Indexed OCR Text

Pages 441-460

الجزء السابع
٤٣٧
باب الهدي
﴿بابُ الهدي﴾
هو في اللُّغة والشَّرع: (ما يُهدَى إلى الحَرَم) من النّعَم (ليُتَقَرَّبَ به) فيه ...
﴿باب الهدي﴾
لَمَّا دارَ ذكرُ الهدي فيما تقدَّمَ من المسائلِ نسكاً وجزاءً احتيجَ إلی بیانه وما يتعلَّقُ به،
"ابن كمالِ". ويقال فيه: هَدِيٌّ بالتشديد على فَعِيْلِ، الواحدةُ هديّةٌ كمطَّةٍ ومُطِيٌّ ومطايا، "مغرب"(١).
[١٠٩٩٨] (قولُهُ: ما يُهدَى) مأخوذٌ من الهديَّة التي هي أعمُّ من الهدي لا من الهدي،
وإلاَّ لَزِمَ ذكرُ المعرَّف في التعريف، فيلزمُ [٢/ق٤٧٨ /ب] تعريفُ الشيء بنفسه، "ح(٢).
قلت: لو أُخِذَ من الهدي يكونُ تعريفاً لفظيّاً، وهو سائغٌ، "ط(٣). واحترَزَ بقوله: ((إلى
الحرمِ)) عمَّا يُهدَى إلى غيره نَعَماً كان أو غيرَهُ، وبقوله: ((من النَّعَمِ)) عمَّا يُهدَى إلى الحرم من غيرِ
النَّعَمِ، فإطلاقُ الفقهاءِ في باب الأيمان والنُّذور الهديَ على غيره مجازٌ، "بحر "(٤)، وبقوله: ((ليتقرَّبَ
به)) - أي: بإراقةِ دمِهِ ((فيه)) أي: في الحرمِ - عمَّا يُهدَى من النَّعَم إلى الحرمِ هديَّةً لرجلٍ،
﴿بابُ الهدي﴾
(قولُ "المصنّف": ما يُهدَى إلى الحرم إلخ) أي: يُقصَدُ هديُهُ، وهو يشملُ ما وصَلَ وما لم يَصِلْ،
هذا هو الموافقُ لما سيذكرُهُ المحشِّي عند قوله: ((إذا بلَّغَ الحرمَ)).
(قولُهُ: قلت: لو أُخِذَ من الهدي يكونُ تعريفاً لفظيّاً إلخ) لكنَّ شَرْطَهُ أن يكون اللَّفظُ المعرَّفُ
به رديفاً أشهرَ، وهنا هو عينُهُ، إلاَّ أن يقال: المعنى اللغويُّ أشهرُ من الشَّرعيِّ، فالقصدُ بيانُ أنَّ المعنى
الشرعيَّ هو المعنى اللغويُّ المشهور.
(١) "المغرب": مادة ((هدي)).
(٢) "ح": کتاب الحج - باب الهدي ق١٤٨ /ب.
(٣) "ط": كتاب الحج - باب الهدي ٥٥٥/١.
(٤) "البحر": کتاب الحج - باب الهدي ٧٥/٣ بتصرف يسير.

قسم العبادات
٤٣٨
حاشية ابن عابدين
(أدناه شاةٌ، وهو إبلّ)
وأفاد به أنَّه لا بدَّ فيه(١) من النَّة، أي: ولو دلالةٌ، ففي "البحر"(٢) عن "المحيط": ((الواحدُ
من النَّعَم يكونُ هَدْياً بجعِلِهِ صريحاً أو دلالةٌ، وهي إمَّا بالنَّةِ أو بسَوْقِ بدنةٍ إلى مكَّة وإنْ لم يَنْوِ
استحساناً؛ لأنَّ نَيَّة الهدي ثابتةٌ عُرفاً؛ لأنَّ سَوْقَ البدنةِ إلى مكَّةَ في العُرف يكونُ للهدي
لا للرُّكوب والتّجارة))، قال: ((وأرادَ السَّوق بعد النَّقليدِ لا مجرَّدَ السَّوق)).
[١٠٩٩٩] (قولُهُ: أدناه شاةٌ) أي: وأعلاه بدنةٌ من الإبلِ والبقر، وفي حكمِ الأدنی سُبعُ بدنةٍ،
"شرح اللباب"(٣). وأفادَ بيان الأدنى أَنَّه لو قال: للَّهِ عليَّ أن أُهدِيَ ولا نَّةَ له فإنَّه يلزمُهُ شاءٌ؛
لأَنّها الأقلُّ، وإن عَّنَ شيئاً لَزِمَهُ، ولو أهدى قيمتَها جازَ في روايةٍ، وفي أخرى لا، وهي الأرجحُ،
ولا كلام فيما لو كان مما لا يُراق دمُّهُ من المنقولات، فلو عقاراً تصدَّقَ بقيمتِهِ في الحرم أو غيره؛
لأَنَّه مجازٌ عن التصدُّقِ، أفادَهُ في "البحر "(٤) و"اللباب"(٥).
(قولُهُ: أفادَهُ في "البحر" و"اللباب") عبارة "البحر": ((وإن كان المنذورُ شيئاً لا يراقُ دمُّهُ فإنْ كان
منقولاً تصدَّقَ بعينِهِ أو بقيمته، وإن كان عقاراً تصدَّقَ بقيمتِهِ، ولا يتعيّنُ التصدُّقُ به في الحرم
ولا على فقراء مكَّةً؛ لأنَّ الهدي فيه بحازٌ عن التصدُّق )) اهـ.
وعبارة "النهر": ((ولو عقاراً تعيّنَ التصدُّقُ بقيمته على الفقراءِ ولو من غيرِ أهلٍ مكّة)) اهـ،
أي: أَنَّه يتصدَّقُ بالمنقول أو قيمتِهِ في الحرم كما سيأتي له أيضاً في الأيمان، فلا يخرجُ عن عُهدةِ الَّذْر
إلاّ بالتصدُّقِ بمكَّةَ؛ لِجَعْلِ التصدُّقِ به في الحرم حُزْءَ مفهومه بخلاف العقار، حيث يُحْزِيه التصدُّقُ بقيمته
في غير الحرم؛ لجعلهِ مجازاً عن الصَّدقة وأنّه لم يُعتبر المكانُ جزءً مفهومها، ولْيُنظَرْ وجهُ عدمِ التصدُّقِ
بعين العقار مع أنَّ مقتضى كونه مجازاً عن التصدُّق - حَتَّى حازت القيمةُ في غيرِ الحرم - جوازُ النَّصدُّقِ
بعينهِ، وقد يقال: إنَّه - وإنْ حُعِلَ بجازاً عن التَّصدُّق - لم يُقطَعِ النّظرُ عمَّا يفيدُهُ مادَّةُ الإهداء وهو النقل،
وهو إنما يكونُ في القيمة.
(١) من ((أي: في الحرم)) إلى ((لا بدَّ فيه)) ساقط من "الأصل".
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٥/٣.
(٣) انظر "إرشاد الساري": باب الهدايا صـ٣١٢ -.
(٤) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٥/٣.
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب الهدايا ــ فصل في إيجاب الهدي صـ٣١٥-٣١٦ -.

الجزء السابع
٤٣٩
باب الهدي
ابنُ خمسٍ سنين (وَبَقَرّ) ابنُ سنتين (وغَنَمٌ) ابنُ سنةٍ (ولا يَجِبُ تعريفُهُ) بل يُندَبُ
في دم الشُّكر.
[١١٠٠٠] (قولُهُ: ابنُ خمسٍ سنين إلخ) بيانٌ لأدنى السنِّ الجائزِ في الهدي، وهو الثّنِيُّ،
وهو من الإبل ما له خمسُ سنين وطعَنَ في السادسة، ومن البقر ما طعَنَ في الثالثة، ومن الغنم
ما طعَنَ في الثانية، لكنَّه يُوهِمُ أنَّ الجذَعَ من الغنم لا يجوزُ، قال في "اللباب"(١): ((ولا يجوزُ دون
الثِيِّ إلَّ الجذَعُ من الضَّأن، وهو ما أتى عليه أكثرُ السَّنة، وإنما يجوزُ إذا كان عظيماً، وتفسيرُهُ
أَنَّه لو خُلِطَ بالَّنايا اشْتَبَهَ على النَّظر أنَّه منها)) اهـ.
[١١٠٠١] (قولُهُ: ولا يجبُ تعريفُهُ) أي: الذَّهابُ به إلى عرفاتٍ أو تشهيرُهُ بالتَّقليد، "ح"(٢)
عن "البحر "(٣).
[١١٠٠٢] (قولُهُ: بل يُندَبُ) أي: التعريفُ بمعنييه، "ح"(٤). لكنَّ الشَّاه لا يُندَبُ تقليدُها،
وفي "اللباب"(٥): ((ويُسَنُّ تقليدُ بُدْنِ الشُّكر دون بُدْنِ الجبر، وحَسُنَ الذَّهابُ بهديٍ الشُّكر
إلى عرفةَ)) اهـ. فعَّرَ في الأوَّلِ بالْبُدْنِ لُخرِجَ الشَّة، وفي الثاني بالهدىِ لُيُدخِلَها فيه، وأفاد أيضاً
أنَّ الأوَّلَ سنّةٌ والثانيَ مندوبٌ، ففي كلام "الشارح" إجمالٌ.
(١١٠٠٣] (قولُهُ: في دمِ الشُّكر) [٢/ق ٤٧٩ /أ] أي: القِرانِ والتمتّع، وكذا يُقلَّدُ هديُ التطوُّعِ
هذا، وقد ذكَرَ "السنديُّ" عند قوله: ((ويُقَلِّدُ بدنةَ التطوُّع إلخ)) ما نصُّهُ: ((ولو نذَرَ شيئاً
مما سيوى النَّعَم كالثّياب مما يُنقَلُ جازَ إهداءُ قيمتِهِ وعينِهِ إلى مكَّة، ولو تصَّدَقَ به في غيرِ مكَّة جازّ
ولو على غيرِ أهلِ مَكَّةً، وإنْ كان مما لا يُنقَلُ كالعقارِ تتعَيَّنُ القيمةُ إذا أراد الإيصالَ إلى مكَّةَ)) اهـ،
إلاَّ أنْ يُحمَلَ ما قَالَهُ على ما إذا وقَعَ الالتزامُ بصيغةِ النَّذْرِ لا الهديٍ، تأمَّل.
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الهدايا - فصل في إيجاب الهدي صـ٣١٥ -.
(٢) "ح": كتاب الحج - باب الهدي ق١٤٨/ب.
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٨/٣.
(٤) "ح": كتاب الحج - باب الهدي ق١٤٨/ب.
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب الهدايا صـ٣١٣ __.

قسم العبادات
٤٤٠
حاشية ابن عابدين
(ولا يجوزُ في الهدايا إلاَّ ما جاز في الضَّحايا) كما سيجيءُ، فصَحَّ اشتراكُ ستّةٍ
في بدنةٍ شُرِيَتْ لقُريةٍ.
والنَّذْرِ، ولو قلَّدَ دم الإحصار والجناية جاز، ولا بأس به كما سيأتي(١).
[١١٠٠٤] (قولُهُ: ولا يجوزُ في الهدايا إلاَّ ما جاز في الضَّحايا) كذا عبَّرَ في "الهداية"(٢)،
وعلَّهُ: ((بأنّه قربةٌ تعلّقَتْ بإراقةٍ الدم كالأضحية، فيختصَّان بمحلِّ واحدٍ)) اهـ.
فأشار إلى أنَّه مطَّردٌ منعكسٌ، فيجوزُ هنا ما يجوزُ ثَمَّةَ، ولا يجوزُ هنا ما لا يجوزُ ثَمَّةَ، ولا يَرِدُ
على طردِهِ ما قدَّمناه(٣) من جواز إهداء قيمة المنذور في روايةٍ مع أنّه لا يجوزُ في الأضحية؛
لأنَّ ((ما)) واقعةٌ على الحيوان كما اقتضاه قوله: ((وهو إبلٌ وبقرٌ وغنمٌ))، ولو سُلِّمَ فتلك الرِّوايةٌ
مرجوحةٌ، على أنَّ القيمة قد تُجزي في الأضحية كما إذا مَضَتْ أَيَّمُها ولم يُضَحِّ الغنيُّ
فإنَّه يتصدَّقُ بقيمتها، فافهم.
[١١٠٠٥] (قولُهُ: فصَحَّ اشتراكُ سنَّةٍ) أي: لأنَّ ذلك جائزٌ في الضَّحايا، فيجوزُ هنا لِما علمتَهُ
من القاعدة، و((اشتراكٌ)) افتعالٌ مصدرُ الرُّباعيِّ المتعدِّي كالاختصاص والاكتساب، وهو مضافٌ
(قولُهُ: على أنَّ القيمة قد تُجزِئُّ في الأضحيةِ إلخ) فيه أنَّ التصدُّقَ بقيمةِ الأضحيةِ بعد مُضيِّ أَيَّمها
لا يقال له أضحيةٌ شرعاً، بخلاف التصدُّق بقيمةِ المنذور على تلك الرِّواية، فإنَّه يصدُقُ عليه أنَّه هديّ
في لسانِ الفقهاء، وأيضاً لو نذَرَ هَدْياً أجزَأَتْهُ القيمةُ بالاتفاق فيما إذا لم يُعِيِّنْ، وكذا إذا عيَّنَ في روايةٍ.
اهـ "سندي" عن "أبي السُّعود".
(قولُهُ: كالاختصاصِ) في "القاموس": ((اختَصَّهُ بالشيء: خصَّهُ به، فاختَصَّ وتخصَّصَ، لازمٌ
مُتَعَدِّ)).
(١) المقولة [١١٠٤٠] قوله: ((فقط)).
(٢) "الهداية": كتاب الحج - باب الهدي ١٨٥/١.
(٣) المقولة [١٠٩٩٩] قوله: ((أدناه شاة)).

الجزء السابع
٤٤١
باب الهدي
إلى مفعوله، أي: اشتراكُ واحدٍ ستّةً، قال في "الفتح"(١) عن "الأصل"(٢) و"المبسوط"(٣): ((فإن
اشتَرَى بدنةً لمتعةٍ مثلاً، ثمَّ اشترَكَ فيها ستّةً بعدما أوجَبَها لنفسِهِ خاصَّةً لا يَسَعُهُ؛ لأَنَّه لَمَّا أوجَبَها
صار الكلُّ واجباً، بعضُها بإيجابِ الشَّرع وبعضُها بإيجابه، فإِنْ فَعَلَ فعليه أن يتصدَّقَ بالثَّمن،
وإِنْ نوى أنْ يُشرِكَ فيها ستّةً أجزأته؛ لأَنَّه ما أوجَبَ الكلَّ على نفسه بالشِّراء، فإن لم يكن له نَّةٌ
عند الشِّراء ولكنْ لم يُوجِبْها حتّى شرَكَ السَّةَ جازَ، والأفضلُ أن يكون ابتداءُ الشِّراء منهم
أو من أحدهم بأمرِ الباقين حتَّى تثبتَ الشَّرِكةُ في الابتداء)) اهـ.
وقوله: ((لأنه ما أوحَبَ الكلَّ على نفسِهِ بالشِّراء إلخ)) يدلُّ على أنَّ معنى إيجابها لنفسه
(قولُهُ: يدلُّ على أنَّ معنى إيجابها لنفسه أنْ يشتريّها إلخ) ويدلُّ أيضاً على أنَّ مجرَّدَ النَّةِ كافٍ
في جَعْلِها للقربة ما نقله قبل هذا عن "البحر" عن "المحيط"، لكنْ ذكَرَ "السنديُّ" - عند قوله: ((وصنَعَ
بالمعيبِ ما شاء)) - عن "الفتح": ((أنَّ الفقير لا يلزمُهُ الأضحيةُ ما لم يُوجِبْها بلسانه لا بالشِّراء))،
فانظر عبارتهُ.
ثُمَّ إِنَّ قول "الشارح": ((شُرِيَتْ لقربةٍ)) إنما يتبادرُ منه الصُّورةُ الأُولى والرَّابعة، وإذا صَحَّ الإشراكُ
في الأُولى يصحُّ في الثانية بالأَولى، ولا يصحُّ حملُ كلامِهِ على الصُّورةِ الثالثة والخامسة والسادسة؛ إذ ليس
فيها إشراكُ سَّةٍ بمعنى جَعْلِهم شركاءَ له في بدنةٍ شُرِيَتْ لقريةٍ حتَّى يكونَ كلامُ "الشارح" شاملاً لها،
والأصوبُ أَنَّه حَرَى على جواب الاستحسان في هذه المسألة نظيرَ ما ذكرَهُ في "الدرر" في الأضحية،
حيث قال ما نصُّهُ: ((وصحَّ لواحدٍ إشراكُ سنَّةٍ، أي: جَعْلُهم شركاءَ في بدنةٍ اشتَرَاها ذلك الواحدُ
الأضحيتِهِ استحساناً، وفي القياس لا يجوزُ، وهو قولُ "زفر"؛ لأَنَّه أعَدَّها للقربةِ، فلا يجوزُ بيعُها، وجهُ
الاستحسان أنّه قد يَجِدُ بقرةً سمينةً ولا يَجِدُ الشَّرِيكَ في وقتِ الشِّراء)) اهـ، تأمَّل.
(١) "الفتح": كتاب الحج - باب الهدي ٨٤/٣ بتصرف.
(٢) "الأصل": كتاب المناسك - باب النذر ٤١٣/٢.
(٣) "المبسوط": كتاب المناسك - باب النذر ١٤٣/٤ بتصرف.

قسم العبادات
٤٤٢
حاشية ابن عابدين
وإن اختَلَفَتْ أجناسُها.
أنْ يشتريَها لنفسه، أو ينويَ بعده القربةَ، ومثلُهُ قوله في "شرح اللباب"(١): ((أي: بتعيينِ النَّةِ
وتخصيصِها له)).
إذا عرفتَ ذلك فالصُّورُ ستّةٌ: إِمَّا أنْ يشتريَها لنفسِهِ خاصَّةً، أو يشتريَها بلا نَيَّةٍ ثُمَّ يعِّنَها
لنفسه، أو يشتريَها بلانَّةٍ ولم يعيِنها لنفسِهِ، أو يشتريّها بنَّةِ الشَّرِكة، أو يشتريَها مع ستّةٍ،
أو يشتريَها وحده بأمرهم، فقولُ "الشارح": ((شُرِيَتْ لقريةٍ)) لا يصحُّ على إطلاقه، بل هو خاصٌّ
بما عدا الصُّورتين الأوليين، لكنْ ينبغي أن يكونَ هذا التفصيلُ محمولاً على الفقير؛ لأنَّ الغنيَّ
لا تجبُ عليه بالشّراء [٢/ق٤٧٩/ب] بدليلٍ ما ذكَرَهُ في أضحية "البدائع"(٢) عن "الأصل"(٢).
((من أَنَّه لو اشترى بقرةً ليضحِّيَ بها عن نفسه فأشرَكَ فيها يُجْزِئُهم، والأحسنُ فعلُ ذلك قبل
٢٤٩/٢ الشِّراء))، قال: ((وهذا - أي: قولُهُ: يُجْزِئُهم - محمولٌ على الغنيِّ؛ لأنّها لم تتعَيَّنْ، أمَّا الفقيرُ
فلا يجوزُ أن يُشرِكَ فيها؛ لأَنَّه أوجَبَها على نفسه بالشِّراء للأضحية فتعَّنَتْ)) اهـ. لكنْ سَوَّى
في "الخانيّة"(٤) في مسألةِ الأضحية بين الغنيِّ والفقير، فتأمَّل.
[١١٠٠٦] (قولُهُ: وإن اختَلَفَتْ أجناسُها) في "الفتح"(٥) عن "الأصل"(٦) و"المبسوط"(٧).
(قولُهُ: لكنْ ينبغي أن يكونَ هذا النَّفصيلُ محمولاً على الفقيرِ إلخ) فيه أنَّ تعليل "الفتح" السَّابقَ
من قوله: ((لأَنّ لَمَّا أو جَبَها إلخ)) دالٌّ على أنّه في الغنيِّ، فيكونُ الفقيرُ كذلك.
(قولُهُ: لكنْ سَوَّى في "الخانَّة" في مسألةِ الأضحية إلخ) أي: في عدم الإجزاء في الغنيِّ كالفقير،
وهو جوابُ القیاس.
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الهدايا صـ٣١٣ _-.
(٢) "البدائع": فصل: وأمَّا شرائط جواز إقامة الواجب ٧٢/٥ بتصرف.
(٣) "الأصل": كتاب المناسك - باب النذر ٤١٣/٢ بتصرف.
(٤) "الخانية": كتاب الأضحية - فصل فيما يجوز في الضحايا وما لا يجوز ٣٥٠/٣ - ٣٥١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الفتح": كتاب الحج - باب الهدي ٨٤/٣ بتصرف.
(٦) "الأصل": كتاب المناسك - باب النذر ٤٠٤/٢.
(٧) "المبسوط": كتاب المناسك - باب النذر ١٣١/٤-١٣٢ بتصرف.

الجزء السابع
٤٤٣
باب الهدي
(وتجوزُ الشَّاهُ) في الحجِّ (في كلِّ شيءٍ إلاَّ في طواف الرُّكن جنباً) أو حائضاً (ووطء
بعد الوقوف) قبل الحلق كما مر.
((كلُّ مَن وجَبَ عليه من المناسكِ جاز أنْ يُشارِكَ ستَّةَ نفرٍ قد وحَبّت الدماءُ عليهم وإن اختلَفَتْ
أجناسُها من دمٍ متعةٍ وإحصارٍ وجزاءٍ صيدٍ وغيرِ ذلك، ولو كان الكلُّ من جنسٍ واحدٍ كان
أحبَّ إليَّ)) اهـ. وذكّرَ نحوَهُ في "البحر"(١) هنا.
وبه يظهرُ ما في قول "البحر" في القِران والجنايات: ((إِنَّ الاشتراك لا يكفي في الجناياتِ
بخلاف دمِ الشُّكر))، وقد نَّهنا على ذلك أوَّلَ بابِ الجنايات(٢).
[١١٠٠٧] (قولُهُ: في الحجِّ) أي: في كلِّ دمٍ له تعلّقٌ بالحجِّ كدمِ الشُّكرِ والجنايةِ والإحصارِ
والنفلٍ، قال في "النهر"(٢): ((فلا يَرِدُ أنَّ مَن نذَرٌ بدنةً أو جَزُوراً لا تجزئه الشَّاة)).
[١١٠٠٨] (قولُهُ: إلَّ إلخ) أي: فيحبُ فيهما بدنةٌ، ولا ثالث لهما في الحجِّ، "لباب". قال
"شارحه"(٤): ((وفيه نظرٌ؛ إذ تقدَّمَ أَنَّه إذا مات بعد الوقوفِ وأوصى بإتمامِ الحجِّ تجبُ البدنة
الطواف الزِّيارة، وجازَ حبُّهُ، وكذا عند "محمَّدٍ" تحبُ فِي النَّعامة بدنةٌ. ثُمَّ قوله: في الحجِّ احترازٌ
عن العمرةٍ، حيث لا تجبُ البدنة بالجماع قبل أداءِ ركنها من طواف العمرة، ولا أداءِ طوافها
بالجنابة أو الحيض أو النّفاس)) اهـ.
[١١٠٠٩] (قولُهُ: قبلَ الحلقِ) أمَّا بعده ففي وجوبها خلافٌ، والرَّاجحُ وجوبُ الشَّاة، "ط)"(٥)
عن "البحر "(٦).
[١١٠١٠) (قولُهُ: كما مرَّ(٧) أي: في الجناياتِ، "ح(٨).
(١) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٥/٣ - ٧٦.
(٢) المقولة [١٠٤٠٧] قوله: ((الواجب دم)).
(٣) "النهر": كتاب الحج - باب الهدي ق ١٦٠/أ.
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب الهدايا صـ٣١٢ __.
(٥) "ط": كتاب الحج - باب الهدي ٥٥٦/١.
(٦) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٦/٣.
(٧) صـ ٢٦٧-٢٦٨ - "در".
(٨) "ح": كتاب الحج - باب الهدي ق١٤٨/ب.
٠

قسم العبادات
٤٤٤
حاشية ابن عابدين
(ويجوزُ أكلُهُ) بل يُندَبُ(١) كالأضحية (مِن هدى التطوُّعِ) إذا بلَغَ الحرمَ (والمتعةِ
والقِران فقط)
[١١٠١١] (قولُهُ: كالأضحيةِ) أشار به إلى أنَّ المستحبَّ أنْ يتصدَّقَ بالثلث، ويُطعِمَ الأغنياءَ
الثلثَ، ويأكلَ ويدَّخِرَ الثلثَ، "ح"(٢) عن "البحر"(٣).
[١١٠١٢] (قولُهُ: إذا بلَغَ الحرمَ) قَّدَ به لِما سيأتي(٤) من أنَّ حِلَّ الانتفاع به لغيرِ الفقراء مقيَّدٌ
بلوغِهِ مَحِلّه، وأفاد في "البحر"(٥): ((أَنّ لا حاجةَ إلى هذا القيدِ؛ لأَنّه قبل بلوغه الحرمَ ليس بهدي،
فلم يدخل تحتَ عبارة "المصنّف" ليحتاجَ إلى إخراجه))، قال: ((والفرقُ بينهما أَنَّه إذا بلَغَ الحرمَ
فالقربةُ فيه بالإِراقةِ وقد حصَّلَتْ، فالأكلُ بعد حصولها، وإذا لم يبلغ فهي بالتصدُّقِ، والأكل
یُنافیہ)) اهـ.
ونظّرَ فيه في "النهر "(٦)، ولم [٢/ق٤٨٠ /أ] يِّن وجهَ النّظر، ولعلَّ وجهَهُ منعُ أَنَّه لا يُسمَّى
هدياً قبل بلوغه الحرمَ؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿هَدَيْبَلِغَ الْكُمْبَةِ﴾ [المائدة - ٩٥ ] يدلُّ على تسميتِهِ هدياً
(١) في "د" زيادة: ((قوله: بل يندب، للاتباع الفعلي الثابت في حجة الوداع على ما رواه مسلم مِن أنّه عليه الصلاة
والسلام نَحَرَ ثلاثاً وستين بدنة بيده، ونحر علي ◌ُّبه ما بقي من المائة، ثم أمر من كلِّ بدنة ببضع، فجعل في قدر
فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ولأنّه دم نسك، فيجوز منه الأكل كالأضحية.
وأشار بكلمة ((من)) إلى أنّه يأكل بعضاً منه، والمستحب أن يفعل كما في الأضحية؛ وهو أن يتصدق بالثلث،
ويطعم الأغنياء بالثلث ويأكل ويدَّخر الثلث.
وأفاد بقوله: ((من هدي التطوع)) أنّه بلغ الحرم، أمَّا إذا ذبحه قبل بلوغه فليس بهدي، فلم يدخل تحت قوله:
((هدي)) ليحتاج إلى استثناء فلا يؤكل منه. والفرق بينهما أنّه إذا بلغ الحرم فالقربة فيه بالإراقة، وإذا لم يبلغ فهي
بالتصدق، وقد حصلت، والأكل ينافيه. انتهى. "بحر")).
(٢) "ح": كتاب الحج - باب الهدي ق١٤٨ /ب.
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٦/٣.
(٤) صـ ٤٥٣ - "در".
(٥) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٦/٣.
(٦) "النهر": كتاب الحج - باب الهدي ق /١٦٠/أ.

الجزء السابع
٤٤٥
باب الهدي
ولو أكَلَ من غيرِها ضَمِنَ ما أُكَلَ.
(ويتعيَّنُ يومُ النَّحْر)
قبل بلوغه، سواءٌ قُدِّرَ ﴿بَالِغَ﴾ صفةً أو حالاً مقدَّرةً، ولأنَّ المتوقّفَ على بلوغه الحرمَ جوازٌ
الأكل منه وإطعامُ الغنيِّ دون كونه هدياً، ولذا لا يركبُهُ في الطريق بلا ضرورةٍ ولا يحلُبُه،
ولو عَطِبَ أو تعَّبَ قبله نَحَرَهُ وضرَبَ صفحةً سنامه بدمِهِ لِيُعلَمَ أَنَّه هديّ للفقراءِ فلا يأكلَهُ
غنيٌّ كما يأتي(١)، فافهم.
[١١٠١٣] (قولُهُ: ولو أكَلَ من غيرِها) أي: غيرِ هذه الثلاثة من بقيَّةِ الهدايا كدماء الكفَّارات
كلّها، والنُّذُورِ، وهدىِ الإِحصار، والتطوُّعِ الذي لم يبلغ الحرمَ، وكذا لو أطعَمَ غيّاً(٢)، أفادَهُ
في "البحر"(٣).
[١١٠١٤] (قولُهُ: ضَمِنَ ما أكَلَ) أي: ضَمِنَ قيمتَهُ، وفي "اللباب" و"شرحه"(٤).
((فلو استهلَكَهُ بنفسِهِ - بأنْ باعَهُ ونحوِ ذلك بأنْ وهَبَهُ لغنيٌّ أو أَتْلَفَهُ وضَّعَهُ - لم يَجُزْ، وعليه قيمتُهُ،
أي: ضمانُ قيمتِهِ للفقراء إنْ كان مما يجبُ التصدُّقُ به، بخلاف ما إذا كان لا يجبُ عليه التصدُّقُ
به فإنَّه لا يضمنُ شيئاً)) اهـ. وفيه كلامٌ يُعلَمُ من "البحر" ومما علَّقناه عليه(٥).
(قولُهُ: وفيه كلامٌ يُعلَمُ من "البحر" ومما علَّقناه عليه) عبارة "البحر": ((قال في "البدائع": وكلُّ دمٍ
يجوزُ له أن يأكل منه لا يَجِبُ عليه التصدُّقُ بلحمِهِ بعد الذَّبح؛ لأنَّه لو وحَبَ عليه التصدُّقُ به لَمَا جازَ
له أكُلُهُ؛ لِما فيه من إبطالِ حقِّ الفقراء، وكلُّ دمٍ لا يجوزُ له الأكلُ منه يجبُ عليه التصدُّقُ به بعد الذَّبح؛
(١) المقولة [١١٠٣٦] قوله: ((ولا يطعم)).
(٢) في "د" زيادة: ((لأنَّ دم النذر دم صدقة، وكذا دم الكفارات؛ لأنّه وجب تكفيراً للذنب، وكذا دم الإحصار؛
لوجود التحلّل والخروج من الإحرام قبل أوانه، كذا في "البحر")).
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٦/٣.
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب الهدايا صـ٣١٢ __.
(٥) انظر "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الحج - باب الهدي ٧٧/٣.

قسم العبادات
٤٤٦
حاشية ابن عابدين
لأَنَّه إذا لم يَجُزْ أكُلُهُ ولا يتصدَّقُ به يؤدِّي إلى إضاعةِ المال، ولو هَلَكَ المذبوحُ بعد الذَّبح لا ضمانَ
عليه في النَّوعين؛ لأَنَّه لا صنعَ له في الهلاك، وإن استهلَكَهُ بعد الذَّبح فإنْ كان مما يجبُ عليه التصدُّقُ
به يضمنُ قيمتَهُ فيتصدَّقُ بها؛ لأَنّه تعلَّقَ به حقُّ الفقراء، فبالاستهلاكِ تَعَدَّى على حقّهم، وإنْ كان
مما لا يجبُ التصدُّقُ به لا يضمنُ شيئاً، ولو باع اللَّحمَ جاز بيعُهُ في النَّوعين؛ لأنَّ ملكَهُ قائمٌ، إلاَّ أنَّ فيما
لا يجوزُ له أكُلُهُ ويجبُ عليه التصدُّقُ به يتصدَّقُ بثمنِهِ؛ لأَنَّه ثمنُ مبيعٍ واجبِ التصدُّق )) اهـ.
وهكذا نقّلَهُ عنه في "فتح القدير" باختصارٍ، مع أنَّه قدَّمَ: ((أَنَّه ليس له بيعُ شيءٍ من لحومِ الهدايا
وإنْ كان مما يجوزُ له الأكلُ منه، فإنْ باعَ شيئاً أَو أعطى الجزَّارَ أجرَهُ منه فعليه أنْ يتصدَّقَ بقيمته)) اهـ.
وقد يقال في التّوفيق بينهما: إنّه إنْ باعَ مما لا يجوزُ أكلُهُ وجَبَ النَّصدُّق بالثَّمن، ولا يُنظَرُ
إلى القيمة، وإنْ باعَ مما يجوزُ له أكُلُهُ وحَبَ التصدُّقُ بالقيمة، ولا يُنظَرُ إلى الثَّمن، وإنَّ المراد بالجواز
في كلام "البدائع" الصحَّةُ لا الحلُّ إلخ.
قال "ابن عابدين" في "حاشيته" عليه: ((قولُهُ: مع أنَّه قدم إلخ، قال في "النهر": وفيه مخالفةٌ
لِما في "البدائع" من وجهين: الأوَّلُ وجوبُ التصدُّقِ فيما له الأكلُ منه أيضاً، الثاني: أنَّه لا يُنظَرُ
إلى الثَّمن فيما لا يجوزُ أكلُهُ.
ويمكنُ التَّوفيق في الثاني بأنْ يُنظَرَ إلى الثَّمن إنْ كان أكثرَ من القيمة، وإلى القيمةِ إنْ كانت أكثرَ،
قالَهُ بعضُ العصرِيِّين، وفيه نظرً؛ إذ مقتضى كونِهِ باعَ ملكَهُ أَنَّه لا يُنظَرُ إلى القيمةِ، وما في "البحر" -:
من أنَّ التصدُّقَ بالثّمن فيما لا يجوزُ أكُلُهُ وبالقيمة فيما يجوزُ، والجوازَ في الأوَّل بمعنى الصحَّةِ لا الحلِّ -
فيه نظرٌ، فتدبَّره)) اهـ والظاهرُ: أنَّ المراد بالنَّظر ما قدَّمَهُ.
هذا، وأنت خبيرٌ بأنَّه لا وجهَ لذِكْرِ الوجهِ الأوَّلِ؛ لأنَّ وجوب التَّصدُّق بقيمةٍ ما يُؤْكَلُ لا يقتضي
وجوبَ التصدُّقِ به نفسِهِ كالأضحية، لا يجبُ التصدُّقُ بها، ولو باع جلدَها أو شيئاً من لَحْمِها بمستهلَكٍ
أو دراهمَ يجبُ التصدُّقُ بالثَّمن، فليس مخالفاً لقول "البدائع": ((لا يجبُ عليه التصدُّقُ بلحمه)).
وبما ذكرنا تعلمُ سقوطَ النّظر، فإنَّ الأضحيةَ ملكُهُ، ونُظِرَ فيها إلى الثَّمن، فيُنظَرُ إلى القيمة
في مسألتنا، وإلاَّ فما الفرقُ بينهما؟!

الجزء السابع
٤٤٧
باب الهدي
وبالجملةِ فالمخالفةُ ظاهرةٌ في الوجهِ الثاني، وهو وجوبُ التصدُّقِ فيما لا يجوزُ له أكلُهُ بالثَّمن
على ما في "البدائع"، وبالقيمةِ على ما في "الفتح".
وبقي مخالفةٌ من وجهٍ آخرَ، وهو أنَّ ظاهر ما في "البدائع" عدمُ وجوبِ التّصدُّق بشيءٍ فيما يجوز
له أكلُهُ لتخصيصِهِ وجوبَ التصدُّق فيما لا يجوزُ، وظاهرُ كلام "الفتح" وجوبُ التصدُّقِ فيهما.
وبيانُ التَّوفيق الذي ذكرَهُ المؤلّف: أنْ يُقَيَّدَ قولُ "الفتح": ((فإنْ باعَ شيئاً إلخ)) بما لا يجوزُ الأكلُ
منه، فقولُ "البدائع": ((يتصدَّقُ بثمِنِهِ)) خاصٌّ بما لا يجوزُ كما هو صريحُ كلامِهِ، وقولُ "الفتح":
((فعليه أن يتصدَّقَ بقيمتِهِ)) خاصٌّ بما يجوزُ، فانتفت المخالفةُ بوَجْهَيها، هذا ما ظهَرَ
لي في تقريرِ هذا المحلِّ، فتأمَّل.
ثمَّ رأيتُ في "اللباب" و"شرحه" قال: (( فلو استهلَكَهُ بنفسِهِ - بأنْ باعَهُ ونحوِ ذلك، بأنْ وهَبَهُ لغنيّ،
أو أتلَفَهُ وضيَّعَهُ - لم يَجُزْ، وعليه قيمتُهُ، أي: ضمانُ قيمتِهِ للفقراءِ إنْ كان مما يجبُ التصدُّقُ به، بخلاف
ما إذا كان لا يجبُ عليه التصدُّقُ به، فإنَّه لا يضمنُ شيئاً)) اهـ. وهو موافقٌ لظاهرِ كلام "البدائع" اهـ.
وفي "السنديّ": ((وأفادَ الشيخُ "الرَّحمتيُّ": أنَّ معنى قولِ "البدائع": لا يضمنُ شيئاً أي: زائداً
على القيمةٍ، وقولِهِ: جازَ بيعُهُ فِي النَّوعين أي: صحَّ؛ لأنّه علَّلَ بقيامِ الملك، وقيامُ ملكِهِ يقتضي الصحَّةَ
لا الحلَّ، فإنَّه قد يَملِكُ الشيءَ ولا يحلُّ له بيعُهُ، فَيُحمَلُ حينئذٍ قولُ صاحب "الفتح": ليس له بيعُ شيءٍ
أي: لا يَحِلُّ، بدليلٍ أنَّ النَّهي عن الأمور الشرعيَّة يقتضي المشروعيَّةَ، والنَّفيُ هنا بمعنى النّهي، وقولُ
صاحب "البحر": وجَبَ التصدُّقُ بالثّمن أي: إذا كان أَزْيَدَ من القيمةِ، فإنْ كان دونها ينبغي أنْ يتصدَّقَ
بالقيمةِ لتعلَّقِ حقِّ الفقراءِ بالقيمة عند فَوَاتِ العين، وقولُهُ: ولا يُنظَرُ إلى القيمة أي: إذا كانت دونَ
الثَّمن، وقولُهُ: وإنْ باعَ ما يجوزُ له أكُلُهُ وحَبَ التصدُّقُ بالقيمةِ أي: لو كانت دون الثَّمن، ولا يضمنُ
باقيَ الثَّمن، وهو معنى قولِ صاحب "البدائع": لا يضمنُ شيئاً، أي: لا يضمنُ ما زاد من قيمتِهِ
على ثمنِ قبضِهِ.
فالحاصلُ: أنَّ فيما لا يجوزُ أكلُهُ يجبُ الأكثرُ من القيمةِ ومن الثَّمنِ، وفيما يجوزُ أكلُهُ يتصدَّقُ بالأقلِّ
منهما)) اهـ.

قسم العبادات
٤٤٨
حاشية ابن عابدين
أي: وقُتُهُ (١)، وهو الأَيَّامُ الثَّلاثة (لذَبْحِ المتعةِ والقِرانِ) فقط، فلم يُجْزِ قبلَهُ بل بعده،
وعليه دمٌ.
(و) يتعَيَّنُ (الحَرَمُ) لا مِنى (للكلِّ.
[١١٠١٥] (قولُهُ: أي: وقُتُهُ) أشارَ إلى أنَّ المراد باليوم مطلقُ الوقت فيعُمُّ أوقاتَ النَّحر،
أو هو مفردٌ مضافٌ فيعُمُّ، "ط)"(٢).
[١١٠١٦] (قولُهُ: فقط) أي: لا يتعَّنُ غيرهما فيها، ومنه هديُ التطوُّعٍ إذا بلَغَ الحرمَ،
فلا يتقيَّدُ بزمانٍ - هو الصحيحُ - وإن كان ذبُهُ يوم النَّحر أفضلَ كما ذكرَهُ "الزيلعيُ))(٣) خلافاً
لـ "القدوريِّ"(٤)، "بحر "(٥).
[١١٠١٧] (قولُهُ: فلم يُحْزِ) أي: بالإجماعِ، وهو بضمٍّ أوَّله من الإجزاء.
[١١٠١٨] (قولُهُ: بل بعدَهُ) أي: بل يُجزِئُه بعده، أي: بعد يوم النَّحر، أي: أَيَّامِهِ، إِلاَّ أَنَّه تاركٌ
للواجب عند "الإِمام"، فيلزمُهُ دمٌ للتأخير، أمَّا عندهما فعدمُ التأخير سنّةٌ، حتَّى لو ذَبَحَ بعد التحلُّلِ
بالحلق لا شيءَ علیه.
[١١٠١٩] (قولُهُ: لا مِنِى) أي: بل يُسَنُّ؛ لِما في "المبسوط "(٦): ((من أنَّ السُّة في الهدايا أيَّامَ
النّحر مِنى، وفي غير أيَّامِ النَّحر فمكّةُ هي الأَولى))، "شرح اللباب"(٧).
[١١٠٢٠] (قولُهُ: للكلِّ) بيانٌ لكونِ الهدي مؤقّاً بالمكان سواءٌ كان دمَ شكرٍ أو جنايةٍ؛
(١) في "د" زيادة: ((والوقت المسنون بعد طلوع الشمس يوم النحر، ويجب أن يكون بين الرمي والحلق، أي: في حقٍّ
القارن والمتمتع، ولو مات قبل الذبح فعليه الوصية به، فإن لم يوصِ سقط، وإن تبرَّع عنه الوارث صحَّ، "لباب")).
(٢) "ط": كتاب الحج - باب الهدي ٥٥٦/١.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب الهدي ٩٠/٢.
(٤) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الحج ٢٢٤/١.
(٥) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٧/٣.
(٦) "المبسوط": كتاب المناسك - باب النذر ١٣٦/٤ باختصار يسير.
(٧) انظر "إرشاد الساري": باب الهدايا - فصل في إيجاب الهدي صـ٣١٥ -.

الجزء السابع
٤٤٩
باب الهدي
لا الفقيرِهِ) لكنّه أفضلُ (ويتصدَّقُ بِحِلالِهِ وخِطامِهِ) أي: زِمامِهِ (ولم يُعْطِ أَجْرَ
الجزَّارِ) أي: الذَّابحِ (منه) فإنْ أعطاه ضَمِنَهُ، أمَّا لو تصدَّقَ عليه جازَ.
لِما تقدَّمَ أَنَّه اسمٌ لِما يُهدَى من النَّعَم إلى الحرم، ودخَلَ فيه الهديُ المنذور بخلافِ البدنة المنذورة،
فلا تتقيَّدُ بالحرم عندهما، وقاسَها "أبو يوسف" على الهدىِ المنذورِ، [٢/ق٤٨٠/ب] والفرقُ
ظاهرٌ، "بحر"(١) عن "المحيط".
[١١٠٢١] (قولُهُ: لا الفقيرِهِ) المعطوفُ محذوفٌ تعلَّقَ به المجرورُ، والتقديرُ: لا التصدُّقِ لفقيرِهِ،
واللام بمعنى على، وهذا أَولى من قول "ح"(٢): ((الصوابُ: لا فقيرُهُ بالرَّفع عطفاً على الحرمُ))،
"ط" (٣).
[١١٠٢٢] (قولُهُ: فإنْ أعطاه ضَمِنَهُ) أي: إن أعطاه بلا شرطٍ، أمَّا لو شرَطَهُ لم يَحُزْ
كما في "اللباب"، قال "شارحه"(٤): ((وتوضيحُهُ ما قاله "الطرابلسيُّ": أَنَّه إذا شرَطَ إعطاءَهُ منه
يبقى شريكاً له فيه، فلا يجوزُ الكلُّ لقصدِهِ اللَّحمَ)) اهـ.
أقول: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ صيرورته شريكاً فرعُ صحَّةِ الإجارة، وسيأتي(٥) في الإجارة الفاسدة
(قولُ "المصنّف": وخِطامِهِ أي: زمامِهِ) الخِطامُ: حَبْلٌ يُجعَلُ في عنقِ البعير، ويُثْنَى فِي أَنفِهِ،
"قهستاني". والزِّمام: ما يُجعَلُ في أنفِهِ فقط، فقولُ "الشارح": ((أي: زمامِهِ)) فيه نظرٌ، قال
في "اللوامع": ((وفي اصطلاحِ أهل الحرمين: الخطامُ ما يُربَطُ برقيتِهِ، ثمَّ يُطوَى على أنفه، ثمَّ يقادُ منه،
ويقال: الرَّسَنُ))، وهذا يوافقُ ما في "القهستانيّ". اهـ "سندي".
(قولُهُ: أقول: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ صيرورتَهُ شريكاً فرعُ صحَّةِ الإجارةِ) الظَّاهرُ أنَّه يصيرُ شريكاً بدونٍ صحَّةٍ
(١) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٧/٣ - ٧٨ بتصرف.
(٢) "ح": كتاب الحج - باب الهدي ق١٤٨/ب.
(٣) "ط": كتاب الحج - باب الهدي ٥٥٧/١.
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب الهدايا صـ٣١٢ _-.
(٥) انظر المقولة [٢٩٨٦٩] قوله: ((فسدت في الكل)).

قسم العبادات
٤٥٠
حاشية ابن عابدين
(ولا يركبُهُ) مطلقاً (بلا ضرورةٍ) فإن اضطُرَّ إلى الرُّكوبِ ضَمِنَ ما نقَصَ بركوبِهِ
وحَمْلِ متاعِهِ، وتصدَّقَ به على الفقراء، "شرنبلاليَّة".
أَنَّه لو دفَعَ لآخرَ غَزْلاً لينسجَهُ له بنصفِهِ، أو استأجَرَ بغلاً ليحملَ طعامَهُ ببعضِهِ، أو ثوراً لَيَطْحَنَ بُرَّهُ
ببعضِ دقيقِهِ فسدت؛ لأنّه استأجَرَهُ بجزءٍ من عمله، وحيث فسَدَت الإجارةُ يجبُ أجر المثل
من الدراهم كما صرَّحُوا به أيضاً، وهذا يقتضي أنْ يجبَ له أجرُ مثلِهِ دراهمَ ولا يستحقَّ شيئاً
من اللَّحم، فلم يَصِرْ شريكاً فيه، فليتأمَّل. ثُمَّ رأيتُ في "معراج الدراية" ما نصُّهُ: ((والبَضْعَةُ التي
◌ُعِلَتْ أجرةً بمنزلة قفيزِ الطحَّان؛ لأَنَّها من منافعٍ عمله، فلا تكونُ أجرةً)) اهـ.
٢٥٠/٢
ثمَّ ذكَرَ: ((أَنَّه لو تصدَّقَ عليه منها جازَ، ولو أعطاه شيئاً بجزارته ضَمِنَهُ))، فعُلِمَ أنَّ كلامه
الأوَّلَ فيما لو شرَطَ الأجرةَ منها، والأخيرَ فيما لو لم يَشرِطْهُ، وأَنَّه لا فرقَ بينهما، والله أعلم.
[١١٠٢٣] (قولُهُ: ولا يركبُهُ مطلقاً) أي: سواءٌ جازَ له الأكلُ منه أوْ لا، "نهر "(١). قال:
((وصرَّحَ في "المحيط" بحرمته)).
[١١٠٢٤] (قولُهُ: "شرنبلاليّة") نقَلَ ذلك في "الشرنبلاليَّة"(٢) عن "الجوهرة"(٣) و"البِرْ جَنديّ"
الإجارة، وذلك أنَّ بإعطائه منه بحكم الإجارة المذكورة ملّكَهُ بسببِ العقد الفاسد، فخرَجَ عن قَصْدِ القُربة
مستنداً للعقد، ووجوبُ أجرةِ المثل دراهمَ لا يَنفي أَنَّه لو أعطاهُ منه بالشَّرط تَبْنَ الشَّرِكَةُ وَقَصْدَ اللَّحمِ
في البعض، بخلاف ما إذا أعطاه بدون شرطٍ؛ لأنَّه بإعطائه وَفَى دَيْناً واجباً عليه، فيضمنُهُ فقط، أو يقال:
ليس المرادُ بكونه شريكاً أنَّه صار شريكاً بمقتضى الإجارةِ، بل جعلُهُ شريكاً بمقتضى هذا الاشتراطِ وإنْ كان
فاسداً، وذلك أنَّه قبلَ الذَّبحِ شرَطَ له جزءاً منه، فعند الذّبح قُصِدَ اللَّحمُ بالبعض بسبب هذا الجَعْل،
ففي الحقيقةِ علَّةُ عدمِ الإجزاء قصدُ اللَّحم الذي ترتّبَ على جعلِهِ شريكاً وإنْ لم تثبت الشَّرِكةُ اهـ، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الحج - باب الهدي ق ١٦٠/أ.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب: محرم أُحصر ٢٦٣/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "الجوهرة النيرة": كتاب الحج - باب الهدي ٢٢٣/١.

الجزء السابع
٤٥١
باب الهدي
فإِنْ أَطعَمَ منه غنيًّ ضَمِنَ قيمتَهُ، "مبسوط"(١). ولا يَحُبُهُ.
(ويَنْضَحُ ضَرْعَها بالماءِ الباردِ) لو المَذْبَحُ قريباً، وإلاّ حلَبَهُ.
و"الهداية"(٢) و"كافي النسفيِّ"(٣) و"كافي الحاكم"، ومثلُهُ في "اللباب" (٤)، فما في "البحر "(٥)
و"النهر"(٦): ((من أنَّ ظاهر كلامهم أنَّها إن نقَصَتْ بركوبه لضرورةٍ فإنَّه لا ضمانَ عليه)) مخالفٌ
لصريحِ المنقول.
[١١٠٢٥] (قولُهُ: فإِنْ أطعَمَ منه) أي: مما ضَمِنَهُ من النَّقْص، وقولُهُ: ((ضَمِنَ قِيمَتَهُ))
لأنَّ الصدقة لا تصحُّ على غنيٌّ، وعبارةُ "البحر)"(٧): ((لو رَكِبَها أو حَمَلَ عليها فنقَصَتْ فعليه
ضمانُ ما نقَصَ، ويتصدَّقُ به على الفقراءِ دون الأغنياء؛ لأنَّ جواز الانتفاع بها للأغنياء معلّقٌ
ببلوغ المحلِّ)).
[١١٠٢٦] (قولُهُ: وَيَنْضَحُ) أي: يَرُثُّ بفتح الضاد وكسرها، "بحر"(٨). وفائدتُهُ قطعُ اللَّبْن.
[١١٠٢٧] (قولُهُ: لو الَذْبَحُ قريباً) مَفعَل بمعنى الزَّمان، أي: زمانُ الذَّبح؛ لقولهم: هذا إذا كان
قريباً من وقت الذَّح، "ح"(٩). وفي بعض النسخ: ((لو الذَّبحُ)) بدون [٢/ق ٤٨١ /أ] ميمٍ،
(قولُهُ: بفتحِ الضَّادِ وكسرِها) أي: من بابِ ضرَبَ ونفَعَ.
(١) "المبسوط": كتاب الحج - باب النذر ١٤٥/٤.
(٢) "الهداية": كتاب الحج - باب الهدي ١٨٧/١.
(٣) "كافي النسفي": كتاب الحج - باب الهدي ١/ق ١٠٠/ب بتصرف.
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب الهدايا - فصل: ومن ساق بدنة صـ٣١٤ -.
(٥) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٨/٣.
(٦) "النهر": كتاب الحج - باب الهدي ق ١٦٠/أ.
(٧) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٨/٣.
(٨) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٨/٣.
(٩) "ح": كتاب الحج - باب الهدي ق١٤٨ /ب معزياً إلى "البحر" و"الزيلعي".

قسم العبادات
٤٥٢
حاشية ابن عابدين
وتصدَّقَ به (ويُقيمُ بدلَ) هدىٍ (واجبٍ عَطِبَ أو تعَّبَ بما يَمنَعُ) الأضحيةَ.
وهذا أَولى ليشملَ ما قَرُبَ وقته ومكانه، فإِنَّه قد يكونُ في الحرم ولم يدخل وقته وهو يومُ النَّحر،
وقد يكونُ في خارجه ودخل وقتُهُ، ولا يصحُّ أنْ يُرادَ كلٌّ من الزَّمان والمكان في المصدر الميميِّ؛
لأنَّ المشترَك لا يُستعمَلُ في معنيبه، أفادَهُ "الرحمتيُّ".
[١١٠٢٨] (قولُهُ: وتصدَّقَ به) أي: على الفقراءِ، فإنْ صرَفَهُ لنفسه، أو استهلَكَهُ، أو دفَعَهُ لغنيّ
ضَمِنَ قيمتَهُ، أي: فيتصدَّقُ بمثله أو بقيمته، "شرح اللباب"(١).
[١١٠٢٩] (قولُهُ: ويُقيمُ إلخ) لأنَّ الوجوب متعلّقٌ بذمَّتِهِ، وهذا إذا كان مُوسِراً، أمّا إذا كان
معسراً أجزأه ذلك المعيبُ؛ لأنَّ المعسر لم يتعلَّق الإيجابُ بذمَّته، وإنما يتعلَّقُ بما عيَّنَهُ، "سراج".
[١١٠٣٠] (قولُهُ: واجبٍ) هل يدخلُ فيه هنا ما لو نذَرَ شاةً معيّنةً فهلكت، فيلزمُهُ غيرها
أو لا لكون الواجبةِ في العين لا في الذمَّة؟ "بحر"(٢). والظاهرُ الثاني كما يفيدُهُ ما نقلناه(٣)
عن "السِّراج" وما ننقلُهُ(٤) عنه قريباً.
[١١٠٣١] (قولُهُ: عَطِبَ أو تعَّبَ) أي: قبلَ وصوله إلى مَحِلّه من الحرم أو زمانِهِ المعَّنِ له،
"شرح اللباب" (٥). والعَطَبُ: الهلاكُ، وبابُهُ عَلِمَ.
[١١٠٣٢] (قولُهُ: بما يَمنَعُ الأُضحيةَ) كالعَرَجِ والعمى، "ط)(٦) عن "القُهُستانيّ)(٧).
(قولُهُ: أي: قبلَ وصولِهِ إلى محلّه إلخ) وكذا بعدَ ذلك قبل الذَّبح.
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الهدايا - فصل: ومن ساق بدنة صـ٣١٤ __.
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٩/٣.
(٣) في المقولة السابقة.
(٤) المقولة [١١٠٣٥] قوله: ((نحره إلخ)).
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب الهدايا ــ فصل: ومن ساق بدنة صـ٣١٤ _-.
(٦) "ط": كتاب الحج - باب الهدي ٥٥٧/١.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الحج - فصل الإحصار ٢٦٧/١ بتصرف.

الجزء السابع
٤٥٣
باب الهدي
(وصنَعَ بالمعيب ما شاء، ولو) كان المعيبُ (تطوُّعاً نَحَرَهُ وصَبَغَ قِلادتَهُ) بدمِهِ
(وضرَبَ به صَفْحَةَ سَنامِهِ) لِيُعلَمَ أَنَّه هديٌ للفقراء، ولا يَطْعَمُ (ولا يُطعِمُ منه غنّيّاً)
لعدمٍ بُوغِهِ مَحِلَّهُ. (ويُقلِّدُ) ندباً.
[١١٠٣٣] (قولُهُ: ما شاءَ) أي: من بيعٍ ونحوِهٍ، "فتح"(١).
[١١٠٣٤] (قولُهُ: ولو كان المعيبُ) خصَّهُ بالذّكر لأنَّ ما عَطِبَ لا يمكنُ ذبحه، ولَمَّا فرَضَ
المسألة في "الهداية"(٢) في المعطوبِ قال في "الفتح"(٣): ((المرادُ بالعَطَبِ الأوَّلِ حقيقته، وبالثاني
القربُ منه))، ومثلُهُ في "البحر "(٤)، وهذا أَولى؛ لأنَّ ما قَرُبَ من العَطَب لا يمكنُ وصوله إلى الحرم
فينحرُّهُ في الطريق، بخلاف المعيبِ الذي لم يَصِلْ إلى هذه الحالة، فإنَّه إذا أمكنَ سوقُهُ لا داعيَ
لنحره في غير الحرم، بل يذبحُهُ فيه، ففي التّعبير بالمعيبِ إيهامٌ.
[١١٠٣٥] (قولُهُ: نَحَرَهُ إلخ) أي: وليس عليه غيرُهُ؛ لأَنَّه لم يكن متعلّقاً بذمَّته كمن قال:
للَّهِ عليَّ أنْ أتصدَّقَ بهذه الدراهم، وأشار إلى عينها فَتَلِفَتْ سقَطَ الوجوبُ، ولم يلزمه غيرُها،
"سراج".
[١١٠٣٦] (قولُهُ: ولا يَطعَمُ) بفتح الياء من باب عَلِمَ، أي: لا يأكلُ، "ح"(٥). فإنْ أكَلَ
أو أطعَمَ غنيّاً ضَمِنَ، "لباب"(٦).
[١١٠٣٧] (قولُهُ: لعدم بلوغِهِ مَحِلَّهُ) قال في "الهداية"(٧): ((لأنَّ الإذن بتناولِهِ معلَّقٌ بشرطِ
(١) "الفتح": كتاب الحج - باب الهدي ٨٤/٣.
(٢) "الهداية": كتاب الحج - باب الهدي ١٨٧/١.
(٣) "الفتح": كتاب الحج - باب الهدي ٨٣/٣.
(٤) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٨/٣ - ٧٩.
(٥) "ح": كتاب الحج - باب الهدي ق ١٤٨/ب.
(٦) انظر "إرشاد الساري": باب الهدي - فصل: ومن ساق بدنة صـ٣١٤-، وفي "د" زيادة: ((يستحبُّ لكلِّ مَنْ قصد
مكة بنسك أن يهدي هدياً "لباب".)).
(٧) "الهداية": كتاب الحج - باب الهدي ١٨٨/١.

قسم العبادات
٤٥٤
حاشية ابن عابدين
بدنةَ (التَّطوُّعِ) ومنه النَّذْرُ (والمتعةِ والقِران فقط) لأنَّ الاشتهار بالعبادة أليقُ، والسَّتْرَ
بغيرِها أحقُّ.
(شَهِدُوا) بعد الوقوف (بوقوفِهم بعدَ وقته لا تُقبَلُ) شهادتُهم، والوقوفُ(١) صحيحٌ
استحساناً، ..
بلوغه مَحِلَّهُ، فينبغي أنْ لا يحلَّ قبل ذلك أصلاً، إلاَّ أنَّ التصدُّقَ على الفقراء أفضلُ من أن يتركه
جَزْراً للسِّباعِ، وفيه نوعُ تقرُّبٍ، والتقرُّبُ هو المقصود)) [٢/ق ٤٨١ /ب].
[١١٠٣٨] (قولُهُ: بدنةَ التطوُّعِ) قَّدَ بالبدنة لأَنَّه لا يُسَنُّ تقليدُ الشَّة، ولا تُقلِّدُ عادةً، "بحر "(٢).
[١١٠٣٩] (قولُهُ: ومنه الَّذْرُ(٢) لأَنَّه لَمَّا كان بإيجابِ العبد كان تطوُّعاً، أي: ليس بإيجابِ
الشارع ابتداءً، "بحر "(٤).
[١١٠٤٠] (قولُهُ: فقط) أفادَ أَنَّه لا يُقُلِّدُ دمَ الجنايات ولا دمَ الإِحصار؛ لأَنَّه جابرٌ، فُلحَقُ
يجنسها كما في "الهداية"(٥)، ولو قلَّدَهُ لا يضرُّ، "لبحر"(٦) عن "المبسوط"(٧).
( فرعٌ )
كلُّ ما يُقلَّدُ يُخرَجُ إلى عرفاتٍ، وما لا فلا، ويُذْبَحُ في الحرم، ولو تُرِكَ الَّعريفُ ما يُقلَّدُ
لا بأس به، "سراج".
[١١٠٤١] (قولُهُ: شهدوا إلخ) بيانُهُ ما في "اللباب"(٨): ((إذا التَّسَ هلالُ ذي الحجَّة، فوقفوا
بعد إكمال ذي القعدة ثلاثين يوماً، ثمَّ تبَّنَ بشهادةٍ أنَّ ذلك اليوم كان يومَ النَّحر فوقوفُهم صحيحٌ
وحجُّهم تامّ، ولا تُقبَلُ الشَّهادة)) اهـ.
(١) في "د" و"و": ((والوقوف والحج صحيحٌ ... )).
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٩/٣.
(٣) هذه المقولة ساقطة من "الأصل".
(٤) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٩/٣.
(٥) "الهداية": كتاب الحج - باب الهدي ١٨٨/١.
(٦) "البحر": كتاب الحج - باب الهدي ٧٩/٣.
(٧) "المبسوط": كتاب المناسك - باب جزاء الصيد ١٠٢/٤.
(٨) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في اشتباه يوم عرفة صـ ١٤١ -.

الجزء السابع
٤٥٥
باب الهدي
حَتَّى الشُّهودُ للحرجِ الشَّديد (وقَبْلَهُ) أي: قبلَ وقِتِهِ (قُبَتْ إنْ أمكَنَ الَّدارُكُ) ليلاً
مع أكثرِهم، وإلاّ لا.
(رَمَى في اليومِ الثّاني)
[١١٠٤٢] (قولُهُ: حتَّى الشُّهودُ) أي: حجُّهم صحيحٌ وإن كان عندهم أنَّ هذا اليوم يومُ
النَّحر، حتّى لو وقفوا على رؤيتهم لم يَجُز وقوفُهم، وعليهم أن يعيدوا الوقوفَ مع الإِمام،
وإن لم يعيدوا فقد فاتَّهم الحجُّ، وعليهم أن يُحِلُّوا بالعمرةِ وقضاءُ الحجِّ من قابلٍ
كما في "اللباب"(١) وغيره.
(١١٠٤٣) (قولُهُ: للحرجِ الشَّديدِ) بيانٌ لوجهِ الاستحسان، أي: لأنَّ فيه بلوى عامَّةً لتعذُّرِ
الاحترازِ عنه، والتّداركُ غيرُ ممكنٍ، وفي الأمر بالإعادة حرجٌ بِيِّنٌ، فوجَبَ أنْ يُكَتَفَى به عند
الاشتباه، بخلاف ما إذا وقفوا يوم الّتِّروية؛ لأنَّ التَّدارك ممكنٌ في الجملة بأنْ يزولَ الاشتباهُ(٢)
في يوم عرفة، "هداية"(٣).
[١١٠٤٤] (قولُهُ: وقبلَهُ إلخ) أي: ولو شهدوا بعدَ الوقوف بوقوفهم قبل وقته قُبَلَتْ
شهادتهم، وقوله: ((إِنْ أمكَنَ التَّدَارُكُ)) فيه نظرٌ؛ لأَنَّهم إذا شهدوا أنَّ اليوم الذي وقفوا فيه يومُ
التَّروية فلا شكَّ أنَّ الَّدارك - بأنْ يَقِفوا يوم عرفة - ممكنٌ كما قالَهُ "ابن كمالٍ"، واعترَضَ قولَ
"الهداية(٤): ((في الجملةِ إلخ)) بأنّه لا حاجةً إليه.
٢٥١/٢
قلت: لكنَّ اعتراضه ساقطٌ؛ لأنَّ قول "الهداية": ((بأنْ يزولَ الاشتباهُ في يوم عرفة)) بيانٌ
لقوله في الجملة، ومعناه أنَّهم إذا شَهِدُوا يوم عرفة وزال الاشتباهُ بشهادتهم يمكنُ تدارُكُ الوقوف،
بخلاف ما إذا شهدوا يومَ النَّحر فإنَّه لا يمكنُ النَّدارُكُ، فلمَّا أمكَنَ الَتَّدارك هنا في الجملة
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في اشتباه يوم عرفة صـ١٤٢ -.
(٢) من ((بخلاف ما إذا)) إلى ((الاشتباه)) ساقط من "آ".
(٣) "الهداية": كتاب الحج - باب الهدي ١٨٨/١.
(٤) المار في المقولة السابقة.

قسم العبادات
٤٥٦
حاشية ابن عابدين
- أي: في بعض الصُّورِ - قُبلَت الشهادةُ، بخلاف الشهادة بأنّهم وقفوا بعد يومه، فإنَّ النَّدارُكَ غيرُ
ممكنٍ أصلاً، فلذا لم تُقُبَل، ومقتضى هذا الفرق المذكور بين المسألتين [٢/ق٤٨٢/ أ] أنّه
إذا شهدوا بالوقوف قبل وقته أنْ تُقُبَلَ الشهادة وإن لم يمكن التَّدارُكُ؛ لأَنّه لَمَّا أمكَّنَ الَّدَارُكُ
في بعض صُورِها صار لقبولها محلٌّ فقُبلَتْ مطلقاً بخلاف الشهادة بالوقوف بعد وقته، فإنَّه حيث
لم يمكن التَّدارُكُ فيها أصلاً لم يكن لقبولها محلٌّ، ثمَّ رأيت التّصريحَ بذلك في "شرح الجامع"
لـ "قاضي خان"(١)، حيث قال في توجيهِ القياس في المسألة الأولى: ((ولهذا لو تبيَّنَ أَنّهم وقفوا
يوم الّروية لا يُجزئهم وإنْ لم يعلموا بذلك إلاَّ يوم النّحر)) اهـ.
وحاصلُهُ: أنَّ القياس هناك أنْ تُقبَلَ الشهادة ولا يصحَّ الحجُّ وإن لم يمكن التدارُكُ كما
في هذه المسألة إذا لم يعلموا بوقوفهم يومَ الّروية إلاَّ يوم النَّحر، فهذا صريحٌ فيما قلناه، ولله الحمد.
فإذا علمتَ ذلك ظهَرَ لك أنَّ قول "المصنّف": (قُبِلَتْ إن أمكنَ الَّدَارُكُ)) غيرُ صحيحٍ، بل
الشهادةُ في هذه المسألة مقبولةٌ مطلقاً، نعم ذكروا هذا التقييدَ في مسألةٍ ثالثةٍ، قال في "البحر"(٢).
((وقد بقي هنا مسألةٌ ثالثةٌ، وهي ما إذا شهدوا يومَ التِّروية والناسُ بمنى أنَّ هذا اليوم يومُ عرفة
(قولُهُ: وقد بقيَ هنا مسألةٌ ثالثةٌ، وهي ما إذا شَهِدوا يومَ التَّروية إلخ) يُنظَرُ الفرقُ بين الصُّورة
الثانية والثالثة، حيث اعتَبَر إمكانَ التَّدارُكِ في الثالثة لا في الثانية، ولعلَّ الأحسنَ أن يقال: إنَّ ما جَرَى
عليه "الشارح" إحدى طريقتين، وما زادَهُ في "البحر" من الصُّورة الثالثة مفرَّعٌ عليها، ويدلُّ عليها
ما في "القهستانيِّ": ((لا تُقبَلُ شهادتُهم بعد وقته كما إذا شَهِدُوا يومَ النَّحرِ أنَّهم وَقَفُوا يومَ التّروية،
أو شَهِدُوا ثانيَ النَّحر أنَّهم وَقَفُوا يومَ النّحر؛ لأنَّ التَّدارُكِ غيرُ ممكنٍ))، ثمَّ نقَلَهُ عن "المحيط" بقوله:
((والحاصلُ: أنَّ كلَّ ما لو قُبِلَتْ الشَّهادة فيه لغاتَ الحجُّ على الكلِّ لم تُقْبَل الشَّهادةُ فيه وإنْ كَثُرَ
الشُّهود، بخلاف ما لو فاتَ على البعض فإنّها تُقبَلُ)) اهـ.
وما يفيدُهُ كلامُ "الهداية" و"قاضيخان" في "شرح الجامع" - من أنَّ المدار على الإمكانِ
في الجملة - هو الطريقةُ الثانية.
(١) "شرح الجامع الصغير": كتاب الحج - باب مسائل لم تدخل في الأبواب ١/ق ٨٢/أ.
(٢) "البحر": كتاب الحج - مسائل منثورة ٨٠/٣.