Indexed OCR Text
Pages 421-440
الجزء السابع ٤١٧ باب الحج عن الغير الأبوين الآتيةُ؛ لأَنَّها بدونِ الأَمْر كما يأتي، فلا تتحقَّقُ المخالفةُ في تركِ الَّعيين، ويمكنه التَّعيينُ في الانتهاء؛ لأنَّ حقيقته جَعْلُ الثواب، ولذا لو أمَرَهُ أبواه بالحجِّ كان الحكمُ كما في الأجنبَّين. وفي الصورة الثانية من الأربعِ لم تتحقَّق المخالفةُ بمجرَّدٍ الإحرام قبل الشُّروع في الأعمال، ولا يمكن صرفُ الحجَّةِ له؛ لأنَّه أخرَجَها عن نفسه بجعلِها لأحدِ الآمِرَين، فلا تنصرفُ إليه إلاّ إذا وُجِدَ تحقُّقُ المخالفة أو العجزُ عن التَّعيين، ولم يتحقَّق ذلك؛ لأَنَّه يمكنُهُ الَّعيين، إلاّ إذا شرَعَ في الأعمال ولو شوطاً؛ لأنَّ الأعمال [٢/ق٤٧٣/ب] لا تقعُ لغيرِ معَيَّنٍ فتقعُ عنه، ثُمَّ لا يمكنه تحويلُها إلى غيره، وإنما له تحويلُ الَّواب فقط، ولولا النصُّ لم يتحوَّل الثَّوَابُ أيضاً. وفي الصورة الثالثة لا خفاءَ أَنَّه ليس فيها مخالفةٌ لأحدٍ الآمرين ولا تعذُّرُ الَّعيين، ولا تقعُ عن نفسه لِما قدَّمناه، وأمَّ الرَّابعةُ فأظهرُ الكلِّ)) اهـ ما في "الفتح" ملخصاً. وأنت خبيرٌ بأنَّ ما قرَّرَهُ في الصورةِ الثانية صريحٌ في أَنَّه إذا شرَعَ في الأعمال قبل تعيينٍ أحد الآمرين وقَعَت الحجَّة عن نفسه لتحقُّقِ المخالفة والعجزِ عن الَّعيين، وكذا تقعُ عن نفسه بالأَولى في الصورة الأولى، والظاهرُ أنّها تُجزئه عن حجَّةِ الإِسلام؛ لأنّها تصحُّ بالَّعبين وبالإطلاق بخلاف ما لو نوى بها النفلَ، والمأمورُ وإنْ كان صرَفَها عن نفسه بجعلِها للآمِرَين أو لأحدهما لكنْ لَمَّا تحقَّقَت المخالفةُ بطل ذلك الصَّرْفُ، وإلاّ لم تقع عن نفسه أصلاً، فيكونُ حينئذٍ كما لو أحرَمَ عن نفسه ابتداءً ولم يَنْوِ النفلَ، فتقعُ عن حجَّةِ الإِسلام، ولذا قال في "الفتح"(١) أيضاً فيما لو أمَرَهُ بالحجِّ فقرَنَ معه عمرةً لنفسه: ((لا يجوز، ويضمنُ اتفاقاً))، ثمَّ قال: ((ولا تقعُ عن حجَّةِ الإِسلام عن نفسه؛ لأنَّ أقلَّ ما تقعُ بإطلاقِ النَّة، وهو قد صرَفَها عنه في النَّة، وفيه نظرٌ)) اهـ كلامُهُ. (قولُهُ: وفيه نظرٌ) الظاهرُ من كلام "الفتح" أنَّ هذا تنظيرٌ في التَّعليل لا الحكم، وهو عدمُ الإجزاء عن حجَّةِ الإِسلام، ومن المعلوم أنَّ البحث في العلَّة لا يقدحُ في الحكم المنصوص، تأمَّل. (١) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٣/٣. قسم العبادات ٤١٨ حاشية ابن عابدين (بخلاف ما لو أهَلَّ بحجّ عن أبويه أو غيرِهما) من الأجانبِ حالَ كونِهِ (متبرِّعاً فعيَّنَ) بعد ذلك جازَ؛ والظاهرُ أنَّ وجه النّظَر ما قرَّرناه من أنّه حيث تحقّقت المخالفةُ ووقعت عن نفسه بطّلَ صرفُ النَّةِ، فُتُحزيه عن حجَّةِ الإِسلام، فقولُهُ في "البحر" فيما مرَّ(١): ((تقعُ عن المأمور نفلاً، ولا تُحزيه عن حجَّةِ الإِسلام)) فيه نظرٌ، وقد صرَّحَ "الباقانيُّ" في "شرح الملتقى" - وتَبِعَهُ "الشارح" في "شرحه" عليه أيضاً(٢) - ((بأنَّه يخرجُ بها عن حجَّةِ الإِسلام))، فهذا ما تحرَّرَ لي فافهم، والسلام. [١٠٩٦٤] (قولُهُ: بخلاف ما لو أهَلَّ إلخ) مرتبطٌ بقوله: ((ومن حَجَّ عن آمِرَيه))، وقولُهُ: ((جاز)) جملةٌ مستأنفةٌ لبيان جهة المخالفة بين المسألتين، فإنَّه في الأُولى لا يجوزُ، والثانيةُ بخلافها، لكنَّ الجواز هنا مشروطٌ بما إذا لم يأمراه بالحجِّ، وقولُهُ: ((عن أبويه أو غيرهما)) تنبيه على أنَّ ذكر ٢٤٤/٢ الأبوين في "الكنز"(٣) وغيره ليس بقيدٍ احترازيٍّ، وإنما فائدتُهُ الإشارة إلى أنَّ الولد يُندَبُ له ذلك جدًّاً كما في "النهر "(٤)، وبه عُلِمَ أنَّ الَّقيد بالأبوين في هذه المسألةِ لا يدلُّ على أنَّ المراد بالآمِرَين في التي قبلها الأجنبيَّان، [٢/ق٤٧٤/أ] بل الأبوان إذا أمراه فحكمُهما كالأجنبيّين كما قدَّمناه(٥) عن "الفتح"، فظهَرَ أَنَّه لا فرقَ بين الأبوين والأجنبيّين في المسألتين، وإنما العبرةُ للأمرِ وعدمِهِ، أي: صريحاً كما يظهرُ قريباً(٦)، فإذا أحرَمَ بحجَّةٍ عن اثنين أمرَهُ كلٌّ منهما بأنْ يُحِجَّ عنه وقَعَ عنه، ولا يقدرُ على جعلِهِ لأحدهما، وإِنْ أحرَمَ عنهما بغيرِ أمرهما صَحَّ جعلُهُ لأحدهما أو لكلِّ منهما، (١) المقولة [١٠٩٥٨] قوله: ((وقع عنه)). (٢) "الدر المنتقى": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٣٠٨/١ (هامش "مجمع الأنهر"). (٣) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ١٣٦/١. (٤) "النهر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق١٥٩ /ب. (٥) المقولة [١٠٩٥٧] قوله: ((عن آمريه)). (٦) في هذه المقولة. الجزء السابع ٤١٩ باب الحج عن الغير وكذا لو أحرَمَ عن أحدِهما مبهماً يصحُّ تعينُهُ بعد ذلك بالأَولى كما في "الفتح"(١)، قال: ((ومبناه على أنَّ نَّتَه لهما تلغو لعدمِ الأمر، فهو متبرِّعٌ، فتقعُ الأعمال عنه البتّة، وإِنما يجعلُ لهما الثَّوابَ، وترتُّبُه بعد الأداء، فتلغو نَُّهُ قبله، فيصحُّ جعلُهُ بعد ذلك لأحدهما أو لهما، ولا إشكالَ في ذلك إذا كان متنفّلاً عنهما، فإنْ كان على أحدِهما حجُّ الفرض وأوصى به لا يسقطُ عنه بتبرُّعِ الوارث عنه بمالِ نفسِهِ، وإنْ لم يُوصِ به فتبرَّعَ الوارثُ عنه بالإِحجاج أو الحجِّ بنفسه قال "أبو حنيفة": يُجزيه إن شاء الله تعالى؛ لقوله ﴿ لـ "الختعميَّة": ((أرأيتِ لو كان على أبيك دينٌ)) الحديثَ(٢))) انتهى. وبهذا ظهَرَ فائدةٌ أخرى للتّقييد بالأبوين في هذه المسألة، وهي سقوطُ الفرض عن الذي عيَّنَهُ (قولُهُ: وبهذا ظهَرَ فائدةٌ أخرى للتَّقييد إلخ) ليس في عبارة "الفتح" ما يقتضي ذلك، بل غايةٌ ما أفادتْهُ هو حكمُ تبرُّعِ الوارث عن مورِّتُه بالحجِّ ابتداءً، ويكونُ قوله: ((فإن كان على أحدِهما إلخ)) انتقالاً لمسألةٍ أخرى مناسبةٍ لِما قبلها من حيث التبرُّعُ في كلِّ عن المورِّث، ولا داعيَ لَحَمْلِها على المسألة الأولى، وذلك بأنْ ينويَهما أوَّلاً ثمَّ يُعَيِّنَ أحدَهما حتَّى يأتيَ ما قاله من الإشكال، بل تُحمَلُ على تبرُّعِهِ ابتداءً لأحدهما بدون أنْ ينويَهما معاً أوَّلاً، وقولُهُ: (( ولا إشكالَ إذا كان متنفّلاً عنهما)) ليس القصدُ منه الاحترازَ عمَّا إذا عيَّنَ أحدَهما بعد الإبهام، وأنَّه يسقطُ به الفرضُ، وأنَّ فيه إشكالاً، بل القصدُ الإشارةُ إلى بيانِ موضوع المسألة، وهو أنَّ المراد بالتبرُّعِ عنهما على سبيل التنفُّل بالثواب فقط، وأيضاً الجوابُ الذي ذكر لا يصلُحُ دافعاً للإشكال على تقديرِ أنَّ ما ذكرَهُ هو مرادُ "الفتح"، فإنَّه لا شكَّ أنَّ المراد مما ذكرَهُ "الشارح" المارِّ أنْ يبتدئ الإِحرامَ لأحدهما معيَّناً، وليس فيه ما يدلُّ على صحَّةٍ التّحويلِ بعد وقوع الأعمال عن الوارث، وأيضاً قد تقدَّمَ له: ((أنَّ مِن شرائط الحجِّ عن الغيرِ نََّهُ عنه)). والحاصلُ: أَنَّ ليس في عبارة "الفتح" ما يدلُّ على ما ادَّعاهُ المحشِّي من سقوطِ الفرض عن الذي عيَّنَهُ بعد الإبهام، ويمكنُ حملها على ما يُوافِقُ الفروعَ المنصوصَ عليها، ولا داعيَ لِما حَمَلَهُ عليها حتَّى يأتيَ الإشكالُ، ويكونُ كلامُهُ مخالفاً لِما ذكروه، تأمَّل. وبهذا تعلمُ عدمَ صحَّةٍ ما سلَكَهُ هنا وفيما يأتي أيضاً. (١) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٧/٣. (٢) تقدّم تخريجه صـ ٣٩٤ -. قسم العبادات ٤٢٠ حاشية ابن عابدين له بعد الإبهام لو بدون وصيَّةٍ، لكن يُشكِلُ عليه أَنَّه إذا لَغَتْ نَيَّتُهُ لهما لعدم الأمر، ووقَعَتْ الأعمالُ عنه البتّةً كيف يصحُّ تحويلُها إلى أحدهما وقد مرَّ(١) أنَّ الحجَّ إذا وقَعَ عن المأمور لا يمكنُ تحويله بعد ذلك إلى الآمِر؟! نعم يمكنُ تحويلُ الثَّواب فقط للنصِّ كما مرَّ، ولهذا - والله أعلم - قال في "الفتح"(٢): ((ولا إشكالَ في ذلك إذا كان متنفّلاً عنهما))، أي: لأنَّ غاية حالِ المتنقّل أنْ يجعلَ ثوابَ عمله لغيره، وهو صحيحٌ، أمَّا وقوعُ عمله عن فرضِ الغير بغيرِ أمره فهو مشكلٌ، والجوابُ ما مرَّ(٢) في كلام "الشارح" من أنَّ الوارث إذا حَجَّ أو أحَجَّ عن مورِّتُه جاز لوجودِ الأمرِ دلالةً، أي: فكأنّه مأمورٌ من جهته بذلك، وعليه فتقعُ الأعمال عن الميتِ لا عن العامل، فقوله في "الفتح": ((ومبناه على أنَّ نَّته لهما تلغو إلخ)) مخصوصٌ بما إذا لم يكن عليهما فرضٌ لم يُوصِيا به، وقدَّمنا (٤) عن "البدائع" تعليلَهُ بالنصِّ أيضاً، وهو ما علمتَهُ من حديث "الختعميَّة"، وبهذا فارَقَ الوارثُ الأجنبيَّ، لكنْ قدَّمنا (٥) عن "شرح اللباب" [٢/ق٤٧٤/ب] عن "الكرمانيّ) و "السروجيّ": ((أَنَّ الأجنبيَّ كذلك))، نعم هذا مخالفٌ لاشتراطِ الأَمْر في الحجِّ عن الغير، والأجنبيُّ غيرُ مأمورٍ لا صريحاً ولا دلالةً، وقدَّمنا(٦) الجوابَ بأَنَّه مبنيٌّ على اختلاف الرِّواية في هذا الشَّرطِ، والمشهورُ اشتراطه، وحيث عُلِمَ وجودُهُ في الوارثِ دلالةً ظهَرَ لاقتصارِ "الكنز)"(٧) وغيره على الأبوين فائدةٌ ثالثةٌ، وهي أنَّ الأَمْرِ دلالةً ليس له حكمُ الأَمْرِ حقيقةً من كلِّ وجهٍ؛ لِما علمتَ من أنَّ الأبوين لو أَمَراه حقيقةً لم يصحَّ تعيينُ أحدهما بعد الإبهام كما في الأجنبيّين، وإنْ لم يأمراه صريحاً صحَّ الَّعبيين، ولو فرضوا المسألةَ ابتداءً في الأجنبَّين لْتُوُهِّمَ أنَّ الأبوين لا يصحُّ تعيينُ أحدهما (١) المقولة [١٠٩٦٣] قوله: ((جاز)). (٢) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٧/٣. (٣) صـ ٣٩٣-٣٩٤ - "در". (٤) المقولة [١٠٩١٤] قوله: ((لوجود الأمر دلالة)). (٥) المقولة [١٠٩١٣] قوله: ((إلا إذا حج أو أحج الوارث)). (٦) المقولة [١٠٩١٣] قوله: ((إلا إذا حج أو أحج الوارث)). (٧) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ١٣٦/١. ١ الجزء السابع ٤٢١ باب الحج عن الغير لأَنَّه متبرِّعٌ بالثّواب، فله جَعْلُهُ لأحدِهما أو لهما،. لوجودِ الأمر دلالةً، ففرضوها في الأبوين لإفادةِ صحَّةِ التَّعبين وإن وُجدَ الأمرُ دلالةً، وليفيدوا أنَّ المراد بالأَمْر في المسألة الأُولى الأمرُ صريحاً، والله أعلم. ( تنبيةٌ ) الذي تحصَّلَ لنا من مجموعٍ ما قرَّرناه أنَّ مَن أهلَّ بحجَّةٍ عن شخصين فإِنْ أَمَراه بالحجِّ وقَعَ حجُّهُ عن نفسه ألبَّةٍ وإنْ عَّنَ أحدَهما بعد ذلك، وله بعد الفراغِ جَعْلُ ثوابه لهما أو لأحدهما، وإنْ لم يأمراه فكذلك إلاّ إذا كان وارثاً وكان على الميتِ حجُّ الفرض ولم يُوصِ به، فيقعُ عن الميتِ عن حجَّةِ الإِسلام للأَمْر دلالةً وللنصِّ بخلاف ما إذا أوصى به؛ لأنَّ غرضَهُ ثوابُ الإنفاق من ماله، فلا يصحُّ تبرُّعُ الوارث عنه، وبخلاف الأجنبيِّ مطلقاً لعدم الأمر. [١٠٩٦٥] (قولُهُ: لأَنّه متبرِّعٌ بالَّوابِ) بيانٌ لوجهِ صحَّةِ الَّعيين في مسألة الأبوين دون مسألة الآمِرَين، وهو معنى ما قدَّمناه(١) من قوله في "الفتح": ((ومبناه على أنَّ نََّهُ لهما تلغو لعدمِ الأمر، فهو متبرِّعٌ إلخ))، قال في "الشرنبلاليَّةُ"(٢): ((قلت: وتعليلُ المسألة يفيدُ وقوعَ الحجِّ عن الفاعل، فيسقطُ به الفرضُ عنه وإن جعَلَ ثوابَهُ لغيره، ويفيدُ ذلك الأحاديثُ التي رواها في "الفتح" بقوله(٣): اعلم أنَّ فعل الولدِ ذلك مندوبٌ إليه جدًّا؛ لِما أخرَجَ "الدار قطنيُّ(٤) عن "ابن عبّاسٍ" (قولُهُ: ويفيدُ ذلك الأحاديثُ التي رواها إلخ) لم يظهر من الأحاديث المذكورة ما يفيدُ ما قالَهُ، نعم يفيدُهُ ما ذكرَهُ من تعليل المسألة، وسقوطُ الفرض عن كلٍّ من الأبِ والابنِ لا يقولُ به أحدٌ خلافاً لِما يفيدُهُ كلامُ المحشِّي، وما جَنَحَ إليه مبنيٌّ على ما فَهِمَهُ من عبارة "الفتح"، وقد علمتَ ما فيه. (١) في المقولة السابقة. (٢) "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب: محرم أحصر ٢٦٠/١-٢٦١ باختصار (هامش "الدرر والغرر"). (٣) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٨/٣. (٤) أخرجه الدار قطنيّ في "السنن" ٢٦٠/٢ كتاب الحج - باب المواقيت، والطبرانيّ في "الأوسط" (٧٨٠٠)، وابن عَديّ في "الكامل" ١٤٠٦/٤، وابن حبان في "المجروحين" ٣٧٢/١. وأورده الهيثميّ في "المجمع" ١٤٦/١ = قسم العبادات ٤٢٢ حاشية ابن عابدين رضي الله تعالى عنهما عنه ◌َ﴿هَ لِمَنْ حَجَّ عن أبويه أو قَضَى عنهما مَغرَماً: ((يُعِثَ يوم القيامة مع الأبرارِ )، وأخرَجَ أيضً(١) عن "جابر" أنّه عليه الصلاة والسلام قال: ((مَن حَجَّ عن أبيه وأمِّه فقد قضى عنه حجَّنَّهُ، وكان [٢/ق٤٧٥/أ] له فضلُ عشرِ حِحَجٍ))، وأخرَجَ أيضاً(٢) عن "زيد بن أرقمّ" قال: قال رسول الله ﴿: ((إذا حَجَّ الرجلُ عن والديه تُقْبِّلُ منه ومنهما، واستبشَرَتْ أرواحُهما، وكُتِبَ عند الله بَرًَّ)) اهـ. أقول: قد علمتَ مما قرَّرناه أَنَّه إذا حَجَّ الوارثُ عنهما وعلى أحدهما فرضٌ لم يُوصِ به يقعُ عن الميت لسقوطِ الفرضِ عنه بذلك إن شاء الله تعالى، وحينئذٍ فكيف يصحُّ دعوى سقوطِ الفرض به عن الفاعلِ أيضاً وقد صرَفَهُ إلى غيره وأجزنا صرفَهُ؟! نعم يظهرُ ذلك فيما إذا كان ٢٤٥/٢ على أحدِهما فرضٌ أوصى به أو لم يكن عليه فرضٌ أصلاً، ويدلُّ على ذلك قوله في "الفتح"(٣): ((وإنما يَجْعَلُ لهما الثَّوابَ، وترُُّه بعد الأداء))، ومثلُهُ قولُ "قاضي خان" في "شرح الجامع"(٤): ((وإنما يَجْعَلُ ثوابَ فعله لهما، وهو جائزٌ عندنا، وجَعْلُ ثوابٍ حجِّهِ لغيره لا يكونُ إلَّ بعد أداء الحجِّ، فبطلت نَّتُهُ في الإحرام، فكان له أنْ يجعلَ الثَّوابَ لاَيِّهما شاء)) اهـ = كتاب البر والصّلة - باب ما جاء في الأبرار، وقال: رواه الطبرانيّ في "الأوسط"، وفيه صلة بن سليمان وهو متروك. وذكره المّقي الهنديّ في "كنز العمّال" ٤٦٨/١٦ (٤٥٤٨٥) وعزاه إلى الطبرانيّ في "الأوسط"، والدار قطنيّ في "السنن" من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما. (١) أخرجه الدار قطنيّ في "السنن" ٢٦٠/٢ كتاب الحج - باب المواقيت. وذكره المّقي الهندي في "كنز العمّال" ٤٦٨/١٦ (٤٥٤٨٤) وعزاه إلى الدارقطنيّ من حديث جابر ◌َّته. (٢) أخرجه الدار قطنيّ في "السنن" ٢٦٠/٢ كتاب الحج - باب المواقيت. وذكره المتّقي الهندي في "كنز العمّال" ٤٦٤/١٦ (٤٥٤٥٧) وعزاه إلى الدارقطنيّ. من حديث زيد بن أَرْقَم ◌َُه. وأورده السيوطيّ في "الجامع الصغير" ٨٧/١ (٥٦٠) وضعّفه. (٣) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٧/٣. (٤) "شرح الجامع الصغير": كتاب الحج - باب الرجل يحج عن غيره ١/ق ٨٠/ب. الجزء السابع ٤٢٣ باب الحج عن الغير فهذا صريحٌ في أنَّ النَّة لم تقع لهما، وأنَّ الأعمال وقَعَتْ له، فله جَعْلُ ثوابها لِمَن شاءَ بعد الأداء، فيمكنُ ادِّعاءُ سقوطِ الفرض عن الفاعل بذلك كما حرَّرناه في مسألة الحجِّ عن الآمِرَين، ويُعلَمُ به جوازُ جعلِ الإِنسان ثوابَ فرضه لغيره كما ذكرناه أوَّلَ الباب(١)، وأمَّا إذا كان على الميت فرضٌ لم يُوصِ به وسقَطَ به فرضُ الميت يلزمُ منه وقوعُ النَّة والأعمالِ له لا للفاعل، إلاَّ أن يقال: إنْ الأعمال تقعُ للعامل هنا أيضاً كما هو مقتضى إطلاق عبارة "الفتح" و"قاضي خان" وغيرهما، ولكنْ يسقُطُ بها الفرضُ عن الميت فضلاً من الله تعالى عملاً بالنصرِّ، وهو حديثُ "الختعميَّة" وإنْ خالَفَ القياسَ، ولذا علَّقَهُ "أبو حنيفة" بالمشيئة، ويسقطُ بها الفرض عن الفاعل أيضاً أخذاً من الأحاديث المذكورة، ولذا كان الوارثُ مخالفاً لحكم الأجنبيِّ في ذلك. فإِنْ قلتَ: ما مرَّ(٢) من تعليل جوازِ حجِّ الوارث بوجودِ الأَمْر دلالةٌ يقتضي وقوعَ الأعمال عن الميت؛ لأَنَّه لو أمَرَهُ صريحاً وقعت عنه بلا شبهةٍ، فيخالفُ ما اقتضاه إطلاقُ "الفتح" وغيرِهِ، وحينئذٍ فلا يمكنُ سقوط فرض العامل بذلك أيضاً. قلت: قد علمتَ أنَّ الأمر دلالةً ليس كالأمر صريحاً من كلِّ وجهٍ، ولذا صحَّ تعيينُ أحد أبويه بعد الإبهام، ولو أمَرَهُ صريحاً لم يصحَّ كالأجنبيَّين كما قدَّمنا (٣)، فلو اقتضى [٢ /ق٤٧٥/ب] الأمرُ دلالةً وقوع الأعمال عن الميت لم يصحَّ التَّعبينُ، فقلنا بوقوع الأعمال للعامل، فيسقطُ فرضُهُ بها، وكذا يسقطُ فرضُ الأب أو الأمّ عملاً بالأحاديث المذكورة، والله أعلم، هذا غايةُ ما وصَلَ إليه فهمي القاصرُ في تحرير هذه المواضع المشكلة التي لم أرَ مَن أوضحها هذا الإيضاح، ولله الحمد. (١) المقولة [١٠٨٨٥] قوله: ((بعبادة ما)). (٢) المقولة [١٠٩٦٤] قوله: ((بخلاف ما لو أهلَّ إلخ)). (٣) المقولة [١٠٩٦٤] قوله: ((بخلاف ما لو أهلَّ إلخ)). قسم العبادات ٤٢٤ حاشية ابن عابدين وفي الحديث: ((مَنْ حَجَّ عن أبويه فقد قَضَى عنه حجَّتَهُ، وكان له فَضْلُ عشرٍ حِجَجٍ، وبُعِثَ من الأبرار )). (ودمُ الإحصارِ) لا غير (على الآمِرِ في مالِهِ ولو ميتاً) قيل: من الثُّلث، وقيل: من الكلِّ، [١٠٩٦٦] (قولُهُ: وفي الحديثِ(١)) كلامه يُوهِمُ أنَّ هذا حديثٌ واحدٌ مع أَنَّه مأخوذٌ من حديثين كما علمتَ مع تغييرِ بعض اللّفظ بناءً على الصحيح من جوازِ رواية الحديث بالمعنى للعارف اهـ "ح"(٢). [١٠٩٦٧] (قولُهُ: لا غيرُ) أي: لا غيرُ دمِ الإحصار من باقي الدِّماء الثلاثة، وهو دمُ الشُّكر في القران والتمتّع، ودُمُ الجناية. [١٠٩٦٨] (قولُهُ: على الآمِرِ) هذا عندهما، وعليه المتونُ، وعند "أبي يوسف" على المأمور. [١٠٩٦٩] (قولُهُ: قيل: من النِّلُثِ) لأنَّ الوصيّة بالحِّ تنفُذُ من الثِّلُث، وهذا من توابعِ الوصيّة، وقيل: من الكلِّ؛ لأَنَّه دينٌ وجَبَ حقّاً للمأمور على الميت، فيُقضَى من جميع ماله كما لو أوصى بأنْ يُباعَ عبدُهُ ويُتصدَّقَ بثمنه، فباعَهُ الوصيُّ وضاعَ الثَّمَن من يده، ثمَّ استحقَّ العبد فإنَّ المشتري (قولُ "الشارح": مَن حَجَّ عن أبويه فقد قَضَى عنه حَتَهُ إلخ) قال الشيخ "الرَّحمتيُّ": ((هو على تقديرِ مضافٍ، أي: عن أحدٍ أبويه؛ لأَنَّه لو أحرَمَ عنهما لم يُجْزِ واحداً منهما في سقوطِ الفرض؛ لأنَّ الحجَّة الواحدة لا تُجزِئُ عن اثنين، والثوابُ الموعودُ مطلقٌ، سواءٌ أحرَمَ عن أبيه أو أمِّه)) اهـ. ويُحتمَلُ أن يعودَ الضميرُ إلى مَن حجَّ، يعني: يسقطُ فرضُ الحاجِّ، ويحصلُ الثوابُ لِمَن عَّنَهُ من أبويه، وهذا بعيدٌ، قال "المحبُّ الطبريُّ": ((ولا أعلمُ أحداً قال بظاهره من الإجزاء عنهما بحج واحدٍ، أو هو محمولٌ على أنَّه يقعُ للأصلِ فرضاً والفرعِ ثواباً)) اهـ من "السنديّ". (١) تقدم تخريجه صـ ٤٢١ -. (٢) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق١٤٧/ب. الجزء السابع ٤٢٥ باب الحج عن الغير ثُمَّ إِنْ فاتَهُ لتقصيرِ منه ضَمِنَ، وإنْ بآفةٍ سماويَّةٍ لا (ودُ القِرانِ) والتمتّعِ. يرجعُ بالثَّمَن على الوصيِّ، ويرجعُ الوصيُّ في قول "أبي حنيفة" الأخيرِ في جميع التّرِكة، من "شرح الجامع" لـ "قاضي خان"(١)، واستوجَهَ "ط))(٢) الأوَّلَ و"الرحمتيُّ" الثانيَ. [١٠٩٧٠] (قُولُهُ: ثُمَّ إِنْ فَتَهُ إلخ) أي: فات المأمورَ المعلومَ من المقام، وأطلَقَ الفواتَ فشمل ما يكون بسببِ الإِحصار وغيره، فإنَّ الإحصار يمكنُ أن يكون بتقصيرِ منه، كأنْ تناوَلَ دواءً ممرِّضاً قصداً حتَّى أحصَرَهُ، أفادَهُ "ح"(٣). هذا، وقد صرَّحُوا بأنَّ عليه الحجَّ من قابلٍ بمال نفسه كفائتِ الحجِّ كما في "البحر " (٤)، ثُمَّ قال: ((ولم يُصرِّحوا بأنَّه في الإحصار والفوات إذا قَضَى الحجَّ هل يكونُ عن الآمِر أو يقعُ للمأمور؟ وإذا كان للآمِرِ فهل يُحَبِّرُ على الحجِّ من قابلٍ بمالِ نفسه؟)) اهـ. أقول: قال في "البدائع"(٥): ((فإنْ فَتَهُ الحجُّ يَصنَعُ ما يصنعُهُ فائتُ الحجِّ بعد شروعه، ولا يضمنُ النَّفْقةَ؛ لأَنّ فاتَّهُ بغيرِ صنعه، وعليه في نفسه الحجُّ من قابلٍ؛ لأنَّ الحجَّة قد وجَبَتْ عليه بالشُّروعِ، فَزِمَهُ قضاؤها، وهذا على قول "محمَّدٍ" ظاهرٌ؛ لأنَّ الحجَّ عنده يقعُ عن الحاجِّ)) اهـ. ونقَلَهُ في "النهر"(٦) عن "السِّراج"، ثمَّ قال: ((وعلى قولِ غير "محمَّدٍ "(٧) من أنَّه يقعُ عن الآمِرِ فينبغي أن يكون القضاءُ عن الآمِ، وتلزمُهُ النَّفْقَةُ)) اهـ. ويؤيِّدُهُ أَنَّه صرَّحَ في "اللباب" (٨): ((بأَنَّ إِنْ فاتَهُ بآفةٍ سماويَّةٍ لم يضمن، ويستأنفُ الحجّ (١) "شرح الجامع الصغير": كتاب الحج - باب الرجل يحج عن غيره ١/ق ٨١/أ بتصرف. (٢) "ط": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٥٥٢/١. (٣) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٤٧/ب. (٤) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٠/٣. (٥) "البدائع": كتاب الحج - الحجّ عن الغير ٢١٥/٢. (٦) "النهر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٥٩/أ. (٧) من ((ظاهر لأن)) إلى ((محمد)) ساقط من "الأصل". (٨) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٩٩ -. قسم العبادات ٤٢٦ حاشية ابن عابدين (والجناية على الحاجِّ) إنْ أَذِنَ له الآمِرُ بالقِران والتمتّع،. عن الميت))، أي: بناءً على قولٍ غير "محمَّدٍ"، فعُلِمَ أنَّ على قول "محمَّدٍ" عليه الحجُّ عن نفسه، وعلى [٢/ق ٤٧٦/أ] قول غيره عن الميت، وظاهرُهُ أَنَّه يجبُ عليه من ماله، لكنْ في "التاتر خانيَّةً"(١) عن "المنتقى": ((قال "محمَّدٌ": يحُّ عن الميت من بلدِهِ إِذا بلَغَت النَّفْقَةُ، وإلاَّ فمن حيث تبلغُ، وعلى المحرم قضاءُ الحجِّ الذي فاتَ عن نفسه، ولا ضمانَ عليه فيما أنفَقَ، ولا نفقةً له بعدَ الفَوْت)) اهـ. فإِنَّ مقتضاه أنَّ الحجَّ عن الميت من ماله، وعلى المأمورِ حجٌّ آخرُ قضاءً لِما شرَعَ فيه من مالِ نفسِهِ، ويخالفُهُ ما في "التاتر خانَّة"(٢) أيضاً عن "التَّهذيب": ((قال "أبو يوسف": إذا فسَدَ حُّهُ قبل الوقوفِ عليه ضمانُ النَّفْقة، وعليه الحجُّ الذي أفسَدَهُ وعمرةٌ وحجَّةٌ للآمِر، ولو فاتَهُ الحجُّ لا يضمنُ؛ لأَنّه أمينٌ، وعليه قضاءُ الفائت وحجٌّ عن الآمرِ)) اهـ. فإنَّ قوله: ((وعليه قضاءُ الفائت إلخ)) يقتضي أنَّ عليه الحجَّتين من ماله، إلاّ أن يكون قولُهُ: ((وحَجِّ عن الآمرِ)) بضمٌ أوَّلِهِ مبنيّاً للمفعول، أي: وعلى الورثةِ الإِحجاجُ من ماله. ثُمَّ إِنَّ الظاهر أنَّ هذا من مقولِ "أبي يوسف"، فيُنافي(٣) ما مرَّ(٤) عن "النهر"، فليتأمَّل. وسيأتي(٥) بقيَّةُ الكلام عليه. ٢٤٦/٢ [١٠٩٧١] (قولُهُ: والجنايةِ) أطلَقَهُ فشملَ دمَ الجماعِ ودمَ جزاء الصَّيدِ والحلقِ ولبسِ المخيط والطّيْبِ والمجاورةِ بغير إحرامٍ، "بحر "(٦). [١٠٩٧٢] (قولُهُ: على الحاجِّ) أي: المأمورِ، أَمَّا الأوَّلُ فلأَنَّه وجَبَ شكراً على الجمعِ بين النسكين، وحقيقةُ الفعل منه وإنْ كان الحجُّ يقعُ عن الآمِر؛ لأَنَّه وقوعٌ شرعيٍّ لا حقيقيٌّ، (١) "التاتر خانية": كتاب المناسك - الفصل السادس عشر في الوصية ٥٥٧/٢. (٢) "التاتر خانية": كتاب المناسك - الفصل الخامس عشر في الرجل يحج عن الغير ٥٤٥/٢. (٣) في "ب": ((فينافي في ما)) بزيادة ((في))، وهو خطأ. (٤) في هذه المقولة. (٥) المقولة [١٠٩٨١] قوله: ((وظاهره أنّه لا رجوع في تركة المأمور)). (٦) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٠/٣ بتصرف يسير. الجزء السابع ٤٢٧ باب الحج عن الغير وإلاّ فيصيرُ مُخالِفاً فَيَضمَنُ. (وضَمِنَ النَّفقةَ إنْ جامَعَ قبلَ وقوفِهِ) فيعيدُ بمالِ نفسِهِ (وإنْ بعدَهُ فلا) لحصولِ المقصود .. وأمَّا الثاني فباعتبارِ أَنَّه تعلَّقَ بحنانِهِ، أفادَهُ في "البحر "(١). (١٠٩٧٣] (قولُهُ: فيصيرُ مخالفاً) هذا قولُ "أبي حنيفة"، ووجهُهُ أَنَّه لم يأتِ بالمأمور به؛ لأَنّه أمَرَهُ بسفرٍ يَصرِفُهُ إلى الحجِّ لا غير، فقد خالَفَ أَمْرَ الآمِر فضَمِنَ، "بدائع"(٢). زاد في "المحيط": ((لأنَّ العمرةَ لم تقع عن الآمرِ؛ لأنَّه ما أمَرَهُ بها، فصارَ كأَنَّه حَجَّ عنه واعتمَرَ لنفسه، فيصيرُ مخالفً، ولو أمَرَهُ بالحجِّ فاعتمَرَ ثُمَّ حجَّ من مكَّة فهو مخالفٌ؛ لأَنَّه مأمورٌ بحجٌ ميقاتيٍّ، ولو أمَرَهُ بالعمرةِ فاعتمَرَ ثمَّ حجَّ عن نفسه لم يكن مخالفاً، بخلاف ما إذا حَجَّ أوّلاً ثُمَّ اعتمر)) اهـ. وانظر ما قدَّمناه(٣) قبيل باب الإحرام. [١٠٩٧٤] (قولُهُ: وضَمِنَ النَّفقةَ إلخ) أمَّا الدُ فهو على المأمورِ على كلِّ حالٍ، "بحر "(٤). [١٠٩٧٥] (قولُهُ: فيعيدُ بِمالِ نفسِهِ) لأَنّه إذا أفسَدَهُ لم يقع مأموراً به، فكان واقعاً عن المأمور، فيضمنُ ما أنفَقَ في حجِّهِ من مالٍ غيره، ثمَّ إذا قَضَى الحجَّ في السَّنة القابلة على وجهِ الصحَّة لا يسقط الحجُّ عن الميت؛ لأَنَّ لَمَّا خَلَفَ في السَّنة الماضية بالإفساد صارَ الإحرامُ واقعاً عنه، فكذا الحجُّ المؤدَّى [٢/ق٤٧٦ /ب] به صار واقعاً عنه، "ابن كمال". وعليه حثَّةٌ أخرى للآمرِ كما قدَّمناه(٥) آنفاً عن "التاتر خانيّة" عن "التهذيب"، أي: سوى حجِّ القضاء، وهو الأصحُّ كما في "المعراج"، وبه اندفَعَ ما في "البحر"(٦) من قوله: ((وإذا فسَدَ حجُّهُ لَزِمَهُ الحجُّ من قابلٍ بمالٍ نفسِهِ، وفيه ما تقدَّمَ من التردُّدِ في وقوعه عن الآمِ)) اهـ. (١) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٠/٣. (٢) "البدائع": كتاب الحج - الحجّ عن الغير ٢١٥/٢ بتصرف. (٣) المقولة [٩٧٧٢] قوله: ((إلا المأمور بالحج للمخالفة)). (٤) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧١/٣. (٥) المقولة [١٠٩٧٠] قوله: ((ثم إن فاته إلخ)). (٦) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧١/٣. قسم العبادات ٤٢٨ حاشية ابن عابدين (وإِنْ ماتَ) المأمورُ (أو سُرِقَتْ نفقتُهُ في الطَّريق) قبل وقوفه (حَجَّ من منزلِ آمِرٍهٍ بثلثِ ما بقي) من مالِهِ، فإن لم يَفِ فمن حيث يبلغُ، فإنْ ماتَ أو سُرِقَ ثانياً حَجَّ من ثلثِ الباقي بعدها، هكذا مرَّةً بعد أخرى إلى أنْ لا يبقى من ثلثِهِ ما يبلغُ الحجَّ فتبطلُ الوصيَّة قلت: [١٠٩٧٦] (قولُهُ: وإنْ ماتَ إلخ) الأنسبُ ذكرُ هذه المسألةِ عند قوله المارّ(١): ((خرَجَ المكلّفُ إلخ)). [١٠٩٧٧] (قولُهُ: قبل وقوفِهِ) قَيَّدَ به لأَنَّه لو مات بعده قبل الطَّوافِ جاز عن الآمِر؛ لأَنّه أدَّى الرُّكِنَ الأعظم، "خانَّةً"(٢) و"فتح"(٣). وقدَّمنا (٤) نحوَهُ عن "التجنيس"، فما بحَثَهُ في "البحر "(٥). ((من أنَّ أعظمََّهُ للأَمْن من الإفساد بعده لا لأَنَّ يكفي، فيجبُ على الآمِرِ الإِحجاجُ)) اهـ مخالفٌ للمنقول، وأمَّا لو بقيَ حيّاً وأَتَمَّ الحجَّ إلاَّ طوافَ الزِّيارة فرجع ولم يَطُفْه فقال في "الفتح"(٦): ((لا يضمنُ النَّفقةَ، غيرَ أَنَّ حرامٌ على النساءِ، ويعودُ بنفقةٍ نفسه ليقضيَ ما بقي عليه؛ لأنَّه حانٍ في هذه الصُّورة)) اهـ. [١٠٩٧٨) (قولُهُ: من منزلِ آمرٍهٍ) أي: إنْ لم يُعِّن منزلاً، وإلاَّ أَبَعَ كما مرَّ( ٧). [١٠٩٧٩] (قولُهُ: فإنْ ماتَ) أي: المأمورُ الثاني. [١٠٩٨٠] (قولُهُ: من ثلث الباقي بعدها) أي: بعد النَّفقة، أي: ثلثِ الباقي بعد هلاكها، وهو المرادُ بقولهم: بثلثٍ ما بقي من المال، فافهم. وهذا عند "الإِمام"، وعند "أبي يوسف" بالباقي (١) صـ ٤٠٧ - ٤٠٨ - "در". (٢) "الخانية": كتاب الحج - فصل في الحج عن الميت ٣١٠/١ بتصرف يسير (هامش "الفتاوى الهندية"). (٣) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٤/٣. (٤) المقولة [١٠٩٣٩] قوله: ((ومات في الطريق)). (٥) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧١/٣. (٦) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٤/٣. (٧) المقولة [١٠٩٣٨] قوله: ((خرج المكلف إلخ)). الجزء السابع ٤٢٩ باب الحج عن الغير وظاهرُهُ أَنَّه لا رجوعَ في تركةِ المأمور، فليراجع (لا مِن حيث ماتَ). من الثلثٍ، وعند "محمَّدٍ" بما بقي مع المأمورِ، مثالُهُ: أوصى بأنْ يُحَجَّ عنه، ومات عن أربعةٍ آلافٍ، فدفَعَ الوصيُّ للمأمور ألفاً فسُرِقَتْ فعند "الإِمام" يُؤخَذُ ما يكفي من ثلثِ ما بقي من التركة وهو ألفٌ، فإنْ سُرِقَتْ يؤخذُ من ثلث الألفين الباقيين هكذا إلى أنْ لا يبقى ما ثلُثُهُ يكفي الحجَّ، وعند "أبي يوسف": إذا سُرِقَ الألفُ الأوَّلُ لم يبقَ من ثلث التَّرِكة إلاَّ تلتُمائةٍ وثلاثةٌ وثلاثون وثلثٌ، فُتُدفَعُ له إن كَفَتْ، ولا يُؤخَذُ مرَّةً أخرى، وعند "محمَّدٍ" إنْ فضَلَ من الألف الأُولى ما يُبلِّغُ الحجّ حَجَّ به، وإلاَّ فلا، هكذا ذكَرَ الخلافَ عامَّةُ المشايخ، وبعضُهم قالوا: هذا إنْ أوصى بأنْ يُحَجَّ عنه من الثلث، أو بأن يُحَجَّ عنه ولم يَزِدْ، أمَّا لو أوصى بأنْ يُحَجَّ عنه بثلثِ ماله فقولُ "محمَّدٍ" كقول "أبي يوسف"، وتمامُهُ في "جامع قاضي خان" (١) و"الفتح"(٢). وهذا الاختلافُ إذا هلَكَ في يدِ المأمور، فلو في يدِ الوصيِّ بعدما قاسَمَ الورثةَ يُحَجُّ عنه بثلثِ ما بقي اتّفاقاً كما في "التاتر خانيّةً"(٢). [١٠٩٨١] (قولُهُ: وظاهرُهُ أنّه لا رجوعَ في تَرِكةِ المأمور) إنْ [٢/ق٤٧٧/أ] كان المرادُ أَنَّه لا رجوعَ لورثةِ الآمِر في تَرِكَةِ المأمور بما بقي معه فهذا بعيدٌ جدًّا؛ لأنَّ ما بقي مع المأمورِ لا يملكُهُ، بل لو أَتَّمَّ الحجَّ يجِبُ عليه ردُّ الفاضل كما يأتي(٤)، فَيَصدُقُ على هذا الباقي أَنَّه من مالِ الآمِر، فُيُحسَبُ من الثلث، وقد صرَّحَ به "القُهُستانيُ)) (٥) حيث قال: ((بثلثِ الباقي مما في أيدي الورثةِ والمأمورٍ))، وإنْ كان المرادُ أنَّه لا رجوعَ لهم بما أنفَقَهُ قبل موته أو بما سُرِقَ منه فهو لا شبهةَ فيه، (١) انظر "شرح الجامع الصغير": كتاب الحج - باب الرجل يحج عن غيره ١/ق ٨١/ب. (٢) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٧/٣. (٣) "التاتر خانية": كتاب المناسك - الفصل السادس عشر: في الوصية بالحج ٥٥٤/٢ - ٥٥٥. (٤) صـ ٤٣١ - "در". (٥) "جامع الرموز": كتاب الحج - فصل الإحصار ٢٦٥/١. قسم العبادات ٤٣٠ حاشية ابن عابدين خلافاً لهما، حيث لم يخالف كما مرَّ(١) فيما لو فاتَّهُ الحُّ بغير صنعه، وإنْ كان المرادُ أَنَّه لا رجوعَ في تَرِكته بما يُدفَعُ للمأمور الثاني فهذا هو المتبادرُ من قولهم: بثلثِ ما بقي من ماله، أي: مالِ الآمِر. والظاهرُ: أنَّ هذا مراد "الشارح"، نبّهَ به على أَنَّه لو فاتَهُ الحجُّ بلا صنعه ولَزِمَهُ القضاءُ أنَّ القضاء يكونُ عن نفسه اتفاقاً خلافاً لِما قدَّمناه(٢) من أنَّ هذا ظاهرٌ على قول "محمَّدٍ"، وأَنَّه على قول غيره يكونُ القضاءُ عن الآمِر وتلزمُ المأمورَ نفقتُهُ، فإنَّ مقتضاه أنَّ المأمور إذا مات في الطريق ترجعُ ورثةُ الآمِرِ على تركتِهِ بنفقةِ الذي يأمرونه بالحجِّ عن مورِّهم، وهذا خلافُ ما قرَّرَهُ الفقهاءُ هنا في المسألة الخلافَّة، حيث جعلوا الإِحجاجَ ثانياً بثلثِ ما بقي من جميعِ مال ٢٤٧/٢ الآمِر، أو بالباقي من الثلث، أو بالباقي مع المأمور، ولم يقل أحدٌ: إنَّه يكونُ من مال المأمور، فُنافي ما تقدَّمَ (٣) بحثاً عن "البدائع" و "السراج" و"النهر"، فللَّهِ دَرُّ هذا "الشارح" ما أبعدَ مرماه، فافهم. [١٠٩٨٢] (قولُهُ: خلافاً لهما) أي: في الموضعين فيما يُدفَعُ ثانياً، وفي المحلِّ الذي يجبُ الإحجاج منه ثانياً، "فتح"(٤). (قولُهُ: وإنْ كان المرادُ أنَّه لا رجوعَ في تَرِكِتِهِ إلخ) فيه أنَّ هذا أيضاً مما لا شبهةَ فيه أيضاً كالذي قبلَهُ، فلا حاجةَ إلى الاستظهار فيه والأمر بالمراجعة، بل المرادُ - كما هو المتبادرُ - أنَّ الظاهر من قول "المصنّف": ((حَجَّ من منزلِ آمرِهِ بثلثِ ما بَقِيَ من مالِهِ)) أَنَّه إذا لم يوجد شيءٌ من المال المدفوع إلى المأمور بعدما مات، ولم يُعلَمْ ما صنَعَ به لا يكونُ مضموناً في تَرِكِتِهِ؛ لأَنَّه أمينٌ مأذونٌ في الإنفاق، فربما أُنفِقَ أو سُرِقَ منه، ولو كان الواجبُ الرُّجوعَ فيها لقال: بثلثِ تركتِهِ، ولم يقل: بثلثِ ما بقي من مالِهِ، فإِنَّه يفيدُ عدمَ الرُّجوع على التَّرِكةِ بقدْرٍ ما لم يُعلَمْ حالُهُ من المال المدفوع إلى المأمور، تأمَّل. (١) المقولة [١٠٩٧٠] قوله: ((ثم إن فاته إلخ)). (٢) المقولة [١٠٩٧٠] قوله: ((ثم إن فاته إلخ)). (٣) المقولة [١٠٩٧٠] قوله: ((ثم إن فاته إلخ)). (٤) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٧/٣. الجزء السابع ٤٣١ باب الحج عن الغير وقولُهما استحسانٌ. ( فروعٌ) يصيرُ مخالفاً بالقِران أو النَّمتُّ كما مرَّ لا بالتَّأخير عن السَّنَةِ الأُولى وإنْ عُيِّنَتْ؛ لأَنَّه للاستعجال لا للتَّقييد، والأفضلُ أن يعودَ إليه، وعليه رَدُّ ما فضَلَ من النَّفقة، وإنْ شرَطَه له فالشَّرْطُ باطلٌ،. [١٠٩٨٣] (قولُهُ: وقولُهما استحسانٌ) يعني: قولَهما في المحلِّ، أمَّ فيما يُدفَعُ ثانياً فلم يذكروا فيه الاستحسانَ، وفي "الفتح"(١): ((قولُ "الإِمام" في الأوَّلِ - أي: فيما يُدفَعُ ثانياً - أوجهُ، وقولُهما هنا أوجهُ))، وقدَّمنا(٢) ما يفيدُ ترجيحَهُ أيضاً عن "العناية" و"المعراج"، لكنْ قدَّمنا(٣) أيضاً أنَّ المتون على قول "الإِمام"، ونقَلَ تصحيحَهُ العلاَّمةُ "قاسمٌ". [١٠٩٨٤] (قولُهُ: كما مرَّ(٤) أي: في قولِهِ: ((وإلاّ فيصيرُ مخالفاً فَيَضْمَنُ))، "ح"(٥). [١٠٩٨٥] (قولُهُ: لا للتَّقِيدِ) لأنَّ الحجَّ لا يختلفُ باختلاف السِّنِين، ففي أيِّ سنةٍ حصَلَ فيها وقَعَ عنه، ولا يخفى أنَّ الأَولى إيقاعُهُ في السَّنة المعَّنَة خوفاً من ذهابِ النَّفقة أو تعطّلِ الحجِّ، "ط" (٦). [٢/ق٤٧٧ /ب] [١٠٩٨٦] (قولُهُ: والأفضلُ أن يعودَ إليه) أي: إلى منزل الآمِر المذكور في المتن، قال في "البحر"(٧): ((ولو أحَجَّ رجلاً، فحَجَّ ثُمَّ أقام بمكّة جاز؛ لأنَّ الفرض صار مؤدّىٌّ، والأفضلُ أن يَحُجَّ ثمَّ يعودَ إلى أهله)) اهـ، فافهم. [١٠٩٨٧] (قولُهُ: وعليه ردُّ ما فضَلَ من النَّفقةِ) قال في "البحر "(٨): ((فالحاصلُ أنَّ المأمور (١) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٧/٣. (٢) المقولة [١٠٩٤٣] قوله: ((قياساً لا استحساناً)). (٣) المقولة [١٠٩٤٣] قوله: ((قياساً لا استحساناً)). (٤ ) صـ ٤٢٧ - "در". (٥) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق١٤٨/أ. (٦) "ط": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٥٥٣/١. (٧) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٨/٣. (٨) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٩/٣ بتصرف يسير. قسم العبادات ٤٣٢ حاشية ابن عابدين إلاَّ أنْ يُوكِّلَه بهبةِ الفضل من نفسه أو يوصيَ الميتُ به لمعَيَّنٍ، .. لا يكونُ مالكاً لِما أخَذَهُ من النَّفقة، بل يتصرَّفُ فيه على ملكِ الآمِر حيّاً كان أو ميتاً، معيّناً كان القدْرُ أوْ لا، ولا يحلُّ له الفضلُ إلَّ بالشَّرطِ الآتي سواءٌ كان الفضلُ كثيراً أو يسيراً كيسيرٍ من الزَّاد كما صرَّحَ به في "الظهيريَّة"(١))) اهـ. قلت: وهذا مما يدلُّ على أنَّ الاستئجار على الحجِّ لا يصحُّ عند المتأخّرِين كما قدَّمنا(٢) الكلامَ علیه، فافهم. [١٠٩٨٨] (قولُهُ: إلاَّ أنْ يُوكّلَهُ إلخ) قال في "الفتح"(٣): ((وإذا أرادَ أنْ يكون ما فضَلَ للمأمور يقولُ له: وكَّلْتُكَ أن تهبَ الفضل من نفسك وتقبضَهُ لنفسك، فإنْ كان على موتٍ قال: والباقي منّي لك وصيّةٌ)) اهـ (قولُهُ: قلت: وهذا مما يدلُّ على أنَّ الاستئجار على الحجِّ لا يصحُّ إلخ) في رسالةٍ "بلوغ الأرب لذوي القُرَب" لـ "الشرنبلاليّ": ((لا يجوزُ الاستئجارُ على الطاعات كتعليم القرآن، والفقهِ، والأذانِ، والتَّذكيرِ، والحجِّ، والغَزْوِ، يعني: لا يجبُ الأجرُ، وعند أهل المدينة يجوزُ، وبه أخَذَ "الشافعيُّ"، و"نصيرّ"، و "عصام"، و"أبو نصرٍ"، والفقيهُ "أبو اللَّيث" رحمهم الله تعالى، من "الخلاصة". والعجبُ بعدَ ذكرِهِ ذلك قال: ((ولم يَذكُرْ أحدٌ من مشايخنا جوازَ الاستئجارِ على الحجِّ، وجوَّزُوا الاستئجارَ على باقي القُرَب؛ لأَنَّه لا ضرورةً في الاستئجار عليه)) اهـ. قلت: وقد نقَلَ محقّقُ علماء السِّند الشيخ "محمد هاشم" في الرسالة المسمَّة بـ "فرائض الإسلام": ((أَنَّه صرَّحَ في "البحر العميق" و"شرح المنسك المتوسط" لـ "المرشديِّ" نقلا عن "الكفاية" لـ "أبي الحسن الفندريِّ" بجوازِ الاستئجار على الحجِّ، وبوقوعِهِ عن حجِّ فرضِ الحجِّ عن المحجوج عنه، قال: وهو روايةٌ "الأصل" عن "أبي حنيفة"، زاد في "البحر العميق": أنَّه الصحيح)) اهـ من "السنديِّ". (١) "الظهيرية": كتاب الحج - فصل في الوصية بالحج ق ٧١/أ. (٢) المقولة [١٠٩٢١] قوله: ((لم يجز حجه عنه)). (٣) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٠/٣. الجزء السابع ٤٣٣ باب الحج عن الغير ولوارثِهِ أنْ يَسترِدَّ المالَ من المأمور ما لم يُحرِمِ،. زاد في "اللباب" (١): ((وإِنْ لم يُعِيِّن الآمرُ رجلاً يقولُ للوصيِّ: أَعْطِ ما بقي من النّفقة مَن شئتَ، وإن أُطلَقَ فقال: وما يبقى من النّفقةِ فهو للمأمورِ فالوصيَّةُ باطلٌ)) اهـ. أي: لأنّها لمجهول. [١٠٩٨٩] (قولُهُ: ولوارثِهِ إلخ) هذه المسألة تقدَّمَتْ عند قوله: ((إِنْ وَفَى بِه تُثْهُ))، لكنْ ذُكِرَتْ في كلٍّ من الموضعين مع زيادةٍ لم توجد في الآخر، ففي الأوَّلِ زادَ الوصيَّ والتفصيلَ في نفقةِ الرُّجوع، وفي هذا زادَ قولَهُ: ((وكذا إنْ أُحرَمَ إلخ))، وكان عليه أنْ يَنظِمَهما في سلكٍ (قولُهُ: هذه المسألةُ تقدَّمَتْ عند قوله: إنْ وَفَى بِه ثلثُهُ إلخ) في "السنديِّ": ((أَنَّ تلك المسألةَ - أي: المتقدِّمةَ - فيما إذا أوصى الشَّخصُ عند وفاته بأنْ يُدفَعَ كذا في الحجِّ عنه، فدَفَعَ الوصيُّ أو الوارثُ إلى رجلٍ، ثُمَّ نَدِمَ الدَّافعُ، فله أنْ يَسترِدَّهُ من المأمور؛ لأَنَّه أمانةٌ في يده ما لم يُحرِمِ، وهنا يريدُ أنَّ الوارث همَّ أنْ يحجَّ عن مورِّتُه، فدفع من عنده مالاً ليحجَّ عنه فندم، فله أن يَستردَّه ما لم يُحرِم، ولذا خُصَّ الاستردادُ للوارث ولم يُذكَر الوصيُّ، وقولُ "الشارح": وكذا إذا أحرَمَ إلخ وذلك في ثلاثٍ صورٍ: إحداها: ما في "المحيط": لو دفَعَ المحجوجُ عنه مالاً إلى رجلٍ ليحُجَ به عنه، فأهَلَّ بحجَّةٍ ثُمَّ مات الآمِرُ فللورثةِ أن يأخذوا ما بقي معه؛ لأنَّ نفقة الحجِّ كنفقةٍ ذوي الأرحام تبطلُ بالموت اهـ. ثانيتها: ما أفادَهُ "رحمةُ الله السنديُّ": رجلٌ له ألفٌ لا مالَ له غيرها، فدفَعَها إلى رجلٍ ليحُجَّ عنه ثُمَّ مات، للورثةِ استردادُها. ثالثتها: ما أشارَ إليه "الشارح" بقوله: وكذا إذا أحرَمَ وقد دفَعَ - بالبناء للفاعل - إليه - أي: إلى المأمورِ - لَيَحُجَّ عنه، أي: الموصي المحجوجِ عنه، وقولُهُ: ((وصيُّهُ)) فاعلُ ((دفع))، صورتُهُ: ما إذا أوصى المحتضَرُ وقال لوصِّه: أَحجِجْ عنّي بألفٍ مثلاً، فذهَبَ الوصيُّ قبل أن يموتَ الموصي، ودفَعَ إلى رجلٍ يَحُجُّ عن الآمِرِ، فأحرَمَ المأمورُ، ثمَّ بعد إحرامِهِ مات الآمِرُ، فإنَّ للورثةِ أن يَسترِدُّوا المالَ من يدِ المأمور؛ لأَنّه حين الدَّفع لم يكن له ولايةٌ، حيث لا يصيرُ وصيّاً إلاَّ بعد موت الموصي، ففي حالٍ دفعه كان فضوليّاً، إلاَّ أنَّ المال المدفوع إذا لم يَزِدْ على الثلث وجَبَ عليهم أن يُنفّذوا الوصيّةَ بدفعٍ مُستحِدٌّ بعدَ موتٍ مُورِّتهم ولا يَكِتَفُوا بالدَّفعِ الأوَّلِ؛ لأنَّ أَمْرَ الوصيِّ للمأمور في حياة الموصي غيرُ صحيحٍ إلخ)) اهـ. (١) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في النفقة ص ٣٠٤ __. قسم العبادات ٤٣٤ حاشية ابن عابدين وكذا إن أحرَمَ وقد دفَعَ إليه لَيَحُجَّ عنه وصيُّهُ فأحرَمَ ثمَّ ماتَ الآمِرُ، وللوصيِّ أنْ يَحُجَّ بنفسه إلاَّ أنْ يأمره بالدَّفع أو يكونَ وارثاً ولم تُجزِ البقيَّة، ولو قال: مُنِعْتُ وكذَّبُوه لم يُصدَّقْ إلاَّ أن يكون أَمْراً ظاهراً، ولو قال: حَجَجْتُ وكذَّبُوه. واحدٍ، "ح"(١). [١٠٩٩٠] (قولُهُ: وكذا إنْ أحرَمَ وقد دفَعَ إليه لَيَحُجّ عنه وصيُّهُ إلخ) هذا التركيبُ فاسدُ المعنى، ووُجِدَ في نسخةٍ: ((لَيَحُجَّ عنه بلا وصيّةٍ))، وهي الصوابُ؛ لأنَّ المراد أنَّ المحجوج عنه إذا لم يُوصِ بالحجِّ، ولكنّه دفَعَ إلى رجلٍ لَيَحُجَّ عنه، ثمَّ مات الدافعُ فللورثة استردادُ المال الباقي من الرَّجُل وإِنْ أحرَمَ بالحجِّ، قال في "النهر"(٢): ((وقَّدنا يكون الآمرِ أوصى بالحجِّ عنه لِما في "المحيط": لو دفَعَ إلى رجلٍ مالاً لَيَحُجَّ به عنه، فأهَلَّ بحجَّةٍ ثمَّ مات الآمِرُ فلورثته أنْ يأخذوا ما بقيَ من المال معه، ويُضمِّنونه ما أنفَقَ بعد موته؛ لأنَّ نفقة الحجِّ كنفقةٍ ذوي الأرحام تبطلُ بالموت)) اهـ. [١٠٩٩١] (قولُهُ: وللوصيِّ أنْ يَحُجَّ إلخ) قال في "فتح القدير"(٣): ((ولا يجوزُ الاستئجارُ على الطاعات، وعن هذا قلنا: لو أوصى أنْ يُحَجَّ عنه ولم يَزِدْ على ذلك كان [٢/ق٤٧٨ /أ] للوصيِّ أن يَحُجَّ عنه بنفسه إلاَّ أن يكون وارثً، أو دفَعَهُ لوارثٍ لَيَحُجَّ فإنَّه لا يجوزُ إلَّ أنْ تجيزَ الورثة وهم كبارٌ؛ لأنَّ هذا كالتبرُّعِ بِالمالِ، فلا يصحُّ للوارث إلاَّ يإجازةِ الباقين، ولو قال الميت للوصيِّ: ادفع المالَ لِمَن يحجُّ عَنّي لم يَحُز له أن يحجّ بنفسه مطلقاً)) اهـ. [١٠٩٩٢) (قولُهُ: ولو قال مُنِعْتُ) أي: عن الحجِّ ((وكذَّبوه)) أي: الورثةُ ((لم يُصدَّق))، ويضمنُ ما أنفَقَهُ من مالِ الميت؛ إلاَّ أن يكون أمراً ظاهراً يشهدُ على صدقه؛ لأنَّ سبب الضَّمان قد ظهَرَ، فلا يُصدَّقُ في دفعه إلاَّ بظاهرٍ يدلُّ على صدقِهِ، "فتح "(٤) .. (١) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٤٨/أ. (٢) "النهر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٥٩ /أ - ب. (٣) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٠/٣. (٤) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٠/٣. الجزء السابع ٤٣٥ باب الحج عن الغير صُدِّقَ بيمينه إلاَّ إذا كان مديونَ الميتِ (١) وقد أُمِرَ بالإنفاق، ولا تُقبَلُ بَيِّتُهم أَنَّه كان يومَ النَّحْر بالبلد. [١٠٩٩٣) (قولُهُ: صُدِّقَ بيمينهِ) لأَنّه يدَّعي الخروجَ عن عُهْدةٍ ما هو أمانةٌ في يده، "فتح"(٢). [١٠٩٩٤) (قولُهُ: إلاَّ إلخ) أي: فإنَّه لا يُصدَّقُ إلاَّ بِّنةٍ؛ لأَنَّه يدَّعي قضاءَ الدَّين، هكذا في كثير من الكتب، وعليه المعوَّلُ خلافاً لِما في "خزانة الأكمل"، "بحر "(٣). [١٠٩٩٥) (قولُهُ: وقد أُمِرَ بالإنفاقِ) أي: مما عليه من الدَّين، "ط "(٤). [١٠٩٩٦] (قولُهُ: ولا تُقبَلُ إلخ) لأَنّها شهادةٌ على النَّفْي، "بحر "(٥). أي: لأنَّ مقصودهم نَفْيُ (قولُهُ: خلافاً لِما في "خزانة الأكمل"، "بحر ") عبارةُ "البحر": ((وفي "خزانة الأكمل": القولُ له مع يمينِهِ، إلاّ أنْ يكون للورثةِ مُطالِبٌ بدينٍ من الميت، فإنّه لا يُصدَّقُ في حقِّ غريمٍ الميت إلاَّ بحخَّةٍ، والقواعدُ تشهدُ للأوَّلِ، فكان عليه المعوَّل)) اهـ. ورأيتُ بهامشِهِ: ((أنَّ المديون لم يُذكَر في "الخزانة" كما يُوهِمُهُ كلامُهُ)). (١) في "د" زيادة: ((قوله: إلا إذا كان مديون الميت إلخ، وفي "خزانة الأكمل": القول له مع يمينه إلاّ أن يكون للورثة مطالبة بدين من الميت، فإنّه لا يصدَّق في حقِّ الغريم إلا بالحجة، والقواعد تشهد للأول، فكان عليه المعوّل. وفي "البزازية" قال: حججت عن الميت، وأنكر الورثة، فالقول له؛ لأنّه أنكر حقَّ الرجوع عليه بالنفقة، فلو كان عليه دين، فقال: حجّ عن الميت بما عليك من الدين فزعم أنّه حجَّ عنه، لا يصدَّق بلا بينة؛ لأنّه يدّعي الخروج عن عهدة الأمانة، والورثة ینکرون ذلك. انتھی. أقول: هذا التعليل غير صحيح، لأنّه لم يدّع الخروج عن عهدة الأمانة، وإنّما ادعى الخروج عن عهدة الدَّين الذي عليه، والتعليل الصحيح ما في "الولوالجية" حيث قال: لأنّه يدعي الخروج عن عهدة ما عليه، يعني: من الدين. وعلّل قاضيخان قبول قوله: بأنّه يدَّعي قضاء الدين على أنَّ مدعي الخروج عن عهدة الأمانة لا يحتاج إلى البيان، كما هو ظاهر. انتهى سيد أحمد حموي على "الأشباه")). (٢) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٠/٣. (٣) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧١/٣ باختصار. (٤) "ط": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٥٥٣/١. (٥) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧١/٣. قسم العبادات ٤٣٦ حاشية ابن عابدين إلاّ إذا برهنا على إقرارِهِ أنَّه لم يَحُجَّ. حجِّهِ وإنْ كانت صورةُ شهادتهم إثباتاً، "ح"(١). [١٠٩٩٧] (قولُهُ: إلاَّ إذا بَرْهَنا إلخ) لأنَّ إقراره - وهو تلفُّظُه بهذه الجملة - إثباتٌ، "ح"(٢). وفي بعض النسخ: ((برهنوا)) بصيغة الجمع، أي: الورثةُ، وهي أولى. ( تتمَّةٌ ) في "المحيط" عن "المنتقى": ((أوصى لرجلٍ بألفٍ، وللمساكينِ بألفٍ، ولحجَّةِ الإسلام بألفٍ والثلثُ ألفان يُقْسَمُ الثلثُ بينهم أثلاثاً، ثمَّ تضافُ حصَّةُ المساكين إلى الحجَّةِ، فما فضَلَ عن الحجَّةِ فللمساكينِ؛ لأنَّ البداءة بالفرض أهمُّ، ولو عليه حيَّةٌ وزكاةٌ وأوصى لإنسانِ يتحاصُّون في الثلث، ثُمَّ يُنظَرُ إلى الزَّكاة والحجِّ، فُبدأ بما بدأ به الموصي، ولو فريضةٌ ونذرٌ بُدِئَ بالفريضة، ولو تطوُّعٌ ونذرٌّ بُدِئ بالنَّذْرِ، ولو كلُّها تطوُّعاتٍ أو فرائضَ أو واجباتٍ بُدِئٍّ بما بدأ به الميت)) اهـ. وتوضيحُ هذه المسألة سيأتي(٣) في الوصايا فاحفظها، فإنَّها مهمَّةٌ كثيرةُ الوقوع، وبقي فروعٌ كثيرةٌ من هذا ٢٤٨/٢ الباب تُعَلَمُ من "الفتح"(٤) و"اللباب"(٥)، والله أعلمُ بالصواب. (قولُهُ: ثُمَّ تضافُ حصَّةُ المساكينِ إلى الحجَّةِ، فما فضل إلخ) أي: يُعطَى للرَّجُل ما استحَقَّهُ بهذه الوصيّة، ثمَّ يُضافُ ما للمساكين للحجِّ إلخ، وإنما لم يُبدَأ بالحجِّ وَيُقدَّم على الرَّجُل - مع أنَّه أهمُّ لكونه فرضاً وما له تطوُّعاً - لِما سيأتي في كتاب الوصايا: ((من أنَّ اعتبارَ التَّقديم مختصٌّ بحقوقه تعالى؛ لكونه صاحبَ الحقِّ الواحد)). (١) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٤٨/أ. (٢) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٤٨/أ. (٣) المقولة [٣٦٢٢٦] قوله: ((وإذا اجتمع الوصايا إلخ)). (٤) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٥/٣ -٧٧. (٥) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل ولو أوصى أن يحج عنه صـ ٣٠١-٣٠٢ -.