Indexed OCR Text

Pages 281-300

الجزء السادس
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
-
٢٧٧
وكذا لو فتَلَ الخيطَ بُزاقِهِ مِراراً وإنْ بقي فيه عُقَدُ البُزاق، إلاَّ أن يكونَ مصبوغاً
وظهَرَ لونُهُ فِي رِيقِهِ وابتلَعَهُ ذاكراً، ونظَمَهُ "ابنُ الشِّحنة"(١) فقال: [ طويل]
بإدخالِهِ في فِيهِ لا يَتَضَرَّرُ
مُكرِّرُ بَلِّ الخيطِ بالرِّيقِ فاتلاً
وعن بعضِهِم إِنْ يَبْلَعِ الرِّيقَ ..
[٩٠٣٠] (قولُهُ: وكذا لو فَتَلَ الخيطَ ببزاقه مِراراً إلخ) يعني: إذا أرادَ فَتْلَ الخيطِ، وبَلَّهُ بيزاقه،
وأدخلَهُ في فمِهِ مِراراً لا يفسُدُ صومه وإِنْ بقيَ في الخيط عُقَدُ البزاق، وفي "النظم"
لـ "الزندويستيٍّ": ((أَنَّه يَفْسُدُ))، كذا في "القنية"(٢)، وحكى الأوَّلَ في "الظهيريَّة"(٢) عن شمس
الأئمّة "الحلوانيّ"، ثمَّ قال: ((وذكَرَ "الزندويستيُّ": إذا فَتَلَ السِّلْكة وبَلَّها بريقِهِ، ثمَّ أمَرَّها ثانياً
في فمِهِ، ثُمَّ ابتَلَعَ ذلك البزاقَ فسَدَ صومه)) اهـ.
ثمَّ لا يخفى أنَّ المحكيَّ عن "شمس الأئمَّة" مقيَّدٌ بما إذا ابتَلَعَ البزاقَ، وإلاَّ فلا فائدةَ
في التنبيه على أنَّه لا يفسُدُ صومُهُ، فهو محمولٌ على ما صرَّحَ به في "النظم"، فكان مرادٌ
صاحب "الظهيريَّة" أنَّ ذلك المطلقَ محمولٌ على هذا المقيَّد، فهما مسألةٌ واحدةٌ خلافاً لِما
استظهَرَهُ في "شرح الوهبائَّة"(٤): ((من أَنَّهما مسألتان بحملِ الأُولى على ما إذا لم يبتلع البزاقَ،
والثانيةِ على ما إذا ابتلَعَهُ))؛ إذ لا يبقى خلافٌ حينئذٍ أصلاً كما لا يخفى، وهو خلافُ المفهوم
من "القنية" و"الظهيريَّة".
[٩٠٣١] (قولُهُ: مُكرِّرُ) مبتدأٌ، وقوله: ((بالرِّيق)) متعلّقٌ بـ ((بَلِّ))، وقوله: ((يإدخالِهِ)) متعلّقٌ
(قولُهُ: فهما مسألةٌ واحدةٌ خلافاً لِما استظهَرَهُ إلخ) فموضوعُها ما إذا ابتَلَعَ الرِّيقَ، أي:
ولم ينفصل الخيطُ عن فمِهِ بالكليّة عند الإخراج، وإلاَّ كان الفسادُ محلَّ اتّفاقِ، ومبنى الخلافِ أنَّ ما
على الخيطِ الخارجِ من فمه بمنزلة الرِّيق المتدلّي أو بمنزلةِ المنقطع.
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الصوم ق٦٣/أ.
(٢) "القنية": كتاب الصوم - باب فيما يفسد الصوم ق ٣٠/ب.
(٣) "الظهيرية": كتاب الصوم - فصل فيما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ٥٧/أ.
(٤) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الصوم ق٦٣/أ.

قسم العبادات
٢٧٨
حاشية ابن عابدين
· بعدَ ذا
يَضُرُّ كَصِبْغِ لونُهُ فِيهِ يَظْهَرُ
(وإِنْ أفطَرَ خطأً) كأنْ تمضمَضَ فسبَقَهُ الماءُ، أو شَرِبَ نائماً).
بخبر المبتدأ الذي هو قوله: ((لا يتضرَّرُ))، ووجهُهُ أَنَّه بمنزلةِ الرِّيق على فمه إذا لم يتقطَّع كما
في "شرح الشرنبلاليّ"(١)، "ط" (٢).
[٩٠٣٢] (قولُهُ: بعد ذا) أي: بعد تكرار إدخاله في فيه.
[٩٠٣٣) (قولُهُ: يضُرُّ أي: الصومَ، ويُفسِدُهُ؛ لأنَّ إخراجَهُ بمنزلةِ انقطاع البزاق المتدّي،
كذا في "شرح الشرنبلاليّ"(٣)، "ط" (٤).
[٩٠٣٤] (قولُهُ: كصِبْغٍ) أي: كما يضُرُّ ابتلاعُ الصِّغ، وهذا مما لا خلافَ فيه، وقولُهُ:
((لونُهُ)) أي: الصِّغِ، و((فيه)) أي: الرِّيقِ، متعلّقٌ بـ (يَظهَرُ))، "ط)"(٥).
[٩٠٣٥)] (قولُهُ: وإِنْ أفطَرَ خطأً) شرطٌ جوابُهُ قولُهُ الآتي(٦): ((قَضَى فقط))، وهذا شروعٌ
في القسم الثاني، وهو ما يُوجِبُ القضاءَ دون الكفّارة بعد فراغه مما لا يُوجِبُ شيئاً، والمرادُ
بالمخطئ مَن فَسَدَ صومُهُ بفعلِهِ المقصودِ دون قصد الفساد، "نهر "(٧) عن "الفتح"(٨).
[٩٠٣٦) (قولُهُ: فسبَقَهُ الماءُ) أي: يفسُدُ صومُهُ إنْ كان ذاكراً له، وإلاَّ فلا؛ لأَنَّه لو شَرِبَ
حينئذٍ لم يَفسُد، فهذا أَولى، وقيل: إنْ تمضمَضَ ثلاثاً لم يَفسُد، وإِنْ زاد فسَدَ، "بدائع" (٩).
[٩٠٣٧] (قولُهُ: أو شَرِبَ نائماً) فيه أنَّ النائم غيرُ مخطئٍ لعدم قصده الفعلَ، نعم صرَّحَ
(١) "الإمداد": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق٣٥٢/أ.
(٢) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٢/١.
(٣) "الإمداد": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق٣٥٢/أ.
(٤) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٢/١.
(٥) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٢/١.
(٦) صـ ٢٩٥- وما بعدها "در".
(٧) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم ق ١١٩/ب.
(٨) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٥٥/٢.
(٩) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما ركنه إلخ ٩١/٢.

الجزء السادس
٢٧٩
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
أو تسخَّرَ أو جامَعَ على ظَنِّ عدمِ الفجر (أو) أُوجِرَ (مُكرَهاً).
في "النهر" (١): ((بأنَّ المكره والنائم كالمخطئ)) اهـ.
وليس هو كالناسي؛ لأنَّ النائمَ أو ذاهبَ العقل لم تؤكل ذبيحتُهُ، وتؤكلُ ذبيحةُ مَن نسي
التسمية، "بحر "(٢) عن "الخانَيَّة"(٢). قال "الرحمتيُّ": ((ومعناه أنَّ النسيان اعْتُبِرَ عذراً في تركِ
التسمية (٤) بخلاف النوم [٢/ق٣٠٦/ب] والجنون، فكذا يُعتَبَرُ عذراً في تناوُلِ المفطر؛ لأنَّ النسيان
غيرُ نادرِ الوقوع، وأمَّا الذَّبحُ وتناوُلُ المفطر في حالِ النوم والجنون فنادرٌ، فلم يُلحَقْ بالنسيان)).
[٩٠٣٨) (قولُهُ: أو تسخَّرَ أو جامَعَ إلخ) أفادَ أنَّ الجماع قد يكونُ خطأً، وبه صرَّحَ في
"السِّراج"(٥) فقال: ((ولو جامَعَ على ظنِّ أَنَّ بليلٍ، ثمَّ عَلِمَ أنَّ بعد الفجرِ فَزَعَ من ساعته فصومُهُ
فاسدٌ؛ لأَنَّه مخطئٌ، ولا كفّارة عليه لعدمٍ قصد الإفساد)) اهـ.
وبه يُستغَنَى عن التكلَّفِ بتصويرِ الخطأ في الجماع بما إذا باشَرَها مباشرةً فاحشةً فتوارَتْ
حشفتُهُ، أفادَهُ في "النهر "(٦)، فافهم. ومسألةُ التسخُّرِ ستأتي(٧) مفصّلةً.
[٩٠٣٩] (قولُهُ: أو أُوجِرَ مُكرَهاً) أي: صُبَّ في حلقِهِ شيءٌ، والإيجارُ غيرُ قيدٍ، فلو أسقَطَ
(قولُهُ: لأنَّ النائمَ أو ذاهبَ العقلِ لم تؤكل ذبيحتُهُ) قال "الحمويُّ": ((هذا التعليل غيرُ مؤثّرٍ فيما
ذُكِرَ من الفَرْق؛ إذ المفسدُ وُجِدَ في كلِّ منهما لا عن قصدٍ، والحقُّ أن يقال: إنَّ حكم الناسي ثَبَتَ على
خلاف القياس بالأثر، فلا يُقاس عليه غيرُهُ)) اهـ "سندي".
وقال: ((إِنَّه الأحسنُ مما ذكره "المحشي")).
(١) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١١٩/ب.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٣/٢.
(٣) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل السادس فيما يفسد الصوم وهو على نوعين ٢١٢/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) من ((بحر)) إلى ((التسمية)) ساقط من "الأصل".
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٨٨/أ بتصرف.
(٦) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١١٩/ب.
(٧) المقولة [٩٠٨٤] قوله: ((أو تسحر إلخ)).

قسم العبادات
٢٨٠
حاشية ابن عابدين
أو نائماً، وأمَّا حديثُ: ((رُفِعَ الخطأ)) فالمرادُ رفعُ الإِثم، وفي "التحرير"(١).
((المؤاخذةُ بالخطأ
قولَهُ: ((أُوجِرَ)) وأبقى قول "المتن": ((أو مُكرَهاً)) معطوفاً على قوله: ((خطأ)) لكان أولى؛
ليشملَ ما لو أَكَلَ أو شَرِبَ بنفسه مُكرَهاً فإنّه يفسُدُ صومه خلافاً لـ "زفر" و"الشافعيِّ" كما في
"البدائع"(٢)، وليشملَ الإفطارَ بالإكراه على الجماع، قال في "الفتح"(٣): ((واعلم أنَّ "أبا حنيفة"
١٠١/٢ كان يقولُ أوَّلاً في المكرَهِ على الجماع: عليه القضاءُ والكفَّارة؛ لأنّه لا يكونُ إلَّ بانتشارِ الآلة،
وذلك أَمارةُ الاختيار، ثمَّ رجَعَ وقال: لا كفَّارةَ عليه، وهو قولُهما؛ لأنَّ فساد الصوم يتحقَّقُ
بالإِيلاج، وهو مُكرَّةٌ فيه مع أنَّه ليس كلُّ مَن انتشَرَتْ آلنّهُ يُجامِعُ)) اهـ. أي: مثلُ الصغيرِ والنائم.
[٩٠٤٠] (قولُهُ: أو نائماً) هو في حكمٍ المكرَهِ كما في "الفتح"(٤)، وسيأتي(٥) ما لو جُومِعَتْ
نائمةٌ أو مجنونً.
[٩٠٤١] (قولُهُ: وأمَّا حديثُ إلخ) هو قولُهُ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((رُفِعَ عن أمَّتي الخطأُ
والنسيانُ وما استُكرِهُوا عليه)(٦)، وهذا جوابٌ عن استدلالِ "الشافعيّ" على أنَّه لا يُفطِرُ لو كان
(قولُ "الشارح": وفي "التحرير": المؤاخذةُ بالخطأ جائزةٌ إلخ) هذا جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ تقديرُهُ:
كيف يصحُّ تقديرُ الإِثم في الحديث مع أنَّ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َِّيَا أَوْأَخْطَأَنَا﴾ يقتضي رفعَ
المؤاخذة بهما؛ إذ لا سؤالَ إلاَّ لأمرٍ ممكنِ الوقوعِ؟ فأجاب بأنَّ المؤاخذة جائزةٌ عقلاً، فلو عاقَبَ سبحانه
عبادَهُ على الخطأ والنّسيان كان عَدْلاً، وخالَفَ في ذلك المعتزلةُ بناءً على مذهبهم من تحكيمٍ العقل. اهـ
من "السنديّ".
(١) "التحرير": المقالة الثانية في الاجتهاد وما يتبعه من التقليد والإفتاء صـ٥٣١- بتصرف.
(٢) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما ركنه إلخ ٩١/٢.
(٣) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٥٥/٢.
(٤) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٥٥/٢.
(٥) صـ ٢٩١ - "در".
(٦) تقدم تخريجه ٤٠١/٣.

الجزء السادس
٢٨١
باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
جائزةٌ عندنا خلافاً للمعتزلة )) (أو أكَلَ) أو جامَعَ (ناسياً)(١) أو احتَلَمَ، أو أنزَلَ
بِنَظَرِ، أو ذرَعَهُ القَيْءُ (فِظَنَّ أَنَّه أفطَرَ فَأَكَلَ عَمْدَاً).
مخطئاً أو مُكرَهً؛ لأنَّ التقدير: رُفِعَ حكمُ الخطأ إلخ؛ لأنَّ نفس الخطأ لم يُرفَع، والحكمُ نوعان:
دنيويٌّ - وهو الفسادُ - وأخرويٌّ وهو الإِثم، فيتناولُهما.
والجوابُ أَنَّه حيث قُدِّرَ الحكمُ لتصحيحِ الكلام كان ذلك مقتضَىِّ بالفتح، وهو لا عمومَ له،
والإِثمُ مرادٌ من الحكمِ بالإجماع، فلا تصحُّ إرادةُ الآخر، وإنما لم نُفسِدْ صومَ الناسي مع أنَّ القياس
أيضاً الفسادُ لوصول المفطر إلى الجوف لقوله مَ﴾: «مَن نَسِيَ وهو صائمٌ فأكَلَ أو شَرِبَ فليُتِمَّ
صومَهُ، فإنما أطعَمَهُ اللَّهُ وسقاه)(٢)، وتمامُ تقريره في المطوّلات.
[٩٠٤٢] (قولُهُ: جائزةٌ) أي: عقلاً كما في "شرح التحرير"(٢).
[٩٠٤٣] (قولُهُ: فَأَكَلَ عمداً) وكذا لو [٢/ق٣٠٧/أ] جامَعَ عمداً كما في "نور الإيضاح"(٤)،
فالمرادُ بالأكل الإفطارُ.
(١) في "د" زيادة: ((قوله: (أو أكل ناسياً إلخ) قال المحشي الحموي في "حواشيه" على "الأشباه": النسيان، وهو عدم
استحضار الشيء وقت حاجته، فيشمل السهو عند الحكماء، فإن اللغة لا تُفرِّقُ بينهما ، وهو لا ينافي الوجوب
لكمال العقل، وليس عذراً في حقوق العباد، حتى لو أتلَفَ مالَ إنسان يجب عليه الضمان، وفي حقوقه تعالى عذر
في سقوط الإثم، أما الحكم فإن كان مع مُذَكِّرٍ ولا داعي إليه كأكل المصلي فلا يسقط لتقصيره بخلاف سلامه
في القعدة الأولى؛ لأنها محل، أوْ لا مذكر مع داع كأكل الصائم فيسقط الحكم، وكالتسمية في الذبيحة، فإنَّ ذبح
الحيوان يوجب هيبة وخوفاً لنفور الطبع، فتكثر الغفلة عن التسمية في تلك الحال لاشتغال قلبه بالخوف، وقد اتفقوا
على أن النسيان غيرعفو في مسائل، منها: لو نسي المحدث غسل بعض الأعضاء، ومنها لو صلى قاعداً متوهماً
عجزه عن القيام، ناسياً قدرته على القيام، ومنها إذا حكم الحاكم بالقياس ناسياً النص، ومنها لو نسي الرقبة في
الكفارة فصام، ومنها لو توضأ بماء نجس ناسياً، ومنها لو فعل محظورات الإحرام ناسياً، انتهى)).
(٢) أخرجه أحمد ٤٢٥/٢، والبخاري (١٩٣٣) كتاب الصوم - باب الصائم إذا أكل وشرب ناسياً، ومسلم (١٧١)
كتاب الصيام - باب: أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر، والترمذي (٧٢٢ ) كتاب الصوم - باب ما جاء في
الصائم يأكل أويشرب ناسياً، وابن ماجه (١٦٧٣) كتاب الصيام - باب ما جاء فيمن أفطر ناسياً، والدارمي
٤٣٩/١ كتاب الصوم - باب فيمن أكل ناسياً، كلُّهم من حديث أبي هريرة ليه مرفوعاً.
(٣) "التقرير والتحبير": المقالة الثانية - الفصل الرابع - فصل آخر في بيان أحكام عوارض الأهلية ٢٠٤/٢.
(٤) "نور الإيضاح": كتاب الصوم - باب ما يفسد به الصوم وتجب به الكفارة مع القضاء صـ٣٠٧ -.

قسم العبادات
٢٨٢
حاشية ابن عابدين
للشُّبهة، ولو عَلِمَ عدمَ فطره لَزِمَتْهُ الكفَّارَةُ، إلاَّ في مسألة "المتن" فلا كفَّارةَ مطلقاً
على المذهب لشبهةٍ خلافٍ "مالكٍ" خلافاً لهما كما في "المجمع" وشروحه، ......
[٩٠٤٤) (قولُهُ: للشُّبهةِ) علّةٌ للكلِّ، قال في "البحر"(١): ((وإنما لم تجب الكفّارةُ بإفطارِهِ عمداً
بعد أكلِهِ أو شربِهِ أو جماعه ناسياً؛ لأنّه ظنٌّ في موضعِ الاشتباه بالنظير وهو الأكلُ عمدً؛ لأنَّ
الأكل مضادٌّ للصوم ساهياً أو عامداً، فأورَتَ شبهةً، وكذا فيه شبهةُ اختلافِ العلماء، فإنَّ "مالكاً"
يقول بفسادٍ صومٍ مَن أَكَلَ ناسياً، وأطلقَهُ فشملَ ما لو عَلِمَ أَنَّه لم يُقْطِره ـ بأنْ بَلَغَهُ الحديثُ
أو الفتوى - أوْ لا، وهو قول "أبي حنيفة"، وهو الصحيحُ، وكذا لو ذرَعَهُ القيءُ، وظنَّ أَنَّه يُفطِرُه
فأفطَرَ فلا كفَّارة عليه لوجودِ شبهة الاشتباه بالنظير، فإنَّ القيء والاستقاءَ متشابهان؛ لأنَّ مخرجهما
من الفم، وكذا لو احتلَمَ للتشأبُهِ في قضاء الشهوة، وإِنْ عَلِمَ أنَّ ذلك لا يُفطِرُه فعليه الكفَّارة؛ لأَنَّه
لم تُوجَدْ شبهةُ الاشتباه ولا شبهةُ الاختلاف)) اهـ
(٩٠٤٥] (قولُهُ: إِلَّ في مسألةِ "المتن") وهي ما لو أكَلَ، وكذا لو جامَعَ أو شَرِبَ؛ لأنَّ علَّة
عدم الكفَّارة خلافُ "مالكٍ"، وخلافُهُ في الأكل والشرب والجماع كما في "الزيلعيِّ"(٢)
و "الهداية"(٢) وغيرهما، "ح"(٤).
[٩٠٤٦) (قولُهُ: مطلقاً) أي: عَلِمَ عدمَ فطرِهِ أوْ لا.
[٩٠٤٧] (قولُهُ: خلافاً لهما) فعندهما عليه الكفَّارةُ إذا عَلِمَ بعدمٍ فطره في مسألة "المتن".
(قولُهُ: لأَنّه لم توجد شبهةُ الاشتباهِ ولا شبهةُ الاختلاف) بخلافِ الأوَّلِ، فإنّه لا كفَّرة عليه وإنْ عَلِمَ أنَّه
لا يُفطِِّه بأنْ بِلَغَهُ الحديثُ، فإنَّ فقهاء المدينة كـ "مالكٍ" وغيره لم يَقبَلُوه، فصار شبهةً. اهـ "منح".
(١) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٥/٢ باختصار.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٤٣/١.
(٣) "الهداية": كتاب الصوم - فصل: من كان مريضاً في رمضان ١٣٠/١.
(٤) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٧/ب.

باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
٢٨٣
الجزء السادس
فقَيْدُ الظَّنِّ إنما هو لبيانِ الاتّفاقِ (أو احتَقَنَ أو استَعَطَ) في أنفِهِ شيئاً (أو أقطَرَ في أُذُنِهِ ..
قلت: وهذا يُرُدُّ ما نقلَهُ "ح"(١) عن "القُهُستانيِّ"(٢) أوَّلَ الباب: ((من أنَّ مَن أَفْطَرَ ناسياً
يفسُدُ صومه))؛ إذ لو فسَدَ لم تلزمه الكفَّارة إذا أكَلَ بعده عامداً، ولم أر مَن ذكَرَ هذا غيرَهُ،
وكذا يرُدُّه ما نقلناه(٣) عن "البدائع" عند قوله: ((وإنْ حرَّكَ نفسَهُ))، نعم نقلوا عن "أبي يوسف"
ما تقدَّمَ(٤) من أَنّه لو ذُكِّرَ فلم يتذكَّر فسَدَ صومه، وكأنَّ هذا منشأُ الوهم، فافهم.
[٩٠٤٨] (قولُهُ: فَقَيْدُ الظنِّ) أي: في قول "المتن": ((فظنَّ أَنَّ أفطَرَ)) إنما هو لبيانٍ محلِّ الأَّفاق
على عدمٍ لزوم الكفّارة لا للاحترازِ عن العلم.
[٩٠٤٩] (قولُهُ: أو احتَقَنَ أو استَعَطَ) كلاهما بالبناء للفاعل، من حقَنَ المريضَ: داواه بالحُقنة،
واحتُقِنَ بالضمِّ غيرُ جائزٍ، وإنما الصوابُ: حُقِنَ أو عُولِجَ بالحقنة. والسَّعُوط: الدواءُ الذي صُبَّ
في الأنفِ، وأَسعَطَهُ إِيَّاهِ، ولا يقال: استُعِطَ مبنياً للمفعول، "معراج". وعدمُ وجوب الكفّارة في
ذلك هو الأصحُّ؛ لأَنَّها مُوجَبُ الإفطار صورةً ومعنىٍّ، والصورةُ الابتلاع كما في "الكافي"(٥)،
وهي منعدمةٌ، والنفعُ المحرَّدُ عنها يُوجِبُ القضاءَ فقط، "إمداد"(٦).
٩٠٥٠٦] (قولُهُ: أو أقطَرَ) في "المغرب"(٧): ((قطَّرَ [٢/ق٣٠٧/ب] الماءَ: صبَّهُ تقطيراً، وقطَرَهُ
مِثْلُهُ قَطْراً، وأقطَرَهُ لغٌ)) اهـ.
(قولُهُ: مِن أَنَّ مَن أفطَرَ ناسياً يفسُدُ صومُهُ إلخ) تقدَّمَ نقلُهُ، ولعلَّ عن "أبي يوسف" روايتين جَرَى
على إحداهما هنا.
(١) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٧/ب.
(٢) "جامع الرموز": فصل موجب الفساد صـ٢٢١ -.
(٣) المقولة [٩٠١٣] قوله: ((وإن حَرَّك نفسه قضى وكفّر)).
(٤) المقولة [٨٩٨٠] قوله: ((إلا أن يذكر فلم يتذكر)).
(٥) "كافي النسفي": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ١/ق ٧٦/أ.
(٦) "الإمداد": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم من غير كفارة ق٣٥٨/أ بتصرف.
(٧) "المغرب": مادة ((قطر)).

قسم العبادات
٢٨٤
حاشية ابن عابدین
دُهْناً أو داوَى جائفةً أو آمَّةً) فوصَلَ الدَّواءُ حقيقةً ..
وعلى هذه اللُّغة يتخرَّجُ كلامُهم هنا، وحينئذٍ فيصحُّ بناؤه للفاعل، وهو الأَولى لتَّفِقَ الأفعالُ
وتنتظمَ الضمائرُ فِي سِلْكٍ واحدٍ، ويصحُّ بناؤه(١) للمفعولِ ونائبُ الفاعل قوله: ((في أذنه))،
"نهر "(٢). ويتعَّنُ الأوَّلُ في عبارة "المصنّف" على الأفصحِ لذكرِهِ المفعولَ الصريح - وهو قوله:
((دُهْناً)) - منصوباً.
[٩٠٥١] (قولُهُ: دُهناً) قَّدَ به لأَنَّه لا خلافَ في فساد الصوم به، ولأنَّه مَشَى أوَّلاً على أنَّ الماء
لا يُفسِدُ وإِنْ كان بصنعه، ومرَّ(٣) الكلامُ عليه.
[٩٠٥٢) (قولُهُ: أو داوى جائفةً(٤) أو آمَّةً) الجائفةُ: الطعنةُ التي بلَغَت الجوف أو نفَذَتْهُ،
والآمَّةُ: مِن أمَمْتُهُ بالعصا أَمَّاً - من باب طلب - إذا ضربتَ أمَّ رأسِهِ، وهي الجلدةُ التي تجمعُ
الدماغَ، وقيل لها آمَّةٌ - أي: بالمدِّ - ومأمومةٌ على معنى ذاتِ أَمِّ كعيشةٍ راضيةٍ وليلةٍ مزؤودةٍ،
وجمعُها أوامُّ ومأموماتٌ، "مغرب" (٥).
[٩٠٥٣] (قولُهُ: فوصَلَ الدَّواءُ حقيقةً) أشار إلى أنَّ ما وقع في ظاهرِ الرِّواية من تقييدِ الإفساد
بالدَّواء الرَّطب مبنيٌّ على العادةِ من أَنَّه يصلُ، وإلاَّ فالمعتبرُ حقيقةً الوصولُ، حَتَّى لو عَلِمَ وصولَ
اليابس أفسَدَ، أو عدمَ وصولِ الطريِّ لم يُفسِد، وإنما الخلافُ إذا لم يَعلَم يقيناً، فأفسَدَ بالطريِّ
حكماً بالوصول نظراً إلى العادة، ونَفَيَاه، كذا أفادَهُ في "الفتح"(٦).
(قولُهُ: وليلةٍ مزؤودةٍ) في "القاموس": ((زأَدَهُ كمنَعَهُ: أفزَعَهُ، وزُئِدَ كُعُنِيَ فهو مزؤودٌ: مذعورٌ،
والرُّؤْدُ بالضمِّ وبضمَّتين: الفزع)) اهـ.
(١) من ((للفاعل)) إلى ((بناؤه)) ساقط من "آ".
(٢) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ١٢١/ب بتصرف.
(٣) المقولة [٨٩٩٢] قوله: ((وإن كان بفعله)).
(٤) في "د" زيادة: ((الجائفة: هي ما تكون في اللبة والعانة، ولا يكون في العنق والحلق، قاله صدر الشريعة)).
(٥) "المغرب": مادة ((أمم)).
(٦) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٦٧/٢.

باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
-
٢٨٥
الجزء السادس
إلى جوفِهِ ودماغِهِ (أو ابتَلَعَ حصاةً) ونحوَها مما لا يأكلُهُ الإِنسانُ أو يَعافُهُ
أو يَستقذِرُهُ، ونظَمَهُ "ابن الشِّحنة"(١) فقال: [ طويل]
ففي أكلِهِ التّكفيرُ يُلغَى ويُهجَرُ
ومُستقذَرٌ مَعْ غَيْرِ مأكولٍ مثلنا
(أو لم يَنْوِ في رمضانَ كلِّهِ صوماً ولا فطراً)
قلت: ولم يقِّدوا الاحتقانَ والاستعاطَ والإقطارَ بالوصول إلى الجوف لظهوره فيها، وإلاَّ فلا
بدَّ منه، حتّى لو بقيَ السَّعوط في الأنف ولم يَصِل إلى الرأس لا يُفطِرِ، ويمكنُ أنْ يكون الدَّاءُ
راجعاً إلى الكلِّ، تأمَّل.
١٠٢/٢
[٩٠٥٤] (قولُهُ: إلى جوفِهِ ودماغِهِ) لفٌّ ونشرٌ مرتَّبٌ، قال في "البحر"(٢): ((والتحقيقُ أنَّ
بين جوفِ الرأس وجوفِ المعدة منفذاً أصليّاً، فما وصَلَ إلى جوفِ الرأس يصلُ إلى جوفٍ
البطن)) اهـ "ط" (٣).
[٩٠٥٥] (قولُهُ: أو ابتلَعَ حصاةً إلخ) أي: فيجبُ القضاءُ لوجود صورةِ الفطر، ولا كفَّارةَ
لعدم وجود معناه، وهو إيصالُ ما فيه نفعُ البدن إلى الجوفِ سواءٌ كان مما يُتغذَّی به أو يُتداوى،
فَقَصُرت الجنايةُ، فانتفت الكفَّرة، وتمامُهُ في "النهر "(٤)، وسيأتي(٥) الخلافُ في معنى التغذّي.
[٩٠٥٦] (قولُهُ: أو يَستقذِرُهُ) الاستقذارُ سببُ الإِعافة، فمألُهما واحدٌ، ولذا اقتصَرَ في
"النظم" على المستقذَر، "ط" (٦). ومنه أكلُ اللَّقمة بعد [٢/ق٣٠٨/أ] إخراجها على ما هو
الأصحُّ كما مرَّ(٧).
[٩٠٥٧] (قولُهُ: ففي) الفاءُ زائدةٌ، والجارُّ والمجرورُ متعلّقٌ بقوله: (يُهجَرُ))، و(التكفيرُ))
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الصوم ق٦٦/ب.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٣٠٠/٢.
(٣) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٣/١.
(٤) انظر "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ١٢١/أ.
(٥) المقولة [٩١٣٠] قوله: ((وما نقله الشرنبلالي)).
(٦) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٣/١.
(٧) المقولة [٩٠١٥] قوله: ((وبعده لا)).

قسم العبادات
٢٨٦
حاشية ابن عابدين
مع الإمساكِ لشبهةٍ خلاف "زفر" (أو أصبَحَ غيرَ ناوِ الصَّومِ فأكَلَ عمداً) ولو بعدَ النّة
مبتدأُ خبرُهُ الجملةُ بعده، والجملةُ خبرُ المبتدأ الذي هو ((مُستقذَرٌ))، وجاز الابتداءُ به مع أَنَّه نكرةٌ
لقصدِ التعميم، و((يُهِجَرُ)) مرادفٌ لـ (يُلَغَى))، أي: لا تحبُ فيه كفَّارَةٌ، "ط)"(١).
[٩٠٥٨] (قولُهُ: مع الإمساكِ) قَّدَ به ليغايرَ المسألةَ التي بعده.
[٩٠٥٩] (قولُهُ: لشبهةِ خلاف "زفر") فإنَّ الصوم عنده يتأدَّى من الصحيح المقيم بمجرَّدٍ
الإمساك ولو بلا نَّةٍ، حتّى لو أفطَرَ متعمِّداً لَزِمَهُ الكفَّارة عنده كما صرَّحَ به في "البدائع(٢)، وأمَّا
عندنا فلا بدَّ من النّة؛ لأنَّ الواجب الإمساكُ بجهة العبادة، ولا عبادةً بدون نَيَّةٍ، فلو أمسَكَ بدونها
لا يكونُ صائماً، ويلزمه القضاءُ دون الكفَّارة، أمَّا لزومُ القضاء فلعدمٍ تحقَّقِ الصوم لفَقْدٍ شرطه،
وأمَّا عدمُ الكفَّارة فلأَنَّه عند "زفر" صائمٌ لم يوجد منه ما يُقْطِرُ، فتسقُطُ عنه الكفَّارة لشبهةٍ
الخلاف وإنْ كان عندنا يُسمَّى مفطراً شرعاً، والأَولى التعليلُ بعدم تحقَّقِ الصوم؛ لأنَّ الكفَّارة إنما
تجبُ على مَن أفسَدَ صومَهُ، والصومُ هنا معدوٌ، وإفسادُ المعدوم مستحيلٌ، وإنما يحسُنُ التمسُّكُ
بالشُّبهةِ بعد تحقَّقِ الأصلِ كما في المسألة الآتية(٣)، بل الأولى عدمُ التعرُّضِ للكفَّارة أصلاً،
ولذا اقتصَرَ في "الكنز"(٤) وغيره على بيانٍ وجوب القضاء كالإغماء والجنون الغيرِ الممتدِّ.
هذا، وقد استشكَلَ بعضُ شُرَّاحِ "الهداية(٥) وجوبَ القضاء هنا: ((بأنَّ المغمى عليه
لا يَقضِي اليومَ الذي حدَثَ الإغماءُ في ليلته لوجودِ النَّةِ منه ظاهراً، فلا بدَّ من التقييد هنا بأنْ يكون
مريضاً أو مسافراً لا ينوي شيئاً، أو مُتَهِّكاً اعتادَ الأكلَ في رمضان، فلم يكن حالُهُ دليلاً على عزيمةٍ
(١) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٤/١.
(٢) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما حكم فساد الصوم ١٠١/٢.
(٣) في المقولة الآتية.
(٤) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصوم - فصل في العوارض ١٠٥/١.
(٥) "العناية" كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٨٥/٢ (هامش "فتح القدير")، و"البناية": ٧٠٧/٣ - ٧٠٨.

الجزء السادس
٢٨٧
باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
قبل الزَّوال لشبهةِ خلاف "الشافعيِّ"، ومُفادُهُ أنَّ الصَّوم بمطلقِ النَّة كذلك
(أو دخَلَ حلقَهُ ..
الصوم))، وردَّهُ في "الفتح"(١): ((بأَنَّه تكلُّفٌ مستغنىً عنه؛ لأنَّ الكلام عند عدمِ النَّة ابتداءً لا بأمرٍ
يُوجِبُ النّسيانَ، ولا شكَّ أنّه أدرى بحاله بخلافٍ مَن أُغمي عليه، فإِنَّ الإغماء قد يُوجِبُ نسيانَهُ
حالَ نفسه بعد الإفاقةِ، فُنِيَ الأمرُ فيه على الظاهرِ من حاله، وهو وجودُ النَّةِ)).
[٩٠٦٠] (قولُهُ: قبل الزَّوال) هذا عند "أبي حنيفة"، وعندهما كذلك إنْ أَكَلَ بعد الزَّوال،
وإنْ كان قبل الزَّوال تجبُ الكفَّارة؛ لأَنَّه فوَّتَ إمكانَ التحصيل، فصارَ كغاصبِ الغاصب،
"بحر "(٢). أي: لأَنَّه قبل الزَّوال كان يمكنُهُ إنشاءُ النَّة، [٢/ق٣٠٨/ب] وقد فوَّتَهُ بالأكل بخلاف
ما بعدَ الزَّوال، والأوَّلُ ظاهرُ الرِّواية كما في "البدائع"(٣).
ثُمَّ المرادُ بالزّوال نصفُ النهار الشرعيِّ، وهو الضَّحوةُ الكبرى، أو هو على القولِ الضعيف
من اعتبارِ الزَّوال كما مرَّ(٤) بيانُهُ.
[٩٠٦١] (قولُهُ: لشُبهةِ خلاف "الشافعيِّ") فإنَّ الصوم لا يصحُّ عنده بنيَّةِ النهار كما لا يصحُّ
بمطلقِ النَّة. اهـ "ح"(٥).
وهذا تعليلٌ لوجوبِ القضاء دون الكفَّارة إذا أكَلَ بعد النَّة، أمَّا لو أكَلَ قبلها فالكلامُ فيه
ما علمتَهُ في المسألة المارَّةِ(٦).
[٩٠٦٢] (قولُهُ: ومُفادُه إلخ) نقَلَهُ في "البحر"(٧) عن "الظهيريَّةَ"(٨) بلفظِ: ((ينبغي
(١) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٨٨/٢.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - باب العوارض ٣١٣/٢.
(٣) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما حكم فساد الصوم ١٠١/٢.
(٤) المقولة [٨٨٢٩] قوله: ((إلى الضحوة الكبرى)).
(٥) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٨/ب.
(٦) المقولة [٩٠٥٩] قوله: ((لشبهة خلاف زفر)).
(٧) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٨/٢.
(٨) "الظهيرية": كتاب الصوم - فصل فيما يتعلق بوجوب الكفارة ق٥٨/أ.

قسم العبادات
٢٨٨
حاشية ابن عابدين
مطرٌ أو ثلجٌ) بنفسِهِ لإمكانِ التحرُّزِ عنه بضمٌّ فمِهِ، بخلافِ نحوِ الغبار والقطرتين مِن
دموعِهِ أو عَرَقِهِ، وأمَّا في الأكثرِ فإنْ وجَدَ الملوحةَ في جميعٍ فمِهِ واجتمَعَ شيءٌ كثيرٌ
وابتَلَعَهُ أفطَرَ، وإلاَّ لا، "خلاصة".
أنْ لا تلزمَهُ(١) الكفَّارة لمكان الشُّبهة))، ومثلُ ما ذكَرَ إذا نوى نيَّةً مخالفةً فيما يظهرُ، "ط)"(٢).
[٩٠٦٣] (قولُهُ: مطرٌ أو ثلجٌ) فَيَفسُدُ في الصحيحِ ولو بقطرةٍ، وقيل: لا يَفسُدُ في المطر،
ويَفسُدُ في الثلج، وقيل بالعكس، "بزَّازِيَّةِ"(٣).
[٩٠٦٤) (قولُهُ: بنفسِهِ) أي: بأنْ سَبَقَ إلى حلقِهِ بذاته ولم يبتلعه بصنعه، "إمداد "(٤).
(٩٠٦٥] (قولُهُ: والقطرتين) معطوفٌ على ((الغبارِ))، أي: وبخلافٍ نحوِ القطرتين فأكثرَ مما
لا يجدُ ملوحتَهُ في جمیعٍ فمه.
[٩٠٦٦] (قولُهُ: فإنْ وجَدَ الملوحةَ في جميعٍ فمه إلخ) بهذا دفَعَ في "النهر"(٥) ما بحثَهُ في
"الفتح"(٦): ((من أنَّ القطرة يجدُ ملوحتها، فالأولى الاعتبارُ بوِجْدانِ الملوحة لصحيحِ الحسِّ؛ إذ
لا ضرورةً في أكثرَ من ذلك، ولذا اعتبرَ في "الخانَّة"(٧) الوصولَ إلى الحلقِ))، ووجهُ الدَّفع ما قالَهُ
في "النهر "(٨): ((من أنَّ كلام "الخلاصة"(٩) ظاهرٌ في تعليقِ الفطرِ على وجدانِ الملوحة في جميعِ
الفم، ولا شكَّ أنَّ القطرة والقطرتين ليستا كذلك، وعليه يُحمَلُ ما في "الخانيَّة")) اهـ.
(١) من ((دون الكفارة)) إلى ((لا تلزمه)) ساقط من "الأصل".
(٢) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٤/١.
(٣) "البزازية": كتاب الصوم - فصل فيما يفسد الصوم وما لا يفسده ٩٨/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الإمداد": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم من غير كفارة ق ٣٥٤/ب.
(٥) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ١٢٠/أ.
(٦) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٥٨/٢.
(٧) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل السادس فيما يفسد الصوم ٢١١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ١٢٠/أ.
(٩) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل الثالث فيما يفسد الصوم وفيما لا يفسد ق٦٧/أ.

الجزء السادس
٢٨٩
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
(أو وَطِئَ امرأةً ميتةً) أو صغيرةً لا تُشتَهَى، "نهر" (أو بهيمةً أو فَخِذاً أو بَطْناً
أو قَبَّلَ) ولو قُبلَةً فاحشةً،.
وفي "الإمداد"(١) عن خطّ "المقدسيِّ": ((أَنَّ القطرة لقلَّتِها لا يجدُ طعمَها في الحلقِ لتلاشيها
قبل الوصول، ويشهدُ لذلك ما في "الواقعات" لـ "الصدر الشهيد": إذا دخَلَ الدُّمعُ (٢) في فمِ الصائم
إنْ كان قليلاً نحوَ القطرة أو القطرتين لا يَفسُدُ صومُهُ؛ لأنَّ التحرُّزَ عنه غيرُ ممكنٍ، وإنْ كان كثيراً
حتّى وحَدَ ملوحتَهُ في جميع فمه وابتلعَهُ فسَدَ صومه، وكذا الجوابُ فِي عَرَقِ الوجه)) اهـ ملخَّصاً.
وبالتعليلِ بعدم إمكانِ التحرُّزِ يظهرُ الفرقُ بين الدَّمع والمطر كما أشار إليه "الشارح"، فتدبّر.
ثمَّ في التعبير بالقطرةِ إشارةٌ إلى أنَّ المراد الدَّمعُ النازلُ من ظاهرِ العين، أمَّ الواصلُ إلى الحلقِ
١٠٣/٢ من المسامِّ فالظاهرُ أَنَّه مثلُ الرِّيق، فلا يُفطِرُ وإِنْ وجَدَ طعمَهُ في جميع فمه، تأمَّل.
[٩٠٦٧] (قولُهُ: أو وَطِيئَ امرأةً إلخ) إنما لم تجبِ الكفَّارة فيه وفيما بعده لأنَّ المحلَّ لا بدَّ
أنْ يكون مشتهىً على الكمال، "بحر "(٣).
[٩٠٦٨] (قولُهُ: أو صغيرةً لا تُشْتَهَى) حكى في "القنية"(٤) خلافاً في وجوبِ الكفَّارة بوطئها،
وقيل: لا تجبُ بالإجماع، وهو الوجهُ كما في "النهر"(٥)، قال "الرَّمليُّ": ((وقالوا في الغُسل: إنَّ
الصحيح أنَّه متى أمكّنَ وطؤها من غيرِ إِفضاءٍ [٢/ق٣٠٩/أ] فهي ممن يُجامَعُ مثلُها، وإلاَّ فلا)).
[٩٠٦٩) (قولُهُ: أو قَّلَ) قَّدَ بكونه قََّها لأنها لو قَبَّلْهُ ووجَدَتْ لذَّةَ الإنزال ولم ترَ بللاً فسَدَ
صومُها عند "أبي يوسف" خلافاً لـ "محمَّدٍ"، وكذا في وجوبِ الغُسل، "بحر"(٦) عن "المعراج".
[٩٠٧٠) (قولُهُ: ولو قُبلةً فاحشةٌ) ففي غيرِ الفاحشة مع الإنزالِ لا تحبُ الكفّارة بالأولى.
(١) "الإمداد": كتاب الصوم - باب ما لا يفسد الصوم ق ٣٥١/أ - ب.
(٢) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((الدموع)).
(٣) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٧/٢.
(٤) "القنية": كتاب الصوم - باب فيما يوجب الكفارة ق ٣١/أ.
(٥) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ١٢١/أ.
(٦) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٣/٢.

قسم العبادات
٢٩٠
حاشية ابن عابدين
بأنْ يُدغْدِغَ أو يَمَصَّ شفتيها (أو لَمَسَ) - ولو بحائلٍ لا يَمْنَعُ الحرارةَ - أو استَمْنَى
بكفِّهِ أو بمباشرةٍ فاحشةٍ ولو بين المرأتين (فأَنزَلَ) قَيْدٌ للكلِّ، حتّى لو لم يُنزِلْ لم يُفطِر
[٩٠٧١] (قولُهُ: بأنْ يُدغدِغَ) لعلَّ المراد به عضُّ الشَّفةِ ونحوِها، أو تقبيلُ الفرج،
وفي "القاموس"(١): ((الدغدغةُ: حركةٌ وانفعالٌ في نحوِ الإبط والبضع والأخمص)).
[٩٠٧٢] (قولُهُ: أو لَمَسَ) أي: لَمَسَ آدميًّاً؛ لِما مرَّ(٢) أَنَّه لو مسَّ فرجَ بهيمةٍ فأَنزَلَ لا يفسُدُ
صومُهُ، وقدَّمنا(٣) أَنَّه بالاتّفاق، وفي "البحر"(٤) عن "المعراج": ((ولو مَسَّتْ زوجَها فأَنزَلَ لم يفسُدْ
صومُهُ، وقيل: إِنْ تكلَّفَ له فسَدَ)) اهـ.
قال "الرَّمليُّ": ((ينبغي ترجيحُ هذا؛ لأَنَّه أدعَى في سبَّةِ الإنزال))، تأمَّل.
(٩٠٧٣] (قولُهُ: ولو بحائلٍ لا يمنعُ الحرارةَ) نقيضُ ما بعد ((لو)) - وهو عدمُ الحائلِ المذكور
- أَولى بالحكم، وهو وجوبُ القضاء، لكنْ لا تظهرُ الأولويَّةِ بالنظرِ إلى عدم الكفَّارة مع أنَّ الكلام
فيما يُوجِبُ القضاء دون الكفّرة، وقَّدَ الحائلَ بكونه لا يمنعُ الحرارةَ لِما في "البحر"(٥): ((لو مَسَّها
وراءَ الثياب فأمنى فإنْ وجَدَ حرارةَ جلدِها فسَدَ، وإلاّ فلا)).
(٩٠٧٤] (قولُهُ: بكفّهِ) أو بكفِّ امرأتِهِ، "سراج"(٦).
[٩٠٧٥) (قولُهُ: أو بمباشرةٍ فاحشةٍ) هي ما تكونُ بتماسِّ الفرجين، والظاهرُ أَنَّه غيرُ قِيدٍ هنا؟
لأنَّ الإنزالَ مع المسِّ مطلقاً بدونٍ حائلٍ يمنعُ الحرارةَ مُوجِبٌ للإفساد كما علمتَهُ، وإنما يظهرُ
تقييدُها بالفاحشة لأجلِ كراهتها كما يأتي(٧) تفصيلُهُ، تأمَّل.
[٩٠٧٦] (قولُهُ: ولو بين المرأتين) وكذا المحبوبُ مع المرأة، "رملي".
(١) "القاموس": مادة ((دغد غ)).
(٢) صـ٢٧٣ - وما بعدها "در".
(٣) المقولة [٩٠٢٢] قوله: ((فأنزل)).
(٤) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٣/٢.
(٥) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٣/٢.
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٨٩/أ.
(٧) المقولة [٩٢٠٤] قوله: ((وكره قبلة إلخ)).

باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
٢٩١
الجزء السادس
كما مرَّ (أو أفسَدَ غيرَ صوم رمضانَ أداءً) لاختصاصِها بهَتْكِ رمضان (أو وُطِئَتْ
نائمةً أو مجنونةً) بأنْ أصبَحَتْ صائمةً فجِنَّتْ.
[٩٠٧٧) (قولُهُ: كما مرَّ(١) أي: عند قوله: ((أو جامَعَ فيما دون الفَرْجِ ولم يُنزِلْ إلخ)).
[٩٠٧٨] (قولُهُ: أو أفسَدَ) أي: ولو بأكلٍ أو جماعٍ.
[٩٠٧٩] (قولُهُ: غيرَ صومٍ رمضان) صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ دلَّ عليه المقامُ، أي: صوماً غيرَ
صومٍ رمضان، فلا يشملُ ما لو أفسَدَ صلاةً أو حجًَّ، وعبارةُ "الكنز)"(٢): ((صومَ غيرِ رمضان))،
وهي أَولى، أفادَهُ "ح"(٣).
[٩٠٨٠] (قولُهُ: أداءً) حالٌ من ((صومٍ))، وقَّدَ به لإفادةِ نفي الكفَّارة بإفسادِ قضاء رمضان،
لا لنفي القضاء أيضاً بإفساده .
[٩٠٨١] (قولُهُ: لاختصاصِها) أي: الكفّارةِ، وهو علَّةٌ للتقييدِ بالغيريَّة وبالأداء، وقولُهُ:
((بهَتْكِ رمضانَ))، أي: بُخَرْقِ حرمةِ شهر رمضان، فلا تجبُ بإفسادِ قضائه أو إفسادٍ صومٍ غيره؛
لأَنَّ الإفطار في رمضان أبلغُ في الجناية، فلا يُلحَقُ به غيرُهُ لورودِها فيه على خلافِ القياس.
[٩٠٨٢] (قولُهُ: أو وُطِئَتْ إلخ) هذا بالنظرِ إليها، وأمَّا الواطئُ فعليه القضاء والكفَّارة؛
إذ لا فرقَ بين وطئِهِ عاقلةً أو غيرَها [٢/ق٣٠٩/ب] كما في "الأشباه(٤) وغيرها.
[٩٠٨٣] (قولُهُ: بأنْ أصبَحَتْ صائمةً فحُنَّتْ) جوابٌ عن سؤالٍ حاصلُهُ: أنَّ الجنون يُنافي
الصوم، فلا يصحُّ تصويرُ هذا الفرع، وحاصلُ الجواب: أنَّ الجنون لا يُنافي الصومَ، إنما يُنافي شرطَهُ
- أعني النَّةَ - وهي قد وُجِدَتْ في هذه الصُّورة، "ط"(٥). قال "ح"(٦): ((ومثلُها ما إذا نَوَتْ فجِّنَّتْ
(١) صـ ٢٧٠-٢٧١ - "در".
(٢) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ١٠١/١.
(٣) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٨/ب.
(٤) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني - كتاب الصوم صـ٢٠٢ __.
(٥) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٤/١ بتصرف.
(٦) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٨/ب.

قسم العبادات
٢٩٢
حاشية ابن عابدين
(أو تسَخَّرَ أو أفطَرَ يظنُّ اليومَ) أي: الوقتَ الذي أكَلَ فيه (ليلاً و) الحالُ أنَّ
(الفجرَ طالعٌ والشمسَ لم تغرُب).
بالليل، فجامَعَها نهاراً كما في "النهر"(١)، وكذا لو نَوَتْ نهاراً قبل الضَّحوة الكبرى فجِنَّتْ
فجامعها)) اهـ.
[٩٠٨٤] (قولُهُ: أو تسخَّرَ إلخ) أي: يجبُ عليه القضاءُ دون الكفَّارة؛ لأنَّ الجناية قاصرةٌ،
وهي جنايةُ عدمِ التَّتِ لا جنايةُ الإفطار؛ لأنَّه لم يقصده، ولهذا صرَّحُوا بعدمِ الإِثْم عليه،
كما قالوا في القتل الخطأ: لا إثمَ فيه، والمرادُ إثمُ القتل، وصرَّحُوا بأنَّ فيه إثمَ ترك العزيمةِ
والمبالغةِ في التثُّتِ حالةَ الرَّمي، "بحر"(٢) عن "الفتح"(٣).
قلت: لكنَّ الظاهر عدمُ الإِثمِ هنا أصلاً بدليلٍ عدم وجوبِ الكفّارة هنا ووجوبِها في القتل
الخطأ لوجودِ الإِثم فيه؛ لأنّها مكفّرةٌ للإئم.
[٩٠٨٥] (قولُهُ: أي: الوقتَ إلخ) إطلاقُ اليوم على مطلقِ الوقت الشَّاملِ للَّل مجازٌ
مشهورٌ مثل: أركبُ يوم يأتي العدوُّ، والداعي إليه هنا قولُهُ: ((أو تسخَّرَ)).
[٩٠٨٦) (قولُهُ: ليلاً) ليس بقيدٍ؛ لأَنَّه لو ظَنَّ الطلوعَ وأكَلَ مع ذلك، ثمَّ تبيَّنَ صحَّةَ ظَنِّهِ
فعليه القضاءُ، ولا كفَّارةً؛ لأَنَّه بَنَى الأمرَ على الأصل، فلم تكمل الجنايةُ، فلو قال: ظنّهُ ليلاً
(قولُهُ: وكذا لو نَوَتْ نهاراً قبل الضَّحوة الكبرى فجُنَّتْ إلخ) لكنْ عدمُ الكفارة فيها لا لأنَّها
مجنونةٌ بل لخلافِ "الشافعيِّ" بالنّة نهاراً.
(قولُهُ: لكنَّ الظاهر عدمُ الإثم هنا) اتّفاقُ كلمتِهم على أنَّ سبب هذه الكفَّارة الجنايةُ الكاملةُ يدلُّ
على أنَّ عدم وجوب الكفّارة لا ينفي الإِثْمَ؛ لأَنَّها إنما تجبُ عند الكمال، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٢٦/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٣/٢.
(٣) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٢٩٠/٢.

الجزء السادس
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
٢٩٣ _
لفٌّ ونشرٌ، ويكفي الشكُّ في الأوَّلِ دونَ الثاني.
أو نهاراً لكان أَولِى، وليس له أنْ يأكل؛ لأنَّ غلبة الظنِّ كاليقين، "بحر"(١). وأجاب في "النهر"(٢).
((بأَنَّ قَّدَ بالليل ليطابقَ قولَهُ: أو تسخَّرَ)) اهـ
قلت: مرادُ "البحر" أَنَّه غيرُ قيدٍ من حيث الحكمُ والتسخُّرُ وإِنْ كان الأكلُ في السَّحر، لكنْ
سُمِّيَ به باعتبارِ احتمال وقوعِهِ فيه، وإلاَّ لَزِمَ أنْ لا يصحَّ التعبيرُ به ولو ظَنَّ بقاءَ اللَّيل؛ لأنَّ فرض
المسألة وقوعُهُ بعد الطلوع، والأكلُ بعد الطلوع لا يُسمَّى سحوراً، فلولا الاعتبارُ المذكور لم يصحّ
قوله: ((أو تسخَّرَ))، فتدبَّر.
[٩٠٨٧] (قولُهُ: لفّ ونشرٌ) أي: مرتَّبٌ كما في بعضِ النسخ.
[٩٠٨٨] (قولُهُ: ويكفي) أي: لإسقاطِ الكفَّارة ((الشكُّ في الأوَّلِ)) أي: في التسحُّرِ؛ لأنَّ
الأصل بقاءُ الليل، فلا يخرجُ بالشكِّ، "إمداد"(٣). فكان على "المتن" أنْ يُعبِّر هنا بالشكِّ كما قال
١٠٤/٢ في "نور الإيضاح"(٤): ((أو تسخَّرَ أو جامَعَ شاكاً في طلوع الفجر وهو طالعٌ))، ثمَّ يقول:
((أو ظَنَّ الغروبَ))، قال في "النهر"(٥): ((ولا يصحُّ أَنْ يُرادَ بالظنِّ هنا ما يعُمُّ الشكَّ كما زعَمَ في
"البحر " (٦)؛ لعدم صحَّتِهِ في الشِّقِّ الثاني، فإنَّه لا يكفي فيه الشكُّ، فالصوابُ إبقاءُ الظنِّ على بابه،
غايةُ الأمر أنْ يكون "المتن" ساكتاً عن الشكّ، ولا ضيرَ فيه)) اهـ "ح"(٧).
أقول: في وجوبِ الكفّارة مع الشكِّ في الغروب اختلافُ المشايخ كما نقَلَهُ [٢/ق٣١٠/أ]
في "البحر"(٨) عن "شرح الطحاويّ"، ونقَلَ أيضاً عن "البدائع"(٩) تصحيحَ عدم الوجوب فيما
(١) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٤/٢.
(٢) "النھر": کتاب الصوم - فصل في العوارض ق١٢٥/ب.
(٣) "الإمداد": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم من غير كفارة ق٣٥٩/ب.
(٤) "نور الإيضاح": كتاب الصوم - باب ما يفسد به الصوم وتجب به الكفارة مع القضاء صـ٣٠٧ -.
(٥) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق١٢٥/ب.
(٦) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٣/٢ - ٣١٤.
(٧) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٨/ب.
(٨) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٤/٢ باختصار.
(٩) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: أما بيان ما يسن وما يستحب ١٠٦/٢.

قسم العبادات
٢٩٤
حاشية ابن عابدين
عملاً بالأصل فيهما، ولو لم يتبيّن الحالَ.
إذا غَلَبَ على رأيه عدمُ الغروب؛ لأنَّ احتمال الغروب قائمٌ، فكان شبهةً، والكفَّارةُ لا تحبُ مع
الشُّبهة اهـ ولا يخفى أنَّ هذا يقتضي تصحيحَ القول بعدم الوجوب عند الشكِّ في الغروب
بالأَولى، لكنْ ذَكَرَ في "الفتح"(١): ((أَنَّ مختار الفقيهِ "أبي جعفرٍ" لزومُ الكفّارة عند الشكِّ؛
لأنَّ الثابت حالَ غلبةِ الظنِّ بالغروب شبهةُ الإِباحة لا حقيقتُها، ففي حالِ الشكِّ دون ذلك، وهو
شبهةُ الشُّبهة، وهي لا تُسقِطُ العقوبات))، ثمَّ قال في "الفتح": ((هذا إذا لم يتبَّن الحالُ، فإنْ ظهَرَ
أَنَّه أكلَ قبل الغروب فعليه الكفَّارة، ولا أعلمُ فيه خلافاً)) اهـ. ولا يخفى أنَّ كلامنا في الثاني،
وبه تأيَّدَ ما في "النهر".
ثُمَّ إِنَّ شبهة الشُّهة إذا لم تُعتَبَر عند الشكِّ في الغروب يلزمُ عدمُ اعتبارها عند غلبةِ الظنِّ
بعدمه بالأَولى، وبه يضعُفُ ما في "البدائع" من تصحيحٍ عدم الوجوب، ولذا جزَمَ "الزيلعيُّ)(٢)
بلزومِ القضاء والكفَّارة، وكذا في "النهاية".
[٩٠٨٩] (قولُهُ: عملاً بالأصلِ فيهما) أي: في الأوَّلِ والثاني، فإنَّ الأصل في الأوَّلِ بقاءُ اللَّيل،
فلا تجبُ الكفَّارة، وفي الثاني بقاءُ النهار، فتجبُ على إحدى الرِّوايتين كما علمتَ.
[٩٠٩٠] (قولُهُ: ولو لم يتبَّن الحالَ) أي: فيما لو ظَنَّ بقاءَ اللَّل، أو شكَّ فتسخَّرَ، وهذا مقابلُ
(قولُهُ: وبه يضعُفُ ما في "البدائع" إلخ) لا يخفى أنَّ ما في "البدائع" طريقةٌ صحَّحَها، وما مشى عليه
"أبو جعفرِ" طريقةٌ لا تُرَدُّ بها الطريقةُ الأولى ولا تصحيحُها.
(قولُهُ: فتجبُ على إحدى الرِّوايتين كما علمتَ) قد علمتَ من كلام "الفتح" أنَّ الرِّوايتين
الكائنتين في الشكِّ إنما هما فيما إذا لم يتبيَّن الحال، والكلامُ الآن فيما إذا تبيَّنَ.
(قولُهُ: أي: فيما لو ظَنَّ بقاءَ الليل إلخ) إذا حُمِلَ قولُهُ: ((ولو لم يتبيّن إلخ)) على ما إذا غَلَبَ على
ظنّهِ طلوعُ الفجر يندفعُ دعوى الوهمِ الآتي، ولا وجهَ يظهرُ لعدم ذكرِهِ مسألةَ ما إذا أفطَرَ ظانّاً الليلَ،
وحمل كلامَ "الشارح" على مسألتي التسحر خاصَّةً.
(١) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة - فصل في العوارض ٢٩٣/٢.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٤٢/١.

٢٩٥
الجزء السادس
باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
لم يَقْضِ في ظاهرِ الرِّواية، والمسألةُ تتفرَّعُ إلى ستّةٍ وثلاثين محلُّها المطوَّلاتُ (قَضَى)
قوله: ((والحالُ أنَّ الفجر طالعٌ))، فإنَّ المراد به التيقُنُ، حتَّى لو غَلَبَ على ظنّه أَنَّه أكَلَ بعد طلوع
الفجر لا قضاءَ عليه في أشهرِ الرِّوايات، "بحر "(١). فهذا داخلٌ في عدمِ التّبُّن.
[٩٠٩١] (قولُهُ: لم يَقْضِ) أي: في مسألةِ الظنِّ أو الشكِّ في بقاء اللّل؛ لأنَّ الأصل بقاؤُهُ،
فلا يخرجُ بالشكِّ، "بحر"(٢). وأمَّا مسألةُ الظنِّ أو الشكِّ في الغروب مع التبّنِ أو عدمِهِ فسنذكرُها(٣).
[٩٠٩٢] (قولُهُ: في ظاهرِ الرِّواية) فيه أنَّه ذكرَهُ "الزيلعيُّ)) (٤) وصاحبُ "البحر "(٥) بلا حكاية
خلافٍ، وهذا وهمٌ سرى إليه من مسألةٍ ذكَرَها "الزيلعيُّ، "(٦) وهي ما إذا غلَبَ على ظنّهِ
طلوعُ الفجر فأكَلَ، ثمَّ لم يتبيَّن شيءٌ فإِنَّه لا شيءَ عليه في ظاهر الرِّواية، وقيل: يقضي
احتياطاً، أفادَهُ " ح"(٧).
[٩٠٩٣] (قولُهُ: تتفرَّعُ إلى سَتَّةٍ وثلاثين) هذا على ما في "النهر "(٨)، قال: ((لأَنَّه إمَّا أنْ يغلبَ
على ظنّه أو يَظُنَّ أو يشكَّ، وكلٌّ من الثلاثة إمَّا أنْ يكونَ في وجود المبيح أو قيامِ المحرِّم، فهي
ستّةٌ، وكلٌّ منها على ثلاثةٍ: إمَّا أنْ يتَبَّنَ له صحَّةُ ما بدا له، أو بطلانُهُ أَوْ لا ولا، وكلٌّ من الثمانيةَ
عشرَ إمّا أنْ يكون في ابتداء الصوم أو في انتهائه، فتلك ستّةٌ [٢/ق ٣١٠/ب] وثلاثون)) اهـ.
(قولُهُ: فسنذكرُها) أي: في الأقسامِ.
(١) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٣/٢ باختصار.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٣/٢ - ٣١٤.
(٣) المقولة [٩٠٩٣] قوله: ((تتفرع إلى ستة وثلاثين)).
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٤٢/١.
(٥) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٤/٢.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٤٢/١ بتصرف.
(٧) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٨/ب - ق١٢٩/أ.
(٨) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٢٥/ب.

قسم العبادات
٢٩٦
حاشية ابن عابدين
وفيه نظرٌ؛ لأَنَّ فرَّقَ في التقسيم الأوَّلِ بين الظنِّ وغلبته، ولا فائدةَ له لاتحادِهما حكماً
وإن اختلفا مفهوماً، فإنَّ مجرَّدَ ترجُّحِ أحد طرفي الحكمِ عند العقل هو أصلُ الظنِّ، فإنْ زادَ ذلك
الترجُّحُ حَتّى قَرُبَ من اليقين سُمِّيَ غلبة الظنِّ وأكبرَ الرأي، فلذا جعَلَها في "البحر"(١) أربعةً
وعشرين، ويَرِدُ عليهما أنَّه لا وجهَ لجعلِ الشكِّ تارةً في وجود المبيحِ وتارةً في وجودِ المحرِّم؛ لأنَّ
الشكَّ في أحدِهما شكٌّ في الآخرِ لاستواءِ الطرفين في الشكِّ بخلاف الظنِّ، فإنَّه إنما صحَّ تعلُّقُه
بالمبيح تارةً وبالمحرِّم أخرى لأنَّ له نسبةً مخصوصةً إلى أحدِ الطرفين، فإذا تعلَّقَ الظنُّ بوجودِ الليل
لا يكونُ متعلّقاً بوجودِ النهار، وبالعكس. فالحقُّ في التقسيم أنْ يقال: إمَّا أنْ يظنَّ وجودَ المبيح
أو وجودَ المحرِّم أو يشكَّ، وكلٌّ من الثلاثةِ إِمَّا أنْ يكون في ابتداءِ الصوم أو انتهائِهِ، وفي كلّ
من السنَّة إمَّا أنْ يتبيَّنَ وجودَ المبيح أو وجودَ المحرِّم أوْ لا يتبَّنَ، فهي ثمانيةَ عشر: تسعةٌ في
ابتداءِ الصوم وتسعةٌ في انتهائه، ويشهدُ لذلك أنَّ "الزيلعيّ"(٢) لم يذكر غيرَ ثمانيةَ عشرَ، وذكَرَ
أحكامَها، وهي: ((أَنَّ إِنْ تسخَّرَ على ظنِّ بقاءِ الليل فإنْ تبيَّنَ بقاؤه أو لم يتبيَّنْ شيءٌ فلا شيءَ
عليه، وإنْ تبيَّنَ طلوعُ الفجر فعليه القضاءُ فقط، ومثلُهُ الشكُّ في الطلوع، وإنْ تسخَّرَ على ظنِّ
(قولُهُ: لأَنَّه فرَّقَ فِي التَّقسيمِ الأوَّلِ بين الظنِّ إلخ) القصدُ من التقسيم بيانُ الأفرادِ الممكنة وإن أَتَّحدت
في الحكم، والاتّحادُ فيه لا يفيدُ عدمَ اعتبارها؛ لأنَّ القصد بيانُ الأفراد اتَّحَدَ حكمُها أو اختلَفَ.
(قولُهُ: وَيَرِدُ عليهما أنّه لا وجهَ إلخ) يندفعُ هذا الإيرادُ بما قاله "الرَّحمتيُّ": ((هذا التقسيمُ عقليٌّ
لا يلزمُ وجودُ جميعه في الخارج؛ إذ الشكُّ استواءُ الطرفين، فإذا شَكَّ في وجود المبيح كان شاكّاً في قيام
المحرِّم، ويَصْدُقان في صورةٍ واحدةٍ، وقد علمتَ أنَّهم فرَّقُوا في المسائل بين غلبةِ الظنِّ والظنِّ، وعبَّرُوا
عن غلبةِ الظنِّ باليقين، فالمسألةُ تنقسمُ عقلاً إلى هذه، وقد تَتَّحِدُ مع بعضها في الماصَدَق)).
(١) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٤/٢.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣٤٢/١ بتصرف.