤) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٣/٢ - ٣٦٤.
(٥) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٤/٢ بتصرف يسير.
(٦) "ح": کتاب الحج - باب الهدي ق ١٥٠/أ - ب.
(٧) في هذه المقولة.

الجزء السابع
٤٧١
باب الهدي
قلت: قد يقال بسقوطِ نفس الحقِّ إذا مات قبل القدرة على أدائه، سواءٌ كان حقَّ الله تعالى
أو حقَّ عباده وليس في تَرِكته ما يفي به؛ لأَنّه إذا سقَطَ إثمُ التأخير ولم يتحقَّقْ منه إثمٌ بعده
فلا مانعَ من سقوط نفس الحقِّ، أمَّا حقُّ الله تعالى فظاهرٌ، وأمَّا حقُّ العبد فالله تعالى يُرضي خصمَهُ
عنه كما مرَّ(١) في الحديث.
والظاهرُ: أنَّ هذا هو مرادُ القائلين بتكفيرِ المظالِمِ أيضاً، وإلاّ لم يَبْقَ للقول بتكفيرِها محلٌّ،
على أنَّ نفس مَطْلِ الدَّين حقُّ عبدٍ أيضاً؛ لأنَّ فيه جنايةً عليه بتأخيرِ حقّه عنه، فحيث قالوا
بسقوطه فلْيُسقُطْ نفسُ الدَّين أيضاً عند العجز كما تقدَّمَ(٢) عن "عياضٍ"، لكنَّ تقييد "عياضٍ"
بالتوبة والعجز غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّ التوبة مكفّرةٌ بنفسها، وهي إنما [٢/ق ٦ ٤٨/أ] تُسقِطُ حقَّ الله تعالى
لا حقَّ العبد، فتعيَّنَ كونُ المُسقِطِ هو الحجَّ كما اقتضته الأحاديثُ المارَّة، وأمَّا أَنَّه لا قائلَ بسقوط
الدَّين فنقول: نعم ذلك عند القدرةِ عليه بعد الحجِّ، وعليه يُحمَلُ كلام الشارحين الماءُّ(٣)، وحينئذٍ
صحَّ قولُ "الشارح": ((كحربيٌّ أُسلّمَ)) بهذا الاعتبارِ، فافهم.
ثُمَّ اعلم أنَّ تجويزهم تكفيرَ الكبائر بالهجرةِ والحجِّمُنافٍ لنقل "عياضِ" الإجماعَ على أَنَّه
لا يُكَفِّرُها إلاَّ التوبة، ولا سيَّما على القول بتكفير المظالِمِ أيضاً، بل القولُ بتكفير إثمِ المَطْل وتسأخيرٍ
الصلاة يُنافيه؛ لأَنّه كبيرةٌ، وقد كفَّرَها الحجُّ بلا توبةٍ، وكذا يُنافيه عمومُ قوله تعالى:
﴿ وَيَغْفِرُمَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [ النساء - ٤٨]، وهو اعتقادُ أهلِ الحقِّ أنَّ مَن مات مُصِرَّاً
على الكبائر كلِّها سوى الكفرِ فإنَّه قد يُعفَى عنه بشفاعةٍ أو بمحضِ الفضل.
والحاصلُ - كما في "البحر"(٤) - : ((أَنَّ المسألة ظنيَّةٌ، فلا يُقطَعُ بتكفيرِ الحجِّ للكبائر
(١) في هذه المقولة.
(٢) في هذه المقولة.
(٣) في هذه المقولة.
(٤) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٤/٢.

· قسم العبادات
٤٧٢
حاشية ابن عابدين
ضعيفٌ. يُندَبُ دخولُ البيت إذا لم يَشتمِلْ على إيذاءِ نفسِهِ أوغيرِهِ، وما يقولُهُ
العوامُّ من العُروةِ الوُثقى والمسمارِ الذي في وسطه: إنّه سُرَّةُ الدنيا لا أصل له ......
من حقوقِهِ تعالى فضلاً عن حقوق العباد))، والله تعالى أعلم.
[١١٠٧٥] (قولُهُ: ضعيفٌ) أي: بـ "كنانةً" واينِهِ "عبدِ الله"، فإنَّهما ساقطا الاحتجاجِ
كما مرَّ(١)، لا بأبيه "العبّاس بن مرداسٍ" كما وقَعَ في "البحر "(٢)، فإنّ صحابيِّ، والصحابةُ كلُّهم
عدولٌ کما بیِّنَ في محلّه، فافهم.
مطلب في دخول البيت
[١١٠٧٦] (قولُهُ: يُندَبُ دخولُ البيت) وينبغي أنْ يقصدَ مصلاَّهُ ﴿، وكان "ابن عمر"
إذا دخَلَهُ مشى قِبَلَ وجهه، وجعَلَ البابَ قِبَلَ ظهره حتّى يكونَ بينه وبين الجدار الذي قِبَلَ وجهه
قريبٌ من ثلاثةِ أذرعٍ، ثمَّ يصلّي يَتَوَخَّى مُصَلَّى رسول الله وَّ(٣)، وليست البلاطةُ الخضراءُ بين
العمودين مصلاَّهُ عليه السلام، فإذا صلّى إلى الجدار المذكور يضعُ خدَّهُ عليه ويَستغفِرُ ويَحمَدُ،
ثُمَّ يأتي الأركانَ فَيَحمَدُ، ويهلِّلُ، ويسبِّحُ، ويكبِّرُ، ويسألُ الله تعالى ما شاء، ويلزمُ الأدبَ
ما استطاع بظاهرِهِ وباطنه، "فتح"(٤).
[١١٠٧٧] (قولُهُ: إذا لم يَشتمِلْ إلخ) ومثلُهُ - فيما يظهرُ - دفعُ الرِّشوة على دخوله لقوله
(قولُ "الشارح": العُرْوةِ الوُثْقى) موضعٌ عالٍ في جدارِ البيت.
(١) في المقولة السابقة.
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٣/٢.
(٣) أخرجه البخاريّ (٥٠٦) كتاب الصلاة - باب الصلاة بين السواري في غير جماعة، و(١٥٩٩) كتاب الحج - باب
الصلاة في الكعبة.
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ٨١/٥ برقم (٩٠٦٥)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٥٧/٥ كتاب الحج - باب
دخول البيت والصلاة فيه.
(٤) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام، وهذه فروع تتعلق بالطواف ٣٩١/٢ باختصار.

الجزء السابع
٤٧٣
باب الهدي
ولا يجوزُ شراءُ الكسوة من بني شيبةً بل من الإمام أو نائبه، وله لُبْسُها ولو جُنُباً
أو حائضاً. لا يُقْتَلُ في الحرم.
في "شرح اللباب"(١): ((وَيَحرُمُ أخذُ الأجرة ممن يدخلُ البيتَ أو يَقصِدُ زيارة مقام إبراهيم عليه
السلام بلا خلافٍ بين علماء الإسلام وأئمَّةِ الأنام كما صرَّحَ به في "البحر"(٢) وغيره)) اهـ.
وقد صرَّحُوا بأنَّ ما حَرُمَ أخذُهُ حَرُمَ دفعه إلاّ لضرورةٍ، ولا ضرورةَ هنا؛ لأنَّ دخول البيت
٢٥٥/٢ ليس مِن مناسكِ الحجِّ.
مطلبٌ في استعمال كِسْوة الكعبة
[١١٠٧٨] (قولُهُ: ولا يجوزُ إلخ) قيل: ذكَرَ [٢/ق ٤٨٦/ب] "المرشديُّ" في "تذكرته"(٣)
ما نصُّهُ: ((قال العلاَّمة "قطبُ الدين الحنفيُّ": والذي يظهرُ لي أنَّ الكسوة إنْ كانت من قِبَلِ
السلطان من بيتِ المال فأمرُها راجعٌ إليه، يُعطيها لِمَن شاء من الشَّيْسِين أو غيرهم، وإنْ كانت
من أوقافِ السلاطين وغيرِهم فأمرُها راجعٌ إلى شرطِ الواقف فيها عمل فيها، فهي لِمَن عيَّنَها
له، وإِنْ جُهِلَ شرطُ الواقف فيها عُمِلَ فيها بما حَرَتْ به العوائدُ السَّالفة كما هو الحكمُ
في سائرِ الأوقاف، وكسوة الكعبة الشريفة الآنَ من أوقاف السلاطين، ولم يُعلَمْ شرطُ الواقف
فيها، وقد جَرَتْ عادة بني شيبةً أنَّهم يأخذون لأنفسهم الكسوةَ العتيقة بعد وصولِ الكسوة
الجديدة، فَيَبْقَون على عادتهم فيها، والله أعلم)).
[١١٠٧٩] (قولُهُ: وله لُبْسُها) أي: للشَّاري إنْ كان امرأةً، أو كان رجلاً وكانت الكسوةُ
من غيرِ الحرير كما في "شرح اللباب" (٤)، ونقَلَ بعض المحشِّين عن "المنسك الكبير" لـ "السنديّ"
(١) انظر "إرشاد الساري": باب المتفرقات - فصل يستحب دخول البيت صـ٣٣١ _-.
(٢) أي: "البحر الزاخر" كما في "إرشاد الساري".
(٣) "التذكرة في الفتاوى": لأبي الوجاهة عبد الرحمن بن عيسى بن مرشد العمري المرشدي (ت١٠٣٧ هـ). ("فهرس
مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ١٩٤/١، "خلاصة الأثر" ٣٦٩/٢، "الأعلام" ٣٢١/٣).
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب المتفرقات - فصل: أمرُ كسوة الكعبة صـ٣٣٠ __.

قسم العبادات
٤٧٤
حاشية ابن عابدين
إلاَّ إذا قَتَلَ فيه، ..
تقييدَ ذلك أيضاً بما إذا لم تكن عليها كتابةٌ لا سيَّما كلمةُ التوحيد.
مطلبٌ فیمن جَنَی في غير الحرم ثم التجأ إليه
[١١٠٨٠] (قولُهُ: إلاَّ إذا قَلَ فيه) وإلاَّ المرتدُّ، فإِنَّه يُعرَضُ عليه الإِسلامُ، فإنْ أسلَمَ سَلِمَ
وإلاَّ قُتِلَ، كذا في "شرح الشيخ إسماعيل"(١) عن "المنتقى"، لكنَّ عبارة "اللباب"(٢) هكذا: ((مَن
جَنَى في غيرِ الحرم - بأنْ قَتَلَ، أو ارتَدَّ، أو زَنَى، أو شرب الخمر، أو فعَلَ غيرَ ذلك مما يُوجِبُ
الحدَّ - ثمَّ لاَذَ إليه لا يُتُعرَّضُ له ما دامَ في الحرم، ولكن لا يُبَيَعُ ولا يُؤْاكَلُ ولا يُحالَسُ ولا يُؤْوَى
إلى أنْ يَخرُجَ منه فُيُقْتَصُّ منه، وإِنْ فَعَلَ شيئاً من ذلك في الحرمٍ يُقامُ عليه الحدُّ فيه، ومن دخَلَ
الحرم مقاتلاً قُتِلَ فيه)) اهـ.
وكذا سيأتي(٣) في "المتن" قبيل باب القَوَد من الجنايات: ((مباحُ الدَّم التجّأَّ إلى الحرم لم يُقْتَل
فيه، ولم يُخرَجْ عنه للقتل إلخ))، زاد "الشارح" هناك: ((وأمَّا فيما دون النّفْسِ فُيُقْتَصُّ منه
في الحرمِ إجماعاً)) اهـ. ونقَلَ في "شرح اللباب"(٤) عن "النَّف"(٥) مثلَ ما مرَّ عن "المنتقى"
من التفصيلٍ وقال: ((إِنَّه مخالفٌ بظاهرِهِ لإطلاقهم))، ثمَّ أجابَ بتقييدِ إطلاقهم عدمَ قتِلِهِ بما إذا
لم يحصل عرضٌ وإباءٌ؛ لأنَّ إباءِه عن الإسلامِ جنايةٌ في الحرم، وذكَرَ أيضاً(٦) عن "الخانّة)(٧)
عن "أبي حنيفة": ((لا تُقطَعُ يِدُ السَّارق في الحرم خلافاً لهما)) اهـ.
(١) "الإحكام": کتاب الحج - باب زيارته﴾ ٢/ ق ٢١٩/ب.
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب المتفرقات - فصل: مَنْ جَنَّى في غير الحرم صـ٣٢٧ -.
(٣) انظر المقولة [٣٤٩٢١] قوله: ((مباح الدم)).
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب المتفرقات - فصل: مَنْ جَنَّى في غير الحرم صـ٣٢٧.ــ.
(٥) "الَّتَف" للسغدي: كتاب المناسك - ما لا يُفعل في الحرم ٢٢٣/١.
(٦) أي: صاحب "شرح اللباب".
(٧) "الخانية": كتاب الحج - فصل في المقطعات ٣١٤/١ (هامش "الفتاوى الهندية").

الجزء السابع
٤٧٥
باب الهدي
ولو قتَلَ في البيت لا يُقتَلُ فيه. يكرهُ الاستنجاءُ بماء زمزمَ لا الاغتسالُ
قلت: وتمامُ عبارة "الخانَيَّة": ((وإِنْ فعَلَ شيئاً من ذلك في الحرم يقامُ عليه الحدُّ فيه)) فأفاد
كلامُ "الخانَيَّة" وكلامُ "اللباب" المارُّ أنَّ الحدود لا تُقَامُ في الحرم على مَن جَنَى خارجه ثمَّ لجأ إليه
ولو كان ذلك فيما دون النّفْس، بخلاف ما إذا كانت [٢/ق ٤٨٧ /أ] الجنايةُ فيه، وعلى هذا فُيُفرَّقُ
فيما دون النّفْس بين إقامةِ الحدِّ وبين القصاص من حيث إنَّ الحدَّ فيه لا يُقامُ في الحرم إلاّ إذا كانت
الجنايةُ فيه بخلافِ القصاص، ولعلَّ وجهَ الفرق ما صرَّحُوا به من أنَّ الأطراف يُسلَكُ بها مسلكُ
الأموال، ومَن جَنَى على المالِ إذا لَحَأ إلى الحرم يُؤْخَذُ منه؛ لأَّه حقُّ العبد، فكذا يُقْتَصُّ منه
في الأطرافِ بخلاف الحدِّ؛ لأنّه حقُّ الربِّ تعالى، وبخلاف القصاص في النَّفْس؛ لأَنَّه ليس بمنزلةٍ
المال، وأمَّا ما في "صحيح البخاريِّ" من قطعِهِ وَ﴿ّ عام الفتح يدَ "المخزوميَّة" بمكّةً(١) فلا يُنافي
ما قلناه، إلاّ إذا ثبَتَ أَنَّها سرقت خارج الحرم، والله تعالى أعلم.
[١١٠٨١] (قولُهُ: لا يُقتَلُ فيه) لأنَّ فيه تقديرَ البيت الشريف، وقد أمَرَ الله تعالى بتطهيره،
وكذا الحكمُ في سائر المسجد؛ لأَنَّه يجبُ تطهيرُهُ عن الأقذار، "رحمتي".
قلت: إنْ كانت هذه هي العلّةَ فهي شاملةٌ لكلِّ مسجدٍ.
مطلبٌ في كراهية الاستنجاء بماء زمزم
[١١٠٨٢] (قولُهُ: يكرهُ الاستنجاءُ بماء زمزم) وكذا إزالةُ النَّحاسةِ الحقيقيَّةِ من ثوبه أو بدنه،
(١) أخرجه البخاريّ (٦٧٨٧) كتاب الحدود - باب إقامة الحدود على الشريف والوضيع، و(٦٧٨٨) باب كراهية
الشفاعة في الحدِّ إذا رفع إلى السلطان، ومسلم (١٦٨٨)(٨) كتاب الحدود - باب قطع السارق الشريف وغيره
والنهي عن الشفاعة في الحدود، وأبو داود (٤٣٧٣) كتاب الحدود - باب في الحدِّ يشفع فيه، والترمذيّ (١٤٣٠)
كتاب الحدود - باب ما جاء في كراهية أن يشفع في الحدود، والنّسائيّ ٧٣/٨-٧٤ كتاب قطع السارق - باب ذكر
اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر الزهريّ في المخزومية التي سرقت، وابن ماجه (٢٥٤٧) كتاب الحدود - باب الشفاعة
في الحدود، والدارميّ ٦١٥/٢ كتاب الحدود - باب الشفاعة في الحدود دون السلطان. كُلُّهم من حديث عائشة
رضي الله عنها مرفوعاً، وفي الباب عن ابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة ﴾.

قسم العبادات
٤٧٦
حاشية ابن عابدين
لا حَرَمَ للمدينةِ عندنا، ومكّةٌ أفضلُ منها.
حتّى ذَكَرَ بعضُ العلماء تحريمَ ذلك، ويُستحَبُّ حملُهُ إلى البلاد، فقد روى "الترمذيُّ)(١)
عن "عائشة" رضي الله عنها: ((أَنَّهَا كانَتْ تحملُهُ وتُخبِرُ أنَّ رسول الله ﴿ّ كان يحملُهُ))، وفي غیرِ
"الترمذيّ": ((أَنَّه كان يحملُهُ، وكان يصبُّهُ على المرضى ويسقيهم، وأَنَّه حنّكَ به "الحسنَ"
و"الحسين" رضي الله عنهما(٢)))، من "اللباب" و"شرحه"(٣).
( تنبيةٌ )
لا بأسَ بإخراجِ التراب والأحجار التي في الحرم، وكذا قيل في تراب البيتِ المعظّم إذا كان
قَدْراً يسيراً للتبرُّكِ به بحيث لا تفوتُ به عِمارةُ المكان، كذا في "الظهيرِيَّة"(٤)، وصوَّبَ
"ابن وهبانَ"(٥) المنعَ عن ترابِ البيت لئلاّ يتسلَّطَ عليه الجَهَّالُ فيُفضِيَ إلى خرابِ البيت والعياذُ
بالله تعالى؛ لأنَّ القليل من الكثير كثيرٌ، كذا في "مُعين المفتي" لـ "المصنّف"(٦).
[١١٠٨٣] (قولُهُ: لا حرمَ للمدينةِ عندنا) أي: خلافاً لـ "الأئمّة الثلاثة"، قال في "الكافي"(٧).
((لأَنَّا عرفنا حِلَّ الاصطياد بالنصِّ القاطع، فلا يحرمُ إلَّ بدليلٍ قطعيٌّ ولم يوجد، قال "ابن المنذر":
قال "الشافعيُّ" في الجديد و"مالك" في المشهور وأكثرُ مَن لَقِينا من علماءِ الأمصار: لا جزاءً
على قاتلٍ صيدِهِ، ولا على قاطعِ شجره، وأوجَبَ الجزاءَ "ابنُ أبي ليلى" و "ابن أبي ذئبٍ"
(١) في "السنن" (٩٦٣) كتاب الحج - باب (١١٥)، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه،
وأبو يعلى (٤٦٨٣)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢٠٢/٥ كتاب الحج - باب الرخصة في الخروج بماء زمزم.
(٢) البيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢٠٢/٥ كتاب الحج - باب الرخصة في الخروج بماء زمزم، والبخاريّ في "التاريخ
الكبير" ١٨٩/٣ وليس فيهما: ((أنّه حَنّك الحَسَنَ والْحُسَيْن رضي الله عنهما))، وفي الباب عن ابن عباس، وجابر،
وعطاء ته مرسلاً.
(٣) انظر "إرشاد الساري": باب المتفرقات - فصل: يستحب الإكثار من ماء زمزم صـ٣٣٠ -.
(٤) "الظهيرية": کتاب الحج - فصل في الإحصار والجنايات ق ٧٠/ب.
(٥) "الوهبانية": فصل في كتاب الحج صـ٢٠- (هامش "المنظومة المحبية").
(٦) "معين المفتي على جواب المستفتي": للمصنف التمرتاشي. ("كشف الظنون" ١٧٤٦/٢، "فهرس مخطوطات
الظاهرية" - الفقه الحنفي ١٨٧/٢).
(٧) "كافي النسفي": كتاب الحج - الصيد ١/ق ٩٥/ب بتصرف.