Indexed OCR Text
Pages 341-360
الجزء السادس
٣٣٧
باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
السَّنَةَ كلَّها))(١)، قال "جابرٌ": ((جرَّبْتُهُ أربعين عاماً فلم يتخلَّفْ))، "ط" (٢). وحديثُ الاكتحال هو
ما رواه "البيهقيُّ" (٢) وضعَّفَهُ: ((مَن اكتحَلَ الإِنْمِد يوم عاشوراء لم يَرَ رمداً أبداً)، ورواه "ابن
الجوزيّ" في "الموضوعات"(٤): ((مَن اكتحَلَ يوم عاشوراء لم تَرَمَدْ عينُهُ تلك السَّنَةَ))، "فتح"(٥).
قلت: ومناسبةُ ذكرِ هذا هنا أنَّ صاحب "الهداية"(٦) استدلَّ على عدمٍ كراهة الاكتحال
(١) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٣٧٩١) من حديث جابر، وإسناده ضعيف، وابن عدي في "الكامل"
١٥٨٤/٥، ومن حديث عبدالله بن مسعود أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٣٧٩٢)، والطبراني في "الكبير"
٧٧/١٠، وأورده الهيثمي في "المجمع" ١٨٩/٣، وابن حبان في "المجروحين" ٩٧/٣، وابن عدي في الكامل
٢١١/٥، وفي إسناده الهيصم بن الشدَّاخ، وهو ضعيف جداً. ومن حديث أبي سعيد الخدري أخرجه البيهقي في
"شعب الإيمان" (٣٧٩٣) و (٣٧٩٤)، والطبراني في "الأوسط" (٩٣٠٢)، وأورده الهيثمي في "المجمع" ١٨٩/٣،
وفي إسناده محمد بن إسماعيل الجعفري، وهو منكر الحديث، ومن حديث أبي هريرة أخرجه البيهقي في "شعب
الإيمان" (٣٧٩٥)، وفي إسناده محمد بن ذكوان، وهو ضعيف، والعقيلي في "الضعفاء" ٦٥/٤ وقال الحافظ العراقي
في "أماليه" كما في "كشف الخفاء" ٢٨٤/٢ - حديث أبي هريرة ورَدَ من طرق صحَّحَ بعضَها الحافظُ ابن ناصر
الدين، وقال البيهقي في "الشعب" بعد سياق روايات الحديث: هذه الأسانيد وإن كانت ضعيفة فهي إذا ضُمَّ
بعضها إلى بعض أخذت قوةً، والله أعلم، وأورده ابن حبان في "الثقات"، فالحديث حسن على رأيه، وقال
السيوطي في "التعقبات": إنه ثابت صحيح.
(٢) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٦٠/١.
(٣) في "شعب الإيمان" (٣٧٩٧) كتاب الصيام من حديث جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، وجويبر ضعيف،
والضحاك لم يلق ابن عباس، وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" ٥٧٩/٢، ورمز لضعفه، وقال ابن رجب
في "لطائف المعارف": كل ماروي في فضل الاكتحال و الاختضاب والاغتسال فيه موضوعٌ لا يصح، والشوكاني في
"الفوائد المجموعة" صـ ٩٨ -، وابن عراق في "تنزيه الشريعة" ١٥٧/٢، والزيلعي في "نصب الراية" ٤٥٥/٢ -٤٥٦.
(٤) ٢٠٣/٢ وقال: قال الحاكم: أنا أبرأ إلى الله من عهدة جويبر، والاكتحال يوم عاشوراء لم يرو عن رسول الله ﴾*
فيه أثر، وهو بدعة ابتدعها قتلة الحسين الطيارة.
(٥) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٦٩/٢.
(٦) "الهداية": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ١٢٦/١.
قسم العبادات
٣٣٨
حاشية ابن عابدين
للصائم بأنَّه عليه الصلاة والسلام قد ندَبَ إليه يومَ عاشوراء وإلى الصوم فيه ، قال في "النهر"(١).
((وتعقّهُ "ابنُ العزّ"(٢) بأنَّه لم يصحَّ عنه {﴿ في يومٍ عاشوراء غيرُ صومِهِ، وإنما الرَّوافضُ لَمَّا ابتدعوا
إقامةَ المأْتَمِ وإظهارَ الحزن يومَ عاشوراء لكونِ "الحسين" قُتِلَ فيه ابتدَعَ جهلةُ أهل السُّنَّة إظهارَ
السُّرور واتّخاذَ الحبوبِ والأطعمة والاكتحال، ورَوَوا أحاديثَ موضوعةً في الاكتحالِ وفي التوسعةِ
فيه على العيال اهـ. وهو مردودٌ بأنَّ أحاديث الاكتحالِ فيه ضعيفةٌ لا موضوعةٌ، كيف وقد
خرَّجَها في "الفتح"(٣) ثمَّ قال: فهذه عدَّةُ طرقٍ، وإنْ لم يُحَتَجَّ بواحدٍ منها فالمجموعُ يُحْتَجُ
به لتعدُّدِ الطرق، وأمَّا حديثُ التَّوسِعَة فرواه التّقَاتُ، وقد أفرَدَهُ "ابن العراقيّ(٤) في جزءٍ خرَّجَهُ
فيه)) اهـ ما في "النهر".
١١٣/٢
وهو مأخوذٌ من "الحواشي السعديَّةِ"(٥)، لكنّه زاد عليها ما ذكرَهُ في أحاديثِ الاكتحال وما
ذكرَهُ عن "الفتح"، وفيه نظرٌ، فإنَّه في "الفتح" ذكَرَ أحاديثَ [٢/ق ٣٢٠/أ] الاكتحال للصائم من
طرقٍ متعدِّدةٍ بعضُها مقيَّدٌ بعاشوراءَ - وهو ما قدَّمناه(٦) عنه - وبعضُها مطلقٌ، فمرادُهُ الاحتجاجُ
بمجموعِ أحاديثِ الاكتحال للصائم، ولا يلزمُ منه الاحتجاجُ بحديث الاكتحال يومَ عاشوراء،
كيف وقد جزَمَ بوضعه الحافظُ "السخاويُّ" في "المقاصد الحسنة"(٧)؟! وتَبْعَهُ غيره منهم "منلا علي
(١) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ١٢٢/ب.
(٢) علي بن علي بن محمد بن أبي العز، علاء الدين الدمشقي الحنفي (ت٧٩٢هـ)، في كتابه "التنبيه على مشكلات
الهداية". ("الدرر الكامنة" ٨٧/٣، "هدية العارفين" ٧٢٦/١، "الأعلام" ٣١٣/٤).
(٣) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٦٩/٢.
(٤) في النسخ جميعها: ((ابن القراني))، ومثله في "النهر"، وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه كما في "الحواشي السعدية" ومصادر
ترجمته، فالحافظ أبو الفضل العراقي - ويعرف بابن العراقي - هو الذي أفرد حديث التوسعة في جزءٍ ذكَرَهُ العجلوني في
"كشف الخفاء" ٢٨٤/٢. وانظر"الحواشي السعدية" ٢٦٩/٢ (هامش"فتح القدير")، و "الضوء اللامع" ٣٣٦/١، ١٧١/٤.
(٥) "الحواشي السعدية": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٦٩/٢ (هامش "فتح القدير").
(٦) في هذه المقولة.
(٧) برقم (١٠٨٥) صـ ٦٣٢ -.
الجزء السادس
٣٣٩
باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
كما زعَمَهَ(١) "ابنُ عبد العزيز".
(و) لا (سِواكٌ.
القاري" في كتاب "الموضوعات"(٢)، ونقَلَ "السيوطيُّ" في "الدرر المنتشرة"(٣) عن "الحاكم": ((أَنَّه
منكرٌ))، وقال "الجرَّاحيُّ" في "كشف الخفاء ومزيل الإلباس"(٤): ((قال "الحاكم" أيضاً: الاكتحالُ
يوم عاشوراء لم يَرِدْ عن النبيِّ ◌َّ فِيه أثرٌّ، وهو بدعةٌ، نعم حديثُ التَّوسِعَة ثابتٌ صحيحٌ كما قالَهُ
الحافظُ "السيوطيُّ" في "الدرر")).
[٩٢١٤] (قولُهُ: كما زعَمَهُ "ابن عبد العزيز") الذي في "النهر"(*) و"الحواشي السَّعديَّةِ"(٦):
((ابنُ العَزِّ).
قلت: وهو صاحبُ "النكت" على "مشكلات الهداية"(٧) كما ذكرَهُ في "السعديَّة" في غيرِ
هذا المحلِّ(٨).
[٩٢١٥] (قولُهُ: ولا سواٌ) بل يُسَنُّ للصائمِ كغيره، صرَّحَ به في "النهاية" لعموم قوله ◌ِ ◌ّ:
(( لولا أنْ أشُقَّ على أمَّتَي لأمرتُهم بالسِّواك عند كلِّ وضوءٍ وعند كلِّ صلاةٍ) (٩) لتناوُلِهِ الظهرَ
(١) في "د" و"ب" و"و": ((زعم)).
(٢) في "المصنوع في معرفة الحديث الموضوع" برقم (٣١٣) صـ١٧٥ -.
(٣) "الدرر المنتثرة " صـ ١٢٠ -.
(٤) "كشف الخفاء": برقم (٢٤١٠) ٢٣٤/٢.
(٥) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٢/ب.
(٦) "الحواشي السعدية": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٦٩/٢ (هامش "فتح القدير").
(٧) تقدَّمت ترجمته صـ٣٣٨ -.
(٨) "الحواشي السعدية": كتاب الصوم - فصل: ومن كان مريضاً ٢٩٣/٢ (هامش "فتح القدير").
(٩) أخرجه أبو داود الطيالسي (٢٣٢٨)، وفي سنده أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، و أخرجه مالك
في "الموطأ" ٦٦/١ كتاب الطهارة - باب ما جاء في السواك، وأحمد ٢٨٧/٢، ٣٩٩، والبخاري (٨٨٧) كتاب
الجمعة - باب السواك يوم الجمعة، ومسلم (٢٥٢) كتاب الطهارة - باب السواك، وأبوداود (٤٦) كتاب الطهارة -
باب ما جاء السواك، والترمذي (٢٢) و(٢٣) كتاب أبواب الطهارة - باب ماجاء في السواك، والنسائي ١٢/١
كتاب الطهارة - باب الرخصة في السواك بالعشي للصائم، وابن ماجه (٢٨٧) كتاب الطهارة - باب السواك، =
قسم العبادات
٣٤٠
حاشية ابن عابدين
ولو عَشِيّاً) أو رَطْباً بالماء على المذهب، وكَرِهَهُ "الشافعيُّ" بعدَ الزَّوال، وكذا
لا تكرهُ حِجامةٌ، وتلفُّفٌ بثوبٍ مُبْثَلٌّ،.
والعصرَ والمغرب، وقد تقدَّمَ أحكامُهُ في الطهارة، "بحر"(١).
[٩٢١٦] (قولُهُ: ولو عَشِيّاً) أي: بعد الزَّوال.
[٩٢١٧] (قولُهُ: على المذهبِ) وكره "الثاني" المبلولَ بالماء لِما فيه من إدخالِهِ فمَهُ من غیرِ
ضرورةٍ، ورُدَّ بأنَّه ليس بأقوى من المضمضة، أمَّا الرَّطبُ الأخضرُ فلا بأسَ به اتّفاقاً، كذا
في "الخلاصة"(٢)، "نهر "(٣).
[٩٢١٨] (قولُهُ: وكذا لا تكرهُ حجامةٌ) أي: الحجامةُ التي لا تُضعِفُهُ عن الصوم، وينبغي له أنْ
يُؤخّرَها إلى وقتِ الغروب، والفصدُ كالحجامة، وذَكَرَ "شيخ الإسلام": ((أنَّ شرطَ الكراهة
ضعفٌ يحتاجُ فيه إلى الفطرِ كما في "التاتر خانيَّةً "(٤))، "إعداد"(٥). وقال قبله: ((وكُرِهَ له فعلُ ما
ظَنَّ أَنَّه يُضعِفُهُ عن الصوم كالفصدِ والحجامةِ والعملِ الشاقِّ؛ لِما فيه من تعريضِهِ للإفساد)) اهـ.
= والدارمي ١٨٤/١ كتاب الطهارة - باب في السواك، والطحاوي في "معاني الآثار" ٤٤/١ كتاب الطهارة - باب
الوضوء هل يجب لكل صلاة أم لا؟ وابن حبان (١٠٦٨) كتاب الطهارة- باب سنن الوضوء، كلهم بلفظ: ((لولا
أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ».
وبلفظ: ((عند كل وضوء)) أخرجه مالك ٦٦/١ كتاب الطهارة - باب ماجاء في السواك، وأحمد ٤٠٠/٢، ٤٦٠،
٥١٧،٥٠٩، والطحاوي في "معاني الآثار" ٤٣/١ كتاب الطهارة - باب الوضوء هل يجب لكل صلاة أم لا؟
وابن خزيمة في "صحيحه" (١٤٠)، والحاكم ١٤٦/١ كتاب الطهارة، وقال: صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي،
والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣٦/١ كتاب الطهارة - باب الدليل على أن السواك سنة ليس بواجب، كلُّهم من
حديث أبي هريرة مرفوعاً، وفي الباب: عن علي، وعائشة، وزيد بن خالد الجهني، والعباس بن عبد المطلب .
(١) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٣٠٢/٢.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل الخامس في الحظر والإباحة ق ٧٠/أ.
(٣) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ١٢٢/ب.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل السادس فيما يكره للصائم أن يفعله وما لا يكره ٣٧٩/٢.
(٥) "الإمداد": كتاب الصوم - فصل فيما يكره للصائم وما لا يكره وما يستحب ق ٣٦٢/ب - ٣٦٣/أ.
الجزء السادس
باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
-
٣٤١
ومضمضةٌ، أو استنشاقٌ، أو اغتسالٌ للتبرُّدِ عند "الثاني"، وبه يُفتَى، "شرنبلاليَّة"(١)
عن "البرهان".
ويُستحَبُّ السَّحورُ.
قلت: ويُلحَقُ به إطالةُ المكثِ في الحمَّام في الصيفِ كما هو ظاهرٌ.
[٩٢١٩] (قولُهُ: ومضمضةٌ أو استنشاقٌ) أي: لغيرِ وضوءٍ أو اغتسال، "نور الإيضاح"(٢).
[٩٢٢٠] (قولُ: للتبُّدِ) راجعٌ لقوله: ((وتلقُّفٌ)) وما بعده.
[٩٢٢١] (قولُهُ: وبه يُقْتَى) لأنَّ النبيَّلَ ﴿: ((صَبَّ على رأسه الماءَ وهو صائمٌ من العطشِ
[٢/ق٣٢٠/ب] أو من الحرِّ)) رواه "أبو داود"(٣)، وكان "ابن عمر" رضي الله عنهما يُلُّ الثوبَ
ويلفُّهُ عليه وهو صائمٌ(٤)، ولأنَّ هذه الأشياءَ بها عونٌ على العبادة ودفعُ الضجرِ الطبيعيِّ، وكَرِمَها
"أبو حنيفة" لِما فيها من إظهارِ الضجر في العبادة كما في "البرهان"، "إمداد"(٥).
[٩٢٢٢] (قولُهُ: ويُستحَبُّ السَّحورُ لِما رواه "الجماعة" إلّ "أبا داود" عن "أنسٍ" قال:
قال رسول الله ﴿: ((تسخَّرُوا فإنَّ في السَّحور بركةً))(٦)، قيل: المرادُ بالبركة حصولُ التقوِّي
(١) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٨/١.
(٢) "نور الإيضاح": كتاب الصوم - فصل فيما يكره للصائم وما لا يكره وما يستحب صـ٣١١ -.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٣٦٥) كتاب الصوم - باب الصائم يصب عليه الماء من العطش ويبالغ في الاستنشاق، ومالك
في "الموطأ" ٢٤٩/١ كتاب الصوم - باب ماجاء في الصيام في السفر، والشافعي في "مسنده" ٢٧٠/١ كتاب الصوم
- باب فيما جاء في صوم المسافر، وأحمد في "مسنده" ٤٧٥/٣ عن رجل لم يسم، والحاكم في "المستدرك" ٤٣٢/١
كتاب الصوم - باب الصوم في السفر، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢٤٢/٤ كتاب الصيام - باب تأكيد الفطر
في السفر إذا كان يريد لقاء العدِّو، من حديث أبي بكر بن عبدالرحمن عن رجل من أصحاب رسول الله ◌ِ﴾،
وأخرجه الحاكم ٤٣٢/١ من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وقال: هذا حديث له أصل في "الموطأ" فإن كان محمد بن
نعيم السعدي حفظ هكذا فإنه صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٥٦/٢ كتاب الصيام، باب ما ذكر في الصائم يتلذذ بالماء.
(٥) "الإمداد": كتاب الصوم - فصل فيما يكره للصائم وما لا يكره وما يستحب ق ٣٦٣/أ.
(٦) أخرجه أحمد ٩٩/٣، ٢٢٩، ٢٤٣، ٢٨١،٢٥٨، والبخاري (١٩٢٣) كتاب الصوم - باب بركة السحور =
قسم العبادات
٣٤٢
حاشية ابن عابدين
وتأخيرُهُ، وتعجيلُ الفِطْرِ؛
على صومِ الغد أو زيادةُ الثواب، وقوله في "النهاية": ((إنّه على حذفِ مضافٍ، أي: في أكلٍ
السُّحور)) مبنيٌّ على ضبطِهِ بالضمِّ جمعَ سَحَرٍ، والأعرفُ في الرِّواية الفتحُ، وهو اسمٌ للمأكول في
السَّحَر، وهو السدسُ الأخير من الليل، كالوَضوءِ بالفتح ما يُنْوَضَّأُ به، وقيل: يتعَيَّنُ الضمُّ؛
لأنَّ البركةَ ونِيلَ الثواب إنما يحصلُ بالفعل لا بنفسِ المأكول، "فتح"(١) ملخّصاً.
قال في "البحر"(٢): ((ولم أرَ صريحاً في كلامهم أَنَّه يُحصِّلُ السنّةَ بالماءِ وحده، وظاهرُ
الحديث يفيدُهُ، وهو ما رواه "أحمد": ((السَّحورُ كُلُّهُ بركةٌ، فلا تَدَعوه ولو أنْ يَخْرَعَ أحدُكم
جُرْعةً من ماءٍ، فإنَّ اللَّهَ وملائكته يصلُّون على المتسخِّرِين))(٣)).
[٩٢٢٣) (قولُهُ: وتأخيرُهُ) لأنَّ معنى الاستعانة فيه أبلغُ، "بدائع"(٤). ومحلُّ الاستحباب ما
إذا لم يَشُكَّ في بقاء الليل، فإِنْ شَكَّ كُرِهَ الأكلُ في الصحيح كما في "البدائع"(٥) أيضاً.
[٩٢٢٤] (قولُهُ: وتعجيلُ الفطرِ) أي: إلاَّ في يومٍ غيمٍ، ولا يُفطِرُ ما لم يَغْلِبْ على ظنّهِ غروبُ
الشمس وإنْ أَذِّنَ المؤذِّن، "بحر "(٦) عن "البزَّازِيَّة(٧). وفيه عن "شرح الجامع"(٨) لـ "قاضي خان":
= من غير إيجاب، ومسلم(١٠٩٥) كتاب الصيام - باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، والترمذي (٧٠٨) كتاب
الصوم - باب ماجاء في فضل السحور، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي ١٤١/٤ كتاب الصيام - باب الحث
على السحور، وابن ماجه (١٦٩٢) كتاب الصيام - باب ماجاء في السحور، والدارمي (١٦٤٨) كتاب الصوم -
باب في فضل السحور، كلُّهم من حديث أنس مرفوعاً، وفي الباب عن أبي هريرة، وعبد الله بن مسعود، وجابر بن
عبد الله، وعمرو بن العاص، والعرباض بن سارية، وعتبة بن عبد الله، وأبي الدرادء ﴿ث.
(١) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٩١/٢.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٥/٢.
(٣) أخرجه أحمد ١٢/٣، ٤٤ من حديث أبي سعيد الخدري ، وأورده الهيثمي في "المجمع" ١٥٠/٣، وقال: رواه
أحمد، وفيه أبو رفاعة، ولم أجد من وثقه ولا جرحه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٤) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: أما بيان ما يسن وما يستحب ١٠٥/٢.
(٥) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: أما بيان ما يسن وما يستحب ١٠٥/٢.
(٦) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٥/٢.
(٧) "البزازية": كتاب الصوم - الفصل الخامس: في الحظر والإباحة ١٠٥/٤ (هامش " الفتاوى الهندية").
(٨) "شرح الجامع الصغير": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة وما لا يوجب ــ فصل فيما يستحب
للصائم وما يكره ١/ق ٦٣/أ بتصرف.
الجزء السادس
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
-
٣٤٣
لحديثِ: ((ثلاثٌ مِن أخلاق المرسلين: تعجيلُ الإفطار، وتأخيرُ السَّحور، والسِّواك)).
( فروعٌ) لا يجوزُ أن يَعمَلَ عملاً يَصِلُ به إلى الضَّعف، فَيَخِزُ نصفَ النهار
ويستريحُ الباقي، فإنْ قال: لا يَكفيني كذَبَ بأقصرِ أَيَّامِ الشِّنَاءِ».
((التعجيلُ المستحبُّ قبلَ اشتباكِ النجوم)).
( تنبية )
قال في "الفيض": ((ومَن كان على مكانٍ مرتفعٍ كمنارةٍ إسكندرَّةً لا يُفطِرُ ما لم تغرب
الشمسُ عنده، ولأهلِ البلدة الفطرُ إنْ غربت عندهم قبله، وكذا العبرةُ في الطلوع في حقِّ صلاةٍ
الفجر أو السَّحور)).
[٩٢٢٥] (قولُهُ: لحديثٍ إلخ) كذا أورَدَ الحديثَ في "الهداية"(١)، قال في "الفتح"(٢): ((وهو
على هذا الوجهِ الله أعلمُ به، والذي في "معجم الطبرانيّ)(٣): ((ثلاثٌ من أخلاقِ المرسلين: تعجيلُ
الإفطار، وتأخيرُ السُّحور، ووضعُ اليمين على الشِّمال في الصلاة)))) اهـ.
واستُشكِلَ بأنّه كيف يكونُ من أخلاق المرسلين ولم يكن في مِنْتهم حلُّ أكلِ السَّحور؟!
وأجيب بمنعِ أنَّه لم يكن في مِلَّتهم وإنْ لم نعلمه، ولو سُلِّمَ فلا يلزمُ [٢/ق٣٢١/أ] اجتماعُ
الخصال الثلاثِ فيهم. اهـ من "المعراج" ملخَّصاً.
[٩٢٢٦] (قولُهُ: لا يجوزُ إلخ) عزاه في "البحر"(٤) إلى "القنية"(٥).
(١) "الهداية": كتاب الصوم - فصل: ومن كان مريضاً في رمضان ١٢٩/١.
(٢) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٩١/٢ بتصرف.
(٣) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٠٨٥١) و(١١٤٨٥)، وفي "الأوسط"(١٩٠٥) بلفظ: ((إنا معاشر الأنبياء أُمرنا
بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا، وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة))، والهيثمي في "المجمع"١٠٥/٢ من
حديث ابن عباس مرفوعاً، ومن حديث يعلى بن مرة أخرجه أيضاً الطبراني في "الكبير"٢٦٣/٢٢ (٦٧٦)، بلفظ:
(ثلاثة يحبها الله رَقَّ: تعجيل الفطور، وتأخير السحور، وضرب اليدين إحداهما بالأخرى))، والهيثمي في "المجمع"
١٠٥/٢، كتاب الصلاة - باب وضع اليد على الأخرى، وقال: رواه الطبراني في "الكبير" مرفوعاً وموقوفاً على أبي الدرداء،
والموقوف صحيح ، والمرفوع في رجاله من لم أجد من ترجمه، وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" برقم (٤٣٢٣١).
(٤) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٤/٢.
(٥) "القنية": كتاب الصوم - باب في مبيح الإفطار والفدية في الصوم ق ٣١/ب.
قسم العبادات
٣٤٤
حاشية ابن عابدين
وقال في "التاتر خانيَّة"(١): ((وفي "الفتاوى": سُئِلَ "عليُّ بن أحمد" عن المحترفِ إذا كان يَعَلَمُ أَنَّه
١١٤/٢ لو اشتغَلَ بحرفِهِ يلحقُهُ مرضٌ بِيحُ الفطر، وهو محتاجٌ للنفقةِ هل يباحُ له الأكلُ قبل أن يمرضَ؟
فمَنَعَ من ذلك أشدَّ المنعِ، وهكذا حكاه عن أستاذِهِ "الوبريّ"))، وفيها: ((سألتُ "أبا حامدٍ"(٢)
عن خبَّارٍ يضعُفُ في آخرِ النهار هل له أنْ يعمل هذا العمل؟ قال: لا، ولكنْ يَخِبِزُ نصفَ النهار
ويستريحُ في الباقي، فإِنْ قال: لا يكفيه كذَبَ بِأَيَّامِ الشتاء، فإنَّها أقصرُ، فما يفعلُهُ فيها يفعلُهُ اليومَ))
اهـ ملخصاً.
وقال "الرَّمليُّ": ((وفي "جامع الفتاوى": ولو ضَعُفَ عن الصوم لاشتغاله بالمعيشة فله
أنْ يُقْطِرَ ويُطعِمَ لكلِّ يومٍ نصفَ صاعٍ اهـ أي: إذا لم يُدرِكْ عدَّةً من أيَّامٍ أُخرَ يمكنُهُ الصومُ فيها،
وإلاَّ وجَبَ عليه القضاءُ، وعلى هذا الحصادُ إذا لم يَقدِرْ عليه مع الصوم ويهلكُ الزَّرع بالتأخير
لا شكَّ في جوازِ الفطر والقضاءِ، وكذا الخَّزُ، وقوله: كذَبَ إلخ فيه نظرٌ، فإِنَّ طولَ النهار وقصرَهُ
لا دخلَ له في الكفاية، فقد يظهرُ صدقُهُ في قوله: لا يكفيني، فيُفُوَّضُ إليه حملاً لحالِهِ على الصلاح،
تأمَّل)) اهـ كلامُ "الرَّملِيِّ".
أي: لأنَّ الحاجة تختلفُ صيفاً وشتاءً، وغلاءً ورخصاً، وقلَّةَ عيال وضدَّها، ولكنَّ ما نقلَهُ
عن "جامع الفتاوى" صوَّرَهُ في "نور الإيضاح"(٢) وغيره بمن نذَرَ صومَ الأبد، ويؤيِّدُهُ إطلاقُ قوله:
((ُفطِرُ ويُطعِمُ))، وكلامُنا في صومٍ رمضان. والذي ينبغي في مسألةِ المحترف - حيث كان الظاهرُ
أنَّ ما مرَّ من تفقُّهاتِ المشايخ لا من منقولِ المذهب - أنْ يقال: إذا كان عنده ما يكفيه وعيالَهُ
لا يحلُّ له الفطرُ؛ لأَنّه يحرُمُ عليه السؤالُ من الناس، فالفطرُ أَولى، وإلاَّ فله العملُ بقدْرِ ما يكفيه،
(١) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل السابع في الأسباب المبيحة للإفطار ٣٨٥/٢. والنقل فيها عن "اليتيمة"،
أي: "يتيمة الفتاوى".
(٢) لعله أبو حامد أحمد بن الحسين بن علي المعروف بابن الطبري المروزي (ت٣٧٦هـ، وقيل: ٣٧٧). ("الجواهر
المضية" ١٦١/١، "الفوائد البهية" صـ ١٨-، وفيه: أحمد بن الحسن).
(٣) "نور الإيضاح": كتاب الصوم - فصل في العوارض صـ ٣١٤ __.
الجزء السادس
٣٤٥
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
فإِنْ أَجهَدَ الحُرُّ نفسَهُ بالعمل حتَّى مَرِضَ فأفطَرَ ففي كفَّارتِهِ قولان، "قنية"(١). وفي
"البزَّزيَّةَ"(٢): ((لو صام عجَزَ عن القيام صامَ وصلَّى قاعداً جَمْعاً بين العبادتين)) ...
ولو أدَّاه إلى الفطر يحلُّ له إذا لم يمكنه العملُ في غير ذلك مما لا يؤدِّيه إلى الفطر، وكذا لو خافَ
هلاكَ زرعِهِ أو سرقتَهُ، ولم يجد مَن يعملُ له بأجرةِ المثل وهو يقدرُ عليها؛ لأنَّ له قطعَ الصلاة لأقلَّ
من ذلك، لكنْ لو كان آجَرَ نفسَهُ في العمل مدًَّ معلومةً، فجاء رمضانُ فالظاهرُ أنَّ له الفطرَ
وإنْ كان عنده ما يكفيه إذا لم يَرْضَ المستأجرُ بفسخٍ [٢/ق ٣٢١/ب] الإجارة كما في الظّئر، فإنّه
يجبُ عليها الإرضاعُ بالعَقْد، ويحلُّ لها الإفطارُ إذا خافَتْ على الولدِ، فيكونُ خوفُهُ على نفسه
أَولى، تأمَّل، هذا ما ظهَرَ لي، والله تعالى أعلم.
[٩٢٢٧] (قولُهُ: فإِنْ أجهَدَ الْحُرُّ إلخ) قال في "الوهبائَّة(٣): [ طويل ]
فإِنْ أجهَدَ الإنسانُ بالشُّغْلِ نفسَهُ
فأفطَرَ في التكفيرِ قولين سَطَّرُوا
قال "الشرنبلاليُّ": ((صورتُهُ: صائمٌ أتعَبَ نفسَهُ في عملٍ حَتَّى أجهَدَهُ العطشُ فأفطَرَ لزمته
الكفَّارة، وقيل: لا، وبه أفتى "البقَّاليُّ"، وهذا بخلافِ الأَمَةِ إذا أجهَدَتْ نفسَها؛ لأَنّها معذورةٌ تحت
قهرِ المولى، ولها أنْ تمتنعَ من ذلك، وكذا العبدُ)) اهـ "ح"(٤).
وظاهرُهُ - وهو الذي في "الشرنبلاليَّة"(٥) عن "المنتقى" - ترجيحُ وجوب الكفَّارة، "ط"(٦).
(قولُهُ: لكنْ لو كان آجَرَ نفسَهُ في العمل مدَّةً معلومةً فجاءَ رمضانُ فالظَّاهرُ أنَّ له الفطرَ إلخ)
إذا آجَرَ نفسَهُ وعنده ما يكفيه يملكُ فسخَ الإجارة بعذرِ أداءِ الفرض، ولا يقاسُ على الظِّئْر، فإنما أُبِحَ
لها الإفطارُ بسبب الخوفِ على نفس معصومةٍ، ولا كذلك الأجيرُ، "سندي".
(١) "القنية": كتاب الصوم - باب في مبيح الإفطار والندبة في الصوم ق ٣١/ب.
(٢) "البزازية": كتاب الصوم - الفصل الخامس في الحظر والإباحة ١٠٥/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الوهبانية": فصل من كتاب الصوم صـ١٨- (هامش "المنظومة المحبية").
(٤) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ١٣١/أ.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٨/١ (هامش "الدرر والغرر"). والنقل فيها عن "المبتغى" لا "المنتقى".
(٦) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٦١/١ - ٤٦٢.
قسم العبادات
٣٤٦
حاشية ابن عابدين
﴿فصلٌ في العوارض﴾
المبيحةِ لعدم الصَّوم، وقد ذكَرَ "المصنّفُ" منها ..
قلت: مقتضى قولِهِ: ((ولها أنْ تمتنعَ)) لزومُ الكفَّارة عليها أيضاً لو فعلَتْ مختارةً، فيكونُ
ما قبله محمولاً على ما إذا كان بغيرِ اختيارِها بدليلِ التعليل، والله أعلم.
﴿فصلٌ في العوارض﴾
جمعُ عارضٍ، والمرادُ به هنا ما يَحدُثُ للإنسانِ مماَ يُبِيحُ له عدمَ الصوم كما يشيرُ إليه
كلامُ "الشارح".
[٩٢٢٨] (قولُهُ: المبيحةِ لعدمِ الصوم) عدَلَ عن قول "البدائع"(١): ((المسقطة للصوم)) لِما
أورَدَ عليه في "النهر "(٢): ((من أنَّه لا يشملُ السَّفر، فإِنَّه لا يبيحُ الفطرَ، وإنما يبيحُ عدم الشُّروع
(قولُهُ: قلت: مقتضى قوله: ولها أن تمتنعَ إلخ) لكنَّ مقتضى تعبيرِهم بأنَّ لها الامتناعَ يفيدُ أنَّ لها
الخيارَ إنْ شاءت امتثَلَتْ فإذا ضعفت أفطَرَتْ، ولها أن تمتنع. اهـ "سندي".
وهذا ما يفيدُهُ ما نقله المحشِّي فيما يأتي عن "القهستانيِّ" وما ذكرَهُ "السنديُّ" أيضاً عن
"الظهيريَّة" وإنْ كان ظاهرُ التَّعليل لزومَ الكفَّارة.
﴿فصلٌ في العوارض﴾
(قولُهُ: جمعُ عارضٍ) قال "العينيُّ": ((جمعُ عارضةٍ))، قال "ابن البيسار" - وهو جدنا الأعلى -:
((لا يُجمَعُ على فواعلَ إلاَّ المؤنَّثُ، وشَذَّ فوارسُ وهوالكُ على تأويلٍ: فرقةٍ)) اهـ.
(قولُهُ: عدَلَ عن قول "البدائع": المُسقِطة للصَّوم إلخ) هذه العبارةُ مساويةٌ لقولهم: المبيحة للفطر،
وما ورَدَ على أحدهما يَرِدُ على الآخر، فِلذا أورَدَ "السنديُّ" على قولهم: المبيحة للفطر ما أورَدَهُ
المحشِّي على عبارة "البدائع" وإنْ ذكَرَ في "النهر" الإيرادَ على قول "البدائع": ((المسقطة للصوم))،
وعبارةُ "النهر": ((وَيَرِدُ عليه أنَّ السَّر من الثَّمانية مع أنّه لا يُسِيحُ الفطرَ إنما يبيحُ عدمَ الشُّروع في الصوم،
ومنها كِبَرُ السِّنِّ، وفي عُرُوضِهِ في الصوم ليكونَ مبيحاً للفطر ما لا يخفى، فالأَولى أنْ يُرادَ بالعوارض ما
يُبيحُ عدمَ الصومِ ليطَّرِدَ في الكلِّ)) اهـ.
(١) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما حكم فساد الصوم ٩٤/٢ بتصرف.
(٢) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق١٢٣/أ بتصرف.
الجزء السادس
٣٤٧
فصل في العوارض
خمسةً، وبقي الإكراهُ وخوفُ هلاكٍ أو نقصانِ عقلٍ ولو بعطشٍ أو جُوعٍ شديدٍ ...
في الصوم، وكذا إباحةُ الفطر لعُرُوضِ الكبر في الصوم فيه ما لا يخفى)).
[٩٢٢٩] (قولُهُ: خمسةً) هي السَّفْرُ، والحبلُ، والإرضاعُ، والمرضُ، والكبرُ، وهي تسعةٌ نظمتُها
بقولي: [ كامل ]
للمرءِ فيها الفطرُ تسعٌ تُستَطَرْ
وعَوارِضُ الصومِ التي قد يُغَتَفَرْ
مَرَضٌ جهادٌ جوعٌه عطشٌ كِبَرْ
حَبَلٌ وإرضائعٌ وإكراهٌ سَفَرْ
[٩٢٣٠) (قولُهُ: وبقيَ الإكراهُ) ذكر في كتابِ الإكراه(١): ((أنّه لو أُكرِهَ على أكلِ ميتةٍ أو دمٍ
أو لحمٍ خنزيرٍ أو شرب خمرٍ بغيرِ مُلحِئٍ كحبسٍ أو ضربٍ أو قيدٍ لم يحلّ، وإِنْ يُملجِئٍ كقتلٍ
أو قطعٍ عضوٍ أو ضربٍ مُرِّحٍ حَلَّ، فإِنْ صَبَرَ فَقُتِلَ أَثِمَ، وإنْ أُكرِهَ على الكفرِ بملحيٍ رُخْصَ له
إظهارُهُ وقلبُهُ مطمئنٌّ بالإِيمان، ويُؤْجَرُ لو صَبَرَ، ومثلُهُ سائرُ حقوقه تعالى كإفسادٍ صومٍ وصلاةٍ وقتلٍ
صيدِ حَرَمٍ أو في إحرامٍ وكلِّ ما ثبتت فرضيّتُهُ بالكتاب)) اهـ.
وإنما أَتْمَ لو صبَرَ في الأوَّلِ؛ لأنَّ تلك الأشياءَ مستثناةٌ عن الحرمةِ في حال الضَّرورة،
والاستثناءُ عن الحرمة حِلٌّ بخلافٍ إجراء كلمة الكفر، فإنَّ حرمته لم ترتفع، وإنما رُخِّصَ فيه
لسقوطِ [٢/ق٣٢٢/أ] الإِثم فقط، ولهذا نقَلَ هنا في "البحر"(٢) عن "البدائع"(٣) الفرقَ بين
ما إذا كان المكرَهُ على الفطر مريضاً أو مسافراً وبين ما إذا كان(٤) صحيحاً مقيماً: ((بأَنَّه لو امتنَعَ
حَتّى قُتِلَ أَثِمَ فِي الأَوَّلِ دون الثاني)).
[٩٢٣١) (قولُهُ: وخوفُ هلاكٍ إلخ) كالأَمَةِ إذا ضَعُفَتْ عن العمل وخشيت الهلاكَ بالصوم،
وكذا الذي ذهَبَ به متوكِّلُ السلطان إلى العِمارة في الأَيَّامِ الحارَّة والعملُ حثيثٌ إذا خَشِيَ الهلاكَ
(١) انظر المقولة [٣٠٦٧٩] قوله: ((فإن أكره على أكل ميتة إلخ)).
(٢) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٥/٢.
(٣) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما حكم فساد الصوم ٩٦/٢.
(٤) من ((المكره)) إلى ((كان)) ساقط من "آ".
قسم العبادات
٣٤٨
حاشية ابن عابدين
ولَسْعَةِ حيَّةٍ.
(المسافر) سفراً شرعياً ولو بمعصيةٍ (أو حامِلٍ أو مُرْضِعٍ).
١١٥/٢ أو نقصانَ العقل، وفي "الخلاصة"(١): ((الغازي إذا كان يَعلَمُ يقيناً أَنَّه يقاتلُ العدوَّ في رمضان
ويخافُ الضعفَ إن لم يُفطِر أفطَرَ))، "نهر"(٢).
[٩٢٣٢] (قولُهُ: ولَسْعَةِ حَيَّةٍ) عطفٌ على ((عطشٍ)) المتعلّقِ بقوله: ((وخوفُ هلاكٍ))،
"ح"(٣). أي: فله شربُ دواءٍ ينفعُهُ.
[٩٢٣٣] (قولُهُ: لمسافرٍ) خبرٌ عن قوله الآتي: ((الفطرُ))، وأشار باللام إلى أَنَّه مخيَّرٌ،
ولكنَّ الصوم أفضلُ إنْ لم يَضُرَّه كما سيأتي(٤).
[٩٢٣٤] (قولُهُ: سفراً شرعيًّاً) أي: مُقَدَّراً في الشَّرع لقَصْرِ الصلاة ونحوِهِ، وهو ثلاثةُ أَيَّامٍ
ولياليها، وليس المرادُ كونَ السفر مشروعاً بأصله ووَصْفَهُ بقرينةِ ما بعده.
[٩٢٣٥] (قولُهُ: ولو بمعصيةٍ) لأنَّ القبح المجاورَ لا يُعدِمُ المشروعيَّة كما قدَّمَهُ "الشارح"
في صلاة المسافر، "ط"(٥).
(٩٢٣٦] (قولُهُ: أو حاملٍ) هي المرأةُ التي في بطنِها حَمْلٌ بفتح الحاء، أي: ولدٌ، والحاملةُ
التي على ظهرِها أو رأسِها حِملٌ بكسر الحاء، "نهر "(٦).
(٩٢٣٧] (قولُهُ: أو مرضعٍ) هي التي شأنُها الإرضاعُ وإنْ لم تباشره، والمرضعةُ هي التي
(قولُهُ: وأشارَ باللامٍ إلى أنَّه مخَّرٌ إلخ) هو غيرُ ظاهرٍ بالنّسبة للمعطوفاتِ بعده.
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل الخامس في الحظر والإباحة ق ٧٠/أ.
(٢) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٢٣/أ.
(٣) "ح": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٣١/أ بتوضيح من ابن عابدين رحمه الله.
(٤ ) صـ٣٥٥- ٣٥٦ - "در".
(٥) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٢/١.
(٦) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٢٤/أ.
الجزء السادس
٣٤٩
فصل في العوارض
أُمَّاً كانت أو ظِئْراً على الظَّاهر (خافَتْ) بغَلَبةِ الظنِّ.
في حالِ الإرضاع ملقمةً تديَها الصبيَّ، "نهر"(١) عن "الكشّاف"(٢).
[٩٢٣٨) (قولُهُ: أُمَّاً كانت أو ظِفْراً) أمَّا الظّر فلأنَّ الإرضاع واجبٌ عليها بالعَقْد، وأمَّا الأمُّ
فلوجوبِهِ ديانةً مطلقاً، وقضاءً إذا كان الأبُ معسراً، أو كان الولدُ لا يرضعُ من غيرها، وبهذا
اندفَعَ ما في "الذخيرة": ((من أنَّ المراد بالمرضع الظّرُ لا الأمُّ فإِنَّ الأب يستأجرُ غيرَها))، "بحر)"(٣).
ونحوُهُ في "الفتح"(٤)، وقد رَدَّ "الزيلعيُّ(٥) أيضاً ما في "الذخيرة" بقولِ "القدوريِّ"(٦) وغيره: ((إذا
خافتا على نفسِهما أو ولدِهما؛ إذ لا ولدَ للمستأجرة))، وما قيل: إنَّه ولدُها من الرَّضاع ردَّهُ
في "النهر"(٧): ((بأَنَّه إنما يَتِمُّ أنْ لو أرضَعَتْهُ، والحكمُ أعمُّ من ذلك، فإنَّها بمحرَّدِ العقد لو خافَتْ
عليه جازَ لها الفطرُ)) اهـ.
وأفاد "أبو السُّعود"(٨): ((أَنّه يحلُّ لها الإفطارُ ولو كان العقدُ في رمضان كما في
"البِرْ جَنديّ" خلافاً لِما في "صدر الشريعة"(٩) من تقييدِ حلِّه بما إذا صدَرَ العقدُ قبل رمضان)) اهـ.
[٩٢٣٩] (قولُهُ: على الظاهرِ) أي: [٢/ق٣٢٢/ب] ظاهرِ الرِّواية، "ط"(١٠).
[٩٢٤٠] (قولُهُ: بغلبةِ الظنّ) يأتي(١١) بيانُهُ قريباً.
(١) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٢٤/أ.
(٢) "الكشاف": سورة الحج ٤/٣ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٧/٢.
(٤) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٧٦/٢.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٣٦/١.
(٦) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الصوم ١٧٠/١.
(٧) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق١٢٤/أ.
(٨) "فتح المعين": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٤٢/١.
(٩) "شرح الوقاية": كتاب الصوم - فصل: لمن خاف زيادة المرض الفطر ١٢٠/١ بتصرف يسير (هامش "كشف الحقائق").
(١٠) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٢/١.
(١١) صـ ٣٥١ - "در".
قسم العبادات
٣٥٠
حاشية ابن عابدين
(على نفسِها أو ولدِها) وقَّدَهُ "البهنسيُّ" تبعاً لـ "ابن الكمال" بما إذا تعَيَّنَتْ
لإرضاع (أو مريضٍ خافَ الزِّيادةَ) لمرضِهِ، ...
[٩٢٤١] (قولُهُ: أو ولدِها) المتبادرُ منه كما عرفتَهُ أنَّ المراد بالمرضع الأمُّ؛ لأَنَّه ولدُها حقيقةً،
والإرضاعُ واجبٌ عليها ديانةً كما في "الفتح"(١)، أي: عند عدمٍ تعيّنِها، وإلاَّ وجَبَ قضاءً أيضاً
كما مرَّ(٢)، وعليه فيكونُ شمولُهُ للظّئر بطريقِ الإلحاق لوجوبِهِ عليها أيضاً بالعَقْد.
[٩٢٤٢] (قولُهُ: وقَّدَهُ "البَهْنَسيُّ" إلخ) هذا مبنيٌّ على ما مرَّ(٣) عن "الذخيرة"؛ لأنَّ حاصلَهُ أنَّ
المراد بالمرضع الظّفْرُ لوجوبه عليها، ومثلُها الأُّ إذا تعَّنت، بأنْ لم يأخذ ثديَ غيرها، أو كان الأبُ
مُعسيراً؛ لأَنّه حينئذٍ واجبٌ عليها، وقد علمتَ أنَّ ظاهر الرِّواية خلافُهُ، وأَنَّه يجبُ عليها ديانةً
وإِنْ لم تتعَّن، تأمَّل.
[٩٢٤٣] (قولُهُ: خافَ الزّيادةَ) أو إبطاءَ الْبُرْءِ، أو فسادَ عضوٍ ، "بحر "(٤). أو وجَعَ العينِ،
أو جراحةً، أو صداعاً أو غيرَهُ، ومثلُهُ ما إذا كان يُمرِّضُ المرضى، "قُهُستاني" (٥)، "ط" (٦).
(قولُهُ: هذا مبنيٌّ على ما مَرَّ عن "الذخيرة" إلخ) عبارةُ "ابن الكمال": ((ولا خفاءَ أنَّ خوفَها
على ولدها إنما يتحقَّقُ عند تعُّنِها للإرضاع لفَقْدِ الظّئر، أو لعدم قدرة الزَّوج على استئجارها، أو لعدم
أَخْذِ الولدِ ثديَ غيرها، فسقَطَ ما قيل: حِلُّ الإفطارِ مختصٌّ بمرضعةٍ آخَرَتْ نفسَها للإرضاعِ، ولا يَحِلُّ
للوالدة؛ إذ لا يجبُ عليها الإِرضاعُ )) اهـ.
وكلامُهُ هذا ليس مبنيًّاً على ما مَرَّ عن "الذخيرة"، بل مبنيٌّ على ظاهر الرِّواية من أَنَّه لا فرقَ
بينهما، إلاَّ أنَّ الأمَّ لا يتحقَّقُ خوفُها على ولدها إلاَّ عند تعُّنِها.
(١) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٧٦/٢.
(٢) المقولة [٩٢٣٨] قوله: ((أُماً كانت أو ظفراً)).
(٣) المقولة [٩٢٣٨] قوله: ((أُماً كانت أو ظئراً)).
(٤) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٣/٢.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢٢٤/١.
(٦) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٢/١.
الجزء السادس
٣٥١
فصل في العوارض
وصحيحٍ خافَ المرضَ، وخادمةٍ خافت الضَّعفَ بِغَلَبةِ الظنِّ بأمارةٍ، أو تجرِبةٍ،
أو بإخبارِ طبيبٍ حاذقٍ.
أي: بأنْ يَعُولَهم ويلزمُ من صومِهِ ضياعُهم وهلاكُهم لضعفِهِ عن القيام بهم إذا صامَ.
[٩٢٤٤] (قولُهُ: وصحيحٍ خافَ المرضَ) أي: بغلبة الظنِّ كما يأتي(١)، فما في "شرح
المجمع": ((من أنَّه لا يُفطِرُ)) محمولٌ على أنَّ المراد بالخوف محرَّدُ الوهم كما في "البحر"(٢)
و"الشر نبلالَيَّة"(٣).
[٩٢٤٥] (قولُهُ: وخادمةٍ) في "القُهُستانيِّ)"(٤) عن "الخزانة" ما نصُّهُ: ((أنَّ الحرَّ الخادم،
أو العبد، أو الذاهب لسدِّ النهر أو كَرْيِهِ إذا اشتَدَّ الحرُّ وخافَ الهلاك فله الإفطارُ كحُرَّةٍ
أو أَمَةٍ ضعُفَتْ للطبخ أو غَسلِ الثوب)) اهـ "ط "(٥).
[٩٢٤٦] (قولُهُ: بغلبة الظنِّ) تنازَعَهُ ((خاف)) الذي في "المتن"، و((خاف))
و((خافت)) اللتان في الشرح، "ط" (٦)
.
[٩٢٤٧] (قولُهُ: بأَمارةٍ) أي: علامةٍ.
[٩٢٤٨] (قولُهُ: أو تجرِبةٍ) ولو كانت من غيرِ المريض عند اتّحادِ المرض، "ط"(٧) عن
"أبي السُّعود"(٨).
[٩٢٤٩] (قولُهُ: حاذقٍ) أي: له معرفةٌ تامَّةٌ في الطبِّ، فلا يجوزُ تقليدُ مَن له أدنى معرفةٍ
فيه، "ط"(٩).
(١) في هذه الصحيفة "در".
(٢) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٣/٢.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - فصل: حامل أو مرضع إلخ ٢٠٨/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢٢٣/١.
(٥) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٢/١ - ٤٦٣.
(٦) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٣/١.
(٧) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٣/١.
(٨) "فتح المعين": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٣٨/١.
(٩) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٣/١.
قسم العبادات
٣٥٢
حاشية ابن عابدين
مسلمٍ مستورٍ، وأفاد في "النهر" تبعاً لـ "البحر" جوازَ التطُّب بالكافر فيما ليس فيه
إبطالُ عبادةٍ. قلت: وفيه كلامٌ؛ لأنَّ عندهم نُصْحُ المسلمِ كفرٌ ، فأَنَّى يُتَطَبَّبُ بهم؟!
وفي "البحر" عن "الظهيريَّة"(١):
[٩٢٥٠] (قولُهُ: مسلمٍ) أمَّا الكافرُ فلا يُعتمَدُ على قوله؛ لاحتمال أنَّ غرضه إفسادُ العبادة
كمسلمٍ شرَعَ في الصلاة بالتيمُّمِ، فوعَدَهُ بإعطاء الماءِ، فإِنَّه لا يقطعُ الصلاة لِما قلنا، "بحر "(٢).
[٩٢٥١] (قولُهُ: مستورٍ) وقيل: عدالتُهُ شرطٌ، وجزَمَ به "الزيلعيُّ))(٣)، وظاهرُ ما في "البحر "(٤)
و"النهر "(٥) ضعفُهُ، "ط" (٦).
قلت: وإذا أخَذَ بقولِ طبيبٍ ليس فيه هذه الشروطُ وأفطَرَ فالظاهرُ لزومُ الكفَّارة كما
لو أفطَرَ بدونِ أَمارةٍ ولا تجرِبةٍ لعدم غلبةِ الظنِّ، والناسُ عنه غافلون.
[٩٢٥٢) (قولُهُ: وأفادَ في "النهر "(٧) أخذاً من تعليلِ المسألة السابقة باحتمالٍ أنْ يكون غرضُ
الكافر إفسادَ العبادة، وعبارة [٢/ق٣٢٣/أ] "البحر "(٨): ((وفيه إشارةٌ إلى أنَّ المريض يجوزُ له
أنْ يَستطِبَّ بالكافر فيما عدا إبطالَ العبادة))، "ط" (٩).
[٩٢٥٣] (قولُهُ: فأَنّى) أي: فكيف يُتَطَّبُ بهم؟! وهو استفهامٌ بمعنى النفي، قال "ح"(١٠):
(قولُهُ: قال "ح": أَيَّدَ ذلك "شيخُنا" بما نقَلَهُ عن "الدر المنثور" إلخ) فيه أنَّ الكافر وإنْ كانت ديانتُهُ
ذلك إلاَّ أنَّ المشاهد أنَّه تاركٌ لها ترغيباً في صنعتِهِ لتحصيلِ الأجرة.
(١) "الظهيرية": كتاب الصوم - فصل في الأعذار المبيحة للإفطار ق٥٧/ب.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٣/٢.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٣٣/١.
(٤) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٣/٢
(٥) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٢٣/أ.
(٦) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٣/١.
(٧) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٢٣/أ.
(٨) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٣/٢.
(٩) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٣/١.
(١٠) "ح": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٣١/أ.
الجزء السادس
٣٥٣
فصل في العوارض
(( للأَّمَةِ أن تمتنعَ من امتثالِ أمرِ المولى إذا كان يُعجِزُها عن إقامةِ الفرائض؛ لأنَّها
مُبْقاةٌ على أصلِ الحرِّيَّة في الفرائض)) (الفِطْرُ) يومَ العذر إلاَّ السَّفرَ كما سيجيءُ
(وقَضَوا) لُزُوماً (ما قَدَرُوا بلا فِدْيةٍ و) بلا (وِلاءٍ).
((أَيَدَ ذلك "شيخنا" بما نقلَهُ عن "الدر المنثور" للعلاّمة "السيوطيِّ" من قوله مُطّ: (( ما خلا كافرٌ
بمسلمٍ إِلاَّ عزَمَ على قتله))(١)).
[٩٢٥٤] (قولُهُ: للَّمَةِ أنْ تمتنعَ) أي: لا يجبُ عليها امتثالُ أمره في ذلك كما لو ضاقَ وقتُ
الصلاة، فُتُقدِّمُ طاعةَ الله تعالى، ومقتضى ذلك أنَّها لو أطاعَتْهُ حتَّى أَفطَرَتْ لَزِمَتها الكفَّارة، ويفيدُهُ
ما ذكرَهُ "الشارح" من التعليل، وقدَّمنا(٢) نحوَهُ قبيل الفصل.
[٩٢٥٥] (قولُهُ: إلَّ السَّفْرَ) استثناءٌ من عمومِ العذر، فإنَّ السَّفْر لا يبيحُ الفطرَ يوم العذر.
[٩٢٥٦] (قولُهُ: كما سيجيءُ(٣) أي: في قولِ "المتن": ((يجبُ على مقيمٍ إِتمامُ يومٍ منه سافَرَ
فيه))، "ح"(٤).
١١٦/٢
[٩٢٥٧] (قولُهُ: وقَضَوا) أي: مَن تقدَّمَ حتّى الحاملُ والمرضعُ، وغلَّبَ الذُّكورَ فأتى بضميرِهم،
"ط " (٥).
[٩٢٥٨] (قولُهُ: بلا فديةٍ) أشار إلى خلافِ الإِمام "الشافعيِّ" رحمه الله تعالى، حيث قال
بوجوبِ القضاء والفدية لكلِّ يومٍ مدُّ حنطةٍ كما في "البدائع"(٦).
[٩٢٥٩] (قولُهُ: وبلا ولاءٍ) بكسرِ الواو، أي: موالاةٍ بمعنى المتابعةِ لإطلاق قوله تعالى:
(١) الدر المنثور ١٢٩/٣ في تفسير قوله تعالى: ﴿﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةٌ﴾، وقال: أخرجه أبو الشيخ،
وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً، ولفظه: ((ما خلا يهوديٌّ بمسلم إلا همَّ بقتله)) وفي لفظ ((إلا حدَّث نفسه بقتله)).
(٢) المقولة [٩٢٢٧] قوله: ((فإن أجهد الحر إلخ)).
(٣) صـ ٣٨١- وما بعدها "در".
(٤) "ح": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٣١/أ.
(٥) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٣/١.
(٦) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما حكم فساد الصوم ٩٧/٢.
قسم العبادات
٣٥٤
حاشية ابن عابدين
لأَنَّه على التّراخي، ولذا جاز التطوُّعُ قبله بخلاف قضاء الصلاة.
(و) لو جاءَ رمضانُ الثاني.
﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة - ١٨٤]، ولا خلافَ في وجوب التتابع في أداء رمضان كما
لا خلافَ في ندبِ التتابع فيما لم يُشترَطُ فيه، وتمامه في "النهر "(١).
[٩٢٦٠] (قولُهُ: لأَنّه) أي: قضاءَ الصوم المفهوم من ((قَضَوا))، وهذا علّةٌ لِما فُهِمَ من قوله:
((وبلا وِلاءٍ)) من عدمٍ وجوب الفَوْر.
[٩٢٦١] (قولُهُ: جازَ التطوُّعُ قبله) ولو كان الوجوبُ على الفور لَكُرِهَ؛ لأَنَّه يكونُ تأخيراً
للواجبِ عن وقته المضيّق، "بحر"(٢).
[٩٢٦٢] (قولُهُ: بخلافِ قضاء الصَّلاة) أي: فإنَّه على الفَوْر لقولهلَّ: (( مَن نامَ عن صلاةٍ
أو نَسِيَها فليصلِّها إذا ذكَرَها))(٣)؛ لأنَّ جزاء الشَّرط لا يتأخَّرُ عنه، "أبو السُّعود"(٤). وظاهرُهُ أَنَّه
يكرهُ التنفُّلُ بالصلاة لمن عليه الفوائتُ، ولم أره، "نهر"(٥).
قلت: قدَّمنا في قضاءِ الفوائت كراهتَهُ إلَّ في الرَّواتب والرَّغائب، فليراجع، "ط" (٦).
(١) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق١٢٣/ب - ١٢٤/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٧/٢.
(٣) أخرجه مسلم (٦٨٤) كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها،
وأبو داود (٤٣٥) كتاب الصلاة - باب فيمن نام عن الصلاة أو نسيها، والترمذي (١٧٧) كتاب الصلاة - باب ما
جاء في النوم عن الصلاة، و(١٧٨) باب ما جاء في الرجل ينسى الصلاة، وقال : حديث حسن صحيح، والنسائي
٢٩٣/١ كتاب المواقيت - باب فيمن نسي صلاة، وابن ماجه (٦٩٦) كتاب الصلاة - باب من نام عن الصلاة
أو نسيها، والدارمي ٢٩٧/١ كتاب الصلاة - باب من نام عن صلاة أو نسيها، وابن خزيمة ٩٧/٢، وابن حبان
(١٥٥٦) كتاب الصلاة - باب من نسي صلاة أو نام عنها، والبيهقي في " السنن الكبرى " ٢١٨/٢، كلُّهم
من حديث أنس ◌َّه مرفوعاً، وفي الباب عن أبي قتادة، وسَمُرة بن جندب رضي الله عنهما.
(٤) "فتح المعين": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٤١/١.
(٥) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق١٢٣/ب - ١٢٤/أ.
(٦) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٣/١
الجزء السادس
٣٥٥
فصل في العوارض
(قدَّمَ الأداءَ على القضاءِ) ولا فِدْيَةَ لِما مرَّ خلافاً لـ "الشافعيِّ".
(ويُندَبُ لمسافرِ الصَّومُ (١)) لآيَةٍ ﴿ وَأَن تَصُومُوا﴾ [البقرة - ١٨٤]، والخيرُ بمعنى البِرِّ
ءُ
لا أَفْعَلُ تفضيلٍ.
[٩٢٦٣] (قولُهُ: قَدَّمَ الأداءَ على القضاءِ) أي: ينبغي له ذلك، وإلاَّ فلو قدَّمَ القضاءَ وقَعَ
عن الأداء كما مرَّ، "نهر "(٢).
قلت: بل الظاهرُ الوجوب لِما مر (٣) أوَّلَ الصوم من أَنَّه لو نوى النفلَ أو واجباً
[٢/ق٣٢٣/ب] آخرَ يُخشى عليه الكفرُ، تأمَّل.
[٩٢٦٤] (قولُهُ: لِما مرَّ(٤)) أي: من أنَّه على التراخي.
[٩٢٦٥] (قولُهُ: خلافاً لـ "الشافعيِّ") حيث أو جَبَ مع القضاء لكلِّ يومٍ إطعامَ مسكينٍ،
"ح"(٥).
[٩٢٦٦] (قولُهُ: لا أَفْعَلُ تفضيلٍ) لاقتضائه أنَّ الإفطار فيه خيرٌ مع أَنَّه مباحٌ، وفيه أنَّه
ورَدَ: (( أنَّ الله تعالى يُحِبُّ أنْ تُؤْتَّى رُخَصُه كما يُحِبُّ أن تُؤْتَى عزائمُهُ))(٦)، ومحبَّةُ
الله تعالى ترجعُ إلى الإثابة، فيفيدُ أنَّ رخصة الإفطارِ فيها ثوابٌ، لكنَّ العزيمة أكثرُ ثواباً،
ويمكن حملُ الحديث على مَن أَبَتْ نفسُهُ الرُّخصةَ، "ط"(٧).
(١) في "د" زيادة: ((قوله: (ويندب لمسافر الصوم إلخ). لأن الصومَ عزيمةٌ، والتأخيرَ رخصةٌ، والأخذ بالعزيمة أفضل،
قال بعض الفضلاء : فيه نظر للحديث: ((ليس من البر الصيام في السفر)). أقول: الحديث محمول على ما إذا كان
يضُّره الصومُ ويُضعِفُه، كما يدل سبب ورود الحديث، وهو ما في "الصحيحين": أنهم ﴿ كان في سفر فرأى رجلاً
قد ظلل عليه فقال: ((ما هذا))؟ فقالوا: صائمٌ، فقالَ﴿ّ: ((ليس من البر الصيامُ في السفر))، حموي)).
(٢) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق١٢٣/ب - ١٢٤/أ.
(٣) المقولة [٨٨٣٣] قوله: ((وبخطأ في وصف)).
(٤ ) صـ ٣٥٤ - "در".
(٥) "ح": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٣١/أ.
(٦) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١١٨٨٠) و(١٠٠٣٠)، وفي "الأوسط" (٢٦٠٢)، وأبو نعيم في "الحلية" ٢٧٦/٦،
وابن حبان (٣٥٤) كتاب البر والإحسان - باب ماجاء في الطاعات وثوابها، كلُّهم من حديث ابن عباس مرفوعاً،
وفي الباب عن ابن مسعود وابن عمر څ
(٧) "ط": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٤٦٣/١.
قسم العبادات
٣٥٦
حاشية ابن عابدين
(إنْ لم يَضُرَّهُ) فإِنْ شَقَّ عليه أو على رفيقِهِ فالفِطْرُ أفضلُ؛ لموافقتِهِ الجماعةَ.
(فإنْ ماتوا فيه) أي: في ذلك العذرِ (فلا تجبُ) عليهم (الوصيّة بالفِدْيةِ) لعدم
إدراكِهِم عِدَّةً من أيَّامٍ أُخَرَ.
(ولو ماتُوا بعد زوالِ العُدْرِ وجَبَت) الوصيّةُ.
[٩٢٦٧] (قولُهُ: إنْ لم يَضُرَّهُ) أي: بما ليس فيه خوفُ هلاكٍ، وإلاَّ وجَبَ الفطر، "بحر "(١).
[٩٢٦٨] (قولُهُ: فإنْ شَقَّ عليه إلخ) أشارَ إلى أنَّ المراد بالضَّرر مطلقُ المشقّة لا خصوصُ ضرر
البدن.
[٩٢٦٩] (قولُهُ: أو على رفيقِهِ) اسمُ جنسٍ يشملُ الواحد والأكثر، وفي بعض النسخ:
((رفقتِهِ))، فإذا كان رفقتُهُ أو عامَّتُهم مُفطِرِين والنفقةُ مشتركةٌ فإنَّ الفطر أفضلُ كما
في "الخلاصة"(٢) وغيرها.
[٩٢٧٠] (قولُهُ: لموافقةِ الجماعةِ) لأَنّهم يَشُقُّ عليهم قسمةُ حصَّته من النفقة أو عدمُ موافقته لهم.
[٩٢٧١] (قولُهُ: فإنْ ماتوا إلخ) ظاهرٌ في رجوعِهِ إلى جميعٍ ما تقدَّمَ حتّى الحاملِ والمرضعِ، وقضيَّةُ
صنيع غيره من المتون اختصاصُ هذا الحكم بالمريض والمسافر، وقال في "البحر"(٣): ((ولم أر مَن
صرَّحَ بأنَّ الحامل والمرضع كذلك، لكنْ يتناولُهما عمومُ قوله في "البدائع"(٤): مِن شرائطٍ
القضاء القدرةُ على القضاء، فعلى هذا إذا زالَ الخوفُ أَيَّاماً لَزِمَهما بقدْرِهِ، بل ولا خصوصيَّةَ،
فإنَّ كلَّ من أفطَرَ لعذرٍ ومات قبل زواله لا يلزمُهُ شيءٌ، فيدخلُ المكرَه والأقسامُ الثمانية)) اهـ
ملخَّصاً من "الرَّحمتيّ".
[٩٢٧٢] (قولُهُ: أي: في ذلك العذرِ) على تقديرِ مضافٍ، أي: في مدَّتِهِ.
[٩٢٧٣] (قولُهُ: لعدمٍ إدراكِهم إلخ) أي: فلم يلزمْهم القضاءُ، ووجوبُ الوصيّةِ فرعُ لزوم
(١) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٤/٢.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل الخامس في الحظر والإباحة ق ٧٠/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٠٨/٢.
(٤) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما حكم الصوم المؤقت ١٠٣/٢ بتصرف.