Indexed OCR Text
Pages 421-440
الجزء السادس
٤١٧
باب الاعتكاف
لأَنَّه (يدخلُ اللَّيلُ تَبَعاً).
(و) اعلمْ أنَّ (الشَّرْطَ) في الصَّوم مراعاةُ (وجودِهِ لا إيجادِهِ) للمشروط قَصْدًا (فلو
نَذَرَ اعتكافَ شهرِ رمضانَ لَزِمَهُ، وأجزَأَهُ) صومُ رمضانَ (عن صومِ الاعتكاف)
لكن قالوا: لو صامَ تطوُّعاً ثُمَّ نذَرَ اعتكافَ ذلك اليومٍ لم يَصِحَّ؛ لانعقادِهِ من أوَّلِهِ
تطوُّعاً، فَتَعَذَّرَ جعلُهُ واجباً (وإنْ لم يَعتَكِفْ) رمضانَ المعَّنَ.
[٩٤٥٨] (قولُهُ: لأَنَّه يَدخُلُ الَيلُ تبعاً) ولا يُشترَطُ للَبع ما يُشترَطُ للأصل، "بحر"(١).
[٩٤٥٩] (قولُهُ: لا إيجادُهُ للمشروطِ قصداً) أي: لا يُشترَطُ إيقاعُهُ مقصوداً لأجلِ الاعتكاف
المشروط كما لا يُشترَطُ إيقاعُ الطهارة قصداً لأجل الصلاة، بل إذا حضرت الصلاةُ وكان متوضّاً
قبلها لغيرها - ولو للتبرُّدِ - یکفیه لها.
[٩٤٦٠] (قولُهُ: فلو نذَرَ اعتكافَ شهر رمضان) الظاهرُ أنَّ مثله ما إذا نذَرَ صومَ شهرٍ معيَّنٍ،
ثُمَّ نذَرَ اعتكافَ ذلك الشَّهرِ، أو نذَرَ صوم الأبد ثُمَّ نذَرَ اعتكافً، فليتأمل ويراجع. اهـ "ح"(٢).
قلت: ووجهُ التأمُّل ما ذكروا من أنَّ الصوم المقصود للاعتكاف إنما سقَطَ في رمضان
الشرفِ الوقت كما يأتي(٣) تقريرُهُ، والشَّرِفُ غيرُ موجودٍ في الصوم المنذور.
(٩٤٦١) (قولُهُ: لكنْ قالوا إلخ) قال في "الفتح"(٤): ((ومن التفريعات: أَنَّه لو أصبحَ صائماً
متطوِّعاً أو غيرَ ناوٍ للصوم، ثُمَّ قال: للَّهِ عليَّ أنْ أعتكف هذا اليومَ لا يصحُّ وإنْ كان في وقتٍ
تصحُّ منه نَيَّةُ الصوم؛ لعدمٍ استيعاب النهار، وعند "أبي يوسف": أقلُّهُ أكثرُ النهار، فإنْ كان قالَهُ
قبل نصف النهار لَزِمَهُ، فإنْ لم يعتكفه قضاه)) اهـ.
(قولُهُ: ووَجْهُ التأمُّلِ ما ذكروا إلخ) ويؤيِّدُ عدمَ المثليَّةِ المذكورةِ في كلام "الحلبي" أيضاً ما سيأتي من عدم
جواز القضاء في رمضان آخرَ ولا في واجبٍ إلخ؛ لأنّه لو كانت العبرةُ لوجوبِ الصوم مطلقاً لأجزَأَهُ.
(١) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٣/٢.
(٢) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق ١٣٣/أ.
(٣) المقولة [٩٤٦٤] قوله: ((وتحقيقه في الأصول)).
(٤) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٠٨/٢.
قسم العبادات
٤١٨
حاشية ابن عابدين
(قَضَى شهراً) غيرَهُ (بصومٍ مقصودٍ) لعَوْدِ شرطِهِ إلى الكمالِ الأصليِّ، فلم يَجُزْ في
رمضانَ آخرَ ولا في واجبٍ سوى قضاءِ رمضانَ الأوَّل؛ لأنّه خَلَفٌ عنه، ..
وقد ظهَرَ أنَّ علَّة عدم الصحَّة عدمُ استيعاب الاعتكاف للنهار لا تعذُّرُ جَعْلِ التطوُّع واجباً،
وأنّه لا محلَّ للاستدراك المفاد بـ ((لكنْ))، بل هي مسألةٌ مستقلّةٌ لا تعلُّقَ لها بما في "المتن". اهـ
"ح"(١).
قلت: ما علَّلَ به "الشارح" عَلَّلَ به في "التتار خانَيَّة"(٢) و"التجنيس" و"الولوالجيّةِ"(٣)
و"المعراج" و"شرح درر البحار"(٤)، فيكونُ ذلك علَّةً أخرى لعدمٍ صحَّةِ النَّذْرِ، وبه يصحُّ
الاستدراكُ على قوله: ((الشَّرطُ وجودُهُ لا إيجادُهُ))، فإنَّ الشَّرط هنا - وهو الصوم - موجودٌّ مع أنّه
لم يصحَّ الَّذْر بالاعتكاف.
والحاصلُ: أَنَّه لم يصحَّ لعدمِ استيعاب النهار بالاعتكافِ وعدمٍ استيعابه بالصوم الواجب.
وبِهِ عُلِمَ أنَّ الشَّرط صومٌ واجبٌ بنذرِ الاعتكاف أو بغیرِهِ کرمضانَ، [٢/ق٣٣٩/ب] ویمکنُ دفع
الاستدراك بهذا، فافهم.
١٣٠/٢
[٩٤٦٢] (قولُهُ: قَضَى شهراً غيرَهُ) أي: متابعاً؛ لأَنّه التَزَمَ الاعتكافَ في شهرٍ بعينه وقد فاتَّهُ،
فيقضيه متابعاً كما إذا أوجَبَ اعتكافَ رجبٍ ولم يعتكف فيه، "بدائع"(٥).
[٩٤٦٣] (قولُهُ: سوى قضاءِ رمضانَ الأوَّلِ) أمَّا قضاءُ رمضانَ الأوَّلِ فإِنَّه إنْ قضاه متابعاً
واعتكَفَ فيه جازَ؛ لأنَّ الصوم الذي وجَبَ فيه الاعتكافُ باقٍ، فيقضيهما بصومٍ شهرٍ متابعاً،
(قولُهُ: والحاصلُ: أنَّه لم يصحَّ لعدمٍ إلخ) وعلى هذا الحاصلِ لا يصحُّ جَعْلُ كلام المتن أصلاً كلّاً،
بل موضّوعُهُ في صومٍ رمضان أداءً وقضاءً وقد نذَرَ اعتكافَهُ، فلا داعيَ لوضعٍ أصليٍّ لذلك؛ لأنّه
لم يدخل فيه غيرُهما مع إيهامٍ عمومِهِ.
(١) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٣٣/أ.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثاني عشر في الاعتكاف ٤١٤/٢ - ٤١٥.
(٣) "الولوالجية": كتاب الصوم - الفصل الرابع في الاعتكاف والصدقة ق ٣٥/أ.
(٤) "غرر الأذكار": كتاب الصوم - ذكر الاعتكاف ق ٨٣/أ.
(٥) "البدائع": كتاب الاعتكاف ١١٢/٢.
الجزء السادس
٤١٩
باب الاعتكاف
وتحقيقُهُ في الأصول في بحثِ الأَمْر.
(وأقُّهُ نَفْلاً ساعةٌ) مِن ليل أو نهارِ عند "محمَّدٍ"، وهو ظاهرُ الرِّواية عن "الإِمام"
لبناءِ النّفْل على المسامحة، وَبه يُفتَىَّ، والسَّاعةُ في عُرْفِ الفقهاء جزءٌ من الزَّمانِ
لا جزءٌ مِن أربعةٍ وعشرين كما يقولُهُ المنجِّمون، كذا في "غرر الأذكار"(١) وغيره
(فلو شرَعَ في نفِلِهِ ..
"بدائع"(٢). أي: لأنَّ القضاء خَلَفٌ عن الأداءِ، فَأُعطِيَ حكمَهُ كما أشار إليه "الشارح".
[٩٤٦٤] (قولُهُ: وتحقيقُهُ في الأصولِ) وهو أنَّ النَّذْر كان مُوجِباً للصوم المقصود، ولكنْ سقَطَ
لشرفِ الوقت، ولَمَّا لم يعتكف في الوقت صار ذلك النَّذْر منزلةِ نذرِ مطلقٍ عن الوقت، فعادَ
شرطُهُ إلى الكمالِ، بأنْ وجَبَ الاعتكافُ بصومٍ مقصودٍ لزوالِ المانع وهو رمضان.
فإنْ قلتَ: على هذا كان ينبغي أنْ لا يتأدَّى ذلك الاعتكافُ في صومٍ قضاءٍ ذلك الشهر
كما لو نذر مطلقاً.
قلتُ: العلَّةُ الأَّصالُ بصومِ الشهر مطلقاً، وهو موجودٌ.
فإنْ قلتَ: الشَّرطُ يُراعَى وجودُهُ، ولا يجبُ كونه مقصوداً كما لو توضَّأَ للتبرُّدِ تجوزُ به
الصلاة، ورمضانُ الثاني على هذه الصفة.
(قولُ "الشارح": والساعةُ في عُرْف الفقهاء جزءٌ من الزَّمان لا جزءٌ من أربعةٍ وعشرين كما يقولُهُ
المنجِّمون) في "السنديِّ": ((وقد ورَدَ ما يؤيِّدُ ما ذهَبَ إليه أهلُ الميقات من تقدير الأربع والعشرين من
السَّاعات في الليل والنهار، وذلك فيما أخرَجَهُ "أبو داود" و"النسائيُّ" و"الحاكم" عن "جابرٍ" عن النبيِّ
﴿ قال: (( يومُ الجمعة ثنتا عشرةَ ساعةً، لا يوجدُ عبدٌ مسلمٌ يسألُ الله تعالى شيئاً إلاَّ أعطاه إِيَّاه،
فالتمِسُوها آخرَ ساعةٍ بعدَ العصر))، وهذا عجيبٌ فاستفِدْهُ)) انتهى.
(قولُهُ: وهو أنَّ الَّذْرِ كان مُوجِباً للصَّومِ المقصودِ) لأنَّ الاعتكاف الواجب يَستدعي عموماً ولا يوجدُ
بدونه، وما لا يُتوصَّلُ إلى الواجب إلاَّ به يجبُ بوجوبه.
(قولُهُ: ولكنْ سقَطَ لشَرَفِ الوقت) واتّصالُهُ بِه وتعيُُّه للاعتكاف بالَّذْرِ، ولا كذلك رمضانُ الثاني.
(١) "غرر الأذكار": كتاب الصيام - فصل الاعتكاف ق ٨٢/أ.
(٢) "البدائع": كتاب الاعتكاف ١١٢/٢.
قسم العبادات
٤٢٠
حاشية ابن عابدين
...
قلتُ: حدوثُ صفة الكمال منَعَ الشَّرطَ عن مقتضاه، فلا بدَّ أنْ يكون مقصوداً. اهـ "ح"(١)
عن "شرح المنار" لـ "ابن ملكٍ"(٢).
( تنبيةٌ )
في "البدائع"(٣): ((لو أو جَبَ اعتكافَ شهرٍ بعينه، فاعتكفَ شهراً قبله أجزأَهُ عند
"أبي يوسف" لا عند "محمَّدٍ"، وهو على الاختلافِ في الَّذْر بصومٍ شهرٍ معيّنٍ فصامَ قبله)) اهـ.
أي: بناءً على أنَّ النَّذْرِ غيرَ المعلَّقِ لا يختصُّ بزمانٍ ولا مكانٍ كما مرَّ(٤) بخلاف المعَلَّق، وقدَّمنا (٥)
أنَّ الخلاف في صحَّةِ التقديم لا التأخير.
والظاهرُ: أَنّه لا فرقَ بين نذرِ اعتكافِ رمضان أو شهرٍ معيَّنٍ غيرِهِ، فيصحُّ اعتكافُهُ قبله
وبعده في القضاء وغيره سوى رمضانَ آخرَ، غيرَ أنَّه إنْ فعَلَهُ في غيرِ رمضان الأوَّلِ أو قضائِهِ لا بدَّ
له من صومٍ مقصودٍ كما هو صريحُ "المتن"، وليس في كلامهم ما يدلُّ على أنّه لا يصحُّ في
غيرهما مطلقاً، وإنما فيه الفرقُ بينهما وبين غيرهما بأنّه لو فعَلَهُ فيهما أغنى عن صومٍ مقصودٍ
للاعتكاف بسببِ شرفِ الوقت وخلفه، وفي غيرهما لا بدَّ من صومٍ مقصودٍ له، وهذا
[٢/ق ٣٤٠/أ] ظاهرٌ لا خفاءً فيه، فافهم.
(قولُهُ: قلت: حدوثُ صفةِ الكمالِ إلخ) ما ذكرَهُ "السنديُّ" في الجواب أظهرُ حيث قال: ((قلت:
الصَّومُ وإن كان شرطاً لكنَّه عبادةٌ مقصودةٌ في نفسه؛ لأنَّه يجبُ تعلُّنُه أيضاً كصوم رمضان، فلم يكن
شرطاً محضاً بخلاف الصَّلاة المنذورة مع الوضوء، فلا يُعتبرُ إيجابُها له؛ لأَنَّه عبادةٌ غيرُ مقصودةٍ)) اهـ.
(١) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٣٣/أ بتصرف.
(٢) "شرح المنار لابن ملك": فصل: حكم الأمر صـ٣٧ - ٣٨ - وهو شرح المولى عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين
الدين بن فِرِشْتا، عزالدين المعروف بابن ملك الرومي الكرماني (ت ٨٠١هـ، وقيل: ٨٨٥هـ) على "منار الأنوار"
لأبي البركات عبدالله بن أحمد، حافظ الدين النسفي (ت٧١٠هـ). ("كشف الظنون" ١٨٢٣/٢، ١٨٢٥، "الفوائد
البهية" صـ ١٠١ - ١٠٧-، "الأعلام" ٥٩/٤، ٦٧).
(٣) "البدائع": كتاب الاعتكاف ١١٢/٢.
(٤ ) صـ ٣٩٦ -٣٩٧ - "در".
(٥) المقولة [٩٤٠٥] قوله: ((فإنه لا يجوز تعجيله إلخ)).
الجزء السادس
٤٢١
باب الاعتكاف
ثُمَّ قطَعَهُ لا يلزمُهُ قضاؤُهُ) لأَنَّه لا يُشترَطُ له الصَّومُ (على الظَّاهر) من المذهب، وما في
بعض المعتبرات أنَّه يَلزَمُ بالشُّروع مُفرَّعٌ على الضَّعِيف، قَالَهُ "المصنّفُ"(١) وغيرُهُ ......
[٩٤٦٥] (قولُهُ: ثمَّ قَطَعَهُ) الأَولى: ثُمَّ تَرَكَهُ، ولكنْ سَمَّه قَطْعاً نظراً إلى رواية "الحسن"
بتقدیرِهِ بیومٍ.
[٩٤٦٦] (قولُهُ: لأَنَّه لا يُشترَطُ له الصومُ) الأَولى التعليلُ بأنّه غيرُ مقدَّرٍ بعدَّةٍ؛ لِما علمتَهُ
مما مرَّ(٢) أنَّ الاختلاف في اشتراطِ الصوم له وعدمِهِ مبنيٌّ على الاختلافِ في تقديره بيومٍ وعدمِهِ،
و كلامُهُ يفيدُ العكس، تأمّل.
[٩٤٦٧] (قولُهُ: وما في بعضِ المعتبرات) كـ "البدائع"(٣)، وتِبِعَهُ "ابن كمالٍ" كما نقلَهُ
ء
"الشارح" عنه فيما مرَّ(٤).
[٩٤٦٨] (قولُهُ: مفرَّعٌ على الضعيفِ) أي: على روايةِ "الحسن" أَنَّه مقدَّرٌ بيومٍ.
أقول: لكنْ بعدما صرَّحَ صاحب "البدائع"(٥) بلزومِهِ بالشُّروع ذكَرَ رواية "الحسن"
ووجهَها، وهو: ((أَنَّ الشُّروع في التطوُّع مُوجِبٌ للإتمام على أصلٍ أصحابنا صيانةً للمؤدَّى عن
البطلان))، ثمَّ ذكَرَ رواية "الأصل": ((أَنَّه غيرُ مقدَّرٍ بيومٍ))، وأجابَ عن وجهِ رواية "الحسن"
بقوله: ((وقولُهُ: الشُّروعُ فيه مُوجِبٌ مسلَّمٌ، لكنْ بِقَدْرِ ما اتَّصَلَ به الأداءُ، ولَمَّا خَرَجَ فما وجَبَ
إلاَّ ذلك القَدْرُ، فلا يلزمُهُ أكثرُ من ذلك)) اهـ.
فُعُلِمَ أنَّ قول "البدائع" أوَّلاً: ((إنّه يلزمُ بالشُّروع)) مرادُهُ به لزومُ ما أَتَّصَلَ به الأداءُ لا لزومُ
يومٍ، فهو مفرَّعٌ على روايةٍ "الأصل"(٦) التي هي ظاهرُ الرِّواية، فافهم.
(١) "المنح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١/ق ٩٥/ب.
(٢) المقولة [٩٤٤٩] قوله: ((وبالشروع)).
(٣) "البدائع": كتاب الاعتكاف ١٠٨/٢.
(٤) صـ ٤١٣ - "در".
(٥) "البدائع": كتاب الاعتكاف ـ فصل: وأما ركن الاعتكاف ومحظوراته وما يفسده وما لا يفسده ١١٥/٢.
(٦) تقدمت رواية "الأصل" في المقولة [٩٤٥٥] قوله: ((على المذهب)).
قسم العبادات
٤٢٢
حاشية ابن عابدين
(وحَرُمَ عليه) أي: على المعتكفِ اعتكافاً واجباً، أمّا النَّفْلُ فله الخروجُ؟.
[٩٤٦٩] (قولُهُ: وحَرُمَ إلخ) لأَنَّه إبطالٌ للعبادة، وهو حرامٌ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُواْأَعْمَلَكُمْ﴾
[محمد - ٣٣ ]، "بدائع"(١).
[٩٤٧٠] (قولُهُ: أمَّا النَّفْلُ) أي: الشَّاملُ للسنّةِ المؤكَّدة، "ح"(٢).
قلت: قدَّمنا(٣) ما يفيدُ اشتراط الصوم فيها بناءً على أنَّها مقدَّرةٌ بالعشرِ الأخير، ومُفادُ
التقدير أيضاً الُّزُومُ بالشُّروع، تأمَّل. ثمَّ رأيتُ المحقّق "ابن الهمام"(٤) قال: ((ومقتضى النّظر
لو شرَعَ في المسنونِ - أعني العشر الأواخر - بنَّتِهِ ثُمَّ أفسده أنْ يجب قضاؤه تخريجاً على قول
"أبي يوسف" في الشُّروع في نفلِ الصلاة ناوياً أربعاً لا على قولهما)) اهـ
أي: يلزمُهُ قضاءُ العَشر كلِّه لو أفسَدَ بعضَهُ، كما يلزمُهُ قضاءُ أربعٍ لو شرَعَ في نقلٍ ثُمَّ أَفسَدَ
الشَّفع الأوَّل عند "أبي يوسف"، لكنْ صحَّحَ في "الخلاصة"(٥): ((أَنَّه لا يقضي إلاَّ ركعتين
كقولهما))، نعم اختارَ في "شرح المنية"(٦) قضاءَ الأربعِ اتفاقاً في الرَّاتبة كالأربع قبل الظهر والجمعة،
وهو اختيارُ "الفضليّ"، وصحَّحَهُ في "النصاب"، وتقدَّمَ(٧) تمامُهُ في النوافل، وظاهرُ الرِّواية خلافُهُ،
وعلى كلٌّ فيظهرُ من بحثِ "ابن الهمام" [٢/ق٣٤٠/ب] لزومُ الاعتكاف المسنون بالشُّروع،
(قولُهُ: يلزمُهُ قضاءُ العَشْرِ كلّه لو أفسَدَ بعضَهُ) المناسبُ لِما يأتي أنَّ المراد أنْ يقضيَ الباقيَ لا الكلَّ،
وفُرِّقَ بين الصَّلاة وبينه بأنَّ الفساد يَسري لأوَّلِها لا لأوَّلِهِ.
(قولُهُ: وعلى كلٍّ فيظهرُ من بحثِ "ابن الهمام" لزومُ الاعتكاف إلخ) قلت: كلامُ الفقهاء في الفساد
الذي يترتَّبُ عليه القضاء، فمهما لم يُلزِمِ المعتكفُ على نفسِهِ اعتكافَ العشر الأخير وإنما دخَلَ فيه
(١) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما ركن الاعتكاف ومحظوراته وما يفسده وما لا يفسده ١١٤/٢.
(٢) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق ١٣٣/أ.
(٣) المقولة [٩٤٥٥] قوله: ((على المذهب)).
(٤) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٠٨/٢.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب في أحكام الصلاة - الفصل الثامن عشر في النذور ق٤٧/ب.
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ ٣٩٤ -.
(٧) المقولة [٥٧٨٧] قوله: ((على اختيار الحلبي وغيره)).
الجزء السادس
٤٢٣
باب الاعتكاف
لأَنَّه مُنْهٍ له لا مُبطِلٌ كما مَرَّ (الخروجُ.
وأنَّ لزوم قضاءٍ جميعه أو باقيه مُخرَّجٌ على قول "أبي يوسف"، أمَّا على قول غيره فيقضي
اليومَ الذي أفسَدَهُ لاستقلالِ كلِّ يومٍ بنفسه، وإنما قلنا: أي: باقيه بناءً على أنَّ الشُّروع مُلزِمٌ
كالنَّذْرِ، وهو لو نذَرَ العشرَ يلزمُهُ كلُّه متابعاً، ولو أفسَدَ بعضَهُ قضى باقيَهُ على ما مرَّ(١)
في نذر صومٍ شهرٍ معيَّنٍ.
والحاصلُ: أنَّ الوجه يقتضي لزومَ كلِّ يومٍ شرَعَ فيه عندهما بناءً على لزومٍ صومه
بخلاف الباقي؛ لأنَّ كلَّ يومٍ بمنزلة شفعٍ من النافلة الرباعيَّة وإنْ كان المسنونُ هو اعتكافَ
١٣١/٢ العشر بتمامه، تأمَّل.
[٩٤٧١] (قولُهُ: لأَنَّ مُنْهٍ) اسمُ فاعلٍ من أَنْهَى اهـ "ح"(٢)، أي: مُتَمِّمٌ للنفل.
[٩٤٧٢] (قولُهُ: كما مرَّ(٣) أي: من قول "المصنّف": ((وأَقُّهُ نفلاً ساعةٌ)).
(٤٧٣ ٩] (قولُهُ: الخروجُ) أي: مِن مُعتَكَفِهِ ولو مسحدَ البيت في حقِّ المرأة، "ط)"(٤).
فلو خرَجَتْ منه - ولو إلى بيتها - بطَلَ اعتكافُها لو واجباً، وانتهى لو نفلاً، البحر "(٥).
معتكفاً ثُمَّ قطَعَهُ بعد زمانٍ فقد أتى باعتكافِ نفلٍ في المدَّة التي كان معتكفاً فيها، وإنما فاتَهُ الاعتكافُ
المسنون، نعم يمكنُ أن يقال بأنّه يُمنَعُ من الخروج في اعتكاف العشر الأخير بعد شروعِهِ فيه على رواية
"الحسن" كما لَمَحَ إليه في "النهر". اهـ "سندي".
(قولُهُ: وأنَّ لزوم قضاءٍ جميعِهِ أو باقيه) نسخةُ الخطّ: ((أي: باقيه))، وهو المناسبُ لقوله الآتي:
((وإنما قلنا، أي: إلخ)) ولو قال: فظهَرَ أنَّ لزوم قضاءٍ جميعه أي: فيما إذا أفسده في أوَّلِ يومٍ منه، وباقيه
فيما إذا أفسَدَهُ في أثنائه، وترَكَ قولَهُ الآتي: ((وإنما قلنا إلخ)) لكان أحسنَ.
(١) صـ ٣٩٦ - "در".
(٢) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٣٣/أ.
(٣) صـ ٤١٩ - "در".
(٤) "ط": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٤٧٤/١.
(٥) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٤/٢.
قسم العبادات
٤٢٤
حاشية ابن عابدين
إلاَّ لحاجةِ الإنسانِ) طبيعيَّةً كبَوْلٍ وغائطٍ وغُسلِ لو احتَلَمَ ولا يمكنُهُ الاغتسالُ
في المسجد، كذا في "النهر
[٩٤٧٤] (قولُهُ: إلاَّ لحاجةِ الإِنسان إلخ) ولا يمكثُ بعد فراغِهِ من الطَّهور، ولا يلزمُهُ أنْ يأتيَ
بيتَ صديقه القريب، واختُلِفَ فيما لو كان له بيتان فأتى البعيدَ منهما، قيل: فسَدَ، وقيل: لا(١)،
وينبغي أنْ يُخرَّجَ على القولين ما لو ترَكَ بيتَ الخلاء للمسجدِ القريب وأتى بيتَهُ، "نهر "(٢).
ولا يبعُدُ الفرق بين الخلافَّة وهذه؛ لأنَّ الإنسان قد لا يألفُ غيرَ بيته، "رحمتي". أي: فإذا كان
لا يألفُ غيرَهُ - بأنْ لا يتيسَّرَ له إلاَّ في بيته - فلا يبعُدُ الجوازُ بلا خلافٍ، وليس كالمكثِ بعدها
ما لو خرَجَ لها ثمَّ ذهَبَ لعيادةِ مريضٍ أو صلاةٍ جنازةٍ من غيرِ أنْ يكون خرَجَ لذلك قصداً،
فإنّه جائزٌ كما في "البحر"(٣) عن "البدائع"(٤).
[٤٧٥ ٩) (قولُهُ: طبيعيَّةٌ) حالٌ أو خبرٌ لكانَ محذوفةً، أي: سواءٌ كانت طبيعيَّةً أو شرعيَّةً،
وفسَّرَ "ابن الشلبيِّ" الطبيعيَّةَ بما لا بدَّ منها، وما لا يُقضَى في المسجد.
[٩٤٧٦] (قولُهُ: وغُسلٍ) عدَّهُ من الطبيعيّة تبعاً لـ "الاختيار "(٥) و"النهر" (٦) وغيرهما، وهو
موافقٌ لِما علمتَهُ من تفسيرها، وعن هذا اعترَضَ بعضُ الشُّرَّح تفسيرَ "الكنز"(٧) لها بالبول
والغائط: ((بأنَّ الأَولى تفسيرُها بالطهارة ومقدِّماتِها ليدخلَ الاستنجاءُ والوضوءُ والغُسل؛
لمشاركتِها لهما في الاحتياج وعدمٍ الجواز في المسجد)) اهـ، فافهم.
[٤٧٧ ٩) (قولُهُ: ولا يمكنُهُ إلخ) فلو أمكنَهُ من غيرِ أن يتلوَّثَ المسجدُ [٢/ق٣٤١/أ] فلا بأس به،
(١) هذه العبارة من أوَّلِها إلى قوله: ((وقيل: لا)) نقلها في "النهر" عن "السراج الوهاج".
(٢) "النهر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٢٨/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٥/٢.
(٤) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٤/٢.
(٥) "الاختيار": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١٣٨/١.
(٦) "النهر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق ١٢٨/أ.
(٧) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١٠٦/١.
الجزء السادس
٤٢٥
باب الاعتكاف
(أو) شرعيَّةً كعيدٍ وأذان لو مُؤْذِّناً.
"بدائع"(١). أي: بأنْ كان فيه بركةُ ماءٍ أو موضعٌ مُعَدٌّ للطهارةِ، أو اغتسَلَ في إناءِ بحيث لا يصيبُ
المسجدَ الماءُ المستعمل، قال في "البدائع"(٢): ((فإنْ كان بحيث يتلوَّثُ بالماء المستعمل يُمنَعُ منه؟
لأنَّ تنظيف المسجد واجبٌ)) اهـ
والتقييدُ بعدم الإمكان يفيدُ أَنَّه لو أمكنَ - كما قلنا - فخرَجَ أَنَّه يفسُدُ، وهل يجري فيه
الخلافُ الماءُ (٣) فيما لو كان له بيتان فأتى البعيدَ منهما؟ محلٌّ نظرٍ؛ لأنَّ ذاك بعد الخروجِ، وفرقٌ
بينه وبين ما قبله بدليلٍ ما مرّ(٤) من أنّه بعده له الذهابُ لعيادةِ مريضٍ، لكنَّ قول "البدائع"(*).
((لا بأس به)) ربما يفيدُ الجوازَ، فتأمَّل.
[٩٤٧٨] (قولُهُ: أو شرعيَّةً) عطفٌ على ((طبيعيَّةً))، ولفظةُ ((أو)) من "المتن"، والواوُ
في ((والجمعةِ)) من "الشَّرح". اهـ "ح" (٦).
[٩٤٧٩] (قولُهُ: كعيدٍ) أفادَ صحَّةَ الَّذْرِ بالاعتكاف في الأَيَّام الخمسةِ المنهيّة، وفيه الاختلافُ
السَّابق في نذر صومها؛ لأنَّ الصوم من لوازمِ الاعتكافِ الواجبِ، فعلى رواية "محمَّدٍ" عن "الإمام"
يصحُّ، لكنْ يقال له: اقضِ في وقتٍ آخر، ويُكفِّرُ اليمينَ إِنْ أراده، وإِن اعتكَفَ فيها صحَّ وأساءً،
وعلى رواية "أبي يوسف" عنه لا يصحُّ نذره كالَّذْرِ بالصوم فيها، "بدائع(٧).
[٩٤٨٠] (قولُهُ: لو مُؤذّناً) هذا قولٌ ضعيفٌ، والصحيحُ أَنَّه لا فرقَ بين المؤذِّن وغيره
(قولُهُ: هذا قولٌ ضعيفٌ) وجهُهُ أنَّ خروجه للأذان يكون مستثنىَّ عن الإيجاب، أمَّا في غير المؤذِّن
فُيُفسِدُ الاعتكافَ، والصحيحُ أنَّ هذا قولُ الكلِّ في حقِّ الكلِّ؛ لأَنَّه خرَجَ لإقامةِ سنّةِ الصلاة، وسنتُها
تقامُ في موضعها، فلا تُعتبرُ المنارةُ خارجاً. اهـ "سندي" عن "الولوالحيَّة".
(١) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٦/٢.
(٢) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٥/٢.
(٣) المقولة [٩٤٧٤] قوله: ((إلا لحاجة الإنسان إلخ)).
(٤) المقولة [٩٤٧٤] قوله: ((إلا لحاجة الإنسان إلخ)).
(٥) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٦/٢.
(٦) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق ١٣٣/أ - ب.
(٧) "البدائع": كتاب الاعتكاف ــ فصل: وأما شرائط صحته ١١٢/٢.
قسم العبادات
٤٢٦
حاشية ابن عابدين
كما في "البحر"(١) و"الإمداد"(٢)، "ح"(٣).
[٩٤٨١] (قولُهُ: وبابُ المنارةِ خارجَ المسجد) أمَّا إذا كان داخلَهُ فكذلك بالأَّولى، قال
في "البحر"(٤): ((وصعودُ المئذنةِ إنْ كان بأبُها في المسجد لا يُفسِدُ، وإلاّ فكذلك في ظاهرٍ
الرِّواية)) اهـ.
ولو قال "الشارح": ((وأذانٍ ولو غيرَ مؤذّنٍ وبابُ المنارة خارج المسجد)) لكان أولى،
" ح"(٥).
قلت: بل ظاهرُ "البدائع"(٦) أنَّ الأذان أيضاً غيرُ شرطٍ، فإنَّه قال: ((لو صَعِدَ المنارةَ
لم يَفسُد بلا خلافٍ وإنْ كان بأبُها خارج المسجد؛ لأَنّها منه؛ لأَنَّه يُمنَعُ فيها من كلِّ
ما يُمنَعُ فيه من البول ونحوه، فأشبَهَ زاويةً من زوايا المسجد)) اهـ.
لكنْ ينبغي فيما إذا كان بأبُها خارجَ المسجد أنْ يُقَّدَ بما إذا خرَجَ للأذانِ؛ لأنَّ المنارة
وإنْ كانت من المسجد لكنَّ خروجه إلى بابها لا للأذانِ خروجٌ منه بلا عذرٍ، وبهذا
لا يكونُ كلامُ "الشارح" مُفرَّعاً على الضعيف، ويكونُ قوله: ((وبابُ المنارة إلخ)) جملةً
حاليّةً مُعتبرةَ المفهوم، فافهم.
(قولُهُ: لا يكونُ كلامُ "الشارح" مُعرَّعاً على الضَّعيف) لا شكَّ أنَّ اشتراط كونه مؤذّناً قولٌ
ضعيفٌ، وأنَّ اشتراط كونٍ بابها خارجَ المسجد ليس معتبرَ المفهوم كما تقدَّمَ له، ومحرَّدُ ما ذكرَهُ قبل
هذا من تقييدِ عبارة "البدائع" بما ذكرَهُ لا يخالفُهُ، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٦/٢.
(٢) "الإمداد": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق ٣٧٠/ب.
(٣) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٣٣/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٦/٢ باختصار.
(٥) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٣٣/ب بتصرف يسير.
(٦) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٥/٢ بتصرف يسير.
الجزء السادس
٤٢٧
باب الاعتكاف
وبابُ المنارة خارجَ المسجد و (الجمعةِ وقتَ الزَّوال).
(ومَن بَعُدَ منزلُهُ) أي: مُعتكَفُهُ (خرَجَ في وقتٍ يُدرِكُها) مع سِنِتِها، يُحكِّمُ في ذلك
رأيَهُ، ويَستَنُّ بعدَها أربعاً أو سِتّاً على الخلاف،.
(٩٤٨٢] (قولُهُ: مع سُنَتِها) أي: ومع الخطبةِ كما في "البدائع"(١)، ولم يذكره للعِلْم به؛
لأَنَّ السنّة [٢/ق ٣٤١/ب] تكونُ قبل خروج الخطيب، ولم يذكر تحيَّةً المسجد أيضاً مع ذكرِهم
لها هنا لأَنَّه ضعيفٌ؛ إذ صرَّحُوا بأنَّه إذا شرَعَ في الفريضةِ حين دخل المسجدَ أجزأَهُ عن تحيَّةٍ
المسجد لحصولها بذلك، فلا حاجةَ إلى تحيّةٍ غيرِها، وكذا لو شرَعَ في السنَّة، كذا في "البحر"(٢)
تبعاً لـ "الفتح"(٣)، لكنْ نقَلَ "الخير الرَّمليُّ" عن خطّ العلاَّمة "المقدسيِّ": ((أَنّه لا شكَّ أنَّ صلاة
التحيّة بالاستقلالِ أفضلُ من الإتيان بها في ضمنِ الفريضة، ولا يخفى أنَّ مَن يعتكفُ ويلازمُ باب
الكريم إنما يرومُ ما يُوجِبُ له مزيدَ التفضيل والتكريم)) اهـ، فافهم.
[٩٤٨٣] (قولُهُ: على الخلافِ) أي: أربعاً عنده وسّاً عندهما، "بدائع(٤). قال في "البحر "(*):
((وقد ظهَرَ بهذا أنَّ الأربع التي تُصلّى بعد الجمعةِ بنَّةِ آخرِ ظهرٍ عليه لا أصلَ لها في المذهب؛
لنصِّهم هنا على أنّه لا يُصلِّي إلَّ السنّةَ البعديَّة، ولأنَّ مَن اختارَها من المتأخّرِين اختارَها للشكِّ
في سبقِ جمعِهِ بناءً على عدم جوازِ تعدُّدِها في مصرٍ، وقد نصَّ الإمام "السرخسيُّ"(٦) على
أنَّ الصحيح من المذهب الجوازُ، فلا ينبغي الإفتاءُ بها في زماننا؛ لأَنَّهم تطرَّقُوا منها إلى التكاسُلِ
عن الجمعة، وظُنَّ أَنَّها غيرُ فرضٍ، وأنَّ الظُّهر كافٍ عنها، واعتقادُ ذلك كفرٌ)) اهـ ملخَّصاً.
(١) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٤/٢ بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٥/٢.
(٣) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٠٩/٢ - ٣١٠.
(٤) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٤/٢.
(٥) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٥/٢ بتصرف.
(٦) "المبسوط": كتاب السجدات - باب الجمعة ١٢٠/٢.
قسم العبادات
٤٢٨
حاشية ابن عابدين
ولو مكَثَ أكثرَ لم يَفسُد؛ لأَنَّه محلٌّ له، وكره تنزيهاً؛
١٣٢/٢
قلت: وفي هذا الظُّهورِ خفاءٌ؛ لأنَّ الأصل عدمُ تعدُّدِ الجمعة، وليس في كلِّ البلاد، فليكن
اقتصارُهم على بيانِ السنّة مبنيًّاً على ذلك، ولأنَّ المعتكف لا يلزمُ أنْ يأتيَ بها في مسجدِ الجمعة،
بل يأتي بها في مُعتكَّقِهِ، وكونُ الصحيحِ جوازَ التعدُّدِ لا يُنافي استحبابَ تلك الأربعِ خروجاً من
الخلاف القويِّ الواقعِ في مذهبنا ومذهبِ الغير، وقدَّمنا (١) في بابِ الجمعة التصريحَ عن "النهر"
وغيره: ((بأَنَّه لا شكَّ في استحبابِها))، وكونُ الأَولى أنْ لا يُفتَى بها في زماننا لِما ذكرَهُ لا يلزمُ
منه عدمُ الإتيان بها ممن لا يُخشَى منه ذلك كما مرَّ هناك مبسوطً عن "المقدسيِّ" وغيره، فتذكَّره
بالمراجعةِ، فافهم.
[٩٤٨٤] (قولُهُ: ولو مكَثَ أكثرَ) كيومٍ وليلةٍ، أو أَنَّمَّ اعتكافَهُ فيه، "سراج)"(٢).
[٩٤٨٥] (قولُهُ: لأَنّه محلٌّ له) أي: مسجدُ الجمعة محلٌّ للاعتكافِ، وفيه إشارةٌ إلى الفرق بين
هذا وبين ما لو خرَجَ لبولٍ أو غائطٍ، ودخَلَ منزلَهُ ومكث فيه حيث يفسُدُ كما مرَّ(٣)، وفي
"البدائع"(٤): ((وما رُوِيَ عنه [٢/ق ٣٤٢ / أ] ﴿ من الرُّخصة في عيادة المريض وصلاةِ الجنازة(٥)
فقد قال "أبو يوسف": ذلك محمولٌ على الاعتكافِ التطوُّعِ، ويجوزُ حملُ الرُّخصة على
ما لو خرَجَ لوجهٍ مباحٍ كحاجةِ الإنسان أو الجمعة، وعاد مريضاً أو صلَّى على جنازةٍ من غيرِ
أن يخرج لذلك قصداً، وذلك جائزٌ)) اهـ. وبه عُلِمَ أَنَّه بعد الخروجِ لوجهٍ مباحٍ إِنما يضُرُّ المكثُ
لو في غيرِ مسجدٍ لغير عبادةٍ.
(١) المقولة [٦٧٤٩] قوله: ((فيصلي بعدها آخر ظهر)).
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١/ق ٥٢٩/ب.
(٣) المقولة [٩٤٧٤] قوله: ((إلا لحاجة الإنسان إلخ)).
(٤) "البدائع": كتاب الاعتكاف ــ فصل: وأما شرائط صحته ١١٤/٢ بتصرف.
(٥) أخرجه ابنُ أبي شيبة ٥٠٠/٢ كتاب الصوم - باب ما قالوا في المعتكف: ما له إذا اعتكف؟ والدّار قُطْنيّ ٢٠٠/٢
كتاب الصيام - باب في الاعتكاف، موقوفاً على عليّ بن أبي طالب نَظُه.
الجزء السادس
٤٢٩
باب الاعتكاف
المخالفةِ ما التَّزَمَهُ بلا ضرورةٍ.
(فلو خرَجَ) ولو ناسياً (ساعةً) زمانيَّةً لا رَمْلِيَّةً كما مرَّ(١) (بلا عُذْرِ فسَدَ) فَيَقضيه،
[٩٤٨٦] (قولُهُ: لمخالفةٍ ما التزَمَهُ) أي: من الاعتكافِ في المسجد الأوَّل؛ لأَنّه لَمَّا ابتدَأَ
الاعتكافَ فيه فكأنَّه عَنَهُ لذلك، فيكرهُ تحوُّلُه عنه مع إمكانِ الإِتمام فيه، "بدائع"(٢).
قلت: ولعلَّهُ لم يتعيّن بناءً على أَنَّه لا يتعيّنُ الزَّمانُ والمكان في الَّذْرِ كما مرَّ( ٣)، وعدمُ جواز
الخروج منه بلا عذرٍ لا لتعُّنِهِ، بل لأنَّ الخروج مضادٌّ لحقيقةِ الاعتكاف الذي هو اللَّبثُ والإقامة.
( تتمَّةٌ )
لم يُذكَر جوازَ خروجه لجماعةٍ، وقدَّمنا (٤) عن "النهر" و"الفتح" ما يفيدُهُ، ويأتي(٥)
في كلامِهِ ما يفيدُهُ أيضاً، وفي "البحر"(٦) عن "البدائع"(٧): ((لو أحرَمَ بحجٌ أو عمرةٍ أقامَ في اعتكافه
إلى فراغِهِ منه، فإنْ خاف فوتَ الحجِّ يحجُّ ثمَّ يستقبلُ الاعتكاف؛ لأنَّ الحجَّ أهمُّ، وإنما يستقبلُهُ
لأنَّ هذا الخروجَ وإنْ وجَبَ شرعاً فإنما وجَبَ بعقدِهِ، وعقدُهُ لم يكن معلومَ الوقوع، فلا يصيرُ
مستثنى في الاعتكاف)) اهـ.
[٩٤٨٧] (قولُهُ: فيقضيه) أي: لو واجباً بالَّذْر، أمّ التطوُّعُ لو قطَعَهُ قبل تمامٍ اليوم فلا إلاَّ في
روايةٍ "الحسن" كما مرَّ(٨)، ويقضي المنذورَ مع الصوم، غيرَ أنّه لو كان شهراً معيّناً يقضي قدْرَ ما
فَسَدَ، وإِلاَّ استقبَلَهُ؛ لأَنَّ لَزِمَهُ متتابعاً، ولا فرقَ بين فساده بصنعِهِ بلا عذرِ كالجماع مثلاً إلاَّ الردَّةَ،
(١) صـ ٩ ٤١ - "در".
(٢) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٤/٢.
(٣) صـ٣٩٦ - وما بعدها "در".
(٤) المقولة [٩٤٣٨] قوله: ((مطلقاً)).
(٥) صـ ٤٣٣- "در".
(٦) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٥/٢ بتصرف.
(٧) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٧/٢ بتصرف.
(٨) المقولة [٩٤٥٥] قوله: ((على المذهب)).
قسم العبادات
٤٣٠
حاشية ابن عابدين
إِلاَّ إِذا أفسَدَهُ بالرِّدَّة، واعتَبَرَا أكثرَ النهار، قالوا: وهو الاستحسانُ، وَبَحَثَ فيه
"الكمالُ" (و) إِنْ خَرَجَ (بُعُذْرِ يَغْلِبُ وقوعُهُ).
أو لعذرٍ كخروجِهِ لمرضٍ، أو بغيرِ صنعِهِ أصلاً كحيضٍ وجنونٍ وإغماءٍ طويلٍ. وأمَّا حكمُهُ
إذا فات عن وقته المعَّنِ فإنْ فات بعضُهُ قضاه لا غير، ولا يجبُ الاستقبال، أو كلُّهُ قَضَى الكلَّ
متابعاً، فإنْ قدَرَ ولم يَقْضِ حَتَّى مات أوصى لكلِّ يومٍ بطعامٍ مسكينٍ، وإنْ قدَرَ على البعض
فكذلك إنْ كان صحيحاً وقتَ النَّذْرِ، وإلاّ فإنْ صحَّ يوماً فعلى الاختلافِ المارِّ في الصوم،
وإلاَّ فلا شيءَ عليه، "بدائع"(١) ملخَّصاً.
[٩٤٨٨] (قولُهُ: إلاَّ إذا أفسَدَهُ بِالرِّدَّة) لِأَنْها تُسقِطُ ما وجَبَ عليه قبلها بإيجابِ
[٢/ق٣٤٢/ب] الله تعالى أو إيجابه، والَّذْرُ من إيجابه. اهـ "ح"(٢). أي: وليس سببُهُ باقياً؛
لأَنّ الَّذْرِ، وقد قال في "الفتح"(٣): ((إِنَّ نفس النَّذْرِ بالقُربة قربةٌ، فيبطلُ بالردَّة كسائرِ القُرَب))
اهـ. وإذا بطَلَ سببُّهُ لم يجب قضاؤه، بخلاف الحجِّ والصلاةِ الوقتّة لبقاءِ سببهما.
[٩٤٨٩] (قولهُ: قالوا: وهو الاستحسانُ) لأنَّ في القلبل ضرورةً، كذا في "الهداية"(٤) بدون
لفظةِ ((قالوا)) المشعرةِ بالخلافِ والضَّعفِ، ولكنَّه أتى بها مَيْلاً إلى ما بحَتَهُ "الكمال" (٥).
[٩٤٩٠] (قولُهُ: وبحَثَ فيه "الكمالُ"(٦)) حيث قال: ((قولُهُ: وهو استحسانٌ يقتضي ترجيحَهُ؟
لأنّه ليس من المواضعِ المعدودة التي رُجِّحَ فيها القياسُ على الاستحسان، ثمَّ مُنِعَ كونُهُ استحساناً
(١) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما بيان حكمه ١١٧/٢ - ١١٨.
(٢) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق ١٣٣/ب.
(٣) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣١٦/٢.
(٤) "الهداية": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١٣٣/١.
(٥) في المقولة الآتية.
(٦) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣١١/٢ باختصار.
الجزء السادس
٤٣١
باب الاعتكاف
وهو ما مرَّ لا غير (لا) يَفسُدُ، وأَمَّا ما لا يَغِلِبُ كإنجاءِ غريقِ وانهدامٍ مسجدٍ
فمُسقِطٌ للإثم لا للبطلان، وإلاّ لكان النّسيانُ أَولى بعدمِ الفساد.
بالضّرورة بأنَّ الضَّرورة التي يُناطُ بها التخفيفُ هي الضَّرورةُ اللازمة أو الغالبة الوقوع،
مع أنَّهما - أي: الإمامين - يُجيزان الخروجَ بغير ضرورةٍ أصلاً؛ لأنَّ فرض المسألة في خروجِهِ
أقلّ من نصفِ يومٍ لحاجةٍ أوْ لا بل لِلَّعبِ، وأنا لا أشكُّ في أنَّ مَن خرَجَ من المسجد
إلى السُّوق للَّعبِ واللَّهوِ والقمار إلى ما قبل نصف النهار، ثمَّ قال: يا رسول الله،
أنا معتكفٌ قال: ما أبعدَكَ عن المعتكفين)) اهـ ملخِّصاً. وقد أطالَ في تحقيقِ ذلك كما هو
دابُهُ في التحقيق رحمه الله تعالى.
وبه عُلِمَ أَنَّه لم يُسلِّمْ كونُهُ استحساناً حَتّى يكونَ مما رُجِّحَ فيه القياسُ على الاستحسان كما
أفادَهُ "الرَّحمتيُّ" ، فافهم.
[٩٤٩١] (قولُهُ: وهو ما مرّ(١)) أي: من الحاجةِ الطبيعيَّةِ والشرعيَّةِ.
[٩٤٩٢] (قولُهُ: وإلاَّ لكان النّسيانُ أَولى إلخ) لأَنَّه عذرٌ ثبَتَ شرعاً اعتبارُ الصحَّةِ معه في بعض
الأحكام، "فتح"(٢). أي: كما في أكلِ الصائم ناسياً، وصحَّةِ الوقتيّة عند نسيان الفائتة.
(قولُهُ: بأنَّ الضَّرورة التي يُناطُ بها النَّخفيف إلخ) قد يقال: إنَّ الضَّرورة التي يُناطُ بها الحكمُ هنا
من القسم الثاني، وذلك أنَّ المعتكف لَمَّ تعدَّدَتْ حاجتُهُ خارجَ المسجد مما لا بدَّله منه جُوِّزَ له الخروجُ
أقلّ من نصف النهار للقيام بجوائجه الضروريَّة له غالباً، والضَّرورةُ هي علّةٌ لإثباتِ أصل الحكم بدون
مراعاةِ وجودها في كلِّ فردٍ كما هو الغالبُ في العلل الفقهيّة كالمشقَّة التي هي مناطُ الترخيصِ للمسافر
في الفطر مثلاً، فإنّها مناطٌ لإثباتِ أصلِ الحكم، ولا يلزمُ تحقَّقُها في كلِّ فردٍ، وهكذا كثيرٌ من العِلَل
الفقهيَّ راعَوها لإثباتِ الحكم بدون اشتراطِ وجودها في كلِّ فردٍ، تأمَّل.
(١) ص٤٢٤-٤٢٥- "در".
(٢) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣١١/٢.
قسم العبادات
٤٣٢
حاشية ابن عابدين
كما حقَّقَهُ "الكمال" خلافاً لِما فصَّلَهُ "الزيلعيُّ" وغيرُهُ».
[٤٩٣ ٩] (قولُهُ: كما حقَّقَةُ "الكمال"(١)) حيث قال: ((والذي في "الخانَيَّة"(٢) و"الخلاصة"(٣):
أَنَّه لو خَرَجَ ناسياً أو مُكرَهاً أو لبولٍ، فحبسَهُ الغريمُ ساعةً أو لمرضٍ فَسَدَ عنده. وعلَّلَ في "الخَانَيَّة"
المرضَ بأنَّه لا يَغِلِبُ وقوعُهُ، فلم يَصِرْ مستثنىِّ عن الإيجاب، فأفاد الفسادَ في الكلِّ، وعلى هذا
١٣٣/٢ يَفسُدُ لو لإعادةِ مريضٍ(٤) أو شهودِ جنازةٍ وإِنْ تعََّتْ عليه، إلَّ أَنَّه لا يأثمُ كما في المرض،
بل يجبُ كما في الجمعة، ولا يفسُدُ بها؛ لأَنّها معلومٌ وقوعُها، فكانت مستثناةً، وعلى هذا
إذا خرَجَ لإنقاذِ [٢/ق٣٤٣/أ] غريقٍ أو حريقٍ أو جهادٍ عَمَّ نفيرُهُ فسَدَ ولا يأثمُ، وكذا إذا انهدَمَ
المسجدُ، ونصَّ عليه في "الخانَيَّة" (٥) وغيرها، وكذا تفرُّقُ أهلِهِ وانقطاعُ الجماعة منه، ونصَّ
"الحاكم" في "الكافي"(٦) فقال: وأمَّا قولُ "أبي حنيفة" فاعتكافُهُ فاسدٌ إذا خرَجَ ساعةً لغيرِ غائطٍ
أو بول أو جمعةٍ)) اهـ ملخّصاً.
[٩٤٩٤] (قولُهُ: خلافاً لِما فصَّلَهُ "الزيلعيُّ)(٧)) حيث جعَلَ الخروجَ لعيادةِ المريض، والجنازةِ
وصلاتِها، وإنجاءِ الغريق والحريق، والجهاد إذا كان النَّغيرُ عامَّاً، وأداءِ الشَّهادة مُفسِداً بخلافٍ
خروجه إلى مسجدٍ آخرَ بانهدامِ المسجد، أو تفرُّقِ أهلِهِ لعدم صلواتِ الخمس فيه، وإخراجٍ ظالِمٍ
كَرْهاً، وخوفِهِ على نفسه أو ماله من المكابرين. ومشى في "نور الإيضاح"(٨) على هذا التفصيلٍ
لا على ما يأتي(٩) عن "النهر"، فافهم.
(١) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣١٠/٢ - ٣١١.
(٢) "الخانية": كتاب الصوم - فصل في الاعتكاف ٢٢٢/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل السادس في الاعتكاف ق ٧٠/ب.
(٤) قوله:((لإعادة مریض)) هكذا بخطه، ولعل صوابه: ((لو لعيادة مريض)). اهـ مصححه.
(٥) "الخانية": كتاب الصوم - فصل في الاعتكاف ٢٢٢/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) انظر "المبسوط": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١١٧/٣.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٥١/١ .
(٨) "نور الإيضاح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف صـ٣١٩ -.
(٩) في المقولة الآتية.
الجزء السادس
٤٣٣
باب الاعتكاف
لكنْ في "النهر" وغيره جعَلَ عدمَ الفساد لانهدامِهِ وبُطْلان جماعتِهِ وإخراجهِ كَرْهاً
استحساناً، ..
[٩٤٩٥] (قولُهُ: لكنْ في "النهر"(١)) حيث قال: ((صرَّحَ في "البدائع"(٢) وغيرها بأنَّ عدم
الفساد في الانهدامِ والإكراه استحسانٌ؛ لأَنّ مضطرٌّ إليه؛ لِما أَنَّه بعد الانهدامِ خَرَجَ من أنْ يكون
مُعتَكَفاً؛ لأَنَّه لا يُصلَّى بالجماعةِ الصلواتُ الخمس، وهذا يفيدُ عدم الفساد بتفريقِ أهله)) اهـ.
وفي "الشرنبلاليّة"(٣): ((أَنَّه نَصَّ على الاستحسان في ذلك في "المحيط" و"المبتغى"
و"الجوهرة"(٤))).
قلت: وكذا في "المجتبى" و"السِّراج"(٥) و"التتار خافَّة"(٦)، وبهذا سقَطَ ما ذكرَهُ
"أبو السُّعود" محشِّي "مسكين"(٧): ((من أنَّ ما في "البدائع"(٨) وغيرِها قولُ "الصاحبين"، وأنَّ
"الزيلعيَّ" و"مسكين" و"الشرنبلاليّ" وغيرهم خَلَطُوا أحد القولين بالآخر))، وأطال فيه بما
لا يُجدي؛ إذ لو كان قولَ "الصاحبين" فما معنى الاستحسان في بعضِ الأعذار دون بعضٍ؟!
وهما يقولان بعدمِ الفساد بالخروج أقلّ من نصفِ نهارٍ بلا عذرٍ أصلاً، وأيضاً لو كان ذلك
قولَهما لنقَلَهُ واحدٌ منهم، بل صرَّحَ في "البدائع"(٩) في مسألتي الانهدامِ والإكراه: ((بأَنَّه لا يَفسُدُ
إذا دخَلَ مسجداً آخرَ من ساعته استحساناً))، فقولُهُ: ((من ساعته)) صريحٌ في أَنَّ على قول "الإمام".
(١) "النھر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٢٨ /ب.
(٢) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٤/٢-١١٥ بتصرف.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٢١٤/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "الجوهرة النيرة": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١٨٠/١، لكن لم ينص على أنه استحسان.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١/ق ٥٣٠/أ.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثاني عشر في الاعتكاف ٤١٢/٢ نقلاً عن "المحيط".
(٧) "فتح المعين": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٤٥٤/١.
(٨) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٥/٢.
(٩) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٥/٢.
قسم العبادات
٤٣٤
حاشية ابن عابدين
وفي "التاتر خانيّة" (١) عن "الحجَّة": ((لو شرَطَ وقتَ النَّذْرِ أن يَخرُجَ لعيادةِ مريضٍ
وصلاةٍ جنازةٍ وحضورِ مجلسٍ علمٍ ...
والحاصلُ: أنَّ مذهب "الإِمام" الفسادُ بالخروج إلا لبولٍ أو غائطٍ أو جمعةٍ كما مرَّ(٢)
التصريحُ به عن "كافي الحاكم"، وعليه ما مرَّ(٣) عن "الخانَيَّة" و"الخلاصة" و"الفتح"، وأنَّ بعض
المشايخ استحسَنَ عدمَهُ في [٢/ق٣٤٣/ب] بعض المسائل، وكأنّه في "الخانَيَّة" لم يَرَ هذا
الاستحسانَ وجيهاً لأنَّ انهدامَ المسجد لا يُخرِجُه عن كونه مُعتكَفاً بناءً على القولِ بأنَّ إقامة
الخمس فيه بالجماعةِ غيرُ شرطٍ كما مرَّ(٤) أوَّلَ الباب، ولأنَّ الخروج لمرضٍ وحيضٍ ونسيانٍ
إذا كان مُفسِداً مع أنَّه من قِبَلِ من له الحقُّسبحانه وتعالى فيكونُ للإكراهِ الذي هو من قِبَلِ العبد
مُفسِداً بالأَولى، ولعلَّ المحقّق "ابن الهمام" نظَرَ إلى هذا، فَتَبِعَ المنقولَ في "كافي الحاكم" الذي
هو تلخيصُ كتب ظاهرِ الرِّواية، وفي "الخانَيَّة" وغيرها، وتِعَهُ صاحب "البحر "(٥)، واعتمدَهُ
صاحب "البرهان"، حيث اقتصَرَ عليه في متنه "مواهبِ الرحمن"، وتَبْعَهم "المصنّف" أيضاً،
وكذا العلاَّمة "المقدسيُّ" في "شرحه" وإِنْ خَالَفَ فيه "الشرنبلاليُّ"، فافهم.
[٩٤٩٦] (قولُهُ: وفي "التاتر خانَّةً")(٤) ومثلُهُ في "القُهُستانيّ(٧).
[٩٤٩٧] (قولُهُ: لو شَرَطَ) فيه إيماءٌ إلى عدمِ الاكتفاء بالنّة، "أبو السُّعود"(٨).
(قولُهُ: فيه إيماءٌ إلى عدمِ الاكتفاء بالنّة) الظاهرُ صحَّةُ الاكتفاء بالنّة، فإنَّ نَّة تخصيصِ العامِّ جائزةٌ،
وهذا منه في المعنى.
(١) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثاني عشر في الاعتكاف ٤١٢/٢.
(٢) المقولة [٩٤٩٣] قوله: ((كما حققه الكمال)).
(٣) المقولة [٩٤٩٣] قوله: ((كما حققه الكمال)).
(٤) ص٩ ٤٠ - "در".
(٥) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٦/٢.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثاني عشر في الاعتكاف ٤١٢/٢.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل الاعتكاف ٢٢٩/١.
(٨) "فتح المعين": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٤٥٣/١.
الجزء السادس
٤٣٥
باب الاعتكاف
جاز ذلك))، فليحفظ.
(وخُصَّ) المعتكفُ (بأكلٍ وشربٍ ونومٍ وعَقْدٍ احتاجَ إليه) لنفسِهِ أو عيالِهِ،
فلو لتجارةٍ كُرِهَ (كَبَيْعٍ ونكاحٍ وَرَجْعةٍ) فلو خرَجَ لِأَجْلِها فسَدَ.
[٩٤٩٨] (قولُهُ: جازَ ذلك) قلت: يشيرُ إليه قولُهُ في "الهداية"(١) وغيرها عند قوله:
((ولا يُخْرُجُ إِلَّ لحاجةِ الإِنسان)): ((لأَنَّه معلومٌ وقوعُها، فلا بدَّ من الخروج، فيصيرُ مستثنىً)) اهـ
والحاصلُ: أنَّ ما يَغِلِبُ وقوعُهُ يصيرُ مستثنىّ حكماً وإنْ لم يَشْرِطه، وما لا فلا إلاّ إذا
شرَطَهُ.
[٩٤٩٩] (قولُهُ: وخُصَّ المعتكفُ بأكلٍ إلخ) أي: في المسجدِ، والباءُ داخلةٌ على المقصورِ
عليه، بمعنى أنَّ المعتكف مقصورٌ على الأكلِ ونحوه في المسجد لا يحلُّ له في غيره، ولو كانت
داخلةً على المقصور كما هو المتبادِرُ يَرِدُ عليه أنَّ النّكاح والرَّجعة غيرُ مقصورين عليه لعدم
كراهتهما لغيره في المسجد.
واعلم أنَّه كما لا يكرهُ الأكلُ ونحوه في الاعتكاف الواجب فكذلك في التطوُّعٍ كما
في كراهية "جامع الفتاوى"(٢)، ونصُّهُ: ((يكرهُ النومُ والأكل في المسجد لغيرِ المعتكف،
وإذا أرادَ ذلك ينبغي أنْ ينويَ الاعتكافَ، فيدخلُ فيذكرُ الله تعالى بقدْرِ ما نوى، أو يصلِّي
ثُمَّ يفعلُ ما شاء)) اهـ.
[٩٥٠٠] (قولُهُ: فلو لتجارةٍ كُرِهَ) أي: وإنْ لم يُحضِرِ السِّلعةَ، واختارَهُ "قاضيخان" (٣)،
ورجَّحَهُ "الزيلعيُّ(٤)؛ لأَنَّه منقطعٌ إلى الله تعالى، فلا ينبغي له أنْ يشتغلَ بأمور الدنيا، "بحر "(٥).
[٩٥٠١] (قولُهُ: ورجعةٍ) معطوفٌ على ((أَكلٍ)) لا على (بيعٍ)) إِلَّ بتأويلِ العقد بما يشملُها.
(١) "الهداية": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١٣٣/١ بتصرف.
(٢) "جامع الفتاوى": كتاب الكراهية ق٨٧/أ، وكتاب الصوم ق٢٣/أ بتصرف يسير.
(٣) "الخانية": كتاب الصوم - فصل في الاعتكاف ٢٢٢/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٥١/١.
(٥) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٧/٢.
قسم العبادات
٤٣٦
حاشية ابن عابدين
لعدمِ الضَّرورة.
(وكُرِهَ) أي: تحريماً؛ لأنّها محلُّ إطلاقِهم، "بحر"(١) (إحضارُ مَبِيْعٍ فيه) كما كُرِهَ فيه
مبايعةُ غيرِ المعتكفِ مطلقاً ..
[٩٥٠٢] (قولُهُ: لعدمِ الضَّرورة) أي: إلى الخروجِ حيث جازَتْ في المسجد، وفي
"الظهيريَّة"(٢): ((وقيل: يخرُجُ [٢/ق ٣٤٤ /أ] بعد الغروب للأكل والشُّرب)) اهـ. وينبغي حملُهُ على
ما إذا لم يَحِدْ مَن يأتي له به، فحينئذٍ يكونُ من الحوائج الضروريَّةِ كالبولٍ، "بحر "(٣).
[٩٥٠٣] (قولُهُ: إحضارُ مبيعٍ فيه) لأنَّ المسجد مُحرَزٌ عن حقوقِ العباد، وفيه شغلُهُ بها، ودلَّ
تعليلُهم أنَّ المبيع لو لم يَشْغَل البقعةَ لا يكرهُ إحضاره كدراهمَ يسيرةٍ أو كتابٍ ونحوه، "بحر "(٤).
لكنَّ مقتضى التعليلِ الأوَّلِ الكراهةُ وإنْ لم يَشغَل، "نهر " (٥).
قلت: التعليلُ واحدٌ، ومعناه أنّه مُحرَزٌ عن شغلِهِ بحقوقِ العباد، وقولُهم: وفيه شغلُهُ بها نتيجةُ
التعليل، ولذا أبدَلَهُ في "المعراج" بقوله: ((فيكرهُ شغلُهُ بها))، فافهم. وفي "البحر"(٦): ((وأفاد إطلاقُهُ
١٣٤/٢ أنَّ إحضار ما يشتريه ليأكلَّهُ مكروهٌ، وينبغي عدمُ الكراهة كما لا يخفى)) اهـ أي: لأنَّ(٧) إحضاره
ضروريٌّ لأجلِ الأكل، ولأَنَّه لا شغلَ به؛ لأَنَّ يسيٌّ، وقال "أبو السُّعود(٨): ((نقَلَ "الحمويُّ" عن
"البرْ جَديّ" أنَّ إحضار الثمنِ والمبيعِ الذي لا يَشْغَلُ المسجدَ جائزٌ)) اهـ.
[٩٥٠٤] (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ احتاجَ إليه لنفسِهِ أو عياله أم كان للتجارةِ، أحضره
(١) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٧/٢.
(٢) "الظهيرية": كتاب الصوم - الفصل التاسع في الاعتكاف ق ٦١/أ. وفيها: ((الخروج)) بدل ((الغروب))، وهو تحريف.
(٣) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٦/٢.
(٤) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٧/٢ باختصار.
(٥) "النهر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٢٨/ب.
(٦) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٧/٢ باختصار.
(٧) من ((إحضار ما يشتريه)) إلى ((أي: لأن)) ساقط من "الأصل".
(٨) "فتح المعين": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٤٥٦/١.