Indexed OCR Text
Pages 381-400
الجزء السابع
٣٧٧
باب الإحصار
للأَمْنِ من الفواتِ (والممنوعُ) لو (مكَّةً عن الرُّكنين مُحصَرٌ) على الأصحِّ (والقادرُ
على أحدِهما لا) أمَّا على الوقوف ..
حتَّى لو ترَكَ الوقوفَ بمزدلفةَ خوف الزِّحام لا شيء عليه كالحائض تتركُ طوافَ الصَّدَرِ،
ولا شك أنَّ الإحصار عذرٌ))، ثمَّ أجاب بـ: ((حملِ ما هنا على الإحصار بالعدوٍّ لا مطلقاً،
فإنّه إذا كان بالمرضِ فهو سماويٌّ يكونُ عذراً في تركِ الواجبات، بخلاف ما كان مِن قِبَلِ العبد،
فإِنَّه لا يُسقِطُ حقَّ الله تعالى كما في التيمُّم)) اهـ. ونقلَهُ في "النهر"(١)، وبه جزَمَ "المقدسيُّ"
في "شرح نظم الكنز"، وذكَرَ مثلَهُ في جنايات "شرح اللباب"(٢).
قلت: ولا تَرِدُ مسألةُ ترك الوقوف لخوفِ الزِّحام؛ لِما مرَّ(٣) في التيمُّم أنَّ الخوف
إنْ لم ينشأ بسببِ وعيدِ العبد فهو سماويٍّ.
(١٠٨٧٩] (قولُهُ: للأَمْنِ من الفَواتِ (٤)) فيه أنَّ المعتمر كذلك؛ لأنَّ العمرة لا تتوقَّتُ(٥) مع
تحقُقِ الإحصار فيها، وأجيب بأنَّ المعتمر يلزمُهُ ضررٌ بامتدادِ الإِحرام فوق ما التزَمَهُ، ولا يمكنه
أنْ يتحلَّلَ بالحلق في يوم النَّحر فله الفسخُ، أمَّ الحاجُّ فيمكنُهُ ذلك، فلا حاجةَ إلى التحلُّلِ بالهدي
من غيرِ عذرٍ، أفادَهُ "الزيلعيُّ(٦)، لكنْ قيل: ليس له أنْ يحلقَ في مكانه في الحلِّ، بل يؤخّرُهُ
إلى ما بعدَ طواف الزِّيارة، وقيل: له ذلك، وفي "غاية البيان" عن "العَتَّابِيِّ": ((أَنَّه الأظهرُ)).
[١٠٨٨٠] (قولُهُ: على الأصحِّ) مقابلُهُ ما رُوِيَ عن "الإِمام" من أَنَّه لا إحصارَ في مكَّةَ
اليومَ؛ لأَنَّها دارُ إسلامٍ.
[١٠٨٨١] (قولُهُ: والقادرُ على أحدِهما إلخ) تصريحٌ بمفهوم قوله: ((والممنوعُ بمكَّةَ
(١) "النھر": کتاب الحج۔۔ باب الإحصار ق١٥٧ /ب.
(٢) انظر "إرشاد الساري": فصل في الجنايات في الوقوف بمز دلفة صـ٢٣٩ -.
(٣) المقولة [٢٠٦٧] قوله: ((ثم إنَّ منشأ الخوف إلخ)).
(٤) في "٢" و"ب": ((من الفوت)).
(٥) في "م": ((لا تتوقف)).
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب الإحصار ٨١/٢.
قسم العبادات
٣٧٨
حاشية ابن عابدين
فلِتمامِ حجِّهِ به، وأمَّا على الطَّوافِ فِلِتحلُّلِهِ به كما مرَّ.
عن الرُّكنين محصّ)، وذكَّرَهُ بعد قوله: ((ولا إحصار بعدما وقَفَ بعرفةَ)) من قَبِيلٍ ذكرِ الأعمِّ
بعد الأخصِّ، فليس بتكرار محضٍ.
[١٠٨٨٢] (قولُهُ: فلتمامٍ حجِّهِ به) قالوا: [٢/ق٤٦٣/أ] المأمورُ بالحجِّ إذا مات بعد الوقوف
بعرفة قبل طواف الزِّيارة يكونُ مجزئاً، "بحر "(١). وقدَّمنا (٢) الكلامَ فيه أوَّلِ كتاب الحجِّ.
[١٠٨٨٣] (قولُهُ: وأمَّا على الطوافٍ) سَمَّه أحدَ ركني الحجِّ باعتبار الصورة، وإلاَّ فالطوافُ
الرُّكنُ هو ما يقعُ بعد الوقوف، ولا وقوفَ هنا، أفادَهُ "ط)"(٣).
[١٠٨٨٤) (قولُهُ: فلتحلُّلِهِ به) لأنَّ فائت الحجِّ يتحلَّلُ به، والدَّمُ بدلٌ عنه في التحلّلِ، فلا حاجةً
إلى الهدي، "زيلعي"(٤). وفي "شرح اللباب"(٥): ((أَّه يكونُ في معنى فائتِ الحجِّ، فيتحلَّلُ
عن إحرامه بعد فوت الوقوف بأفعالِ العمرة، ولا دمَ عليه ولا عمرةَ في القضاء)) اهـ.
فالاقتصارُ على ذكرِ الطواف لأَنَّه ركنُ العمرة، وإلاَّ فلا يحصلُ التحُّلُ بمجرَّدِ الطواف،
بل لا بدَّ معه من السَّعي والحلق، وإليه أشار بقوله: ((كما مرَّ))(٦)، أي: في قول "المصنّف":
((وإلاّ تحلَّلَ بالعمرة))، وكذا مرَّ(٧) قبل باب القِران في قوله: ((ومَن لم يَقِفْ فيها فاتَ حتُّهُ،
فطاف وسعى وتحلَّلَ وقضى من قابلٍ))، وتقدَّمَ الكلامُ عليه هناك.
( تنبيةٌ ).
أسقَطَ "المصنّف" من هنا بابَ الفوات المذكور في "الكنز" وغيره اكتفاءُ بما ذكرَهُ قبل باب
(١) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٧١/٣ بتصرف.
(٢) المقولة [٩٦٥٨] قوله: ((وهما ركنان)).
(٣) "ط": كتاب الحج - باب الإحصار ٥٤٥/١.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب الإحصار ٨١/٢.
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب الإحصار ــ فصل في قضاء ما أحرم به إذا حلّ المحصر صـ٢٨٣ -.
(٦) صـ ٣٧١ - "در".
(٧) ص ١٦١ - "در".
الجزء السابع
٣٧٩
باب الحج عن الغير
﴿بابُ الحجِّ عن الغير﴾
الأصلُ أنَّ كلَّ مَن أَتَّى.
القِران، وقد عُلِمَ أنَّ الأسباب الموجبة لقضاءِ الحجِّ أربعةٌ: الفواتُ، والإِحصارُ عن الوقوف
- والفرقُ بينهما في كيفيَّةِ التحلَّلِ - والثالثُ الإفسادُ بالجماعِ وإِنْ لَزِمَهُ المضيُّ في فاسده، والرابعُ
الرَّفض، وفروعُهُ مذكورةٌ في الباب السَّابق، والله تعالى أعلم.
﴿بابُ الحَجِّ عن الغير﴾
اعترَضَ في "الفتح"(١): ((بأنَّ إدخال أل على الغيرِ غيرُ واقعٍ على وجهِ الصحَّة، بل هو ملزومُ
الإضافة)) اهـ.
مطلب في دخول "أل" على "غَيْر"
لكنْ قال بعضُ أئمَّةِ النَّحاة: منَعَ قومٌ دخولَ الألف واللام على غيرِ وكلُّ وبعضٍ، وقالوا:
هذه كما لا تتعرَّفُ بالإضافةِ لا تتعرَّفُ بالألفِ واللام، وعندي أنَّها تدخلُ عليها، فيقال: فَعَلَ
الغيرُ كذا، والكلُّ خيرٌ من البعض، وهذا لأنَّ الألف واللام هنا ليست للتَّعريف، ولكنّها
المعاقبةُ للإضافة؛ لأَنَّه قد نصَّ أنَّ غيراً تتعرَّفُ بالإضافةِ في بعض المواضع. ثمَّ إنَّ الغير قد يُحمَلُ
٢٣٥/٢
﴿بابُ الحجِّ عن الغير﴾
(قولُهُ: لأَنَّه قد نَصَّ أنَّ غيراً تتعرَّفُ بالإضافةِ في بعضِ المواضعِ إلخ) لا يصلُحُ تعليلاً لِما قبله؛ إذ هو
على أنَّها ليست للتَّعريف، ولا دخلَ لتعرفِ ((غيرٍ)) في بعض المواضع، ولعلَّ المراد بقوله: ((تعرَّفُ)):
تتخصَّصُ، والمناسبُ إبدالُهُ به، على أنَّ المعاقبة للإضافة لا تصلُحُ دليلاً لدخولها؛ لأنّها لا تُعاقِبُ إضافةً
التَّخصيص مثل: سِوى وحَسْب، فإنّهما يُضافان ولا تدخُلُهما أل. اهـ من "السنديّ".
(قولُ "الشارح": الأصلُ أنَّ كلَّ مَن أتى بعبادةٍ ما إلخ) قال "السنديُّ" نقلاً عن الشيخ "أبي الحسن
السنديّ" في "حاشية فتح القدير": (( لا يخفى أنَّ "المصنّف" - يعني: صاحب "الهداية" - جعَلَ هذا الجَعْلَ أصلاً
في بابِ الحجِّ عن الغير، وهو غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّ الحجّ عن الغيرِ من قبيلِ النيابة في العمل، والنيابةُ تعتمدُ انتقالَ
(١) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٥/٣.
قسم العبادات
٣٨٠
حاشية ابن عابدين
بعبادةٍ ما.
على الضدِّ، والكلُّ على الجملة، والبعضُ على الجزءِ، فيصلُحُ دخول الألف واللام عليه أيضاً من
هذا الوجهِ، يعني: أنَّها تتعرَّفُ على طريقةٍ حملِ النَّظير على النَّظير، [٢/ق٤٦٣ /ب] فإنَّ الغير نظيرُ
الضدِّ، والكلَّ نظيرُ الجملة، والبعضَ نظيرُ الجزء، وحملُ النَّظيرِ على النّظير سائغٌ شائعٌ في لسانٍ
العرب كحملِ الضّدِّ على الضدِّ كما لا يخفى على مَن تَّعَ كلامَهم، وقد نَصَّ العلاَّمةُ
"الزمخشريُّ" على وقوعِ هذين الحملين وشيوعِهما في لسانهم في "الكشّاف"، أفادَهُ "ابن كمال".
مطلب في إهداء ثواب الأعمال للغير
[١٠٨٨٥] (قولُهُ: بعبادةٍ ما) أي: سواء كانت صلاةً، أو صوماً، أو صدقةً، أو قراءةً، أو ذِكْراً،
العملِ من النائب إلى الأصل، حَتَّى كأنَّ الأصلَ هو الذي فعَلَهُ، ولذا يسقُطُ به الفرضُ عن ذمَّتِهِ، ومرجعُها إلى
أنَّ الشَّارعِ كما جعَلَ مباشرةَ الشَّخص بالفعل طريقاً إلى تحصيلٍ عملِهِ كذلك جعَلَ مباشرةً نائبه طريقاً إلى
تحصيلٍ عمله فيما ◌ُوِّزَ فيه تسهيلاً ورحمةً، ولا يخفى أنَّه كما أنَّ للشَّارعِ أنْ يُكلّفَه بما شاءً ولا مزاحمَ له في
التَّكليفِ كذلك له أنْ يجعلَ طريقَ تحصيل ذلك بما يريدُ، ففيما جُوِّزَ فيه النّيابةُ جُعِلَ فعلُ النَّائب طريقاً لتحصيلِ
عملِ الأصل، فصار العملُ فيه مضافاً إلى الأصل، ويكونُ من جملةِ سعيهِ، وتكونُ مباشرةُ النَّائب طريقاً إلى
حصولهِ كالمباشرةِ بنفسه، وهذا هو الذي يفيدُهُ قوله: ثمَّ ظاهرُ المذهب أنَّ الحجَّ يقعُ عن المحجوج عنه، وبذلك
تشهدُ الأحاديثُ الواردة في هذا الباب، وهذا بخلاف جَعْلِ ثوابٍ عمله لغيره، فإنَّ ذلك لا يسقُطُ به الفرضُ عن
ذمَّتِهِ، ولا ينتقلُ به العملُ من الجاعلِ إليه، فبينهما بَوْنٌ بعيدٌ، فلذلك يجوزُ جَعْلُ الَّواب في عملٍ لا تجري فيه
النيابةُ عندهم كالصلاة والصوم، وكذا يمكنُ العكسُ عقلاً؛ إذ يجوزُ أن يَمنَعَ الشَّارِعُ في عملٍ أن يَجعَلَ الإنسانُ
ثوابَهُ لغيره ويجوزُ فيه النيابةُ؛ لأنَّ النيابة ليست من باب جَعْلٍ ثوابِ العمل لغيره بعد أن يكون العملُ لأحدٍ،
بل من بابِ تحصيلِ العمل، فيحصلُ بها عملُ ذلك الغيرِ على الوجهِ الذي شرَعَهُ الله تعالى له في أصول عمله،
فحينئذٍ جَعْلُ أحدِهما أصلاً للآخر بعيدٌ، وكما لا تظهرُ الأصالةُ على ظاهرِ المذهب كذلك لا تظهرُ على روايةٍ
"محمَّدٍ"، وهي أنَّ الحجَّ عن الحاجِّ وللآمِرِ ثوابُ النّقة؛ إذ ليس على تلك الرِّواية جَعْلُ أحدٍ ثوابَ عمِلِهِ للآخرِ،
بل هناك يحصلُ للآمِ ثوابُ عمله الذي هو الإنفاقُ، وليس له ثوابُ الحجِّ الذي هو عملُ غيرِهِ)) اهـ.
الجزء السابع
٣٨١
باب الحج عن الغير
أو طوافً، أو حجَّاً، أو عمرةً أو غيرَ ذلك من زيارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والشُّهداءِ
والأولياء والصالحين، وتكفينِ الموتى وجميعِ أنواع البِرِّ كما في "الهنديَّةِ"(١)، "ط" (٢). وقدَّمنا(٣)
في الزَّكاة عن "التتار خانيّة" عن "المحيط": ((الأفضلُ لِمَن يتصدَّقُ نفلاً أنْ ينويَ لجميع المؤمنين
والمؤمنات؛ لأَنَّها تصلُ إليهم، ولا ينقصُ من أجره شيءٌ)) اهـ.
وفي "البحر"(٤) بحثاً: ((أنَّ إطلاقهم شاملٌ للفريضة، لكن لا يعودُ الفرضُ في ذمَّتِهِ؛ لأنَّ عدم
الثّواب لا يستلزمُ عدمَ السُّقْوط عن ذمَّتِهِ)) اهـ.
على أنَّ الثواب لا ينعدمُ كما علمتَ، وسنذكرُ(٥) فيما لو أهَلَّ بحجٌّ عن أبويه أنَّه قيل:
إنّه يُجزيه عن حجِّالفرض، وهذا يؤيِّدُ ما بحثَهُ في "البحر"، ويؤيِّدُهُ أيضاً قوله في "جامع
الفتاوى"(٦): ((وقيل: لا يجوزُ في الفرائضِ))، وبحَثَ أيضاً: ((أَنَّ الظاهر أنّه لا فرق بين أنْ ينويَ
به عند الفعلِ للغيرِ، أو يفعلَهُ لنفسه ثمَّ يجعلَ ثوابه لغيرِهِ لإطلاق كلامهم)) اهـ.
قلت: وإذا قلنا بشمولِهِ للفريضة أفادَ ذلك؛ لأنَّ الفرض ينويه عن نفسِهِ، فإذا صَحَّ جعلُ
ثوابه لغيره دلَّ على أنَّه لا يلزمُ في وصول الثواب أنْ ينويّ الغيرَ عند الفعل، وقدَّمنا(٧) في آخرِ
الجنائز قبيل باب الشَّهيد عن "ابن القيِّم" الحنبليِّ: ((أَنَّه اختُلِفَ عندهم في أَنَّه هل يُشترَطُ نَيَّةُ الغيرِ
عند الفعل؟ فقيل: لا؛ لكونِ الثَّواب له، فله التبرُّعُ به لِمَن أراد، وقيل: نعم، وهو الأَولى؛ لأنَّه
إذا وقَعَ له لم يُقَبَل انتقالُهُ عنه))، وقدَّمنا(٨) عنه أيضاً: ((أَنَّه لا يُشترَطُ في الوصولِ أنْ يُهديَهُ بلفظه
(١) "الفتاوى الهندية": كتاب المناسك - الباب الرابع عشر في الحج عن الغير ٢٥٧/١.
(٢) "ط": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٥٤٥/١.
(٣) المقولة [٨٦٥١] قوله: ((والمال قائم)).
(٤) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٤/٣ بتصرف يسير.
(٥) المقولة [١٠٩٦٤] قوله: ((بخلاف ما لو أهلَّ)).
(٦) "جامع الفتاوى": كتاب الحج ق٢٣/ب بتصرف.
(٧) المقولة [٧٦٨١] قوله: ((ويقرأ يس)).
(٨) المقولة [٧٦٨١] قوله: ((ويقرأ يس)).
قسم العبادات
٣٨٢
حاشية ابن عابدين
كما لو أعطى فقيراً بنيَّةِ الزَّكاة؛ لأنَّ السنَّة لم تَشترِطْ ذلك في حديثِ الحجِّ عن الغير(١) ونحوه،
نعم لو فعَلَهُ بنفسه ثمَّ نوى جَعْلَ ثوابِهِ لغيره لم يَكْفِ، كما لو نوى أنْ يهَبَ أو يُعتِقَ أو يتصدَّقَ،
وأَنَّه يصحُّ إهداءُ نصفِ الثواب أو ربعِهِ، [٢/ق٤٦٤ /أ] ويوضحُهُ أَنَّه لو أهدى الكلَّ إلى أربعةٍ
يحصلُ لكلِّ ربِعُهُ))، وتمامُهُ هناك.
مطلبٌ في مَنْ أخَذَ في عبادته شيئاً من الدُّنيا
( تنبيةٌ )
قال في "البحر"(٢): ((ولم أر حكمَ مَن أخَذَ شيئاً من الدنيا ليجعلَ شيئاً من عبادته
للمعطي، وينبغي أنْ لا يصحَّ ذلك)) اهـ. أي: لأَنَّه إنْ كان أخَذَهُ على عبادةٍ سابقةٍ يكونُ
ذلك بيعاً لها، وذلك باطلٌ قطعاً، وإنْ كان أخَذَ ليعملَ يكونُ إجارةً على الطاعة، وهي باطلةٌ
أيضاً كما نُصَّ عليه في المتون والشُّروح والفتاوى، إلاَّ فيما استثناه المتأخّرون من جوازٍ
الاستئجار على التعليم والأذان والإمامة، وعلَّلوه بالضرورة وخوفٍ ضياع الدِّين في زماننا
لانقطاعٍ ما كان يُعطَى من بيتِ المال.
وبه عُلِمَ أَنَّه لا يجوزُ الاستئجارُ على الحجِّ عن الميت لعدم الضرورة كما يأتي(٣) بيانه في هذا
الباب، ولا على التلاوةِ والذّكْرٍ لعدم الضرورة أيضاً، وتمامُ الكلام على ذلك في رسالتنا
(١) أخرجه مالك ٣٠٧/١ كتاب الحج - باب الحج عمن يحج عنه، وأحمد ٢١٢/١، ٢١٣، ٢٥١، ٣٢٩، ٣٤٦،
٣٥٩، والبخاريّ(١٥١٣) كتاب الحج - باب وجوب الحج وفضله، ومسلم (١٣٣٤) كتاب الحج - باب الحج عن
العاجز لزمانةٍ أو هَرَمٍ ونحوهما أو للموت، وأبو داود (١٨٠٩) كتاب المناسك - باب الرجل يحج مع غيره،
والترمذيّ (٩٢٨) كتاب الحج - باب ما جاء في الحج عن الشيخ والكبير والميت، والنسائيّ ١١٨/٥-١١٩ كتاب
المناسك - باب حج المرأة عن الرجل، وابن ماجه (٢٩٠٩) كتاب المناسك - باب الحج عن الحيّ إذا لم يستطع،
والدارميّ ٤٦٨/١ كتاب الحج - باب في الحج عن الحيّ، وابن حبان (٣٩٨٩) كتاب الحج - باب الحج والاعتمار
عن الغير، كلُّهم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً.
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٤/٣.
(٣) المقولة [١٠٩٢١] قوله: ((لم يجز حجه عنه)).
الجزء السابع
٣٨٣
باب الحج عن الغير
له جَعْلُ ثوابها لغيرهِ وإنْ نواها عند الفعل لنفسِهِ لظاهرِ الأدلّة، وأمَّا قولُهُ تعالى:
﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَا سَعَى﴾ [النجم - ٣٩] أي: إلاّ إذا وهَبَهُ له.
" شفاء العليل وبلّ الغليل في بُطْلانِ الوصيَّةِ بالختمات والتهاليل"(١)، فافهم.
[١٠٨٨٦] (قولُهُ: له جَعْلُ ثوابِها لغيرِهِ) أي: خلافاً للمعتزلة في كلِّ العبادات، ولـ "مالكٍ"
و "الشافعيِّ" في العباداتِ البدنَّةِ المحضة كالصلاة والتلاوة، فلا يقولان بوصولها بخلافٍ غيرها
كالصدقةِ والحجِّ، وليس الخلافُ في أنَّ له ذلك أوْ لا كما هو ظاهرُ اللَّفِظ، بل في أَنَّه ينجعلُ
بالجَعْلِ أوْ لا بل يلغو جعلُهُ - أفادَهُ في "الفتح"(٢) - أي: الخلافُ في وصول الَّّواب وعدمه.
[١٠٨٨٧] (قولُهُ: لغيرِهِ) أي: من الأحياء والأموات، "بحر "(٣) عن "البدائع"(٤).
قلت: وشمل إطلاقُ الغيرِ النبيَّ ◌َ﴿، ولم أر مَن صرَّحَ بذلك من أئمَّتنا، وفيه نزاعٌ
طويلٌ لغيرهم، والذي رجَّحَهُ الإِمامُ "السبكيُّ" وعامَّةُ المتأخّرين منهم الجوازُ كما بسطناه(٥)
آخرَ الجنائز، فراجعه.
[١٠٨٨٨] (قولُهُ: وإنْ نواها إلخ) قدَّمنا (٦) الكلامَ عليه قريباً.
[١٠٨٨٩] (قولُهُ: لظاهرِ الأدلّةِ) علَّةٌ لقوله: ((له جَعْلُ ثوابها لغيره))، وهو من إضافةِ الصفة
للموصوف، أي: للأدّةِ الظاهرة، أي: الواضحةِ الجليّة، فالظُّهورُ بالمعنى اللغويِّ لا الأصوليِّ؛
لأنَّ الأدلّةَ فيه متواترةٌ قطعيَّةُ الدِّلالة على المرادِ لا تحتملُ التأويلَ كما تعرفُهُ.
[١٠٨٩٠] (قولُهُ: أي: إلاَّ إذا وهَبَهُ) جوابُ قوله: ((وأمَّا))، وأسقَطَ الفاء من جوابها وهو
لا يسقطُ إلاَّ في ضرورةِ الشِّعر كقوله: [ طويل ]
(١) انظر ١٥٤/١ وما بعدها (ضمن "مجموعة رسائل ابن عابدين").
(٢) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٥/٣.
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٣/٣.
(٤) "البدائع": كتاب الحج - الحج عن الغير ٢١٢/٢.
(٥) المقولة [٧٦٨١] قوله: ((ويقرأ يس)).
(٦) المقولة [١٠٨٨٥] قوله: ((بعبادة ما)).
قسم العبادات
٣٨٤
حاشية ابن عابدين
كما حقَّقَهُ "الكمالُ"،
فأمَّا القتالُ لا قتالَ لديكُمُ(١)
[٢/ق ٤٦٤ /ب]
كما في "المغني"(٢)، وأجابَ عن قوله تعالى -: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾
[ آل عمران - ١٠٦] - ((بأنَّ الأصل: فيقالُ لهم أكفرتُم، فحُذِفَ القولُ استغناءً عنه بالمقول،
٢٣٦/٢ فَتَبَعَتْهُ الفاء في الحذف))، قال: ((وربَّ شيءٍ يصحُّ تبعاً ولا يصحُّ استقلالاً كالحاجِّ عن غيره
يصلّي عنه ركعتي الطّواف، ولو صلَّى أحدٌ عن غيرِهِ ابتداءً لا يصحُّ على الصحيح)) انتهى.
وكذلك الجوابُ هنا محذوفٌ مع الفاء استغناءً عنه بـ ((أي)) المفسِّرة له، والتقدير: وأمَّا قولُهُ
تعالى فمؤوَّلٌ، أي: إلاَّ إذا وهَبَهُ، على أنَّ "الدمامينيّ"(٣) اختارَ جواز حذفِ الفاء في سَعَةٍ الكلام،
واستشهَدَ له بالأحاديث والآثار.
[١٠٨٩١] (قولُهُ: كما حقَّقَهُ "الكمالُ"(٤)) حيث قال ما حاصله: ((أنَّ الآية وإنْ كانت
ظاهرةً فيما قالَهُ المعتزلة لكنْ يحتملُ أنَّها منسوخةٌ أو مقيّدةٌ، وقد ثبَتَ ما يُوجِبُ المصيرَ إلى ذلك،
وهو ما صَحَّ عنه ◌ُّ: ((أَنَّهِ ضَخَّى بكبشين أملحين أحدُهما عنه والآخرُ عن أمَّتِهِ))(٥)، فقد رُوِيَ
(١) البيت للحارث بن خالد المخزوميّ، وعجزه:
ولكنَّ سيراً في عِراض المواكبِ
أنشده له المبرّد في "المقتضب" ٧١/٢، وابن يعيش في "شرح المفصّل" ١٣٤/٧، وابن هشام في "المغني" صـ ٨٠ -،
والسيوطي في "الأشباه والنظائر" ١٥٣/٢، والبغداديّ في "خزانة الأدب" ٤٥٢/١.
(٢) "مغني اللبيب": مسرد الأدوات - الكلام على ((أمَّا)) بالفتح والتشديد صـ ٨٠ -.
(٣) "تحفة الغريب في شرح مغني اللبيب": الباب الأول في تفسير المفردات ١٢١/١.
(٤) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٥/٣ -٦٦.
(٥) من حديث عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما أخرجه أحمد ٢٢/٤، وابن ماجه (٣١٢٢) كتاب الأضاحي - باب
أضاحي رسول اللـه مَ ﴾، والحاكم ٢٢٨/٤ كتاب الأضاحي، وسكت عنه.
ومن حديث جابر ظلّه أخرجه أحمد ٣٦٢/٣، ٣٧٥، وأبو داود (٢٧٩٥) كتاب الضحايا - باب ما يستحب من
الضحايا، وابن ماجه (٣١٢١) كتاب الأضاحي - باب أضاحي رسول الله صلثل، والحاكم ٤٦٧/١ كتاب المناسك، =
الجزء السابع
٣٨٥
باب الحج عن الغير
هذا عن عدَّةٍ من الصحابةِ، وانتشر مخرِّجُوه، فلا يبعُدُ أنْ يكون مشهوراً يجوزُ تقیید الكتاب به بما
لم يجعلْهُ صاحبُهُ لغيره، وروى "الدار قطنيُّ)(١): أنَّ رجلاً سأله عليه الصلاة والسلام فقال: كان لي
أبوان أَبُّهما حالَ حياتهما، فكيف لي بيرِّهما بعد موتهما؟ فقال وَّ: ((إنَّ من البِرِّ بعد الموت
أنْ تصلِّيَ لهما مع صلاتِكَ، وأنْ تصومَ لهما مع صومك)، ورُوِيَ أيضاً عن "عليِّ" عنهِوَ ◌ّ قال:
((مَن مرَّ على المقابر وقرأ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ [ الإخلاص - ١] إحدى عشرةَ مرَّةً، ثمَّ وهَبَ
أجرَها للأموات أُعطِيَ من الأجرِ بعدد الأموات))(٢)، وعن "أنسٍ" قال: يا رسول الله، إنَّا نتصدَّقُ
عن موتانا ونحُّ عنهم وندعو لهم، فهل يَصِلُ ذلك لهم؟ قال: ((نعم، إنّه لَيَصِلُ إليهم، وإِنَّهم
ليفرحون به كما يَفرَحُ أحدُكم بالطَّق إذا أُهدِيَ إليه) رواه "أبو حفصِ العكبريُ)(٣)، وعنه أَنَّه ◌َّ
قال: ((اقرؤوا على موتاكم يس))، رواه "أبو داود"(٤)، فهذا كلُّهُ ونحوُهُ مما تركناه خوفَ
= وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأبو يعلى (١٧٩٢). وأورده الهيثمي في "المجمع" ٢٢/٤ وقال: رواه
أبو يعلى، وإسناده حسن.
ومن حديث أبي رافع ◌ُّه أخرجه أحمد ٣٩١/٦ -٣٩٢، والبزار (١٢٠٨)، والطبراني في "الكبير" (٩٢٠)، والحاكم
٣٩١/٢ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأورده الهيثميّ في "المجمع" ٢٢/٤ كتاب الأضاحي.
ومن حديث أنس به أخرجه الدار قطنيّ ٣٨٥/٤ كتاب الصيد والذبائح، وأبو يعلى(٣١١٨)، وفي الباب عن أبي طلحة،
وأبي سعيد، وحذيفة بن أُسَيْد، وأبي الدرداء ◌ُه. وانظر "نصب الراية" ١٥٢/٣ كتاب الحج - باب الحج عن الغير.
(١) لم نعثر على الحديث في "سنن الدار قطني"، وأخرج بنحوه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٢٦١/٣ كتاب الجنائز -
باب ما يتبع الميت بعد موته، والذهبي في "سير أعلام النبلاء" ٢٨٦/٨، والواسطي في "تاريخ واسط" ١٨٨/١،
وذكره مسلم ١٦/١ المقدمة - باب الإسناد من الدين، وانظر "شرح صحيح مسلم" للنووي ٤٨/١.
(٢) ذكره المتقي الهنديّ في "كنز العمال" ٦٥٥/١٥ (٤٢٥٩٦)، وعزاه للرافعيّ في "تاريخه"، ولعله في "التدوين في
تاریخ قزوين"، له. وأورده العجلونيّ في "كشف الخفاء" ٢٨٢/٢، والديلميّ في "الفردوس" ٣٨/٤ (٥٦٠٨).
(٣) لم نعثر على تخريج الحديث فيما بين أيدينا من المصادر الحديثية، وذكره الإمام العيني في "البناية" ٤٢٣/٤،
والكمال بن الهمام في "فتح القدير" ٦٦/٢، والشرنبلالي في "مراقي الفلاح" صـ ٣٥٣-، وقالوا: ((رواه أبو حفص
الكبير العكبري)).
(٤) في "سننه" (٣١٢١) كتاب الجنائز - باب القراءة عند الميت، وأخرجه أحمد ٢٦/٥-٢٧، وابن أبي شيبة ٢٣٧/٣، =
قسم العبادات
٣٨٦
حاشية ابن عابدين
أو اللامُ بمعنى على كما في ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر-٥٢]،
الإطالة يبلغُ القدر المشتركَ بينه - وهو النَّفْعُ بعمل الغير - مبلغَ التواتر، وكذا ما في الكتاب العزيز
من الأمرِ بالدُّعاء للوالدين، ومن الإخبارِ باستغفار الملائكة للمؤمنين قطعيٌّ في حصولِ النفع،
فيخالفُ [٢/ق٤٦٥/أ] ظاهرَ الآية التي استدلُّوا بها؛ إذ ظاهرُها أنْ لا ينفعَ استغفارُ أحدٍ لأحد
بوجهٍ من الوجوه؛ لأنّه ليس من سعيهِ، فقطعنا بانتفاءِ إرادة ظاهرها، فقَّدناها بما لم يَهَبْهُ العاملُ،
وهذا أولى من النّسْخ؛ لأنّه أسهلُ؛ إذ لم يبطل بعد الإرادة، ولأنّها من قَبيلِ الإخبار ولا نسخً
في الخبر)) اهـ.
[١٠٨٩٢] (قولُهُ: أو اللامُ بمعنى على) جوابٌ آخرُ، وَرَدَّهُ "الكمال"(١): ((بأَنَّ بعيدٌ من ظاهرٍ.
الآية ومن سياقها، فإنَّه وعظّ للذي تولَّى وأعطى قليلاً وأَكْدَى)) اهـ. وأيضاً فإنَّها تتكرَّرُ مع قوله
تعالى: ﴿أَلَّا نَِّرُ وَازِرَةٌ وِزْرَأُغْرَى﴾ [ النجم - ٣٨].
وأجيب بأجوبةٍ أخرَ ذكَرَها "الزيلعيُ)(٢) وغيره، منها: ((النسخُ بآيةٍ ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْوَأَنَّعَنْهُمْ
ذُرِّيَُّهُمْ بِإِمَنٍ﴾ [ الطور - ٢١]، وعلمتَ ما فيه، ومنها أنّها خاصَّةٌ بقوم موسى وإبراهيم عليهما
السلام؛ لأَنّها حكايةٌ عمَّا في صُحُفِهما، ومنها أنَّ المراد بالإنسان الكافر، ومنها أنَّه ليس له(٣) من
طريقِ العدل وله من طريقِ الفضل، ومنها أنَّه ليس له إلاَّ سعيُهُ، لكنْ قد يكونُ سعيُهُ بمباشرةٍ أسبابه
بتكثيرِ الإخوان وتحصيلِ الإيمان))، وأمَّا قولُهُ عليه الصلاة والسلام: ((إذا مات ابنُ آدم انقطَعَ عملُهُ
= والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٠٧٤)، وابن ماجه (١٤٤٨) كتاب الجنائز - باب ما جاء فيما يقال عند المريض،
والحاكم في "المستدرك" ٥٦٥/١، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٣٨٣/٣ كتاب الجنائز - باب ما يستحب من
قراءته عنده، وابن حبان (٣٠٠٢) كتاب الجنائز - فصل في المحتضر، كلَّهم من حديث معقل بن يسار
وفي الباب عن أبي ذرّ، وأبي الدرداء رضي الله عنهما.
(١) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٦/٣.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٨٤/٢.
(٣) ((له)) ليست في "آ" و"ب" و"م".
الجزء السابع
٣٨٧
باب الحج عن الغير
ولقد أفصَحَ "الزَّاهديُّ" عن اعتزالِهِ هنا، والله الموفّق.
(العبادةُ الماليّةُ).
إلاّ من ثلاثٍ))(١) فلا يدلُّ على انقطاعٍ عملٍ غيره، والكلامُ فيه، "زيلعي"(٢). وأمَّا قوله عليه الصلاة
والسلام: ((لا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ، ولا يصلّي أحدٌ عن أحدٍ)) (٣) فهو في حقِّ الخروج عن العُهْدِ
لا في حقِّ الثَّواب كما في "البحر"(٤).
[١٠٨٩٣] (قولُهُ: ولقد أفصَحَ "الزاهديُّ" إلخ) حيثُ قال في "المجتبى" بعد ذكرِهِ عبارةَ
"الهداية"(٥): ((قلتُ: ومذهبُ أهلِ العدل والتوحيد أنّه ليس له ذلك إلخ))، فعدَلَ عن "الهداية"،
وسَمَّى أهلَ عقيدته بأهلِ العدل والتوحيدِ؛ لقولهم بوجوب الأصلحِ على الله تعالى وأنّه
لو لم يفعل ذلك لكان جَوْراً منه تعالى، ولقولهم بنفي الصفات، وأَنَّه لو كان له صفاتٌ قديمةٌ
لتعدَّدَ القدماءُ، والقديمُ واحدٌ، وبيانُ إبطالٍ عقيدتهم الزَّائغة في كتب الكلام، وقد نقَلَ كلامَهُ
في "معراج الدِّراية" وتكفّلَ بردِّهِ، وكذلك الشيخُ "مصطفى الرَّحمتيُّ" في "حاشيته"، فقد أطالَ
وأطابَ وأوضح الخطأَ من الصواب.
[١٠٨٩٤] (قولُهُ: واللَّهُ الموفّقُ) لا يخفى على ذوي الأفهام ما فيه من حسن الإيهام.
مطلبٌ في الفَرْق بين العبادة والقُرْبةِ والطَّاعة
[١٠٨٩٥] (قولُهُ: العبادةُ) قال الإمام "اللامِشِيُّ": ((العبادةُ: [٢/ق٤٦٥/ب] عبارةٌ عن
الخضوع والتذُّلِ، وحدُّها: فعلٌ لا يرادُ به إلاَّ تعظيمُ الله تعالى بأمره. والقربةُ: ما يُتقرَّبُ به إلى
الله تعالى فقط أو مع الإحسانِ للناس كبناءِ الرِّباط والمسجدِ. والطاعةُ: ما يجوزُ لغيرِ الله تعالى،
(١) تقدّم تخريجه صـ٣٣ -.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٨٥/٢.
(٣) تقدّم تخريجه ٣٦١/٦.
(٤) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٣/٣.
(٥) وهي: ((أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوماً أو صدقة أو غيرها عند أهل السنة
والجماعة ... ))، انظر "الهداية": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ١٨٣/١.
قسم العبادات
٣٨٨
حاشية ابن عابدين
كزكاةٍ وكَفَّرةٍ (تَقْبَلُ النِيابةَ) عن المكلَّف (مطلقاً) عند القدرةِ والعجزِ ولو النَّائبُ
ذمّاً؛ لأنَّ العبرة لنَّةِ الموكِّل ولو عند دفع الوكيل (والبدنيَّةُ) كصلاةٍ.
وهي موافقةُ الأمرِ، قال تعالى: ﴿أَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء - ٥٩])) اهـ
ملخَّصاً من "ط"(١) عن "أبي السُّعود"(٢).
[١٠٨٩٦] (قولُهُ: كزكاةٍ) أي: زكاةٍ مالٍ، أو نَفْسِ كصدقة الفطر، أو أرضِ كالعشر، ودخَلَ
في الكاف النفقاتُ، وأشار إلى أنَّ المراد بالماليّةِ ما كان عبادةً محضةً، أو عبادةً فيها معنى المؤنةِ،.
أو مؤنةً فيها معنى العبادةِ كما عُرِفَ في الأصول.
[١٠٨٩٧] (قولُهُ: وكفّارةٍ) أي: بأنواعِها من إعتاقٍ وإطعامٍ وكسوةٍ، "بحر)(٣).
[١٠٨٩٨] (قولُهُ: تَقَبَلُ النّيابةَ) الأصلُ فيه أنَّ المقصود من التكاليف الابتلاءُ والمشقّةُ، وهي
في البدنيّة بإتعابِ النَّفْس والجوارحِ بالأفعالِ المخصوصة، وبفعل نائبه لا تتحقَّقُ المشقَّةُ على نفسه،
فلم تَجُزِ النّيابةُ مطلقاً لا عند العجزِ ولا القدرةِ، وفي الماليّة بتنقيصِ المالِ المحبوب للنَّفْس بإيصالِهِ
٢٣٧/٢ إلى الفقير، وهو موجودٌ بفعلِ النائب، والقياسُ أن لا تُحرِئ النّيابة في الحجِّ لتضمُِّهِ المشقّتين البدنيّةَ
والماليّةَ، والأُولى لا يُكَتَفَى فيها بالنائبِ، لكنَّه تعالى رخَّصَ في إسقاطه بتحمُّلِ المشقَّةِ الماليّةِ عند
العجزِ المستمرِّ إلى الموتِ رحمةً وفضلاً، بأنْ تُدفَعَ نفقةُ الحجِّ إِلى مَن يَحُجُّ عنه، "لبحر (٤).
[١٠٨٩٩] (قولُ: لأنَّ العبرة إلخ) علّةٌ للّعميم وبيانٌ لوجهِ إنابة الذمِّيِّ في العبادة الماليّة المشروطِ
لها النَّةُ بأنَّ الشَّرِطِ فَيَّةُ الأصلِ دون النائب.
[١٠٩٠٠] (قولُهُ: ولو عندَ دفعِ الوكيلٍ) دخَلَ في النَّعميم ما لو نوى الموكِّلُ وقت الدَّفعِ
إلى الوكيل، أو وقتَ دفعٍ الوكيل إلى الفقراء، أو فيما بينهما كما في "البحر"(٥)، وبقي ما لو عزّلَها
(١) "ط": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٥٤٦/١.
(٢) "فتح المعين": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٥٥٦/١.
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٥/٣.
(٤) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٥/٣ بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٥/٣.
الجزء السابع
٣٨٩
باب الحج عن الغير
وصومٍ (لا) تَقْبَلُها (مطلقاً، والمركَّبةُ منهما) كحجِّ الفرضِ (تَقْبَلُ النّيابةَ عند العجزِ
فقط) لكنْ (بشَرْطِ دوامِ العجزِ إلى الموتِ).
ونَوَى بها الزَّكاة قبل الدَّفعِ إلى الوكيل، وعبارةُ "الشارح" تشملُها، والظَّاهِرُ الجوازُ كما قالوا فيما
لو دفَعَها في هذه الحالةِ إلى الفقير بنفسه لوجود النَّةِ وقتَ الدَّفع حكماً، وعليه يمكنُ دخولها أيضاً
في قول "البحر": ((وقتَ الدفع إلى الوكيل))، وبقي أيضاً ما لو نوى بعد دفع الوكيل إلى الفقير
وهي في يدِ الفقير، والظاهرُ الجوازُ كما قالوا فيما لو دفَعَها إلى الفقيرِ بنفسه، فافهم.
[١٠٩٠١] (قولُهُ: وصومٍ) [٢/ق٤٦٦ /أ] معنى كونه بدنَّا أنَّ فيه تركَ أعمال البدن، "نهر"(١)
عن "الحواشي السَّعديَّة"(٢). والأولى أنْ يقال: إنَّ الصوم إمساكٌ عن المفطرات، أي: مَنْعُ النَّفْس
عن تناوُلِها، والمنعُ من أعمالِ البدن.
[١٠٩٠٢] (قولُهُ: والمركَبةُ منهما) قال في "غاية السروجيِّ": ((وفي "المبسوط " (٣) جعَلَ المالَ
في الحجِّ شرطَ الوجوب، فلم يكن الحجُّ مركَباً من البدن والمال)).
قلت: وهو أقربُ إلى الصواب، ولهذا لا يُشترَطُ المالُ في حقِّ المكِّيِّ إذا قدَرَ على المشي إلى
عرفاتٍ، وفي "قاضي خان"(٤): ((الحجُّ عبادةٌ بدنيّةٌ كالصوم والصلاة)) اهـ. وكونُ الحجِّ يُشترَطُ
له الاستطاعةُ - وهي مِلْك الزَّادِ والرَّاحلةِ - لا يَستلزِمُ أنَّ الحجَّ مركَّبٌ من المالِ؛ لأنَّ الشَّرط غيرُ
المشروط، والشيءُ لا يتركَّبُ من شرطه، كما أنَّ صحَّةَ الصلاة يُشترَطُ لها سترُ العورة والماءُ
للطهارة وهما بالمال، ولم يقل أحدٌ بأنَّها مركّبةٌ من المال اهــ كذا ذكرَهُ بعضُ المحشِّين، وقدَّمنا (٥)
جوابَهُ في أوَّلِ الحِّ.
[١٠٩٠٣] (قولُهُ: كحجِّ الفرضِ) أطلقَهُ فشملَ الحجَّةَ المنذورة كما في "البحر "(٦)،
(١) "النهر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق١٥٨/أ.
(٢) "الحواشي السعدية": كتاب الصوم ٢٣٣/٢ (هامش "فتح القدير").
(٣) "المبسوط": كتاب المناسك - باب الحج عن الميت وغيره ١٦٣/٤.
(٤) "شرح الجامع الصغير": كتاب الحج - باب الرجل يحج عن غيره ١/ق ٨٠/أ باختصار.
(٥) ٤٥٠/٦.
(٦) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٦/٣.
قسم العبادات
٣٩٠
حاشية ابن عابدين
لأَنَّه فرضُ العُمُرِ، حَتَّى تلزمُ الإعادةُ بزوال العذر (و) بشَرْطِ (نَّةِ الحجِّ عنه)
أي: عن الآمِرِ، فيقول: أحرمتُ عن فلانٍ ولَيْتُ عن فلانٍ،.
وقَّدَ به نظراً لشرطِ دوام العجز إلى الموت؛ لأنَّ الحجَّ النَّلَ يقبلُ النّيابةَ من غيرِ اشتراطٍ عجزٍ
فضلاً عن دوامه كما سيأتي، "ع"(١). ومِن هذا القسمِ الجهادُ لا من قسمِ البدنَّة فقط كما تُوُهِّمَ،
بل هو أولى من الحجِّ؛ إذ لا بدَّله من آلةِ الحرب، أمَّا الحجُّ فقد يكونُ بلا مالٍ كحجِّ المكْيِّ،
وتمامُ تحقيقه في "شرح ابن كمال".
[١٠٩٠٤] (قولُهُ: لأَنّ فرضُ العمرِ) تعليلٌ لاشتراطِ دوام العجز إلى الموت، أي: فُعتبَرُ فيه
عجزٌ مُستوعِبٌ لبقيَّةِ العمر ليقعَ به اليأسُ عن الأداءِ بالبدن، "ابن كمال" عن "الكافي"(٢)، فافهم.
( تنبيةٌ )
محلُّ وجوبِ الإِحجاج على العاجز إذا قدَرَ عليه ثمَّ عجز بعد ذلك عند "الإِمام"، وعندهما
يجبُ الإِحجاجُ عليه إنْ كان له مالٌ، ولا يُشترَطُ أنْ يجب عليه وهو صحيحٌ، "زيلعي(٣).
والحاصلُ أنَّ مَن قدَرَ على الحجِّ وهو صحيحٌ ثُمَّ عجَزَ لَزِمَهُ الإِحجاجُ اتفاقاً، أمَّا مَن لم يملك
مالاً حتّى عجَزَ عن الأداء بنفسه فهو على الخلافِ، وأصله أنَّ صحَّةَ البدن شرطٌ للوجِوب عنده،
ولوجوب الأداء عندهما، وقدَّمنا(٤) أوَّلَ الحجِّ اختلافَ التصحيح، وأنَّ قول "الإِمام" هو المذهبُ.
[١٠٩٠٥] (قولُهُ: حَتّى تلزمُ الإعادةُ بزوالِ العذر) أي: العذرِ الذي يُرجَى زوالُهُ كالحبسِ
والمرض بخلاف نحوِ العمى، [٢/ق ٤٦٦ /ب] فلا إعادةً لو زالَ على ما يأتي(٥).
[١٠٩٠٦] (قولُهُ: وبشرطِ نَّةِ الحجِّ عنه) كان ينبغي لـ "المصنّف" ذكرُ هذا عند قوله بعده:
((وبشرطِ الأَمْرٍ))؛ لأنَّ ما بينهما من تمامِ الشَّرطِ الأوَّل.
(١) "ح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق١٤٥ /ب.
(٢) "كافي النسفي": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ١/ق ٩٩/أ بتصرف.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٨٥/٢.
(٤) المقولة [٩٥٧٧] قوله: ((صحيح البدن)).
(٥) المقولة [١٠٩٠٩] قوله: ((فلا إعادة مطلقاً إلخ)).
الجزء السابع
٣٩١
باب الحج عن الغير
ولو نَسِيَ اسمَهُ فنوى عن الآمِرِ صحَّ وتكفي نَّة القلب.
(هذا) أي: اشتراطُ دوامِ العَجْزِ إلى الموت (إذا كان) العَجْزُ كالحبسِ و(المرضِ يُرجَى
زوالُهُ) أي: يمكنُ (وإنْ لم يكن كذلك کالعَمَى والزَّمانةِ سقَطَ الفرضُ) بحجِّ الغيرِ
(عنه) فلا إعادةَ مطلقاً، سواءٌ (استَمَرَّ به ذلك العذرُ أم لا) ولو أحَجَّ عنه وهو صحيحٌ
[١٠٩٠٧] (قولُهُ: ولو نَسِيَ اسمَهُ إلخ) ولو أحرَمَ مبهماً - أي: بأنْ أحرَمَ بحجَّةٍ وأطلَقَ النَّة
عن ذكرِ المحجوجِ عنه - فله أن يُعِنَّهُ من نفسه أو غيرِهِ قبل الشُّروع في الأفعال كما في "اللباب"
و"شرحه"(١)، وقال في "الشَّرح" بعد أنْ نقَلَ عن "الكافي"(٢) أَنَّه لا نصَّ فيه: ((وينبغي أنْ يصحّ
الَّعينُ إجماعاً، لا يخفى أنَّ محلّ الإجماع إذا لم يكن عليه حجَّةُ الإِسلام، وإلاَّ فلا يجوزُ له أن يعِّنَ
غيرَهُ، بل ولو عَّنَ غيرَهُ لوقَعَ عنه عند "الشافعيِّ")).
[١٠٩٠٨] (قولُهُ: كالحبسِ والمرضِ) أشار إلى أنَّه لا فرقَ بين كون العذر سماويًّاً أو بصنع
العباد، وفي "البحر"(٣) عن "التجنيس": ((وإِنْ أحَجَّ لعدوٍّ بينه وبين مكَّةَ إِنْ أقامَ العدوُّ على الطريق
حتّى مات أجزأَهُ، وإلاَّ فلا)) اهـ.
ومِن العجزِ الذي يُرجَى زوالُهُ عدمُ وجودِ المرأة مَحْرَماً، فتقعُدُ إلى أنْ تبلغَ وقتاً تعجزُ
عن الحجّ فيه، أي: لكِيَرِ أو عمىً أو زَمانةٍ، فحينئذٍ تبعثُ مَن يَحُجُّ عنها، أمَّا لو بعَثَتْ قبل ذلك
لا يجوزُ لتوهُّمِ وجودِ المحرم إلاَّ إنْ دام عدمُ المحرم إلى أنْ ماتَتْ فيجوزُ، كالمريض إذا أحَجَّ رجلاً
ودام المرضُ إلى أنْ مات كما في "البحر "(٤) وغيره.
[١٠٩٠٩) (قولُهُ: فلا إعادةَ مطلقاً إلخ) ظاهرُ إطلاق المتون اشتراطَ العجز الدائم أنَّه لا فِرقَ
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في شرائط جواز الإحجاج ص٢٩٢ -.
(٢) "كافي النسفي": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ١/ق ٩٩/ب.
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٦/٣ بتصرف يسير.
(٤) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٦/٣.
قسم العبادات
٣٩٢
حاشية ابن عابدين
ثُمَّ عجَزَ واستَمَرَّ لم يُحْزِهِ لفَقْدِ شرطِهِ.
بين ما يُرجَى زوالُهُ وغيرِهِ في لزومِ الإِعادة بعد زوالِهِ، وعليه مشى في "الفتح"(١)، قال
في "البحر"(٢): ((وليس بصحيحٍ، بل الحقُّ التفصيلُ كما صرَّحَ به في "المحيط" و "الخانَيَّة"(٣)
و"المعراج")) اهـ. وأقرَّهُ في "النهر "(٤)، وتَبِعَهُ "المصنّف"، وحقَّقَهُ في "الشرنبلاليّة" (٥)، ونقَلَ النَّصريحَ
به عن "كافي النسفيِّ"(٦).
[١٠٩١٠] (قولُهُ: ثمَّ عجَزَ) أي: بعد فراغِ النَّائب عن الحجِّ، بأنْ كان وقتَ الوقوف .
٢٣٨/٢ صحيحاً، أمَّا لو عجَزَ قبل فراغِ النَّائب واستمَرَّ أجزأه، وقولُهُ: ((لم يُجزِهِ)) أي: عن الفرضِ
وإنْ وقع نفلاً للآمرِ، أفادَهُ في "البحر "(٧)، قال "الحمويُّ": ((ومن هنا يُؤْخَذُ عدمُ صحَّةٍ ما يفعلُهُ
السَّلاطينُ والوزراء من الإحجاج عنهم؛ لأنَّ عجزهم لم يكن مستمرًّاً إلى الموت)) اهـ أو لعدمٍ
عجزِهم أصلاً، والمرادُ عدمُ صحَّتِهِ عن الفرض، بل يقعُ نفلاً، "ط (٨).
قلت: لكنْ قدَّمنا (٩) عن "شرح اللباب" عن "شمس الإسلام": ((أنَّ السلطان ومَن بمعناه
من الأمراءِ مُلحَقٌ بالمحبوسِ، فيجبُ الإِحجاج في ماله الخالي عن حقوق العباد)) [٢/ق٤٦٧/أ]
اهـ. أي: إذا تحقَّقَ عجزُهُ بما ذكر ودامَ إلى الموت.
(١) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٧/٣.
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٥/٣ باختصار.
(٣) "الخانية": كتاب الحج - فصل في الحج عن الميت ٣٠٨/١-٣٠٩ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "النهر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ق ١٥٨/أ.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب: محرم أحصر ٢٥٩/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٦) "كافي النسفي": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ١/ق ٩٩/أ.
(٧) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٥/٣-٦٦.
(٨) "ط": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٥٤٧/١.
(٩) المقولة [٩٥٧٩] قوله: ((غير محبوس)).
الجزء السابع
٣٩٣
باب الحج عن الغير
(وبشَرْطِ الأَمْرِ به) أي: بالحجِّ عنه (فلا يجوزُ حجُّ الغيرِ (١) بغيرِ إذنِهِ إلَّ إذا حَجَّ)
أو أحَجَّ (الوارثُ عن مُورِّتِهِ).
[١٠٩١١) (قولُهُ: وبشرطِ الأَمْرِ به) صرَّحَ بهذا الشَّرطِ في "البحر"(٢) عن "البدائع"(٣) وفي
"اللباب" (٤).
[١٠٩١٢) (قولُ: فلا يجوزُ) أي: لا يقعُ مجزئاً عن حجَّةِ الأصل، بل يقعُ عن النَّائب، فله جعلُ
ثوابه للأصل، وسيأتي(٥) توضیحُ ذلك.
[١٠٩١٣] (قولُهُ: إِلاَّ إذا حَجَّ أو أحَجَّ الوارثُ) أي: فُيُحزيه إن شاء الله تعالى كما في
"البدائع"(٦) و"اللباب"(٧)، وهذا إذا لم يُوصِ المورِّث، أمَّا لو أوصى بالإحجاج عنه فلا يُحزيه تبرُّعُ
غيره عنه كما يأتي في "المتن)(٨).
ثُمَّ اعلم أنَّ التقيد بالوارث يُفهَمُ منه أنَّ الأجنبيَّ يخالفُهُ، وإلاَّ لَزِمَ إلغاءُ هذا الشَّرطِ
من أصله، والعجبُ أَنَّه في "اللباب" ذكَرَ هذا الشَّرطَ وعمَّمَ شارحُهُ الوارثَ وغيرَهُ من أهل التبرُّع،
وعبارةُ "اللباب" و"شرحه"(٩) هكذا: (((الرابعُ: الأمرُ) أي: بالحجِّ (فلا يجوزُ حجُّ غيره بغير أمره
إنْ أوصى به) أي: بالحجِّ عنه، فإنَّ إنْ أوصى بأنْ يُحَجَّ عنه فتطوَّعَ عنه أجنبيٌّ أو وارثٌ لم يَحُزْ
(وإنْ لم يُوْصِ به) أي: بالإِحجاج (فتبرَّعَ عنه الوارثُ) وكذا مَن هم أهلُ التبرُّعِ (فحَجَّ)
أي: الوارثُ ونحوه (بنفسه) أي: عنه (أو أحَجَّ عنه غيرَهُ جاز) والمعنى: جازَ عن حجَّةِ الإِسلام
(١) في "د": ((الفرع)).
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٦٦/٣.
(٣) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأمَّا بيان حكم فوات الحج ٢٢١/٢.
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٨٨ -.
(٥) في المقولة الآتية.
(٦) "البدائع": كتاب الحج - الحج عن الغير ٢١٣/٢.
(٧) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٨٨ -.
(٨) صـ ٤١١- وما بعدها "در".
(٩) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في جواز الإحجاج صـ٢٨٨ -.
قسم العبادات
٣٩٤
حاشية ابن عابدين
لوجودِ الأمرِ دلالةٌ.
وبَقِيَ من الشَّرائطِ النَّفقةُ من مالِ الآمِرِ كلُّها أو أكثرُها،.
إن شاء الله تعالى كما قالَهُ في "الكبير"(١). وحاصلهُ: أنَّ ما سبق يُحكَمُ بجوازه ألبّة، وهذا مقَّدٌ
بالمشيئة، ففي "مناسك السروجيِّ)(٢): لو ماتَ رجلٌ بعد وجوبِ الحجِّ ولم يُوصِ به، فحَجَّ رجلٌ
عنه أو حَجَّ عن أبيه أو أُمِّه عن حجَّةِ الإِسلام من غيرِ وصيّةٍ قال "أبو حنيفة": يُجزيه إن شاء الله،
وبعدَ الوصيّةِ يُجزيه من غير المشيئة)) اهـ.
ثُمَّ أعاد في "شرح اللباب" المسألة في محلِّ آخرَ (٣) وقال: ((فلو حَجَّ عنه الوارثُ أو أجنبيّ
يُجزيه، وتسقط عنه حجَّةُ الإِسلام إن شاء الله تعالى؛ لأَنَّه إيصالٌ للّواب، وهو لا يختصُّ بأحدٍ
من قريبٍ أو بعيدٍ على ما صرَّحَ به "الكرمانيُّ" و"السروجيُّ)) اهـ. وسيأتي تمامُّهُ(٤).
فالظاهرُ أنَّ في هذا الشَّرط اختلافَ الرِّواية، وذِكْرَ الوارث غيرُ قيدٍ على الرِّواية الأخرى.
[١٠٩١٤] (قولُهُ: لوجودِ الأمرِ دلالةٌ) لأنَّ الوارث خليفةُ المورِّث في ماله، فكأنّه صار مأموراً
بأداء ما عليه، أو لأنَّ الميت يأذنُ بذلك لكلِّ أحدٍ بناءً على ما قلنا من أنَّ الوارث غيرُ قيدٍ، وعلَّلَ
في "البدائع"(٥) بالنصِّ أيضاً، والظاهرُ أَنَّه أرادَ به حديث [٢/ق٤٦٧/ب] "الختعميَّة"(٦).
[١٠٩١٥) (قولُهُ: النّفقةُ من مالِ الآمرِ إلخ) أي: المحجوجِ عنه، ومحترزُهُ قوله الآتي:(٧)
((ولو أنفَقَ من مالِ نفسه إلخ))، ويأتي بيانه.
(١) أي: كما قاله رحمة الله السندي في "منسكه الكبير".
(٢) مناسك أبي العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني، زين الدين الشهير بالسُّروجيّ الحرّانيّ المصريّ (ت ٧١٠هـ).
("كشف الظنون" ١٨٣١/٢، "الجواهر المضية" ١٢٣/١، "هدية العارفين" ١٠٤/١).
(٣) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل: اعلم أنه إذا حج المأمور فأصل الحج يقع عن الآمر صـ٣٠٦ -.
(٤) المقولة [١٠٩٦٤] قوله: ((بخلاف ما لو أهلَّ إلخ)).
(٥) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأمَّا بیان حكم فوات الحج ٢٢١/٢
(٦) أخرجه البخاري (١٥١٣) كتاب الحج - باب وجوب الحج وفضله، وأبو داود (١٨٠٩) كتاب الحج - باب الرجل
يحج عن غيره، والنسائي ١١٦/٥-١١٧ كتاب الحج - باب الحج عن الميت، وتقدَّم تخريجه ٣٦١/٦ و٤٨٧.
(٧) صـ ٤٠٠ - "در".
الجزء السابع
٣٩٥
باب الحج عن الغير
وحجُّ المأمورِ بنفسِهِ، وتعُّنُه إِنْ عَّنَهُ، فلو قال: يَحُجُّ عنّي فلانٌ لا غيرُهُ لم يَحُزْ حِجُّ
غيرِهِ، ولو لم يقل: لا غيرُهُ جاز، وأوصَلَها في "اللباب" (١) إلى عشرين شرطاً، منها
عدمُ اشتراطِ الأجرة، فلو استأجَرَ رجلاً بأنْ قال: استأجرتُكَ على أنْ تَحُجَّ عني بكذا.
[١٠٩١٦] (قولُهُ: وحَجُّ المأمورِ بنفسه) فليس له إحجاجُ غيره عن الميت وإنْ مَرِضَ ما
لم يأذن له بذلك کما يأتي متناً(٢).
[١٠٩١٧] (قولُهُ: وَتَعُّنُّهُ إِنْ عِيَّنَهُ) هذا يُغني عن الشَّرط الذي قبله، تأمَّل. والمرادُ بتعيينه منعُ
حجٌّ غيره عنه.
[١٠٩١٨] (قولُهُ: لم يَحُرْ حجُّ غيرِهِ) أي: وإِنْ مات فلانٌ المذكور؛ لأنَّ الموصيَ صرَّحَ بمنع
حجٌّ غيره عنه كما أفادَهُ في "اللباب" و"شرحه"(٣).
[١٠٩١٩) (قولُهُ: وإنْ لم يقل: لا غيرُهُ جازَ) قال في "اللباب"(٤): ((وإنْ لم يُصرِّح بالمنع - بأن
قال: يحجُّ عني فلانٌ، فمات فلانٌ وأَحَجُّوا عنه غيرَهُ - جاز)).
مطلب: شروط الحج عن الغَيْرِ عشرون
[١٠٩٢٠] (قولُهُ: وأوصَلَها في "اللباب"(٥) إلى عشرين شرطاً) تقدَّمَ منها ستّةٌ، وذكر
"الشارح" السَّابِعَ بعد ذلك.
والثامنُ: وجوبُ الحجِّ، فلو أحَجَّ الفقيرَ أو غيرَهُ ممن لم يجب عليه الحجُّ عن الفرض لم يَجُزْ
حُّ غيره عنه وإنْ وجَبَ بعد ذلك.
(قولُهُ: هذا يُغني عن الشَّرط الذي قبلَهُ إلخ) فيه أنَّ ما قبله فيما إذا أمَرَ معيّناً، وهذا فيما إذا عيَّنَ
بدون أَمْرٍ، بأنْ قال لوصيِّه مثلاً: يَحُجُّ عني فلانٌ إلخ، نعم يفيدُهُ ما يأتي متناً فيما لو مَرِضَ المأمورُ.
(١) في "د" زيادة: ((أي: "لباب المناسك" للشيخ رحمة الله السندي الذي شرحه منلا علي)).
(٢) صـ ٤٠٧- "در".
(٣) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٩٩ -.
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير ــ فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٩٩ -.
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٨٧ -.
قسم العبادات
٣٩٦
حاشية ابن عابدين
التاسعُ: وجودُ العذر قبل الإِحجاج، فلو أحَجَّ صحيحٌ ثمَّ عجَزَ لا يُحزيه.
العاشر: أن يحجَّ راكباً، فلو حَجَّ ماشياً ولو بأمره ضَمِنَ النَّفقةَ، والمعتبرُ ركوبُ أكثرِ الطريق
إلاَّ إِنْ ضاقت النَّقةُ فحَجَّ ماشياً جازَ.
الحادي عشر: أنْ يَحُجَّ عنه من وطنه إنْ اتَّسَعَ الثِّلُث، وإلاّ فمِن حيث يبلغُ كما سيأتي
بیانه(١).
الثاني عشر: أنْ يُحرِمَ من الميقات، فلو اعتمَرَ وقد أمرَهُ بالحجِّ ثمَّ حجَّ من مكَّةَ لا يجوزُ
ويضمن، وبحَثَ فيه "شارحه"(٢) بما حاصله: ((أَنَّه غيرُ ظاهرٍ))، ويتوقّفُ على نقلٍ صريحٍ.
قلت: قدَّمنا(٣) الكلامَ عليه مستوفىَّ قبيل باب الإحرام فراجعه.
الثالث عشر: أن لا يُفسِدَ حجَّهُ، فلو أفسده لم يقع عن الآمر وإِن قضاه، وسيأتي بيانُهُ(٤).
الرابع عشر: عدمُ المخالفة، فلو أمَرَهُ بالإِفراد فقرَنَ أو تمتّعَ - ولو للميت - لم يقع عنه،
ويضمن النَّقةً كما سيأتي(٥)، ولو أمرَهُ بالعمرة فاعتمَرَ ثمَّ حَجَّ عن نفسه، أو بالحجِّ فحَجَّ ثُمَّ اعتمَرَ
(قولهُ: فلو حَجَّ ماشياً - ولو بأمرِهِ - ضَمِنَ إلخ) هكذا عبارةُ "اللباب"، ولا يظهرُ الضَّمانُ فيما
لو أمرَهُ به ماشياً لوقوع الحجِّ عن الآمرِ نفلاً، ولا ضمانَ لِما أنفَقَهُ للإذن به، نعم عبارةُ "البحر"
عن "البدائع)": ((ومنها الحجُّ راكبً، حتَّى لو أُمِرَ بالحجِّ فحَجَّ ماشياً يضمنُ النّفقة ويحجُّ عنه راكباً؛
لأنَّ المفروض عليه هو الحجُّ راكباً، فينصرفُ مطلقُ الأمرِ بالحجِّ إليه، فإنْ حَجَّ ماشياً فقد خالَفَ
فيضمنُ )) اهـ. فعلى هذا يكونُ معنى قوله في "اللباب": ((ولو بأمرِهِ)) أنَّه أمَرَهُ بالحجِّ المطلق، وليس
معناه أنَّه أمَرَهُ به ماشياً.
(١) المقولة [١٠٩٤٦] قوله: ((وإن لم يف فمن حيث يبلغ)).
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب الحج عن الغير - فصل في شرائط جواز الإحجاج صـ٢٩٢ -.
(٣) المقولة [٩٧٧٢] قوله: ((إلا لمأمور بالحج للمخالفة)).
(٤) المقولة [١٠٩٧٥] قوله: ((فیعید بمال نفسه)).
(٥) صـ ٤٢٤- وما بعدها "در".