Indexed OCR Text

Pages 361-380

الجزء السادس
٣٥٧
فصل في العوارض
بقَدْرٍ إدراكِهِم عِدَّةً من أيَّامٍ أُخَرَ، وأمَّا مَن أفطَرَ عَمْدً فوجوبُها عليه بالأَولِى.
(وِفَدَى) لُزُوماً (عنه) أي: عن الميتِ (ولِيُّهُ).
القضاء، وإنما تجبُ الوصيَّةُ إذا كان له مالٌ كما في "شرح الملتقى"(١)، "ط" (٢).
[٩٢٧٤) (قولُهُ: بقدْرِ إدراكِهِم إلخ) ينبغي أنْ يُستشَى الأَيَّامُ المنهِيَّة لِما سيأتي أنَّ أداء الواجب
لم يُحْزِ فيها، "قُهُستاني(٣). وقد يقال: لا حاجة إلى الاستثناء؛ لأنَّه ليس بقادرِ فيها على القضاءِ
شرعاً، بل هو أعجزُ فيها من أَيَّام السَّفر والمرض؛ لأَنَّه لو صام فيها أجزأَهُ، ولو صام في الآَّيَّام المنهيَّة
لم يُجْزِهِ، "رحمتي".
[٩٢٧٥] (قولُهُ: فوجوبُها عليه بالأولى) ردٌّ لِما في "القُهُستانيِ))(٤): ((من أنَّ التقييد بالعذر
يفيدُ عدم الإجزاء))، لكنْ ذَكَرَ بعده: ((أَنَّ في "ديباجةِ المستصفى" [٢/ق٣٢٤/أ] دلالةً على
الإجزاء)).
قلت: ووجهُ الأولويَّة أنّه إذا أفطَرَ لعذرٍ وقد وجبت عليه الوصيّةُ، ولم يَتْرُك هملاً فوجوبُها
عند عدم العذر أَولى، فافهم. قال "الرَّحمتيُّ": ((ولا يُشترَطُ له إدراكُ زمانٍ يقضي فيه؛ لأَنَّه كان
يمكنُهُ الأداءُ وقد فوَّتَهُ بدونِ عذٍ)).
[٩٢٧٦] (قولُهُ: وفَدَى عنه ولِيُّهُ) لم يقل: عنهم ولُيُّهم وإنْ كان ظاهرَ السِّياق إشارةً إلى
أنَّ المراد بقوله: ((فإنْ ماتوا)) موتُ أحدهم أياً كان لا موتُهم جملةً.
[٩٢٧٧] (قولُهُ: لزوماً) أي: فداءً لازماً، فهو مفعولٌ مطلقٌ، أي: يلزمُ الوليَّ الفداءُ عنه من
الثلثِ إذا أوصى، وإِلاَّ فلا يلزمُ بل يجوزُ، قال في "السِّراج"(٥): ((وعلى هذا الزَّكاةُ، لا يلزمُ الوارثَ
إخراجُها عنه إلاَّ إذا أوصى، إلاَّ أنْ يتبرَّعَ الوارثُ بإخراجها)).
(١) "الدر المنتقى": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٢٥٠/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٢) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٤/١.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢٢٤/١.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢٢٥/١.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع - أصحاب الأعذار الذين يباح لهم الفطر ١/ق ٥٠٥/أ.

قسم العبادات
٣٥٨
حاشية ابن عابدين
الذي يتصرَّفُ في مالِهِ (كالفِطْرةِ) قَدْراً (بعدَ قدرتِهِ عليه) أي: على قضاء الصوم (وفَوْتِهِ)
أي: فَوْتِ القضاءِ بالموت، فلو فاتَّهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَقَدَرَ على خمسةٍ فَدَاها فقط (بوصَّتِهِ ....
[٩٢٧٨] (قولُهُ: الذي يتصرَّفُ في مالِهِ) أشار به إلى أنَّ المراد بالوليِّ ما يشملُ الوصيَّ كما
في "البحر"(١)، "ح"(٢).
[٩٢٧٩] (قولُهُ: قَدْراً) أي: التشبيهُ بالفطرة من حيث القَدْر؛ إذ لا يُشترَطُ التمليكُ هنا،
بل تكفي الإباحةُ بخلاف الفطرة، وكذا هي مثلُ الفطرة من حيث الجنسُ وجوازُ أداء القيمة، وقال
"القُهُستَانِيُ) (٣): ((وإطلاقُ كلامه يدلُّ على أنَّه لو دفَعَ إلى فقيرٍ جملةً جاز، ولم يُشترَط العددُ
١١٧/٢ ولا المقدارُ، لكنْ لو دفَعَ إليه أقلَّ من نصف صاعٍ لم يُعتَدَّ به، وبه يُفتَى)) اهـ، أي: بخلاف الفطرة
على قولٍ كما مرَّ(٤).
[٩٢٨٠] (قولُهُ: بعد قُدرتِهِ) أي: الميتِ، وقوله: ((وفَوْتِهِ)) مصدرٌ معطوفٌ على ((قدرتِهِ))،
والظرفُ متعلّقٌ بقوله: ((وفَدَى))، والمعنى: أَنَّه إنما يلزمُهُ الفداءُ إذا مات بعد قدرته على القضاء
وفوتِهِ بالموت.
[٩٢٨١] (قولُهُ: فلو فاتَّهُ إلخ) تفريعٌ على قوله: ((بقدْرِ إدراكهم))، أو على قوله: ((بعد قدرتِهِ
عليه))، فإنَّه يشيرُ إلى أَنَّه إنما يَقدي عمَّا أدركَهُ وفوَّتَهُ دون ما لم يدركه، وأشارَ به إلى ردِّ قول
"الطحاويّ (٥): ((إنَّ هذا قولُ "محمَّدٍ"، وعندهما تجبُ الوصيّةُ والفداء عن جميعِ الشَّهر بالقدرة
على يومٍ))، فإنَّ الخلاف في النذرِ فقط كما يأتي(٦) بيانُهُ آخرَ الباب، أمَّا هنا فلا خلافَ في
أنَّ الوجوب بقدْرِ القدرة فقط كما نَّهَ عليه في "الهاهية"(٧) وغيرها.
(١) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٦/٢.
(٢) "ح": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٣١/أ.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢٢٥/١.
(٤) المقولة [٨٧٢٧] قوله: ((أو دقيقة أو سويقه)).
(٥) "مختصر الطحاوي": كتاب الصوم صـ ٥٥ -.
(٦) المقولة [٩٤٠٧] قوله: ((على الصحيح)).
(٧) "الهداية": كتاب الصوم - فصل: ومن كان مريضاً في رمضان ١٢٦/١.

الجزء السادس
٣٥٩
فصل في العوارض
مِن الثُّلثِ) متعلّقٌ بـ ((فَدَى))، وهذا لو له وارثٌ، وإلاَّ فمِن الكلِّ، "قهستاني)"(١)
(وإنْ) لم يُوْصِ و (تبرَّعَ وليُّهُ به جازَ) إن شاء الله،.
([٩٢٨٢) (قولُهُ: من الثلثِ) أي: ثلثِ ماله بعد تجهيزِهِ وإيفاءِ ديون العباد، فلو زادت الفديةُ
على الثلثِ لا يجبُ الرَّائد إلاَّ باجازةِ الوارث.
(٩٢٨٣] (قولُهُ: وهذا) أي: إخراجُها من الثلث فقط لو له وارثٌ لم يَرْضَ بالرَّائد.
[٢/ق٣٢٤/ب]
[٩٢٨٤] (قولُهُ: وإلاَّ) أي: بأن لم يكن له وارثٌ فُتُخرَجُ من الكلِّ، أي: لو بلَغَتْ كلَّ المال
تُخرَجُ من الكلِّ؛ لأنَّ منع الزِّيادة لحقِّ الوارثِ، فحيث لا وارثَ فلا منعَ كما لو كان وأجاز،
وكذا لو كان له وارثٌ ممن لا يُرَدُّ عليه كأحدِ الزَّوجين، فتنفذُ الرِّيادة على الثلث بعد أخذِ الوارث
فرضَهُ كما سيأتي(٢) بيانُهُ آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.
[٩٢٨٥] (قولُهُ: جازَ) إِنْ أُرِيدَ بالجواز أنّها صدقةٌ واقعةٌ موقعَها فحسنٌ، وإِنْ أُرِيدَ سقوطُ
واجبِ الإيصاء عن الميت مع موته مُصِرًّاً على التقصيرِ فلا وجهَ له، والأخبارُ الواردة فيه مؤوَّلةٌ،
"إسماعيل"(٣) عن "المجتبى".
أقول: لا مانعَ من كونِ المراد به سقوطَ المطالبة عن الميت بالصَّوم في الآخرة وإنْ بقيَ عليه
إثمُ التأخير، كما لو كان عليه دينُ عبدٍ وماطَلَهُ به حتّى مات، فأوفاه عنه وصيُّهُ أو غيرُهُ، ويؤيِّدُهُ
تعليقُ الجواز بالمشيئة كما نقرِّرُهُ(٤)، وكذا قولُ "المصنّف" كغيره: ((وإِنْ صام أو صلَّى عنه لا))،
فإنَّ معناه: لا يجوزُ قضاءً عمَّ على الميت، وإلاَّ فلو جعَلَ له ثوابَ الصوم والصلاة يجوزُ كما
نذكرُهُ، فَعُلِمَ أنَّ قوله: ((جاز)) أي: عمَّا على الميتِ لَتَحسُنَ المقابلة.
[٩٢٨٦] (قولُهُ: إن شاء الله) قيل: المشيئةُ لا ترجعُ للجواز بل للقبول كسائرِ العبادات،
(١) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢٢٤/١.
(٢) انظر المقولة [٣٦١٢٥] قوله: ((لا الزيادة عليه إلخ)).
(٣) "الإِحکام": کتاب الصوم - فصل في العوارض ٢/ق ١٣٥/ب.
(٤) في المقولة التالية.

قسم العبادات
٣٦٠
حاشية ابن عابدين
وليس كذلك، فقد جزَمَ "محمَّدٌ" رحمه الله تعالى في فديةِ الشيخ الكبير، وعلَّقَ بالمشيئة فيمَن أُلحِقَ به
كمَن أفطَرَ بعذرِ أو غيره حتَّى صار فانياً، وكذا من مات وعليه قضاءُ رمضان وقد أفطَرَ بعذرٍ،
إِلاَّ أَنَّه فَرَّطَ في القضاء، وإنما علَّقَ لأنَّ النصَّ لم يَرِدْ بهذا كما قالَهُ "الإتقانيُّ"، وكذا علَّقَ في فديةٍ
الصلاة لذلك، قال في "الفتح"(١): ((والصلاةُ كالصوم باستحسانِ المشايخ، وجهُهُ أنَّ المماثلة قد
تَبَتَتْ شرعاً بين الصوم والإطعام، والمماثلةُ بين الصلاة والصوم ثابتةٌ، ومثلُ مثلِ الشيء جازَ
أنْ يكون مثلاً لذلك الشيءٍ، وعلى تقديرِ ذلك يجبُ الإطعام، وعلى تقديرٍ عدمها لا يجبُ،
فالاحتياطُ في الإيجاب، فإنْ كان الواقعُ ثبوتَ المماثلة حصَلَ المقصودُ الذي هو السُّقوط، وإلاَّ كان
بِرَّاً مبتدأً يصلُحُ ماحياً للسيّئَات، ولذا قال "محمَّدٌ" فيه: يُجزيه إن شاء الله تعالى من غيرِ جزءٍ كما
قال في تبرُّعِ الوارث بالإطعام، [٢/ق٣٢٥/أ] بخلاف إيصائه به عن الصوم فإنّه جزَمَ بالإجزاء)) اهـ.
(قولُهُ: وإنما علَّقَ لأنَّ النَّصَّ لم يَرِدْ بهذا كما قاله "الإتقانيُّ" إلخ) على ما ذكرَهُ "الإتقانيُّ" لا يُجزَمُ
بالإِجزاء إلاَّ فيما ورَدَ به النصُّ - وهو الشيخُ الفاني - لا في غيرِهِ مما ألحقوه به، ولا في فديةِ الصلاة؛ لعدم
وُرُودِ النصرِّ به، وعلى ما ذكرَهُ في "الفتح" يُحِزَمُ بالإجزاء في الشيخ الفاني وما أُلحِقَ به لا في فديةِ الصلاة
ولا في تبرُّعِ الوارث، والذي ذكرَهُ "الزيلعيُّ" موافقٌ لِما في "الفتح"، حيث قال: ((يُطعِمُ وليُّ المريضِ
والمسافرِ إنْ أوصيا بالإطعام؛ لأَنَّهما لَمَّا عجزا عن الصوم التّحَقا بالشيخ لفاني، فيجبُ عليهما الإيصاءُ.
فإنْ قيل: شرطُ القياس أنْ لا يكون الأصلُ مخالفاً للقياس، وهنا مخالفٌ له؛ لأنَّ الذي ورَدَ في الشيخ
الفاني من الفدية ليس بمثلٍ للصَّوم، فوجَبَ أن لا يتعدَّى.
قلنا: المخالف للقياس يُلحَقُ به غيرُهُ دلالةً لا قياساً إذا كان مثلَهُ في مناطِ الحكم ولم يخالفه إلاَّ في
الاسم، وفيما لا يكونُ مناطاً، وهما عاجزان عن الصوم كالشيخ الفاني، فيكونُ النُصُّ الواردُ في أحدهما
وارداً في الآخر، فيتناولُهُ النصُّ دلالةً)) اهـ.
(قولُهُ: والمماثلةُ بين الصَّلاة والصَّوم ثابتةٌ) لأنَّ كلاًّ منهما عبادةٌ بدنيَّةٌ لا تعلق لوجوبها ولا لأدائها بالمال.
(١) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٧٩/٢ - ٢٨٠.

الجزء السادس
٣٦١
فصل في العوارض
ويكونُ الثَّوابُ للوليِّ، "اختيار".
(وإنْ صامَ أو صلَّى عنه) الوليُّ (لا) لحديثِ "النسائيِّ": ((لا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ،
ولا يصلّي أحدٌ عن أحدٌ، ولكنْ يُطعِمُ عنه وليُّهُ)).
(و كذا) يجوزُ (لو تبرَّعَ عنه) وليُّهُ.
[٩٢٨٧] (قولُهُ: ويكونُ الثوابُ للوليِّ، "اختيار") أقول: الذي رأيتُهُ في "الاختيار"(١) هكذا:
((وإنْ لم يُوصِ لا يجبُ على الوَّرْثَة الإطعامُ؛ لأَنَّها عبادةٌ، فلا تُؤْدَّى إلاَّ بأمرِهِ، وإِنْ فعلوا ذلك
جازَ، ويكونُ له ثوابٌ)) اهـ.
ولا شبهةَ في أنَّ الضمير في ((له)) للميت، وهذا هو الظاهرُ؛ لأنَّ الوصيَّ إنما تصدَّقَ عن
الميت لا عن نفسه، فيكونُ الثواب للميت؛ لِما صرَّحَ به في "الهداية"(٢): ((من أنَّ للإنسان
أنْ يجعلَ ثواب عمله لغيره صلاةً أو صوماً أو صدقةً أو غيرها))، كما سيأتي(٣) في باب الحجِّعن
الغير، وقدَّمنا(٤) الكلامَ على ذلك في الجنائزِ قبيل باب الشهيد، فتذكَّره بالمراجعة، نعم ذكرنا هناك
أَنَّه لو تصدَّقَ عن غيره لا ينقصُ من أجره شيءٌ.
[٩٢٨٨] (قولُهُ: لحديثِ "النسائيّ"(٥) إلخ) هو موقوفٌ على "ابن عبّاسٍ"، وأمَّا ما
في "الصحيحين"(٦) عن "ابن عبّاسِ" أيضاً أنَّه قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ﴿. فقال: إنَّ أُمِّي ماتت
(١) "الاختيار": كتاب الصوم - فصل: ومن خاف المرض ١٣٥/١.
(٢) "الهداية": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ١٨٣/١.
(٣) المقولة [١٠٨٨٥] قوله: ((بعبادة ما)).
(٤) المقولة [٧٦٨٠] قوله: ((ويقول إلخ)).
(٥) أخرجه النسائي في " الكبرى" ١٧٥/٢ كتاب الصيام - باب صوم الحي عن الميت، والبيهقي في "السنن الكبرى"
٢٥٧/٤، كتاب الصيام - باب من قال: يصوم عنه وليه، وذكره ابن حجر في "التلخيص الحبير"٢٠٩/٢، وقال:
رواه النسائي بإسناد صحيح، من حديث ابن عباس موقوفاً، ومثله عن ابن عمر عند مالك في "الموطأ" ٢٥١/١،
كتاب الصيام - باب النذر في الصيام، والصيام عن الميت.
(٦) أخرجه أحمد ٢٥٨،٢٢٧/١، والبخاري (١٩٥٣) كتاب الصوم - باب من مات وعليه صوم، ومسلم (١١٤٨)
كتاب الصيام - باب قضاء الصيام عن الميت، وأبوداود (٣٣١٠) كتاب الأيمان والنذور - باب ماجاء فيمن مات
وعليه صيام صام عنه وليه، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢٥٥/٤ كتاب الصيام - باب من قال: يصوم عنه وليه،
والدار قطني ١٩٦/٢ كتاب الصيام - باب القبلة للصائم، كلّهم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً.

قسم العبادات
٣٦٢
حاشية ابن عابدين
(بكفّارةِ يمينٍ أو قتلٍ) بإطعامٍ أو كسوةٍ (بغيرِ إعتاقٍ).
وعليها صومُ شهرٍ، أفأقضيه عنها؟ فقال: ((لو كان على أُمِّك دينٌ أكنتَ قاضيَهُ عنها؟)) قال:
نعم، قال: ((فدينُ اللَّهِ أحقُّ)) فهو منسوخٌ؛ لأنَّ فتوى الرَّاوي على خلافٍ مَروِّه بمنزلةٍ روايته
للناسخ، وقال "مالك": ((ولم أسمع عن أحدٍ من الصحابة ولا من التابعين بالمدينة أنَّ أحداً
منهم أمَرَ أحداً يصومُ عن أحدٍ، ولا يصلّي عن أحدٍ))، وهذا مما يؤيِّدُ النسخَ، وأَنَّه الأمرُ الذي
استقرَّ الشَّرع عليه، وتمامُهُ في "الفتح"(١) و"شرح النقاية"(٢) لـ "القاري".
[٩٢٨٩] (قولُهُ: بكفَّارةِ يمينِ أو قتلٍ إلخ) كذا في "الزيلعيِّ"(٣) و"الدرر"(٤) و"البحر"(٥)
و"النهر"(٦)، قال في "الشرنبلاليّة"(٧): ((أَقولُ: لا يصحُّ تبرُّعُ الوارث في كفَّارة القتل بشيءٍ؛
لأنَّ الواجب فيها ابتداءً عتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، ولا يصحُّ إعتاقُ الوارث عنه كما ذكرَهُ، والصومُ
فيها بدلٌ عن الإعتاق لا تصحُّ فيه الفديةُ كما سيأتي، وليس في كفَّارة القتل إطعامٌ
ولا كسوةٌ، فحَعْلُها مشاركةً لكفَّرةِ اليمين فيهما سهوٌ)) اهـ. ومثلُهُ في "العزميَّة".
وأجابَ العلاَّمة "الأَقْصَرائِيُّ))(٨) - كما نقَلَهُ "أبو السُّعود" في "حاشية مسكين" (٩) .
١١٨/٢
(قولُهُ: وأجابَ العلاّمة "الأقصرائِيُّ) هذا الجوابُ مسلِّمٌ لو اقتصَرَ في التبرُّع على الإطعام ولم يَزِد الكسوة،
وعلى قِرانِهما لا يصحُّ؛ لأَنَّه لا كسوةَ في قتل الصَّيد، وهو صحيحٌ في مثل عبارة "النهر" التي فيها الاقتصارُ على
تبرُّعِهِ بالإطعام، تأمَّل. اللهمَّ إلاَّ أن يقال: إنَّ قوله: (( بإطعامٍ أو كسوةٍ)) يرجعُ إلى كفَّارة اليمين فقط،
وحينئذٍ يكونُ المرادُ بتبرُّع الوليِّ بالنّسبة لكفَّارَةِ قتلِ الصَّيد تبرُّعَهُ بالإطعام أو بذبح الهدي في الحرم.
(١) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٧٩/٢.
(٢) "شرح النقاية" للقاري: كتاب الصوم - فصل الرخصة في الإفطار ٤٢٦/١.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٣٥/١.
(٤) "الدرر": كتاب الصوم - فصل: حامل أو مرضع خافت على نفسها ٢٠٩/١.
(٥) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٦/٢ - ٣٠٧.
(٦) "النھر": کتاب الصوم - فصل في العوارض ق١٢٣ /ب.
(٧) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - فصل: حامل أو مرضع خافت على نفسها ٢٠٩/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٨) أبو زكريا يحيى بن محمد بن إبراهيم، أمين الدين الأقصرائي القاهري الحنفيّ(ت٨٨٠هـ). ("الضوء اللامع"
٢٤٠/١٠، "الأعلام" ١٦٨/٨).
(٩) "فتح المعين": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٤٠/١ بتصرف.

الجزء السادس
٣٦٣
فصل في العوارض
((بأنَّ مرادهم بالقتل قتلُ الصيد لا قتلُ النفس؛ لأَنَّه ليس فيه إطعامٌ)) اهـ
قلت: ويَرِدُ عليه أيضاً أنَّ الصوم في قتلِ الصيد ليس أصلاً، بل هو بدلٌ؛ لأنَّ الواجب
[٢/ق٣٢٥/ب] فيه أنْ يُشترى بقيمته هديٌ يُذْبَحُ في الحرم، أو طعامٌ يُتصدَّقُ به على كلِّ فقيرٍ
ء
نصفُ صاعٍ، أو يصومَ عن كلِّ نصف صاعٍ يوماً، فافهم.
قلت: وقد يُفرَّقُ بين الفدية في الحياة وبعد الموت بدليل ما في "الكافي النسفيِّ" (١): ((على
معسرٍ كفَّارةُ يمينٍ أو قتلٍ وعَزَ عن الصوم لم تَحُز الفديةُ كمتمتّعِ عجَزَ عن الدم والصوم؛ لأنَّ
الصوم هنا بدلٌ، ولا بدلَ للبدل، فإِنْ مات وأوصى بالتكفيرِ صحَّ من ثلته، وصحَّ التبرُّعُ في الكسوة
والإطعام؛ لأنَّ الإِعتاق بلا إيصاءِ إلزامُ الولاء على الميت، ولا إلزامَ في الكسوة والإِطعام)) اهـ.
(قولُهُ: قلت: ويَرِدُ عليه أيضاً أنَّ الصَّوم في قتل الصَّيد إلخ) هذا مدفوعٌ بأَنَّه ليس المرادَ بالإطعام
الذي هو بدلُ الصَّوم، بل الطَّعامِ الذي يُشترَى بقيمةِ الصَّيد ويُتصدَّقُ به.
(قولُهُ: وقد يُفرَّقُ بين الفدية في الحياة وبعد الموت إلخ) على هذا لا حاجةً لحمل القتل على قتل
الصَّيد، بل يُحمَلُ على ما يَعُمُّهما؛ لأنَّ الصوم فيهما بدلٌ، ويصحُّ نصبُ بدلٍ له بعد الموت.
ثُمَّ إنَّ ما ادَّعاه: ((من أنَّ قوله: فإن أوصى بالتَّكفير صحَّ يدلُّ على الفرق المذكور)) غيرُ مسلَّمٍ، فإنَّ
غاية ما أفادَهُ صحَّةُ الوصيّة بالتكفير، والمتبادرُ من ذلك هو الوصيّة بعين الكفَّارة التي كانت عليه،
ولا يُفهَمُ منه صحَّةُ الوصيّة بفديةِ الصِّيام الذي كان عليه، فليس في كلامه تعرُّضٌ لصحَّتِها بالغديةِ حتَّى
يقالَ بالفرق الذي ذكرَهُ، تأمَّل، وبالجملةِ هذه المسألةُ مما زلَّت الأقدام فيها. ثُمَّ رأيتُ في "حاشية البحر"
نقلاً عن "الإمداد": ((وَلَزِمَ عليه - يعني: مَن أفطر في رمضان - الوصيّةُ بما قدَرَ عليه وبقيَ بِذمَّتِهِ حتَّى
أدرَكَهُ الموت، وأوصى بفديةِ ما عليه من صيامٍ فرضِ رمضان، وكذا صومُ كفّارةٍ يمينٍ، وقتلٍ خطأٍ،
وظهارِ، وجنايةٍ على إحرامٍ، وقتلٍ مُحرِمٍ صيداً، وصومٍ منذورٍ، فُخرِجُ عنه وليُّه من ثلثٍ ما ترك)) اهـ.
قال: ((فقد نَصَّ على جوازِ الإيصاء بذلك)) اهـ.
(١) "كافي النسفي": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ١/ق ٧٧/أ.

قسم العبادات
٣٦٤
حاشية ابن عابدين
لِما فيه من إلزامِ الوَلاء للميت بلا رضاهُ.
(وفِدْيةُ كلِّ صلاةٍ ولو وِتْراً) كما مرَّ في قضاء الفوائت (كصومٍ يومٍ).
فقولُهُ: ((فإِنْ مات وأوصى بالتكفيرِ صحَّ)) ظاهرٌ في الفرقِ المذكور، وبه يتخصَّصُ ما
سيأتي(١) من أنّه لا تصحُّ الفدية عن صومٍ هو بدلٌ عن غيره، ثمَّ إنَّ قوله: ((وأوصَى
بالتكفير)) شاملٌ لكفّرةِ اليمينِ والقتلِ لصحَّة الوصيّة بالإعتاق بخلاف التبرُّع به، ولذا فَيَّدَ
صحَّةَ التبرُّعِ بالكسوة والإطعام، وصرَّحَ بعدم صحَّةِ الإِعتاق فيه، وهذا قرينةٌ ظاهرةٌ على أنَّ
المراد التبرُّعُ بكفَّارة اليمين فقط؛ لأنَّ كفَّارة القتل ليس فيها كسوةٌ ولا إطعامٌ، فتلخّصَ من
كلامٍ "الكافي" أنَّ العاجزَ عن صومٍ هو بدلٌ عن غيره كما في كفَّارة اليمين والقتل لو فَدَى
عن نفسه في حياته - بأنْ كان شيخاً فانياً - لا يصحُّ في الكفّارتين، ولو أوصى بالفدیةِ يصحُّ
فيهما، ولو تبرَّعَ عنه وليُّهُ لا يصحُّ في كفَّارةِ القتل؛ لأنَّ الواجب فيها العتقُ، ولا يصحُّ التبُّع
به، ويصحُّ في كفّارة اليمين، لكنْ في الكسوة والإطعام دون الإعتاق لِما قلنا، هكذا ينبغي
أنْ يُفهَمَ هذا المقامُ، فاغتنمه فقد زلَّتْ فيه أقدام الأفهام.
[٩٢٩٠] (قولُهُ: لِما فيه إلخ) أي: لأنَّ الوَلاءِ لُحمةٌ كُلُحمةِ النَّسَب، على أنَّ ذلك ليس نفعاً
محضاً؛ لأنَّ المولى يصيرُ عاقلةَ عتيقِهِ، وكذا عصباتُهُ بعد موته، ولا يَرِدُ ما مرَّ(٢) عن "الهداية":
((من أنَّ للإنسان أنْ يجعلَ ثواب عمله لغيره، وهو شاملٌ للعتق))؛ لأنَّ المراد هنا إعتاقُهُ على
وجهِ النيابة عن الميت بدلاً عن صيامه، بخلاف ما لو أعتَقَ عبدَهُ وجعَلَ ثوابَهُ للميت، فإنَّ الإعتاق
يقعُ عن نفسِهِ أصالةً ويكون الولاءُ له، وإنما جُعِلَ الثوابُ للميت، وبخلاف التبرُّعُ عنه بالكسوة
والإطعام، فإنَّه يصحُّ بطريق النيابة لعدمِ الإلزام.
[٩٢٩١] (قولُهُ: كما مرَّ(٣) إلخ) تقدَّمَ هناك(٤) [٢/ق٣٢٦/أ] بيانُ ما إذا لم يكن للميت مالٌ،
(١) صـ ٣٦٨- ٣٦٩ - "در".
(٢) المقولة [٩٢٨٧] قوله: ((ويكون الثواب للولي، "اختيار")).
(٣) ٤٥٣/٤ وما بعدها "در".
(٤) ٤٥٣/٤ وما بعدها "در".

الجزء السادس
٣٦٥
فصل في العوارض
على المذهبِ، وكذا الفِطْرةُ والاعتكافُ الواجبُ يُطعِمُ عنه لكلِّ يومٍ كالفِطْرة،
"ولو الجِيَّة"(١).
والحاصلُ: أنَّ ما كان عبادةً بدنيَّةً فإنَّ الوصيَّ يُطعِمُ عنه بعد موتِهِ عن كلِّ واجبٍ
کالفِطْرة،
أو كان الثلثُ لا يفي بما عليه مع بيان كيفيَّةِ فعلها.
[٩٢٩٢] (قولُهُ: على المذهبِ) وما رُوِي عن "محمَّدِ بن مقاتلٍ" أوَّلاً من أَنَّه يُطعِمُ عنه
الصلواتِ كلِّ يومٍ نصفَ صاعٍ كصومه رجَعَ عنه وقال: كلُّ صلاةٍ فرضٍ كصومٍ يومٍ، وهو
الصحيح، "سراج"(٢).
[٩٢٩٣] (قولُهُ: وكذا الفطرةُ) أي: فطرةُ الشَّهر بتمامِهِ كفدية صومٍ يومٍ، وفيه أنَّ هذا عُلِمَ
من قوله أوّلاً: ((كالفطرة))، ويمكنُ عَوْدُ التشبيهِ إلى مسألة التبرُّع، وقال "ح"(٣): ((قوله: وكذا
الفطرةُ أي: يُخرِجُها الوليُّ بوصيَّه)).
[٩٢٩٤] (قولُهُ: يُطعِمُ عنه) أي: من الثلثِ لزوماً إنْ أوصى، وإلاّ جوازاً، وكذا يقال فيما
بعده، وفي "القُهُستانيِّ)(٤): ((أَنَّ الرَّكاة والحجَّ والكفَّارة من الوارثِ تُجزيه بلا خلافٍ)) اهـ. أي:
ولو بدونٍ وصَّتِهِ كما هو المتبادرُ من كلامه.
أمّا الزَّكَاةُ فقد نقلناه(٥) قبله عن "السِّراج"، وأمَّا الحجُّ فمقتضى ما سيأتي(1) في كتاب الحجِّ
عن "الفتح" أنَّه يقعُ عن الفاعل، وللميتِ الثوابُ فقط، وأمَّا الكفَّارة فقد مرَّتْ(٧) متناً.
(١) "الولوالجية": كتاب الصوم - الفصل الرابع في الاعتكاف وصدقة الفطر ١/ق٣٥/ب.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع - أصحاب الأعذار الذين يباح لهم الفطر ١/ق ٥٠٦/أ بتصرف.
(٣) "ح": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٣١/ب.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢٢٥/١.
(٥) المقولة [٩٢٧٧] قوله: ((لزوماً)).
(٦) المقولة [١٠٩٦٤] قوله: ((بخلاف ما لو أهل إلخ)).
(٧) صـ٣٥٧- وما بعدها "در".

قسم العبادات
٣٦٦
حاشية ابن عابدين
والماليّةَ كالزَّكاةِ يُخرِجُ عنه القَدْرَ الواجب، والمركِّبَ كالحجِّ يُحِجُّ عنه رجلاً
من مالِ الميت، "بحر "(١).
(وللشّيخِ الفاني العاجزِ عن الصَّومِ الفطرُ ويَقدِي) وجوباً.
[٩٢٩٥] (قولُهُ: والماليّةَ) الأَولى: أو ماليّةً، وكذا قوله: ((والمركَّبَ)) الأَولى: أو مركَّةً.
[٩٢٩٦] (قولُهُ: وللشيخِ الفاني) أي: الذي فَنِيَتْ قَوَُّهُ، أو أشرَفَ على الفناء، ولذا عرَّفُوه بأنَّه
الذي كلَّ يومٍ في نقصٍ إلى أنْ يموت، "نهر "(٢). ومثلُهُ ما في "القُهُستانيِّ"(٣) عن "الكرمانيّ":
((المريضُ إذا تحقَّقَ اليأسَ من الصحَّة فعليه الفديةُ لكلِّ يومٍ من المرض)) اهـ.
[١٧٥٩) وكذا ما في "البحر "(٤): ((لو نذَرَ صومَ الأبد فضَعُفَ عن الصوم لاشتغالِهِ بالمعيشة له
أنْ يُطعِمَ ويُفطِرَ؛ لأَنَّه استيقَنَ أَنَّ لا يَقدِرُ على القضاء)).
[٩٢٩٧] (قولُهُ: العاجزِ عن الصَّومِ) أي: عَجْزاً مُستمِرًَّ كما يأتي(٥)، أمّا لو لم يقدر عليه
لشدَّةِ الحرِّ كان له أنْ يُفطِرَ، ويقضيه في الشتاءِ، "فتح"(٦).
[٩٢٩٨] (قولُهُ: وَيَفدي وجوباً) لأنَّ عذرَهُ ليس بعَرَضيِّ للزَّوال حتّى يصيرَ إلى القضاءِ، فِوجَبَت
الفدية، "نهر"(٧). ثمَّ عبارةُ "الكنز "(٨): ((وهو يفدي)) إشارةً إلى أَنَّه ليس على غيرِهِ الفداء؛ لأنَّ نحو
المرضِ والسَّفْرِ في عُرضةِ الزَّوال فيجبُ القضاء، وعند العجزِ بالموت تجبُ الوصيّة بالفدية.
(قولُهُ: وكذا ما في "البحر": لو نذَرَ صومَ الأَبدِ فضَعُفَ إلخ) هو ملحقٌ بالشيخ الفاني، فلذا أتى بالتَّشبيه.
(١) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٧/٢.
(٢) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٢٤/أ.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢٢٤/١.
(٤) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٨/٢.
(٥) صـ ٣٦٩ - "در".
(٦) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ــ فصل في العوارض ٢٧٧/٢.
(٧) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٢٤/أ.
(٨) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصوم - فصل في العوارض ١٠٤/١.

الجزء السادس
٣٦٧
فصل في العوارض
ولو في أوَّلِ الشَّهر وبلا تعدُّدٍ فقيرٍ كالفِطْرة لو مُوسِراً، وإلاَّ فَيَستغفِرُ الله، هذا إذا
كان الصَّومُ.
[٩٢٩٩] (قولُهُ: ولو في أوَّلِ الشَّهر) أي: يُخَّرُ بين دفعِها في أوَّلِهِ أو آخرِهِ كما في "البحر "(١).
[٩٣٠٠] (قولُهُ: وبلا تعدُّدٍ فقيرٍ) أي: بخلافِ نحوٍ كفَّارة اليمين للنصِّ فيها على التعدُّد،
فلو أعطى هنا مسكيناً صاعاً عن يومين جاز، لكنْ في "البحر"(٢) عن "القنية"(٣): ((أَنَّ عن
"أبي يوسف" فيه روايتين، وعند "أبي حنيفة" لا يُجزيه كما في كفَّارة اليمين، وعن "أبي يوسف":
لو أعطى نصفَ صاعٍ من بُرِّ عن يومٍ واحدٍ لمساكينَ يجوزُ، قال [٢/ق٣٢٦/ب] "الحسن":
وبه نأخذُ)) اهـ. ومثلُهُ في "القُهُستانِ)(٤).
[٩٣٠١] (قولُهُ: لو مُوسِراً) قيدٌ لقوله: ((يَقدي وجوباً)).
[٩٣٠٢] (قولُهُ: وإلاَّ فيستغفرُ الله) هذا ذكرَهُ في "الفتح"(٥) و"البحر"(٦) عقيب مسألة نذرٍ
١١٩/٢ الأبد إذا اشتغَلَ عن الصوم بالمعيشة، فالظاهرُ أَنَّه راجعٌ إليها دون ما قبلها من مسألةِ الشيخ الفاني؛
لأَنَّه لا تقصيرَ منه بوجهٍ بخلاف الناذر؛ لأَنَّه باشتغاله بالمعيشة عن الصوم ربما حصَلَ منه نوعُ
تقصيرِ وإنْ كان اشتغاله بها واجباً لِما فيه من ترجيحِ حظّ نفسه، فليتأمَّل.
[٩٣٠٣] (قولُهُ: هذا) أي: وجوبُ الفدية على الشيخ الفاني ونحوه.
(قولُهُ: هذا ذكرَهُ في "الفتح" و"البحر" عقيبَ مسألة نَذْرِ الأبد إلخ) الظاهرُ أنَّ مسألة الفاني
كمسألة النَّذْرِ، فإنَّه لا تقصيرَ فيهما، وتقديمُهُ أمرَ المعيشة لا لحظّ نفسِهِ بل لامتثال أمره تعالى بتقديم
واجبِ السَّعي، ويظهرُ أن وجهَ الاستغفار فيهما أنَّ اللائق بحال العبد نسبة التقصير له في عدم قيامه
بما كُلِّفَ بِهِ، ويقطعُ النّظرَ عن كونه عاجزاً وأَنَّه كان بسبب عدم إقدارِهِ تعالى له عليه، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٨/٢ - ٣٠٩.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٨/٢ - ٣٠٩. نقلاً عن "فتاوى أبي حفص الكبير" لا عن "القنية".
(٣) "القنية": كتاب الصوم - باب في مبيح الإفطار والفدية في الصوم ق ٣١/ب بتصرف.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢٢٣/١.
(٥) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل فيما يوجبه على نفسه ٣٠٢/٢ - ٣٠٣ بتصرف.
(٦) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٨/٢.

٣٦٨
حاشية ابن عابدين
قسم العبادات
أصلاً بنفسه وخُوطِبَ بأدائه، حتّى لو لَزِمَهُ الصَّومُ لكفَّارةِ يمينٍ أو قتلٍ ثُمَّ عجَزَ ....
[٩٣٠٤] (قولُهُ: أصلاً بنفسِهِ) كرمضانَ وقضائه والنذرِ كما مرَّ(١) فيمن نذَرَ صومَ الأبد،
وكذا لو نذَرَ صوماً معيَّناً، فلم يَصُمْ حَتَّى صار فانياً جازَتْ له الفديةُ، "بحر "(٢).
[٩٣٠٥] (قولُهُ: حَتَّى لو لَزِمَهُ الصومُ إلخ) تفريعٌ على مفهوم قوله: ((أصلاً بنفسه))، وقَّدَ
بكفّارةِ اليمينِ والقتلِ احترازاً عن كفَّارة الظِّهار والإفطار، إذا عجَزَ عن الإعتاق لإعساره وعن
الصومِ لكِبَرِهِ فله أنْ يُطعِمَ ستين مسكيناً؛ لأنَّ هذا صار بدلاً عن الصيام بالنصِّ، والإطعامُ
في كفَّارة اليمين ليس ببدل عن الصيام، بل الصيامُ بدلٌ عنه، "سراج"(٣). وفي "البحر "(٤) عن
"الخانّة"(٥) و"غاية البيان": ((وكذا لو حلَقَ رأسَهُ وهو محرمٌ عن أذىِّ، ولم يَجِدْ نسكاً يذبحُهُ،
ولا ثلاثةَ اصُعِ حنطةٍ يُفرِّقُها على سنَّةِ مساكينَ وهو فانٍ لا يستطيع الصيامَ، فأطعَمَ عن الصيام
لم يُجْزِ؛ لأَنَّه بدلٌ)).
(قولُهُ: و"غاية البيان") عبارتُها: ((وكذلك الذي يَحِلِقُ رأسَهُ وهو مُحرٌِ عن أذَّى فلا يَجِدُ نسكاً
يذبحُهُ، ولا ثلاثةَ أصوعٍ يُفرِّقُها على سنَّةِ مساكين وهو فانٍ لا يستطيعُ الصِّيام، فأطعَمَ عنِ الصِّيام
لم يَجُزْ؛ لأَنَّ الصِّيامِ ليس بعينِ يجب مراعاتُهُ فيكونَ واجبَ الوجود لا محالةَ حَتَّى يُصارَ ببدلِ ضروريّ،
لكنَّ انْتَقَلَ إلى النِّسك والصدقة، ولم يَحُزْ قياسُهُ على فرضِ عينٍ لازمٍ واجبِ الوجود لا محالة)) اهـ،
فتأمَّله مع قول "البحر": ((لم يَجُزْ لأَنَّه بدلٌ))؛ إذ الصِّيامُ ليس بدلاً هنا، بل الحالفُ مُخيّرٌ بينه وبين غيره،
وعدمُ جوازِ الإطعام عن الصِّيام لِما ذكره في "غاية البيان" من عدم تعيُّنِهِ لا محالة.
(١) المقولة [٩٢٩٦] قوله: ((وللشيخ الفاني)).
(٢) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٨/٢.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع - أصحاب الأعذار الذين يباح لهم الفطر ١/ق ٥٠٤/ب - ٥٠٥/أ.
(٤) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٨/٢.
(٥) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل الثالث في العذر الذي يبيح الإفطار وفي الأحكام المتعلقة به ٢٠٣/١ بتصرف
(هامش "الفتاوى الهندية").

الجزء السادس
٣٦٩
فصل في العوارض
لم تَحُزِ الفديةُ؛ لأَنَّ الصَّوم هنا بَدَلٌ عن غيره، ولو كان مسافراً فمات قبل الإقامة
لم يَجِب الإيصاءُ، ومتى قدَرَ قَضَى؛ لأنَّ استمرار العجز شَرْطُ الخَلَفيَّة، وهل تكفي
الإباحةُ في الفِدْية؟ قولان، المشهورُ نعم، واعتمَدَهُ "الكمال"(١).
(وَلَزِمَ نفلٌ شرَعَ فيه قَصْداً) كما مرَّ(٢) في الصلاة، فلو شرَعَ ظّاً فأفطَرَ - أي: فَوْراً -
[٩٣٠٦] (قولُهُ: لم تَجُزِ الفديةُ) أي: في حالٍ حياته، بخلاف ما لو أوصى بها كما مرَّ (٣)
تحریرُهُ.
[٩٣٠٧] (قولُهُ: ولو كان) أي: العاجزُ عن الصوم، وهذا تفريعٌ على مفهوم قوله:
((وخُوطِبَ بأدائه)).
[٩٣٠٨] (قولُهُ: لم يجب الإيصاءُ) عبَّرَ عنه الشُّرَّح بقولهم: قيل لم يجب؛ لأنَّ الفانيَ
يخالفُ غيره في التخفيف لا في التغليظ، وذكر في "البحر"(٤): ((أَنَّ الأَولى الجزمُ به لاستفادتِهِ
من قولهم: إنَّ المسافر إذا لم يُدرِكْ عدَّةً فلا شيءَ عليه إذا مات، ولعلَّها ليست صريحةً
في كلام أهلِ المذهب، فلم يَحزِمُوا بها)) اهـ.
[٩٣٠٩] (قولُهُ: ومتى قدَرَ) أي: الفاني الذي أفطَرَ وفدى.
[٩٣١٠] (قولُهُ: شَرْطُ الخَلَفَيَّةِ) أي: في الصوم، أي: كون الفدية خَلَفاً عنه، قال
في "البحر"(٥): ((وإنما قَّدنا بالصوم ليَخرُجَ المتيمِّمُ إذا قدَرَ على الماء لا تبطُلُ الصلاة المؤدَّة
بالتيمُم؛ لأنَّ خَلَفيَّة التيمُم مشروطةٌ بمجرَّدِ العجز عن [٢/ق٣٢٧/أ] الماء لا بقيدِ دوامه، وكذا
خَلَفيَّةُ الأشهر عن الأقراءِ في الاعتداد مشروطةٌ بانقطاعِ الدَّم مع سنِّ اليأس لا بشرطِ دوامِهِ،
حتَّى لا تبطلُ الأنكحةُ الماضية بعَوْدِ الدَّم على ما قدَّمناه في الحيض)).
[٩٣١١] (قولُهُ: المشهورُ نعم) فإنَّ ما ورد بلفظِ الإطعام جازَ فيه الإباحة والتمليك بخلاف
(١) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٧٧/٢.
(٢) ٣١٤/٤ "در".
(٣) المقولة [٩٢٨٩] قوله: ((بكفارة يمين أو قتل إلخ)).
(٤) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٨/٢.
(٥) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٨/٢.

قسم العبادات
٣٧٠
حاشية ابن عابدين
فلا قضاءً، أمَّا لو مَضَى ساعةٌ لَزْمَهُ القضاءُ؛ لأَنَّه بمُضيِّها صار كأنَّه نوى المُضيَّ
عليه في هذه السَّاعة، "تجنيس" و"مجتبى" (أداءً أو قضاءً).
ما بلفظِ الأداء والإِيتاء، فإنَّه للتمليكِ كما في "المضمرات" وغيره، "قُهُستاني"(١).
[٩٣١٢] (قولُهُ: فلا قضاءً) يَرِدُ عليه ما لو نوى صومَ القضاء نهاراً فإِنَّه يصيرُ متنفّلاً،
وإنْ أفطَرَ يلزمُهُ القضاء كما إذا نوى الصومَ ابتداءً، وقدَّمَ(٢) جوابَهُ قبيل قول "المتن": ((ولا يُصامُ
یومُ الشئِّ))، فافهم.
[٩٣١٣] (قولُهُ: "تجنيس") نصُّ عبارته: ((إذا دخَلَ الرَّجُلُ في الصوم على ظنِّ أَنَّه عليه،
ثُمَّ تَبَّنَ أَنَّه ليس عليه، فلم يُفطِرْ ولكنْ مضى عليه ساعةً ثُمَّ أَفطَرَ فعليه القضاء؛ لأَنَّه لَمَّا مضى
عليه ساعةٌ صار كأَنَّه نوى في هذه السَّاعةِ، فإذا كان قبل الزَّوالِ صار شارعاً في صوم التطوُّعِ
فیجبُ علیه)) اهـ.
والظاهر: أنَّ ضمير ((مضى)) للصائم وضميرَ ((عليه)) للصوم، وأنَّ ((ساعةً)) منصوبٌ
على الظرفيَّة، أي: إذا تذكَّرَ ومضى هو على صومِهِ ساعةً - بأنْ لم يتناول مُفطِرً، ولا عزَمَ على
الفطر - صار كأنّ نوى الصومَ، فيصيرُ شارعاً إذا كان ذلك في وقت النَّة، ولو كان ((ساعةً))
بالرفع على أَنَّه فاعلُ ((مضى)) كما هو ظاهرُ تقرير "الشارح" يلزمُ أَنَّه لو مَضَت الساعةُ يصير
شارعاً وإنْ عزَمَ وقتَ التذكُّرِ على الفطر، مع أنَّ عزمه على الفطر يُنافي كونَهُ في معنى الناوي
للصوم وإِنْ كان لا يُنافي الصومَ؛ لأنَّ الصائم إذا نوى الفطرَ لا يُفطِرُ، لكنَّ الكلام في جعلِهِ شارعاً
في صومٍ مبتدٍ، لا في إبقائه على صومِهِ السَّابق، ولذا اشْتُرِطَ كونُ ذلك في وقتِ النَّة، هذا ما ظهَرَ
لي، والله تعالى أعلم، فافهم.
(قولُهُ: نصُّ عبارتِهِ إلخ) ونصُّ عبارة "المجتبى" من الصلاة: (( وفي "الصغرى": هذا إذا أفسَدَ صومَ
النَّفل في الحال، أمَّا إذا اختارَ المضيَّ ثمَّ أفسَدَهُ فعليه القضاءُ )) اهـ، تأمَّل.
(١) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢٢٣/١.
(٢) صـ ٢١٤ - "در".

الجزء السادس
٣٧١
فصل في العوارض
أي: يجبُ إتمامُهُ، فإنْ فسَدَ - ولو بِعُرُوضِ حيضٍ في الأصحِّ - وجَبَ القضاءُ (إلاَّ في
العيدين وأيَّامِ التّشريق) فلا يلزمُ لصيرورته صائماً بنَفْسِ الشُّروع، فيصيرُ مرتكباً
للنَّهي، أمَّا الصَّلاةُ فلا يكونُ مُصلِّياً ما لم يَسحُد بدليل مسألة اليمين.
(ولا يُفطِرُ الشَّارعُ في نفلٍ (بلا عُذْرٍ في روايةٍ)
[٩٣١٤] (قولُهُ: أي: يجبُ إتمامُهُ) تفسيرٌ لقوله: ((لَزِمَ)) ولقوله: ((أداءً))، "ط" (١).
[٩٣١٥] (قولُهُ: ولو بِعُرُوضِ حيضٍ) أي: لا فرقَ في وجوبِ القضاء بين ما إذا أفسدَهُ قصداً
- ولا خلافَ فيه - أو بلا قصدٍ في أصحِّ الرِّوايتين كما في "النهاية"، وهذا يُعكِّرُ على ما في
"الفتح"(٢) من نقلِهِ عدمَ الخلاف فيه.
[٩٣١٦] (قولُهُ: وجَبَ القضاءُ) أي: في غيرِ الأَيَّام الخمسة الآتية، وهذا راجعٌ إلى قوله:
((قضاءً))، "ط"(٣).
[٩٣١٧] (قولُهُ: فلا يلزمُ) أي: لا أداءً ولا قضاءً إذا أفسدَهُ.
[٩٣١٨] (قولُهُ: فيصيرُ مُرْتكباً للنهي) فلا تجبُ صيانته، بل يجبُ إبطاله، ووجوبُ
[٢/ق٣٢٧/ب] القضاء ينبني على وجوبِ الصيانة، فلم يجب قضاءٌ كما لم يجب أداءٌ، بخلاف
ما إذا نذَرَ صيامَ هذه الأَيَّامِ فإِنَّه يلزمُهُ ويقضيه في غيرها؛ لأَنَّه لم يَصِرْ بنفس النذر مرتكباً للنهي،
وإنما التزَمَ طاعةَ الله تعالى، والمعصيةُ بالفعل، فكانت من ضروراتِ المباشرة لا من ضروراتِ إيجاب
المباشرة، "منح"(٤) مع زيادةٍ، "ط "(٥).
[٩٣١٩] (قولُهُ: أمَّا الصَّلاةُ) جوابٌ عن سؤالٍ حاصلُهُ: أَنَّه ينبغي أنْ لا تجبَ الصلاةُ بالشُّروع
(قولُهُ: لأَنَّه لم يَصِرْ بَنَفْسِ النَّذْر مرتكباً للنهي إلخ) ولا يقال: إنَّ شرط لزومِ الَّذْر أنْ لا يكون
بمعصيةٍ؛ لِما يأتي في كتاب الأيمان أنَّ معناه أنْ لا يكون حراماً لعينه، أو ليس فيه جهةُ القربة.
(١) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٦/١.
(٢) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٨٠/٢.
(٣) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٦/١.
(٤) "المنح": كتاب في بيان أحكام الصوم - فصل في بيان أحكام العوارض ق ٩٤/أ بتصرف.
(٥) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٦/١.

قسم العبادات
٣٧٢
حاشية ابن عابدين
وهي الصَّحيحةُ، وفي أخرى يَحِلُّ بشَرْطِ أنْ يكونَ مِن نَّتِهِ القضاءُ،
في الأوقاتِ المكروهة كما لا يجبُ الصوم في هذه الأيّام، وحاصلُ الجواب: أَنَّا لا نُسلِّمُ هذا
القياسَ، فإِنَّه لا يكون مُباشِراً للمعصية بمجرَّدِ الشُّروع فيها بل إلى أنْ يسجدَ، بدليل من حلَفَ إنَّه
لا يصلّي فإنَّه لا يحنثُ ما لم يسجد بخلاف الصوم في تلك الأَيَّام، فيباشرُ المعصيةَ بمجرَّدِ الشُّروع
فيها، "منح"(١). وفيه أنَّهم عدُّوه شارعاً فيها بمجرَّدِ الإِحرام، حتّى لو أفسَدَهُ حينئذٍ وجَبَ قضاؤه،
١٢٠/٢ فقد تحقَّقَتْ بمجرَّدِ الشُّروع، وأمَّا مسألة اليمين فهي مبنيّةٌ على العُرف، "ط"(٢).
قلت: صحَّةُ الشُّروع لا تَستلزِمُ تحقَّقَ الحقيقة المركَّبة من عدَّةِ أشياءَ، فقد صرَّحُوا بأنَّ
المركَّبَ قد يكونُ جزؤُهُ كالكلِّ في الاسم كالماءِ، وقد لا يكونُ كالحيوان، والصومُ من القسم
الأوَّلِ؛ لأَنَّه مركَّبٌ من إمساكاتٍ متَّفَقةِ الحقيقة، كلٌّ منها صوتٌ بخلاف الصلاة، فإِنَّ أبعاضَها من
القيام والركوع والسجود والقعود لا تُسمَّى صلاةً ما لم تجتمع، وذلك بأنْ يسجدَ لها، فما انعقَدَ
قبل ذلك طاعةٌ محضةٌ، وما بعده له جهتان، وتمامُ تقرير هذا المحلِّ يُطلَبُ من "التلويح"(٣) في أوَّلٍ
فصلِ النَّهْي، وأمَّا بناءُ مسألة اليمين على العُرف فَيَحتاجُ إلى إثباتِ العُرف في ذلك.
[٩٣٢٠] (قولُهُ: وهي الصَّحيحةُ) وهي ظاهرُ الرِّواية كما في "المنح"(٤) وغيرها، فلا يحسُنُ
أنْ يُعَبَّرَ عنها بـ ((روايةٍ)) بالتنكير لإشعاره بجهالتها، وكان حقُّ العبارة أنْ يقول: إلاَّ في روايةٍ،
فُيُقرِّرَ ظاهرَ الرِّواية ثمَّ يحكيَ غيره بلفظِ التنكير كما يفيدُهُ قول "الكنز"(٥): ((وللمتطوِّع الفطرُ بغيرِ
عذرٍ في روايةٍ))، فأفاد أنَّ ظاهر الرِّواية غيرُها، "رحمتي".
(قولُهُ: وما بعده له جهتان) أي: جهةُ كونِهِ عبادةً في نفسه، وجهةُ كونِهِ معصيةً بسبب الوقت.
(١) "المنح": كتاب في بيان أحكام الصوم - فصل في بيان أحكام العوارض ق ٩٤/أ بتصرف.
(٢) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٦/١.
(٣) "التلويح": فصل: النهي إما عن الحسيات وإما عن الشرعيات ٢١٩/١.
(٤) "المنح": كتاب في بيان أحكام الصوم - فصل في بيان أحكام العوارض ق ٩٤/أ.
(٥) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصوم - فصل في العوارض ١٠٤/١.

الجزء السادس
٣٧٣
فصل في العوارض
واختارَها "الكمالُ" و"تاجُ الشَّريعة" و"صَدْرُها" في "الوقايةِ" و"شرحِها".
(والضِّيّافةُ عذرٌ)
[٩٣٢١] (قولُهُ: واختارَها "الكمال"(١)) وقال: ((إِنَّ الأدلَّةَ تظافَرَتْ عليها، وهي أوجهُ)).
[٩٣٢٢] (قولُهُ: و"تاجُ الشَّريعة") هو حَدُّ "صدر الشريعة"، وقوله: ((وصدرُها)) أي:
"صدرُ الشريعة" معطوفٌ عليه، وقوله: ((في "الوقاية" و"شرحها")) [٢/ق٣٢٨/أ] لفٌّ ونشرٌ
مرتَّبٌ؛ لأنَّ الوقاية لـ "تاجِ الشريعة"، واختصَرَها "صدر الشريعة" وسَمَّه "نقاية الوقاية" ثمَّ
شرَحَهُ، فـ "الوقاية" لجدِّه لا له، فافهم. والشَّرحُ وإِنْ كان لـ "النّقاية" لكنْ لَمَّا كانت مختصرةً
من "الوقاية" صَحَّ جعلُهُ شرحاً لها.
ثُمَّ إِنَّ "الشارح" قد تابَعَ في هذه العبارةِ صاحب "النهر"(٢)، وقد أُورِدَ عليه أنَّ ما نسَبَهُ
إلى "الوقاية" و"شرحها" لم يوجد فيهما، فإنَّ الذي في "الوقاية"(٢): ((ولا يُفطِرُ بلا عذرِ
في روايةٍ))، وقال في "شرحها"(٤): ((أي: إذا شرَعَ في صوم التطوُّع لا يجوزُ له الإفطارُ
ء
بلا عذرٍ؛ لأَنَّه إبطالُ العمل، وفي روايةٍ أخرى: يجوزُ؛ لأنَّ القضاء خلَفُهُ)) اهـ.
قلت: وقد يجابُ بأنَّ قوله: ((في روايةٍ)) يُفهِمُ أنَّ معظم الرِّوايات على خلافها، وأنَّها
روايةٌ شاذّةٌ، وأنَّ مختاره خلافُها لإشعارِ هذا اللفظ بما ذكرنا، ولو كانت هي مختارةً له لجزَمَ بها
ولم يقل: في روايةٍ، وَلَمَّا تَبِعَهُ "صدر الشريعة" في "النّقاية" على ذلك أيضاً، وقرَّرَ كلامَهُ
في "الشرح" ولم يتعقّبه بشيءٍ عُلِمَ أَنَّه اختارَها أيضاً.
[٩٣٢٣] (قولُهُ: والضيافةُ عذرٌ) بيانٌ لبعضِ ما دخل في قوله: ((ولا يُفطِرُ الشَّارِعُ في نقلٍ
بلا عذرٍ))، وأفاد تقييدُهُ بالنَّفل أنَّها ليست بعذرِ في الفرض والواجب.
(١) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٨١/٢ - ٢٨٢.
(٢) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٢٤/أ.
(٣) انظر "شرح الوقاية": كتاب الصوم - فصل: لمن خاف زيادة المرض الفطر ١٢١/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٤) "شرح الوقاية": كتاب الصوم - فصل: لمن خاف زيادة المرض الفطر ١٢١/١ (هامش "كشف الحقائق").

قسم العبادات
٣٧٤
حاشية ابن عابدين
للضَّيف والمُضيف (إنْ كان صاحبُها ممن لا يَرْضَى بمجرَّدِ حضورِهِ ويتأذِّى بِتَرْكِ
الإفطارِ) فُيُفطِرُ (وإلاَّ لا) هو الصَّحيحُ من المذهب، "ظهيرِيَّةِ"(١).
[٩٣٢٤] (قولُهُ: للضَّيفِ والْمُضيفِ) كذا في "البحر"(٢) عن "شرح الوقاية"(٣)، ونقَلَهُ عنه
"الْقُهُستانيُ)(٤) أيضاً، ثمَّ قال: ((لكنْ لم توجد روايةُ المضيف)).
قلت: لكنْ حِزَمَ بها في "الدُّرر"(٥) أيضاً، ويشهدُ لها قصَّةُ "سلمان الفارسيِّ" وَّه(٦).
والضَّيفُ في الأصل: مصدرُ ضِفْتُهُ أَضِيْفُهُ ضَيْفاً وضِيافة، والمُضيف بضمِّ الميم: مَن أضافَ غيرَهُ،
أو بفتحِها وأصلُهُ مضيوفٌ.
[٩٣٢٥] (قولُهُ: إنْ كان صاحبُها) أي: صاحبُ الضِّيافة، وكذا إذا كان الضَّيفُ لا يرضى
إِلاَّ بأكلِهِ معه، ويتأذِّى بتقديم الطعامِ إليه وحده، "رحمتي".
[٩٣٢٦] (قولُهُ: وهو الصَّحيحُ من المذهبِ) وقيل: هي عذرٌ قبل الزَّوال لا بعده، وقيل: عذرٌ
(قولُهُ: ويشهدُ لها قصَّةُ "سلمان الفارسيِّ" (َه) هي ما أخرَجَهُ "البخاريُّ" قال: ((آخى النبيُّ ◌ِ﴿
بين "سلمان" و"أبي الدرداء"، فزارَ "سلمانُ" "أبا الدرداء"، فرأى "أمَّ الدرداء" مبتذلةً، فقال:
ما شأنُكِ؟ قالت: أخوك "أبو الدرداء" ليس له حاجةٌ في الدنيا، فجاء "أبو الدرداء" فصنَعَ له طعاماً
فقال: كُلْ فإِنّي صائمٌ قائمٌ، قال: ما آكلُ حتَّى تأكلَ، فَأَكَلَ)) الحديثَ، وفيه: فأتى النبيِّ ◌َ﴿ّ فذكَرَ ذلك
فقال: ((صدَقَ "سلمان")). اهـ "سندي".
(١) "الظهيرية": كتاب الصوم - فصل في الأعذار المبيحة للإفطار ق ٥٧/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - فصل: في العوارض ٣٠٩/١
(٣) "شرح الوقاية": كتاب الصوم - فصل لمن خاف زيادة المرض الفطر ١٢١/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢٢٦/١.
(٥) "الدرر": كتاب الصوم - فصل: حامل أو مرضع إلخ ٢١٠/١.
(٦) أخرجها البخاري (١٩٦٨) كتاب الصوم - باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع، ولم يرَ عليه قضاءً إذا كان أوفق
له، والترمذي (٢٤١٣) كتاب الزهد - باب ما جاء في حفظ اللسان، باب منه، كلاهما من حديث أبي جحيفة ظ له.

الجزء السادس
٣٧٥
فصل في العوارض
(ولو حلَفَ) رجلٌ على الصَّائم (بطلاق امرأتِهِ إنْ لم يُفطِرِ أفطَرَ ولو) كان صائماً
(قضاءً) ولا يُحنّتُهُ (على المعتمد).
إنْ وَيِّقَ من نفسه بالقضاء دفعاً للأذى عن أخيه المسلم، وإلاَّ فلا، قال شمس الأئمّة "الحلوانيُّ":
((وهو أحسنُ ما قيل في هذا الباب، وفي مسألة اليمين يجبُ أن يكون الجوابُ على هذا التفصيلٍ))
اهـ "بحر"(١).
قلت: ويتعيَّنُ تقييدُ القول الصحيح بهذا الأخيرِ؛ إذ لا شكَّ أنَّه إذا لم يَثِقْ من نفسه بالقضاء
يكونُ منعُ نفسه عن الوقوع في الإِثم أَولى من مراعاة جانبٍ صاحبه، وأفاد "الشارح" بقوله الآتي:
[٢/ق٣٢٨/ب] ((هذا إذا كان قبل الزَّوال إلخ)) تقييدَ الصحيح بالقول الآخرِ أيضاً، وبه حصَلَ
الجمعُ بين الأقوال الثلاثة، تأمَّل.
[٩٣٢٧] (قولُهُ: ولو حلَفَ) بأنْ قال: امرأْتُهُ طالقٌ إنْ لم تُفطِرْ، كذا في "السِّراج"(٢)،
وكذا قوله: عليَّ الطلاقُ لْتُفطِرَنَّ، فإنَّه في معنى تعليقِ الطلاق كما سيأتي(٣) بيانُهُ في محلّه
إن شاء الله تعالى.
[٩٣٢٨] (قولُهُ: أَفطَرَ) أي: المحلوفُ عليه ندباً دفعاً لتأذِّي أخيه المسلم.
[٩٣٢٩] (قولُهُ: ولا يُحِنّهُ) أفادَ أنّه لو لم يُفطِرِ يحنثُ الحالف، ولا يَبَرُّ بمجرَّدٍ قوله: ((أفطَرَ))،
سواءٌ كان حلقُهُ بالتعليق كما مرَّ(٤)، أو بنحوٍ قوله: واللَّهِ لْتُفطِرَنَّ، وأمَّا ما صرَّحُوا به من التفصيلِ
(قولُهُ: وبه حصَلَ الجمعُ بين الأقوالِ الثلاثةِ، تأمَّل) غيرُ ظاهرٍ إلاّ إذا كان صاحبُ القول الثاني
يقولُ بما قاله القائلُ الأوَّلُ والثالثُ مِن شرطِ عدمِ الرِّضا بمجرَّد الحضور، وأنْ يكون الفطرُ قبل الزَّوال،
وكان أيضاً صاحبُ القولِ الثالثِ يَشترِطُ ما قاله الأوَّلُ والثاني، وهذا غيرُ معلومٍ مما ذكرَهُ وإن كان
ما في "النهر" عن "الذخيرة" جارياً على الأقوال كلّها.
(١) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٩/٢.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع - أصحاب الأعذار الذين يباح لهم الفطر ١/ق ٥٠٧/أ.
(٣) المقولة [١٣٠٩٤] قوله: ((فيقع بلا نية للعرف)).
(٤) في هذه الصحيفة المقولة [٩٣٢٧] قوله: ((ولو حلف)).

قسم العبادات
٣٧٦
حاشية ابن عابدين
"بزَّازِيَّة"، وفي "النهر"(١) عن "الذخيرة" وغيرها: ((هذا إذا كان قبل الزَّوال، أمَّا
بعده فلا، إلاَّ لأحدٍ أبويه.
والفرق بين ما يُملَكُ وما لا يُملَكُ فذاك فيما إذا قال: لا أتركُهُ يفعلُ كذا، كما لو حلَفَ لا يتْرُكُ
فلاناً يدخلُ هذه الدار، فإنْ لم تكن الدارُ مِلْكَ الحالف بَيَرُّ بمنعه بالقول، ولو مِلْكَهُ - أي: مُتُصرِّفاً
فيها - فلا بدَّ من منعِهِ بالفعل، واليمينُ فيهما على العِلْم، حتَّى لو لم يعلم لا يحنثُ مطلقاً، وأمَّا
لو قال: إنْ دخَلَ داري فهو على الدُّخول عَلِمَ أوْ لا، ترَكَهُ أوْ لا، وكذا لو قال: إنْ تركتُ امرأتي
تدخلُ داري أو دارَ فلانِ فهو على العِلْم، فإنْ عَلِمَ وترَكَها حَنِثَ، وإلاَّ فلا، ولو قالوا:
إِنْ دَخَلَتْ فهو على الدُّخول كما يظهرُ ذلك لمن يراجعُ أيمان "البحر"(٢) وغيرِهِ، نعم وقَعَ
في كلام "الشارح" في أواخرِ كتاب الأيمان عبارةٌ موهمةٌ خلافَ ما صرَّحُوا به كما سيأتي(٣)
تحريرُهُ هناك إن شاء الله تعالى، فافهم.
[٩٣٣٠] (قولُهُ: "بزَّازِيَّةٍ"(٤) عبارتُها: ((إنْ نفلاً أَفطَرَ، وإنْ قضاءً لا، والاعتمادُ أَنَّه يُفطِرُ
فيهما ولا يُحِنّهُ)) اهـ. وقد نقَلَها في "النهر "(٥) أيضاً بهذا اللفظِ، فافهم.
١٢١/٢
[٩٣٣١] (قولُهُ: وفي "النهر"(٦) عن "الذخيرة" إلخ) أقولُ ذكَرَ في "الذخيرة" مسألةَ الضَّيافةِ
ومسألةَ الحلف وما فيهما من الأقوال، ثمَّ قال: ((وهذا كلَّهُ إذا كان الإفطارُ قبل الزَّوال إلخ))،
وبه عُلِمَ أَنَّه جارٍ على الأقوال كلّها لا قولٌ مخالفٌ لها، فتأَيَّ ما قلناه من حصولِ الجمع، فافهم.
[٩٣٣٢] (قولُهُ: قبلَ الزَّوال) قد ذكرنا أنَّ هذه العبارةَ واقعةٌ في أكثرِ الكتب، والمرادُ بها
ما قبل نصفِ النهار أو على أحدِ القولين، فافهم.
(١) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق١٢٤/أ.
(٢) انظر "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الدخول والخروج ٣٣٠/٤ - ٣٣١.
(٣) المقولة [١٨٣٠٥] قوله: ((لا يدخل فلان داره إلخ)).
(٤) "البزازية": كتاب الصوم - الفصل الخامس في الحظر والإباحة ١٠٥/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٢٤/أ.
(٦) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٢٤/أ.