Indexed OCR Text

Pages 401-420

الجزء السابع
٣٩٧
باب الحج عن الغير
عن نفسه جاز، إلاَّ أنَّ نفقة إقامته للحجِّ أو العمرة عن نفسه في ماله، وإذا فرَغَ عادت في مالٍ
المیت، وإن عکس لم يَجُز.
الخامس عشر: أن يُحرِمَ بحجَّةٍ واحدٍ، فلو أهَلَّ بحجَّةٍ عن الآمرِ ثُمَّ بأخرى عن نفسه لم يَجُز
إِلاَّ إِنْ رَفَضَ [٢/ق٤٦٨ /أ] الثانية.
السادس عشر: أنْ يُفرِدَ الإِهلالَ لواحدٍ لو أمرَهُ رجلان بالحجِّ، فلو أهَلَّ عنهما ضَمِنَ،
وسيأتي(١) تمامُ الكلام عليه.
السابع عشر والثامن عشر: إسلامُ الآمر والمأمورِ وعقلُهما كما سيأتي(٢)، فلا يصحُّ من
المسلمِ للكافر، ولا من المجنونِ لغيره، ولا عكسُهُ، لكن لو وجَبَ الحجُّ على المجنون قبل طُرُوِّ
٢٣٩/٢ جنونہ صحَّ الإِحجاجُ عنه.
التاسعَ عشر: تميزُ المأمور، فلا يصحُّ إحجاجُ صبِيٌّ غيرِ ممِّزٍ، ويصحُّ إحجاجُ المراهق كما
سيأتي(٣).
العشرون: عدمُ الفوات، وسيأتي(٤) الكلامُ عليه، قال في "اللباب"(٥): ((وهذه الشَّرائطُ كلُّها
في الحجِّالفرض، وأمَّا النفلُ فلا يُشترَطُ فيه شيءٌ منها إلاَّ الإِسلامُ والعقلُ والتمييزُ، وكذا الاستئجار،
(قولهُ: فلا يُشترَطُ فيه شيءٌ منها إلاَّ الإسلامُ إلخ) الاقتصارُ على ما ذكرَهُ من المستثنيات ظاهرٌ فيما
إذا حجَّ عن غيرِهِ نفلاً مَجَّانً بلا أَمْرٍ، أمَّا إذا كان بأمرٍ ومالٍ فينبغي أنْ يُشترَطَ عدمُ المخالفة أيضاً،
والإنفاقُ من مالِ المحجوج عنه ليحصل له ثوابُ الإنفاق، ولا يخفى أنَّ الأوَّلَ يتضمَّنُ شروطاً
من المتقدِّمة كعدمِ الإفساد، والإحرامِ بحجَّةٍ واحدةٍ، وإفرادِ الإهلال لواحدٍ، وإنما بسَطَها في "اللباب" لزيادةٍ
الإيضاح، فإِنْ خَالَفَ وأنفَقَ من ماله ينبغي أن يضمن. اهـ "سندي" عن شيخه "محمَّد طاهر سنبل".
(١) ص ٤١٤- وما بعدها "در".
(٢) صـ ٤٠٣- وما بعدها "در".
(٣) ص ٤٠٤- "در".
(٤) المقولة [١٠٩٧٠] قوله: ((ثم إن فاته إلخ)).
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٩٩ -.

قسم العبادات
٣٩٨
حاشية ابن عابدين
لم يَجُزْ حتُّهُ عنه (١)، وإنما يقول: أَمَرْتُكَ أنْ تَحُجَّ عنّي بلا ذِكْرِ إجارةٍ،
......
ولم نجده صريحاً في النفل))، وحزَمَ به "شارحه"(٢)، لكنَّ هذا مبنيٌّ على أنَّ الحجَّ لا يقعُ عن الميت،
وفيه ما نذكرُهُ بُعَيدَهُ.
مطلبٌ في الاستئجار على الحج
[١٠٩٢١] (قولُهُ: لم يَجُزْ حبُّهُ عنه) كذا في "اللباب"، لكنْ قال "شارحه"(٢): ((وفي
"الكفاية"(٤): يقعُ الحجُّ عن المحجوجِ عنه في رواية "الأصل"(٥) عن "أبي حنيفة" اهـ. وبه كان
يقولُ شمس الأئمَّة "السرخسيُّ"(٦)، وهو المذهبُ)) اهـ.
وصرَّحَ في "الخانَّةُ(٧): ((بأنَّ ظاهر الرِّواية الجوازُ))، لكنَّه قال أيضاً: ((وللأجير أجرُ
مثله))، واستشكلَهُ في "فتح القدير"(٨) بما قالوا: ((من أنَّ ما ينفقُهُ المأمورُ إنما هو على حكم مِلْك
الميت؛ لأَنَّه لو كان ملكَهُ لكان بالاستئجار، ولا يجوزُ الاستئجار على الطاعاتِ، فالعبارةُ المحرَّرةُ
ما في "كافي الحاكم": وله نفقةُ مثلِهِ، وزاد إيضاحَها في "المبسوط"(٩) فقال: وهذه النّفقةُ
(١) ((عنه)) ليست في "ب" و"و" و "ط".
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٩٩ -.
(٣) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٨٨ -.
(٤) اسمه كاملاً "الكفاية في مسائل الخلاف": لأبي الحسن عليّ بن سعيد بن عبد الرحمن، الأندلسيّ العبدريّ
الحنفيّ(ت٤٩٣ هـ). ("كشف الظنون" ١٤٩٩/٢). وفي "إرشاد الساري" صـ ٢٨٩ - و"تقريرات الرافعي" ١٧٢/١:
((أبو الحسن الفندريّ))، ولعله تحريف عن ((العبدريّ)) المترجم له.
وفي "طبقات السبكي" ٢٥٧/٥، و"هدية العارفين" ٦٩٤/١، و"معجم المؤلفين" ٤٤٥/٢: ((شافعي المذهب))،
إلّا أنّ ((أبا الحسن)) هذا حنفيّ المذهب، فليعلم.
(٥) "الأصل": كتاب الحج - باب الحج عن الميت ٤٢٢/٢.
(٦) "المبسوط": كتاب المناسك - باب الحج عن الميت وغيره ١٤٧/٤.
(٧) "الخانية": كتاب الحج - فصل في الحج عن الميت ٣١١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٠/٣.
(٩) "المبسوط": كتاب المناسك - باب الحج عن الميت وغيره ١٥٩/٤ بتصرف.

الجزء السابع
٣٩٩
باب الحج عن الغير
ليس يستحقُّها بطريقِ العِوَض بل بطريقِ الكفاية؛ لأنّه فرَّغَ نفسَهُ لعملٍ ينتفعُ به المستأخِرُ.
هذا، وإنما جاز الحجُّ عنه لأَنَّه لَمَّا بطلت الإجارةُ بقي الأمرُ بالحجِّ، فتكونُ له نفقةُ مثله)) اهـ.
قلت: وعبارةُ "كافي الحاكم" - على ما نقَلَهُ "الرحمتيُّ" - : ((رجلٌ استأجَرَ رجلاً لَيَحُجَّ عنه
قال: لا تجوزُ الإِجارة، وله نفقةُ مثلِهِ، وتجوزُ حَّةُ الإِسلام عن المسجون إذا مات فيه قبل
أن يخرجَ)) اهـ.
ومثلُهُ ما في "البحر"(١) عن "الإسبيجابي": ((لا يجوزُ الاستئجارُ عن الحجِّ، فلو دفَعَ
إليه الأجرَ فحَجَّ يجوزُ عن الميت، وله من الأجرِ مقدارُ نفقة الطريق، ويَرُدُّ الفضلَ على الورثة
إلاَّ إذا تبرَّعَ به الورثةُ أو أوصى الميتُ بأنَّ الفَضْل للحاجِّ)) [٢/ق٤٦٨ /ب] اهـ ملخَّصاً.
والحاصلُ: أنَّ قول "الشارح": ((لم يَجُزْ حُّهُ عنه)) خلافُ ظاهر الرِّواية، وأنَّ قول
"الخانَّة": ((له أجرُ مثِهِ)) يُشعِرُ بأنَّ الإجارة فاسدةٌ مع أنَّها باطلةٌ كالاستئجار على بقيّةِ الطاعات،
وأجاب بعضُهم بأنَّ المراد من أجرِ المثل نفقةُ المثل كما عبَّرَ في "الكافي"، وإنما سَمَّاها أجراً مجازاً،
وهذا أحسنُ مما قيل: إنَّه مبنيٌّ على مذهبِ المتأخّرين القائلين بجواز الاستئجار على الطاعات؛ لِما علمتَهُ
مما قدَّمناه(٢) أوَّلَ الباب من أنَّ المتأنّرين لم يطلقوا ذلك، بل أقتَوا بجوازٍ الاستئجار على التّعليم والأذان
والإمامة للضرورة لا على جميعِ الطاعات كما أوضحَهُ "المصنّف" في "منحه"(٣) في كتاب الإِجارات،
وإِلاَّ لَزِمَ الجوازُ على الصوم والصلاة، ولا يقولُ به أحدٌ، ولا ضرورةً للاستئجار على الحجِّ
(قولهُ: ولا ضرورةً للاستئجارِ على الحجِّ إلخ) قد يقال: الضرورةُ في هذا الزمن داعيةٌ للقولِ بصحَّةٍ
الاستئجار عليه لعدم مَن يقومُ به عن الغيرِ مكتفياً بنفقةِ الذهاب والإياب، فهو كالاستئجارِ على تعليم
القرآن الذي قال بصحَّتِهِ المتأخّرون، وحينئذٍ يستحقُّ المأمورُ أجرتَهُ زيادةً عن النَّفقة للذهاب والإياب.
(١) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٣/٣.
(٢) المقولة [١٠٨٨٥] قوله: ((بعبادة ما)).
(٣) "المنح": باب الإجارة الفاسدة ٢/ق ١٠/أ - ب.

قسم العبادات
٤٠٠
حاشية ابن عابدين
ولو أنفَقَ مِن مالِ نفسِهِ أو خلَطَ النَّفقةَ مالِهِ وحَجَّ وأنفَقَ كلَّه أو أكثرَهُ جازَ وَبَرِئَ
من الضَّمان.
الإمكان دفعِ المال إليه ليُنفِقَ على نفسه على حكمٍ مِلْكِ الميت بطريق النيابة كما علمتَ التصريحَ
به عن "المبسوط"، والمتونُ المصرَّحُ فيها بجواز الاستئجار على التعليمِ ونحوِهِ لم يُذكَر فيها جوازُهُ
على الحجِّ، بل المصرَّحُ به في عامَّة متون المذهب أَنَّه لا يجوزُ الاستئجارُ على الحجِّ كـ "الكنز"(١)،
و "الوقاية"(٢)، و"المجمع"، و"المختار)"(٣)، و"مواهب الرحمن" وغيرها، بل قال العلاَّمة "الشرنبلاليُّ"
في رسالته "بلوغ الأرب"(٤): ((إنَّه لم يذكر أحدٌ من مشايخنا جوازَ الاستئجار على الحجِّ)) اهـ.
قلت: ولو قيل بجوازه لَزِمَ عليه هدمُ فروعٍ كثيرةٍ، منها ما مرَّ(٥) من أنَّ المأمور يُنفِقُ على
حكمٍ مِلْكِ الميت، وأَنّه يجبُ عليه ردُّ الفَضْلِ، واشتراطُ الإنفاق بقدْرِ مالِ الآمر أو أكثرِهِ،
وأنَّ الوصيَّ لو دفَعَ المال لوارثٍ ليحجَّ به لا يجوزُ إلَّ يإجازة الورثة وهم كبارٌ؛ لأَنَّه كالتَبُّعِ
بالمال، فلا يجوزُ للوارث بلا إجازةِ الباقين كما في "الفتح"(٦)، ولو كان بطريقِ الاستئجار لم يصحَّ
شيءٌ من هذه الفروعِ كما أوضحناه في رسالتنا "شفاء العليل(٧)، فافهم.
[١٠٩٢٢) (قولُهُ: ولو أنفَقَ من مالِ نفسه إلخ) قال في "الفتح "(٨): ((فإنْ أَنفَقَ الأكثرَ أو الكلَّ
(١) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الإجارة - باب الإجارة الفاسدة ١٩٨/٢.
(٢) "الوقاية": كتاب الإجارة - باب الإجارة الفاسدة ١٥٧/٢ (هامش "كشف الحقائق").
(٣) انظر "الاختيار": كتاب الإجارة - فصل: وإذا فسدت الإجارة ٥٩/٢.
(٤) اسمها كاملاً "بلوغ الأرب لذوي القرب": لأبي الإخلاص حسن بن عمار الوفائيّ الشر نبلاليّ المصريّ
(ت ١٠٦٩هـ). ("إيضاح المكنون" ١٩٥/١، "خلاصة الأثر" ٣٨/٢، "التعليقات السنية على الفوائد البهية" صـ ٥٨-).
(٥) في هذه المقولة.
(٦) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٠/٣.
(٧) انظر ١٨٤/١ (ضمن "مجموعة رسائل ابن عابدين").
(٨) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٨/٣.

الجزء السابع
٤٠١
باب الحج عن الغير
من مالِ نفسه وفي المالِ المدفوع إليه وفاءٌ بحجِّهِ رجَعَ به فيه؛ إذ قد يُتْلَى بالإنفاقِ من مالٍ نفسه
لبغتةٍ(١) الحاجة ولا يكونُ المال حاضراً، فجُوِّزَ ذلك كالوصيِّ والوكيلٍ يَشتري لليتيم والموكِّل،
ويُعطي الثَّمنَ من مالِ نفسه، ويرجعُ [٢/ق ٤٦٩/أ] به في مالِ اليتيم والموكّل)) اهـ.
قال في "البحر"(٢): ((وبهذا عُلِمَ أنَّ اشتراطهم أنْ تكون النّفْقةُ من مالِ الآمر للاحتراز
عن التُّرِعِ لا مطلقاً)) اهـ. وقال في "الخانيَّة"(٣): ((إذا خلَطَ المأمورُ بالحجِّ النّفقةَ بحال نفسه قال
في "الكتاب" (٤): يضمنُ، فإِنْ حَجَّ وأنفَقَ جاز وبرئ من الضَّمان)) اهـ.
إذا عرفتَ هذا فقولُهُ: ((وأَنفَقَ كُلَّهُ أو أكثرَهُ)) الضَّميران لمالِ الآمر، وفيه مضافٌ مقدَّرٌ،
أي: مقدارَ كلِّه أو مقدارَ أكثرِهِ، وهذا يرجعُ إلى المسألتين، والمعنى: ولو أنفَقَ المأمورُ بالحجِّ من
مال نفسه وحَجَّ وأنفَقَ مقدارَ كلِّ مالِ الآمرِ المدفوعِ إليه أو مقدارَ أكثرِهِ جاز، وكذا إذا خلَطَ
النّفقةَ بمالِهِ وحجَّ وأنفَقَ إلخ، أفاده "ح"(٥). وقولُهُ: ((وبَرِئَ من الضَّمان)) أي: الحاصلِ بسببِ
الخلط على ما علمتَهُ، وهذا لو بلا إذنِ الآمِرِ، بل نقَلَ "السائحانيُّ" عن "الذخيرة": ((له الخلطُ
بدراهمِ الرِّفقة أُمِرَ به أوْ لا للعُرْف)).
( تنبيةٌ )
سنذكرُ(٦) أنّه لو أوصى أنْ يُحَجَّ عنه بألفٍ من ماله، فأحَجَّ الوصيُّ من مالِ نفسه
ليرجعَ ليس له ذلك؛ لأنَّ الوصيّة باللَّفظ، فيُعتبَرُ لفظُ الموصي، وهو أضافَ المالَ إلى نفسه،
فلا يُبدَّلُ اهـ "بحر "(٧).
(١) في "الأصل": ((لبلغة))، وهو خطأ.
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٦/٣.
(٣) "الخانية": كتاب الحج - فصل في الحج عن الميت ٣١١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) لم نعثر عليها في نسخة "اللباب شرح الكتاب" التي بين أيدينا.
(٥) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٤٦/أ.
(٦) المقولة [١٠٩٥٤] قوله: ((إن لم يقل: من مالي)).
(٧) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٣/٣.

قسم العبادات
٤٠٢
حاشية ابن عابدين
(وشُرِطَ العجزُ) المذكورُ (للحجِّ الفرضِ لا النّفلِ) لاتُساعِ بابِهِ (ويقعُ الحجُّ)
المفروضُ (عن الآمِرِ على الظاهرِ) من المذهب، وقيل: عن المأمور نفلاً وللآمِر
ثُوابُ النَّفقة.
قلت: وعلى هذا إذا أضافَ المالَ إلى نفسه(١) فليس للمأمور أن يُبدِّلَهُ بماله كالوصيِّ، إلاَّ
٢٤٠/٢ أنْ يُفرَّقَ بينهما بأنَّ المأمور قد يضطرُّ إلى ذلك على ما مرَّ(٢)، فليتأمَّل.
[١٠٩٢٣) (قولُهُ: وشُرِطَ العجزُ إلخ) قد علمتَ مما قدَّمناه(٣) عن "اللباب" أنَّ الشُّروط كلَّها
شروطٌ للحجِّ الفرض دون النفل، فلا يشترطُ في النفل شيءٌ منها إلاَّ الإسلامُ والعقلُ والتمييزُ،
وكذا عدمُ الاستئجار على ما مرَّ بيانه.
[١٠٩٢٤] (قولُهُ: لاّساعٍ بابِهِ) أي: أَنَّه يُتسامَحُ في النفلِ ما لا يُتسامَحُ في الفرض، قال
في "الفتح"(٤): ((أمَّا الحجُّ النفلُ فلا يُشترَطُ فيه العجزُ؛ لأَنَّه لم يجب عليه واحدةٌ من المشقّتين -
أي: مشقَّةِ البدن ومشقّةِ المال - فإذا كان له تركُهما كان له أنْ يتحمَّلَ إحداهما تقرُّباً إلى ربِّه عزَّ
وجلَّ، فله الاستنابةُ فيه صحيحاً)) اهـ.
[١٠٩٢٥) (قولُهُ: على الظَّاهرِ من المذهبِ) كذا في "المبسوط"(٥)، وهو الصحيحُ كما في كثيرٍ
من الكتب، "بحر "(٦). ويشهدُ بذلك الآثارُ من السنَّة وبعضُ الفروع من المذهب، "فتح"(٧).
[١٠٩٢٦) (قولُهُ: وقيل: عن المأمورِ نفلاً إلخ) ذهَبَ إليه عامَّةُ المتأخّرين كما في "الكشف(٨)،
(١) من ((فلا يبدل)) إلى ((إلى نفسه)) ساقط من "الأصل".
(٢) في هذه المقولة.
(٣) المقولة [١٠٩٢٠] قوله: ((وأوصلها في "اللباب" إلى عشرين شرطاً)).
(٤) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٨/٣.
(٥) "المبسوط": كتاب المناسك - باب الحج عن الميت وغيره ١٤٧/٤.
(٦) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٦/٣.
(٧) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٨/٣.
(٨) "كشف الأسرار": باب بيان صفة حكم الأمر ٣٣٢/١.

الجزء السابع
٤٠٣
باب الحج عن الغير
كالنَّفْل(١) (لكنَّه يُشترَطُ) لصحَّةِ النّيابة (أهليَّةُ المأمورِ.
قالوا: [٢/ق٤٦٩/ب] وهو روايةٌ عن "محمَّدٍ"، وهو اختلافٌ لا ثمرةً له؛ لأنّهم اتَّفقوا أنَّ الفرض
يسقُطُ عن الآمرِ لا عن المأمور، وأَنَّه لا بدَّ أن ينويَّهُ عن الآمر، وتمامه في "البحر"(٢).
قلت: وعلى القولِ بوقوعه عن الآمرِ لا يخلو المأمورُ من الثّواب، بل ذكَرَ العلاَّمة "نوح" عن
"مناسك القاضي"(٣): ((حَجُّ الإنسان عن غيره أفضلُ من حجِّه عن نفسه بعد أن أدَّى فرضَ
الحجِّ؛ لأنَّ نفعَهُ مُتَعَدٍّ، وهو أفضلُ من القاصر)) اهـ، تأمَّل.
[١٠٩٢٧) (قولُهُ: كالنّفْلِ) مقتضاه أنَّ النَّفل يقعُ عن المأمور اتفاقاً، وللآمر ثوابُ النَّفقة، وبه
صرَّحَ بعضُ الشُّرَّحِ، ومشى عليه في "اللباب"(٤)، وردّهُ "الإتقانيُّ" في "غاية البيان": ((بأنّه
خلافُ(٥) الرِّواية لِما قاله "الحاكم الشهيد" في "الكافي": الحجُّ التطوُّعُ عن الصحيحِ جائزٌ))،
ثُمَّ قال: ((وفي "الأصلِ"(٦): يكونُ الحجُّ عن المحجِ)) اهـ.
[١٠٩٢٨] (قولُهُ: لكنّه يُشترَطُ إلخ) استدراكٌ على قوله: ((يقعُ عن الآمرِ))، فإنَّ مقتضاه
(قولهُ: وهو اختلافٌ لا ثمرةً له إلخ) قال في "البحر": ((وقد يقال: إنَّها تظهرُ فيمن حلَفَ
أنْ لا يحجَّ، وقد يقال: إنَّه يقال في العُرف: حَجَّ وإن وقع عن غيره، فيحنثُ بالحجِّ اتّفاقاً)) اهـ. وقيل:
ربما ظهَرَتْ فيما إذا حَجَّ عن الغير ثمَّ قال: إن لم يقع الحجُّ عَنِّي فكذا، وقالت الورثةُ: إنْ لم يقع
عن الآمِرِ فكذا، وسيأتي عند قوله: ((ودُ الإحصارِ على الآمِرِ)) ما يفيدُ أنَّ الثَّمرة تظهرُ فيما لو فاتَهُ،
فعلى أنَّ الأفعال تقعُ عنه يلزمُهُ القضاءُ عنه، وعلى أنَّها تقعُ عن الآمِرِ يلزمُ القضاءُ عن الآمِرِ.
(١) في "د": ((كحج النفل)).
(٢) انظر "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٦/٣-٦٧.
(٣) أي: القاضي محمد عيد كما صرّح به ابن عابدين رحمه الله في حاشيته "منحة الخالق على البحر الرائق" ٣٤٠/٢.
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل: اعلم أنه إذا حج عن المأمور صـ٣٠٦ -.
(٥) في "الأصل": ((بلا خلاف))، وهو تحريف.
(٦) "الأصل": كتاب المناسك - باب الحج عن الميت وغيره ٤٢٠/٢ بتصرف.

قسم العبادات
٤٠٤
حاشية ابن عابدين
لصحَّةِ الأفعال).
ثُمَّ فرَّعَ عليه بقوله: (فجازَ حجُّ الصَّرُورةِ) بمهملةٍ: مَن لم يَحُجَّ (والمرأةِ) ولو أَمَةً
(والعبدِ وغيرِهِ) كالمراهِقِ، وغيرُهم أَولى لعدمِ الخلاف (ولو أمَرَ ذمَّاً) أو مجنوناً ....
صحَّتُهُ ولو من غيرِ الأهل، "ط)(١). أي: كما تصحُّ إنابةُ ذمِّيٌّ في دفع الزّكاة.
[١٠٩٢٩) (قولُهُ: لصحَّةِ الأفعالِ) عَبَّرَ بالصحَّةِ دون الوجوبِ لَيَعُمَّ المراهق، فإنَّه أهلٌ للصحَّةِ
دون الوجوب، "ط" (٢).
[١٠٩٣٠] (قولُهُ: ثمَّ فرَّعَ عليه) أي: على أنَّ الشَّرط هو الأهليّةُ دون اشتراطِ أن يكون المأمورُ
قد حَجَّ عن نفسه، ودون اشتراطِ الذُّكورة والحريَّة والبلوغ.
[١٠٩٣١] (قولُهُ: بمهملةٍ) أي: بصادٍ مهملةٍ وبتخفيفِ الرَّاء.
مطلبٌ في حَجّ الصَّرورة
[١٠٩٣٢] (قولُهُ: مَن لم يَحُجَّ) كذا في "القاموس"(٣)، وفي "الفتح"(٤): ((والصَّرُورة يرادُ
به الذي لم يحجَّ عن نفسه)) اهـ. أي: حجَّةَ الإِسلام؛ لأنَّ هذا الذي فيه خلافُ "الشافعيّ"،
فهو أعمُّ من المعنى اللغويِّ، فكان ينبغي لـ "الشارح" ذكرُهُ؛ لأَنَّه يشملُ مَن لم يحَّ أصلاً ومَن حَجَّ عن
غيره أو عن نفسه نفلاً أو نذراً أو فرضاً فاسداً أو صحيحاً ثمَّارتَدَّ ثُمَّ أسلم بعده كما أفادَهُ "ح"(٥).
[١٠٩٣٣] (قولُهُ: وغيرُهم أَولى لعدم الخلافِ) أي: خلافٍ "الشافعيّ"، فإنَّه لا يُحوِّزُ حجَّهم
(قولُهُ: لأَنَّه يشملُ مَن لم يَحُجَّ أصلاً) هذا هو المعنى اللُّغويُّ، وما عداه داخلٌ في المعنى الشرعيِّ
أيضاً، وخلافُ الإمام "الشافعيِّ" فيه بالمعنى الشرعيِّ، لا فيه بخصوص معناه لغةً.
(١) "ط": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٥٤٩/١.
(٢) "ط": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٥٤٩/١.
(٣) "القاموس": مادة ((صور)).
(٤) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٢/٣.
(٥) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٤٦/أ.

الجزء السابع
٤٠٥
باب الحج عن الغير
كما في "الزيلعيِّ" (١)، "ح"(٢). ولا يخفى أنَّ التَّعليل يفيدُ أنَّ الكراهة تنزيهيَّةٌ؛ لأنَّ مراعاة الخلاف
مستحبَّةٌ، فافهم. وعلَّلَ في "الفتح"(٣) الكراهةَ في المرأة بما في "المبسوط "(٤): ((من أنَّ حَجَّها أنقصُ؛
إذ لا رملَ عليها ولا سعيَ في بطن الوادي، ولا رفعَ صوتٍ بالنِّبية، ولا حلقَ))، وفي العبدِ بما في
"البدائع"(٥): ((من أنّه ليس أهلاً لأداءِ الفرض عن نفسه))، [٢/ق٤٧٠ /أ) وأطلَقَ في صحَّةٍ
إحجاجِ العبد، فشملَ ما إذا كان بإذنِ مولاه أو بغيرِ إذنه كما صرَّحَ به في "المعراج"، فافهم.
وقال في "الفتح"(٦) أيضاً: ((والأفضلُ أنْ يكونَ قد حَجَّ عن نفسه حجَّةَ الإسلام خروجاً عن
الخلاف))، ثمَّ قال: ((والأفضلُ إحجاجُ الحرِّ العالم بالمناسك الذي حَجَّ عن نفسه، وذكَرَ
في "البدائع"(٧) كراهةَ إحجاج الصَّرُورة؛ لأَنَّه تاركٌ فرضَ الحجِّ))، ثمَّ قال في "الفتح "(٨) بعدما
أطالَ في الاستدلال: ((والذي يقتضيه النّظرُ أنَّ حجَّ الصَّرُورة عن غيره إن كان بعد تحتُّقِ الوجوبِ
عليه يمِلْكِ الزَّاد والرَّاحلة والصحَّة فهو مكروهٌ كراهةً تحريمٍ؛ لأَنَّه تضَّقَ عليه في أوَّلِ سني
الإِمكانِ، فيأثمُ بتركه، وكذا لو تنفّلَ لنفسه، ومع ذلك يصحُّ؛ لأنَّ النَّهي ليس لعينِ الحجِّ المفعولِ،
بل لغيره وهو الفواتُ؛ إذ الموتُ في سنةٍ غيرُ نادٍ)) اهـ.
قال في "البحر"(٩): ((والحقُّ أنّها تنزيهيَّةٌ على الآمرِ لقولهم: والأفضلُ إلخ، تحريمَيَّةٌ
على الصَّرُورةِ المأمورِ الذي اجتمعت فيه شروطُ الحجِّ ولم يحجَّ عن نفسه؛ لأَنَّه أَثِمَ بالتأخير)) اهـ.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب الحج عن الغير - فصل في المأمور بالحج ٨٢/٢.
(٢) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٤٦/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٢/٣.
(٤) "المبسوط": كتاب المناسك - باب الحج عن الميت وغيره ١٥٥/٤.
(٥) "البدائع": كتاب الحج - الحج عن الغير ٢١٣/٢.
(٦) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٢/٣.
(٧) "البدائع": كتاب الحج - الحج عن الغير ٢١٣/٢.
(٨) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٩/٣.
(٩) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٥/٣.

قسم العبادات
٤٠٦
حاشية ابن عابدين
قلت: وهذا لا يُنافي كلامَ "الفتح"؛ لأنّه في المأمور، ويُحمَلُ كلامُ "الشارح" على الآمرِ،
فيوافقُ ما في "البحر": ((من أنَّ الكراهة في حقّهِ تنزيهيَّةٌ وإن كانت في حقِّ المأمور تحريميَّةً)).
( تنبيةٌ )
قال في "نهج النجاة" لـ "ابن حمزة النَّقيب" بعدما ذكَرَ كلامَ "البحر" المارّ(١): ((أقول:
وظاهرُهُ يفيدُ أنَّ الصَّرُورةَ الفقيرَ لا يجبُ عليه الحجُّ بدخول مكَّة، وظاهرُ كلام "البدائع" بإطلاقه
الكراهةَ - أي: في قوله: يكرهُ إِحجاج الصَّرُورة؛ لأَنَّه تاركٌ فرضَ الحجِّ - يفيدُ أَنَّه يصيرُ بدخول
مكَّة قادراً على الحجِّ عن نفسه وإنْ كان وقتُهُ مشغولاً بالحجِّ عن الآمر، وهي واقعةُ الفتوى،
فليتأمّل)) اهـ
قلت: وقد أفتى بالوجوبِ مُفتي دارِ السَّلطنة العلاّمةُ "أبو السُّعود"، وتَبِعَهُ في "سكب
الأنهر"، وكذا أفتى به السيِّد "أحمد بادشاه"(٢)، وأَّفَ فيه رسالةً، وأفتى سيِّدي "عبد الغنيِّ
النابلسيُّ" بخلافه، وأَلَّفَ فيه رسالةً(٣)؛ لأنّه في هذا العامِ لا يمكنُهُ الحجُّ عن نفسه؛ لأنَّ سفره بمال
٢٤١/٢ الآمر، فُيُحرِمُ عن الآمرِ ويحجُّ عنه، وفي تكليفه بالإقامةِ بمكَّةً إلى قابلٍ ليحجَّ عن نفسه ويتركَ عياله
ببلده حرجٌ عظيمٌ، وكذا في تكليفه بالعَوْدِ وهو فقيرٌ حرجٌ عظيمٌ أيضاً، وأمَّا ما في "البدائع"
فإطلاقُُ الكراهةَ المنصرفةَ إلى [٢/ق٤٧٠/ب] التَّحريم يقتضي أنَّ كلامه في الصَّرُورة الذي تحقَّقَ
الوجوبُ عليه من قبلُ كما يفيدُهُ ما مرَّ(٤) عن "الفتح"، نعم قدَّمنا(٥) أوَّلَ الحجِّ عن "اللباب"
(١) في هذه المقولة.
(٢) لم نعثر له على ترجمة فيما بين أيدينا من المصادر.
(٣) سَمَّاها "رفع الضرورة عن حج الصرورة": مخطوط، لعبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي (ت١١٤٣ هـ).
("إيضاح المكنون" ٥٧٩/١، "سلك الدرر" ٣٠/٣).
(٤) في هذه المقولة.
(٥) المقولة [٩٥٨٦] قوله: ((للآفاقي)).

الجزء السابع
٤٠٧
باب الحج عن الغير
(لا) يصحُّ.
(وإذا مَرِضَ المأمورُ) بالحجِّ (في الطَّريق ليس له دَفْعُ المالِ إلى غيرِهِ لَيَحُجَّ) ذلك الغيرُ
(عن الميتِ إلاّ إذا) أُذِنَ له بذلك بأن (قيل له وقتَ الدَّفع: اصنعْ ما شئتَ، فيجوزُ
له) ذلك (مَرِضَ أوْ لا) لأَنَّه صار وكيلاً مطلقاً.
(خَرَجَ) المكلِّفُ.
و"شرحه": ((أنَّ الفقير الآفاقيَّ إذا وصَلَ إلى ميقاتٍ فهو كالمكِّيِّ في أنّه إِنْ قدَرَ على المشي لَزِمَهُ
الحجُّ، ولا ينوي النفلَ على زعم أنَّه فقيرٌ؛ لأَنَّه ما كان واجباً عليه وهو آفاقيٌّ، فلمَّا صار كالمكِّيِّ
وجَبَ عليه، حتّى لو نواه نفلاً لَزِمَهُ الحجُّ ثانياً)) اهـ.
لكنَّ هذا لا يدلُّ على أنَّ الصَّرُورةَ الفقيرَ كذلك؛ لأنَّ قدرته بقدرةٍ غيره كما قلنا، وهي
غيرُ معتبرةٍ بخلاف ما لو خرَجَ ليحُجَّ عن نفسه وهو فقيرٌ، فإنَّه عند وصوله إلى الميقات صار قادراً
بقدرةٍ نفسه، فيجبُ عليه وإنْ كان سفرُهُ تطوُّعاً ابتداءً، ولو كان الصَّرُورةُ الفقيرُ مثلَهُ لَمَا صحَّ
تقيدُ "ابن الهمام" كراهةَ التَّحريم بما إذا كان حُّهُ عن الغير بعد تحقَّقِ الوجوب عليه وتعليلُهُ
للكراهة: ((بأنَّه تضَّقَ الوجوبُ عليه))، فليتأمَّل.
[١٠٩٣٤) (قولُهُ: لا يصحُّ) أي: لعدم الأهليّةِ المذكورة.
[١٠٩٣٥] (قولُهُ: وإذا مَرِضَ) أي: عرَضَ له مانعٌ من ذهابه كمرضٍ وحبسٍ، وشملَ
ما لو عَنَهُ الآمرُ أوْ لا.
[١٠٩٣٦] (قولُهُ: عن الميتِ) أي: عن المحجوجِ عنه حيّاً أو ميتاً.
[١٠٩٣٧] (قولُهُ: إلَّ إذا أُذِنَ له) بالبناء للمجهول ليناسبَ ما بعده، ويشمل ما لو أَذِنَ له الميتُ
أو وصيّهُ ولم يكنْ عَنَهُ الميتُ بمنع إحجاجٍ غيره كما مرَّ(١).
[١٠٩٣٨] (قولُهُ: خرَجَ المكلَّفُ إلخ) أمَّا إذا لم يخرج وأوصى بأنْ يُحَجَّ عنه، وأطلق - أي:
(١) المقولة [١٠٩١٩] قوله: ((وإنْ لم يقل: لا غيرُه جاز)).

قسم العبادات
٤٠٨
حاشية ابن عابدين
(إلى الحجِّ وماتَ في الطريق وأوصى بالحجِّ عنه) إنما تجبُ الوصيّة به إذا أخَّرَهُ بعد
وجوبِهِ، أمَّا لو حَجَّ من عامِهِ فلا (فإنْ فسَّرَ المالَ) أو المكانَ.
لم يُعِّنْ مالاً ولا مكاناً - فإنَّه يُحَجُّ عنه من ثُلُثِ ماله من بلده إنْ بَلَغَ الثِّلُثَ؛ لأنَّ الواجب عليه
الحجُّ من بلده الذي يسكنُهُ، وإلاَّ فمن حيث يبلغُ، وإن لم يمكن من مكانٍ بطَلَت الوصيّةُ كما
في "اللباب"، قال "شارحه"(١): ((ولعلَّ المكان مقيَّدٌ بما قبل المواقيت، وإلاَّ فبأدنى شيءٍ يمكنُ
أن يُحَجَّ عنه من مكَّةً، وكذا الحكمُ إذا أوصى أنْ يُحَجَّ عنه بمالٍ وسَمَّى مبلغَهُ فإِنَّه إن كان يبلغُ
من بلده فمنها، وإلاَّ فمن حيث يبلغُ)) اهـ.
واحترَزَ بالمكلَّفِ عن غيره كالصبيِّ والمجنون، فإنَّ وصيَّتَهُ لا تعتبرُ، واحترَزَ بقوله:
((إلى الحجِّ)) عمَّا لو خرَجَ للتّجارة ونحوها وأوصى فإِنَّه يُحَجُّ عنه من وطنه إجماعاً كما
في "المعراج" وغيره، وقيَّدَ بخروجه بنفسه [٢/ق ٤٧١/أ] لأَنَّه لو أمَرَ غيرَهُ وماتَ المأمورُ في الطريق
فسیذ کر تفصيله بعد(٢).
[١٠٩٣٩] (قولُهُ: وماتَ في الطريق) أراد به موتَهُ قبل الوقوف بعرفةً ولو كان مكَّةً، "بحر"(٣).
وفي "التجنيس": ((إذا مات بعد الوقوفِ بعرفةَ أجزاً عن الميت؛ لأنَّ الحجَّ عرفةُ بالنصِّ))، وقدَّمنا(٤)
عند الكلام على فروض الحجِّ أنَّ الحاجّ عن نفسه إذا أوصى بإتمامِ الحجِّ تجبُ بدنٌ.
[١٠٩٤٠] (قولُهُ: إنما تحبُ الوصيّةُ به إلخ) كذا في "التّجنيس"، قال "الكمال(٥): ((وهو قيدٌ
حسنٌ))، "شرنبلالَيَّة"(٦).
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٩١ -.
(٢) في المقولة الآتية.
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٣/٣.
(٤) المقولة [٩٦٥٨] قوله: ((وهما ركنان)).
(٥) "الفتح": كتاب الحج ٣٢٧/٢.
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب: محرم أحصر ٢٦٠/١ (هامش "الدرر والغرر").

الجزء السابع
٤٠٩
باب الحج عن الغير
(فالأَمْرُ عليه) أي: على ما فسَّرَهُ (وإلاَّ فَيَحُجُّ) عنه (من بلدِهِ) قياساً لا استحساناً،
فليحفظ، فلو أحَجَّ الوصيُّ عنه مِن غيرِهٍ لم يصحَّ (إِنْ وَفَى به) أي: بالحجِّ من بلدِهِ
[١٠٩٤١] (قولُهُ: فالأمرُ عليه) أي: الشَّأنُ مبنيٌّ على ما فسَّرَهُ، أي: عَنَهُ، فإنْ فسَّرَ المالَ يُحَجُّ
عنه من حيث يبلغُ، وإن فسَّرَ المكانَ يُحَجُّ عنه منه، "ح"(١).
قلت: والظاهرُ أَنَّه يجبُ عليه أن يوصيَ بما يبلغُ من بلده إن كان في الثلثِ سعةٌ، فلو أوصى
بما دون ذلك أو عيَّنَ مكاناً دون بلدِهِ يأثمُ لِما علمتَ أنَّ الواجب عليه الحجُّ من بلدٍ يسكنُهُ.
[١٠٩٤٢] (قولُهُ: من بلدِهِ) فلو كان له أوطانٌ فيِن أقرِبِها إلى مكّة، وإن لم يكن له وطنٌ
فمن حيث ماتَ، ولو أوصى خراسانيٌّ بمكَّةَ أو مكِّيٌّ بالرَّيِّ يُحَجُّ عنهما من وطنهما،
ولو أوصى المكّيُّ - أي: الذي مات بالرَّيِّ - أنْ يُقرَنَ عنه يُقرَنُ عنه من الرَّيِّ، "لباب"(٢)،
أي: لأَنَّه لا قِرانَ لمن بمكّة.
مطلب: العمل على القیاس دون الاستحسان هنا
[٤٣ ١٠٩] (قولُهُ: قياساً لا استحساناً) الأوَّلُ قول "الإِمام"، والثاني قولهما، وأخَّرَ دليلَهما(٣)
في "الهداية"(٤)، فيحتملُ أَنَّه مختارٌ له؛ لأنَّ المأخوذ به في عامَّةِ الصُّور الاستحسانُ، "عناية" (٥).
وقوَّاهُ في "المعراج"، لكنَّ المتون على الأوَّلِ، وذكَرَ تصحيحَهُ العلاّمة "قاسمٌ" في كتابِ الوصايا،
فهو مما قُدِّمَ فيه القياسُ على الاستحسان، وإليه أشارَ بقوله: ((فلُيُحفظ)).
[١٠٩٤٤] (قولُهُ: فلو أحَجَّ الوصيُّ عنه من غيرِهِ) - أي: من غيرِ بلده فيما إذا وجَبَ
الإِحجاجُ من بلده - ((لم يصحَّ)) ويضمنُ ويكونُ الحجُّ له، ويُحِجُّ عن الميتِ ثانياً؛ لأَنَّه خالَفَ،
(١) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق١٤٦/أ بتوضيح من ابن عابدين رحمه الله.
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٩١ -.
(٣) في النسخ جميعها: ((دليله)) وهو خطأ، وما أثبتناه من "الهداية" هو الصواب.
(٤) "الهداية": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ١٨٥/١.
(٥) "العناية": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٦/٣ (هامش "فتح القدير").

قسم العبادات
٤١٠
حاشية ابن عابدين
(ثُلُهُ) وإنْ لم يَفِ فمِن حيث يبلُغُ استحساناً.
ولوصيِّ الميتِ.
إلاَّ أنْ يكون ذلك المكانُ قريباً من بلده بحيث يبلغُ إليه ويرجعُ إلى الوطن قبل اللَّل كما
في "اللباب"(١) و"البحر"(٢).
[١٠٩٤٥] (قولُهُ: ثلُهُ) أي: ثلثُ مال الموصي، فإِنْ بَلَغَ الثلثُ الإِحجاجَ راكباً فأحَجَّ ماشياً
لم يَجُز، وإن لم يبلغ إلاَّ ماشياً من بلده(٣) قال "محمَّدٌ": يُحِجُّ عنه من حيث بلَغَ راكباً،
وعن "الإِمام" أَنَّه يُخَُّ بينهما، وأمَّا إن كان الثلثُ يكفي لأكثرَ من حجَّةٍ فإنْ عَيَّنَ الميتُ حجَّةً
واحدةً فالفاضلُ للورثة، وإِنْ أطلَقَ أحَجَّ عنه في كلِّ سنةٍ حجَّةً واحدةً أو أحَجَّ في سنةٍ حِجَجَاً،
وهو الأفضلُ تعجيلاً لتنفيذِ الوصيّة؛ لأَنّه ربما يَهلِكُ المالُ، وإِن عَّنَ الميتُ في كلِّ سنَّةٍ حيثَّةً فهو
كالإِطلاق، كما لو أمَرَ الوصيُّ رجلاً [٢/ق٤٧١/ب] بالحجِّ السنَّةَ فأخَّرَهُ إلى القابلة جازَ
عن الميت، ولا يضمنُ؛ لأنَّ ذكر السَّنَة للاستعجال لا للَّقييد، "بحر " (٤).
قلت: ومثلُ الثلث ما لو قال: أَحِجُّوا عني بألفٍ والألفُ يبلغُ حِجَحَاً كما في "اللباب"
و"شرحه"(٥).
[١٠٩٤٦] (قولُهُ: وإِنْ لم يَفِ فمن حيث يبلغُ) لكنْ لو أحَجَّ عنه من حيث يبلغُ وفضَلَ
من الثلث، وتبيّنَ أَنَّه يبلغُ من موضعٍ أبعدَ منه يضمنُ الوصيُّ ويُحِجُّ عن الميت من حيث يبلغُ،
٢٤٢/٢ إلاَّ أنْ يكون الفاضلُ شيئاً يسيراً من زادٍ أو كسوةٍ فلا يضمنُ، "شرح اللباب" (٦). ونقلَهُ
في "الفتح"(٧) عن "البدائع"(٨).
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير ــ فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٩٢ -.
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٢/٣.
(٣) من ((بحيث يبلغ إليه)) - في المقولة السابقة - إلى ((من بلده)) ساقط من "الأصل".
(٤) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٢/٣ بتصرف.
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل: ولو أوصى أن يحج عنه صـ٣٠١ __.
(٦) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل: في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٩٢ -.
(٧) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٥/٣.
(٨) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأمَّا بيان حكم فوات الحج ٢٢٢/٢.

الجزء السابع
٤١١
باب الحج عن الغير
ووارثِهِ أنْ يَسترِدَّ المالَ من المأمور ما لم يُحرِمْ، ثمَّ إِنْ رَدَّهُ لخيانةٍ منه فنفقةُ الرُّجوع
في مالِهِ، وإلاّ ففي مالِ الميت.
(أوصی بحجٌ.
[١٠٩٤٧] (قولُهُ: ووارثِهِ) الأَولى العطفُ بأو كما فعَلَ في "اللباب"(١)؛ لأَنَّه لو كان وصَّى
فلا كلام للوارث في الوصيَّة، نعم لو كان الميتُ هو الذي دفَعَ للمأمور ثمَّ مات كان للوارثِ
استردادُ ما في يدِ المأمور وإِنْ أحرَمَ كما سيأتي (٢) في الفروع، أي: ولو مع وجودِ الوصيِّ؛
لأنَّ الباقيَّ صار ميرانً لكونِ الميت لم يُوصِ به.
[١٠٩٤٨] (قولُهُ: ما لم يُحرِمِ) فلو أحرَمَ ليس له الاستردادُ، والمحرم يمضي في إحرامه، وبعد
فراغِهِ من الحجِّ ليس له استردادُهُ حتّى يرجعَ إلى أهله، وإن أحرَمَ حين أراد الأخذ فله أنْ يأخذه،
ويكونُ إحرامُهُ تطوُّعاً عن الميت، "شرح اللباب"(٣) عن "خزانة الأكمل".
[١٠٩٤٩] (قولُهُ: وإِلَّ) يعني: بأنْ ردّهُ لعلّةٍ غيرِ الخيانة كضعفٍ رأيٍ فيه أو جهلٍ بالمناسك،
أمّا لو بلا علَّةٍ أصلاً فالنَّفْقةُ في مال الدَّافع، قال في "البحر"(٤): ((إن استُرِدَّ بخيانةٍ ظهرت منه - أي:
من المأمورِ - فالنَّفقةُ في ماله خاصَّةً، وإن استُرِدَّ لا بخيانةٍ ولا تُهَمَةٍ فالنَّفْقةُ على الوصيِّ في ماله
خاصَّةً، وإن استُرِدَّ لضعفِ رأيٍ فيه أو لجهلِهِ بأمور المناسك فأرادَ الدَّعَ إلى أصلَحَ منه ففقْتُهُ
في مال الميت؛ لأنَّه استُرِدَّ لمنفعةِ الميت)) اهـ، أفادَهُ "ح"(٥).
[١٠٩٥٠] (قولُهُ: أوصى بحجّ إلخ) قَّدَ بالوصيّة لأنّه لو كان لم يُوصِ فتبرَّعَ عنه الوارثُ
(قولُهُ: لأنَّ الباقيَ صار ميرانً إلخ) وجهُهُ أنَّ نفقة الحجِّ تبطُلُ بالموت كنفقةٍ ذوي الأرحام، وسيأتي
توضيحُ هذه المسألة.
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل: ولوصي الميت أو وارثه أن يسترد المال صـ٣٠٥ __.
(٢) صـ٤٣٣-٤٣٤- "در".
(٣) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل: ولوصي الميت أو وارثه أن يسترد المال صـ٣٠٥ __.
(٤) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٢/٣.
"ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٤٦/ب.
(٥) ".

قسم العبادات
٤١٢
حاشية ابن عابدين
فتطوَّعَ عنه رَجُلٌ لم يُجزِهِ) وإنْ أمَرَهُ الميتُ؛ لأَنَّه لم يَحصُل مقصودُهُ وهو ثوابُ
الإنفاق،
بالحجِّ أو الإِحجاج يصحُّ كما قدَّمَهُ "المصنّف"(١)، أي: يصحُّ عن الميت عن حجَّةِ الإِسلام إن شاء
الله تعالى كما قدَّمناه(٢)، ونقَلَ "ط" (٣) عن "الولو الحيّة"(٤): ((أَنَّ التَّعليق بالمشيئة على القبول لا على
الجواز))، وقدَّمنا (٥) أيضاً عن "شرح اللباب": ((أنَّ الوارث غيرُ قيدٍ، فإذا لم يُوصِ يجزئُهُ تبرُّعُ
الوارثِ والأجنبيِّ عنه))، وسيأتي(٦) تمامُ الكلام عليه.
(١٠٩٥١] (قولُهُ: فتطوَّعَ عنه رجلٌ) أطَلَقَ الرَّجُلَ المتطوِّعَ فشمل الوارثَ، وبه صرَّحَ
"قاضي خان(٧) بقوله [٢/ق ٤٧٢ / أ]: ((الميتُ إذا أوصى بأنْ يُحَجَّ عنه بماله، فتبرَّعَ عنه الوارثُ
أو الأجنبيُّ لا يجوز)) اهـ.
قلت: يعني لا يجوزُ عن فرضِ الميت، وإلاَّ فله ثوابُ ذلك الحجِّ، "ح"(٨) عن
"الشرنبلاليّة"(٩). ولهذا قال "المصنّف": ((لم يُجزِهِ)) من الإجزاءِ، لكنْ سيأتي(١٠) ما يدلُّ على
أنَّ الثَّواب إنما يحصلُ للميت إذا جعَلَهُ له الحاجُّ بعد الأداء.
[١٠٩٥٢] (قولُهُ: وإنْ أمَرَهُ الميتُ) أي: أنَّ الميت إذا أوصى بالإِحجاجِ عنه وأمَرَ أنْ يَحُجَّ
عنه زيدٌ، فحَجَّ عنه زيدٌ من مال نفسه لم يُخْزِ عن الميت للعلَّة المذكورة، فافهم.
(١) صـ ٣٩٣ - "در".
(٢) المقولة [١٠٩١٣] قوله: ((إلا إذا حج أو أحج الوارث)).
(٣) "ط": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٥٥٠/١.
(٤) "الولوالجية": كتاب الحج - الفصل الثالث: فيمن يحج عن غيره ق ٤٢/أ.
(٥) المقولة [١٠٩١٣] قوله: ((إلا إذا حج أو أحج الوارث)).
(٦) في المقولة الآتية.
(٧) "الخانية": كتاب الحج - فصل في الحج عن الميت ٣١١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٤٦ /ب.
(٩) "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب محرم أحصر ٢٦٠/١ (هامش "الدرر والغرر").
(١٠) المقولة [١٠٩٦٤] قوله: ((بخلاف ما لو أهلّ إلخ)).

الجزء السابع
٤١٣
باب الحج عن الغير
لكنْ لو حَجَّ عنه ابنُهُ لَيَرجِعَ في التّرِكة جاز إنْ لم يقل: من مالي، وكذا لو أحَجَّ
لا لَيَرجِعَ كالدَّين إذا قَضَاهُ مِن مالِ نفسِهِ.
[١٠٩٥٣] (قولُهُ: لكنْ لو حَجَّ عنه ابْنُهُ) أي: مثلاً، وإلاَّ فكذا حكمُ بقيَّةِ الورثة، "شرح
اللباب"(١).
قلت: بل الوصيُّ كذلك كما يفيدُهُ ما يأتي(٢) قريباً عن "عمدة الفتاوى".
ثُمَّ إِنَّ هذا استدراكٌ على إطلاقِ الرَّجُل في قوله: ((فتطوَّعَ عنه رجلٌ)) بأنَّ الوارث
أو الوصيَّ يخالفُ الأجنبيَّ في أنّه لو تطوَّعَ من وجهٍ - بأنْ أنفَقَ من ماله ليرجعَ في التركة - جاز
بخلاف الأجنبيِّ؛ لأنَّ الوارث خليفةٌ عن الميت، ولذا لو قَضَى الدَّينَ من مال نفسه ليرجعَ جاز،
قال في "البحر"(٣): ((ولو حَجَّ على أنْ لا يرجعَ فإِنَّه لا يجوزُ عن الميت؛ لأَنَّه لم يحصل مقصودُ
الميت وهو ثوابُ الإِنفاق)) اهـ.
قلت: وقدَّمنا(٤) أنَّ الوارث ليس له الحجُّ بمالِ الميت إلاَّ أن تُجيزَ الورثة وهم كبارٌ؛ لأنَّ هذا
مثلُ التبرُّعِ بالمال، فالظاهرُ تقييد حجِّ الوارث هنا بذلك أيضاً، تأمَّل.
[١٠٩٥٤] (قولُهُ: إن لم يقل: مِن مالي) في "البحر"(٥) عن آخر "عمدة الفتاوى" لـ "الصدر
الشهيد": ((لو أوصى بأنْ يُحَجَّ عنه بألفٍ من ماله، فأحَجَّ الوصيُّ من مال نفسه ليرجعَ ليس له
ذلك؛ لأنَّ الوصيّة باللَّفظ، فُيُعتبرُ لفظ الموصي، وهو أضافَ المالَ إلى نفسه، فلا يُبدَّلُ)) اهـ.
[١٠٩٥٥] (قولُهُ: وكذا لو أحَجَّ لا لِيَرجِعَ) أي: أنَّه يجوزُ، واسْتُفِيدَ منه أنَّه لو أحَجَّ لَيَرجِعَ أَنَّه
يجوزُ بالأَولى، وقد نصَّ عليهما في "الخانَّة"(٦) حيث قال: ((إذا أوصى الرَّجُل بأنْ يُحَجَّ عنه،
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير ــ فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٨٩ -.
(٢) في المقولة الآتية.
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٢/٣.
(٤) المقولة [١٠٩٢١] قوله: ((لم يجز حجه عنه)).
(٥) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧٣/٣.
(٦) "الخانية": كتاب الحج - فصل في الحج عن الميت ٣١١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").

قسم العبادات
٤١٤
حاشية ابن عابدين
(ومَن حَجَّ عن) كلِّ من ..
فأحَجَّ الوارثُ رجلاً من مالِ نفسِهِ ليرجعَ في مال الميت جاز، وله أنْ يرجعَ في مال الميت،
وكذا الزَّكَاةُ والكفَّارة، ولو فعَلَ ذلك الأجنبيُّ لا يَرجِعُ، ولو أوصى بأنْ يُحَجَّ عنه فأحَجَّ الوارثُ
من مال نفسِهِ لا لَيَرجعَ عليه جاز للميت عن حجّةِ الإِسلام)) اهـ.
قال في "شرح اللباب"(١) بعد نقلِهِ: ((وفيه بحثٌ لا يخفى)) اهـ. أي: لِما [٢/ق٤٧٢ /ب]
مرَّ(٢) من أنّه يُشترَطُ في الحجِّ عن الغير إذا كان بوصيَّةٍ الإنفاقُ من مالِ المحجوج عنه احترازاً عن
التبرُّعِ كما مرَّ(٢) بيانه، فتجويزُهُ فيما لو أحَجَّ من ماله لا لَيَرجِعَ مخالفٌ لذلك، ولذا لم يَجُز فيما
لو حَجَّ الوارثُ بنفسه لا لَيَرجِعَ، ولا يظهرُ فرقٌ بينهما؛ لِما علمتَ من أنَّ مقصود الميت بالوصيّة
ثوابُ الإِنفاق من ماله، وهو حاصلٌ فيما لو حَجَّ الوارثُ أو أحَجَّ عنه ليَرجِعَ دون ما إذا أنفَقَ
لا لِيَرجِعَ فيهما، واستشكَلَ ذلك في "الشرنبلاليَّةَ"(٤) أيضاً، والتَّفرقةُ = بأنَّه في الإحجاج قامَ
الوارثُ مَقامَ الميت في دفع المال، فكأنَّ المأمور أَنفَقَ من مال الميت، بخلاف ما إذا حَجَّ الوارثُ
بنفسه فإنَّه لم يحصل منه دفعُ المال، بل ما حصَلَ منه إلاَّ مجرَّدُ الأفعال، فلم يَجُز ما لم يَنْوِ الرُّجوعَ
في ماله = غيرُ ظاهرةٍ؛ لأنَّ حجَّهُ بنفسه لا بدَّ له من النَّفقة أيضاً، فافهم.
[١٠٩٥٦] (قولُهُ: ومَنْ حَجَّ) أي: أهَلَّ بحجِ؛ لأنّه يصيرُ مخالفاً بمحرَّدِ الإهلالِ بلا توقُّفٍ
على الأعمال، أفادَهُ "ح"(٥).
قلت: أي: في صورةٍ المتن، وإلاَّ فقد لا يصيرُ مخالفاً إلاَّ بالشُّروع كما سيظهرُ لك(٦).
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٨٩ -.
(٢) ص ٣٩٤ - "در".
(٣) المقولة [١٠٩٢٢] قوله: ((ولو أنفق من مال نفسه إلخ)).
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب محرم أحصر ٢٦٠/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٤٦/ب - ١٤٧/أ.
(٦) المقولة [١٠٩٦٣] قوله: ((جاز)).

الجزء السابع
٤١٥
باب الحج عن الغير .
(آمِرَيه وقَعَ عنه وضَمِنَ مالَهما) لأَنَّه خالَفَهما (ولا يقدرُ على جَعْلِهِ عن أحدِهما)
لعدم الأولويَّة، وينبغي صحَّةُ التّعيين لوأطلَقَ الإِحرامَ، ولو أبهَمَهُ فإنْ عَيَّنَ أحدَهما
[١٠٩٥٧] (قولُهُ: عن آمِرَيه) أي: ولو كانا أبويه أو أجنبيّينِ كما صرَّحَ به في "الفتح"(١)،
٢٤٣/٢ فقوله في "البحر"(٢): ((شملَ الأبوين، وسيأتي إخراجُهما)) فيه نظرٌ؛ لأنَّ الآتيَ في الإحرام عنهما
بغيرِ أمرهما والكلامُ هنا في الإحرامِ عن الآمِرَيْنِ، فافهم.
[١٠٩٥٨] (قولُهُ: وقَعَ عنه) أي: عن المأمورِ نفلاً، ولا يُجزئه عن حجَّةِ الإِسلام، "بحر"(٣)
و "نهر "(٤). وفيه نظرٌ يأتي قريباً(٥).
[١٠٩٥٩] (قولُهُ: لأَنّه خالَفَهما) علّةٌ لوقوعِهِ عنه وللضَّمان، أي: لأنَّ كلَّ واحدٍ إنما أمَرَهُ
أن يُخْلِصَ النَّقةَ له وقد صرَفَها لحجِّ نفسه؛ لأَنّه لا يمكنُهُ إيقاعُهُ عن أحدهما لعدمٍ الأولويَّةِ.
[١٠٩٦٠) (قولُهُ: وينبغي صحَّةُ التَّعبينِ لو أطلَقَ) أي: كما لو قال: لَّكَ بحجَّةٍ وسكت، قال
"الزيلعيُّ"(٦): ((وإِنْ أطلَقَ - بأنْ سكَتَ عن ذكرٍ المحجوج عنه معيّناً ومبهماً - قال في "الكافي)"(٧).
لا نصَّ فيه، وينبغي أنْ يصحَّ الّعيينُ هنا إجماعاً لعدم المخالفة)) اهـ.
وقوله: ((ينبغي أن يصحّ النَّعيينُ)) أي: تعيينُ أحد آمِرَيه قبل الطواف والوقوف كما
في مسألةِ الإبهام، وقوله: ((إجماعاً)) قال "شيخُنا": ((ينبغي أنْ يجريَ فيه خلافُ "أبي يوسف"
الآتي في مسألة الإبهامٍ لجريانٍ علَّه الآتيةِ هنا أيضاً)) اهـ "ح"(٨) [٢/ق١/٤٧٣].
[١٠٩٦١] (قولُهُ: ولو أبهَمَهُ) بأنْ قال: لَّكَ بحجَّةٍ عن أحدٍ آمَرَيَّ، "ح"(٩).
(١) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧١/٣.
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٧/٣.
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٧/٣.
(٤) "النهر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق١٥٨/ب.
(٥) المقولة [١٠٩٦٣] قوله: ((جاز)).
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٨٦/٢.
(٧) "کافي النسفي": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ١ /ق٩٩/ب.
(٨) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق١٤٧/أ بتوضيح من ابن عابدين.
(٩) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق١٤٧/أ.

قسم العبادات
٤١٦
حاشية ابن عابدين
قبل الطَّواف والوقوف جاز.
[١٠٩٦٢) (قولُهُ: قبلَ الطَّوافِ) المرادُ به طوافُ القدوم كما قال "أبو حنيفة" فيما لو جَمَعَ بين
إحرامين لحجَّتين ثمَّ شرَعَ في طواف القدوم ارتفَضَتْ إحداهما، فإنْ قلت: ذكرُ الوقوف
مستدركٌ، قلت: يمكنُ أن لا يطوفَ للقدوم، فيكونُ الوقوفُ حينئذٍ هو المعتبرَ اهـ "ح"(١).
[١٠٩٦٣] (قولُهُ: جازَ) أي: عندهما، وقال "أبو يوسف": بل وقَعَ ذلك عن نفسِهِ بلا توقُّفٍ،
وضَمِنَ نفقتَهما، وهو القياسُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما أمرَهُ بتعيينِ الحجِّ له، فإذا لم يعيِّن فقد خالَفَ،
وَجْهُ قولِهما - وهو الاستحسانُ - أنَّ هذا إبهامٌ في الإحرام، والإحرامُ ليس مقصودٍ، وإنما هو وسيلةٌ
إلى الأفعال، والمبهمُ يصلُحُ وسيلةً بواسطةِ الّعيين، فاكتُفِيَ به شرطاً، "ح"(٢) عن "الزيلعيّ"(٣).
قلت: والحاصلُ أنَّ صور الإبهام أربعةٌ: أنْ يُهِلَّ بحجَّةٍ عنهما - وهي مسألةُ المتن - أو عن
أحدِهما على الإبهام، أو يُهِلَّ بحجَّةٍ ويُطلِقَ، والرَّابعةُ أن يُحرِمَ عن أحدِهما معَّناً بلا تعيينٍ لِما
أحرَمَ به من حجٌّ أو عمرةٍ، ولم يذكر "الشارحُ" الرَّابعة لجوازِها بلا خلافٍ كما في "الفتح" (٤)،
وقد ذكَرَ في "الفتح": ((أَنَّ مبنى الجوابِ في هذه الصُّور على أَنَّه إذا وقَعَ عن نفس المأمور
لا يتحوَّلُ بعد ذلك إلى الآمرِ، وأَنَّه بعدما صرَفَ نفقةَ الآمر إلى نفسه ذاهباً إلى الوجهِ الذي أخَذَ
النّفقةَ له لا يَنصرِفُ الإحرامُ إلى نفسه إلاَّ إذا تحقَّقَت المخالفةُ أو عجَزَ شرعاً عن التَّعيين.
في الصُّورة الأولى من الصُّور الأربعِ تحقَّقَت المخالفةُ والعجزُ عن الَّعيين(٥)، ولا تَرِدُ مسألة
(قولُهُ: والحاصلُ أنَّ صور الإبهام أربعةٌ إلخ) لعلَّ الأولى أن يقول: إنَّ مسألة إحرامِ المأمور
عن آمريه، فإن الإبهام غيرُ متحقّقٍ في كلِّ الأربع.
(١) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٤٧/أ.
(٢) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٤٧/أ.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٨٦/٢ بتصرف.
(٤) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧١/٣.
(٥) من ((ففي الصورة الأولى)) إلى ((التعيين)) ساقط من "آ".