Indexed OCR Text
Pages 401-420
الجزء السادس ٣٩٧ فصل في العوارض ولو مُعَّناً (لا يَخْتَصُّ بزمانٍ ومكانٍ ودرهمٍ وفقيرٍ) فلو نذَرَ التصدُّقَ يومَ الجمعة بمكّةَ بهذا الدِّرهم على فلانٍ فخالَفَ جاز). [٩٣٩٦] (قولُهُ: ولو معيّناً) أي: بواحدٍ من الأربعةِ الآتية، فغيرُ المعَيَّنِ لا يختصُّ بواحدٍ منها بالأَولى كما لو نذَرَ التصدُّقَ بدرهمٍ منكّرٍ وأطلَقَ. [٩٣٩٧] (قولُهُ: فلو نذَرَ إلخ) مثالٌ للتعيين في الكلِّ على النَّشْرِ المرتَّب، "ط)" (١). [٩٣٩٨] (قولُهُ: فخالَفَ) أي: في بعضِها أو كلِّها، بأنْ تصدَّقَ في غيرِ يوم الجمعة ببلدٍ آخر .. هم آخر على شخصٍ آخر، وإنما جازَ لأنَّ الداخل تحتَ الَّذْرِ ما هو قربةٌ، وهو أصلُ التصدُّقِ دون الـ ـ " ، فبطَلَ التعيينُ ولزمتْهُ القربةُ كما في "الدرر"(٢)، وفي "المعراج": ((ولو نذَرَ صومَ غدٍ فأخْرَه إلى ما بعدَ الغدِ جاز، وينبغي أنْ لا يكون مسيئاً كمَن نذَرَ أنْ يتصدَّقَ بدرهمِ السَّاعَةَ فتصدَّقَ بعد ساعةٍ)) اهـ. ( تنبيةٌ ) ذكَرَ العلاَّمة "ابن نجيمٍ)" في "رسالته"(٣) في النَّذْرِ بالصدقة: ((أَنَّه ذكَرَ في "الخانَّةِ"(٤): أَنَّه لو عَيَّنَ التصدُّقَ بدراهمَ فهلكت سقَطَ الَّذْر))، قال: ((وهذا يدلُّ على أنَّ قولهم: وألغينا تعيينَ الدِّينار والدِّرهم ليس على إطلاقه، فيقال: إلاَّ في هذه، فإنَّا لو ألغيناه مطلقاً لكانَ الواجبُ في ذمَّتِهِ، فإذا هلَكَ المعَيّنُ لم يَسقُط الواجبُ، وكذا قولهم: ألغينا تعيينَ الفقير ليس على إطلاقه لِما في "البدائع"(٥): لو قال: للَّهِ عليَّ أنْ أطعمَ هذا المسكينَ شيئاً سَمَّاه ولم يعبِّه فلا بدَّ أنْ يعطيَهُ لِلَّذي (قولُ "المصنّف": لا يختصُّ بزمانٍ ومكانٍ إلخ) سيأتي للمحشِّي قريباً: ((أنَّ النَّذْر المعيّن لا يكون سبباً قبل وقته عند "محمَّدٍ"))، فما هنا على غيرِ مذهبه. (١) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٧٠/١. (٢) "الدرر": كتاب الصوم - فصل: حامل أو مرضع إلخ ٢١٢/١. (٣) "رسالته" في النذر والتصدق صـ٢٧٥-٢٧٦ - (ضمن مجموعة "رسائل ابن نجيم"). .(٤) "الخانية": كتاب الزكاة - فصل في النذر ٢٦٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية"). (٥) "البدائع": كتاب النذر - فصل: وأما شرائط الركن فأنواع ٨٧/٥. قسم العبادات ٣٩٨ حاشية ابن عابدين وكذا لو عجَّلَ قبله، فلو عيَّنَ شهراً للاعتكاف أو للصَّوم فعجَّلَ قبله عنه صحَّ، وكذا لو نذَرَ أنْ يَحُجَّ سنَةً كذا فحَجَّ سنةً قبلَها صَحَّ، أو صلاةً يومَ كذا فصلاًها قبلَهُ؟ ... [٢/ق٣٣٤/أ] سَمَّى؛ لأَنَّه إذا لم يعِّن المنذور صار تعيينُ الفقير مقصوداً، فلا يجوزُ أنْ يعطيَ غيرَهُ)) اهـ. هذا، وفي "الحمويّ"(١) عن "العماديَّة": ((لو أمَرَ رجلاً وقال: تصدَّقْ بهذا المالِ على مساكينِ أهل الكوفة، فتصدَّقَ على مساكين أهل البصرة لم يَجُزْ وكان ضامناً، وفي "المنتقى": لو أوصى لفقراءِ أهل الكوفة بكذا فأعطى الوصيُّ فقراءَ أهل البصرة جاز عند "أبي يوسف"، وقال "محمَّدٌ": يضمنُ الوصيُّ)) اهـ. قلت: ووجهُهُ أنَّ الوكيل يضمنُ بمخالفةِ الآمر، وأنَّ الوصيَّ هل هو بمنزلةٍ الأصيل أو الوكيل، تأمَّل(٢). [٩٣٩٩] (قولُهُ: وكذا لو عجَّلَ قبله) هذا داخلٌ تحت قوله: ((فخالَفَ)). [٩٤٠٠] (قولُهُ: صحَّ) أي: خلافاً لـ "محمَّدٍ" و"زفر"، غير أنَّ "محمَّدً" لا يجيزُ التعجيلَ مطلقاً، و"زفرَ" إذا كان الزَّمانُ المعتَّلُ فيه أقلَّ فضيلةً كما في "الفتح"(٢). ( فرع ) نذَرَ صومَ رجبٍ، فصامَ قبله تسعةً وعشرين يوماً وجاء رجبٌ كذلك ينبغي أنْ لا يجبَ القضاء، وهو الأصحُّ كما في "السِّراج(٤)، أمَّا لو جاء ثلاثين يقضي يوماً. [٩٤٠١] (قولُهُ: أو صلاةٌ) بالتنوين، و((يومَ)) منصوبٌ على الظرفَّةِ، "ح"(٥). ولو أضافَهُ لَزِمَهُ (١) "غمز عيون البصائر": كتاب الزكاة ٥٢/٢. (٢) في "د" زيادة: ((وفي "الفتاوى الظهيرية" من الفصل الخامس من كتاب الزكاة: ولو نذر أن يتصدَّقَ على الزَّمْنى وعلى مساكين مكة جاز لغيرهم، وبه فارَقَ الوصيَّةَ انتهى. قلت: وهذا مخالفٌ لما في "العماديّة" عن "المنتقى"، كذا في "حواشي الحموي")). (٣) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣١٦/٢. (٤) "السراج الوهاج": کتاب الصوم - باب في النذور ١/ق ٥٢٢/ب. (٥) "ح": کتاب الصوم- فصل في العوارض ق١٣٢ /ب. الجزء السادس ٣٩٩ فصل في العوارض لأَنّه تعجيلٌ بعد وجوبِ السَّببِ وهو النَّذْرُ، فيلغو التَّعيينُ، "شرنبلاليّة"(١)، فليحفظ (بخلاف) النَّذْرِ (المعلَّقِ) فإنّه لا يجوزُ تعجيلُهُ قبلَ وجودِ الشَّرطِ كما سيجيءُ في الأيمان. (ولو قال مريضٌ: للهِ عليَّ أنْ أصومَ شهراً، فماتَ قبلَ أنْ يَصِحَّ لا شيءَ عليه، وإِنْ صَحَّ) ولو (يوماً). مثلُ صلاة اليوم، غيرَ أنَّه يُتُمُّ المغربَ والوتر أربعاً، وقد تقدَّمَت، "ط)" (٢). [٩٤٠٢] (قولُهُ: لأَنَّه تعجيلٌ بعد وجوبِ السَّبب) أي: فيجوزُ كما يجوزُ في الزّكاة خلافاً لـ "محمَّدٍ" و"زفر"، "فتح"(٣). [٩٤٠٣] (قولُهُ: فيلغو التّعيينُ) بناءً على لزومٍ المنذور بما هو قربةٌ فقط، "فتح"(٤). وقدَّمناه(٥) عن "الدرر"، أي: لأنَّ التعيين ليس قربةً مقصودةً حتّى يلزمَ بِالنَّذْر. [٩٤٠٤] (قولُهُ: بخلافِ النَّذْرِ المعلّقِ) أي: سواءٌ علَّقَهُ على شرطٍ يريدُهُ مثل: إِنْ قَدِمَ غائبِي أو شُفِيَ مريضي، أوْ لا يريدُهُ مثل: إِنْ زَنَيْتُ فللَّهِ عليَّ كذا، لكنْ إذا وُجِدَ الشَّرطُ فِي الأوَّلِ وجَبَ أنْ يُوفي بنذره، وفي الثاني يُخيُّ بينه وبين كفارة يمينٍ على المذهب؛ لأنَّه نذرٌ بظاهرِهِ يمينٌ بمعناه كما سيأتي(٦) في الأيمان إن شاء الله تعالى. [٩٤٠٥] (قولُهُ: فإنَّه لا يجوزُ تعجيلُهُ إلخ) لأنَّ المعلّق على شرطٍ لا ينعقدُ سباً للحال بل عند وجودِ شرطه كما تقرَّرَ في الأصول، فلو جاز تعجيلُهُ لزِمَ وقوعُهُ قبل وجود سببه فلا يصحُّ، ويظهرُ من هذا أنَّ المعلِّق يتعَّنُ فيه الزَّمانُ بالنظر إلى التعجيل، أمَّا تأخيرُهُ فيصحُّ لانعقادِ السَّبب قبله، وكذا يظهرُ منه [٢/ق٣٣٤/ب] أنَّه لا يتعيَّنُ فيه المكانُ والدِّرهمُ والفقيرُ؛ لأنَّ التعليق إنما أُثْرَ في تأخيرِ (١) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٢١٥/١ (هامش " الدرر والغرر"). (٢) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٧٠/١. (٣) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣١٦/٢ بتصرف. (٤) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل فيما يوجبه على نفسه ٣٠٣/٢. (٥) المقولة [٩٣٩٨] قوله: ((فخالف)). (٦) المقولة [١٧٣٩٤] قوله: ((فُيُخْيُرُ ضرورة)). قسم العبادات ٤٠٠ حاشية ابن عابدين ولم يَصُمْهُ (لَزِمَهُ الوصيّةُ بجميعِهِ) على الصَّحيح، كالصَّحيح إذا نذَرَ ذلك. ٠٠ السبيَّة فقط فامتنَعَ التعجيلُ، أمَّ المكانُ والدِّرهمُ والفقيرُ فهي باقيةٌ على الأصلِ من عدم التعيين لعدمِ تأثير التعليق في شيءٍ منها، فلذا اقتصَرَ كغيره في بيان وجهِ المخالفة بين المعلَّقِ وغيرِهِ على قوله: ((فإنَّه لا يجوزُ تعجيله))، فأفاد صحَّةَ التأخيرِ وتبديلِ المكان والدِّرهم والفقير كما في غير المعَلَّق، وكأنّه لظهورِ ما قرَّرناه لم ينصُّوا عليه، وهذا مما لا شبهةَ فيه لمن وقَفَ على التوجيه، فافهم. [٩٤٠٦] (قولُهُ: ولم يصُمْهُ) أمَّا لو صامَهُ فيأتي(١) قريباً. [٤٠٧ ٩] (قولُهُ: على الصَّحيحِ) هو قولهما، وقال "محمَّدٌ": لزمَهُ الوصيَّةُ بقدْرِ ما فاتَهُ كما في قضاء رمضانَ، وأوضحَهُ في "السِّراج"(٢) حيث قال: ((إذا نذَرَ شهراً غيرَ معَيَّنٍ، ثمَّ أقام بعد الَّذْرِ يوماً أو أكثرَ يقدِرُ على الصيام فلم يصم فعندهما يلزمُهُ الإيصاءُ بالإطعام لجميعِ الشهر، ووجهُهُ على طريقة "الحاكم" أنَّ ما أدركَهُ صالحٌ لصومٍ كلِّ يومٍ من أَيَّامِ النَّذْر، فإذا لم يصُمْ جُعِلَ كالقادر على الكلِّ، فوجَبَ الإيصاءُ كما لو بقيَ شهراً صحيحاً ولم يصم، وعلى طريقةِ "الفتاوى" النَّذْرُ مُلزِمٌ في الذمَّةِ الساعةَ، ولا يُشترَطُ إمكانُ الأداء، وثمرةُ الخلاف فيما إذا صامَ ما أدركَهُ، على الأوَّلِ لا يجبُ عليه الإيصاءُ بالباقي، وعلى الثاني يجب، وكذا فيما إذا نذَرَ ليلاً ومات في اللّيلة لا يجبُ على الأوَّلِ لعدم الإدراك، ويجبُ على الثاني الإيصاءُ بالكلِّ)) اهـ ملخَّصاً، واقتصَرَ في "البدائع"(٣) وغيره على طريقةٍ "الحاكم". ١٢٦/٢ ثُمَّ اعلم أنَّ هذا كلَّهُ فِي النَّذْرِ المطلَقِ، أمَّا المعيّنُ ففي "السِّراج)"(٤) أيضاً: ((ولو أوجَبَ على نفسه صومَ رجبٍ، ثمَّ أقام يوماً أو أكثرَ، ومات ولم يصم ففي "الكرخيِّ": إنْ مات قبل رجبٍ لا شيءَ عليه، وهو قول "محمَّدٍ" خاصَّةً؛ لأنَّ المعَيَّنَ لا يكونُ سبباً قبل وقته، وعندهما على طريقة (١) في المقولة الآتية. (٢) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - باب في النذور ١/ق ٥٢١/ب - ق٥٢٢/أ. (٣) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما حكم الصوم المؤقت ١٠٤/٢. (٤) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - باب في النذور ١/ق ٥٢١/أ - ب. الجزء السادس ٤٠١ فصل في العوارض وماتَ قبل تمامِ الشَّهر لَزِمَهُ الوصيَّةُ بالجميعِ بالإجماع كما في "الخَبَّازيَّة"بخلاف القضاء، "الحاكم" يوصي بقدْرِ ما قدَرَ؛ لأنَّ الَّذْر سببٌ مُلزِمٌ في الحال، إلاَّ أَنَّه لا بدَّ من التمكَّنِ، وعلى طريقةِ "الفتاوى" يوصي بالكلِّ؛ لأنَّ النَّذْرِ مُلزِمٌ بلا شرطٍ؛ لأنَّ اللّزوم إذا لم يظهر في حقِّ الأداء يظهرُ في خَلَفِهِ وهو الإطعام. وأمَّا إنْ صام ما أدركَهُ أو مات [٢/ق٣٣٥/أ] عقيبَ الَّذْر فعلى الأَوَّلِ لا يجبُ الإيصاءُ بشيءٍ، وعلى الثاني يجبُ الإيصاءُ بالباقي. ولو دخَلَ رجبٌ وهو مريضٌ، ثمَّ صحَّ بعده يوماً مثلاً فلم يصُمْ ثُمَّ مات فعليه الإيصاءُ بالكلِّ، أمّا على الثاني فظاهرٌ، وكذا على الأوَّلِ؛ لأنَّ بخروجِ الشهر المعَيَّنِ وصحَّتِهِ بعده يوماً مثلاً وجَبَ عليه شهرٌ مطلقٌ، فإذا لم يصُمْ فِيه وجَبَ الإيصاءُ بالكلِّ كما في النَّذْرِ المطلق إذا بقي يوماً أو أكثرَ يقدِرُ(١) على الصوم ولم يصم)) اهـ ملخِّصاً. [٩٤٠٨] (قولُهُ: وماتَ قبل تمامِ الشهر) أي: ولم يصُمْ في ذلك، وعبارةُ غيره: وماتَ بعد يومٍ، وبقي ما إذا صامَ ما أدركَهُ فهل يلزمُهُ الوصيّةُ بالباقي أم لا؟ ينبغي أنْ يكون على الطريقتين المذكورتين في المريض، وصرَّحَ باللُّزوم في بعضِ نسخ "البحر"، لكنَّ نسخ "البحر"(٢) في هذا المحلّ(٣) مضطربةٌ ومحرَّفَةٌ تحريفاً فاحشاً، فافهم. [٩٤٠٩] (قولُهُ: بخلافِ القضاء) أي: فيما إذا فاتَهُ رمضانُ لعذرٍ، ثمَّ أدرَكَ بعضَ العدَّة ولم يصُمْه لزمَهُ الإيصاءُ بقدْرِ ما فاتَهُ اتفاقاً على الصحيح خلافاً لِما زعمَهُ "الطحاويُّ)(٤) ((أَنَّ الخلاف في هذه المسألة))، "ح"(٥). (١) في "م": ((وقدر)). (٢) انظر "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٥/٢. (٣) انظر تعليق ابن عابدين في حاشيته "منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الصوم - فصل في العوراض ٣٠٥/٢. وفيه: ((هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها اضطراب)) اهـ. (٤) "مختصر الطحاوي": كتاب الصيام صـ٥٥ _-. (٥) "ح": کتاب الصوم - فصل في العوارض ق١٣٢/ب. قسم العبادات ٤٠٢ حاشية ابن عابدين فإِنَّ سببه إدراكُ العِدَّة. ( فروعٌ) قال: واللهِ أصومُ لا صومَ عليه، بل إنْ صامَ حَنِثَ كما سيجيءُ في الأيمان. نذَرَ صومَ رَجَبٍ فدخَلَ وهو مريضٌ أفطَرَ وَقَضَى كرمضانَ، أو صومَ الأبدِ فَضَعُفَ لاشتغالِهِ بالمعيشةِ أفطَرَ وكفّرَ كما مرَّ،. [٩٤١٠] (قولُهُ: بخلافِ القضاء (١)) جوابٌ عن قياسِ "محمَّدٍ" النَّذْرَ على القضاءِ، وبيانُهُ أنَّ النَّذْرِ سببٌ مُلزِمٌ في الحال كما مرَّ(٢)، أمَّا القضاءُ فإنَّ سببَهُ إدراكُ العدَّة ولم يوجد، فلا تجبُ الوصيَّةُ إِلاَّ يقدْرِ ما أدرَكَ، واعتُرِضَ بأنَّ القضاء يجبُ بما يجبُ به الأداءُ عند المحقّقين، وسببُ الأداءِ شهودُ الشهرِ، فكذا القضاءُ، وأجيبَ بما فيه خفاءٌ، فانظر "النهر "(٣). (٤١١ ٩] (قولُهُ: بل إن "صامَ حِثَ) لأنَّ المضارع المثَبَت لا يكونُ جوابَ القسم إلاَّ مؤكّداً بالنون، فإذا لم توجد وجَبَ تقديرُ النفي. اهـ "ح"(٤). لكنْ سيذكرُ(٥) في الأيمان عن العلاَّمة "المقدسيّ": ((أنَّ هذا قبلَ تَغُّرِ اللغة، أمَّا الآنَ فالعوامُّ لا يُفرِّقون بين الإثبات والنفي إلاَّ بوجودٍ لا وعدمها، فهو كاصطلاحٍ لغة الفرس وغيرِها في الأيمان)). [٩٤١٢] (قولُهُ: كرمضانَ) أي: بوصلٍ أو فصلٍ، "درر"(٦). [٩٤١٣] (قولُهُ: أو صومَ) عطفٌ على ((صومَ رجبٍ))، "ح"(٧). [٩٤١٤] (قولُهُ: وكفَّرَ) أي: فَدَى. [٩٤١٥] (قولُهُ: كما مرَّ(٨) أي: في الشيخِ الفاني من أنَّه يُطعِمُ كالفطرة. (١) عرض ابن عابدين رحمه الله لمقولة الشارح هذه ثانيةً، وكان قد عرض لها أولاً عند ورودها في "الدر" في الصحيفة السابقة، فلیتنبه. (٢) المقولة [٩٤٠٧] قوله: ((على الصحيح)). (٣) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق١٢٣/ب. (٤) "ح": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٣٢/ب. (٥) المقولة [١٧٢٩١] قوله: ((الحلف بالعربية إلخ)). (٦) "الدرر": كتاب الصوم - فصل: حامل أو مرضع إلخ ٢١٢/٢. (٧) "ح": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق١٣٢/ب. (٨) صـ ٣٦٦ - "در". الجزء السادس ٠ ٤٠٣ فصل في العوارض أو يومَ يَقدَمُ فلانٌ فقَدِمَ بعدَ الأكلِ أو الزَّوالِ أو حيضِها قَضَى عند "الثاني" خلافاً لـ "الثالث"، ولو قَدِمَ في رمضانَ. [٩٤١٦] (قولُهُ: أو الزَّوالِ) يعني نصفَ النهار كما مرَّ(١) مراراً. [٩٤١٧] (قولُهُ: قَضَى عند "الثاني") قلت: كذا في "الفتح"(٢)، لكنْ في "السِّراج"(٣): ((ولو قال: [٢/ق ٣٣٥/ب] للَّهِ عليَّ صومُ اليوم الذي يَقْدَمُ فلانٌ فيه أبداً فقَدِمَ في يومٍ قد أكَلَ فيه لم يلزمه صومُهُ، ويلزمُهُ صومُ كلِّ يومٍ فيما يُستقبَلُ؛ لأنَّ الناذرَ عند وجودِ الشَّرط يصيرُ كالمتكلِّم بالجواب، فيصيرُ كأنّه قال: للَّهِ عليَّ صومُ هذا اليوم وقد أكلَ فيه، فلا يلزمُهُ قضائه، وقال "زفر": عليه قضاؤُهُ)) اهـ ونحوُهُ في "البحر "(٤) بلا حكايةِ خلافٍ، وهو مخالفٌ لِما هنا، وأمَّا قولُهُ: ((ويلزمُهُ صومُ كلِّ يومٍ إلخ)) فهو مِن قوله: أبداً. [٩٤١٨] (قولُهُ: خلافاً لـ "الثالث") قال في "النهر"(٥): ((ولو قدِمَ بعدَ الزَّوال قال "محمَّدٌ": لا شيءَ عليه، ولا روايةَ فيه عن غيره، قال "السرخسيُّ" (٦): والأظهرُ التسويةُ بينهما)) اهـ. أي: بين القدومِ بعد الأكل والقدومٍ بعد الزَّوال، فـ "الشارحُ" جَرَى في الفرع الثاني على ذلك الاستظهارِ، "ط"(٧). (قولُهُ: لكنْ في "السِّراج": ولو قال إلخ) وما جَرَى عليه "الشارح" عزاه في "النهر" لـ "البناية"، ونقلَهُ "السنديُّ" عن "الخانيّة"، فما جَرَى عليه في "السِّراج" يُحمَلُ على قول "محمَّدٍ". (قولُهُ: ويلزمُهُ صومُ كلِّ يومٍ إلخ) أي: مثلِ اليوم الذي قَدِمَ فيه. (١) المقولة [٩١١٠] قوله: ((قبل الزوال)). (٢) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل فيما يوجبه على نفسه ٣٠٣/٢. (٣) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - باب في النذور ١/ق ٥٢٠/ب. (٤) "البحر": كتاب الصوم - فصل ومن نذر صوم يوم النحر ٣٢٠/٢. (٥) "النهر": كتاب الصوم - فصل في النذر ق١٢٧/أ بتصرف. (٦) "المبسوط": كتاب الصوم ٩٧/٣. (٧) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٧١/١. قسم العبادات ٤٠٤ حاشية ابن عابدين فلا قضاءَ اتّفاقاً، ولو عَنَى به اليمينَ كَفَّرَ فقط، إلاّ إذا قَدِمَ قبلَ نَّتِهِ فَنَوَاهُ عنه بَرَّ بِالنَّة ووقَعَ عن رمضان. ولو نذَرَ شهراً لَزِمَهُ كاملاً، أو الشَّهرَ فبقيَّتُهُ، أو جمعةً فالأسبوعُ ... [٩٤١٩] (قولُهُ: فلا قضاءَ اتفاقاً) لأَنَّ تبيَّنَ أنَّ نذره وقَعَ على رمضانَ، ومَن نذَرَ رمضانَ فلا شيءَ عليه، "ح"(١). أي: لا شيءَ عليه إذا أدرَكَهُ كما قدَّمناه(٢) عن "السِّراج". [٩٤٢٠] (قولُهُ: كفَّرَ فقط) أقول: لا وجهَ له، وما قيل في توجيهه: لأنَّه صامَهُ عن رمضانَ لا عن يمينِهِ لا وجهَ له أيضاً؛ لأنَّ النَّةَ في فعلِ المحلوف عليه غيرُ شرطٍ؛ لِما صرَّحُوا به من أنَّ فعله مُكرَهاً أو ناسياً سواءٌ، والمحلوفُ عليه الصومُ وقد وُجِدَ. ثمَّ ظهَرَ أنَّ في عبارة "الشارح" اختصاراً مُخِلاَّ تَبِعَ فيه "النهر"(٣)، وأصلُ المسألة ما في "الفتح"(٤) وغيره: ((لو قال: للَّهِ عليَّ أنْ أصومَ اليوم الذي يَقْدَمُ فيه فلانٌ شكراً للَّهِ تعالى، وأراد به اليمينَ فقدِمَ فلانٌ في يومٍ رمضان كان عليه كفَّرةُ يمينِ ولا قضاءً عليه؛ لأَنَّه لم يوجد شرطُ البِرِّ، وهو الصومُ بنَّةِ الشُّكرِ، ولو قدِمَ قبل أنْ ينويَ فنوى به الشُّكرَ لا عن رمضانَ بَرَّ بالنَّةِ، وأجزأه عن رمضانَ ولا قضاءَ عليه)) اهـ. وبه يَتَّضِحُ بقيّةُ كلامه، فافهم. [٩٤٢١] (قولُهُ: لزِمَهُ كاملاً) ويفتتحُهُ متى شاءَ بالعدد لا هلاليّاً، والشهرُ المعَيّنُ هلاليٌّ، كذا في اعتكافٍ "فتح القدير"(٥)، "ح"(٦). [٩٤٢٢] (قولُهُ: فبقيَّتُهُ) أي: بقيَّةُ الشهر الذي هو فيه؛ لأَنَّه ذكرَهَ مُعرَّفاً، فينصرفُ إلى المعهودِ بالحضور، فإنْ نوى شهراً فعلى ما نوى؛ لأَنَّه مُحتمَلُ كلامِهِ، "فتح"(٧) عن "التجنيس". وتقدَّمَ(٨) الكلامُ في ذلك. (١) "ح": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٣٢/ب. (٢) المقولة [٩٣٧٥] قوله: ((لكنه يقضيها هنا متتابعة)). (٣) "النهر": كتاب الصوم - فصل في النذر ق١٢٧/أ. (٤) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل فيما يوجبه على نفسه ٣٠٣/٢. (٥) "الفتح": كتاب الصوم ٣١/٢. (٦) "ح": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق١٣٢/ب. (٧) "الفتح": كتاب الصوم - فصل فيما يوجبه على نفسه ٣٠٢/٢. (٨) المقولة [٩٣٩١] قوله: ((متتابعاً)). الجزء السادس ٤٠٥ فصل في العوارض إلاّ أن ينويَ اليومَ. ولو نذَرَ يومَ السَّبْتِ (١) صومَ ثمانيةِ أَيَّامٍ صامَ سَبْتين، ولو قال: سبعةً فسبعةُ أَسْبُتٍ، والفَرْقُ أنَّ السَّبْت لا يتكرَّرُ في السَّبعة، فحُمِلَ على العدد بخلاف الأوِّل. واعلمْ أنَّ النَّذْرِ الذي يقعُ للأموات مِن أكثرِ العوامِّ، وما يُؤخَذُ من الدَّراهمِ والشَّمعِ والزَّيتِ ونحوِها إلى ضرائحِ الأولياءِ الكِرامِ تَقَرُّباً إليهم فهو بالإجماع ...... ١٢٧/٢ [٩٤٢٣] (قولُهُ: إلاَّ أنْ ينويَ اليومَ) أفاد أنَّ لزوم الأسبوعِ يكونُ فيما إذا نوى [٢/ق٣٣٦/أ] أَيَّامَ جمعةٍ أو لم يَنْوِ شيئاً؛ لأنَّ الجمعة يُذكَرُ ويرادُ به يومُ الجمعة وأَيَّامُ الجمعة، لكنَّ الأَيَّام أغلبُ، فانصرَفَ المطلقُ إليه، "تجنيس" . قال "ح(٢): ((وينبغي أنَّه لو عرَّفَ الجمعة أنْ يلزمَهُ بقيَّتُها على قياسِ السَّنَة والشَّهر، فإنَّ مبدأها الأحدُ وآخرَها السبتُ، فليراجع)) اهـ. قلت: في "البحر"(٣): ((ولو قال: صومَ أيَّامِ الجمعة فعليه صومُ سبعةٍ أَيَّامٍ)) اهـ، فتأمَّل. [٩٤٢٤] (قولُهُ: بخلافِ الأَوَّلِ) أي: فإنَّ السبت يتكرَّرُ فيه، فَأُرِيدَ المتكرِّرُ في العددِ المذكور، كأَنَّه قال: السبتَ الكائنَ في ثمانية أَيَّامٍ، وهو سبتان، قال في "المنح"(٤): ((ولا يخفى أنَّ هذا إذا لم تكن له نَّةٌ، أمَّا إذا وُجِدَت لزِمَهُ ما نوى)) اهـ "ط " (٥). [٤٢٥ ٩] (قولُهُ: تقرُّباً إليهم) كأن يقول: ياسيِّدي فلانُ، إنْ رُدَّ غائبي أو عُوفِيَ مريضي (قولُهُ: فإنَّ السَّبت يتكرَّرُ فيه إلخ) فيه أنَّه لا يظهرُ تكرُّرُه في الثَّمانية إلاّ إذا ابتُدِقَتْ بِالسَّبت فُتُخْتَمُ به، بخلافٍ ما إذا بُدِئَتْ بالأحد مثلاً ولم يوجد في كلام النَّاذر ما يُعيِّنُ الاحتمالَ الأوَّلَ، فكيف نُوجِبُ عليه الزائدَ بدون التزام؟! والظاهر: أنَّ الفرعين المذكورين مبنيَّان على عُرفهم لا على ما يُفيدُهُ اللَّفظُ فيهما، والظاهر في عرفنا لزومُ ثمانيةٍ في الأوَّلِ وسبعةٍ في الثاني. (١) في "د" و"و": ((ولو نذر صومَ يوم السبت ثمانية ... )). (٢) "ح": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق١٣٢/ب. (٣) "البحر": كتاب الصوم - فصل: ومن نذر صوم يوم النحر أفطر ٣١٩/٢. (٤) "المنح": کتاب الصوم - فصل في العوارض ق٩٤/ب. (٥) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٧١/١. قسم العبادات ٤٠٦ حاشية ابن عابدين باطلٌ وحرامٌ، ما لم يَقصِدوا صرفَها لفقراءِ الأنام، وقد ابتُلِيَ الناسُ بذلك، أو قُضِيَتْ حاجتي فلك من الذَّهب، أو الفضَّة، أو من الطعام، أو الشَّمع، أو الرَّيت كذا، "بحر "(١). [٩٤٢٦] (قولُهُ: باطلٌ وحرامٌ) لوجوهٍ منها: أَنَّه نَذْرٌ لمخلوقِ والنَّذْرُ لمخلوقٍ لا يجوزُ؛ لأَنّه عبادةٌ، والعبادةُ لا تكون لمخلوقٍ، ومنها أنَّ المنذور له ميتٌ والميتُ لا يَملِكُ، ومنها أنَّه إِنْ ظَنَّ أنَّ الميت يتصرَّفُ في الأمور دونَ الله تعالى واعتقاده ذلك كفرٌ، اللهمَّ إلاَّ إنْ قال: يا اللَّهُ، إنّي نذرتُ لكِ إِنْ شفيتَ مريضي أو رددتَ غائبي أو قضيتَ حاجتي أنْ أُطعِمَ الفقراءَ الذين ببابِ السِّدة "نفيسةً" أو الإِمام "الشافعيّ" أو الإِمام "اللَّيث"، أو أشتريَ حُصُراً لمساجدِهم، أو زَيْتاً لوقودِها، أو دراهمَ لمن يقومُ بشعائرها إلى غيرِ ذلك مما يكونُ فيه نفعٌ للفقراء. والَّذْرُ للَّهِ عزَّ وجلَّ، وذكرُ الشيخ إنما هو محلٌّ لصرفِ الَّذْر لمستحِقّيه القاطنين برباطه أو مسجده، فيجوزُ بهذا الاعتبار، ولا يجوزُ أنْ يَصرِفَ ذلك لغنيٌّ ولا لشريفٍ منصَّبٍ أو ذي نسبٍ أو عِلْمٍ ما لم يكن فقيراً، ولم يَتْبُتْ في الشرع جوازُ الصرف للأغنياء للإجماع على حرمةِ النَّذْر للمخلوق، ولا ينعقدُ ولا تشتغلُ الذمَّةُ به، ولأَنَّه حرامٌ بل سُحْتٌ، ولا يجوزُ لخادمِ الشيخ أخذُهُ إلاّ أنْ يكون فقيراً أو له عيالٌ فقراءُ عاجزون، فيأخذونه على سبيلِ الصدقة المبتدأة، وأخذُهُ أيضاً مكروهٌ ما لم يَقصِد الناذرُ التقرُّبَ إلى الله تعالى وصرفَهُ [٢/ق٣٣٦/ب] إلى الفقراء ويقطعَ النظرَ عن نَذْرِ الشيخ، "بحر"(٢) ملخّصاً عن "شرح العلاّمة قاسٍ)". [٩٤٢٧] (قولُهُ: ما لم يَقصِدوا إلخ) أي: بأنْ تكونَ صيغةُ النَّدْر للَّهِ تعالى للتقرُّبِ إليه، ويكونَ ذكرُ الشيخ مُرادً به فقراؤه كما مرَّ، ولا يخفى أنَّ له الصرفَ إلى غيرهم كما مرَّ(٣) سابقاً، ولا بدَّ أنْ يكون المنذورُ مما يصحُّ به الَّذْرُ كالصدقة بالدراهم ونحوِها، أمَّا لو نذَرَ زيتاً لإيقادٍ قنديلٍ فوق ضريحِ الشيخ أو في المنارة كما يَفعَلُ النساءُ من نذرِ الزَّيت لسّيِّدي "عبد القادر" ويُوقَدُ في المنارةِ (١) "البحر": كتاب الصوم - فصل: ومن نذر صوم يوم النحر أفطر ٣٢٠/٢ بتصرف يسير. (٢) "البحر": كتاب الصوم - فصل: ومن نذر صوم يوم النحر أفطر ٣٢٠/٢ - ٣٢١. (٣) في المقولة السابقة. الجزء السادس ٤٠٧ فصل في العوارض ولا سيَّما في هذه الأعصار، وقد بسَطَهُ العلاَّمة "قاسمٌ" في "شرح درر البحار"، ولقد قال الإِمام "محمَّدٌ": لو كان العوامُّ عبيدي لأَعْتَقْتُهم وأسقطتُ وَلائي، وذلك لأَنّهم لا يهتدون، فالكلُّ بهم يتعيَّرون. ﴿بابُ الاعتكاف﴾ وجهُ المناسبةِ له والتّأخيرِ اشتراطُ الصَّومِ في بعضِهِ والطّلَبُ الآكدُ في العشرِ الأخير. جهةَ المشرق فهو باطلٌ، وأقبحُ منه النّذْرُ بقراءةِ المولد في المنائر مع اشتمالِهِ على الغناء واللَّعب وإيهابِ ثواب ذلك إلى حضرة المصطفى وِ . [٩٤٢٨] (قولُهُ: ولا سيَّما في هذه الأعصارِ) ولا سيَّما مولدُ السِّد "أحمدَ البدويِّ"، "نهر "(١). [٩٤٢٩] (قولُهُ: ولقد قال إلخ) ذكَرَ ذلك هنا في "النهر"(٢)، ولا يخفى عن ذوي الأفهام أنَّ مراد الإِمامِ بهذا الكلام إنما هو ذُّ العوامِّ، والتباعدُ عن نسبتِهم إليه بأيِّ وجهٍ يُرام، ولو بإسقاطِ الوَلاءِ الثابتِ الانبرام، وذلك بسببِ جهلهم العامِّ، وتغييرِهم لكثيرٍ من الأحكام، وتقرُّبِهم بما هو باطلٌ وحرامٌ، فهم كالأنعام، يتعيَّرُ بهم الأعلام، ويتبرَّؤون من شنائعهم العظام، كما هو دأبُ الأنبياءِ الكرام، حيث يتبرَّؤون من الأباعد والأرحام، بمخالفتِهم الملكَ العلاّم، فافهم ما ذكرناه والسَّلام. ﴿بابُ الاعتكاف﴾ [٩٤٣٠] (قولُهُ: وجهُ المناسبةِ له والتَّأخيرِ) أي: وجهُ مناسبةِ الاعتكاف للصوم حيث ذُكِرَ معه، ووجهُ تأخيرِه عنه أنَّ الصوم شرطٌ في بعضِ أنواع الاعتكاف وهو الواجبُ - والشَّرطُ يتقدَّمُ ﴿بابُ الاعتكاف﴾ (قولُهُ: أي: وجهُ مناسبة الاعتكاف إلخ) ما ذكرَهُ الشارح أوَّلاً وثانياً يُنتِجُ المناسبةَ والتأثيرَ كما نَّهَ عليه "ط". (١) "النهر": كتاب الصوم - فصل في النذر ق١٢٧/أ. (٢) "النهر": كتاب الصوم - فصل في النذر ق١٢٧/أ. قسم العبادات ٤٠٨ حاشية ابن عابدين ۔ (هو) لغةً اللَّْثُ، وشرعاً (لَبْثُ) بفتح اللام وتُضَمُّ: الْمُكْثُ (ذَكَرٍ) على المشروط - وأنَّ الاعتكاف يُطلَبُ مؤكّداً في العشرِ الأخير من رمضان، فُختَمُ الصومُ به، فناسب ختم کتابِ الصوم بذکر مسائله. [٤٣١ ٩) (قولُهُ: هو لغةً: الَّبْثُ) أي: المكثُ في أيِّ موضعٍ كان وحَبْسُ النّفْسِ فیه، قال في "البحر"(١): ((هو لغةً: افتعالٌ من عكَفَ إذا دامَ من بابِ طَلَبَ، وعكَفَهُ: حَسَهُ، ومنه: ﴿وَالْهَدّىَ مَعْكُوفًا﴾ [ الفتح - ٢٥ ]، سُمِّيَ به هذا النوعُ من العبادة لأَنَّه إقامةٌ في المسجدِ مع شرائطَ، "مغرب"(٢). وفي "النهاية": [٢/ق٣٣٧/أ] مصدرُ المتعدِّي العَكْفُ، ومنه الاعتكافُ في المسجد، واللازمُ العُكُوفُ، ومنه: ﴿يَعَكُفُونَ عَلَى أَصْنَامِ لَّهُمْ﴾ [الأعراف - ١٣٨])). [٩٤٣٢) (قولُهُ: ذَكَرٍ) قَّدَ به وإِنْ تحقَّقَ اعتكافُ المرأة في المسجد مَيْلاً إلى تعريفِ الاعتكاف المطلوب؛ لأنَّ اعتكاف المرأة فيه مكروهٌ كما يأتي(٣)، بل ظاهرُ ما في "غاية البيان": ((أنَّ ظاهر الرِّواية عدمُ صحَّتِهِ))، لكنْ صرَّحَ في "غاية البيان": ((بأَنّه صحيحٌ بلا خلافٍ)) كما في "البحر"(٤)، وقد يقال: قَيَّدَ به نظراً إلى شرطيَّةِ مسجدٍ الجماعة، فإنّه شرطٌ لاعتكافِ الرَّجُل فقط، والأوَّلُ أَولى، لقوله بعده: ((أو امرأةٍ في مسجدٍ بيتها))، تأمَّل. (قولُهُ: مصدرُ المتعدِّي العَكْفُ، ومنه الاعتكاف إلخ) فهو عليه من المتعدِّي، وعلى ما في "البحر" من اللاّزم. (قولُهُ: والأوَّلُ أَولى؛ لقوله بعدَهُ: أو امرأةٍ إلخ) فإنَّ المقابلة تقتضي القسمةَ إلى قسمين، وذلك بجَعْلٍ التقسيم للاعتكاف المطلوب، وإلاّ لا تَتِمُّ المقابلة، ويُفهَمُ من قوله: ((أو امرأةٍ إلخ)) أنَّ شرطيَّة المسجد إنما هي في حقّه، وحينئذٍ لا يكونُ تخصيصُهُ أوَّلاً لهذه الفائدة، فإِنَّها معلومةٌ من النَّقسيم، تأمَّل. (١) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢١/٢. (٢) "المغرب": مادة ((عكف)). (٣) صـ ٤١١ - "در". (٤) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٤/٢ نقلاً عن "البدائع" لا عن "غاية البيان". الجزء السادس ٤٠٩ باب الاعتكاف ولو ممِّزاً (في مسجدٍ جماعةٍ) هو ما له إمامٌ ومؤذِّنْ أُدِّيَتْ فيه الخَمْسُ أوْ لا، وعن "الإِمام" اشتراطُ أداءِ الخَمْسِ فيه، وصحَّحَهُ بعضُهم، وقالا: يصحُّ في كلِّ مسجدٍ، وصحَّحَهُ "السروجيُّ"،. ١٢٨/٢ (٩٤٣٣] (قولُهُ: ولو مُمِّزاً) فالبلوغُ ليس بشرطٍ كما في "البحر"(١) عن " البدائع"(٢)، وشَمِلَ العبدَ، فيصحُّ اعتكافُهُ بإذن المولى، ولو نذَرَهُ فللمولى منعُهُ، ويقضيه بعدَ العتق، وكذا المرأةُ، لكن ليس له منعُها بعد الإذن بخلاف العبد؛ لأنَّه ليس من أهلِ المِلك، وأمَّا المكاتبُ فليسَ للمولى منعُهُ ولو تطوُّعاً، وتمامُهُ في "البحر"(٣). [٩٤٣٤] (قولُهُ: أُدِّيَتْ فيه الخمسُ أوْ لا) صرَّحَ بهذا الإطلاقِ في "العناية"(٤)، وكذا في "النهر"(٥)، وعزاه الشيخ "إسماعيل"(٦) إلى "الفيض" و"البزَّازِيَّة"(٧) و"خزانة الفتاوى" و"الخلاصة"(٨) وغيرها، ويُفهَمُ أيضاً - وإنْ لم يُصرِّح به - من تعقيِهِ بالقول الثاني هنا تبعاً لـ "الهداية"(٩)، فافهم. [٩٤٣٥] (قولُهُ: وصحَّحَهُ بعضُهم) نقَلَ تصحيحَهُ في "البحر "(١٠) عن "ابن الهمام"(١١). [٩٤٣٦] (قولُهُ: وصحَّحَهُ "السروجيُّ") وهو اختيارُ "الطحاويِّ"(١٢)، قال "الخيرُ الرَّمليُّ": (١) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٢/٢. (٢) "البدائع": كتاب الاعتكاف ١٠٨/٢. (٣) انظر "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٢/٢. (٤) "العناية": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٠٨/٢ (هامش "فتح القدير"). (٥) "النهر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٢٧/ب. (٦) "الإِحکام": کتاب الصوم - باب الاعتكاف ٢/ق ١٤١/ب. (٧) "البزازية": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١٠٦/٤ (هامش "الفتاوى الهندية"). (٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل السادس في الاعتكاف ق ٧٠/ب. (٩) "الهداية": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١٣٢/١. (١٠) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٤/٢. (١١) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٠٨/٢ ناقلاً التصحيح عن بعض المشايخ. (١٢) "مختصر الطحاوي": كتاب الصيام صـ٥٧ -. قسم العبادات ٤١٠ حاشية ابن عابدين وأمَّا الجامعُ فَيَصِحُّ فيه مطلقاً اتفاقاً (أو) لَبْثُ (امرأةٍ في مسجدٍ بَيْتِها) ((وهو أيسرُ خصوصاً في زماننا، فينبغي أنْ يُعوَّلَ عليه، والله تعالى أعلم)). [٩٤٣٧] (قولُهُ: وأمَّ الجامعُ) لَمَّا كان المسجدُ يشملُ الخاصَّ كمسجدِ المحلَّةِ والعامَّ- وهو الجامعُ كأمويٍّ دمشق مثلاً - أخرَجَهُ من عمومِهِ تبعاً لـ "الكافي" (١) وغيره لعدم الخلافِ فيه. [٩٤٣٨] (قولُهُ: مطلقاً) أي: وإنْ لم يُصلُّوا فيه الصلواتِ كلّها، "ح"(٢) عن "البحر"(٢). وفي "الخلاصة"(٤) وغيرها: ((وإنْ لم يكن ثَمَّةَ جماعةٌ)). ( تنبيةٌ ) هذا كُلُّهُ لبيانِ الصحَّةِ، قال في "النهر"(٥) و"الفتح"(٦): ((وأمَّا أفضلُ الاعتكاف ففي المسجد الحرام، ثمَّ في مسجده وَ﴿، ثمَّ في المسجد الأقصى، ثمَّ في الجامع، قيل: إذا كان يصلِّي فيه بجماعةٍ، فإنْ لم يكن ففي مسحدِهِ [٢/ق٣٣٧/ب] أفضلُ لئلا يحتاجَ إلى الخروج، ثمَّ ما كان أهلُهُ أكثرَ)) اهـ. [٤٣٩ ٩] (قولُهُ: في مسجدٍ بيتها) وهو المُعَدُّ لصلاتها الذي يُندَبُ لها ولكلِّ أحدٍ اتخاذُهُ كما في "البزَّازِيَّةِ"(٧)، "نهر "(٨). ومقتضاه أنَّه يُندَبُ للرَّجُل أيضاً أنْ يُخصِّصَ موضعاً من بيتِهِ لصلاته النافلة، أمَّا الفريضةُ والاعتكاف فهو في المسجدِ كما لا يخفى، قال في "السِّراج"(٩): ((وليس لزوجها أنْ يطأَّها إذا أَذِنَ لها؛ لأَنَّ ملَّكَها منافعَها، فإنْ منَعَها بعد الإذن لا يصحُّ منعه، ولا ينبغي (١) "کافي النسفي": کتاب الصوم - باب الاعتكاف ١/ ق٧٩/ب. (٢) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٣٢/ب. (٣) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٤/٢. (٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل السادس في الاعتكاف ق ٧٠/ب. (٥) "النهر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٢٧/ب. (٦) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٠٨/٢. (٧) "البزازية": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١٠٦/٤ (هامش "الفتاوى الهندية"). (٨) "النهر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٢٨/أ. (٩) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١/ق ٥٢٧/أ - ب بتصرف. الجزء السادس ٤١١ باب الاعتكاف ويكرهُ في المسجد، ولا يصحُّ في غيرِ موضعٍ صلاتها من بَيْتِها كما إذا لم يكن فيه مسجدٌ، ولا تخرُجُ من بيتها إذا اعتكَفَتْ فيه، وهل يصحُّ من الخنثى في بيته؟ لم أره، والظَّاهِرُ لا؛ لاحتمالٍ ذُكُورِيَّتِهِ (بِنَّةٍ). لها الاعتكافُ بلا إذنِهِ، وأمَّ الأَمَةُ فإِنْ أَذِنَ لها كُرِهَ له الرُّجوعُ؛ لأَنَّه يُخلِفُ وعدَهُ، وجاز لأنّها لا تَملِكُ منافعَها)). [٩٤٤٠) (قولُهُ: ويكرهُ في المسجدِ) أي: تنزيهاً كما هو ظاهرُ "النهاية"، "نهر"(١). وصرَّحَ في "البدائع"(٢): ((بأنّه خلافُ الأفضل)). [٩٤٤١] (قولُهُ: كما إذا لم يكن فيه مسحدٌ) أي: مسحدُ بيتٍ، وينبغي أنَّه لو أعدَّتْهُ للصلاة عند إرادةِ الاعتكاف أُنْ يصحّ. [٩٤٤٢] (قولُهُ: وهل يصحُّ إلخ) البحثُ لصاحب "النهر"(٣)، "ح"(٤). [٩٤٤٣] (قولُهُ: والظَّاهرُ لا) لأَنَّه على تقديرِ أنوثِهِ يصحُّ في المسجدِ مع الكراهة، وعلى تقدير ذكورتِهِ لا يصحُّ في البيت بوجهٍ، "ح"(٥). قلت: لكنْ صرَّحُوا بأنَّ ما تردَّدَ بين الواجبِ والبدعةِ يأتي به احتياطاً، وما تردَّدَ بين السنَّةِ (قولُهُ: والظاهرُ لا؛ لأَنَّه على تقديرٍ أنوثتِهِ إلخ) لكنْ في "الأشباه": ((الخنثى كالأنثى إلاّ في مسائلَ))، ومقتضاه أنَّها تعتكفُ في بيتها، ويكره منها في المسجد، وكونُ صاحب "الأشباه" لم يَحصُر المستثنياتِ لا يضرُّ؛ إذ مَن يدَّعي أنَّ هذه المسألة منها فعليه النَّقْلُ. (قولُهُ: لكنْ صرَّحُوا بأنَّ إلخ) كلام "الشارح" في اعتكافِهِ في البيتِ لا المسجدِ، فمسألةُ الاستدراكِ مسألةٌ أخرى. (١) "النهر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٢٨/أ. (٢) "البدائع": كتاب الاعتكاف ١١٣/٢. (٣) "النهر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق ١٢٨/أ. (٤) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق ١٣٢/ب. (٥) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٣٢/ب - ١٣٣/أ. قسم العبادات ٤١٢ حاشية ابن عابدين فاللَّيْثُ هو الرُّكِنُ، والكَوْنُ في المسجدِ والنَّةُ من مسلمٍ عاقلِ طاهرِ من جنابةٍ وحیضٍ ونفاس شرطان. ء والبدعة يتركُهُ، إلاَّ أن يقال: المرادُ بالبدعة المكروه تحريماً، وهذا ليس كذلك، ولا سيَّما إذا كان الاعتكافُ منذوراً. [٩٤٤٤) (قولُهُ: فاللَّثُ هو الرُّكنُ) فيه أنَّ هذا حقيقتُهُ اللغويَّةُ، أمَّا حقيقتُهُ الشرعيَّةُ فهي اللَّبِثُ المخصوصُ، أي: في المسجدِ، تأمَّل. [٩٤٤٥] (قولُهُ: من مسلمٍ عاقلٍ) لأنَّ النَّة لا تصحُّ بدون الإسلام والعقل، فهما شرطان لها، وبه يُستغَنَى عن جَعْلِهِما شرطين للاعتكاف المشروطِ بالنَّة كما أفادَهُ في "البحر "(١). [٩٤٤٦] (قولُهُ: طاهرٍ من جنابةٍ إلخ) جَعَلَ في "البدائع"(٢) الطهارةَ من هذه الثلاثةِ شرطاً للاعتكاف، قال في "النهر"(٣): ((وينبغي أنْ يكون اشتراطُ الطهارة من الحيضِ والنفاسِ فيه على روايةِ اشتراط الصوم في نفله، أمَّا على عدمه فينبغي أنْ يكون من شرائطِ الحلِّ فقط كالطهارة من الجنابة، ولم أر مَن تعرَّضَ لهذا)) اهـ والحاصلُ: أنَّ الطهارة من الثلاثة شرطٌ للحلِّ، ومن الأوَّلين شرطٌ للصحَّةِ أيضاً في المنذور، وكذا في النفل على روايةٍ اشتراط الصوم فيه بخلاف الجنابة لصحّةٍ الصوم معها، وبحَث فيه [٢/ق٣٣٨/أ] "الرَّحمتيُّ" بما صرَّحُوا به: ((من أنَّ المقصدَ الأصليَّ من شرعيَّةِ الاعتكاف انتظارُ الصلاة بالجماعة، والحائضُ والنفساء ليسا بأهلٍ للصلاة، أي: فلا يصحُّ اعتكافُهما بخلافِ الجنب؛ إذ يمكنُّهُ الطهارة والصلاة)) اهـ. ويلزمُهُ أنَّ الجنب لو لم يتطهَّرْ ويُصَلِّ لا يصحُّ منه، ويلزمُهُ أيضاً أنْ يكون من شروطِ صحَّتِهِ الصلاةُ بالجماعة، ولم يقل به أحدٌ، تأمَّل. [٩٤٤٧] (قولُهُ: شرطان) خبرُ المبتدأ، وهو الكونُ وما عُطِفَ عليه. (١) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٢/٢. (٢) "البدائع": كتاب الاعتكاف ١٠٨/٢. (٣) "النهر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٢٧/أ. الجزء السادس ٤١٣ باب الاعتكاف (وهو) ثلاثةُ أقسام: (واجبٌ بالَّذْرِ) بلسانِهِ وبالشُّروع وبالتّعليق، ذكَرَهُ "ابن الكمال" (وسنّةٌ مؤكّدةٌ في العَشْرِ الأخيرِ من رمضانَ) أي: سُنَّهُ كفايةٍ كما في "البرهان" وغیرِهِ؛. [٩٤٤٨] (قولُهُ: بلسانِهِ) فلا يكفي لإيجابِهِ النّيَّةُ، "منح"(١) عن "شمس الأئمَّةِ"(٢). [٩٤٤٩] (قولُهُ: وبالشُّروع) نقَلَهُ في "البحر"(٣) عن "البدائع"(٤)، ثمَّ قال: ((ولا يخفى أنَّه مفرَّعٌ على ضعيفٍ، وهو اشتراطُ زمنٍ للتطوُّع، وأمَّا على المذهبِ من أنَّ أقلَّ النفل ساعةٌ فلا)) اهـ. وسيأتي(٥) قريباً أيضاً مع جوابه. [٩٤٥٠] (قولُهُ: وبالتعليقِ) عطفٌ على قوله: ((بالَّذْرِ))، وهذا قرينةٌ على أنَّه أراد بالَّذْرِ الَّذْرَ المطلقَ كما قَّدَهُ به في "البدائع"(٦)، فلا يَرِدُ أنَّ صورة التعليق نذرٌ أيضاً، وأنَّ مقتضى العطفِ خلافُهُ، نعم الأظهرُ أنْ يقول: واجبٌ بالَّذْرِ منجَّزاً أو معلّقاً كما عبَّرَ في "البحر)"(٧) و"الإمداد"(٨)، فافهم. [٩٤٥١] (قولُهُ: أي: سنّهُ كفايةٍ) نظيرُها إقامةُ التراويحِ بالجماعة، فإذا قام بها البعضُ سقَطَ الطلب عن الباقين، فلم يأتموا بالمواظبةِ على التركِ بلا عذرٍ، ولو كان سنّةً عينٍ لأَئِمُوا بتركِ السنَّة المؤكَّدة إثماً دون إِثْمِ ترك الواجب كما مرَّ(٩) بيانُهُ في كتاب الطهارة. (١) "المنح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق٩٥/أ. (٢) المقصود بشمس الأئمة الإمام الحلوانيَّ كما ذكر ذلك في "المنح" نقلاً عن السراجية". (٣) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٢/٢. (٤) "البدائع": كتاب الاعتكاف ١٠٨/٢. (٥) المقولة [٩٤٦٨] قوله: ((مفرع على الضعيف)). (٦) "البدائع": كتاب الاعتكاف ١٠٨/٢. (٧) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٢/٢ . (٨) "الإمداد": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق ٣٦٩/أ. (٩) المقولة [٨٣٤] قوله: ((ويلام)). قسم العبادات ٤١٤ حاشية ابن عابدين الاقترانِها بعدم الإنكار على مَن لم يفعلْهُ من الصَّحابة (ومستحبٌّ في غيرِهِ من الأزمنةِ) هو بمعنى غيرِ المؤكَّدةِ. (وشُرِطَ الصَّومُ لِ) صحَّةِ (الأوَّلِ) اتّفاقاً (فقط) على المذهبِ (فلو نذَرَ اعتكافَ ليلةٍ لم يَصِحَّ) [٩٤٥٢] (قولُهُ: لاقترانِها إلخ) جوابٌ عمَّا أُورِدَ على قوله في "الهداية"(١): ((والصحيحُ أَنَّه سنَّةٌ مؤكّدةٌ؛ لأنَّ النبيَّلَه((واظَبَ عليه في العَشْرِ الأواخر من رمضان))، والمواظبةُ دليلُ السنَّة)) اهـ من أنَّ المواظبة بلا تركٍ دليلُ الوجوب، والجوابُ - كما في "العناية"(٢) - ((أَنَّه عليه الصلاة والسلام لم ينكر على مَن تَرَكَهُ، ولو كان واجباً لأنكَرَ)) اهـ. وحاصلُهُ أنَّ المواظبة إنما تفيدُ الوجوبَ إذا اقترنت بالإنكارِ على التارك. [٩٤٥٣] (قولُهُ: هو بمعنى غيرِ المؤكَّدةِ) مقتضاه أنَّه يُسمَّى سنَّةً أيضاً، ويدلُّ عليه أَنَّه وقَعَ في كلام "الهداية"(٣) في باب الوترِ إطلاقُ السنَّة على المستحبِّ. [٩٤٥٤] (قولُهُ: وشُرِطَ الصومُ لصحَّةِ الأَوَّل) أي: الَّذْرِ، حَتّى لو قال: لَلَّهِ عليَّ أنْ أعتكفَ شهراً بغيرِ صومٍ فعليه أنْ يعتكفَ ويصوم، "بحر "(٤) عن "الظهيريَّةِ"(٥). ١٢٩/٢ [٩٤٥٥] (قولُهُ: على المذهبِ) راجعٌ لقوله: ((فقط))، وهو روايةُ "الأصل"(٦)، (قولُهُ: جوابٌ عمَّا أُورِدَ على قوله في "الهداية" إلخ) ما ذكرَهُ "الشارح" من قوله: ((لاقترانها إلخ)) وإن صلح جواباً عمَّا أُورِدَ على "الهداية" إلاَّ أنَّ الموافق في عبارة "الشارح" أن يُجعَلَ علَّةً لقوله: ((أي: سنّةُ كفايةٍ))، أو علَّةَ لِما أفادَهُ قولُ "المصنّف": ((سنّةٌ مؤكّدةٌ)) من أنَّه ليس بواجبٍ لِما أَنَّه لم يتعرَّض الاستدلالها حتّى يتأتّى له التعرُّضُ لدَفْعِ ما يَرِدُ عليه. (١) "الهداية": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١٣٢/١. (٢) "العناية": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٠٥/٢ (هامش "فتح القدير"). (٣) "الهداية": كتاب الصلاة ٦٥/١. (٤) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٣/٢. (٥) "الظهيرية": كتاب الصوم - الفصل التاسع في الاعتكاف ق ٦١/أ. (٦) "الأصل": كتاب الصوم - باب في الصيام والاعتكاف من "الجامع الكبير" ٢٥٣/٢. الجزء السادس ٤١٥ باب الاعتكاف [٢ /ق٣٣٨/ب] ومقابلُهُ رواية "الحسن" أنَّه شرطٌ للتطوُّعِ أيضاً، وهو مبنيٌّ على اختلافِ الرِّواية في أنَّ التطوُّعَ مقدَّرٌ بيومٍ أوْ لا، ففي روايةٍ "الأصل" غيرُ مقدَّرٍ، فلم يكن الصومُ شرطاً له، وعلى روايةٍ تقديره بيومٍ - وهي روايةُ "الحسن" أيضاً - يكونُ الصومُ شرطاً له كما في "البدائع"(١) وغيرها. قلت: ومقتضى ذلك أنَّ الصوم شرطٌ أيضاً في الاعتكاف المسنون؛ لأَنَّه مُقدَّرٌ بالعَشْرِ الأخير، حَتَّى لو اعتكَفَهُ بلا صومٍ لمرضٍ أو سفرٍ ينبغي أنْ لا يصحَّ عنه، بل يكونُ نفلاً، فلا تحصلُ به إقامةُ سنَّةِ الكفاية، ويؤيِّدُهُ قولُ "الكنزِ"(٢): ((سُنَّ لَبْثٌ في مسجدٍ بصومٍ ونَّةٍ))، فإنَّه لا يمكنُ حمله على المنذورِ لتصريحه بالسنَّةِ، ولا على التطوُّعِ لقوله بعده: ((وأقُّهُ نفلاً ساعةٌ))، فتعيَّنَ حملُهُ على المسنون سنَّةً مؤكّدةً، فيدلُّ على اشتراطِ الصوم فيه، وقولُهُ في "البحر"(٣): ((لا يمكنُ حمله عليه لتصريحهم بأنَّ الصوم إنما هو شرطٌ في المنذور فقط دون غيره)) فيه نظرً؛ لأَنّهم إنما صرَّحُوا بكونه شرطاً في المنذور غيرَ شرطٍ في التطوُّع، وسكتوا عن بيانٍ حكم المسنون لظهور أَنَّه لا يكونُ (قولُهُ: فيدلُّ على اشتراطِ الصَّوم فيه) لا يخفى أنَّ مدار قوله: ((بصومٍ إلخ)) إنما يدلُّ على مصاحبةٍ الصَّوم له، ولا دلالةَ فيه على اشتراطِ هذه المصاحبة لتحقِّقِ النَّة، نعم مصاحبةُ النَّة شرطٌ لتحقُّقِهِ؛ لأَنَّها شرطٌ في تحقُّقِ كلِّ عبادةٍ مقصودةٍ. (قولُهُ: لأَنَّهم إنما صرَّحُوا بكونه شرطاً في المنذورِ غيرَ شرطٍ في التطوُّعِ إلخ) لكنَّ ظاهر مقابلةٍ الواجب بالتطوُّع أنَّ المراد به غيرُ الواجب، فيشملُ المسنون، ويدلُّ لعدم اشتراطِهِ فيه ما ذكرَهُ في "الهداية" وغيرها في تعليل عدم اشتراطه في التطوُّع: ((من أنَّه مبنى النَّفلِ على المساهلة، ألا ترى أنَّه يقعدُ في صلاة النَّقل مع القدرة على القيام؟ )) اهـ، فإنَّ المساهلة التي جعَلَها مناطَ عدمِ اشتراطه متحقّقةٌ في المسنون، ألا ترى أنَّه يقعدُ في سنن الصلاة للبناء على المساهلة فيها؟! فكذلك لا يلزمُ الصَّومُ في المسنون لذلك. (١) "البدائع": كتاب الاعتكاف ١١٠/٢. (٢) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١٠٦/١. (٣) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٣/٢. قسم العبادات ٤١٦ حاشية ابن عابدين وإِنْ نَوَى معها اليومَ لعدم محلِّتِها للصَّوم، أمَّا لو نَوَى بها اليومَ صَحَّ، والفرقُ لا يخفى (بخلاف ما لو قال) في نذره: (ليلاً ونهاراً فإنّه يصحُّ و) إنْ لم يكن اللَّلُ محلاًّ الصَّوم؛ إِلاَّ بالصوم عادةً، ولهذا قسَّمَ في متن "الدُّرر"(١) الاعتكافَ إلى الأقسامِ الثلاثة: المنذورِ والمسنونِ والتطوُّع، ثمَّ قال: ((والصومُ شرطٌ لصحَّةِ الأَوَّلِ لا الثالث))، ولم يتعرَّض للثاني لِما قلنا، ولو كان مرادُهم بالتطوُّع ما يشملُ المسنون لكان عليه أنْ يقول: شَرْطٌ لصحَّةِ الأَوَّلِ فقط كما قال "المصنّف"، فعبارةُ صاحب "الدرر" أحسنُ من عبارة "المصنّف" لِما علمتَهُ، هذا ما ظهر لي. [٩٤٥٦] (قولُهُ: وإنْ نَوَى معها اليومَ) أمَّ لو نذَرَ اعتكافَ اليوم ونوى اللّيلةَ معه لزماه كما في "البحر"(٢). [٩٤٥٧] (قولُهُ: والفرقُ لا يخفى) وهو أَنَّه في الأُولِى لَمَّا جَعَلَ اليومَ تبعاً للَّلةِ وقد بطَلَ نذرُهُ في المتبوع - وهو الّيلة - بطَلَ في التابع وهو اليوم، وفي الثانيةِ أطلَقَ الليلةَ وأراد اليومَ مجازاً مرسلاً بمرتبتين، حيث استعمَلَ المقَّدَ وهو الليلةُ في مطلقِ الزَّمان، ثمَّ استعمَلَ هذا المطلقَ في المقَّد وهو اليومُ، فكان اليومُ مقصوداً. اهـ "ح"(٣). قلت: لكنَّ هذا الفرع مُشكِلٌ، فإنَّ الجائز هو إطلاقُ النهار على مطلقِ الزَّمان دون إطلاق الَّيل، ولو ساغَ الإطلاقُ المذكور بعلاقةِ الإِطلاق والتقييد أو غيرها لساغَ إطلاقُ السماء على الأرض أو النخلة على شيءٍ طويلٍ [٢/ق٣٣٩/أ] غيرِ الإنسان، مع أنَّ المصرَّح به في كتب الأصول عدمُّهُ، وأيضاً صرَّحُوا بأنَّه إذا نوى بالعتق الطلاقَ صحَّ؛ لأنَّ العتق وُضِعَ لإزالةِ ملك الرَّقبة، والطلاقَ لإزالةِ ملك المتعة، والأُولى سببٌ للثانية، فصحَّ المجازُ بخلاف ما لو نوى بالطلاق العتقَ فإنّه لا يصحُّ مع أَنَّه يمكنُ(٤) فيه ادِّعاءُ الإِطلاق والتقييد، فليتأمَّل. (قولُ "الشارح": لعدم محلِّتها للصَّوم) تعليقٌ لمسألة المتن. (١) "الدرر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٢١٢/١ - ٢١٣ بتصرف. (٢) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٣/٢. (٣) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٣٣/أ. (٤) في "م": ((مع أنه لا يمكن))، وهو خطأ.