Indexed OCR Text
Pages 81-100
الجزء السابع
٧٧
فصل في الإحرام
المَتَّخَذَين في جدار المسجد (وصَعِدَ عليها وفعَلَ ما فعَلَهُ على الصَّفا، يفعلُ هكذا سبعاً ..
قلت: ونقلَهُ في "المعراج" عن "شرح الوجيز" وقال: ((إنَّ الميل كان على متنِ الطريق
في الموضع الذي يُبتدَأُ منه السَّعيُ، فكان يهدمُهُ السَّيلُ، فرفعوه إلى أعلى ركنِ المسجد،
ولذا سُمِّيَ معلّقاً، فوقَعَ متأخّراً عن ابتداءِ السَّعي بستّةٍ أذرعٍ؛ لأَنَّه لم يكن موضعٌ أليقُ منه،
والميلُ الثاني متَّصلّ بدارِ "العبّاس")) اهـ.
ونقَلَهُ في "الشرنبلاليَّة" (١) أيضاً وأقرَّهُ، ونقلَهُ بعضُ المحشِّين عن "منسك ابن العجميّ"(١)
و"الطرابلسيّ" و"البحر العميق" وغيرهم.
قلت: ولا يُنافيه قولُ المتون: ساعياً بين الميلين؛ لأنَّه باعتبارِ الأصل.
[١٠٠٣٤) (قولُهُ: المَتَّخَذَينِ) في نسخةٍ: ((المنحُوتَينِ)).
[١٠٠٣٥] (قولُهُ: وصَعِدَ عليها) أي: باعتبارِ الزَّمن الأوَّلِ، أَمَّا الآنَ فمَن وَقَفَ
على الدَّرجة الأُولى - بل على أرضها - يصدُقُ أنَّه طلَعَ عليها، "شرح اللباب"(٣).
[١٠٠٣٦] (قولُهُ: وفعَلَ ما فعَلَهُ(٤) على الصَّفا) أي: من الاستقبالِ - بأنْ يميل إلى يمينه أدنى
مَيْلٍ ليتوجَّهَ إلى البيت، وإلاَّ فالبيتُ لا يبدو اليومَ لِحَجْه بِالْبُنيان - ومن التكبيرِ والذِّكرِ والدعاءِ
المشتمل على الصلاة والثناء، "شرح اللباب" (٥).
(قولُهُ: ولا يُنافيه قولُ المتون: ساعياً بين الميلين؛ لأَنَّه باعتبارِ الأصل) الذي استقَرَّ عليه الأمرُ في هذا
الزَّمنِ وقبلَهُ جَعْلُ ميلين آخرين في جدارِ المسجد علامتين لموضعِ الهرولة في مَمَرِّ بطنِ الوادي،
لكنَّ ظاهر تعبيرِ "السنديّ" عمَّ ذكرَهُ "المحشِّي" بـ ((قيل)) أنَّه قولٌ آخرُ مقابلُهُ ما اعتمَدَهُ المتون، تأمَّل.
وقال قال الشيخ "علي القاري": ((والمذهبُ الصحيحُ أَنَّه إذا وصَلَ إلى الميلِ أو قُبَلَهُ شرَعَ في الإسراع
البالغ، وقيل: يَسعَى قبلَ الميلِ بستّةِ أذرعٍ)).
(١) "الشرنبلالية": كتاب الحج ٢٢٤/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) لم نقف له على ترجمة فيما بين أيدينا من المصادر.
(٣) انظر "إرشاد الساري": باب السعي بين الصفا والمروة صـ١١٧ -.
(٤) في "ب": ((ما فعل)) بلا هاء الضمير .
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب السعي بين الصفا والمروة صـ١١٧ -.
قسم العبادات
٧٨
حاشية ابن عابدين
يَبْدَأُ بالصَّفَا وَيَخْتِمُ) الشَّوطَ السَّابِعَ (بالمروةِ) فلو بدأ بالمروةٍ لم يُعتَدَّ بالأوَّلِ،
هو الأصحُّ، ونُدِبَ خَتْمُهُ بركعتين في المسجد كخَتْمِ الطَّوافِ.
[١٠٠٣٧] (قولُهُ: يبدأُ بالصَّفا إلخ) فيه إشارةٌ إلى أنَّ الذَّهاب إلى المروةِ شوطٌ، والعَوْدَ منها
إلى الصَّفا شوطٌ، وهو الصحيحُ، وقال "الطحاويُّ(١): ((إنَّ الذهاب والعَوْدَ شوطٌ(٢) واحدٌ
كالطواف، فإنَّه من الحجَرِ إلى الحجَرِ شوطٌ))، وتمامُّهُ في "الفتح"(٣) وغيره.
[١٠٠٣٨) (قولُهُ: فلو بدَأَ بالمروةِ إلخ) قدَّمنا (٤) الكلامَ عليه في الواجبات.
[١٠٠٣٩] (قولُهُ: وَنُدِبَ إلخ) ذكرَهُ في "الخانَّةُ"(٥) وغيرها، وقولُهُ: ((كخَتْمِ الطواف)) أي (٦):
ليكونَ ختمُ السَّعي كختمِ الطواف كما أنَّ مبدأهما بالاستلام، قال في "الفتح(٧): ((ولا حاجةً
إلى هذا القياسِ؛ إذ فيه نصٌّ، وهو ما رَوَى "المطّلب بنُ أبي وداعةً" قال: ((رأيتُ رسول الله وَّ
١٧١/٢ حين فرَغَ من سعيه جاءً، حتَّى إذا حاذَى الرُّكنَ فصلَّى ركعتين [٢/ق٣٨٨/ب] في حاشية المطاف
وليس بينه وبين الطائفين أحدٌ )) رواه "أحمد" و"ابن ماجه" و"ابن حبَّان"(٨)، وقال في روايته:
(١) "مختصر الطحاوي": كتاب الحج - باب ذكر ما يعمل عند الميقات صـ٦٣ -.
(٢) من ((منها إلى الصفا)) إلى ((شوط)) ساقط من "آ".
(٣) انظر "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٢/٢.
(٤) المقولة [٩٦٨٦] قوله: ((في الأصح)).
(٥) "الخانية": كتاب الحج - فصل في كيفية الحج ٢٩٣/٢ (هامش "الفتاوى الهندية"). وعبارتهُ في "شرح الجامع
الصغير" أظھرُ في إفادة الندب ١/ق ٦٥/ب.
(٦) ((أي)) ساقطة من "ب" و"م".
(٧) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٣/٢.
(٨) أخرجه أحمد ٣٩٩/٦، وعبد الرزاق (٢٣٨٧) كتاب الصلاة - باب: لا يقطع الصلاةَ شيءٌ بمكّة، والنّسائيّ
٢٣٥/٥ كتاب المناسك - باب: أين يصلّ ركعَتَي الطواف؟ و٦٧/٢ كتاب الصلاة - باب الرخصة في المرور بين
يدي المصلّي، وابن ماجه (٢٩٥٨) كتاب المناسك - باب الركعتين بعد الطواف، والطحاوي في "شرح معاني
الآثار" ٤٦١/١ كتاب الصلاة - باب المرور بين يدي المصلّ، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢٧٣/٢ كتاب الصلاة
- باب من صلّى إلى غير سترة، وابن حبان (٢٣٦٣) كتاب الصلاة - باب ما يكره للمصلّي وما لا يكره.
الجزء السابع
٧٩
فصل في الإحرام
(ثمَّ سكَنَ بمكّةَ مُحْرِماً)
(( رأيتُ رسول الله وَّ يصلّي حَذْوَ الرُّكنِ الأسود والرِّجالُ والنساءُ يَمُرُّون بين يديه ما بينهم
وبينه سترةٌ)(١))، وتمامُهُ فِيه(٢).
مطلبٌ في عدم منع المارِّ بين يدي المصلِّي عند الكعبة
( تنبيةٌ )
[١٨٧٩] قال العلاّمة "قطب الدين" في "منسكه": ((رأيتُ بخطّ بعض تلامذةِ "الكمال
ابن الهمام" في حاشية "الفتح": ((إذا صلَّى في المسجدِ الحرامِ ينبغي أنْ لا يمنعَ المارَّ لهذا الحديثِ،
وهو محمولٌ على الطائفين؛ لأنَّ الطواف صلاةٌ، فصار كمن بين يديه صفوفٌ من المصلِّين)) اهـ.
وقال: ((ثمَّ رأيتُ في "البحر العميق": حَكَى "عزُّ الدِّين بنُ جماعةَ"(٣) عن "مشكلات الآثار"
لـ "الطحاويِّ"(٤): أنَّ المرور بين يدي المصلِّي بحضرة الكعبةِ يجوزُ)) اهـ.
قلت: وهذا فرعٌ غريبٌ، فليحفظ.
[١٠٠٤٠) (قولُهُ: ثمَّ سكَنَ بمكّةَ مُحرِماً) إنما عبَّرَ بالسُّكنى دون الإقامةِ لإِيهامها الإقامةَ
الشرعيَّة، وهي لا تصحُّ؛ لِما في "البحر "(٥) من باب صلاة المسافر: ((إذا دخَلَ الحاجُّ مكَّةَ
(قولُهُ: تنبية: قال العلاّمةُ "قطب الدِّين" في "منسكه" إلخ) الذي تقدَّمَ في مكروهات الصلاة كراهةُ المرور
بين يدي المصلّي في موضعٍ سجوده في مسجدٍ كبيرٍ، وهو ما كان ستّن ذراعاً في ستِين، فإذا كان المسجدُ
الحرام كذلك في زمنِهِ عليه السلام، ولم يكن المرورُ في موضع السُّجود لم يكن هذا الفرعُ غريباً.
(قولُهُ: إذا دخَلَ الحاجُّ مكّةَ فِي أَيَّامِ العَشْر) أو في خمسٍ وعشرين من ذي القعدة. اهـ "سندي".
(١) أخرجه ابن حبان (٢٣٦٤) كتاب الصلاة - باب ما يكره للمصلّي وما لا يكره. وأخرجه عبد الرزاق (٢٣٨٨)
كتاب الصلاة - باب: لا يقطع الصلاةَ شيءٌ بمكّة، وأبو داود(٢٠١٦) كتاب المناسك - باب في مكّة.
(٢) أي: "الفتح".
(٣) "هداية السالك": الباب العاشر في دخول مكّة المعظّمة - فصل: آداب المُكْث في مكّة ٩٤٥/٢ .
(٤) "شرح مشكل الآثار": ٢٥/٧ برقم (٢٦٠٩).
(٥) "البحر": كتاب الصلاة ١٤٣/٢.
قسم العبادات
٨٠
حاشية ابن عابدين
بالحجِّ، ولا يجوزُ فسخُ الحجِّ بالعمرة عندنا (وطافَ بالبيت نفلاً ماشياً) بلا رَمَلِ
وسَعْىٍ، ..
في أيَّامِ العَشْرِ، ونوى الإقامةَ نصفَ شهرٍ لا يصحُّ؛ لأَنَّه لا بدَّ له من الخروجِ إلى عرفاتٍ،
فلا يتحقَّقُ اتّحادُ الموضع الذي هو شرطُ صحَّةٍ نَيَّةِ الإقامةِ))، "ط))(١).
[١٠٠٤١] (قولُهُ: بالحجِّ) إنما ذكرَهُ وإنْ كان القارنُ والمتمتّعُ الذي ساقَ الهدي كذلك؛
لأنَّ الباب معقودٌ للمُفرِدِ، "ط"(٢).
[١٠٠٤٢) (قولُهُ: ولا يجوزُ إلخ) الأَولى التفريعُ بالفاء على قوله: ((مُحرِماً بالحجِّ) كما فعَلَ
في "البحر"(٣)، أي: لا يجوزُ أنْ يفسخَ نَّةَ الحجِّ بعدما أحرَمَ به، ويقطعَ أفعالَهُ ويجعلَ إحرامَهُ وأفعاله
للعمرةٍ، "لباب"(٤). وأمَّا أمرُهُ عليه الصلاة والسلام بذلك أصحابَهُ إلاَّ مَن ساق الهدي(٥)
فمخصوصٌ بهم أو منسوخٌ، "نهر"(٦). وقد أوضَحَ المقامَ المحقّقُ "ابن الهمام(٧).
(١٠٠٤٣] (قولُهُ: بلا رَمَلٍ وسعىٍ) لأنَّ الرَّمَل وكذا الاضطباعُ تابعان لطوافٍ بعده سعيّ،
والسَّعُيُ من واجباتِ الحجّ والعمرة فقط، وهذا الطوافُ تطوُّعٌ، فلا سعيَ بعده، قال
في "الشرنبلاليَّة(٨) عن "الكافي" (٩): ((لأنَّ التنفُّلَ بالسَّعيِ غيرُ مشروعٍ)).
(١) "ط": كتاب الحج - فصل في الإحرام ٥٠٠/١ .
(٢) "ط": كتاب الحج - فصل في الإحرام ٥٠٠/١ .
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٥٩/٢ .
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب في فسخ إحرام الحج والعمرة صـ١٩٩ -.
(٥) أخرجه أحمد ٤٦٩/٣، وأبو داود (١٨٠٨) كتاب الحج - باب الرجل يُهِلّ بالحجّ ثم يجعلها عمرة، والنّسائيّ
١٧٩/٥ كتاب المناسك - بابُ إباحةٍ فسخ الحجِّ بعمرةٍ لمن لم يَسُقِ الهَدْيَ، وابن ماجه (٢٩٨٤) كتاب المناسك -
باب من قال: کان فسخ الحج لهم خاصة، والدارميّ ٤٧٩/١ کتاب المناسك - باب في فسخ الحج.
(٦) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق ١٣٧/أ.
(٧) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٥/٢ - ٣٦٦.
(٨) "الشرنبلالية": كتاب الحج ٢٢٤/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٩) "كافي النسفي": كتاب الحج - فصل: وإذا أحرم بهما ١/ق ٨٣/ب.
الجزء السابع
٨١
فصل في الإحرام
وهو أفضلُ من الصَّلاةِ نافلةً للآفاقيِّ وَقَلْبُهُ للمكِّيِّ، وفي "البحر"(١): ((ينبغي تقييدُهُ
بِزَمَنِ الموسم، وإلاّ فالطَّوافُ أفضلُ من الصَّلاة مطلقاً)).
(وخطَبَ الإِمامُ).
[١٠٠٤٤) (قولُهُ: وهو) أي: الطوافُ.
[١٠٠٤٥] (قولُهُ: ينبغي تقييدُهُ) أي: تقييدُ كون الصلاةِ النافلةِ أفضلَ من طواف التطوُّعِ
في حقِّ المكْيِّ [٢/ق٣٨٩/أ] بزمنٍ الموسم لأجلِ التوسعةِ على الغرباء، وقولُهُ: ((مطلقاً))
أي: للمكِّيِّ والآفاقيِّ في غيرِ الموسم، وقد أقرَّهُ على هذا البحثِ في "النهر"(٢).
قلت: لكنْ يخالفه ما في "الولوالحيَّة"(٣)، ونصُّهُ: ((الصلاةُ بمكَّةَ أفضلُ لأَهلِها من الطوافٍ،
وللغرباءِ الطوافُ أفضل؛ لأنَّ الصلاة في نفسها أفضلُ من الطواف؛ لأنَّ النبيَّ وَّ شبََّ الطواف
بالبيتِ بالصلاة(٤)، لكنَّ الغرباء لو اشتغلوا بها لفاتَهم الطوافُ من غيرِ إمكانِ التدارُكِ، فكان
الاشتغالُ بما لا يمكنُ تدارُكُه أَولى)) اهـ.
(قولُهُ: لكنْ يخالفُهُ ما في "الولوالحيَّة") يؤيِّدُ ما في "الولوالحيَّة" ما رأيتُهُ في هامش "البحر" مكتوباً
على ما فَيَّدَ به كلامَهم ما نصُّهُ: ((في "الفوائد الظهيريَّة" عن شيخ الإسلام "خواهر زاده" قال: المكْيُّ
الصلاةُ له أفضلُ؛ لأنّه لا يفوتانه، والاشتغالُ بالصَّلاة - وهي عِمادُ الدِّين - أولى)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٠/٢.
(٢) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق١٣٧/أ.
(٣) "الولوالجية": كتاب الحج - الفصل الرابع في الوصية بالحج ق٤٣/أ.
(٤) أخرجه الترمذيّ (٩٦٠) كتاب الحج - باب ما جاء في الكلام في الطواف، وقال: وقد روي هذا الحديث عن
ابن طاووس وغيره عن طاووس عن ابن عباس مرفوعاً، ولا نعرفه مرفوعاً إلّ من حديث عطاء بن السائب
عن ابن عباس رضي الله عنهما. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" ٤٥٩/١ كتاب المناسك، وصحّحه ووافقه
الذّهبيّ، وقد وقفه جماعة، والدارميّ ٤٧٢/١ -٤٧٣ كتاب المناسك - باب الكلام في الطواف، والبيهقيّ في
"السنن الكبرى" ٨٧/٥ كتاب الحج - باب الطواف على الطهارة، كلَّهم من حديث ابن عباس رضي الله
عنهما مرفوعاً.
وأخرجه أحمد ٣٧٧/٥، والنّسائيّ ٢٢٢/٥ كتاب المناسك - باب إباحة الكلام في الطواف، عن طاووس، عن رجل =
قسم العبادات
٨٢
حاشية ابن عابدين
مطلبٌ: الصلاةُ أفضل من الطواف، وهو أفضلُ من العمرة
( تنبيةٌ )
في "شرح المرشديِّ" على "الكنز": ((قولهم: إنَّ الصلاة أفضلُ من الطواف ليس مرادُهم أنَّ
صلاة ركعتين مثلاً أفضلُ من أداءٍ أسبوعٍ؛ لأنَّ الأسبوع مشتملٌ على الرَّكعتين مع زيادةٍ،
بل مرادُهم به أنَّ الزَّمَن الذي يؤدِّي فيه أسبوعاً هل الأفضلُ فيه أنْ يَصرِفَهُ للطواف أم يشغلَهُ
بالصلاة؟)) اهـ.
ونظيرُهُ ما أجاب به العلاّمة القاضي "إبراهيمُ بن ظهيرةً" المكِّيُّ - حيث سُئِلَ: هل الأفضلُ
الطوافُ أو العمرة؟ - : ((مِن أنَّ الأرحج تفضيلُ الطواف على العمرة إذا شُغِلَ به مقدارَ زمنٍ
العمرة، إلاَّ إذا قيل: إنَّها لا تقعُ إلَّ فرض كفايةٍ فلا يكونُ الحكم كذلك)).
مطلبٌ في دخول البيت الشَّريف
( تتمَّةٌ )
سكَتَ "المصنّف" عن دخول البيت، ولا شكَّ أنّه مندوبٌ إذا لم يشتمل على إيذاءِ نفسه
أو غيره، وهذا مع الزَّحمة قلَّما يكونُ، "نهر"(١).
قلت: وكذا إذا لم يَشتمِلْ على دفع الرَّشوة التي يأخذُها الحجبةُ كما أشار إليه
"منلا علي"(٢)، وسيأتي(٣) تمامُ الكلام على الدُّخول عند ذكر "الشارح" له في الفروعِ آخرَ
الحجِّ.
- أدرك النّبيّ ◌َ/ *. وأخرجه النّسائيّ ٢٢٢/٥ كتاب المناسك - باب إباحة الكلام في الطواف. من حديث عبد الله بن
عمر رضي الله عنهما موقوفاً.
(١) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق١٣٧ /أ.
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب المتفرقات - فصل: يستحب دخول البيت صـ٣٣١ -.
(٣) المقولة [١١٠٧٧] قوله: ((إذا لم يشتمل إلخ)).
الجزء السابع
٨٣
فصل في الإحرام
أُولِى خُطَبِ الحجِّ الثَّلاثِ (سابعَ ذي الحِجَّةِ بعد الزَّوالِ و) بعدَ (صلاةِ الظُّهر)
وكُرِهَ قبلَهُ (وعَلَّمَ فيها المناسكَ، فإذا صلَّى مكَّةَ الفجرَ) يومَ التّرويةِ (ثامنَ الشَّهرِ
خرَجَ إلى مِنى) قريةٌ من الحَرَمِ على فرسخٍ من مكّةً.
[١٠٠٤٦] (قولُهُ: أُولى خطبِ الحجِّ الثلاثِ) ثانيها بعرفة قبل الجَمْع بين الصلاتين، ثالثُها منى
في اليومِ الحادي عشرَ، فَيَفصِلُ بين كلِّ خطبةٍ بيومٍ، وكلُّها خطبةٌ واحدةٌ بلا جلسةٍ في وسطِها
إلاَّ خطبةَ يومٍ عرفةً، وكلُّها بعدما صلَّى الظهرَ إلاّ بعرفةَ، وكلُّها سنّةٌ، "لباب" (١). ولم يذكر
"المصنّفُ" ولا "الشارحُ" الخطبةَ الثالثة في موضعها.
[١٠٠٤٧] (قولُهُ: وكُرِهَ قبله) أي: قبلَ الزَّوال، "سراج".
[١٠٠٤٨] (قولُهُ: وعلَّمَ فيها المناسكَ) أي: التي يُحتاجُ إليها يومَ عرفةً من كيفيَّةِ الإِحرام،
والخروجِ إلى منى، والمبيتِ بها، والرَّواحِ منها إلى عرفةَ، والصلاةِ [٢/ق٣٨٩/ب] بها، والوقوفِ
فيها، والإفاضةِ منها وغيرِ ذلك، أو جميعَ ما يَحتاجُ إليه الحاجُّ إلى تمامٍ حجِّهِ وإن كان بعدها
خطبٌ؛ لأنَّ التأكيد خيرٌ.
[١٠٠٤٩) (قولُهُ: فإذا صلَّى بمكّةَ الفجرَ إلخ) كذا في "الهداية"(٢)، وقال "الكمال(٣): ((ظاهرٌ
هذا الترتيبِ إعقابُ صلاة الفجر بالخروجِ إلى منى، وهو خلافُ السنّة))، واستحسَنَ في "المحيط"
كونَهُ بعد الزَّوال، وليس بشيءٍ، وقال "المرغينانيُ) (٤): ((بعد طلوعِ الشَّمس))، وهو الصحيحُ.
[١٠٠٥٠) (قولُهُ: يومَ التَّرويةِ) سُمِّي به لأَنَّهم كانوا يَروُون إبلَهم فيه استعداداً للوقوف يومَ
عرفة؛ إذ لم يكن في عرفاتٍ ماءٌ جارٍ كزماننا، "شرح اللباب" (٥).
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الخطبة صـ١٢٥-١٢٦ -.
(٢) "الهداية": كتاب الحج - باب الإحرام ١٤٣/١.
(٣) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٨/٢ .
(٤) "الهداية": كتاب الحج - باب الإحرام ١٤٣/١.
(٥) انظر "إرشاد الساري": فصل في الرواح صـ ١٢٦ -.
قسم العبادات
٨٤
حاشية ابن عابدين
(ومكّثَ بها إلى فجرِ عرفةً ثمَّ) بعدَ طلوع الشَّمس.
( فائدةٌ )
في "مناسكِ النوويّ"(١): ((يوُ التّروية هو الثامنُ، واليومُ التاسع عرفةُ، والعاشرُ النَّحْرُ،
والحادي عشرَ القَرُّ بفتح القاف وتشديد الرَّاءِ؛ لأَنَّهم يَقِرُّون فيه بمنى، والثاني عشرَ يومُ النّفْر
الأَوَّلُ، والثالثَ عشر النّفْرُ الثاني)).
[١٠٠٥١] (قولُهُ: ومكَثَ بها إلى فجرِ عرفةَ) أفادَ طلبَ المبيت بها؛ فإنَّه سنّةٌ كما
١٧٢/٢ في "المحيط"، وفي "المبسوط"(٢): ((يُستحَبُّ أنْ يصلّي الظهر يومَ التَّروية بمنى، ويقيمَ بها
إلی صبيحة عرفة)) اهـ.
ويصلّي الفجرَ بها لوقتها المختار، وهو زمانُ الإسفار، وفي "الخانَيَّةَ"(٣): ((يغَلَسٍ))، فكأنّه
قاسَهُ على فجرِ مزدلفةَ، والأكثرُ على الأوَّلِ، فهو الأفضلُ، "شرح اللباب"(٤). وفي "مناسك
النوويّ(٥): ((وأمَّا ما يفعلُهُ الناس في هذه الأزمانِ من دخولهم أرضَ عرفاتٍ في اليوم الثامنِ فخطأً
مُخالِفٌ للسنَّةِ، ويَقُوتُهم بسببه سننٌ كثيرةٌ، منها الصلواتُ بمنى، والمبيتُ بها، والتوجُّهُ منها
إلى نَمِرةَ، والّزُولُ بها، والخطبةُ، والصلاةُ قبل دخول عرفاتٍ وغيرُ ذلك)) اهـ. وقولُهُ: ((والتوجُّهُ
منها إلى نَمِرةَ، والّزولُ بها))(٦) فيه عندنا كلامٌ يأتي(٧) قريباً.
[١٠٠٥٢] (قولُهُ: ثمَّ بعدَ طلوعِ الشَّمس) لَمَّا كانت عبارةُ "المصنّف" مُوهِمةً كعبارة
(١) انظر "حاشية الهيتمي على إيضاح النووي": الباب الثالث في دخول مكة ـــ الفصل الرابع في الوقوف بعرفات
صـ٣٩- باختصار .
(٢) "المبسوط": كتاب المناسك - باب الخروج إلى منى ٥٢/٤ .
(٣) "الخانية": كتاب الحج - فصل في كيفية أداء الحج ٢٩٣/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في الجمع بين الصلاتين بعرفة صـ١٣١ --.
(٥) انظر "حاشية الهيتمي على إيضاح النووي": الباب الثالث في دخول مكة - الفصل الرابع في الوقوف بعرفات صـ٤٠ -.
(٦) من ((والخطبة)) إلى ((النزول بها)) ساقط من "الأصل".
(٧) المقولة [١٠٠٥٨] قوله: ((فبعد الزوال خطب إلخ)).
الجزء السابع
٨٥
فصل في الإحرام
(راحَ إلى عرفاتٍ)
"الكنز"(١) خلافَ المرادِ قَيَّدَها بذلك تبعاً لـ "الفتح"(٢) وغيره من شروح "الهداية"(٣)، قال في
"غاية البيان": ((صرَّحَ به في "شرح الطحاويّ" و"شرح الكرخيّ" و"الإيضاح" وغيرها، قال
في "الإيضاح": وإِذا طلَعَتِ الشَّمسُ يوم عرفةَ خرَجَ إلى عرفاتٍ؛ لأَنّ عليه الصلاة والسلام فعَلَ
كذلك(٤)، ثمَّ قال: وإنْ دفَعَ قبله جازَ، والأوَّلُ أَولى)) اهـ. ومثلُهُ في "السِّراج"، فافهم.
مطلبٌ في الرَّواح إلى عرفاتٍ
[١٠٠٥٣] (قولُهُ: راحَ إلى عرفاتٍ) قال في "المعراج": ((ويَنزِلُ بعرفاتٍ [٢/ ق ٣٩٠/أ]
في أيِّ موضعٍ شاءَ إلاَّ الطريقَ، وقربُ جبل الرَّحمة أفضلُ، وقال "الأئمّة الثلاثة": في نَمِرةً
أفضلُ؛ لنزوله عليه الصلاة والسلام فيه(٥)، قلنا: نَمِرةُ من عرفةَ، ونزولُهُ عليه الصلاة والسلام
فیہ لم یکن عن قصدٍ)) اهـ.
وهذا مخالفٌ لِما في "الفتح"(٦): ((من أنَّ السنّة أنْ ينزلَ الإِمامُ بنمرةً، ولِما نقلوه عن الإمام
(١) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الحج - باب الإحرام ١١٤/١.
(٢) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٨/٢.
(٣) "العناية" و"الكفاية": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٩/٢ (هامش "فتح القدير")، و"البناية": ٩٥/٤.
(٤) أخرجه مسلم(١٢١٨) كتاب الحج - باب حجّة النّبيّ گڭ، وأبو داود(١٩٠٥) کتاب المناسك - باب صفة حجّ
النبيّ ◌َّ، وابن ماجه (٣٠٧٤) كتاب المناسك - باب حجّة رسول اللـه لَ ﴾، والدارميّ ٤٧٣/١ كتاب المناسك -
باب في سنّة الحاجّ.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٤٢٣/٤-٤٢٦ كتاب الحج - باب من كان يأمر بتعليم المناسك،
ومسلم (١٢١٨) كتاب الحج - باب حجة النّبيّ ﴿، وابن حبان (٣٩٤٤) كتاب الحج - باب ما جاء في حجِّ
النبي ◌ُ ◌ّ واعتماره، من حديث جابر بن عبد الله خليته الطويل.
وأخرجه أبو داود (١٩١٤) كتاب الحج - باب الرّواح إلى عرفة، وابن ماجه (٣٠٠٩) كتاب المناسك - باب المنزل
بعرفة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٦) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٩/٢.
قسم العبادات
٨٦
حاشية ابن عابدين
على طريقٍ ضَبِّ.
(و) عرفاتٌ (كلُّها موقفٌ إلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ) بفتحِ الرَّاء وضمِّها: وادٍ من الحرم غَرْبِي
مسجدٍ عرفةً (فَبَعْدَ الزَّوالِ قبلَ) صلاة (الظُّهر خطَبَ الإِمامُ) في المسجدِ (خُطبتين
كالجمعة وعلَّمَ فيها المناسكَ،
"رشيد الدِّين" من أَنّه ينبغي أنْ لا يدخل عرفةَ حتَّى ينزلَ بنَمِرةَ قريباً من المسجد إلى زوال
الشمس))، ووفّقَ في "شرح اللباب"(١): ((بأنَّ هذا بالنّسبةِ إلى الإمام لا غيره، أو بأنَّ النّزول أوَّلاً
بَنَمِرةَ ثُمِّ بقربِ جبل الرَّحمة))، تأمَّل.
[١٠٠٥٤) (قولُهُ: على طريقٍ ضَبٌ) بفتحِ الضاد المعجمة وتشديدِ الموحَّدة، وهو اسمٌ للجبلِ
الذي يلي مسجدَ الخَيْف، "شرح اللباب"(٢).
[١٠٠٥٥) (قولُهُ: كُلُّها موقِفٌ) بكسرِ القاف، أي: موضعُ وقوفٍ، "نهر "(٣).
[١٠٠٥٦] (قولُهُ: إلاَّ بطنَ عُرَنَةَ) فلا يصحُّ الوقوفُ بها على المشهورِ كما سيأتي (٤).
[١٠٠٥٧] (قولُهُ: بفتحِ الرَّاء) أي: مع ضمِّ العَين كَهُمَزَةٍ، "قاموس" (٥).
[١٠٠٥٨] (قولُهُ: فبعدَ الزَّالِ خَطَبَ إلخ) أي: فإذا وصَلَ إلى عرفةَ ومكث بها داعياً مصلّياً
ذاكراً ملِّياً، فإذا زالَتْ الشمسُ اغتسل أو توضَّأ - والغُسلُ أفضل - ثمَّ سار إلى المسجد - أي:
مسجدٍ نَمِرةَ - بلا تأخيرٍ، فإذا بلغَهُ صَعِدَ الإِمامُ الأعظمُ أو نائبُه المنبرَ، ويجلسُ عليه، ويُؤَذِّثُ المؤذِّثُ
بين يديه، فإذا فرَغَ قامَ الإِمام فخطَبَ خطبتين، فيحمدُ الله تعالى، ويُثني عليه، ويلِّي ويهلِّل
ويكِّرِ، ويصلّي على النبيِّمَ﴿، ويَعِظُ الناس، ويأمرُهم وينهاهم، ويعلِّمُهم المناسكَ كالوقوف بعرفةً
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات صـ ١٢٨ -.
(٢) انظر "إرشاد الساري": فصل في الرواح من منى إلى عرفات صـ١٢٨ -.
(٣) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق١٣٨/أ.
(٤) صـ ١٠١ - ١٠٢ - "در".
(٥) "القاموس": مادة ((عرن)).
الجزء السابع
٨٧
فصل في الإحرام
و) بعدَ الخطبة (صلَّى بهم الظُّهرَ والعصرَ بأذان وإقامتين).
والمزدلفةِ، والجمعِ بهما، والرَّمى، والذّبح، والحلق، والطواف وسائرِ المناسك التي إلى الخطبة الثالثة،
ثُمَّ يدعو الله تعالى ويَنْزِلُ، "لباب"(١). فإِنْ ترَكَ الخطبةَ، أو خطَبَ قبل الزَّوال أجزاَهُ وقد أساءَ،
"جوهرة"(٢). وقولُ "الزيلعيِّ)(٣): ((جازَ)) أي: صحَّ مع الكراهةِ، "شرنبلاليَّة"(٤).
[١٠٠٥٩) (قولُهُ: وبعدَ الخطبةِ صلَّى بهم) ظاهرُهُ عدم تأخيرِ الصلاة، وهو صريحُ قول
"البدائع"(٥): ((فإذا زالت الشمسُ صَعِدَ الإِمامُ المنبرَ، فإذا فرَغَ من الخطبة أقامَ المؤذِّنون
ويصلّي الإِمامُ إلخ))، ونحوُهُ في "اللباب"(٦)، وفي "البحر"(٧) عن "المعراج": ((أَنَّه يُؤخّرُ
هذا الجمعَ إلى آخرِ وقت الظهر))، ونحوُهُ في "شرح [٢/ق ٣٩٠/ب] قاضي خان" على
"الجامع الصغير"(٨)، قال في "شرح اللباب" (٩): ((وفيه أنَّه يلزمُ منه تأخيرُ الوقوف، ويُنافي
حديثَ "جابرٍ" رضي الله تعالى عنه: (( حتَّى إذا زاغت الشمسُ)) (١٠)، فإنَّ ظاهره أنَّ الخطبة
كانت في أوَّلِ الزَّوالِ، فلا تقعُ الصلاة في آخره)).
[١٠٠٦٠] (قولُهُ: بأذانٍ) أي: واحدٍ؛ لأنَّه للإعلامِ بدخول الوقت، وهو واحدٌ، وقوله:
((وإقامتين)) أي: يُقيمُ للظهرِ ثمَّ يصلِيها، ثمَّ يُقيمُ للعصر؛ لأنَّ الإقامة لبيانِ الشُّروع في الصلاة.
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في الجمع بين الصلاتين في عرفة صـ١٣٠ -.
(٢) "الجوهرة النيرة": كتاب الحج ١٩١/١.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب الإحرام ٢٣/٢ .
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الحج ٢٢٥/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأما بيان سنن الحج ١٥١/٢ بتصرف.
(٦) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في الجمع بين الصلاتين في عرفة صـ١٣٠ -.
(٧) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٣/٢ .
(٨) "شرح الجامع الصغير": كتاب الحج وما يتعلق به ١/ق ٦٥/ب.
(٩) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في الجمع بين الصلاتين في عرفة صـ١٣٠ -.
(١٠) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٤٢٣/٤-٤٢٦ كتاب الحج - باب من كان يأمر بتعليم المناسك، ومسلم
(١٢١٨) كتاب الحج - باب الرواح إلى عرفة.
قسم العبادات
٨٨
حاشية ابن عابدين
وقراءةٍ سَرِّيَّةٍ، ولم يُصَلِّ بينهما شيئاً على المذهب،.
[١٠٠٦١) (قولُهُ: وقراءةٍ سرّةٍ) لأَنّهما صلانا نهارٍ كسائرِ الأَيَّام، "سراج".
[١٠٠٦٢) (قولُهُ: ولم يُصَلِّ بينهما شيئاً) أي: ولا السنَّةَ الرَّاتبة، قال في "الباب"(١).
((وإنْ أخَّرَ الإِمامُ صلاةَ العصر لا يكرهُ للمأموم التطوُّعُ بينهما إلى أنْ يدخل الإمامُ في العصر)).
[١٠٠٦٣] (قولُهُ: على المذهبٍ) وهو ظاهرُ الرِّواية، "شرنيلاليّة(٢). وهو الصحيحُ، فلو فعَلَ
كُرِهَ وأعادَ الأذانَ للعصر لانقطاعٍ فَوْرِهِ، فصارَ كالاشتغال بينهما بفعلٍ آخرَ، "بحر (٣). أي: كأكلٍ
وشربٍ، فإنّه يعيدُ الأذانَ، "سراج". وما في "الذخيرة" و"المحيط" و"الكافي"(٤) من استثناءِ سنّةٍ
الظهر فخلافُ الحديثِ وإطلاقِ المشايخ، "فتح"(٥).
( تنبيه )
أخَذَ من هذا العلاَّمةُ السيِّد "محمَّد صادق بن أحمدَ بادشاه"(٦): ((أَنَّه يَتْرُكُ تكبيرَ التشريق هنا
وفي المزدلفةِ بين المغرب والعشاء لمراعاةِ الفوريَّة الواردة في الحديث)) كما نقّلَهُ عنه "الكازرونيُّ"
في "فتاواه"(٧).
قلت: وفيه نظرٌ، فإِنَّ الوارد في الحديث: ((أَنَّهِوَ﴿ صلَّى الظهرَ ثُمَّ أقام فصلَّى العصر
ولم يُصَلِّ بينهما شيئاً))(٨)، ففيه التصريحُ بترك الصلاة بينهما، ولا يلزمُ منه تركُ التكبير، ولا يقاسُ
على الصلاةِ لوجوبه دونها، ولأنَّ مدَّتَهُ يسيرةٌ، حتَّى لم يُعَدَّ فاصلاً بين الفريضةِ والرَّاتبة،
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في الجمع بين الصلاتين في عرفة صـ١٣١ -.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الحج ٢٢٦/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٢/٢ .
(٤) "كافي النسفي": كتاب الحج - فصل: وإذا أحرم بهما ١/ق ٨٣/ب.
(٥) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٧١/٢.
(٦) لم نقف له على ترجمة فيما بين أيدينا من المصادر.
(٧) لم نقف له على ترجمة فيما بين أيدينا من المصادر.
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٤٢٥/٤ كتاب الحج - باب من كان يأمر بتعليم المناسك، وروايته: (( ثم أقام
الظهر والعصر، ولم يصلِّ بينهما شيئاً))، ومسلم (١٢١٨) كتاب الحج - باب الرواح إلى عرفة.
الجزء السابع
٨٩
فصل في الإحرام
ولا بعدَ أداءِ العصر في وقت الظُّهر.
(وشُرِطَ) لصحَّةِ هذا الجمعِ.
والحاصلُ أنَّ التكبير بعد ثبوتٍ وجوبه عندنا لا يَسقُطُ هنا إلاَّ بدليلٍ، وما ذُكِرَ لا يصلحُ للدلالة
كما علمتَهُ، هذا ما ظهَرَ لي، والله تعالى أعلم.
١٧٣/٢
[١٠٠٦٤) (قولُهُ: ولا بعدَ أداءِ العصرِ في وقت الظُّهر) سقَطَتْ هذه الجملةُ من بعض النسخ،
وعزاها في "الشرنبلاليَّة"(١) إلى "شرح الوهبانيَّة" لـ "ابن الشِّحنة"(٢).
مطلبٌ في شروط الجمع بين الصَّلاتین بعرفة
[١٠٠٦٥] (قولُهُ: وشُرِطَ لصحَّةٍ هذا الجمعِ إلخ) اختُلِفَ في هذا الجمعِ: هل هو سنةٌ
أو مستحبُّ؟ وما قيل: إنَّ تقديم العصر عند "الإِمام" وجَبَ لصيانة [٢/ق٣٩١/أ] الجماعةِ ينبغي
حمّلُهُ على معنى ثبَتَ، "شرح اللباب"(٣).
( تنبيةٌ )
اقتصَرَ من الشُّروط على الإمامِ والإِحرام، وزاد في "اللباب"(٤): ((تقديمَ الظهر
على العصر - حتَّى لو تبيَّنَ للإمام وقوعُ الظهرِ قبل الزَّوال أو بغير وضوءِ والعصرِ بعده
أو بوضوءِ أعادَهما جميعاً - والزمانَ وهو يومُ عرفة، والمكانَ وهو عرفةُ ومَا قَرُبَ منها،
والجماعةَ))، فالشُّروطُ سّةٌ.
قلت: لكنَّ الأخير داخلٌ في الأوَّلِ، فإنَّ معنى اشتراطِ الإِمام اشتراطُ صلاِهِ بهم لا وجودُهُ
فيهم، على أنَّ في "البحر"(٥) قال: ((إنَّ الجماعةَ غيرُ شرطٍ، حَتَّى لو لَحِقَ الناسَ فزعٌ فصلَّى الإمامُ
(قولُهُ: وما قيل: إنَّ تقديم العصر عند "الإِمام" وجَبَ لصيانة الجماعة ينبغي إلخ) لأنَّه يعسُرُ عليهم
الاجتماعُ بعد التفرُّقِ في الموقف، ولو قيل بوجوب هذا الجمعِ لأجل إقامة واجبِ الجماعة على القول
بوجوبها لا يبعُدُ إذا لم تتأتَّ إلاَّ به.
(١) "الشرنبلالية": كتاب الحج ٢٢٦/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الحج ق ٧١/ب.
(٣) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في شرائط جواز الجمع صـ١٣٣ -.
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في شرائط جواز الجمع صـ١٣٣ -.
(٥) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٢/٢ .
قسم العبادات
٩٠
حاشية ابن عابدين
(الإِمامُ) الأعظمُ أو نائبُهُ» ..
وحده الصلاتين جازَ بالإجماع على الصحيح، كذا في "الوجيز"))، ثمَّ نقَلَ عن "البدائع"(١):
((أنَّ الجماعة شرطُ الجَمْعِ عند "أبي حنيفة"، لكنْ في حقِّ غير الإمام لا في حقِّ الإِمام))،
ثُمَّ قال(٢): ((فما في "النقاية"(٢) و"الجوهرة"(٤) و"المجمع" من اشتراطِ الجماعة ضعيفٌ))، واعترضَهُ
في "النهر"(٥): ((بأَنَّه نقّلَهُ غيرُ واحدٍ، وصحَّحَهُ "الإسبيجابيُّ"، وبأنَّ الجواز في مسألةِ الفزع
للضَّرورة)) اهـ.
قلت: ما مرَّ عن "البدائع" يصلُحُ توفيقاً بين الكلامين والتصحيحين، فتدبَّر. ثمَّ يكفي إدراكُ
جزءٍ من الصلاتين مع الإمامِ، حتّى لو أدرَكَ بعد الظهر، ثمَّ قام يقضي ما فاتَهُ، ثمَّ أدرَكَ جزءًا(٦)
من العصرِ معه يكفي كما أفادَهُ في "البحر"(٧) و"اللباب"(٨).
[١٠٠٦٦) (قولُهُ: الإِمامُ الأعظمُ) أي: الخليفةُ، "بحر "(٩). وقولُهُ: ((أو نائبُهُ)) أي: ولو بعد
موتِ الإِمام، فإنَّه يَجمَعُ نائبُهُ أو صاحبُ شُرَطِهِ؛ لأنَّ النوَّابِ لا ينعزلون بموتِ الخليفة، "بحر"(١٠).
وأطلَقَ الإِمامَ فشملَ المقيمَ والمسافر، لكنْ لو كان مقيماً كإمامٍ مكَّةَ صلَّى بهم صلاةَ المقيمين،
ولا يجوزُ له القَصْرُ ولا للحجَّاجِ الاقتداءُ به، قال الإمام "الحلوانيُّ": ((كان الإمامُ "النسفيُّ))(١١)
(١) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأما بيان سنن الحج ١٥٣/٢ .
(٢) أي: صاحب "البحر".
(٣) انظر "شرح النقاية" للقاري: كتاب الحج - فصل القدوم والخروج لمنى وعرفات ٤٧٦/١ .
(٤) "الجوهرة النيرة": كتاب الحج ١٩١/١.
(٥) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق١٣٨/أ بتصرف .
(٦) في "الأصل" و"ب": ((جزاء))، وهو خطأ .
(٧) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٣/٢.
(٨) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في شرائط جواز الجمع صـ١٣٣ -.
(٩) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٢/٢.
(١٠) "البحر": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٦٢/٢ - ٣٦٣.
(١١) هو القاضي الإمام أبو علي النسفي كما في "التاتر خانية"، وتقدمت ترجمته ٥٧٠/٣.
الجزء السابع
٩١
فصل في الإحرام
وإلاَّ صَلَّوا وُجْداناً (والإِحرامُ) بالحجِّ (فيهما) أي: الصَّلاتين (فلا تجوزُ العصرُ
للمنفرِدٍ في إحداهما) فلو صلَّى وحدَهُ.
يقولُ: العجبُ من أهلِ الموقف يتابعون إمامَ مكّةً في القَصْر، فأنّى يُستجابُ لهم، أو يُرجَى لهم
الخير وصلاتُهم غيرُ جائزةٍ؟!))، قال "شمس الأئمَّةُ": ((كنتُ مع أهلِ الموقف، فاعتزلتُ وصلَّيتُ
كلَّ صلاةٍ في وقتها، وأوصيتُ بذلك أصحابي، وقد سمعنا أَنَّه يتكلَّفُ ويخرجُ مسيرةً سفرٍ،
ثُمَّ يأتي عرفاتٍ، فلو كان هكذا فالقصرُ جائزٌ، وإلاَّ لا، [٢/ق ٣٩١/ب] فيجبُ الاحتياط))
اهـ ملخَّصاً من "التتار خانيَّة"(١) عن "المحيط"(٢).
[١٠٠٦٧] (قولُهُ: وإلاَّ صَلَّوا وُحْداناً) يُوهِمُ جوازَ صلاة العصر في وقتِ الظهر، وعدمَ جواز
الجماعة لو صِّلِّيت العصرُ في وقتها، وليس بمرادٍ، فالأصوبُ قول "الزيلعيّ)(٣): ((صلَّوا كلَّ واحدةٍ
منهما في وقتها))، أفادَهُ "ح"(٤). ويمكن الجوابُ بأنَّ ((وُحْداناً)) حالٌ من مفعولِ ((صَلّوا)) لا من
فاعله، أي: صلَّوا الصلاتين وُحْداناً(٥)، أي: غيرَ مجموعاتٍ، بل كلَّ واحدةٍ في وقتها، غايتُهُ أنَّ فيه
إطلاق الجمع على ما فوقَ الواحد، فافهم.
[١٠٠٦٨] (قولُهُ: والإِحرامُ بالحجِّ فيهما) احترَزَ به عمَّ لو أحرَمَ بالعمرة فلا يجوزُ الجمع،
ولو أحرَمَ بالحجِّ قبل صلاة العصر كما لو لم يكن مُحرِماً، وأشارَ إلى أنَّ الشَّرط حصولُهُ عند أداء
الصلاتين ولو أُحرَمَ بعد الزَّوال في الأصحِّ، وفي روايةٍ: لا بدَّ من وجوده قبل الزَّوال كما
في "النهر"(٦)، وقولُهُ: ((فيهما)) متعلّقٌ بقوله: ((الإِمامُ))، وقولِهِ: ((الإحرامُ))، ولذا فرَّعَ
(قولُهُ: أو يُرجَى لهم والخيرُ صلاتُهم غيرُ جائزةٍ) أصلُ العبارة(٧): أو يُرجَى لهم الخيرُ، وصلاتُهم إلخ.
(١) "التاتر خانية": كتاب المناسك - الفصل الثالث في تعليم أعمال الحج ٤٥٤/٢ .
(٢) "المحيط البرهاني": كتاب المناسك - الفصل الثالث في تعليم أعمال الحج ١/ ق ١٧٠/ب.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب الإحرام ٢٤/٢ .
(٤) "ح": كتاب الحج - فصل ق ١٣٦/ب - ١٣٧/أ.
(٥) من ((حال)) إلى ((وحداناً)) ساقط من "آ".
(٦) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق١٣٧/ب.
(٧) أصل العبارة موافق للنسخ جميعها، فليعلم.
قسم العبادات
٩٢
حاشية ابن عابدين
لم يُصَلِّ العصرَ مع الإمام (ولا) تجوزُ العصرُ (لِمَن صلَّى الظَّهرَ بجماعةٍ) قبل إحرامِ
الحجِّ (ثُمَّ أحرَمَ إلاَّ في وقتِهِ) وقالا: لا يُشترَطُ لصحَّةِ العصرِ إلَّ الإحرامُ، وبه قالت
"الثلاثة"، وهو الأظهرُ، "شرنبلاليَّة" (١) عن "البرهان"
عليه "المصنّفُ" بقوله: ((فلا يجوزُ))، وقولِهِ: ((ولا لِمَن صلَّى إلخ)) على طريق اللفِّ والنشر المرّب.
[١٠٠٦٩] (قولُهُ: لم يُصَلِّ العصرَ مع الإمامِ) أي: بل يصلِّها في وقتها، ومثلُهُ ما لو صلَّى
الظهرَ فقط مع الإمام لا يصلّي العصرَ إلاّ في وقتها، "ح"(٢).
[١٠٠٧٠] (قولُهُ: قبلَ إحرامِ الحجِّ) بأنْ لم يُحرِمْ أصلاً، أو أحرَمَ بالعمرة فقط كما مرَّ(٣).
[١٠٠٧١] (قولُهُ: ثمَّ أحرَمَ) أي: بالحجِّ قبل أداءِ العصر، "ح)(٤).
[١٠٠٧٢) (قولُهُ: إلاَّ في وقتِهِ) أي: العصرِ، "ط" (٥).
[١٠٠٧٣] (قولُهُ: إلاَّ الإحرامُ) فهو شرطٌ متَّفقٌ عليه عندنا، والحصرُ بالإضافة إلى المذكور هنا،
أي: فلا يُشترَطُ عندهما الاقتداءُ بالإِمام أو نائبه، وإلاَّ فاشتراطُ الزَّمانِ والمكانِ وتقديمِ الظهر
على العصر متَّفقٌ عليه عندنا كما أفادَهُ في "شرح اللباب"(٦).
[١٠٠٧٤) (قولُهُ: وهو الأظهرُ لعلَّهُ من جهةِ الدليل، وإلاَّ فالمتونُ على قولِ "الإِمام"،
وصحَّحَهُ في "البدائع"(٧) وغيرها، ونقَلَ تصحيحَهُ العلاَّمة "قاسمٌ" عن "الإسبيجابي" وقال:
ش»(٩)
ـة"(٨) و"النسفي
((واعتمَدَهُ "برهان الشريعة"(
(١) "الشرنبلالية": كتاب الحج ٢٢٦/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "ح": كتاب الحج - فصل ق١٣٧/أ.
(٣) المقولة [١٠٠٦٨] قوله: ((والإحرام بالحج فيهما)).
(٤) "ح": كتاب الحج - فصل ق١٣٧/أ بتصرف .
(٥) "ط": كتاب الحج - باب الإحرام ٥٠٢/١ .
(٦) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في شرائط جواز الجمع صـ١٣٣ -.
(٧) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأما سنن الحج ١٥٤/٢.
(٨) انظر "شرح صدر الشريعة على الوقاية": كتاب الحج - باب الإحرام ١٣٣/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٩) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الحج - باب الإحرام ١١٤/١.
الجزء السابع
٩٣
فصل في الإحرام
(ثُمَّ ذهَبَ إلى الموقفِ بِغُسْلِ سُنَّ، ووَقَفَ الإِمامُ على ناقِتِهِ بِقُرْبِ جَبَلِ الرَّحِمة).
.
[١٠٠٧٥] (قولُهُ: ثمَّ ذهَبَ) أي: الإِمامُ مع القوم من مسجدٍ نَمِرةَ ((إلى الموقف))، أي: مكان
الوقوف بعرفة.
[١٠٠٧٦] (قولُهُ: بِغُسلٍ) متعلّقٌ بقوله: ((صلَّى)) وقولِهِ: ((ذهَبَ))، قال "القُهُستانيُ)(١): ((أي:
جَمَعَ بين الصلاتين، وذهَبَ إليه حالَ كونه مُغتسِلاً في وقتِ الجمع والذَّهاب، فيكونُ حالاً
من فاعلٍ جَمَعَ وذهَبَ، والأوَّلُ في "خزانة المفتين"، والثاني في "الكافي"(٢)) اهـ.
وقولُهُ: ((سُنَّ)) بالبناء للمجهول [٢/ق٣٩٢/أ] صفةُ ((غُسْلٍ)).
[١٠٠٧٧] (قولُهُ: ووقَفَ الإِمامُ على ناقِهِ) في "الخانَّةُ"(٣): ((والأفضلُ للإمام أنْ يقفَ راكباً،
ولغیرہ اُنْ یقفَ عنده)) اهـ.
وظاهرُهُ أنَّ الرُّكوب للإمام فقط، وهو مفهومُ كلام "المصنف" كـ "الهداية"(٤) و"البدائع"(٥)
وغيرها، ويؤيِّدُهُ قولُ "السِّراج": ((لأَنّه يدعو ويدعو الناسُ بدعائه، فإنْ كان على راحلتِهِ فهو أبلغُ
١٧٤/٢ في مشاهدتهم له)) اهـ.
لكنْ في "القُهُستانيِ)" (٦): ((الأفضلُ أن يكون راكباً قريباً من الإِمام)) اهـ. ومثلُهُ في متن
"الملتقى"(٧)، ونقَلَ بعضُهم عن "السِّراج" عن "منسك ابن العجميِّ": ((يكرهُ الوقوف على ظهرٍ
الداَبّة إلاَّ في حالِ الوقوف بعرفةَ، بل هو الأفضلُ للإمام وغيره)) اهـ. ولم أرَهُ في "السِّراج".
[١٠٠٧٨] (قولُهُ: بقربِ جبلِ الرَّحمة) أي: الذي في وسطِ عرفاتٍ، ويقال له: إِلالٌ كهلال،
(١) "جامع الرموز": كتاب الحج ٢٤٦/١ .
(٢) "كافي النسفي": كتاب الحج - باب الإحرام ١/ق ٨٤/أ.
(٣) "الخانية": كتاب الحج - فصل في كيفية أداء الحج ٢٩٤/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الهداية": كتاب الحج - باب الإحرام ١٤٤/١.
(٥) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأما بيان سنن الحج ١٥٤/٢ .
(٦) "جامع الرموز": كتاب الحج ٢٤٦/١ .
(٧) "ملتقى الأبحر": كتاب الحج - فصل: فإذا دخل مكة ٢١٥/١ .
قسم العبادات
٩٤
حاشية ابن عابدين
عند الصَّخَراتِ الكبارِ (مُستقبلاً) القبلةَ.
وأمَّا صعودُهُ كما يفعله العوامُّ فلم يَذكُر أحدٌ ممن يُعتَدُّ به فيه فضيلةً، بل حكمُهُ حكمُ سائر أراضي
عرفاتٍ، وادَّعى "الطبريُّ" و"الماورديُّ(١): ((أَنَّ مستحبٌ))، وردّهُ "النوويُّ)(٢): ((بأَنّه لا أصلَ
له؛ لأنّه لم يَرِدْ فيه خبرٌ صحيحٌ ولا ضعيفٌ))، "نهر"(٣).
[١٠٠٧٩] (قولُهُ: عند الصَّخَراتِ الكبارِ) أي: الحَجَراتِ السُّود المفروشة، فإنّها مَظِنَّةُ
موقفِ ◌َ﴿، "شرح اللباب"(٤). وفي "شرح الشيخ إسماعيل"(٥) عن "منسك الفارسيِّ"(٦): ((قال
قاضي القضاة "بدرُ الدين"(٧): وقد اجتهدتُ على تعيينِ موقفه ◌َ ﴿ه، ووافَقَني عليه بعضُ من يُعتمَدُ
عليه من محدِّني مكَّةَ وعلمائها حتّى حصَلَ الظنُّ بتعيينه وأَنَّه الفجوةُ المستعلية المشرفة على الموقف
التي عن يمينها وورائها صخرةٌ متّصلةٌ بصَخَرَاتِ الجبل، وهذه الفجوةُ بين الجبل والبناء المرَّع عن
يساره، وهي إلى الجبلِ أقربُ بقليلٍ بحيث يكونُ الجبل قُبالتَك بيمينٍ إذا استقبلتَ القبلة، والبناءُ
المربَّع عن يسارك بقليلٍ وراءَهُ)) اهـ. ونقلَهُ في "اللباب"(٨) أيضاً باختصارٍ.
قال القاضي "محمَّد عيد": ((والبناءُ المربَّعُ هو المعروفُ بمطبخٍ آدم، ويُعرَفُ بحذائه صخرةٌ مخروقةٌ
تتبعُ هي وما حولها من تلك الصَّخَرات المفروشة وما وراءها من الصِّخارِ السُّود المتّصلة بالجبل)).
(١) "الحاوي": كتاب الحج - باب دخول مكة - فصل: الجمع بين الصلاتين مسنون ١٧٢/٤.
(٢) "المجموع": كتاب الحج - باب صفة الحج والعمرة ١٣٥/٨.
(٣) "النهر": كتاب الحج - باب الإحرام ق١٣٨/أ بتصرف يسير.
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه ــ فصل في صفة الوقوف صـ١٣٤ -.
(٥) "الإحكام": كتاب الحج ٢/ق ١٧١/أ بتصرف .
(٦) هو أبو الحسن، علي بن بلبان بن عبد الله، علاء الدين الفارسيّ المصريّ، المنعوت بالأمير. (ت٧٣٩هـ)، وفي وفاته خلاف.
("كشف الظنون" ١٨٣٢/٢، وفيه: (("مناسك علاء الدين"))، "الجواهر المضية" ٥٤٨/٢، "الفوائد البهية" ص١١٨-).
(٧) في "منسكه" - كما في "الإحكام" - المسمى "المسالك في علم المناسك". وقاضي القضاة هو أبو عبد الله، محمد بن
إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، بدر الدين، المعروف بابن جماعة الكناني الحموي الشافعي (ت٧٣٣هـ). ("الدرر
الكامنة" ٢٨٠/٣ وما بعدها، "كشف الظنون" ١٦٦٣/٢).
(٨) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه ــ فصل في صفة الوقوف صـ١٣٦ -.
الجزء السابع
٩٥
فصل في الإحرام
(والقيامُ والنيّةُ فيه) أي: الوقوفِ (ليستْ بشرطٍ ولا واجبٍ، فلو كان جالساً جازَ
حُّهُ و) ذلك لأنَّ (الشَّرط الكينونةُ فيه) فصَحَّ وقوفُ مجتازٍ، وهاربٍ، وطالبٍ
غريٍ، ونائمٍ، ومجنونٍ، وسَكْرانَ.
[١٠٠٨٠) (قولُهُ: والقيامُ والنَّةُ) مبتدأً ومعطوفٌ عليه، وقولُهُ: ((فيه)) متعلّقٌ بكلِّ من القيامِ
والنّةِ، وقوله: ((ليست [٢/ق٣٩٢/ب] بشرطٍ)) خبرُ المبتدأ، والأولى أن يقول: ليسا بالتثنيةِ
وتغليبِ المذكَّر على المؤنث، فكلٌّ من القيامِ والنَّةِ مستحبٌّ كما في "اللباب"(١)، وإنما كانت النَّةُ
شرطاً في الطواف دون الوقوف؛ لأنَّ النَّة عند الإحرام تضمَّنَتْ جميعَ ما يُفْعَلُ فيه، والوقوفُ يُفْعَلُ
فيه من كلٍّ وجهٍ، فاكتُفِيَ فيه بتلك النّة، والطوافُ يُفْعَلُ فيه من وجهٍ دون وجهٍ؛ لأَنَّه يُفْعَلُ بعد
التحُلُّلِ الأَوَّلِ، فاشتُرِطَ فيه أصلُ التّة دون تعيينها عملاً بالشَّرطين، "شرح النقاية" لـ "القاري"(٢).
لكنَّ هذا الفرق لا يشملُ طواف العمرة؛ لأَنَّه يُفعَلُ قبل التحلُّلِ، وسيُذكَرُّ(٣) آخرَ الباب فرقٌ آخر.
[١٠٠٨١] (قولُهُ: لأنَّ الشَّرط الكينونةُ فيه) أي: في محلِّ الوقوف المعلوم من المقام، قال
في "شرح اللباب"(٤): ((والظاهرُ أنَّ هذا ركنٌ لعدم تصوُّرِ الوقوف بدونه، نعم الوقتُ شرطٌ))
اهـ. أي: مع الإحرام.
قلت: ولعلَّهُ أرادَ بالشَّرط ما لا بدَّ منه، فيشملُ الرُّكنَ، تأمَّل. والمرادُ بالكينونة الحصولُ فيه
على أيِّ وجهٍ كان ولو نائماً، أو جاهلاً بكونه عرفةً، أو غيرَ صاحٍ، أو مُكرّهاً، أو جُنُباً، أو مارًّاً
مسرعاً.
[١٠٠٨٢) (قولُهُ: مُجْتازٍ) أي: مارِ غيرِ واقفٍ.
(قولُهُ: لأنَّ النّة عند الإحرام تضمَّنَتْ إلخ) مقتضى ما ذكرَهُ من التَّعليل أنَّه لو فعَلَ الطوافَ قبل
التحلُّلِ بشيءٍ مما يحصُّلُ به التحلُّلُ لا يُشترَطُ فيه النَّةُ، مع أنَّ ما يأتي يفيدُ اشتراطَها له بدونِ تفصيلٍ.
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في شرائط صحة الوقوف صـ١٣٩ -.
(٢) "شرح النقاية" للقاري: كتاب الحج - فصل في طواف القدوم والخروج لمنى وعرفات وغيرهما ٤٧٨/١.
(٣) المقولة [١٠٢٥٥] قوله: ((أو نائماً أو مغمى عليه)).
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في شرائط صحة الوقوف صـ١٣٧ -.
قسم العبادات
٩٦
حاشية ابن عابدين
(ودَعَا جَهْراً) بحَهْدٍ (وعَلَّمَ المناسكَ، ووقَفَ الناسُ خلفَهُ بِقُرْبِهِ مُستقبِلِينَ القبلةَ
سامعین لقوله) خاشعین با کین،
[١٠٠٨٣] (قولُهُ: ودعا جَهْراً) ولا يُفرِّطُ في الجَهْرِ بصوته، "لباب". أي: بحيث يُتْعِبُ نفسه،
لكنْ قَّدَ "شارحُهُ"(١) الجهرَ بكونه في التلبية، وقال: ((وأمَّا الأدعيةُ والأذكار فبالخُفْيَةٍ أَولى)) اهـ.
قلت: ويؤيِّدُهُ قوله في "السراج": ((ويجتهدُ في الدُّعاء، والسنّةُ أنْ يخفيَ صوته لقوله تعالى:
﴿آدْعُواْرَبَّكُمْ تَضَرُّعًاوَنُقْيَةً﴾ [ الأعراف - ٥٥ ])) اهـ.
[١٠٠٨٤] (قولُهُ: بِجَهْدٍ) متعلّقٌ بـ ((دعا))، أي: باجتهادٍ وإلحاحٍ في المسألة، وقد ورَدَ: (( خيرُ
الدُّعاء دعاءُ يومٍ عرفة، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبُّون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ)) رواه "مالكٌ" و"الترمذيُّ"(٢) و"أحمد"(٣) وغيرهم،
"شرح النقاية" لـ "القاري" (٤).
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الوقوف بعرفات وأحكامه - فصل في صفة الوقوف صـ١٣٤ -.
(٢) أخرجه مالك ١٧٧/١ كتاب القرآن - باب ما جاء في الدعاء، و٣٧٥/١ كتاب الحج - باب جامع الحج، من
حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلاً، وأخرجه الترمذي(٣٥٨٥) كتاب الدعوات - باب في دعاء يوم عرفة،
وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه مرفوعاً، والبيهقيّ في
"السنن الكبرى" ١١٧/٥ كتاب الحج - باب: أفضلُ الدعاء دعاء يوم عرفة، وقال: هذا مرسل، وقد روي عن
مالك بإسناد آخر موصولاً، ووصلُهُ ضعيفٌ، و٢٨٤/٤ كتاب الصيام - باب الاختيار للحاجّ في ترك صوم يوم
عرفة. وأخرجه البيهقيّ في "شعب الإيمان" ٤٦٢/٣ برقم (٤٠٧٢) كتاب المناسك - باب الوقوف يوم عرفة
بعرفات، وقال: هكذا رواه أبو عبد الرحمن بن يحيى وغلط فيه، إنّما رواه مالك في "الموطأ" مرسلاً. وقال أبو عمر بن
عبد البرّ في "التمهيد" ٣٩/٦: ((لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث كما رأيت، ولا أحفظه بهذا الإسناد مسنداً
من وجه يحتج بمثله، وقد جاء مسنداً من حديث عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص فيه .
فأمّا حديث عليّ فإنّه يدور على دينارٍ أبي عمرو، عن ابن الحنفيّة، وليس دينار ممن يحتجّ به. وحديث عبد الله
ابن عمرو من حديث عمرو بن شعيب، وليس دون عمرو ممن يحتجّ به فيه. وأحاديث الفضائل لا يحتاج فيها
إلى من يحتجُّ به، ومرسلُ مالكٍ أثبتُ من تلك المسانيد، والله أعلم)).
(٣) وأخرجه أحمد ٢١٠/٢ بلفظ: ((كان أكثرُ دُعاءِ رسول اللهِلَ﴿هل يومَ عَرَفَةَ: لا إله إلاَّ الله وَحْدَه لا شريك له،
له المُلْكُ وله الحَمْدُ، بيده الخَيْرُ وهو على كُلِّ شيءٍ قديرٌ)).
(٤) "شرح النقاية" للقاري: كتاب الحج - طواف القدوم والخروج لمنى وعرفات وغيرهما ٤٧٦/١ -٤٧٧ .