Indexed OCR Text
Pages 141-160
الجزء السابع
١٣٧
فصل في الإحرام
(ثُمَّ أتى مِنى)
( تنبيةٌ )
نقَلَ بعض المحشِّين عن "منسك ابن أمير حاج": ((لو هَمَّ الرَّكبُ على القُفُول ولم تَطهُر
فاستفتَتْ هل تطوفُ أم لا؟ قالوا: يقال لها: لا يحلُّ لكِ دخولُ المسجد، وإنْ دخَلْتِ وطُفْتِ .
أَئِمْتٍ وصحَّ طوافُك، وعليكِ ذبحُ بدنةٍ، وهذه مسألةٌ كثيرةُ الوقوع، يتحيّرُ فيها النساء)) اهـ.
وتقدَّمَ(١) حكمُ طواف المتحِّرة في باب الحيض، فراجعه.
[١٠١٩٩] (قولُهُ: ثمَّ أتى منى) أي: بعدما صلَّى ركعتي الطواف، وكان ينبغي التصريحُ به
كما فعَلَ صاحب "الهداية"(٢) و"ابن الكمال"، "شرنبلاليّة"(٣).
مطلبٌ في حكم صلاة العيد والجمعة في مِنى
( تنبيةٌ )
. ذكَرَ في "اللباب"(٤): ((أَنَّه يصلّي الظهرَ بعدما يرجعُ إلى منى))، وهو مرويٌّ في "صحيحِ
مسلمٍ"(٥)، لكنْ في "الكتب السّة": ((أَنَّهِ﴿ّ صلَّى الظهر مكَّة)(٦)، ومالَ إليه في "الفتح"(٧)،
(١) المقولة [٢٦٣١] قوله: ((وحل الطواف))، والمقولة [٢٦٣٢] قوله: ((ولو بعد دخولها المسجد)).
(٢) "الهداية": كتاب الحج - باب الإحرام ١٤٩/١.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الحج ٢٣٠/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب طواف الزيارة - فصل: فإذا فرغ من الطواف صـ ١٥٦ -.
(٥) برقم (١٣٠٨) كتاب الحج - باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر، وأخرجه أحمد ٣٤/٢، وأبو داود (١٩٩٨) كتاب
المناسك - باب الإفاضة في الحج، والنسائيّ في "الكبرى" ٤٦٠/٢ برقم (٤١٦٨) كتاب الحج - الوقت الذي يفيض فيه إلى
البيت يوم النحر، وابن خزيمة (٢٩٤١) كتاب المناسك - باب استحباب طواف الزيارة يوم النحر استناناً بالنّبيَّ لَّه
والحاكم ٤٧٥/١ وصحَّحه وقال: على شرط الشيخين، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٤٤/٥ كتاب الحج - باب
الإفاضة للطواف، وابن حبان (٣٨٨٢) و(٣٨٨٣) كتاب الحج - باب الإفاضة من مِنَى لطواف الزيارة.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٤٢٦/٤ كتاب الحج - باب من كان يأمر بتعليم المناسك، ومسلم (١٢١٨)
کتاب الحج - باب حجة النبيڭ، من حديث جابر الطويل.
(٧) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٨٨/٢.
قسم العبادات
١٣٨
حاشية ابن عابدين
فَبِيتُ بها للرَّمي (وبعدَ زوالِ ثاني النَّحْر.
وقال في "شرح اللباب"(١): ((إنّه أظهرُ نقلاً وعقلاً))، وتمامُهُ فيه. وأمَّا صلاة الجمعة فقال
في "اللباب"(٢): ((وَيَجمَعُ بمنى إذا كان فيه أميرُ مكَّةَ أو الحجازِ أو الخليفةُ، وأمَّا أميرُ الموسم فليس
له ذلك إلاّ إذا استُعمِلَ على مكَّةَ)) اهـ.
وأمَّا صلاةُ العيد ففي "شرح مناسك الكنز" لـ "المرشديّ" عن "المحيط" و"الذخيرة"
وغيرهما: ((أَنّ لا يصلّيها بها بخلاف الجمعة))، وفي "شرح المنية" لـ "الحلبيِّ)(٣): ((أَنّه لا يصلّها
بها اتفاقاً للاشتغالِ فيه بأمورِ الحجّ)) اهـ. أي: لأنَّ وقت [٢/ق٤٠٣/أ] العيد وقتُ معظمٍ أفعالِ
الحجِّ بخلاف وقتِ الجمعة، ولأنَّ الجمعة لا تقعُ في ذلك اليوم إلاَّ نادراً بخلاف العيد، قال
في "شرح اللباب"(٤): ((وأرادَ بالاتّفاق الإجماعَ؛ إذ لا خلافَ في المسألة بين علماءِ الأمَّة)) اهـ.
وفي "شرح الأشباه" لـ "البيري" من كتاب الصيد: ((أنَّ منى موضعٌ تجوزُ فيه صلاة العيد،
إلاَّ أنّها سقطت عن الحاجِّ، ولم نَرَ في ذلك نقلاً مع كثرةِ المراجعة، ولا صلاةَ العيد بمكَّةَ يوم
الأضحى؛ لأَنَّا ومَن أدركناه من المشايخ لم نصلّها بمكّةً، والله تعالى أعلمُ ما السَّبُ في ذلك)) اهـ.
قلت: أمَّا عدمُ صلاتها بمنى فقد علمتَ نقلَهُ، وأمَّا بمكَّة فلعلَّ سببه أنَّ مَن له إقامةُ العيد
يكونُ بمنى حاجًّاً، والله تعالى أعلم.
[١٠٢٠٠] (قولُهُ: فَبيتُ بها للَّمي) أي: لياليَ أَيَّامِ الرَّمي، هو السنّةُ، فلو باتَ بغيرها كُرِهَ
ولا يلزمُهُ شيءٌ، "لباب"(٥).
[١٠٢٠١) (قولُهُ: وبعدَ زوالٍ ثاني النَّحر) قال في "اللباب"(٦): ((ثمَّ إذا كان اليومُ الحادي عشرَ
(١) انظر "إرشاد الساري": باب طواف الزيارة - فصل: فإذا فرغ من الطواف صـ ١٥٦ -.
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب طواف الزيارة - فصل: فإذا فرغ من الطواف صـ ١٥٦ -.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة الجمعة صـ٥٥١ -.
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب طواف الزيارة - فصل: فإذا فرغ من الطواف صـ١٥٦ -.
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب طواف الزيارة - فصل: فإذا فرغ من الطواف صـ١٥٦ -.
(٦) انظر "إرشاد الساري": باب طواف الزيارة - فصل: فإذا فرغ من الطواف صـ ١٥٦ -.
الجزء السابع
١٣٩
فصل في الإحرام
رَمَى الجمارَ الثلاثَ(١)، يبدأُ) استناناً.
- وهو ثاني أَيَّامِ النَّحر - خطَبَّ الإِمامُ خطبةً واحدةً بعد صلاةِ الظهر لا يجلسُ فيها كخطبةِ اليوم
السابع، يُعلِّمُ الناسَ أحكامَ الرَّمي وما بقي من أمورِ المناسك، وهذه الخطبةُ سنَّةٌ، وتركُها غفلةٌ
عظيمةٌ)) اهـ
مطلبٌ في رَمْي الجمرات الثلاث
[١٠٢٠٢] (قولُهُ: يبدأُ استناناً إلخ) حاصلُهُ: أنَّ هذا الترتيبَ مسنونٌ لا متعَيِّنٌ، وبه صرَّحَ
في "المجمع" وغيره، واختارَهُ في "الفتح"(٢)، وقال في "اللباب": ((والأكثرُ على أنّه سنّةٌ))، وعزاه
"شارحه"(٣) إلى "البدائع"(٤) و"الكرمانيّ" و"المحيط" و"السِّرَاجِيَّة"(٥)، ونقَلَ في "البحر "(٦) كلام(٧)
"المحيط" ثمَّ قال: ((وهو صريحٌ في الخلاف وفي اختيارِ السنّة)) اهـ. وكذا اختارَهُ أصحابُ المتون
في مسائلَ منثورةٍ آخرَ الحج كما سيأتي(٨).
وما في "النَّهر " (٩): ((من أنَّ صريحَ ما في "المحيط" اختيارُ التعيين)) فيه نظرٌ، بل جعَلَ التعيينَ
روايةً عن "محمَّدٍ"، فتدَبَّر. قال في "اللباب" (١٠): ((فلو بدأ يجمرة العقبة ثمَّ بالوسطى ثمَّ بالأُولى،
(١) في "د" زيادة: ((قوله: (رمى الجمار إلخ) أقول: فإنْ كان مريضاً لا يستطيع الرمي تُوضَعُ في يده ويَرْمي بها،
أو يَرْمي عنه غيرُه بأمره، وكذا المغمى عليه، يعني: وإن لم يكن بأمره كما في "الفتح"، والصغيرُ يرمي عنه أبوه
ويُحرم عنه، ذكره الشيخ أكمل الدين في مسألة المغمى عليه. وهذا نصٌّ على ما استدلَّ به صاحب "البحر" من
كلام "المحيط" في مسألة المغمى عليه على جواز إحرام الأب عن ولده الصغير بالأولى، فقال: ودل كلامُهُ أنَّ للأب
أنْ يحرم عن ولده الصغير والمجنون، ويقضيَ المناسك كلّها بالأولى. انتهى "شرنبلالية")).
(٢) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٩١/٢.
(٣) انظر "إرشاد الساري": باب رمي الجمار وأحكامه ــ فصل في أحكام الرمي وشرائطه وواجباته صـ ١٦٧ -.
(٤) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأما بيان حكمه إذا تأخر عن وقته ١٣٩/٢.
(٥) "السراجية": كتاب الحج - باب ترتيب أفعال الحج ١٩٢/١ (هامش "فتاوى قاضيخان").
(٦) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧٤/٢.
(٧) من ((المجمع)) إلى ((كلام)) ساقط من "آ".
(٨) المقولة [١١٠٤٧] قوله: ((لسنية الترتيب)).
(٩) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق١٣٩/ب - ١٤٠/أ.
(١٠) انظر "إرشاد الساري": باب رمي الجمار وأحكامه - فصل في أحكام الرمي وشرائطه وواجباته صـ١٦٧ -.
قسم العبادات
١٤٠
حاشية ابن عابدين
(بما يَلِي مسحدَ الخَيْفِ ثمَّ بما يَلِيه) الوسطى (ثُمَّ بالعَقَبَة سَبْعاً سَبْعاً، ووقَفَ) حامداً
مُهلِّلاً مُكبِّراً مُصلِّياً قَدْرَ قراءةِ البقرة.
ثمَّ تذكَّر ذلك في يومِهِ فإنّه يعيدُ الوسطى والعقبةَ حتماً أو سنَّةً، وكذا لو ترَكَ الأُولى ورمى الأخيرتين
فإِنَّه يرمي الأولى ويستقبلُ الباقيَ، ولو رمى كلَّ جمرةٍ بثلاثٍ أَتَّمَّ الأولى بأربعٍ، ثمَّ أعاد الوسطى
بسبعٍ، ثمَّ القصوى بسبعٍ، وإِنْ رَمَى كلَّ واحدةٍ بأربعٍ أَتَمَّ كلَّ واحدةٍ بثلاثٍ ثلاثٍ
ولا يعيدُ)) اهـ. أي: لأنَّ للأكثرِ حكمَ الكلِّ، فكأنَّه رَمَى الثانية والثالثة بعد [٢/ ق٤٠٣/ب] الأولى.
(١٠٢٠٣] (قولُهُ: بما يلي مسجدَ الخَيْفِ) وحَدُّها من باب مسجد الخَيْف الكبير إليها بذراعٍ
الحديد عددَ ١٢٥٤ وسدسِ ذراعٍ، ومنها إلى الجمرة الوسطى عددَ ٨٧٥(١)، ومن الوسطى
إلى جمرة العقبة عددَ ٢٠٨ كما نقَلَهُ "القسطلاَّنيُّ" في "شرح البخاريِّ"(٢) عن "القرافيّ" المالكيّ(٣)،
ونحوُهُ في كتب الشافعيّة، فما في "القُهُستانيِّ" (٤) سبقُ قلمٍ، فافهم.
١٨٤/٢
[١٠٢٠٤] (قولُهُ: الوسطى) بدلٌ من ((ما))، "ح"(٥).
[١٠٢٠٥] (قولُهُ: ويكبِّرُ بكلِّ حصاةٍ) أي: قائلاً: باسمِ الله، اللَّهُ أكبرُ كما مرَّ(٦).
[١٠٢٠٦) (قولُهُ: قَدْرَ قراءةِ البقرة) زادَ في "اللباب": ((أو ثلاثة أحزابٍ، أي: ثلاثة أرباعٍ
من الجزء أو عشرين آيةٌ))، قال "شارحه"(٧): ((وهو أقلُّ المراتب، واختارَهُ صاحبُ "الحاوي(٨)
(١) في هامش "الأصل": قوله: ((ومنها الجمرة الأولى عدد ٨٧٥)) لعله تحريف من الناسخ، وإلا فقد راجعته في "شرح
القسطلاني" المذكور، فوجدته قال: ((ومن الأولى إلى الوسطى عدد ٢٧٥)) انتهى.
(٢) "إرشاد الساري": كتاب الحج - باب رمي الجمار ٢٤٦/٣ .
(٣) لعل النقل في كتابه "اليواقيت في أحكام المواقيت": لأبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن، شهاب الدين
الصنهاجي المالكي (ت ٦٨٤هـ). ("إيضاح المكنون" ٧٣٢/٢، "الديباج المذهب" ص ٦٢-٦٧ -، "شجرة النور
الزكية" صـ ١٨٨-).
(٤) "جامع الرموز": كتاب الحج ٢٥٠/١.
(٥) "ح": كتاب الحج - فصل ق١٣٧/ب.
(٦) المقولة [٩٩٦٥] قوله: ((فاستقبَلَ الحجَرَ إلخ))، والمقولة [١٠١٥٠] قوله: ((وكَبَّرَ بكلِّ حصاةٍ)).
(٧) انظر "إرشاد الساري": باب رمي الجمار وأحكامه ــ فصل في صفة الرمي في هذه الأيام صـ١٦٢ -.
(٨) "الحاوي القدسي": كتاب الحج - باب ما يفعل بعد الإحرام - فصل: وينبغي أن يكثر التلبية ق ٦٥/أ.
الجزء السابع
١٤١
فصل في الإحرام
(بعدَ) تمامٍ كلِّ (رميٍ بعدَهُ رميٌ فقط) فلا يقفُ بعد الثالثةِ و(لا بعدَ رمي النَّحْر)
لأَنَّه ليس بعدَهُ رميّ (ودَعًا) لنفسِهِ وغيرِهِ رافعاً كفّيه نحوَ السَّماءِ أو القبلةِ (ثمَّ)
رَمَی (غداً كذلك، ثمَّ بعدَهُ كذلك إنْ مکَثَ،
و"المضمرات"))
[١٠٢٠٧] (قولُهُ: بعد تمامٍ كلِّ رميٍ) لا عندَ كلِّ حصاةٍ، "لباب" (١).
[١٠٢٠٨) (قولُهُ: فلا يقفُ بعد الثالثةِ) أي: جمرة العقبة؛ لأَنَّها ليس بعدها رميٌّ في كلِّ يوم،
قال في "اللباب"(٢): ((والوقوفُ عند الأُولبين سنَّةٌ في الأيَّامِ كلّها))، وقولُهُ: ((ولا بعدَ رمىٍ يومٍ
النَّحر)) أتى فيه بالواو عطفاً على ما ذكرَهُ في التفريع إشارةً إلى ما في عبارة المتن من القصور.
[١٠٢٠٩] (قولُهُ: ودَعَا) عطفٌ على قوله: ((ووقَفَ حامداً)).
[١٠٢١٠) (قولُهُ: نحوَ السَّماءِ أو القبلةِ) حكايةٌ لقولين، قال في "شرح اللباب"(٣): ((يرفعُ يديه
حَذْوَ منكبيه، ويجعلُ باطن كفَّه نحوَ القبلةِ في ظاهرِ الرِّواية، وعن "أبي يوسف" نحوَ السَّماءِ،
واختارَهُ "قاضيخان"(٤) وغيرُهُ، والظاهرُ الأوَّلُ)) اهـ.
[١٠٢١١) (قولُهُ: ثمَّ رَمَى غداً) أي: في اليومِ الثالث من أيّام النَّحر، وهو الملقَّبُ بيوم النّفْر
الأَوَّلِ، فإِنَّه يجوزُ له أنْ ينفرَ فيه بعد الرَّمي، واليومُ الرابع آخرُ أَيَّام التشريق يُسمَّى يومَ النّفْر الثاني،
"فتح "(٥).
[١٠٢١٢] (قولُهُ: كذلك) أي: مثلَ الرَّمي في اليوم الذي قبلَهُ بمراعاةٍ جميع ما ذُكِرَ فيه.
[١٠٢١٣] (قولُهُ: إنْ مِكَثَ) قيدٌ في قوله: ((ثُمَّ بعده كذلك)) فقط، لا في قوله: ((ثمَّ غداً
كذلك)) أيضاً اهـ "ح"(٦).
(١) انظر "إرشاد الساري": باب رمي الجمار وأحكامه - فصل في صفة الرمي في هذه الأيام صـ ١٦٢ -.
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب رمي الجمار وأحكامه - فصل في صفة الرمي في هذه الأيام صـ ١٦٢ -.
(٣) انظر "إرشاد الساري": باب رمي الجمار وأحكامه - فصل في صفة الرمي في هذه الأيام ص١٦٢ -.
(٤) "الخانية": كتاب الحج - فصل في كيفية أداء الحج ٢٩٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٩٢/٢.
(٦) "ح": كتاب الحج - فصل ق ١٣٧/ب.
قسم العبادات
١٤٢
حاشية ابن عابدين
وهو أحبُّ، وإِنْ قدَّمَ الرَّميَ فيه) أي: في اليوم الرَّابع (على الزَّوالِ جازَ) فإنَّ وقت
الرَّمي فيه من الفجر للغروب، وأمَّا في الثاني والثالث فمِن الزَّوالِ لطلوعِ ذُكاءً ....
قال في "النهر"(١): ((أي: إنْ مكَثَ إلى طلوع فجرِ الرابع في الظاهرِ عن "الإِمام"، وعنه
إلى الغروبِ من اليوم الثالث)).
[١٠٢١٤] (قولُهُ: وهو أحبُّ) اقتداءً به عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى
يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الآيةَ [ البقرة - ٢٠٣]، فالتخييرُ بين الفاضلِ والأفضلِ كالمسافِر
في رمضان، حيث خَيِّرَ بين الصوم والإفطار، والأوَّلُ [٢/ق٤٠٤ /أ] أفضلُ إنْ لم يَضُرَّه اتفاقاً،
"نهر"(٢).
[١٠٢١٥] (قولُهُ: جازَ) أي: صحَّ عند "الإِمام" استحساناً مع الكراهة التنزيهيّة، وقالا:
لا يصحُّ اعتباراً بسائر الأَيَّام، "نهر "(٣).
[١٠٢١٦] (قولُهُ: فإِنَّ وقت الرَّمي فيه) أي: في اليوم الرابع ((من الفجرِ للغروب))،
أي: غروب شمسه، ولا يتبعُهُ ما بعده من اللَّل بخلاف ما قبله من الأَيَّام، والمرادُ وقتُ جوازه
في الجملة، فإنَّ ما قبلَ الزَّوال وقتٌّ مكروهٌ، وما بعده مسنونٌ، وبغروب الشَّمس من هذا اليوم
يَقُوتُ وقتُ الأداءِ والقضاءِ اتّفاقً، "شرح اللباب" (٤).
[١٠٢١٧) (قولُهُ: فمِن الزَّوالِ لطلوع ذُكاءَ) أي: إلى طلوع الشَّمس من اليوم الرابع،
(قِولُ "الشارح": لطلوعٍ ذُكاءَ) أي: طلوعٍ فجرٍ ذُكاءً، يعني: فجر اليوم اللَّحق كما
في "السنديِّ" ، ولا تستقيمُ العبارةُ إلَّ بتقديرِ هذا المضاف، ويكون بياناً لانتهاءِ وقت الأداء في اليومين،
ولا يصحُّ أن يكون بياناً لوقت الجواز أداءً وقضاءً كما دَرَجَ عليه المحشِّي، فإنَّ وقت القضاء لا ينتهي
بطلوع شمس الرَّابع بل بغروبها، وحينئذٍ فما سلَكَهُ المحشِّي في هذه العبارة غيرُ موافقٍ.
(١) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق ١٤٠/أ.
(٢) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق ١٤٠/أ.
(٣) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق ١٤٠/أ بتصرف عازياً الكراهة التنزيهية إلى "المحيط".
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب رمي الجمار وأحكامه - فصل في وقت الرمي في اليوم الرابع صـ ١٦١ -.
الجزء السابع
١٤٣
فصل في الإحرام
والمرادُ أَنَّه وقتُ الجواز في الجملة، قال في "اللباب" (١): ((وقتُ رمي الجمار الثلاث في اليوم
الثاني والثالث من أيّام النَّحر بعد الزَّوال، فلا يجوزُ قبله في المشهور، وقيل: يجوزُ، والوقتُ
المسنون فيهما يمتدُّ من الزَّوال إلى غروب الشمس، ومن الغروب إلى الطلوع وقتٌ مكروهٌ،
وإذا طَلَعَ الفجرُ - أي: فجرُ الرابع - فقد فاتَ وقتُ الأداء، وبقي وقتُ القضاء إلى آخرِ أَيَّام
التشريق، فلو أخَّرَهُ عن وقته - أي: المعَّنِ له في كلِّ يومٍ - فعليه القضاءُ والجزاء، ويفوتُ وقتُ
القضاء بغروب الشَّمس في الرابع)) اهـ.
ثُمَّ قال(٢): ((ولو لم يَرْمِ يومَ النَّحر أو الثاني أو الثالثَ رماه في الليلة المقبلة - أي: الآتيةِ -
لكلِّ من الأيام الماضية، ولا شيءً عليه سوى الإساءة ما لم يكن بعذرٍ، ولو رمى ليلةَ الحادي عشرَ
أو غيرَها عن غدِها لم يصحَّ؛ لأنَّ اللّياليَ في الحجِّ في حكم الأيام الماضية لا المستقبلة، ولو لم يَرْمِ
في اللَّيلَ رماه في النهار قضاءً وعليه الكفَّارة، ولو أخْرَ رميَ الأَيَّام كلّها إلى الرابع مثلاً قضاها كلَّها
فيه وعليه الجزاءُ، وإنْ لم يَقْضِ حتّى غربت الشَّمس منه فاتَ وقتُ القضاء، وليست هذه اللّيلةُ
تابعة لِما قبلها)) اهـ.
والحاصلُ: أَنَّه لو أخّرَ الرَّميَ في غير اليوم الرابع يرمي في اللَّلة التي تلي ذلك اليومَ الذي أُخْرَ
رميَهُ، وكان أداءً؛ لأَنّها تابعةٌ له، وكره لتركِهِ السنّةَ، وإنْ أخَّرَهُ إلى اليوم الثاني كان قضاءً ولَزِمَهُ
الجزاء، وكذا لو أخَّرَ الكلَّ إلى الرابع ما لم تَغُب شمسُهُ، فلو غَرَبَتْ سقَطَ الرَّميُ ولَزِمَهُ دمٌ.
وقد ظهَرَ بما قرَّرناه أنَّ ما ذكرَهُ "الشارح" تبعاً لـ "البحر"(٣) وغيره: ((من أنَّ انتهاءه
[٢/ق٤٠٤/ب] إلى طلوعِ الشَّمس)) ليس بياناً لوقتِ الأداء فقط، بل يشملُ وقتَ القضاء؟
لأنَّ ما بعد فجر الرابعِ وقتٌ لرمي الرابع أداءً ولرميٍ غيره من الأَّيَّام الثلاثة قضاءً، فافهم.
(١) انظر "إرشاد الساري": باب رمي الجمار وأحكامه ــ فصل في وقت الرمي في اليومين المتوسطين وفي اليوم الرابع
صـ ١٥٨-١٦١ -.
(٢) أي: صاحب "اللباب"، انظر "إرشاد الساري": باب رمي الجمار وأحكامه ــ فصل في وقت الرمي في اليومين
المتوسطين وفي اليوم الرابع صـ ١٦١-١٦٢ -.
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧٤/٢.
٠
قسم العبادات
-
١٤٤
حاشية ابن عابدين
(وله النَّغْرُ) من مِنى (قبلَ طلوع فجر الرَّابع لا بعدَهُ) لدخولِ وقت الرَّمي.
(وجازَ الرَّميُّ) كلُّه (راكباً و) لكنّه (في الأُوليين) أي: الأُولى والوسطى (ماشياً
أفضلُ) لأَنَّه يقفُ (لا في الأخيرة) أي: العقبةِ؛ لأَنَّه ينصرفُ، والرَّاكبُ أقدَرُ عليه،
وأطلَقَ أفضليَّةَ المشي في "الظهيريَّة"،.
[١٠٢١٨) (قولُهُ: وله النّفْرُ بسكونِ الفاء، أي: الرُّجوعُ، "سراج".
[١٠٢١٩] (قولُهُ: قبل طلوعٍ فجرِ الرابع) ولكنْ يَنْفِرُ قبل غروب الشَّمس، أي: شمسٍ
الثالث، فإنْ لم يَنْفِرِ حَتَّى غربت الشمسُ يكرهُ له أنْ يَنْفِرَ حتَّى يرميَ في الرابع، ولو نفَرَ من اللَّل
قبل فجرِ الرابع لا شيءَ عليه وقد أساء، وقيل: ليس له أنْ يَنِفِرَ بعد الغروب، فإنْ نفَرَ لَزِمَهُ دمٌّ،
ولو نفَرَ بعد طلوع الفجر قبل الرَّمِي لَزِمَهُ الدَّمُ اتفاقاً، "لباب"(١). ولا فرقَ في ذلك بين المكْيِّ
والآفاقيِّ كما في "البحر "(٢).
[١٠٢٢٠) (قولُهُ: وجازَ الرَّميُ راكباً إلخ) عبارةُ "الملتقى(٢) أخصرُ، وهي: ((وجازَ الرَّميُّ
١٨٥/٢ راكباً، وغيرَ راكبٍ أفضلُ في غير(٤) جمرة العقبة)) اهـ. وفي "اللباب"(٥): ((والأفضلُ أنْ يرميَ جمرة
العقبة راكباً وغيرَها ماشياً في جميع أَيَّامِ الرَّميٍ)) اهـ (٦).
وقولُهُ: ((لأَنّ يقفُ)) أيْ: للدُّعاءِ بعد رمي الأوليين في الأيام الثلاثة، بخلاف العقبة في اليوم
الأوَّلِ وفي الثلاثةِ بعده، فإنّه لا دعاءَ بعدها، والضابطُ أنَّ كلَّ رميٍ يقفُ بعده فإنَّه يرميه ماشياً -
(قولُهُ: وغيرَ راكبٍ أفضلُ في جمرة العقبة) حقُّهُ: في غيرِ جمرة العقبة كما هو عبارةُ "الملتقى".
(١) انظر "إرشاد الساري": باب رمي الجمار وأحكامه ــ فصل: ثم إذا فرغ من الرمي صـ١٦٣ -.
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧٥/٢ .
(٣) "ملتقى الأبحر": كتاب الحج - فصل: فإذا دخل مكة ٢١٧/١ .
(٤) ((غير)) ساقطة من النسخ جميعها، وهي في عبارة "الملتقى"، والمعنى يقتضيها.
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب رمي الجمار وأحكامه - فصل في صفة الرمي في هذه الأيام صـ ١٦٢-١٦٣ -.
(٦) من ((وفي اللباب)) إلى ((الرمي اهـ)) ساقط من "آ".
الجزء السابع
١٤٥
فصل في الإحرام
ورجَّحَهُ "الكمال" وغيرُهُ.
(ولو قدَّمَ ثَقَلَهُ)
وهو كلُّ رميٍ بعده رميّ كما مرَّ(١) - وما لا فلا.
ثُمَّ هذا التفصيلُ قولُ "أبي يوسف"، وله حكايةٌ مشهورةٌ ذكَرَها "ط" (٢) وغيرُهُ، وهو مختارُ
كثيرٍ من المشايخ كصاحب "الهداية"(٣) و"الكافي"(٤) و"البدائع"(٥) وغيرهم، وأمَّا قولُهما فذكَرَ
في "البحر"(٦): ((أَنَّ الأفضل الرُّكوبُ في الكلِّ على ما في "الخانَيَّةُ(٧)، والمشيُ في الكلِّ على
ما في "الظهيريَّة"(٨))، وقال(٩): ((فتحصَّلَ أنَّ في المسألة ثلاثةَ أقوالٍ)).
[١٠٢٢١] (قولُهُ: ورجَّحَهُ "الكمال" (١٠)) أي: ((بأنَّ أداءها ماشياً أقربُ إلى التواضعِ
والخشوع وخصوصاً في هذا الزَّمان، فإِنَّ عامَّة المسلمين مشاةٌ في جميعِ الرَّمي، فلا يُؤْمَنُ من الأذى
بالرُّكوب بينهم بالزَّحمة، ورميُّهُ عليه الصلاة والسلام راكباً(١١) إنما هو ليُظهِرَ فعَلَهُ ليُقتدَى به
(١) صـ ١٤١ - "در".
(٢) "ط": كتاب الحج - فصل في الإحرام ٥٠٩/١ .
(٣) "الهداية": كتاب الحج - باب الإحرام ١٥٠/١.
(٤) "كافي النسفي": كتاب الحج - فصل: وإذا أحرم بهما ١/ق ٨٥/أ.
(٥) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأما بيان سنن الحج ١٨٥/٢.
(٦) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧٦/٢ .
(٧) "الخانية": كتاب الحج - فصل في كيفية أداء الحج ٢٩٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) "الظهيرية": كتاب الحج - الفصل الثاني في الحج الذي أداه ﴿ ق ٦٦/أ.
(٩) أي: صاحب "البحر".
(١٠) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٩٥/٢.
(١١) أخرجه أحمد ٣١٨/٣، ومسلم (١٢٩٧) كتاب الحج - باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً، وأبو داود
(١٩٧٠) كتاب المناسك - باب في رمي الجمار، والنسائيّ ٢٦٨/٥ كتاب المناسك - باب الركوب إلى الجمار
واستظلال المحرم، وابن خزيمة (٢٨٧٧) كتاب المناسك - باب إباحة رمي الجمار يوم النحر راكباً، والبيهقيّ في
"السنن الكبرى" ١٣٠/٥ كتاب الحج - باب رمي جمرة العقبة راكباً، كلّهم من حديث جابر بن عبد الله مرفوعاً،
وفي الباب عن ابن عباس، وعبد الله بن قدامة ﴾.
قسم العبادات
١٤٦
حاشية ابن عابدين
بفتحتين: متاعُهُ وخَدَمُهُ (إلى مكَّةَ وأقامَ بمنى) أو ذهَبَ لعرفةَ (كُرِهَ) إنْ لم يأمن ...
كطوافِهِ راكباً(١)) اهـ.
قال في "البحر"(٢): ((ولو قيل بأنَّه ماشياً أفضلُ إلاَّ في رمي جمرة العقبة في اليومِ الأخير لكان
له وجةٌ؛ لأَنَّه ذاهبٌ إلى مكَّةَ في هذه السَّاعةِ كما هو العادةُ، وغالبُ الناس راكبٌ، فلا إيذاءَ
في ركوبِهِ مع تحصيلٍ فضيلة الاتّباع له عليه الصلاة والسلام)) اهـ.
قلت: لكنْ في هذا [٢/ق٤٠٥/أ] الزَّمانِ يعسُرُ ركوبُهُ بعد رمي العقبة، وربما ضَلَّ عنه محملُهُ
لكثرةِ الرِّحام، فلو قيل: إنَّه في اليوم الأخير يرمي الكلَّ راكباً لكان له وجهٌ أيضاً مع تحصيلٍ فضيلة
الاتّباع في الكلِّ بلا ضررٍ عليه ولا على غيره؛ لأنَّ العادة أنَّ الكلَّ يركبون من منازلهم سائرين
إلى مكَّةَ، وأمَّا في غيرِ اليوم الأخيرِ فيرمي الكلَّ ماشياً.
[١٠٢٢٢] (قولُهُ: يفتحتين إلخ) وبكسرِ الثاء وفتحِ القاف المصدرُ، وبسكونها واحدُ (٣)
الأثقال، "نهر "(٤).
[١٠٢٢٣] (قولُهُ: أو ذهَبَ لعرفةَ) في بعض النسخ بالواو بدلَ ((أو))، وهو تحريفٌ، والأوضحُ
أن يقولَ: أو ترَكَهُ فيها وذهَبَ لعرفةَ؛ إذ لا يصلُحُ تسليطُ ((قَدَّمَ)) هنا إلاَّ بتأويلٍ.
[١٠٢٢٤] (قولُهُ: كُرِهَ) لِأَثْرِ "ابن أبي شيبة"(٥) عن "ابن عمر" رضي الله تعالى عنهما:
(١) أخرجه البخاريّ (١٦٠٧) كتاب الحج - باب استلام الركن بالمحجن، ومسلم (١٢٧٢) كتاب الحج - باب الطواف
على بعير وغيره واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب، وأبو داود (١٨٧٧) كتاب المناسك - باب الطواف الواجب،
والترمذيّ (٨٦٥) كتاب الحج - باب ما جاء في الطواف راكباً، والنّسائيّ ٢٣٣/٥ كتاب المناسك - باب استلام
الركن بالمحجن، وابن ماجه (٢٩٤٨) كتاب المناسك - باب من استلم الركن بمحجنه، كلُّهم من حديث ابن عباس
رضي الله عنهما، وفي الباب عن جابر، وابن عمر، وأبي رافع، وأبي مالك الأشجعيّ، وعبد الله بن حنظلة بله
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧٦/٢ .
(٣) في "ب": ((وأحد))، وهو تحريف.
(٤) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق ١٤٠/أ.
(٥) في النسخ جميعها: ((ابن شيبة))، وما أثبتناه هو الصواب.
الجزء السابع
١٤٧
فصل في الإحرام
لا إِنْ أَمِنَ، وكذا يكرهُ للمصلِّي جَعْلُ نحوِ نعلِهِ خلفَهُ لشُغْلِ قلبِهِ.
(وإذا نفَرَ) الحاجُّ (إلى مكَّةَ نزَلَ) استناناً ولو ساعةً (بالُحَصَّب) بضمٌّ ففتحتين :.
((مَنْ قَدَّمَ ثقلَهُ قبل النّفْر فلا حجَّ له(١)))، أي: كاملاً، ولأَنَّه يُوجِبُ شُغْلَ قلبه وهو في العبادة
فيكره، والظاهرُ أَنَّها تنزيهيَّةٌ، "بحر"(٢). واعترضَهُ في "النهر"(٣): ((بأنَّ "عمر" رضي الله عنه كان
يَمِنَعُ منه ويُؤدِّبُ عليه (٤)، وهذا يُؤْذِنُ بأنّها تحريميَّةٌ))، وفيه نظرٌ، فإنَّه كان يُؤدِّبُ على تركِ خلاف
الأَولى، تأمَّل.
[١٠٢٢٥) (قولُهُ: لا إِنْ أَمِنَ) بحثٌ لصاحب "البحر"(٥)، وتَبَعَهُ أخوه(٦) أخذاً من مفهوم
التعليل بِشُغْلِ القلب، "ط)"(٧).
[١٠٢٢٦) (قولُهُ: وكذا إلخ) قال في "السِّراج": ((وكذا يكرهُ للإنسان أنْ يجعلَ شيئاً من
حوائجِهِ خلفه ويصلّيَ مثلَ النعل وشبهِهِ؛ لأَنَّه يَشغَلُ خاطرَهُ، فلا يتفرَّغُ للعبادة على وجهِها)) اهـ.
[١٠٢٢٧] (قولُهُ: ولو ساعةً) يقفُ فيه على راحلتِهِ يدعو، "سراج". فُيُحصِّلُ بذلك أصلَ
السنَّة، وأمَّا الكمالُ فما ذكرَهُ "الكمال"٨٩): ((من أَنَّ يصلِّي فيه الظهرَ والعصر والمغرب والعشاء،
(قولُهُ: فما ذكرَهُ "الكمال" من أنّه يُصلّي فيه الظُّهرَ إلخ) لكنَّه خلافُ ما تقدَّمَ من استحبابِ تقديم
الظُّهر على الرَّمْي مطلقاً. اهـ "سندي" عن "منلا علي القاري".
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٠١/٤ - ٥٠٢ كتاب الحج - باب من كره أن يقدم ثقله من منى.
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧٦/٢ .
(٣) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق ١٤٠/أ.
(٤) ذكره الزيلعي في "نصب الراية" ٨٧/٣ وقال: غريب، والحافظ ابن حجر في "الدراية" ٢٩/٢، وقال: لم أجده،
والطحطاوي على "مراقي الفلاح" صـ ٤٨٠ -.
(٥) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧٦/٢.
(٦) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق ١٤٠/أ.
(٧) "ط": كتاب الحج - فصل في الإحرام ٥٠٩/١ .
(٨) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٩٦/٢ .
قسم العبادات
١٤٨
حاشية ابن عابدين
الأبطحُ، وليست المقبرةُ منه.
(ثُمَّ) إذا أرادَ السَّفْرَ (طافَ الصَّدَرِ) أي: الوداعِ (سبعة أشواطٍ ..
....
ويهجعُ هجعةً ثُمَّ يدخلُ مكّةَ))، "بحر"(١). وفي "شرح النقاية" لـ "القاري"(٢): ((والأظهرُ أنْ يقال:
إنَّه سنّةُ كفايةٍ؛ لأنَّ ذلك الموضعَ لا يَسَعُ الحاجَّ جميعَهم، وينبغي لأمراءِ الحجِّ - وكذا غيرُهم -
أَنْ ينزلوا فيه ولو ساعةً إظهاراً للطاعةِ)).
[١٠٢٢٨] (قولُهُ: الأبطحُ) ويقال له أيضاً: البَطْحاء والخَيْف، "قاري"(٣). قال في "الفتح"(٤):
((وهو فِناءُ مكَّة، حدُّهُ ما بين الجبلين المتّصلين بالمقابر إلى الجبال المقابلة لذلك مُصعِداً في الشِّقِّ
الأيسرِ وأنتَ ذاهبٌ إلى منى مرتفعاً عن بطن الوادي)).
[١٠٢٢٩) (قولُهُ: ثُمَّ إذا أرادَ السَّفرَ) أتى بـ ((ُثُمَّ)) وما [٢/ق٤٠٥ /ب] بعدها إشارةً إلى
ما في "النهر"(٥) وغيره: ((من أنَّ أوَّلَ وقته بعد طواف الزِّيارة إذا كان على عَزْمِ السَّفر، حتّى
لو طاف كذلك ثمَّ أطالَ الإقامةَ بمكَّةَ ولم يَتَّخِذْها داراً جاز طواقُهُ، ولا آخرَ له وهو مقيمٌ(٦)، بل
لو أقام عاماً لا ينوي الإقامةَ فله أنْ يَطُوفَ، ويقعُ أداءً، نعم المستحبُّ إيقاعُهُ عند إرادة السَّفْر)) اهـ.
وفي "اللباب"(٧): ((أَنَّه لا يسقطُ بنَّةِ الإقامة ولو سنين، ويسقطُ بيَّةِ الاستيطان مكَّةً أو بما
حولَها قبل حلِّالنّفْرِ الأوَّلِ، أي: قبل ثالثِ أَيَّامِ النّحر، ولو نوى الاستيطانَ بعده لا يسقطُ،
وإنْ نواه قبلَ النّفْرِ ثُمَّ بدا له الخروجُ لم يَجِب كالمكِّيِّ إذا خَرَجَ)) اهـ.
مطلبٌ في طواف الصَّدَر
[١٠٢٣٠) (قولُهُ: أي: الوداعِ) بفتح الواو، وهو اسمٌ لهذا الطوافِ أيضاً، ويُسمَّى أيضاً
(١) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧٦/٢ .
(٢) "شرح النقاية" للقاري: كتاب الحج - فصل في رمي جمرة العقبة وطواف الزيارة وغيرهما ٤٨٨/١.
(٣) "شرح النقاية" للقاري: كتاب الحج - فصل في رمي جمرة العقبة وطواف الزيارة وغيرهما ٤٨٧/١.
(٤) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٩٦/٢.
(٥) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق ١٤٠/أ - ب بتصرف.
(٦) أي: لا آخر لوقت طواف الوداع وهو مقيم. وقد وقع في "النهر": ((ولا أجر)) بدل ((ولا آخرَ))، ولعله تحريف.
(٧) انظر "إرشاد الساري": باب طواف الصدر صـ١٦٩ -.
الجزء السابع
١٤٩
فصل في الإحرام
بلا رَمَلٍ وسَعْىٍ، وهو واجبٌ إلاَّ على أهل مكّةً) ومَن في حُكمِهم، فلا يجبُ بل يُندَبُ
طوافَ آخرِ العَهْد، وأمَّا الصَّدَرُ فهو بفتحتين: رجوعُ المسافر من مقصدِهِ والشَّارِبِ من مَورِدِهِ
كما في "القُهُستانيِ) (١).
[١٠٢٣١] (قولُهُ: بلا رَمَلٍ وسعىٍ) أي: إنْ كان فعَلَهما في طوافِ القدوم أو الصَّدَرِ
كما مرَّ(٢) عن "الخيرِ الرمليّ".
[١٠٢٣٢) (قولُهُ: وهو واجبٌ) فلو نفَرَ ولم يَطُفْ وجَبَ عليه الرُّجوعُ ليطوفَ ما لم يُحاوِز
الميقات، فيخيَّرُ بين إراقة الدَّم والرُّجوعِ بإحرامٍ جديدٍ بعمرةٍ مبتدئاً بطوافِها ثمَّ بالصَّدَر، ولا شيءَ
عليه لتأخيرِهِ، والأوَّلُ أَولى تيسيراً عليه ونفعاً للفقراء، "نهر"(٣) والباب" (٤).
(١٠٢٣٣) (قولُهُ: إلاَّ على أهلٍ مَكَّةَ) أفادَ وجوبَهُ على كلِّ حاجٌ آفاقِيِّ مُفرِدٍ أو متمتّعٍ أو قارنٍ
بشرطِ كونه مُدرِكاً مكلَّفاً غيرَ معذورٍ، فلا يجبُ على المكِّيِّ، ولا على المعتمر مطلقاً، وفائتٍ
الحجِّ، والمحصرِ، والمجنونِ، والصبيِّ، والحائضِ، والنفساءِ كما في "اللباب" (٥) وغيره.
[١٠٢٣٤] (قولُهُ: ومَن في حكمِهم) أي: ممن كان داخلَ المواقيت، وكذا مَن نوى الاستيطانَ
قبل حلِّ النَّفْر كما مرَّ(٦).
[١٠٢٣٥] (قولُهُ: فلا يجبُ إلخ) قال في "النهر "(٧): ((والمنفيُّ عنهم إنما هو وجوبُهُ لا ندبُهُ،
وقد قال "الثاني": أَحَبُّ إليَّ أن يطوفَ المكْيُّ طوافَ الصَّدَر؛ لأَنَّه وُضِعَ لختمٍ أفعال الحجِّ،
١٨٦/٢
(قولُهُ: أو الصَّدَرِ) حقُّهُ الزِّيارة.
(١) "جامع الرموز": كتاب الحج ٢٣٥/١.
(٢) المقولة [١٠١٨٦] قوله: ((وإلا فعلهما)).
(٣) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق ١٤٠/ب.
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب طواف الصدر - فصل: ومن خرج ولم يطفه صـ١٦٩ -.
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب طواف الصدر صـ١٦٨ -.
(٦) المقولة [١٠٢٢٩] قوله: ((ثم إذا أراد السفر)).
(٧) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق ١٤٠/ب.
قسم العبادات
-
١٥٠
حاشية ابن عابدين
كمَن مكَثَ بعدَهُ.
ثُمَّ النَّةُ للطّوافِ شرطٌ، فلو طافَ هارباً أو طالباً لم يُحْزِ، لكنْ يكفي أصلُها،
فلو طافَ بعد إرادةِ السَّفر(١) ونَوَى التطوُّعَ أجزَأَهُ عن الصَّدَر(٢)، كما لو طافَ بنِيَّةِ
التطوُّعِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وقَعَ عن الفرض.
وهذا المعنى موجودٌ في حقّهم)).
[١٠٢٣٦] (قولُهُ: كمَن مكَثَ بعده) لأنَّ المستحبَّ إيقاعُهُ عند إرادة السَّفر كما مرَّ(٣).
[١٠٢٣٧) (قولُهُ: فلو طافَ) أي: دارَ حولَ البيت ولم تَحضُرُه النَّةُ أصلاً.
[١٠٢٣٨] (قولُهُ: أو طالباً(٤)) أي: لغريمٍ ونحوه.
[١٠٢٣٩) (قولُهُ: لكنْ يكفي أصلُها) أي: أصلُ نَّةِ الطواف بلا لزومٍ تعيينِ كونه للصَّدَر
أو غيره ولا تعيينٍ وجوبٍ أو فرضيَّةٍ.
[١٠٢٤٠] (قولُهُ: فلو طافَ إلخ) الحاصلُ - كما في "الفتح"(٥) [٢/ق ٤٠٦/أ] وغيره - :
((أَنَّ مَن طاف طوافاً في وقِتِهِ وقَعَ عنه نواه بعينه أوْ لا أو نوى طوافاً آخر))، ومن فروعِهِ: لو قَدِمَ
(١) في "د" زيادة: ((ففي "البدائع" عن أبي حنيفة أنه قال: ينبغي للإنسان إذا أراد السفر أن يطوف طواف الصدر حين
يريد أن ينفر، ولو أقام بعده - ولو أياماً أو أكثر - فلا بأس، والأفضل أن يعيده، ولا يسقط هذا الطواف عنه بنيّة
الإقامة ولو سنين، ويسقط بنية الاستيطان بمكة أو بما حولها قبل حلّ النفر الأول، أي: قبل اليوم الثاني من أيام
التشريق، ولو نواه بعده لا يسقط، وإن نواه قبل النفر ثم بدا له الخروجُ لم يجب كالمكي إذا خرج لا يجب عليه)).
(٢) في "د" زيادة: ((قوله: (أجزأه عن الصدر) قال في "الأشباه": لو طاف عن الفرضِ أو نذرِ دخل فيه طواف القدوم،
بخلاف ما لو طاف للإفاضة لا يدخل فيه طواف الوداع؛ لأنَّ كلاً منهما مقصودُه مختلف. انتهى.
قال المحشي: إذ المقصودُ بطواف الإفاضة تفريغَ الذمَّة، وبالوداع توديعُ البيت. وقد يقال: هذا جارٍ في المسألة الأولى؛
إذ المقصود بالفرض والمنذور تفريغُ الذمَّة، وبطواف القدوم تحيَّةُ البيت في اللقاء، وهما مختلفان، فتأمل، انتهى)).
(٣) المقولة [١٠٢٢٩] قوله: ((ثم إذا أراد السفر)).
(٤) في "د" زيادة: ((قيل: على ظاهر الإطلاق عدمُ الإجزاء ولو مع نيَّة الطواف، وفيه نظر؛ لتصريحهم بأن الطواف
لطلب غريمٍ إذا اشتمل على النَّة أجزأه كما في "حواشي الأشباه" )).
(٥) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام - فصل: فإن لم يدخل المحرم مكة ٤٠٢/٢ .
الجزء السابع
١٥١
فصل في الإحرام
(ثُمَّ) بعدَ ركعتيه (شَرِبَ من ماء زمزمَ.
معتمراً وطاف وقَعَ عن العمرةِ، أو حاجًّاً وطافَ قبل يوم النَّحر وقَعَ للقدوم، أو قارناً وطافَ
طوافين وقَعَ الأوَّلُ عن العمرة والثاني للقدوم، ولو كان في يومِ النَّحر وقَعَ للزِّيارة، أو بعدما حَلَّ
النّفْرُ بعدما طاف للزِّيارة فهو للصَّدَر وإِنْ نواه للتطوُّع، فلا تعملُ النَّةُ في التقديم والتأخير
إلاّ إذا كان الثاني أقوى، كما لو ترَكَ طواف الصَّدَر ثمَّ عاد بإحرامِ عمرةٍ فيبدأ بطوافِ العمرة
ثُمَّ الصَّدَر، وتمامُهُ في "اللباب" (١).
[١٠٢٤١] (قولُهُ: ثُمَّ بعدَ ركعتيه) أي: بعد صلاةٍ ركعتي الطوافِ، وتقدَّمَ(٢) الكلامُ عليهما،
وتقدَّمَ(٣) أيضاً أنَّه قيل: إِنَّه يلتزمُ الملتزمَ أوَّلاَ ثمَّ يصلّي الركعتين ثمَّ يأتي زمزمَ، وأَنَّه الأسهلُ
والأفضلُ، وعليه العملُ، وأنَّ ما ذكره هنا من الترتيب هو الأصحُّ المشهورُ، ومشى عليه
في "الفتح"(٤) هناك، وعبَّرَ عن الآخَرِ بـ ((قيل))، لكنْ جزَمَ بالقيل هنا (٥).
[١٠٢٤٢] (قولُهُ: شَرِبَ من ماء زمزمٌ) أي: قائماً، مستقبلاً القبلة، متضلّعاً منه، متنفّساً فيه
مِراراً، ناظراً في كلِّ مرَّةٍ إلى البيتِ، ماسحاً به وجهَهُ ورأسَهُ وجسدَهُ، صابًاً منه على جسده
إِنْ أمكَّنَ(٦) كما في "البحر"(٧) وغيره، وقد عقَدَ في "الفتح"(٨) لذلك فصلاً مستقلاً فارجع إليه،
وسيأتي(٩) بعضُ الكلام على زمزم آخرَ الحجِّ.
(١) انظر "إرشاد الساري": باب طواف الصدر - فصل: ومن خرج ولم يطفه صـ١٦٩ -.
(٢) المقولة [١٠٠١٦] قوله: ((ثم صلى شفعاً)).
(٣) المقولة [١٠٠٢٣] قوله: ((ثم التزم الملتزم)).
(٤) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٠/٢ .
(٥) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام - فروع تتعلق بالطواف ٣٩٨/٢.
(٦) في "د" زيادة: ((فكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: «اللهم إني اسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً
من كلِّ داء)). انتهى "شرنبلالية")).
(٧) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧٨/٢ .
(٨) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٩٨/٢.
(٩) المقولة [١١٠٨٢] قوله: ((يكره الاستنجاء بماء زمزم)).
قسم العبادات
١٥٢
حاشية ابن عابدين
وقَبَّلَ العتبةَ) تعظيماً للكعبةِ (ووضَعَ صدرَهُ ووجهَهُ على الملتزم، وتشبَّثَ بالأستارِ
ساعةً) كالمستشفِعِ بها، ولو لم يَنَلْها يضعُ يديه على رأسِهِ مبسوطتين على الجدارِ
قائمتين والتّصَقَ بالجدارِ (ودَعًا مُحتهِداً، ويبكي) أو يتباكى (ويرجعُ قهقرى)
أي: إلى خلفٍ (حتّى يخرجَ من المسجد) وبصرُهُ ملاحظٌ للبيت.
(١٠٢٤٣] (قولُهُ: وَقَبَّلَ العتبةَ) أي: ثُمَّ قَبَّلَ العتبةَ المرتفعة عن الأرضِ، "ُهُستاني"(١).
[١٠٢٤٤) (قولُهُ: ووضَعَ) أي: ثمَّ وضَعَ، "ُهُستاني)"(٢).
[١٠٢٤٥] (قولُهُ: ووجهَهُ) أي: خدَّهُ الأيمنَ، ويرفعُ يدَهُ اليمنى إلى عتبةِ الباب.
[١٠٢٤٦] (قولُهُ: وتشبَّثَ) أي: تعلَّقَ كما يتعلَّقُ عبدٌ ذليلٌ بطَرَفٍ ثوبٍ لمولىٌ جليلٍ،
"قُهُستاني"(٣).
[١٠٢٤٧) (قولُهُ: ودَعَا) أي: حالَ تشيُّتِهِ بالأستارِ متضرِّعاً متخشِّعاً مكبِّراً مهلِّلاً مصلّياً
على النبيِّ ◌َ﴾.
[١٠٢٤٨] (قولُهُ: ويرجعُ قهقرى(٤) كذا في "الهداية"(٥) و"المجمع" و"النقاية"(٦) وغيرها،
وفي "مناسك النوويّ"(٧): ((أنَّ ذلك مكروهٌ؛ لأَنَّه ليس فيه سنَّةٌ مرويَّةٌ ولا أثرٌ محكيٌّ، وما لا أثْرَ له
(قولُ "المصنّف": وقَبَّلَ العتبةَ) في "السنديِّ": ((وللعلماء كلامٌ في تقبيلٍ قبور الأنبياء ومَن يُتْبِرَّكُ
بهم))، واعتمَدَ الجوازَ وأطالَ فیه.
(١) "جامع الرموز": كتاب الحج ٢٥١/١.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الحج ٢٥١/١.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الحج ٢٥١/١.
(٤) في "د" زيادة: ((قال في "النوادر": يقول إذا رجع: آیبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون. صدق الله وعده، ونصر
عبده، وهزم الأحزاب وحده، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتديَ لولا أن هدانا الله، فكما هديتنا لذلك
فتقبَّلْه مِنَّا، لا تجعل آخر العهد بنا، وارزقنا العَوْد إليه حتى ترضى، برحمتك يا أرحم الراحمين. انتهى. كذا في "شرح
الوقاية" للعلامة الشمني)).
(٥) "الهداية": كتاب الحج - باب الإحرام ١٥١/١ .
(٦) انظر "شرح النقاية" للقاري: كتاب الحج - فصل في جمرة العقبة وطواف الزيارة وغيرهما ٤٨٩/١ .
(٧) انظر "حاشية الهيتميّ على إيضاح النوويّ": الباب الخامس في المقام بمكة وطواف الوداع صـ٤٥١ -.
الجزء السابع
١٥٣
فصل في الإحرام
لا يُعرَّجُ عليه)) اهـ.
وتِبِعَهُ "ابن الكمال" و"الطرابلسيُّ" في [٢/ق٤٠٦ /ب] "مناسكه"، لكنَّه قال: ((وقد فعَلَهُ
الأصحابُ))، يعني: أصحابَ مذهبنا، وقال "الزيلعيُّ)(١): ((والعادةُ به جاريةٌ في تعظيمِ الأكابرِ، والمنكرُ
لذلك مُكابرٌ)، قال في "البحر"(٢): ((لكنَّه يفعلُهُ على وجهٍ لا يحصلُ منه صدمٌ أو وطءٌ لأحدٍ)).
مطلبٌ في حكم المجاورة بمكّة والمدینة
( تنبيةٌ )
في كلامِهِ إشارةٌ إلى أَنَّه لا يُحاوِرُ بمكَّةً، ولهذا قال في "المجمع": ((ثمَّ يعودُ إلى أهله،
والمجاورةُ بمكَّةَ مكروهةٌ))، أي: عنده خلافاً لهما، وبقوله قال الخائفون المحتاطون من العلماء كما
في "الإحياء"(٣)، قال: ((ولا يُظَنَّ أنَّ كراهة القيام تُناقِضُ فضلَ البقعة؛ لأنَّ هذه الكراهةَ علَّتُها ضعفُ
الخلق وقصورُهم عن القيام بحقِّ الموضِعِ))، قال في "الفتح"(٤): ((وعلى هذا فيجبُ كونُ الجوار في
المدينة المشرَّفة كذلك، يعني: مكروهاً عنده، فإِنَّ تضاعُفَ السيِّئَات أو تعاظمَها إِنْ فُقِدَ فيها فمخافةُ
السآمةِ وقلَّةِ الأدبِ المفضي إلى الإخلال بوجوبِ التوقير والإجلال قائمٌ)) اهـ "نهر "(٥).
مطلبٌ في مضاعفةِ الصَّلاة بمكّة
( تتمَّةٌ)
قال السيِّد "الفاسي" في "شفاء الغرام"(٦): ((يتحصَّلُ من طرقِ حديث "ابن الزبير "(٧)
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧/٢ .
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧٨/٢ .
(٣) "الإحياء": كتاب أسرار الحج - فضيلة المقام بمكة حرسها الله تعالى وكراهيته ٣٦٤/١.
(٤) "الفتح": كتاب الحج - مسائل منثورة ٩٤/٣ .
(٥) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق ١٤٠/ب.
(٦) "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام": الباب الخامس في ذكر الأحاديث الدّالة على أنَّ مكة المشرفة أفضل من غيرها من
البلاد ٨٠/١. لأبي الطيب محمد بن أحمد بن علي، تقي الدين المكي الحسني المالكي (ت٨٣٢هـ). ("كشف
الظنون" ١٠٥١/٢، "الضوء اللامع" ١٨/٧، "الأعلام" ٣٣١/٥).
(٧) أخرجه أحمد في "مسنده" ٥/٤، وتقدَّم تخريجه من طريق أبي هريرة ٩٤/٣، و٢٠٥/٤.
قسم العبادات
١٥٤
حاشية ابن عابدين
٦
ثلاث روایاتٍ:
إحداها: أنَّ الصلاة في المسجد الحرام تفضُلُ على الصلاة بمسجدِ المدينة بمائةٍ صلاةٍ.
الثانيةُ: بألفِ صلاةٍ.
الثالثةُ: بمائةٍ ألفِ صلاةٍ كما في "مسند الطيالسيِّ" و"إتحافِ ابن عساكر"(١)، وعلى الثالثةِ
حسَبَ "النقَّش" المفسِّرُ الصلاةَ بالمسجد الحرام، فبلَغَتْ صلاةٌ واحدةٌ فيه عمرَ مائتي سنةٍ وخمسين
سنةً(٢) وستَّةٍ أشهرٍ وعشرين ليلةً، والصلواتُ الخمس عمرَ مائتي سنةٍ وسبعٍ وسبعين سنةً وتسعةٍ
أشهرٍ وعشرٍ ليالٍ، قال "السيِّد": ورأيتُ لشيخنا "بدر الدِّين بن الصاحبِ المصريِّ)(٣): أنَّ
الصلاة فيه فُرادى بمائة ألفٍ، وجماعةٌ بألفي ألفٍ وسبعِمائة ألفٍ، والصلواتُ الخمس فيه بثلاثةً
(قولُهُ: حسَبَ "النقَّشُ" المفسِّرُ الصلاةَ بالمسجد الحرام فَبَلَغَتْ صلاةٌ واحدةٌ فيه عمرَ مائتي سنةٍ وخمسين
سنةً وسنّةٍ أشهرٍ وعشرين ليلةً إلخ) في "القسطلاَّنيِّ" على "البخاريّ" من باب فضل الصلاة في مسجد مكَّة
والمدينة نقلاً عن "النقَّاش" المفسِّر ما نصُّهُ: ((حَسَبتُ الصلاةَ في المسجد الحرام، فبلَغَتْ صلاةٌ واحدةٌ بالمسجد
الحرام عمرَ خمسٍ وخمسين سنةً )) إلى آخر ما ذكرَهُ "المحشِّي"، وزادَ قبل عبارة "ابن الصاحب" ما نصُّهُ:
((وهذا مع قَطْعِ النّظر عن التَّضعيف بالجماعة، فإِنَّها تزيدُ سبعاً وعشرين درجةً كما مرَّ)) اهـ.
ثمَّ رأيتُ في "تبين المحارم" من فصلِ حكمِ المقام بمكّة ما نصُّهُ: ((قال "أبو بكر النقّاش": حسبتُ
ذلك فبلَغَتْ صلاةٌ واحدةٌ في المسجد الحرام عمرَ خمسٍ وخمسين سنةً وسنّةٍ أشهرٍ وعشرين ليلةً، وصلاةُ
يومٍ وليلةٍ - وهي خمسُ صلواتٍ - عمرَ مائتي سنةٍ وسبعٍ وسبعين سنةً وتسعةِ أشهرٍ وعشرٍ ليالٍ )) اهـ.
(١) اسمه كاملاً: "إتحاف الزائر وإطراف المقيم للسائر"، لأبي اليمن عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن عساكر
الدمشقي ثم المكي، وهو حفيد ابن أخي الحافظ المؤرخ ابن عساكر (ت٦٨٦هـ)، وقيل: (٦٨٧هـ). ("كشف
الظنون" ٦/١، "فوات الوفيات" ٣٢٨/٢، "الأعلام" ١١/٤).
(٢) صواب العبارة: ((عمر خمس وخمسين سنةً ... ))، وانظر "تقريرات الرافعيّ" في هذا الموضع .
(٣) أحمد بن محمد بن أحمد، بدر الدين المصري الشافعي، المعروف بابن الصاحب (ت٧٨٨هـ). ("الدرر الكامنة"
٢٤٨/١، "معجم المؤلفين" ٢٤٨/١).
الجزء السابع
١٥٥ -
فصل في الإحرام
(وسقَطَ طواف القدومِ عمَّن وقَفَ بعرفةَ ساعةً قبل دخولِ مكَّةَ، ولا شيءَ عليه
بتركِهِ) لأنّه سنّةٌ،
عشرَ ألفَ ألفٍ وخمسِمائةٍ صلاةٍ، وصلاةُ الرَّجُل منفرداً في وطنه غيرَ المسجدين المعظّمين كلُّ مائةٍ
سنةٍ شمسيَّةٍ بمائة ألفٍ وثمانين ألفَ صلاةٍ، وكلُّ ألفِ سنٍ بألفِ ألفِ صلاةٍ وثمانِمائةِ ألفِ
صلاةٍ، فتلخَّصَ أنَّ صلاةً واحدةً جماعةً في المسجد الحرام يفضُلُ ثوابُها على ثوابٍ [٢/ق٤٠٧/أ]
مَنْ صَلَّى في بلده فُرادى حتَّى بَلَغَ عُمُرَ نوحٍ عليه السلام بنحوِ الضَّعف)) اهـ.
ثُمَّ ذكَرَ (١): ((أَنَّ للعلماءِ خلافاً في هذا الفَضْلِ: هل يعُمُّ الفرضَ والنَّقْلِ، أو يختصُّ بالفرضِ؟
وهو مقتضى مشهورِ مذهبنا - أي: المالكيَّةِ - ومذهبِ الحنفيّةِ، والتعميمُ مذهبُ الشافعيَّةِ، واختُلِفَ
في المرادِ بالمسجد الحرام، قيل: مسجدُ الجماعة، وأَيَّدَهُ "المحبُّ الطبريُّ(٢)، وقيل: الحرمُ كلُّهُ،
وقيل: الكعبةُ خاصَّةً، وجاءت أحاديثُ تدلُّ على تفضيلٍ (٣) ثواب الصوم وغيره من القربات مكَّةً،
١٨٧/٢ إلَّّ أَنَّها في الُّبوتِ ليست كأحاديثِ الصلاة فيها)) اهـ باختصارِ.
وذكَرَ "ابن حجرٍ" في "النّحفة" (٤): ((أَنّ صَحَّ في الأحاديثِ بتكريرِ الأَلْف ثلاثاً))، كذا كَتَبَهُ
بعضُ المحشِّين، وذكَرَ "البيري" في "شرح الأشباه" في أحكام المسجد: ((أنَّ المشهور عند أصحابنا
أنَّ التضعيف يعُمُّ جميعَ مَكَّةَ، بل جميعَ حرمٍ مَكَّةَ الذي يحرُمُ صيدُهُ كما صحَّحَهُ "النوويُّ)).
[١٠٢٤٩] (قولُهُ: وسقَطَ طواف القدوم إلخ) هذه مسائلُ شتَّى عنوَنَ لها في
"الهداية"(٥) و"الكنز"(٦) بـ ((فصل))، وذكَرَ في "البحر"(٧): ((أنَّ حقيقة السُّقوط لا تكونُ
:(١) "شفاء الغرام": ٨٢/١.
(٢) في كتابه المسمى: "القرى لقاصد أم القرى": الباب الأربعون في فضل الحرمين وبيت المقدس - ما جاء في إطلاق
المسجد الحرام على الحرم كله صـ٦٠٨ -.
(٣) في "ب": ((على أن تفضيل إلخ)).
(٤) "تحفة المحتاج بشرح المنهاج": كتاب الحج - باب دخول الحرم ٦٥/٤.
(٥) "الهداية": كتاب الحج - فصل ١٥١/١ .
(٦) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الحج - فصل: ومن لم يدخل مكة إلخ ١١٨/١.
(٧) "البحر": كتاب الحج - فصل: ومن لم يدخل مكة إلخ ٣٧٩/٢.
قسم العبادات
١٥٦
حاشية ابن عابدين
وأساءَ.
(ومَن وقَفَ بعرفةَ ساعةً) عُرْفِيَّةً وهو اليسيرُ من الزَّمان، وهو المَحْمَل عند إطلاق
الفقهاء (مِن زوالِ يومِها) أي: عرفةَ (إلى طلوعٍ فجرِ يومِ النَّحْرِ (١).
إلاَّ في اللازم(٢)، فهو هنا مجازٌ عن عدمٍ سنَّتِهِ في حقِّه إمَّا لأَنَّه ما شُرِعَ إلاَّ في ابتداءِ الأفعال،
فلا يكونُ سنَّةً عند التأخُّرِ ولا شيءً عليه بتركه؛ لأَنَّه سنّةٌ، وإمَّا لأنَّ طواف الزِّيارة أغنى عنه
كالفرض يُغني عن تحيَّةِ المسجد، ولذا لم يكن للعمرةِ طوافُ قدومٍ؛ لأنَّ طوافها أغنى عنه. قَّدَ
بطواف القدوم؛ لأنَّ القارن إذا لم يدخل مكَّةَ ووقَفَ بعرفاتٍ صار رافضاً لعمرته، فيلزمُهُ دمٌ
لرفضها وقضاؤها كما سيأتي في آخرِ القِران)) اهـ.
[١٠٢٥٠] (قولُهُ: وأساءَ) أي: لتركِهِ السنَّةَ، وقدَّمنا (٣) أنَّ الإساءة دون الكراهة،
أي: التحريميَّةِ.
[١٠٢٥١] (قولُهُ: عرفيَّةٌ) أي: في عُرفِ اللّغة، والأوضحُ أنْ يقول: لغويَّةً أو شرعيَّةً كما عبَّرَ
في "شرح اللباب"(٤).
[١٠٢٥٢] (قولُهُ: وهو اليسيرُ) ذكَّرَ الضميرَ مراعاةً لتذكيرِ الخبر.
[١٠٢٥٣] (قولُهُ: من زوالٍ إلخ) متعلّقٌ بمحذوفٍ صفةٍ لـ ((ساعةً)) لا بـ ((وقَفَ))؛ لفسادٍ
المعنى باعتبار الغاية، فتدبّر.
(١) في "د" زيادة: ((ومَنْ وقف في غير هذا الوقت لا يكون مدركاً إلاّ إذا اشتبه على الناس هلال ذي الحجة، وأكملوا
ذا القعدة ثلاثين، ثم تبيّن أنَّ اليوم الذي وقف فيه كان يومَ النحر جاز استحساناً، والقياس أن لا يجوز كما لو تبين
أنَّ يومهم يومُ التروية، كذا في "فتاوى قاضي خان". وإن لم يدرك عرفات حتى طلع الفجر من أوَّلِ يوم النحر فقد
فاته الحج، وسقط عنه أفعال الحج، ويتحوَّلُ إحرامه إلى العمرة، ويأتي بأفعال العمرة ويحل، ويجب عليه من قابل.
كذا في "شرح الطحاوي".
فائدة: الليالي تابعةٌ للأيام المستقبلة لا للأيام الماضية إلا في الحج، فإنها في حكم الأيام الماضية، "الفتاوى الهندية")).
(٢) في "د" زيادة: ((ولذا قال في "النهر": وعبارة "الوافي": ولم يطف للقدوم مَنْ لم يدخل مكة، ووقف بعرفة
أولى كما لا يخفى انتهى. ولأن السقوط يشعر بعدم الكراهة)).
(٣) المقولة [٩٨٥١] قوله: ((وبترك رفع الصوت بهما)).
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات ــ فصل في صفة الوقوف صـ١٣٦ -.