Indexed OCR Text

Pages 301-320

الجزء السادس
٢٩٧
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
في الصُّورِ كلِّها (فقط) كما لو شَهِدًا على الغروب وآخران على عدمِهِ فأفطَرَ
فَظهَرَ عدمُهُ، ولو كان ذلك في طلوعِ الفحر قَضَى وكَفَّرَ ؛.
طلوع الفجر فإنْ تبيَّنَ الطلوعُ فعليه القضاءُ فقط، وإنْ لم يتبيَّن شيءٌ فلا شيءَ عليه في ظاهرِ
الرِّواية، وقيل: يقضي فقط، وإنْ تبيَّنَ بقاءُ الليل فلا شيءً عليه، فهذه تسعةٌ في الابتداء،
وإِنْ ظنَّ غروبَ الشمس فإنْ تبيَّنَ عدمُهُ فعليه القضاءُ فقط، وإنْ تبيَّنَ الغروبُ أو لم يتبيَّن
شيءٌ فلا شيء عليه، وإنْ شكَّ فيه فإنْ لم يتبيَّنْ شيءٌ فعليه القضاءُ، وفي الكفَّارة روايتان، وإنْ
تبيَّنَ عدمُهُ فعليه القضاءُ والكفّارةُ، وإنْ تبيَّنَ الغروبُ فلا شيءَ عليه، وإنْ ظنَّ عدمَهُ فإِنْ تَبَّنَ
عدمُهُ أو لم يتبيَّن شيءٌ فعليه القضاءُ والكفّارة، وإِنْ تبيَّنَ الغروبُ فلا شيءَ عليه، وهذه تسعةٌ
في الانتهاء)).
والحاصلُ: أَنَّه لا يجبُ شيءٌ في عشرِ صورٍ، ويجبُ القضاء فقط في أربعٍ، والقضاءُ
والكفَّارةُ في أربعٍ، أفادَهُ "ح"(١).
[٩٠٩٤] (قولُهُ: في الصُّورِ كلّها) أي: المذكورةِ تحت قوله: ((وإِنْ أفطَرَ خطأً إلخ))،
لا صور التفريع.
[٩٠٩٥] (قولُهُ: فقط) أي: بدونِ كفَّارة.
[٩٠٩٦] (قولُهُ: كما لو شهدا إلخ) أي: فلا كفَّارة لعدمِ الجناية؛ لأَنَّه اعتمَدَ على شهادةِ
الإِثبات، "ط" (٢).
(قولُهُ: فلا شيءَ عليه في ظاهرِ الرِّواية) الخلافُ المذكور إنما هو فيما إذا غَلَبَ على ظنّهِ الطلوعُ
لا فيما إذا ظِنَّهُ فقط فإنَّه حينئذٍ محلُّ اتّفاقٍ كما في كلامِهِ.
(قولُهُ: لا صورِ التّفريع) أي: لأن في بعضِها تجبُ الكفَّارة وفي بعضها لا يَقضِي.
(١) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٩/أ - ب.
(٢) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٥/١.

قسم العبادات
٢٩٨
حاشية ابن عابدين
لأنَّ شهادة النّفْىِ لا تُعارِضُ شهادةَ الإِثبات.
واعلم أنَّ كلَّ ما انْتَفَى فيه الكفَّارةُ محلُّهُ ما إذا لم يَقَعْ منه ذلك.
[٩٠٩٧] (قولُهُ: لأنَّ شهادةَ النفي لا تُعارِضُ الإِثباتَ)؛ [٢/ق ٣١١/أ] لأنَّ البِّنات
للإثبات لا للنفي، فتُقبَلُ شهادةُ المثبت لا النافي، "بحر "(١). أي: لأنَّ المثبت معه زيادةُ علمٍ،
١٠٥/٢ وإذا لَغَت النافيةُ بقيت المثبتةُ، فُتُوجِبُ الظنَّ، وبه اندفَعَ ما أُورِدَ أنَّ تعارُضَهما يُوجِبُ الشكَّ،
وإِذا شكَّ في الغروب ثمَّ ظهَرَ عدمُهُ تجبُ الكفَّارة كما مرَّ(٢)، لكنْ قال في "الفتح"(٣):
((وفي النفس منه شيءٌ يظهرُ بأدنى تأمُّلٍ)).
قلت: ولعلَّ وجهَهُ أنَّ شهادة النفي إنما لم تُقبَلْ في الحقوق لأنَّ الأصل العدمُ، فلم تُقِدْ شيئاً
زائداً بخلافِ المثبتة، لكنْ هنا النافيةُ تُورِثُ شبهةً، فينبغي أنْ تسقطَ بها الكفَّارةُ، وفي "البزَّازِيَّةَ"(٤).
((ولو شَهِدَ واحدٌ على الطلوع وآخران على عدمِهِ لا كفَّرةً)) اهـ، تأمَّل.
مطلبٌ في جواز الإفطار بالتحرِّي
( تتمَّةٌ )
في تعبيرِ "المصنّف" كغيرِهِ بالظنِّ إشارةٌ إلى جوازِ التسخُّر والإفطار بالتحرِّي - وقيل:
لا يتحرَّى في الإفطارِ - وإلى أنَّه يتسخَّرُ بقولِ عدلٍ - وكذا بضربِ الطبول، واختُلِفَ في
الدِّيك، وأمَّا الإفطارُ فلا يجوزُ بقولِ الواحد بل بالمثّى، وظاهرُ الجواب أَنَّه لا بأس به إذا كان عدلاً
(قولُ "الشارح": لأنَّ شهادة النَّفي لا تُعارِضُ شهادةَ الإِثبات) تعليلٌ للمسألتين.
(قولُهُ: وإذا لَغَت النافيةُ بقيت المثبتة، فُتُوجِبُ الظَّنَّ) لعلَّ المراد به غلبةُ الظنِّ المنزَّلِ منزلةَ اليقين
ليتأَتَّى إيجابُ الكفَّارة في الفرع الثاني المذكور في الشرح، وإلاَّ فمجرَّدُ الظنِّ في طلوع الفجر مع تبيُّنٍ
عدمه لا يقتضي وجوبَ الكفّارة، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٥/٢.
(٢) المقولة [٩٠٨٨] قوله: ((ويكفي)).
(٣) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٩٣/٢.
(٤) "البزازية": كتاب الصوم - الفصل الخامس في الحظر والإباحة ١٠٥/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").

الجزء السادس
٢٩٩
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
صدَّقَهُ كما في "الزاهديِّ" - وإلى أنّه لو أفطَرَ أهلُ الرُّستاق بصوتِ الطبل يوم الثلاثين ظانِين أنَّه يومُ
العيد وهو لغيره لم يُكفّروا كما في "المنية"(١)، "قُهُستاني)" (٢).
قلت: ومقتضى قوله: ((لا بأس بالفطر بقولِ عدلٍ صدَّقَهُ)) أنَّه لا يجوزُ إذا لم يصدِّقه
ولا بقولِ المستورِ مطلقاً، وبالأولى سماعُ الطَّلِ أو المدفعِ الحادث في زماننا لاحتمالِ كونه لغيره،
ولأنَّ الغالب كونُ الضارب غيرَ عدلٍ، فلا بدَّ حينئذٍ من التحرِّي فيجوزُ؛ لأنَّ ظاهر مذهبٍ
أصحابنا جوازُ الإفطار بالتحرِّي كما نقَلَهُ في "المعراج" عن شمس الأئمّة "السرخسيِّ"؛ لأنَّ
التحرِّيَ يفيدُ غلبة الظنِّ، وهي كاليقين كما تقدَّمَ(٣)، فلو لم يتحَرَّ لا يحلُّ له الفطرُ؛ لِما في
"السِّراج"(٤) وغيره: ((لو شكَّ في الغروبِ لا يحلُّ له الفطرُ؛ لأنَّ الأصل بقاءُ النهار)) اهـ.
وفي "البحر"(٥) عن "البزَّازِيَّةَ"(٦): ((ولا يُفطِرُ ما لم يغلب على ظنّهِ الغروبُ وإِنْ أذِّنَ
المؤذِّدُ)) اهـ.
وقد يقال: إنَّ المدفع في زماننا يفيدُ غلبةَ الظنِّ وإنْ كان ضاربُهُ فاسقاً؛ لأنَّ العادة أنَّ الموقّتَ
يذهبُ إلى دار الحكم آخرَ النهار، فُعِّنُ له وقتَ ضرِبِهِ، وَيُعَيِّنُه أيضاً للوزيرِ وغيره، وإذا ضرَبَهُ
يكونُ ذلك بمراقبةِ الوزير وأعوانه للوقت المعَّن، فيغلبُ على الظنِّ بهذه القرائن عدمُ الخطأ وعدمُ
قصد الإفساد، وإِلاَّ لَزِمَ تأثيمُ الناسِ وإيجابُ قضاء الشهر بتمامه عليهم، فإنَّ غالبهم يُقْطِرُ بمجرَّدٍ
[٢/ق٣١١/ب] سماعِ المدفع من غيرِ تحرِّ ولا غلبةِ ظنَّ، والله تعالى أعلم.
(١) أي: "منية الفقهاء"، وسمي بها "البحر المحيط" لبديع بن أبي منصور، فخر الدين العراقيّ (ت٦٦٨هـ).
("كشف الظنون" ٢٢٦/١، ١٨٨٦/٢، "الفوائد البهية" ص ٥٤ - وفيها: بديع بن منصور القُزَبْنيّ)، وتقدم
الكلام عليه ١٩٥/١.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢٢٠/١.
(٣) المقولة [٩٠٨٦] قوله: ((ليلاً)).
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فصل فيما يكره من الصيام ١/ق ٥١٣/ب.
(٥) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٥/٢.
(٦) "البزازية": كتاب الصوم - الفصل الخامس في الحظر والإباحة ١٠٥/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").

قسم العبادات
٣٠٠
حاشية ابن عابدين
مرَّةً بعد أخرى لأجل قَصْدِ المعصيةِ، فإنْ فعَلَهُ وجَبَتْ زجراً له، بذلك أفتى أيَّةُ
الأمصار، وعليه الفتوى، "قنية"(١). وهذا حسنٌ، "نهر" (٢).
(والأخيران يُمسِكان بقيَّةَ يومِهما وجوباً على الأصحِّ) لأنَّ الفطر قبيحٌ، وتركُ
القبيحِ شرعاً واجبٌ (كمسافرٍ أقامَ وحائضٍ ونَفَساءً.
[٩٠٩٨] (قولُهُ: مرَّةً بعد أخرى إلخ) ظاهرُهُ أَنَّه بالمرَّةِ الثانيةِ تجبُ عليه الكفَّارة ولو حصَلَ
فاصلٌ بأيّامٍ، وأَنَّه إذا لم يقصد المعصيةَ - وهي الإفطارُ - لا تجبُ، "ط"(٣).
[٩٠٩٩] (قولُهُ: والأخيرانِ) أي: مَن تسخَّرَ أو أفطَرَ يظنُّ الوقتَ ليلاً إلخ، وقد تَبَعَ "المصنّفُ"
بذلك صاحبَ "الدرر"(٤)، ولا وجه لتخصيصه كما أشار إليه "الشارح" فيما يأتي(٥).
[٩١٠٠] (قولُهُ: على الأصحِّ) وقيل: يُستحَبُّ، "فتح"(٦). وأجمعوا على أَنَّه لا يجبُ على
الحائض والنفساءِ والمريض والمسافر، وعلى لزومِهِ لِمَن أفطَرَ خطأً أو عمداً أو يومَ الشكِّ ثمَّ تَبَّنَ
أَنَّه رمضانُ، ذكرَهُ "قاضي خان"(٧)، "شر نبلالَيَّةً"(٨).
[٩١٠١] (قولُهُ: لأنَّ الفطر) أي: تناوُلَ صورة المفطر، وإلاَّ فالصومُ فاسدٌ قبله، وأشار
إلى قياسٍ مِن الشكلِ الأَوَّلِ، ذُكِرَ فيه مقدِّمتا القياس، وطُوِيَتْ فيه النتيجةُ، وتقريره هكذا:
الفطرُ قبيحٌ شرعاً، وكلُّ قبيحٍ شرعاً تركُهُ واجبٌ، فالغطرُ تركُهُ واجبٌ، فافهم.
[٩١٠٢] (قولُهُ: كمسافرِ أقامَ) أي: بعدَ نصف النهار، أو قبله بعد الأكل، أمَّا قبلهما فيجبُ
(١) "القنية": كتاب الصوم - باب فيما يوجب الكفارة ق ٣١/أ بتصرف.
(٢) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ١٣١/أ.
(٣) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٥/١.
(٤) "الدرر": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٤/١.
(٥) ص٣٠٢ - وما بعدها "در".
(٦) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٨٢/٢.
(٧) "شرح الجامع الصغير": كتاب الصوم - باب الذي يغمى عليه ١/ق ٥٦/أ - ب.
(٨) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٥/١ (هامش " الدرر والغرر").

الجزء السادس
٣٠١
باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
طَهُرَتَا.
عليه الصومُ وإنْ كان نوى الفطرَ كما سيأتي متناً في الفصل الآتي(١). والأصلُ في هذه المسائل
أنَّ كلَّ مَن صار في آخرِ النهار بصفةٍ لو كان في أوَّلِ النهار عليها لَزِمَهُ الصوم فعليه الإمساكُ كما
في "الخلاصة"(٢) و"النهاية" و"العناية"(٣)، لكنَّه غيرُ جامعٍ؛ إذ لا يدخلُ فيه مَن أَكَلَ في رمضان
عمداً؛ لأنَّ الصيرورة للتحوُّلِ، و ((لو)) لامتناعِ ما يليه، ولا يتحقّقُ المفادُ بهما فيه، "نهر "(٤). أي:
لأَنَّه لم يتحدَّد له حالةٌ بعد فطره لم يكن عليها قبله، وكذا لا يدخلُ فيه مَن أصبَحَ يومَ الشكِّ
مفطراً، أو تسحَرَ على ظنِّ الليل، أو أفطَرَ كذلك، ولذا ذكَرَ في "البدائع"(٥) الأصلَ المذكور ثمَّ
قال: ((وكذا كلُّ مَن وجَبَ عليه الصومُ لوجود سبب الوجوب والأهليَّة ثمَّ تعذَّرَ عليه المضيُّ، بأنْ
أفطَرَ متعمِّداً، أو أصبَحَ يوم الشكِّ مفطراً ثُمَّ تَبَّنَ أنّه من رمضانَ، أو تسخَّرَ على ظنِّ أنَّ الفجر لم
يَطْلُعِ ثُمَّ تَبَّنَ طلوعُهُ، فإنَّه يجبُ عليه الإمساك تشبُّهاً)) اهـ.
فقد جعَلَ لوجوبِ الإمساك أصلين تتفرَّعُ عليهما الفروعُ، وقد حاوَلَ في "الفتح"(٦)
تصحيحَ الأصلِ الأوَّلِ، فأبدَلَ ((صار)) بـ ((تحقَّقَ))، لكنَّه أتى بـ ((لو)) الامتناعِيَّةِ، فلم يَتِمَّ له
ما أرادَهُ كما أفادَهُ في "البحر"(٧) و"النهر "(٨).
[٩١٠٣] (قولُهُ: طَهُرَتا) أي: بعد الفجرِ أو معه، "فتح "(٩).
(١) ص٣٨٢- وما بعدها "در".
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل الرابع في النذر ق٦٩/ب.
(٣) "العناية": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٨٢/٢ (هامش "فتح القدير").
(٤) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٢٤/ب.
(٥) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما حكم الصوم المؤقت ١٠٣/٢.
(٦) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٨٢/٢.
(٧) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١١/٢.
(٨) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٢٤/ب.
(٩) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٨٢/٢.

قسم العبادات
٣٠٢
حاشية ابن عابدين
ومجنون أفاقَ ومريضِ صَحَّ) ومُفطِرٍ ولو مُكرَهاً أو خطأً (وصبيِّ بَلَغَ وكافرٍ أسلَمَ،
وكلُّهم يَقْضُون) ما فاتَهم (إلاَّ الأخيرين) وإنْ أفطرا؛ لعدمٍ أهلَّتِهما في الجزءِ الأَوَّلِ
من اليوم، وهو السَّببُ في الصوم،.
[٩١٠٤] (قولُهُ: ومجنون أفاقَ) أي: بعد الأكل، أو بعد فواتٍ وقت النّة، وإلاَّ فإذا نوى صحَّ
صومُهُ كما يأتي(١)، والظاهرُ وجوبُهُ عليه [٢/ق٣١٢/أ] كالمسافر.
[٩١٠٥] (قولُهُ: ومُفطِرٍ) عَبَّرَ به إشارةً إلى أنَّ لا فرقَ بين مُفطِرٍ ومُفطِرٍ، وأَنَّه لا وجهَ لقول
"المصنّف": ((والأخيران يُمسِكان)) كما مرَّ، أفادَهُ "ح"(٢).
[٩١٠٦] (قولُهُ: وإنْ أفطرا) أخذَهُ من قول "البحر"(٢): ((سواءٌ أفطرا في ذلك اليومِ
أو صاماه))، لكنْ لا يخفى أنَّ صوم الكافر لا يصحُّ لفَقْدِ شرطِهِ، وهو النّيَّةُ المشروطة بالإِسلام،
فالمرادُ صومُهُ بعد إسلامه إذا أسلَمَ في وقتِ النَّة.
[٩١٠٧] (قولُهُ: لعدمِ أهلَتِهما) أي: لأصلِ الوجوب بخلاف الحائض، فإنّها أهلٌ له، وإنما
سقَطَ عنها وجوبُ الأداء، فلذا وجَبَ عليها القضاءُ، ومثلُها المسافرُ والمريض والمجنون.
١٠٦/٢
[٩١٠٨] (قولُهُ: وهو السَّببُ في الصوم) أي: السَّبُ لصومِ كلِّ يومٍ، وهذا على خلافٍ ما
اختارَهُ "السرخسيُّ) (٤) ومشى عليه "المصنّف" (٥) أوَّلَ الكتاب: ((من أَنَّه شهودُ جزءٍ من الشهر من
ليلٍ أو نهارٍ))، وقَّدَ بالصوم لأنَّ السَّب في الصلاة الجزءُ المَّصلُ بالأداء، ولهذا لو بلَّغَ أو أسلَمَ في
أثناءِ الوقت وجَبَتْ عليه لوجودِ الأهليّة عند السَّبب، وهي معدومةٌ في أوَّلِ جزءٍ من اليوم، فلذا لم
يجب صومُهُ خلافاً لـ "زفر"، وأورَدَ في "الفتح"(٦): ((أَنَّه لو كان السَّببُ فيه هو الجزء الأوَّلَ لَزِمَ
(١) صـ٣٠٣ - "در".
(٢) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٩ /ب.
(٣) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١١/٢.
(٤) "أصول السرخسي": فصل في بيان أسباب الشرائع ١٠٤/١.
(٥) صـ ١٨٣- "در".
(٦) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ــ فصل في العوارض ٢٨٣/٢

الجزء السادس
باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
٣٠٣ __
لكنْ لو نَوَيا قبلَ الزَّوال كان نفلاً، فيُقضَى بالإِفساد كما في "الشرنبلاليَّة"(١) عن
"الخانَيَّة"(٢). ولو نَوَى المسافرُ والمجنونُ والمريضُ قبل الزَّوال صَحَّ عن الفرض، .....
أنْ لا يجبَ الإِمساكُ فيه؛ لأَنَّه لا بدَّ أنْ يتقدَّمَ السَّببُ على الوجوب، وإلاَّ لَزِمَ سبقُ الوجوب على
السَّبب))، وأجاب في "البحر"(٣): ((بأنَّ اشتراط التقدُّمِ هنا سقَطَ للضرورة))، وتمامُ تحقيقه فيه(٤)،
وقدَّمنا(٥) شيئاً منه أوَّلَ الكتاب.
[٩١٠٩] (قولُهُ: لكنْ لو نَوَيا إلخ) أي: الأخيران، وهو استدراكٌ على ما فُهمَ من إمساكهما،
وهو أَنَّه لا يصحُّ صومُهما، فأفاد أنَّه لا يصحُّ عن الفرضِ في ظاهرِ الرّواية خلافاً لـ "أبي يوسف"،
ويصحُّ نفلاً لو نويا قبل الزَّوال، حتَّى لو أفسداه وجَبَ قضاؤه. وجهُ ظاهر الرِّواية ما في
"الهداية"(٦): ((من أنَّ الصوم لا يتجرَّى وجوباً، وأهليَّةُ الوجوب معدومةٌ في أوَّلِهِ)) اهـ.
ثُمَّ إِنَّ صحَّة فيَّةِ النفل خَصَّها في "البحر "(٧) عن "الظهيريَّةِ"(٨) بالصبيِّ بخلاف الكافر؛ لأَنَّه
ليس أهلاً للتطوُّع، والصبيُّ أهلٌ له، وذَكَرَ في "الفتح"(٩): ((أنَّ أكثرَ المشايخ على هذا الفرقِ))،
ومثلُهُ في "النهاية"، فما هنا قولُ البعض.
[٩١١٠] (قولُهُ: قبلَ الزَّوالِ) المرادُ به قبل نصف النهار، وهذه العبارةُ وقَعَتْ في أغلبِ الكتب
في كثيرٍ من المواضع تسامحاً أو على القولِ الضعيف.
(٩١١١] (قولُهُ: صحَّ عن الفرضِ) لأنَّ الجنون الغيرَ المستوعب بمنزلةِ المرض لا يمنعُ الوجوبَ،
(١) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٤/١ - ٢٠٥.
(٢) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل الأول في رؤية الهلال - من يجب عليه الصوم ومن لم يجب ٢٠٠/١ (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٣) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١١/٢.
(٤) انظر "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٠/٢ - ٣١١.
(٥) المقولة [٨٧٨٧] قوله: ((الذي يمكن إنشاء الصوم فيه)).
(٦) "الهداية": كتاب الصوم - فصل: ومن كان مريضاً في رمضان ١٢٨/١.
(٧) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١١/٢.
(٨) "الظهيرية": كتاب الصوم - فصل في النية ق٥٦/ب.
(٩) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ــ فصل في العوارض ٢٨٣/٢.

قسم العبادات
٣٠٤
حاشية ابن عابدين
ولو نوى الحائضُ والنّفَساءُ لم يصحَّ أصلاً للمُنافي أوَّلَ الوقت وهو لا يَتَحَزَّى.
ويُؤْمَرُ الصبيُّ بِالصَّومِ إذا أطاقَهُ،.
"شرنبلاليَّة"(١). وكلٌّ من المسافرِ والمريضِ أهلٌ للوجوب في أوَّلِ الوقت [٢/ق٣١٢/ب]
وإِنْ سَقَطَ عنهما وجوبُ الأَداء بخلاف مَن بَلَغَ أو أَسَلَمَ كما قدَّمناه(٢).
[٩١١٢] (قولُهُ: ولو نَوَى الحائضُ والنفساءُ) أي: قبل نصفِ النهار إذا طَهُرتا فيه.
[٩١١٣] (قولُهُ: لم يصحَّ أصلاً) أي: لا فرضاً ولا نفلاً، "شرنبلاليَّةِ"(٣).
[٩١١٤] (قولُهُ: للمُنافي إلخ) أي: فإنَّ كلاً من الحيضِ والنّفاسِ مُنافٍ لصحَّةِ الصوم مطلقاً؛
لأنَّ فَقْدَهما شرطٌ لصحَّتِهِ، والصومُ عبادةٌ واحدةٌ لا يتجرَّى، فإذا وُجِدَ المنافي في أوَِّهِ تحقَّقَ حكمُهُ
في باقيه، وإنما صحَّ النفلُ ممن بلَغَ أو من أسلَمَ على قولِ بعض المشايخ؛ لأنَّ الصِّبًا غيرُ منافٍ أصلاً
للصوم، والكفرُ وإِنْ كان منافياً لكنْ يمكن رفعُهُ بخلاف الحيض والنفاس، هذا ما ظهَرَ لي، وعلى
قول أكثرِ المشايخ لا يحتاجُ إلى الفرق.
[٩١١٥] (قولُهُ: ويُؤمَرُ الصبيُّ) أي: يأمرُهُ ولُّه أو وصيُّهُ، والظاهرُ منه الوجوبُ، وكذا يُنْهَى
عن المنكرات ليألفَ الخير ويتركَ الشرَّ، "ط" (٤).
[٩١١٦] (قولُهُ: إذا أطاقَهُ) يقال: أطاقَهُ وطاقَهُ طَوْقاً إذا قدَرَ عليه، والاسمُ الطاقة كما
في "القاموس"(٥)، قال "ط "(٦): ((وقُدِّرَ بسبعٍ، والمشاهَدُ في صبيانِ زماننا عدمُ إطاقتهم الصومَ في
هذا السنّ)) اهـ.
(١) "الشرنيلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٤/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) المقولة [٩١٠٨] قوله: ((وهو السبب في الصوم)).
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٤/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٦/١. ونقله ينتهي عند قوله: ((والظاهر منه
الوجوب)).
(٥) "القاموس": مادة ((طوق)) بتصرف.
(٦) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٦/١.

الجزء السادس
باب ما یفسد الصوم وما لا یفسده
٣٠٥ -
ويُضرَبُ عليه ابنَ عشرِ كالصلاة في الأصحِّ.
(وإنْ جامَعَ) المكلَّفُ آدمياً مُشتَهَّى.
قلت: يختلفُ ذلك باختلافِ الجسم واختلافِ الوقت صيفاً وشتاءًّ، والظاهرُ أَنَّه يُؤمَرُ بقدْرِ
الإطاقة إذا لم يُطِقْ جميعَ الشَّهر.
[٩١١٧] (قولُهُ: ويُضرَبُ) أي: بيدٍ لا بخشبةٍ، ولا يُحاوِزُ الثلاثَ كما قيل به في الصلاة، وفي
"أحكام الأستروشنيّ"(١): ((الصبيُّ إذا أفسَدَ صومَهُ لا يقضي؛ لأَنَّه يلحقُهُ في ذلك مشقّةٌ بخلاف
الصلاة، فإنَّه يُؤمَرُ بالإعادةِ؛ لأنّه لا يلحقُهُ مشقّةٌ)).
[٩١١٨] (قولُهُ: وإِنْ جامَعَ إلخ) شروعٌ في القسمِ الثالث، وهو ما يُوجِبُ القضاءَ والكفّارة،
ووجوبُها مقيَّدٌ بما يأتي(٢) من كونه عمداً لا مكرهاً، ولم يطرأ مبيحٌ للفطر كحيضٍ ومرضٍ بغيرِ
صنعه، وبما إذا نوی لیلاً.
[٩١١٩] (قولُهُ: المكلَّفُ) خرَجَ الصبيُّ والمجنونُ لعدم خطابهما.
[٩١٢٠] (قولُهُ: آدميّاً) خرَجَ الجَنِّيُّ، "أبو السُّعود"(٣). والظاهرُ وجوبُ القضاء بالإنزال،
وإلاَّ فلا كما لا يجبُ الغُسلُ بدونه.
[٩١٢١] (قولُهُ: مشتهىًّ) أي: على الكمال، فلا كفّارة بجماعٍ بهيمةٍ أو ميتةٍ ولو أنزَلَ،
"بحر "(٤). بل ولا قضاءً ما لم يُنزِلْ كما مرَّ(٥)، وفي الصغيرة خلافٌ، وقيل: لا تجبُ الكفّارة
بالإجماع، وقدَّمنا(٦) أنَّه الأوجهُ.
(١) "جامع أحكام الصغار": مسائل النوم ٥٩/١.
(٢) صـ ٣١٠ - "در".
(٣) "فتح المعين": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٣٣/١.
(٤) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٧/٢.
(٥) صـ ٢٧٢ - وما بعدها "در".
(٦) المقولة [٩٠٦٨] قوله: ((أو صغيرة لا تشتهى)).

قسم العبادات
٣٠٦
حاشية ابن عابدين
(في رمضانَ أداءً) لِما مرَّ (أو جُومِعَ) وتَوَارَتْ الحشفةُ (في أحدِ السَّبيلين)
[٩١٢٢] (قولُهُ: في رمضانَ) أي: نهاراً، وفيه إشارةٌ إلى أَنَّه لو طلَعَ الفجرُ وهو مُواقِعٌ
فنزَعَ لم يكفّر كما لو جامَعَ ناسياً، وعن "أبي يوسف": إن بقي بعد الطلوع كفّرَ، وإنْ بقيَ
بعد الذّكر لا، وعليه القضاءُ، "قُهُستاني"(١). [٢/ق٣١٣/أ] وقدَّمناه(٢) مفصَّلاً.
(٩١٢٣) (قولُهُ: أداءً) يُغني عنه قوله: ((في رمضان))؛ لأنَّ المراد به الشَّهرُ، وكأنَّه أرادَ به
الصومَ ليشملَ القضاء ويَحتاجَ إلى إخراجهِ، تأمّل.
[٩١٢٤] (قولُهُ: لِما مرَّ(٣)) أي: من أَنَّ الكفَّارة إنما وجَبَتْ لِهَتْكِ حرمة شهر رمضان،
فلا تجبُ بإفسادٍ قضائه، ولا یإفسادٍ صوم غيره.
[٩١٢٥] (قولُهُ: أو جُومِعَ) يشملُ ما لو جامَعَها زوجُها الصغير كما هو مقتضى
إطلاقِهم، ولتصريحهم بوجوبِ الغُسل عليها دونه، أفادَهُ "الرَّمليُّ". وفي "القُهُستانيِّ)"(٤):
((الرَّجلُ بجماعِ المشتهاة يكفّرُ كالمرأة بالصبيِّ والمجنون، وفي الصُّورتين اختلافُ المشايخ كما
في "التمرتاشيّ")) اهـ.
[٩١٢٦] (قولُهُ: وتوارت الحشفةُ) أي: غابَتْ، وهذا بيانٌ لحقيقةِ الجماع؛ لأَنَّه لا يكونُ
إلا بذلك، "ط"(٥).
[٩١٢٧] (قولُهُ: في أحدِ السَّبيلين(٦)) أي: القبلِ أو الدُّبر، وهو الصحيحُ في الدُّبر، والمختارُ
(١) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل في موجب الإفساد ٢١٨/١.
(٢) المقولة [٩٠١٣] قوله: ((وإن حرك نفسه قضى وكفر)).
(٣) المقولة [٩٠٨١] قوله: ((لاختصاصها)).
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل في موجب الإفساد ٢١٨/١.
(٥) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٦/١.
(٦) في "د" زيادة: ((قال في "الأشباه": الجماع في الدبر يوجب الكفّارة على الأصح. قال المحشِّي الحموي: مقابلُ
الأصح ما روى الحسن عن الإمام: أنه لا كفارة في الدبر اعتباراً له بالحدِّ عنده، فإنه لم يجعل هذا الفعل جناية
كاملة في إيجاب العقوبة التي تندرئ بالشبهات. ووجه القول الأصح - وهو رواية أبي يوسف عن الإمام - أنَّ الجناية
متكاملةٌ لقضاء الشهوة، وإنما يدعي أبو حنيفة النقصان في معنى الزنا من حيث إنه لا يحصل به إفساد الفراش،
ولا معتبر به في إيجاب الكفارة، كما في "المعراج"، وفي "الولوالجية": إذا عمل عمل قوم لوط في رمضان وجب عليه
القضاء بالاتفاق، والمختار أنه تجب عليه الكفارة بالاتفاق أيضاً؛ لأن الكفارة بالزنا إنما وجبت لأنه قضاء للشهوة =

الجزء السادس
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
-
٣٠٧
أَنزَلَ أوْ لا (أو أُكَلَ أو شَرِبَ غِذاءً) بكسرِ الغين وبالذال المعجمتين والمدِّ: ما
يُتغذِّى به (أو دواءً) ما يُتَدَاوَى به، والضَّابِطُ وصولُ ما فيه صلاحُ بدنه الجوفِهِ،
ومنه رِيْقُ حبيِهِ، فُيُكفِّرُ لوجودِ معنى صلاحِ البدن فيه، "دراية" وغيرها. وما نقَلَهُ
"الشرنبلاليُّ" عن "الحدَّادِيِّ"(١) رَدَّهُ في "النهر".
أَنَّه بالاتّفاق، "ولوالحيَّة"(٢). لتكامُلِ الجناية لقضاءِ الشَّهوة، "بحر "(٣).
١٠٧/٢
[٩١٢٨] (قولُهُ: أَنزَلَ أَوْ لا) فإنَّ الإنزال شبعٌ، وقضاءُ الشَّهوة يتحقَّقُ بدونه، وقد وجَبَ به
الحدُّ، وهو عقوبةٌ محضةٌ، فالكفّرة التي فيها معنى العبادة أولى، "بحر "(٤).
[٩١٢٩] (قولُهُ: ما يُتغذَّى به) أي: ما مِن شأنِهِ ذلك كالحنطةِ والخبز واللَّحم، وإنما عدَّ الماءَ
منه وهو لا يغذو لبساطتِهِ لأَنَّه مُعينٌ للغذاء، "قُهُستاني"(٥).
[٩١٣٠] (قولُهُ: وما نقَلَهُ "الشرنبلاليُّ)"(٦)) حيث قال في "حاشيته": ((اختلفوا في معنى
(قولُهُ: أي: ما شأنُهُ ذلك كالحنطةِ إلخ) عبارةُ "القهستانيّ": ((الغذاءُ اصطلاحاً: ما يقومُ بدلَ
ما يتحلَّلُ من شيءٍ، وهو بالحقيقةِ الدَّمُ وباقي الأخلاط، وعرفاً - وهو المراد -: ما مِن شأنِهِ أن يصيرَ
البدلَ، وإنما عُدَّ الماء منه وهو لا يغذو لبساطته؛ لأنه مُعينٌ للغذاء)) اهـ.
فعلى هذا الغذاءُ اسمٌ للدَّم وباقي أخلاطٍ اصطلاحاً، وإطلاقُهُ عُرْفاً على الطعام باعتبار الأوَّل، والماءُ
لَمَّا كان آلةً للتغذّي لا مِن عينِ الغذاء أُطلِقَ عليه، كذا يُفادُ من "حاشية القهستانيِّ".
= على الكمال، وهذا المعنى موجودٌ في اللواطة، فتحب الكفّارة، أمّا الحدّ إنما وجب بالزنا، وهذا المعنى مفقودٌ هنا،
وهذا إنما يتأتى على قول الإمام، أما عندهما يجب الحدُّ والكفّارة انتهى)).
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الصوم ١٧٢/١.
(٢) "الولوالجية": كتاب الصوم - الفصل الثاني فيما يوجب الكفارة وفيما لا ق ٣٢/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٧/٢.
(٤) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٧/٢ بتصرف يسير.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢١٨/١.
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٥/١ (هامش "الدرر والغرر").

قسم العبادات
٣٠٨
حاشية ابن عابدين
التغذّي، قال بعضُهم: أنْ يميلَ الطبع إلى أكله، وتنقضيَ شهوةُ البطن به، وقال بعضهم: هو ما يعودُ
نفعُهُ إلى صلاحِ البدن، وفائدته فيما إذا مضَغَ لقمةً ثمَّ أخرَجَها ثمَّ ابتلعها فعلى الثاني يُكفّر لا على
الأوَّلِ، وبالعكس في الحشيشة؛ لأنّه لا نفعَ فيها للبدن، وربما تنقصُ عقلَهُ، ويميلُ إليها الطبعُ
وتنقضي بها شهوة البطن)) اهـ ملخَّصاً.
وقال في "النهر "(١): ((إنّ بعيدٌ عن التحقيق؛ إذ بتقديره يكونُ قولُهم: أو دواءً حشواً، والذي
ذكرَهُ المحققّون أنَّ معنى الفطر وصولُ ما فيه صلاحُ البدن إلى الجوف أعمَّ من كونه غذاءً أو دواءً
يقابلُ القولَ الأوَّل، هذا هو المناسبُ في تحقيقِ محلِّ الخلاف)) اهـ.
أقول: وحاصلُهُ أنَّ الخلاف في معنى الفطر لا التغذّي، لكنْ ما نقله عن المحقّقين لا يلزمُ منه
عدمُ وقوع الخلاف في معنى التغذّي، ولكنَّ التحقيق أنّه لا خلافَ فيه ولا في معنى الفطر؛
(قولُهُ: إذ بتقديرِهِ يكونُ قولُهم: أو دواءً حشواً) ظاهرٌ على القول الثاني ومَن ذكَرَ: أو دواءً
مِن أهل القولِ الأوَّلِ بدليلٍ ذکرِهِ.
(قولُهُ: والذي ذكَرَه المحقّقون أنَّ معنى الفطرِ إلخ) أي: الموجِبِ للكفَّارة لا مطلقٍ فطرٍ.
(قولُهُ: يُقابِلُ القولَ الأوَّلَ، هذا هو المناسبُ إلخ) عبارةُ "النهر": ((ويقابلُهُ القولُ الأوَّلُ،
وهذا إلخ)).
(قولُهُ: لكن ما نقَلَهُ عن المحقّقين إلخ) القصدُ التورُّكُ على صاحب "النهر" بأنَّ ما نقَلَهُ لا يلزمُ منه
إلخ، وفيه أنَّه حيث ذكَرَ المحقّقُون أنَّ الخلاف في معنى الفطر لا يصحُّ جعلُهُ بعينه في معنى التغذّي،
وليس قصدُ صاحب "النهر" نَفْيَ الخلافِ في معنى التغذّي من حيث هو أعمُّ من كونِهِ المذكورَ هنا
أو غيرَهُ حتَّى يَتَورَّكَ عليه بما ذكرَهُ، تأمَّل.
(قولُهُ: ولكنَّ الَّحقيق أنّه لا خلافَ فيه إلخ) خلافُ الظَّاهرِ، والحقُّ أنَّ الخلافَ متحقّقٌ في معنى
الفطرِ المعنويِّ لا الصوريِّ، فلذا جاءَ الاختلافُ في اللُّقمةِ المخرَجةِ والحشيشةِ، وكونُ مرادِهم بما يكونُ
فيه صلاحُ البدن ما يشملُ التلذُّذَ بعيدٌ، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ١٢١/أ.

الجزء السادس
٣٠٩
باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
الأَنْهم ذكروا أنَّ الكفَّارة لا تجب إلاَّ بالفطرِ صورةً ومعنىّ، ففي الأكلِ الفطرُ صورةً هو الابتلاعُ،
والمعنى كونُهُ مما يصلُحُ به البدنُ من غذاءٍ أو دواءٍ، [٢/ق٣١٣/ب] فلا تجبُ في ابتلاعِ نحو
الحصاة لوجودِ الصورة فقط، ولا في نحوِ الاحتقان لوجود المعنى فقط كما علَّهُ في "الهداية"(١)
وغيرها، وذكَرَ في "البدائع"(٢): ((أَنَّها تحبُ بإيصال ما يُقَصَدُ به التغذِّي أو التداوي إلى جوفِهِ من
الفم بخلاف غيره، فلا تجبُ في ابتلاع الجوزة أو اللَّوزة الصحيحة اليابسة لوجود الأكل صورةً
لا معنىَّ؛ لأَنَّه لا يُعتادُ أكُلُهُ، فصار كالحصاةِ والنواة، ولا في أكلِ عجينٍ أو دقيق؛ لأَنَّه لا يُقْصَدُ
به التغذّي والتداوي، ولو أكَلَ ورقَ شجرٍ إنْ كان مما يُؤْكَلُ عادةً وجبت، وإلاَّ وجَبَ القضاء
فقط، وكذا لو خرَجَ البزاقُ من فمه ثمَّ ابتلعَهُ، وكذا بزاقُ غيره؛ لأَنَّه مما يُعافُ منه، ولو بزاقَ
حبيبهِ أو صديقِهِ وحَبَتْ كما ذكرَهُ "الحلوانيُّ"؛ لأَنّه لا يعافُهُ، ولو أخرَجَ لقمةً ثمَّ أعادَها قال
"أبو اللَّيث": الأصحُّ أَنَّه لا كفَّارة؛ لأَنَّها صارت بحالٍ يُعافُ منها)) اهـ ملحَّصاً.
ويظهرُ من ذلك أنَّ مرادهم بما يُتغذَّى به ما يكونُ فيه صلاحُ البدن، بأنْ كان مما يُؤْكَلُ
عادةً على قصدِ التغذّي أو التداوي أو التلذُّذ، فالعجينُ والدقيق وإنْ كان فيه صلاحُ البدن والغذاءُ
لكنَّه لا يُقْصَدُ لذلك، واللقمةُ المُخرَجَةُ كذلك؛ لأنّها لعِيافتها خرَجَتْ عن الصلاحية حكماً كما
قالوا فيما لو ذرَعَهُ القيء وعاد بنفسه: لا يفطرُ؛ لأَنَّه ليس مما يُتغذّى به عادةً لعِیاقته بخلاف ريقِ
الحبيب؛ لأَنَّه يُتَلدَّذُ به كما قالَهُ في أواخر "الكنز)"(٣)، فصارَ ملحقاً بما فيه صلاحُ البدن، ومثلُهُ
الحشيشةُ المسكرة.
ويؤيِّدُ ما قلنا أيضاً ما في "المحيط"، حيث ذكَرَ: ((أنَّ الأصل أنَّ الكفارة تجبُ متى أفطَرَ بما
يُتَغذَّى به؛ لأَنَّها للزَّجر، وإنما يُحتاجُ للزَّجر عمَّا يُؤكَلُ عادةً بخلاف غيره؛ لأنَّ الامتناع عنه ثابتٌ
(١) "الهداية": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ١٢٤/١ - ١٢٥.
(٢) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما حكم فساد الصوم ٩٩/٢.
(٣) انظر "شرح العيني على الكنز": مسائل شتى ٣٥٧/٢.

قسم العبادات
٣١٠
حاشية ابن عابدين
(عمداً) راجعٌ للكلِّ (أو احتَجَمَ) أي: فعَلَ ما لا يُظَنُّ الفطرُ به كفَصْدٍ، وكُحْلٍ،
ولَمْسٍ، وجِماعٍ بهيمةٍ.
طبيعةً كشرب الخمر يجبُ فيه الحدُّ؛ لأَنَّه محتاجٌ إلى الزَّجر بخلاف شرب البول والدم. ثمَّ كلُّ
ما يُؤْكَلُ عادةً مقصوداً أو تبعاً لغيره فهو مما يُتَغذَّى به، وأمَّا غيرُهُ فمُلحَقٌ بما لا يُتَغذَّى به وإنْ كان
في نفسه مُغذّياً، والدواءُ مُلحَقٌ بما يُتغذَّى به لِما فيه من صلاح البدن))، ثمَّ ذَكَرَ الفروع إلى
أنْ قال في اللُّقمة: ((وإنْ أخرَجَها ثمَّ أعادها فلا كفَّارةَ، وهو الأصحُّ؛ لأَنّها صارت بحالٍ تُستقدَرُ
ويُعافُ منها، فدخَلَ القصورُ في معنى الغذاء)) اهـ ملخَّصاً.
ولكنْ [٢/ق٣١٤/أ] يُشكِلُ على ذلك وجوبُ الكفَّارة بأكلِ اللحم النيْءٍ ولو من ميتةٍ،
إلاّ إذا أنْتَنَ ودَوَّدَ فإنّي لم أر مَن ذكَرَ فيه خلافاً مع أنَّه أشدُّ عِيافةً من اللُّقمة المخرَجة، اللهمَّ
إلاَّ أنْ يقال: اللحمُ في ذاته مما يُقصَّدُ به التغذّي وصلاحُ البدن بخلاف اللُّقمة المذكورة والعجين،
وبخلاف ما إذا دَوَّدَ؛ لأَنَّه يُؤْذي البدنَ، فلا يحصلُ به صلاحُهُ، هذا ما ظهَرَ لي في تحرير هذا
المحلِّ، والله تعالى أعلم.
(٩١٣١] (قولُهُ: عمداً) خرَجَ المخطئُ والمكرَه، "بحر "(١).
قلت: وكذا الناسي؛ لأنَّ المراد تعمُّدُ الإفطار، والناسي وإنْ تعمَّدَ استعمالَ المفطر لم يتعمَّد
الإفطارَ.
[٩١٣٢] (قولُهُ: راجعٌ للكلِّ) أي: كلِّ ما ذُكِرَ من الجماعِ والأكلِ والشُّرب.
[٩١٣٣] (قولُهُ: أي: فعَلَ إلخ) أشارَ إلى أنَّ الحكم ليس قاصراً على الحجامة، "ط"(٢).
(قولُهُ: اللهمَّ إلاَّ أنْ يقال: اللَّحمُ في ذاتِهِ إلخ) الأظهرُ في دفع الإشكالِ أن يقال: إنَّ مسالةَ اللَّحم
المذكورةَ على الخلاف أيضاً، وعدمُ تعرُّضِهم لحكايته اكتفاءً بحكايته في مسألةِ اللُّقمةِ المخرَجةِ لدلالته
عليه بالأَولى، وإلاَّ كيف يُنظَرُ في مسألة اللَّحم إلى أنَّه مما يُقْصَدُ به التغذّي في ذاته دون اللُّقمة؟!
(١) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٧/٢.
(٢) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٧/١.

باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
٣١١
الجزء السادس
بلا إنزالٍ، أو إدخالِ إصبعٍ في دُبُرٍ ونحوِ ذلك (فَظَنَّ فطرَهُ به فأكَلَ عَمْداً قَضَى) في
الصُّورِ كلِّها (وكَفْرَ)
واحترَزَ به عمَّا لو فعَلَ ما يُظَنُّ الفطرُ به كما لو أكَلَ أو جامَعَ ناسياً، أو احتلَمَ، أو أنزَلَ بنظرٍ،
أو ذرَعَهُ القيءُ فَظَنَّ أَنَّه أفطَرَ فأكل عمداً، فلا كفَّارة للشُّبهة كما مرَّ(١).
[٩١٣٤] (قولُهُ: بلا إنزالٍ) أمَّا لو أَنزَلَ فلا كفَّارة عليه بأكلِهِ عمداً؛ لأَنَّه أَكَلَ وهو مفطرٌ،
"ط"(٢).
[٩١٣٥] (قولُهُ: أو إدخالِ إصبعٍ) أي: يابسةٍ كما تقدَّمَ، "ح"(٣). فلو مبتلَّةً فلا كفَّارة؛ لأكلِهِ
بعد تحقَّقِ الإفطارِ بالبلّة، "ط"(٤).
[٩١٣٦] (قولُهُ: ونحوِ ذلك) كأكلِهِ بعد قُبلةٍ بشهوةٍ أو مضاجعةٍ ومباشرةٍ فاحشةٍ بلا إنزال،
"إمداد"(٥).
[٩١٣٧] (قولُهُ: في الصُّورِ كلِّها) أي: المذكورةِ(٦) في قوله: ((وإِنْ جامَعَ إلخ)).
[٩١٣٨] (قولُهُ: وكفَّرَ تَرَكَ بيانَ وقت وجوب القضاء والكفَّارة إشعاراً بأنّه على التراخي
١٠٨/٢ كما قال "محمَّدٌ"، وقال "أبو يوسف": إنّه على الفورِ، وعن "أبي حنيفة" روايتان كما
في "التمرتاشيّ"، وقيل: بين رمضانين، وقال "الكرخيُّ": ((والأوَّلُ الصحيحُ))، وكذا لا يكرهُ
نقلُهُ كما في "الزاهديّ"، وإنما قُدِّمَ القضاءُ إشعاراً بأنَّه ينبغي أنْ يقدِّمه على الكفَّارة، ويُستحَبُّ
(قولُهُ: وكذا لا يكرهُ نفلُهُ) عبارة "القهستانيّ": ((ولذا)) باللام.
(١) صـ ٢٨١- وما بعدها "در".
(٢) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٧/١.
(٣) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٩/أ.
(٤) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٧/١.
(٥) "الإمداد": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وتجب به الكفارة مع القضاء ق٣٥٥/ب.
(٦) صـ ٣٠٥ - وما بعدها "در".

قسم العبادات
٣١٢
حاشية ابن عابدين
لأَنَّه ظنٌّ في غيرِ محلِّهِ، حتَّى لو أفتاه مُفْتٍ يُعتمَدُ على قوله، أو سَمِعَ حديثاً.
التتأبُعُ كما في "الهداية"(١)، "قُهُستاني)"(٢).
[٩١٣٩] (قولُهُ: لأَنَّه إلخ) علّةٌ لقوله: ((أو احتجَمَ إلخ)).
[٩١٤٠] (قولُهُ: حَتّى إلخ) تفريعٌ على مفهوم قوله: ((لأنَّه ظَنٌّ في غيرِ محلّ))، أي: فلو كان
الظنُّ في محلّه فلا كفَّارة، حتَّى لو أفتاه إلخ، "ط(٣).
[٩١٤١] (قولُهُ: يُعتمَدُ على قولِهِ) كحنبليِّ يَرى الحجامةَ مُفطِرةً، "إمداد"(٤). قال في
"البحر"(٥): ((لأنَّ العامِّيَّ يجبُ عليه تقليدُ العالِم إذا كان يَعتمِدُ على فتواه))، ثمَّ قال: ((وقد عُلِمَ
من هذا أنَّ مذهب العامِّيِّ فَتْوى مُقتيه من غيرِ تقييدٍ بمذهبٍ، ولهذا قال في "الفتح"(٦): الحكمُ في
حقِّ العامِّيِّ فَتْوى مُفتيه، وفي "النهاية": ويُشترَطُ أنْ يكون [٢/ق٣١٤/ب] المفتي ممن يُؤْخَذُ منه
الفقهُ ويُعتمَدُ على فتواه في البلدة، وحينئذٍ تصيرُ فتواه شبهةً، ولا مُعتَبَرَ بغيره)) اهـ.
وبه يظهرُ أنَّ ((يُعتمَدُ)) مبنيٌّ للمجهول، فلا يكفي اعتمادُ المستفتي وحده، فافهم.
[٩١٤٢] (قولُهُ: أو سَمِعَ حديثاً) كقوله وَّ: («أفطَرَ الحاجم والمحجوم)(٧)، وهذا عند
"محمَّدٍ"؛ لأنَّ قول الرسول ﴿ل أقوى من قول المفتي، فَأَولِى أَنْ يُورِثَ شبهةً، وعن "أبي يوسف"
خلاُفُهُ؛ لأنَّ على العامِّيِّ الاقتداءَ بالفقهاء لعدم الاهتداء في حقّه إلى معرفة الأحاديث، "زيلعي)"(٨).
(١) "الهداية": كتاب الصوم - فصل: ومن كان مريضاً في رمضان ١٢٧/١.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢١٩/١.
(٣) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٧/١.
(٤) "الإمداد": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وتجب به الكفارة مع القضاء ق ٣٥٥/ب بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٥/٢ - ٣١٦.
(٦) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٩٤/٢.
(٧) أخرجه أحمد ٢٨٠،٢٧٧،٢٧٦/٥، ٢٨١، ٢٨٣، وعبد الرزاق (٧٥١٩) كتاب الصوم - باب الحجامة للصائم،
وأبو داود (٢٣٦٧) كتاب الصوم - باب في الصائم يحتجم، وابن ماجه (١٦٨٠) كتاب الصوم - باب ما جاء في
الحجامة، والدارمي ٤٤٠/١ كتاب الصوم - باب الحجامة تفطر الصائم، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢٦٥/٤-
٢٦٦ كتاب الصوم - باب الحديث الذي روي بالإفطار بالحجامة ، و ٢٦٨/٤ كتاب الصوم - باب ما يستدل به
على نسخ الحديث، كلّھم من حديث ثوبان ﴾، وفي الباب عن أبي هريرة، وشداد بن أوس، ومعقل بن سنان،
وبلال، ورافع بن خديج، وعائشة، وأسامة بن زيد ﴾.
(٨) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٤٣/١ بتصرف.

الجزء السادس
باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
-
-
٣١٣
ولم يَعْلَم تأويلَهُ لم يُكفِّر للشُّبهة وإنْ أخطَأَ المفتي، ولم يَثْبُت الأثرُ إلَّ في الادِّهان،
(٩١٤٣] (قولُهُ: ولم يَعلَم تأويلَهُ) أمَّا إِنْ عَلِمَ تأويلَهُ ثمَّ أَكَلَ تجبُ الكفَّارة لانتفاء الشُّبهة.
وقولُ "الأوزاعيّ": ((إنّه يُفطِرُ)) لا يُورِثُ شبهةً لمخالفته القياسَ مع فرضٍ علم الآكل كونَ
الحديث مُؤوَّلاً. ثمَّ تأويلُهُ أَنَّه منسوخٌ، أو أنَّ اللَّذَين قال فيهما وَ﴿ِ ذلك كانا يغتابان(١)، وتمامُهُ في
"الفتح"(٢)، وعلى الثاني فالمرادُ ذهابُ الثواب كما يأتي(٣).
[٩١٤٤] (قولُهُ: ولم يَثْبُت الأثرُ) عطفٌ على ((أخطأَ المفتي))، أي: وإنْ لم يَتْبُت الأثرُ.
اهـ "ح"(٤). والمرادُ غيرُ حديث الحاجم والمحجوم، فإِنَّه ثابتٌ صحيحٌ، وأمَّا أحاديثُ فطر
المغتاب فكلُّها مدخولةٌ كما في "الفتح"(٥)، وفيه عن "البدائع"(٦): ((ولو لَمَسَ أو قبّلَ امرأةً
بشهوةٍ، أو ضاجَعَها ولم يُنزِل، فظَنَّ أَنَّه أفطَرَ فأكل عمداً كان عليه الكفَّارة، إلاَّ إذا تأوَّلَ
حديثاً، أو استفتى فقيهاً فأفطَرَ فلا كفَّارة عليه وإنْ أخطأَ الفقيهُ ولم يثبت الحديثُ؛ لأنَّ ظاهر
الفتوى والحديثِ يُعتبرُ شبهةً)) اهـ.
[٩١٤٥] (قولُهُ: إلاَّ في الادِّهانِ) استثناءٌ من قوله: ((لم يُكفّر))، يعني: أَنَّه إن ادَّهَنَ ثُمَّ أَكَلَ
كفَّرَ؛ لأَنّه متعمِّد ولم يستند إلى دليل شرعيّ؛ لأنَّه لا يُعتَدُّ بفتوى الفقيهِ أو بتأويله الحديثَ هنا؛
(قولُهُ: إلاَّ إذا تأوَّلَ حديثاً) أي: استنَّدَ إليه.
(١) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" ٣٠٧/٥ باب في تحريم أعراض الناس، وفي "معرفة السنن"٣٢٢/٦ كتاب الصيام
- باب الحجامة للصائم، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٩٩/٢، و"حلية الأولياء" ٢٣/١٠.
نقول: صرَّح في "فتح القدير": ٢٩٧/٢، و"البناية": ٧٢٨/٣ بأنَّ أحاديث فطر المغتاب كلُّها مدخولة.
(٢) انظر "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٩٧/٢.
(٣) المقولة [٩١٤٦] قوله: ((وكذا الغيبة)).
(٤) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٩/ب - ١٣٠/أ.
(٥) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٩٥/٢.
(٦) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما حكم فساد الصوم ١٠٠/٢.

قسم العبادات
٣١٤
حاشية ابن عابدين
وكذا الغِيبةُ عند العامَّة، "زيلعي"(١). لكنْ جِعَلَها في "الملتقى" كالحجامةِ، ورجَّحَهُ
في "البحر" (٢) ..
لأنَّ هذا مما لا يَشتبهُ على مَن له شُمَّةٌ من الفقه، نقلَهُ "الكمال"(٣) عن "البدائع"(٤)، لكنْ يُخالفه
ما في "الخانَيَّة"(٥): ((من أنَّ الذي اكتحَلَ أو دهَنَ نفسه أو شاربَهُ، ثمَّ أكل متعمِّداً عليه الكفّارة،
إلاَّ إذا كان جاهلاً فأُفِيَ له بالفطر)) اهـ.
قال في "الإمداد" (٦): ((فعلى هذا يكونُ قولنا: إلاّ إذا أفتاه فقيةٌ شاملاً لمسألةِ دَهنٍ
الشارب)) اهـ. وهو كما ترى مرجِّحٌ لعدمِ الاستثناء، فالأولى لـ "الشارح" تركه، "ح"(٧).
قلت: لكنْ ما نذكرُهُ عن "الخانيَّة"(٨) وغيرها في الغِيبة يؤيِّدُ ما في "البدائع"(٩).
[٩١٤٦] (قولُهُ: وكذا الغيبةُ) لأنَّ الفطر بها يخالفُ القياسَ، والحديثُ - وهو [٢/ق ٣١٥/أ] قولُهُ
مَ: (( ثلاثٌ تُفطِرُ الصائمَ))(١٠) - مؤوَّلٌ بالإجماع بذهابِ الثواب بخلاف حديثِ الحجامة، فإنَّ
بعض العلماء أخَذَ بظاهرِهِ مثل "الأوزاعيِّ" و"أحمد"، "إمداد"(١١). ولم يُعتَدَّ بخلافِ الظاهريَّة في الغيبة؛
(قولُهُ: وهو - كما ترى - مرجَّحٌ إلخ) ما ذكرَهُ لا دلالةَ فيه على ترجيحِ عدم الاستثناء، غايةُ الأمر
أَنَّه في "الخانيَّة" ذكَرَ ما يدلُّ على عدمِ الاستثناء، وهذا لا يدلُّ على ترجيحِهِ على القول بالاستثناء.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - باب العوارض ٣٤٤/١.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٥/٢.
(٣) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٩٧/٢.
(٤) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما حكم فساد الصوم ١٠٠/٢.
(٥) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل السابع فيما يسقط الكفارة وما لا يسقط ٢١٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "الإمداد": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وتجب به الكفارة مع القضاء ق٣٥٥/ب.
(٧) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ١٣٠/أ.
(٨) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل السابع فيما يسقط الكفارة وما لا يسقط ٢١٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما حكم فساد الصوم ١٠٠/٢.
(١٠) أخرجه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" ٦٨/٧.
(١١) "الإمداد": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وتجب به الكفارة مع القضاء ق ٣٥٥/أ نقلاً عن "العناية".

الجزء السادس
٣١٥
باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
للشُّبهة.
لأَنّه حدَثَ بعدما مضى السلفُ على تأويله بما قلنا، "فتح"(١). وفي "الخانَّة"(٢): ((قال بعضُهم: هذا
والحجامةُ سواءٌ، وعامَّةُ المشايخ قالوا: عليه الكفَّارة على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ العلماء أجمعُوا على تركٍ
العمل بظاهرِ الحديث وقالوا: أراد به ثوابَ الآخرة، وليس في هذا قولٌ معتبرٌ، فهذا ظنٌّ ما استنَذْ
إلى دليلٍ، فلا يُورِثُ شبهةً)) اهـ. ونحوُهُ في "السِّراج(٢)، وكذا في "الفتح"(٤) عن "البدائع"(٥)،
وجزم به في "الهداية"(٦) أيضاً وشروحها(٧). قال "الرحمتيُّ": ((وإذا لم يُعَدَّ الحديثُ والفتوى شبهةً
في الغيبة قُبُعْدُ دَهنِ الشارب أَولى)) اهـ.
قلت: ولذا سوَّى بينهما في "الفتح"(٨) عن "البدائع"(٩)، وكذا في "المعراج" عن
"المبسوط"(١٠).
[٩١٤٧] (قولُهُ: للشُّبهةِ) قد علمتَ أنَّ ما خالَفَ الإجماعَ لا يُورِثُ شبهةً، والعملُ على ما
عليه الأكثرُ، والله تعالى أعلم.
(١) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٩٧/٢.
(٢) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل السابع فيما يسقط الكفارة وما لا يسقط ٢١٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فصل فيما يكره من الصيام ١/ق ٤٩٧/ب و٥١٤/ب.
(٤) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٩٧/٢.
(٥) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما حكم فساد الصوم ١٠٠/٢.
(٦) "الهداية": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ١٣٠/١.
(٧) انظر "الكفاية" و"العناية": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٩٤/٢ -٢٩٥
(هامش "فتح القدير")، و"البناية": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٧٢٧/٣.
(٨) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٩٧/٢.
(٩) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما حكم فساد الصوم ١٠٠/٢.
(١٠) "المبسوط": كتاب الصوم ٨٠/٣.

حاشية ابن عابدين
٣١٦
قسم العبادات
(ككفَّارةِ المُظاهِرِ) الثَّابتةِ بالكتاب، وأمَّا هذه فبالسُّنَّةِ،
مطلبٌ في الكفَّارة
[٩١٤٨] (قولُهُ: ككفَّارةِ المظاهرِ) مرتبطٌ بقوله: ((وكفَّرَ))، أي: مثلَها في الترتيب، فُعْتِقُ
أوَّلاً، فإنْ لم يجد صامَ شهرين متتابعين، فإنْ لم يستطع أطعَمَ ستّين مسكيناً لحديث الأعرابيِّ
المعروف في "الكتب الستّة"(١)، فلو أفطَرَ - ولو لعذرٍ - استأنَفَ إلاَّ لعذرِ الحيض، وكفَّارةُ القتل
يُشترَطُ في صومها التابعُ أيضاً، وهكذا كلُّ كَفَّارٍ شُرِعَ فيها العتقُ، "نهر"(٢). وتمامُ فروع
المسألة في "البحر"(٣)، وفيه أيضاً: ((ولا فرقَ في وجوبِ الكفَّارة بين الذَّكر والأنثى، والحرِّ
والعبد، والسلطان وغيره، ولهذا صرَّحَ في "البزَّزيَّةَ"(٤) بالوجوبِ على الجارية فيما لو أُخَبَرَتْ
سيِّدَها بعدم طلوع الفجر عالمةٌ بطلوعه، فجامَعَها مع عدمِ الوجوب عليه، وبأنّه إذا لَزِمَت
السلطانَ وهو مُوسِرٌ بمالِهِ الحلالِ وليس عليه تبعةٌ لأحدٍ يُفتَى بإعتاقِ الرَّقبة، وقال أبو نصرِ "محمَّدُ
ابن سلامٍ": يُفْتَى بصيامٍ شهرين؛ لأنَّ المقصود من الكفَّارة الانزجازُ، ويسهُلُ عليه إفطارُ شهرٍ
وإعتاقُ رقبةٍ، فلا يحصُلُ الزَّجرُ)) اهـ.
١٠٩/٢
(١) أخرجه أحمد ٢٨١/٢، والبخاري (١٩٣٦) كتاب الصوم - باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق
عليه فليكفر، ومسلم (١١١١) (٨١) كتاب الصيام - باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم
ووجوب الكفارة، وأبوداود (٢٣٩٠) كتاب الصوم - باب كفارة من أتى أهله في رمضان، والترمذي(٧٢٤) كتاب
الصوم - باب ما جاء في كفارة الفطر في رمضان، وقال: حديث أبي هريرة حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعمل على
هذا عند أهل العلم، والنسائي في " السنن الكبرى" (٣١١٤) كتاب الصيام - ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر
أبي هريرة فيه ، وابن ماجه (١٦٧١) كتاب الصيام - باب ما جاء في كفارة من أفطر يوماً من رمضان، والدارمي
٤٣٦/٢ كتاب الصوم - باب في الذي يقع على امرأته في شهر رمضان نهاراً، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"
٦٠/٢ كتاب الصوم - باب الحكم في من جامع أهله في رمضان متعمداً، كلُّهم من حديث أبي هريرة ◌ُبه مرفوعاً،
وفي الباب عن ابن عمر، وعائشة وعبدالله بن عمرو.
(٢) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ١٢١/ب.
(٣) انظر "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٨/٢ - ٢٩٩.
(٤) "البزازية": كتاب الصوم - الفصل الثالث: ما يفسد الصوم وما لا يفسده وموجب القضاء والكفارة ١٠١/٤
(هامش "الفتاوى الهندية").