Indexed OCR Text

Pages 201-220

الجزء السادس
١٩٧
كتاب الصوم
لم يُضْعِفْهُ، والمكروه تحريماً كالعيدين، وتنزيهاً كعاشوراءَ وحدَهُ، وسبتٍ وحدَهُ، ...
[٢/ق ٢٨٦/أ] قال "ط"(١): ((قلت: ثبَتَ بالسنة طلبُهُ والنهىُ عنه، والآخِرُ منهما النهي كما
13
أوضَحَهُ شُرَّاح "الجامع الصغير"؛ لأنَّ فيه وظائفَ، فلعلَّه إذا صام ضعُفَ عن فعلها)).
[٨٨٠٦] (قولُهُ: لم يُضعِفْه) صفةُ لـ ((حاجٌ))، أي: إنْ كان لا يُضعِفُهُ عن الوقوف بعرفاتٍ
ولا يُخِلُّ بالدَّعوات، "محيط". فلو أضعَفَهُ كره.
[٨٨٠٧] (قولُهُ: والمكروهَ) بالنصب عطفاً على ((السنَّةَ))، أو بالرَّفع على الابتداء، وخبرُهُ
٨٣/٢ قوله: ((كالعيدين))، وحينئذٍ لا يُحتاجُ إلى التكلُّفِ المارّ(٢) في وجه إدخاله في النفل، على أنَّ صوم
العيدين مكروه تحريماً ولو كان الصومُ واجباً.
[٨٨٠٨] (قولُهُ: كالعيدين) أي: وأَيَّامِ التشريق، "نهر "(٣).
[٨٨٠٩] (قولُهُ: وعاشوراءَ(٤) وحدَهُ) أي: مُفرَداً عن التاسع أو عن الحادي عشر، "إمداد"(٥).
لأَنَّه تشبّهُ باليهود، "محيط".
[٨٨١٠] (قولُهُ: وسبتٍ وَحدَهُ) للتشُّهِ باليهود، "بحر "(٦). وهذه العلَّةُ تفيد كراهةً التحريم،
إلاَّ أن يقال: إنما تُبُتُ بقصد التشبّهِ كما مرَّ نظيره، "ط"(٧).
= حديث حسن صحيح، والعملُ على هذا عند أهل العلم، والنسائي في "السنن الكبرى" (٢٧٥٦) كتاب الصيام -
باب الرخصة في صيام يوم الجمعة، وابن ماجه (١٧٢٣) كتاب الصيام - باب في صيام يوم الجمعة، كلّهم من
حديث أبي هريرة مرفوعاً قال: (( لا تصوموا يوم الجمعة إلاَّ وقبله يوم، أو بعده يومٌ))، وفي الباب عن عبد الله بن
عمرو، وعلي، وجابر، وجنادة الأزدي، وجويرية، وأنس ﴿ّ.
(١) "ط": كتاب الصوم ٤٤١/١.
(٢) المقولة [٨٨٠٣] قوله: ((والمندوب)).
(٣) "النهر": كتاب الصوم ق١١٦/ب.
(٤) قوله:((وعاشوراء)) هكذا بخطه، والذي في الشارح: (( کعاشوراء)) بکاف التمثيل، وهو الأوفق بما قبله. اهـ مصححه.
(٥) "الإمداد": كتاب الصوم - فصل في صفة الصوم وتقسيمه ق٣٣٩/أ.
(٦) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٨/٢.
(٧) "ط": كتاب الصوم ٤٤١/١.

قسم العبادات
١٩٨
حاشية ابن عابدين
ونَیْروزِ ومَهْرَجان
قلت: وفي بعض النسخ: ((وَأَحَدٍ)) بدل قوله: ((وحدَهُ))، وبه صرَّحَ في "التتار خانَّة"(١)
فقال: ((ويكره صومُ النَّروز والمهرجان إذا تعمَّدَهُ ولم يوافق يوماً كان يصومُهُ قبل ذلك، وهكذا
قيل في يومِ السَّبتِ والأَحدِ)) اهـ. أي: يكرهُ تعمُّدُ صومه إلاَّ إذا وافَقَ يوماً كان يصومُهُ قبلُ، كما
لو كان يصومُ يوماً ويُفطِرُ يوماً، أو كان يصومُ أوَّلَ الشهرِ مثلاً فوافَقَ يوماً من هذه الأيّام، وأفاد
قولُهُ: ((وحدَهُ)) أَنَّه لو صامَ معه يوماً آخرَ فلا كراهة؛ لأنَّ الكراهة في تخصيصِهِ بالصوم للتشبُّهِ،
وهل إذا صام السَّبتَ مع الأَحَدِ تزولُ الكراهة؟ محلُّ تردُّدٍ؛ لأَنَّه قد يقال: إنَّ كلَّ يومٍ منهما معظّمٌ
عند طائفةٍ من أهل الكتاب، ففي صومٍ كلِّ واحدٍ منهما تشبُّةٌ بطائفةٍ منهم، وقد يقال:
إِنَّ صومهما معاً ليس فيه تشبُّةٌ؛ لأنّه لم تَتَّفق طائفةٌ منهم على تعظيمهما معاً.
ويظهرُ لي الثاني بدليل أنَّه لو صام الأحدَ مع الإثنين تزولُ الكراهة؛ لأَنَّه لم يُعظّم أحدٌ
منهم هذين اليومين معاً وإِنْ عظَّمَت النصارى الأحدَ، وكذا لو صام مع عاشوراءَ يوماً قبله
أو بعده، مع أنَّ اليهود تُعظّمُه.
ويظهرُ من هذا أنَّه لو جاء عاشوراءُ يومَ الأحد أو الجمعة لا يكرهُ صومِ السَّبت معه،
وكذا لو كان قبله أو بعده يومُ المهرجان أو النَّيروز لعدم تعمُّدٍ صومه بخصوصه، والله تعالى أعلم.
[٨٨١١] (قولُهُ: ونَيرُوزٍ)(٢) بفتح النون وسكون الياء وضمِّ الراء مُعرَّبُ نَورُوز، ومعناه: اليومُ
الجديد، فَنَوْبمعنى الجديد، ورُوز بمعنى اليوم، والمرادُ منه يومٌ تَحِلُّ فيه [٢/ق٢٨٦/ب] الشَّمسُ
برجَ الحمل. ومَهرجانُ: معرَّبُ مَهرَ كان، والمرادُ منه أوَّلُ حلولِ الشَّمس في الميزان، وهذان اليومان
عيدان للفُرس. اهـ "ح"(٣).
(١) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثامن في بيان الأوقات التي يكره فيها الصوم ٣٨٩/٢ نقلاً عن "المحيط".
(٢) في "د" زيادة: ((قوله: (ونيروز) ويكره صوم النيروز والمهرجان إذا تعمَّدَ ولم يوافق يوماً كان يصومُهُ قبل ذلك،
وهكذا قيل في السبت والأحد، ومن المشايخ مَنْ قال: إن صامه شكراً لانقضاء الشتاء فلا بأس به، وذكر الصدر
الشهيد رحمه الله في "واقعاته": أن صوم يوم النيروز جائز من غير كراهة، هو المختار، وإن كان يصوم قبله تطوعاً
فالأفضل أن يصوم، وإلا لا؛ لأنه يشبه تعظيمه، وإنه حرام، "تاتر خانية")).
(٣) "ح": كتاب الصوم ق١٢٥/ب.

الجزء السادس
١٩٩
کتاب الصوم
إِنْ تعمَّدَهُ، وصومٍ دهرٍ، وصومٍ صَمْتٍ ووصالٍ وإِنْ أفطَرَ الأَيَّمَ الخمسةَ، وهذا عند
"أبي يوسف" كما في "المحيط"،
[٨٨١٢] (قولُهُ: إنْ تعمَّدَهُ) كذا في "المحيط"(١)، ثمَّ قال: ((والمختارُ أَنَّه إنْ كان يصومُ قبله
فالأفضلُ له أنْ يصوم، وإلاَّ فالأفضلُ أنْ لا يصوم؛ لأنّه يُشبِهُ تعظيمَ هذا اليوم، وإنَّه حرامٌ)).
[٨٨١٣] (قولُهُ: وصومٍ صَمْتٍ) وهو أنْ لا يتكلَّمَ فيه؛ لأَنّه تشبُّهٌ بالمجوس ، فإنَّهم يفعلون
هكذا، "محيط"(٢). قال في "الإِمداد"(٣): ((فعليه أنْ يتكلّمَ بخيرٍ وبحاجةٍ دَعَتْ إليه)).
[٨٨١٤] (قولُهُ: ووصالٍ) فسَّرَهُ "أبو يوسف" و"محمَّدٌ" بصومٍ يومين لا فطرَ بينهما،
"بحر "(٤). وفسَّرَهُ في "الخانَيَّة"(٥): ((بأنْ يصوم السَّنةَ ولا يُفطِرَ في الأَيَّام المنهَّة))، وفي
"الخلاصة"(٦): ((إذا أفطَرَ فِي الأَيَّام المنهيَّة المختارُ أنَّه لا بأس به)).
[٨٨١٥] (قولُهُ: وإِنْ أفطَرَ الأَيَّامَ الخمسةَ) أي: العيدين وأَيَّامَ التشريق.
[٨٨١٦] (قولُهُ: وهذا عند "أبي يوسف") ظاهرُهُ أنَّ صاحبيه يقولان بخلافه، وظاهرُ
"البدائع"(٧) أنَّ المخالف من غيرِ أهل المذهب، فإنَّه قال: ((وقال بعضُ الفقهاء: مَن صام سائرَ
الدَّهر وأفطَرَ يومَ الفطر والأضحى وأَيَّامَ التشريق لا يدخلُ تحت نهي الوِصال، ورَدَّ عليه
"أبو يوسف" فقال: وليس هذا عندي كما قال، هذا قد صامَ الدَّهرَ، كأنّه أشار إلى أنَّ النهي عن
صومِ الدَّهر ليس لصومِ هذه الأَّيَّام، بل لِما يُضعِفُهُ عن الفرائض والواجبات والكسب الذي
لا بدَّ له منه)) اهـ.
(١) "المحيط البرهاني": كتاب الصوم - الفصل الثامن في بيان الأوقات التي يكره فيها الصوم ١/ق ١٦٣/أ بتصرف.
(٢) عبارة "المحيط البرهاني": ((قيل: هو فعل المجوس))، انظر "المحيط البرهاني": كتاب الصوم - الفصل الثامن في بيان
الأوقات التي يكره فيها الصوم ١/ق ١٦٣/أ.
(٣) "الإمداد": كتاب الصوم - فصل في صفة الصوم وتقسيمه ق٣٣٩/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٨/٢.
(٥) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل الرابع فيما يكره للصائم وما لا يكره ٢٠٥/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل الخامس في الحظر والإباحة ق ٧٠/أ.
(٧) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: أما شرائطها فنوعان ٧٩/٢.

قسم العبادات
٢٠٠
حاشية ابن عابدين
فهي خمسةَ عشر.
وأنواعُهُ ثلاثةَ عشرَ: سبعةٌ متتابعةٌ: رمضانُ، وكفّارةُ ظِهارٍ، وقتلٍ، ويمينٍ، وإفطارِ
رمضانَ، ونذرٍ معيَّنٍ، واعتكافٍ واجبٍ.
[٨٨١٧] (قولُهُ: فهي خمسةَ عشرَ) تفريعٌ على قوله: ((يُعُمُّ السنَّةَ والمندوبَ والمكروه))، أي:
فصارَ جملةُ ما دخَلَ في قوله: ((ونفلٌ)) خمسةَ عشر بجعلِ العيدين اثنين، وجعلِ يوم الأحد منها
على ما في كثيرٍ من النسخ، فافهم. لكن بقي عليه من المكروه تحريماً أيَّامُ التشريق، وصومُ يوم
الشكِّ على ما يأتي (١) تفصيلُهُ، ومن المكروه أيضاً صومُ المرأةِ والعبدِ والأجيرِ بلا إذن الزَّوج والمولى
والمستأجر، وسيأتي(٢) بيانُهُ قبيل قول المتن: ((ولو نوى مسافرٌ الفطرَ))، ومن المندوبِ صومُ يوم
الإثنين والخميس، وصومُ داود عليه السلام، والستِّ من شوَّالٍ على ما يأتي(٣) قبيل الاعتكاف.
[٨٨١٨] (قولُهُ: وأنواعُهُ) أي: أنواعُ الصِّيام اللازم(٤).
[٨٨١٩] (قولُهُ: سبعةٌ متتابعةٌ) عدَّها في "البحر"(٥) سبعةً أيضاً، لكنْ أسقَطَ صوم الاعتكاف
وذكَّرَ بدله صومَ اليمين المعَّن كأن يقول: واللَّهِ لأصومنَّ رحباً مثلاً، وكأنَّ "الشارح" أدخلَهُ تحت
النذر المعَّنِ بجامع الإيجاب قولاً، ثمَّ قال في "البحر"(٦): ((ويُلحَقُ به الَّذرُ المطلق إذا ذكَرَ فيه التتابعَ
أو نواه))، وذكَرَ: ((أَنّه إذا أفطَرَ يوماً فيما يجبُ فيه التابعُ [٢/ق٢٨٧/أ] لا يلزمُهُ الاستقبال
إنْ كان التابعُ مأموراً به لأجلِ الوقت، وهو رمضانُ والنذرُ المعَيَّنُ واليمينُ بصومٍ معيَّنٍ، وإنْ كان
مأموراً به لأجلِ الفعل - وهو الصومُ - يلزمُهُ الاستقبال كالسنَّةِ الباقية)).
قلت: ومن الأوَّلِ ما زادَهُ "الشارح"، وهو صومُ الاعتكاف، تأمَّل.
(١) صـ٢١٥- وما بعدها "در".
(٢) صـ٣٧٨ - وما بعدها "در".
(٣) المقولة [٩٣٨٨] قوله: ((على المختار)).
(٤) من ((ومن المندوب)) إلى ((الصيام اللازم)) ساقط من "الأصل".
(٥) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٨/٢.
(٦) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٨/٢ بتصرف.

الجزء السادس
٢٠١
کتاب الصوم
وستّةٌ يُخيَّرُ فيها: نفلٌ، وقضاءُ رمضان، وصومُ متعةٍ، وفديةِ حَلْقِ، وجزاءٍ صيدٍ،
ونَذْرٌ مطلقٌ.
إذا تقرَّرَ هذا (فيصحُّ) أداءُ (صومٍ رمضان والنّذْرِ المعَّنِ والنَّفلِ بنِيَّةٍ من اللّيل).
[٨٨٢٠] (قولُهُ: وستّةٌ يُخيّرُ فيها) كذا عدَّها في "البحر"(١) سنَّةً أيضاً، لكنْ أسقَطَ النفل؛
لأنَّ الكلام في أنواعِ الصيام اللازم، وذكَرَ بدله صومَ اليمين المطلق مثل: واللَّهِ لأَصومَنَّ شهراً،
وكأنَّ "الشارح" أدخلَهُ تحت النذرِ المطلق نظيرَ ما مرَّ(٢).
[٨٨٢١] (قولُهُ: وصومُ متعةٍ) أي: وقِرانٍ إذا لم يَجِدْ ما يَذْبَحُ لهما، فإِنَّه يصومُ ثلاثاً قبل الحجِّ
وسبعاً إذا رجَعَ، "ط)"(٣).
(٨٨٢٢] (قولُهُ: وفديةِ حلقٍ وجزاءٍ صيدٍ) أي: إذا اختار الصيام فيهما، "ط "(٤).
(٨٨٢٣] (قولُهُ: ونذرٌ مطلقٌ) أي: عن التقييدِ بشهرِ كذا، وعن ذكرِ التأبُعِ أو نَّته.
٨٤/٢
[٨٨٢٤] (قولُهُ: فيصحُّ أداءُ صومٍ رمضان إلخ) قَّدَ بالأداء لأنَّ قضاءَ رمضان وقضاءَ النذر
المعَيَّن أو النفل الذي أفسَدَهُ يُشترَطُ فيه التبيتُ والتعيينُ كما يأتي(٥) في قول "المصنّف": ((والشَّرطُ
للباقي إلخ)).
[٨٨٢٥] (قولُهُ: والنذرِ المعَّنِ) فهو في حكمٍ رمضان لتعيّنِ الوقت فيهما.
(٨٨٢٦] (قولُهُ: والنّفلِ) المرادُ به ما عدا الفرضَ والواجبَ أعمَّ من أنْ يكون سنّةً أو مندوباً
أو مكروهاً، "بحر"(٦) و"نهر "(٧).
[٨٨٢٧] (قولُهُ: بِنَّةِ) قال في "الاختيار "(٨): ((النَّةُ شرطٌ في الصوم، وهي أنْ يَعلَمَ بقلبه أنَّه
(١) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٨/٢.
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) "ط": كتاب الصوم ٤٤٢/١.
(٤) "ط": كتاب الصوم ٤٤٢/١.
(٥) صـ ٢١١ - "در".
(٦) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٥/٢.
(٧) "النهر": كتاب الصوم ق١١٧/ب.
(٨) "الاختيار": كتاب الصوم ١٢٦/١.

قسم العبادات
٢٠٢
حاشية ابن عابدين
فلا تصحُّ قبل الغروب ولا عنده (إلى الضَّحوة الكبرى لا) بعدها ولا (عندها)
اعتباراً لأكثرِ اليوم.
يصومُ، ولا يخلو مسلمٌ عن هذا في ليالي شهرِ رمضان، وليست النَّةُ باللسان شرطاً، ولا خلاف
في أوَّل وقتها وهو غروبُ الشمس، واختلفوا في آخرِهِ كما يأتي))(١) اهـ. وسيأتي(٢) بيانُ
ما يُطِلُّها. وفي "البحر"(٣) عن "الظهيريَّة"(٤): ((أَنَّ التستُّرَ نَّةٌ)).
[٨٨٢٨] (قولُهُ: فلا تصحُّ قبل الغروبِ) فلو نوى قبل أنْ تغيبَ الشمس أنْ يكون صائماً غداً،
ثمَّ نام أو أُغْمِيَ عليه أو غفَلَ حتى زالت الشمسُ من الغد لم يَجُزْ، وإِنْ نوى بعد غروب الشمس
جازَ، "خانَّة"(٥). وفيها (٦): ((وإنْ نوى مع طلوعِ الفجر جاز؛ لأنَّ الواجب قرانُ النَّةِ بالصوم
لا تقدُّمُها)).
[٨٨٢٩] (قولُهُ: إلى الضَّحوةِ الكبرى) المرادُ بها نصفُ النهار الشرعيِّ، والنهارُ الشرعيُّ من
استطارةِ الضوء في أفق المشرق إلى غروب الشمس، والغايةُ غيرُ داخلةٍ في المغَيًّا كما أشار إليه
"المصنّف" بقوله: ((لا عندها)) اهـ "ح"(٧).
وعدَلَ عن [٢/ق ٢٨٧ /ب] تعبير "القدوريِ"(٨) و"المجمع" وغيرهما بالزَّوال لضعفه؛ لأنَّ
الزَّوال نصفُ النهار من طلوعِ الشمس، ووقتُ الصوم من طلوع الفجر كما في "البحر"(٩)
(١) في هذه الصحيفة المقولة [٨٨٢٩] قوله: ((إلى الضحوة الكبرى)).
(٢) صـ٢١٣ - وما بعدها "در".
(٣) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٥/٢.
(٤) "الظهيرية": كتاب الصوم - فصل في النية ق٥٦/ب.
(٥) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل الثاني في النية ٢٠٢/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) أي: "الخانية": كتاب الصوم - الفصل الثاني في النية ٢٠١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "ح": كتاب الصوم ق١٢٥/ب.
(٨) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الصوم ١٦٢/١.
(٩) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٠/٢.

الجزء السادس
٢٠٣
كتاب الصوم
عن "المبسوط"(١)، قال في "الهداية"(٢): ((وفي "الجامع الصغير"(٣): قبل نصفِ النهار، وهو الأصحُّ؛
لأَنّه لا بدَّ من وجود النَّةِ في أكثرِ النهار، ونصفُهُ من وقت طلوع الفجر إلى وقت الضَّحوة الكبرى
لا وقتِ الزَّوال، فُتُشترَطُ النَّةُ قبلها لتتحقَّقَ في الأكثر)) اهـ.
وفي "شرح الشيخ إسماعيل"(٤): ((وممن صرَّحَ بأَنَّه الأصحُّ في "العتابَّة" و"الوقاية"(٥)، وعزاه
في "المحيط" (٦) إلى "السرخسيّ"، وهو الصحيحُ كما في "الكافي"(٧) و"التبيين"(٨))) اهـ.
وتظهرُ ثمرة الاختلاف فيما إذا نوى عند قُرْبِ الزَّوال كما في "التنار خانَّة"(٩) عن
"المحيط "(١٠)، وبه ظهَرَ أنَّ قول "البحر"(١١): ((والظاهرُ أنَّ الاختلاف في العبارة لا في الحكم))
غیرُ ظاهرِ.
( تنبيةٌ )
قد علمتَ أنَّ النهار الشرعيّ من طلوع الفجر إلى الغروب، واعلم أنَّ كلَّ قُطرِ نصفُ نهاره
قبل زواله بنصفِ حصَّةِ فجرِهِ، فمتى كان الباقي للزَّوال أكثرَ من هذا النصفِ صحَّ، وإِلاَّ فلا،
(١) "المبسوط": كتاب الصوم ٥٤/٣، ٦٢.
(٢) "الهداية": كتاب الصوم ١١٨/١.
(٣) "الجامع الصغير": كتاب الصوم - باب صوم يوم الشك صـ١٣٧ -.
(٤) "الإحكام": كتاب الصوم ٢/ ق ١٢١/ب بتصرف.
(٥) انظر "شرح الوقاية": كتاب الصوم ١١٥/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٦) ذكر في "المحيط البرهاني": أنه الصحيح، ولكن لم نر عزوه إلى السرخسي، انظر "المحيط البرهاني": كتاب الصوم
- الفصل الثالث في النية ١/ق ١٥٩/ب.
(٧) "كافي النسفي": كتاب الصوم ١/ق ٧٣/أ.
(٨) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم ٣١٥/١.
(٩) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثالث في النية ٣٥٧/٢.
(١٠) "المحيط البرهاني": كتاب الصوم - الفصل الثالث في النية ١/ق ١٥٩/ب.
(١١) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٥/٢.

قسم العبادات
-
٢٠٤
حاشية ابن عابدين
(وبمطلقِ النَّةِ) أي: نَّةِ الصومِ، فـ: أل بدلٌ عن المضاف إليه (وبيَّةِ نفلٍ) لعدمِ
المزاحم (وبخطٍ في وصفٍ) كنَّةِ واجبٍ آخرَ (في أداءِ رمضانَ).
فتصحُّ النَّةُ في مصرَ والشَّامِ قبل الزَّوال بخمسَ عشرةَ درجةً لوجود النَّةِ في أكثرِ النهار؛ لأنَّ نصف
حصَّةِ الفجر لا تزيدُ على ثلاثَ عشرةَ درجةً في مصرَ وأربعَ عشرةَ ونصفٍ في الشَّام، فإذا كان
الباقي إلى الزَّوال أكثرَ من نصفِ هذه الحصَّة - ولو بنصفِ درجةٍ - صحَّ الصومُ، كذا حرَّرَهُ شيخ
مشايخنا "السائحانيُّ" رحمه الله تعالى.
( تتمَّةٌ)
قال في "السِّراج"(١): ((وإذا نوى الصومَ من النهار ينوي أنَّه صائمٌ من أوَّلِهِ، حتَّى لو نوى
قبل الزَّوال أنَّه صائمٌ من حين نوى لا من أوَِّهِ لا يصيرُ صائماً)).
[٨٨٣٠] (قولُهُ: وبمطلقِ النَّةِ) أي: من غيرِ تقييدٍ بوصف الفرض أو الواجب أو السنَّة؛ لأنَّ
رمضان معيارٌ لم يُشرَعْ فيه صومٌ آخرُ، فكان متعِّناً للفرض، والمتعيِّنُ لا يحتاجُ إلى التعيين، والنذرُ
المعَيّنُ معتبرٌ بإيجاب الله تعالى، فيصابُ كلٌّ بمطلقِ النَّةِ، "إمداد"(٢).
[٨٨٣١] (قولُهُ: ف: أل بدلٌ عن المضافِ إليه) كذا في بعض النسخ، قال "ط"(٣): ((فلا يقال:
إِنَّ مطلق النَّةِ يصدُقُ بنَّةِ أيِّ عبادٍ كانت كما توهَّمَهُ البعضُ فاعترَضَ)).
[٨٨٣٢] (قولُهُ: لعدمٍ المزاحم) إشارةٌ إلى ما ذكرناه(٤) عن "الإمداد".
(٨٨٣٣] (قولُهُ: وبخطأٍ في وصفٍ) كذا وقَعَ في عباراتهم أصولاً وفروعاً [٢/ق٢٨٨/ أ]
أنَّ رمضان يصحُّ مع الخطأ في الوصف، فذهَبَ جماعةٌ من المشايخ إلى أنَّ نيَّةَ النفل فيه مصوَّرَةٌ
في يوم الشكِّ، بأنْ شرَعَ بهذه النَّةِ ثُمَّ ظهَرَ أَنَّه من رمضان ليكونَ هذا الظنُّ معفوًا، وإلاَّ يُخشَى
(١) "السراج الوهاج": كتاب الصوم ١/ق ٤٧٧/أ.
(٢) "الإمداد": كتاب الصوم - فصل فيما لا يشترط تعيينه للصوم ق ٣٤٠/أ.
(٣) "ط": كتاب الصوم ٤٤٢/١.
(٤) في هذه الصحيفة المقولة [٨٨٣٠] قوله: ((وبمطلق النية)).

الجزء السادس
٢٠٥
کتاب الصوم
فقط لتعُّنِهِ بتعيين الشَّارع.
عليه الكفرُ، كذا في "التقرير"، وفي "النهاية" ما يُرُدُّه، وهو: ((أَنَّ لَمَّا لغا نَّةُ النفل لم تتحقَّق نَيَّةُ
الإِعراض)).
والحاصل: أَنَّ لا ملازمةَ بين نَيَّةِ النفل واعتقادٍ عدم الفرضيّة أو ظنّه إلاَّ إذا انضَمَّ إليها اعتقادُ
النفلَيَّةِ فُكَفَرُ، أو ظَنّها فُخشَى عليه الكفرُ، "بحر"(١) ملخَّصاً.
وبهذا ظهَرَ لك أنَّ المراد بالخطأ بالوصف وصفُ رمضان بنيّةِ نفلٍ أو واجبٍ آخرَ خطأً؛
لأَنّه يبعُدُ من المسلم أنْ يتعمَّدَهُ، وليس المرادُ به نَّةَ الواجب فقط، فقولُ "المصنّف" تبعاً
لـ "الدُّرر" (٢): ((وبنيَّةِ نقلٍ وبخطأٍ في وصفٍ)) فيه نظرٌ، فإنَّه كان عليه الاقتصارُ على الثاني
أو إبدالُهُ بواجبٍ آخر؛ لأنَّ فائدة التعبير بالخطأ في الوصف التباعُدُ عن تعمُّدِ نَّةِ النفل، وبعد
التصريحِ بقوله: ((وبنّةِ نفلٍ)) لم تبقَ فائدةٌ للتعبير بالخطأ في الوصف وإِنْ أُرِيدَ به الواجبُ كما
فسَّرَهُ "الشارح"، هذا ما ظهَرَ لي، ولم أر مَن نَبَّهَ عليه.
[٨٨٣٤] (قولُهُ: فقط) أي: دون النفَّل والنَّذْرِ المعَيّن، فلا يَصِحَّان بنيَّةِ واجبٍ آخر، بل يقعُ
عمَّ نوى كما يأتي، "ط)(٣).
(٨٨٣٥] (قولُهُ: بتعيينِ الشَّارع) أي: في قوله عليه الصلاة والسلام: (( إذا انسلَخَ شعبانُ
(قولُهُ: هذا ما ظهَرَ لي إلخ) قد يقال: مرادُ "المصنّف" بعبارته الأُولى ما إذا كان عالماً أنَّه رمضانُ
ونوى النفل ظاناً أنّه ليس معياراً مع اعتقاده الفرضية، فلم يلزم الإكفار أو توهمه، وبعبارته الثانية ما
إذا ظنَّ أَنَّه ليس من رمضانَ فنوى واجباً آخرَ أو نفلاً، وهي عبارةٌ مستقيمةٌ لا تُغني الأولى فيها عن
الثانية، و"الشارح" لم يُفسِِّ الخطأ في الوصف بخصوصِ الواجب، بل أتى بالكاف المفيدة لعدم الحصر،
إلاَّ أنَّ التقييد بالنغل في العبارة الأولى لا مفهوم له.
(١) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٢/٢.
(٢) "الدرر": كتاب الصوم ١٩٧/١.
(٣) "ط": كتاب الصوم ٤٤٢/١

قسم العبادات
٢٠٦
حاشية ابن عابدين
(إلاَّ) إذا وقعت النيّةُ (من مريضٍ أو مسافرٍ) حيث يحتاجُ إلى التّعيين لعدم تعلُّنِهِ في
حقّهما، فلا يقعُ عن رمضان (بل يقعُ عمَّا نوى) مِن نفلٍ أو واجبٍ.
فلا صومَ إلاَّ رمضان)(١) بخلاف الَّذْر، فإنما جُعِلَ بولايةِ الناذر، وله إبطالُ صلاحيةِ ما ذَهُ، "ط"(٢)
عن "المنح"(٣).
[٨٨٣٦] (قولُهُ: إلاَّ إذا وقعت النَّةُ) أي: نَّهُ النَّفلِ أو الواجبِ الآخرِ في رمضان، فهو استثناءٌ
من قوله: ((وبنَّةِ نفلٍ وبخطأٍ في وصفٍ)).
٨٥/٢
[٨٨٣٧] (قولُهُ: حيث يحتاجُ) أي: المريضُ أو المسافر، وأفرَدَ الضميرَ للعطف بـ ((أو)) التي
الأحدِ الشيئين، أو الضميرُ للصوم، ويؤيِّدُهُ عودُ الضمير عليه في قوله: ((تَعُنِهِ)) وفي ((يقعُ)).
[٨٨٣٨] (قولُهُ: لعدمٍ تعُّنِهِ في حقّهما) لأَنَّه لَمَّا سقَطَ عنهما وجوبُ الأداء صار رمضانُ
في حقِّ الأداء کشعبان.
[٨٨٣٩] (قولُهُ: من نفلٍ أو واجبٍ) أمَّا لو أطلقا النَّةً كان عن رمضانَ على جميع الرِّوايات،
"ح"(٤) عن "الإمداد"(٥).
(قولُهُ: وله إبطالُ صلاحيةِ ما لَهُ إلخ) ما لَهُ هو النفل، لا ما عليه وهو الواجب الآخر، وعبارة
"السنديِّ": ((وإنما لم يصحَّ الَّذْرِ المعَيَّن بنيّةِ واجبٍ آخرَ لأَنَّهم ذكروا الفرقَ بين صومٍ رمضان والنّذْر
المعَيّنِ: أنَّ تعيينَ رمضانَ قويٌّ لحصوله بتعيين الشارع فأبطَلَ كلَّ ما عداه، وتعيينَ الَّذْر المعيّن ليس بهذه
المثابة لحصوله من الناذر، فأبطَلَ تعيينُ اليومِ المذكور صلاحيتَهُ لما لَهُ وهو النفل، لا لِما عليه وهو الواجبُ
الآخر، انتهى "سيواسي")) اهـ.
(قولُهُ: كان عن رمضانَ على جميع الرِّوايات) وقال "الفتّال": ((ولم يتعرَّض "الشارح" للنّة المطلقة
(١) لم نعثر عليه بهذا اللفظ، وأخرج بنحوه أبو داود (٢٣٤٠) كتاب الصوم - باب في شهادة الواحد على رؤية هلال
رمضان، والترمذي (٦٩١) كتاب الصوم - باب ما جاء في الصوم بالشهادة، ولفظه: ((إذا كان النصف من
شعبان، قلا صوم حتی یجيء رمضان)).
(٢) "ط": كتاب الصوم ٤٤٢/١.
(٣) "المنح": کتاب الصوم ق٨٩ /ب باختصار.
(٤) "ح": كتاب الصوم ق ١٢٥/ب.
(٥) "الإمداد": كتاب الصوم - فصل فيما لا يشترط تعيينه للصوم ق ٣٤٠/ب.

الجزء السادس
٢٠٧
کتاب الصوم
(على ما عليه الأكثرُ) "بحر". وهو الأصحُّ، "سراج". وقيل بأنَّه ظاهرُ الرِّواية، فلذا
اختارَهُ "المصنّف" تبعاً لـ "الدرر"، لكنْ في أوائلِ "الأشباه": ((الصحيحُ وقوعُ الكلِّ
عن رمضان سوى مسافرٍ نَوَى واجباً آخرَ))، واختارَهُ "ابن الكمال"، وفي
"الشرنبلاليَّة"(١) عن "البرهان": ((أَنَّه الأصحُّ)).
[٨٨٤٠] (قولُهُ: على ما عليه الأكثرُ، "بحر "(٢) أقول: الذي في "البحر" نسبةُ ذلك إلى الأكثرِ
في حقِّ المريض، وهو أحدُ ثلاثةِ أقوالٍ كما يأتي(٣)، [٢/ق٢٨٨/ب] أمَّ في حقِّ المسافر فإنْ نوى
واجباً آخرَ يقعُ عنه عند "الإِمام"، وإنْ نوى النفلَ أو أطلَقَ فعنه روايتان أصحُّهما وقوعُهُ عن
رمضان؛ لأنَّ فائدة النفل الثوابُ، وهو في فرضِ الوقت أكثرُ، وقال(٤): ((وينبغي وقوعُهُ من
المريض عن رمضانَ في النَّل على الصحيح كالمسافر)) اهـ.
وحاصلُهُ: أنَّ المريض والمسافر لو نويا واجباً آخر وقَعَ عنه، ولو نَويًا نفلاً أو أطلقا فعن رمضانَ،
نعم في "السِّراج"(٥) صحَّحَ روايةَ وقوعِهِ عن النَّل فيهما، وعليه يتمشَّى كلامُ "المصنّف" و"الدُّرر"(٦).
[٨٨٤١] (قولُهُ: الصحيحُ وقوعُ الكلِّ عن رمضان إلخ) المرادُ بالكلِّ هو ما إذا نوى المريضُ
عن صفة النّفل والواجب لوقوع الخلاف فيها بناءً على الرِّوايتين الواقعتين في النفل، فمَن قال بوقوعها
عن النَّفل قال بعدم وقوعها عن رمضان؛ لأَنَّ لَمَّا صار رمضانُ في حقّه بمنزلة شعبان حتَّى قَبِلَ سائرَ
أنواع الصوم فلا بدَّ من التَّعيين ليَنصرِفَ صومُهُ إليه، وأمَّا على الرِّواية بوقوع النفل عن رمضان فلا شكَّ
أنَّه يقعُ عن فرضِ الوقت، لكنَّ الأصحَّ أنَّ إطلاق النَّة يُوقِعُ صومَهُ عن رمضان على الرِّوايتين كما
في "حاشية الحمويِّ" على "الأشباه")) اهـ. وما يأتي للمحشِّي عن "السِّراج" يفيدُ أنَّه عند الإطلاق يقعُ
نفلاً، وكذا ما نقَلَهُ عن "البحر".
(١) "الشرنبلالية": كتاب الصوم ١٩٨/١. (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "البحر": كتاب الصوم ٢٨١/٢.
(٣) المقولة [٨٨٤١] قوله: ((الصحيح وقوع الكل عن رمضان إلخ)).
(٤) أي: صاحب "البحر": كتاب الصوم ٢٨١/٢.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الصوم ١/ق ٤٧٨/أ.
(٦) "الدرر": كتاب الصوم ١٩٨/١.

قسم العبادات
٢٠٨
حاشية ابن عابدين
النفلَ، أو أطلَقَ، أو نوى واجباً آخر، وما إذا نوى المسافرُ كذلك، إلاَّ إذا نوى واجباً آخرَ فإنَّه يقعُ
عنه لا عن رمضان؛ لأنَّ المسافر له أنْ لا يصوم، فله أنْ يَصرِفَهُ إلى واجبٍ آخر؛ لأنَّ الرُّخصة
متعلّقةٌ بمظَنَّةِ العجز وهو السَّفر، وذلك موجودٌ بخلاف المريض، فإنّها متعلّقةٌ بحقيقةِ العجز،
فإذا صام تبيَّنَ أَنَّه غيرُ عاجزٍ، واستشكلَهُ "صدر الشريعة" في "التوضيح"(١): ((بأنَّ المرخّص هو
المرضُ الذي يزدادُ بالصوم، لا المرضُ الذي لا يَقدِرُ به على الصوم، فلا نسلِّمُ أنَّه إذا صام ظهَرَ
فواتُ شرط الرُّخصة))، قال في "التلويح"(٢): ((وجوابُهُ أنَّ الكلام في المريض الذي لا يطيقُ
الصومَ، وتتعلَّقُ الرُّخصةُ بحقيقةِ العجز، وأمَّا الذي يُخافُ فيه ازديادُ المرض فهو كالمسافر
بلا خلافٍ على ما يُشعِرُ به كلامُ "شمس الأئمّة" في "المبسوط"(٣) من أنَّ قول "الكرخيِّ" بعدم
الفرق بين المسافر والمريض سهوٌ أو مؤوَّلٌ بالمريض الذي يُطيق الصومَ وكان منه ازديادُ المرض)) اهـ.
( تنبيةٌ )
تلخّصَ من كلام "البحر": ((أنَّ في المريض ثلاثة أقوال:
أحدُها: ما في "الأشباه"(٤) المذكورُ هنا، واختارَهُ "فخر الإِسلام"(٥) و"شمس الأئمّة"(٦)
وجمعٌ، وصحَّحَهُ في "المجمع".
ثانيها: ما مرَّ(٧) في "المتن" أَنَّه يقعُ عمَّا نوى، واختارَهُ في "الهداية"(٨) وأكثرُ المشايخ، وقيل:
(١) انظر "التلويح": الركن الأول - الباب الثاني - فصل: المأمور به نوعان - القسم الثاني: كون الوقت مساوياً للوجوب
وسبباً للوجوب ٢٠٩/١.
(٢) "التلويح": الركن الأول - الباب الثاني - فصل: المأمور به نوعان - القسم الثاني: كون الوقت مساوياً للوجوب
وسبباً للوجوب ٢٠٩/١.
(٣) "المبسوط": كتاب الصوم ٦١/٣ بتصرف يسير.
(٤) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - بيان تعيين المنوي وعدم تعيينه صـ٢٦ -.
(٥) "كشف الأسرار": باب تقسيم المأمور به في حق الوقت ٤٨٢/١ وما بعدها.
(٦) "المبسوط": كتاب الصوم ٦١/٣.
(٧) صـ ٢٠٦ - "در".
(٨) "الهداية": كتاب الصوم ١١٩/١.

الجزء السادس
٢٠٩
كتاب الصوم
(والنَّذْرُ المعَيَّنُ) لا يصحُّ بنِيَّةِ واجبٍ آخرَ، بل.
إنّه ظاهرُ الرِّواية، وينبغي وقوعُهُ عن رمضان في النَّل كالمسافرِ كما مرَّ(١).
ثالثها: التفصيلُ بين أنْ يَضُرَّهُ الصومُ - فتعلَّقُ الرُّخصة بخوف الزِّيادة، فيصيرُ كالمسافر
[٢/ق٢٨٩/أ] يقعُ عمَّا نوى - وبين أنْ لا يَضُرَّهُ الصومُ كفساد الهضم، فتعلَّقُ الرُّخصة بحقيقته،
فيقعُ عن فرضِ الوقت، واختارَهُ في "الكشف"(٢) و"التحرير"(٣))) اهـ.
وهذا القولُ هو ما مرَّ(٤) عن "التلويح"، وجعلَهُ في "شرح التحرير"(٥) محملَ القولين وقال:
(إنَّه تحقيقٌ يحصلُ به التوفيقُ بحملٍ ما اختارَهُ "فخر الإِسلام" وغيرُهُ على مَن لا يضرُّهُ الصومُ،
وحملٍ ما اختارَهُ في "الهداية" على مَن يضرُّهُ))، وتعقّبَ "الأكملُ" في "التقرير" هذا القولَ: ((بأنَّ
مَن لا يضرُّهُ الصومُ لا يُرخّصُ له الفطرُ؛ لأَنّ صحيحٌّ، وليس الكلامُ فيه)).
قلت: وأجبتُ عنه فيما علَّقْتُهُ على "البحر "(٦) بما حاصلُهُ: ((أَنَّ الصوم تارةً يزدادُ به المرض
مع القدرةِ عليه كمرضِ العين مثلاً، وتارةً لا يضرُّهُ كمريضٍ بفساد الهضم، فإنَّ الصوم لا يضرُّهُ
بل ينفعُهُ، فالأوَّلُ تتعلَّقُ الرُّخصة فيه بخوفِ الزِّيادة، والثاني بحقيقةِ العجز، بأنْ يصلَ إلى حالةٍ
لا يمكنه معها الصومُ، فإذا صام ظهَرَ عدم عجزه، فيقعُ عن رمضان وإنْ نوى غيرَهُ؛ لأَنَّه إذا قدَرَ
عليه مع كونه لا يضرُّهُ لا يقولُ عاقلٌ بأنَّه يُرخَّصُ له الفطرُ))، هذا ما ظهَرَ لي، والله أعلم.
[٨٨٤٢] (قولُهُ: والنذرُ المعَّنُ إلخ) تصريحٌ بما فُهِمَ من قوله: ((في رمضانَ فقط)).
(٨٨٤٣] (قولُهُ: بنَّةِ واجبٍ آخرَ) كقضاء رمضان أو الكفَّارةِ، أمَّا لو نوى النفلَ فإنَّه يقعُ
(١) في هذه المقولة.
(٢) "كشف الأسرار": باب تقسيم المأمور به في حق الوقت ٤٨٣/١.
(٣) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأول - الفصل الثالث - القسم الثاني: كون الوقت سبباً للوجوب مساوياً للواجب
صـ ٢٥٠ _.
(٤) في هذه المقولة.
(٥) "التقرير والتحبير": ١٣٢/٢.
(٦) "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الصوم ٢٨١/٢.

قسم العبادات
٢١٠
حاشية ابن عابدين
(يقعُ عن واجبٍ نَوَاهُ) مطلقاً فَرْقاً بين تعيين الشَّارع والعبد.
(ولو صام مقيمٌ عن غيرِ رمضانَ) ولو (لجهلِهِ به) أي: برمضانَ (فهو عنه) لا عمَّا
نوى لحديثِ: ((إذا جاء رمضانُ.
عن النّذر المعَيَّنِ، "سراج"(١). ثمَّ نقَلَ عن "الكرخيّ": ((أنَّ " محمَّدًا" قال: يقعُ عن النَّقل،
و "أبا يوسف": عن النَّذر)).
[٨٨٤٤] (قولُهُ: يقعُ عن واجبٍ نواه مطلقاً) أي: سواءٌ كان صحيحاً أو مريضاً، مقيماً
أو مسافراً، وإذا وقَعَ عمَّا نوى وجَبَ عليه قضاءُ المنذور في الأصحِّ كما في "البحر"(٢)
عن "الظهيريَّةِ"(٣).
[٨٨٤٥] (قولُهُ: ولو لجهلِهِ) زادَ لفظةَ ((ولو)) ليُدخِلَ غيرَ الجاهل، لكنَّ الأَولى إسقاطها؛ لأنَّ
العالِم تقدَّمَ قريباً في قوله: ((وبخطأٍ في وصفٍ))، "ط " (٤). وأفاد أنَّ الصوم واقعٌ في رمضان،
ولم يذكر ما إذا جَهِلَ شهرَ رمضان كالأسيرِ في دار الحرب، فتحرَّى وصامَ عنه شهراً، وبيانُهُ في
"البحر"(٥)، وفيه أيضاً: ((لو صام بالتحرِّي سنين كثيرةٌ، ثُمَّ تَبَّنَ أَنَّه صامَ في كلِّ سنةٍ قبل شهرِ
رمضان فهل يجوزُ صومُهُ في الثانية عن الأُولى، وفي الثالثة عن الثانية وهكذا؟ قيل: يجوزُ، وقيل: لا،
وصحَّحَ في "المحيط" أنَّه إنْ نوى صومَ رمضان مبهماً يجوزُ عن القضاء، [٢/ق٢٨٩/ب]
وإِنْ نوى عن السَّنة الثانية مُفسَّراً لا يجوزُ)) اهـ.
(قولُهُ: لأنَّ العالِم تقدَّمَ قريباً إلخ) فيه أنَّه على ما صوَّرَهُ بعضُ المشايخ ما تقدَّمَ إنما هو في الجاهل
لا في العالم.
(١) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٧٨/ب بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الصوم ٢٨١/٢.
(٣) "الظهيرية": كتاب الصوم - المقطّعات ق ٦١/ب.
(٤) "ط": كتاب الصوم ٤٤٣/١.
(٥) انظر "البحر": كتاب الصوم ٢٨٣/٢.

الجزء السادس
٢١١
كتاب الصوم
فلا صومَ إلاَّ عن رمضان)).
(ويحتاجُ صومُ كلِّ يومٍ من رمضانَ إلى نَيَّةٍ) ولو صحيحاً مقيماً تمييزاً للعبادة عن
١
العادة، وقال "زفرُ" و"مالك": تكفي نيَّةٌ واحدةٌ كالصلاة، قلنا: فسادُ البعضِ
لا يُوجبُ فسادَ الكلِّ بخلاف الصلاة (والشَّرطُ للباقي) من الصِّيامِ قِرانُ النَّة للفجر
[٨٨٤٦] (قولُهُ: فلا صومَ إلاَّ عن رمضانَ) أي: لا يتحقَّقُ فيه صومُ غيره، ومحلُّهُ فيمن تَعيَّنَ
٨٦/٢ عليه، فلا يَرِدُ المسافرُ إذا نوى واجباً آخر، "ط" (١).
[٨٨٤٧] (قولُهُ: عن العادةِ) أي: عادةِ الإمساك حِميةٌ أو لعذرٍ، "ط (٢).
[٨٨٤٨] (قولُهُ: وقال "زفرُ" و"مالك": تكفي فيَّةٌ واحدةٌ) أي: عن الشَّهرِ كلِّه، ورُوِيَ عن
"زفرَ": أنَّ المقيم لا يحتاجُ إلى النَّة، ولو مسافراً لم يَجُزْ حتى ينويَ من الليل، وعند "علمائنا
الثلاثة": لا يجوزُ إِلاَّ بنيَّةٍ جديدةٍ لكلِّ يومٍ من اللّيل أو قبل الزَّوال مقيماً أو مسافراً، "سراج"(٣).
[٨٨٤٩] (قولُهُ: قلنا إلخ) أي: في جوابٍ قياسه الصومَ على الصلاة: إنَّ صوم كلِّ يومٍ عبادةٌ
بنفسه، بدليل أنَّ فساد البعض لا يُوجِبُ فسادَ الكلِّ بخلاف الصَّلاة.
[٨٨٥٠] (قولُهُ: والشَّرطُ للباقي من الصِّيام) أي: من أنواعِهِ، أي: الباقي منها بعد الثلاثةِ
المتقدِّمة في المتن، وهو قضاءُ رمضان، والنذرُ المطلق، وقضاءُ النذر المعَيّن والنفلِ بعد إفساده،
والكفَّاراتُ السَّبعُ وما أُلحِقَ بها من جزاءِ الصَّيد والحلق والمتعة، "نهر" (٤). وقولُهُ: ((السَّبعُ))
صوابُهُ: الأربع، وهي كفَّارةُ الظّهار والقتلِ واليمينِ والإفطار.
[٨٨٥١] (قولُهُ: للفجرِ) أي: لأوَّلِ جزءٍ منه، "ط "(٥).
(١) "ط": كتاب الصوم ٤٤٣/١.
(٢) "ط": كتاب الصوم ٤٤٣/١.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الصوم ١/ق ٥٠٩/ب، ق٥١٠/ب بتصرف.
(٤) "النهر": كتاب الصوم ق ١١٨/أ.
(٥) "ط": كتاب الصوم ٤٤٣/١.

قسم العبادات
٢١٢
حاشية ابن عابدين
ولو حكماً، وهو (تبييتُ النَّةِ) للضَّرورة (وتعيينُها) لعدم تعيّنِ الوقت، ..
......
[٨٨٥٢] (قولُهُ: ولو حكماً إلخ) جعَلَ في "البحر "(١) القِرانَ في حكم التبيت، وأنت خبيرٌ بأنَّ
الأنسب ما سلَكَهُ "الشارح" من العكس؛ إذ القرانُ هو الأصلُ، وفي التبيت قِرانٌ حكماً كما في
"النهر"(٢).
[٨٨٥٣] (قولُهُ: وهو) الضميرُ راجعٌ إلى القِرانِ الحكميِّ، "ح"(٣).
[٨٨٥٤] (قولُهُ: تبيِيتُ النَّةِ) فلو نوى تلك الصِّياماتِ نهاراً كان تطوُّعاً، وإتمامُهُ مستحبٌّ،
ولا قضاءَ بإفطاره، والتبيتُ في الأصلِ كلُّ فعلٍ دُيِّرَ ليلاً، "ط"(٤) عن "القُهُستانِ)) (٥).
[٨٨٥٥] (قولُهُ: للضَّرورةِ) علَّةٌ للاكتفاءِ بالقران الحكميِّ؛ إذ(٦) تحرِّي وقتِ الفجر مما يَشُقُّ،
والحرجُ مدفوعٌ. اهـ "ح"(٧).
[٨٨٥٦] (قولُهُ: وتعيينُها) هو بالنظرِ إلى مجرَّدِ المتن معطوفٌ على ((تبييتُ))، وبالنظرِ
إلى عبارة الشرح معطوفٌ على ((قرانُ)) كما لا يخفى، والمرادُ بتعيينها تعيينُ المنويِّ بها، فهو
مصدرٌ مضافٌ إلى فاعلِهِ المجازيّ.
[٨٨٥٧] (قولُهُ: لعدمٍ تعُّنِ الوقتِ) أي: لهذه الصِّياماتِ بخلاف أداءِ رمضان والنذرِ المعَيَّنِ،
فإنَّ الوقت فيهما متعيِّنٌ، وكذا النفلُ؛ لأنَّ جميع الأَيَّام سوى شهرِ رمضان وقتٌ له.
(قولُهُ: مصدرٌ مضافٌ لفاعلِهِ المجازيِّ) إذ المعيّنُ حقيقةً الشخصُ، والنَّةُ آلّةٌ فِي التَّعيين.
(١) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٢/٢.
(٢) "النهر": كتاب الصوم ق١١٨/أ.
(٣) "ح": كتاب الصوم ق١٢٦/أ.
(٤) "ط": كتاب الصوم ٤٤٣/١.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصوم ٢١٤/١.
(٦) في "آ" و"ب": ((إذا))، وهو خطأ.
(٧) "ح": كتاب الصوم ق ١٢٦/أ.

الجزء السادس
٢١٣
کتاب الصوم
والشَّرطُ فيها أنْ يَعلَمَ بقلبه أيَّ صومٍ يصومُهُ، قال "الحدَّاديُّ": ((والسنَّةُ أن يتلفّظَ
بها، ولا تبطلُ بالمشيئة، بل بالرُّجوع عنها بأنْ يَعزِمَ ليلاً على الفطر،.
[٨٨٥٨] (قولُهُ: والشرطُ فيها إلخ) أي: في النَّةِ المعَّنة لا مطلقاً؛ لأنَّ ما لا يُشترَطُ له
التعيينُ [٢/ق٢٩٠/أ] يكفيه أنْ يَعلَمَ بقلبه أنَّه يصومُ، فلا منافاةً بين ما هنا وما قدَّمناه(١) عن
"الاختيار"، وأفاد "ح"(٢): ((أنَّ العلم لازمٌ للنّةِ التي هي نوعٌ من الإرادة؛ إذ لا يمكنُ إرادة
شيءٍ إلاّ بعد العلم به)).
[٨٨٥٩] (قولُهُ: والسنّةُ) أي: سنَّةُ المشايخ لا النبيِّ وَ﴿ لعدم وُرُودِ النطق بها عنه، "ح"(٣) ..
[٨٨٦٠] (قولُهُ: أنْ يتلفّظَ بها) فيقولُ: نويتُ أصومُ غدً أو هذا اليومَ - إنْ نوى نهاراً - للَّهِ عِزَّ
وجلَّ من فرضِ رمضان، "سراج"(٤).
[٨٨٦١] (قولُهُ: ولا تبطلُ بالمشيئةِ(٥) أي: استحساناً، وهو الصحيحُ؛ لأَنَّها ليست في معنى
حقيقةِ الاستثناء، بل للاستعانةِ وطلبِ التوفيق، حتّى لو أراد حقيقةَ الاستثناء لا يصيرُ صائماً كما
في "التتار خانيَّة"(٦).
[٨٨٦٢] (قولُهُ: بأَنْ يَعزِمَ ليلاً على الفطرِ) فلو عزَمَ عليه، ثمَّ أصبَحَ وأمسَكَ ولم يَنْوِ الصومَ
(قولُهُ: وأفاد "ح" أنَّ العلم لازمٌّ النّة إلخ) هذا ظاهرٌ في النَّة المعيّنة، وأمَّا غيرُ المعَّنة فلا لزومَ؛
إذ لا يلزم من وجود النَّة علمُهُ بالمنوي، بل هو أمرٌ زائدٌ عليها، تأمَّل.
(١) المقولة [٨٨٢٧] قوله: ((بنية)).
(٢) "ح": كتاب الصوم ق١٢٦/أ.
(٣) "ح": كتاب الصوم ق١٢٦/أ بتصرف نقلاً عن الحدادي.
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الصوم ١/ق ٤٧٧ /أ - ب.
(٥) في "د" زيادة: ((قال المرغيناني: وهو الصحيح، وقال الحلواني: لا رواية في هذه المسألة، وفي القياس لا يصير
صائماً كالطلاق والعتاق والبيع كذا في "الكافي"، لكنْ يشكل على هذه المسألة: أنا مؤمنٌ إن شاء الله تعالى،
ولا مانع أن يكون فيها روايتان، وإلا فيطلب الفرق وهو خفي؛ إذ الإيمان اعتقادٌ وهو أصل الواجبات، فيطلب فيه
استدامة المعونة والتوفيق منه سبحانه، فليتأمل، حموي)).
(٦) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثالث في النية ٣٥٩/٢، ناقلاً الاستحسان عن شمس الأئمة الحلواني بواسطة
"المحيط"، والتصحيح عن "الظهيرية".

قسم العبادات
٢١٤
حاشية ابن عابدين
ونَيَّةُ الصائم الفطرَ لغوٌ، ونيّةُ الصَّوم في الصلاة صحيحةٌ، ولا تُفسِدُها بلا تلفُّظٍ،
ولو نوى القضاءَ نهاراً صار نفلاً، فيقضيه لو أفسَدَهُ؛ لأنَّ الجهل في دارِنا غيرُ
معتبرٍ، فلم يكن كالمظنون ))، "بحر " (١).
لا يصيرُ صائماً، "تتار خانيَّةً"(٢).
[٨٨٦٣] (قولُهُ: ونَيَّةُ الصائمِ الفطرَ لغوٌ) أي: نَّتُهُ ذلك نهاراً، وهذا تصريحٌ بمفهوم قوله:
((بَأَنْ يَعْزِمَ ليلاً))، وفي "التار خانيَّة"(٣): ((نوى القضاءَ، فلمَّا أصبَحَ جعَلَهُ تطوُّعاً لا يصحُّ)).
[٨٨٦٤] (قولُهُ: لأنَّ الجهل إلخ) جوابٌ عمَّا في "الفتح"(٤) من قوله: ((قيل: هذا - أي: لزومُ
القضاء - إذا عَلِمَ أنَّ صومه عن القضاء لم تصحَّ فَيُّهُ من النهار، أمَّا إذا لم يَعلَم فلا يلزمُ بالشُّروع
كالمظنون))، قال في "البحر"(٥) - وتبعَهُ في "النهر "(٦) - : ((الذي يظهرُ ترجيحُ الإطلاق، فإنَّ الجهل
بالأحكام في دارِ الإِسلام ليس بمعتبرِ، خصوصاً أنَّ عدم جوازِ القضاء بنَّتِهِ نهاراً متَّفقٌ عليه فيما
يظهرُ، فليس كالمظنون)) اهـ. وما قدَّمناه(٧) عن "القُهُستانيِّ" مبنيٌّ على هذا القيلِ.
[٨٨٦٥] (قولُهُ: فلم يكنْ كالمظنونِ) إذ المظنونُ أنْ يَظُنَّ أنَّ عليه قضاءَ يومٍ، فَشرَعَ فيه
بشروطِهِ، ثمَّ تبيَّنَ أنْ لا صومَ عليه، فإنَّه لا يلزمُهُ إتمامه؛ لأَنَّه شرَعَ فيه مُسقِطاً لا مُلتزِماً، وهو
معذورٌ بالنسيان، فلو أفسَدَهُ فوراً لا قضاءَ عليه وإنْ كان الأفضلُ إتمامَهُ، بخلاف ما لو مضى فيه
بعد علمِهِ فإنَّه يصيرُ ملتزماً، فلا يجوزُ قطعه، فلو قطَعَهُ لَزِمَهُ قضاؤه، وأمَّا مَن نوى القضاءَ بعد
(١) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٢/٢ ملخصاً.
(٢) "التاترخانية": كتاب الصوم - الفصل الثالث في النية ٣٥٨/٢ نقلاً عن "المحيط".
(٣) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثالث في النية ٣٦٠/٢ معزياً لـ "جامع الفتاوى".
(٤) "الفتح": كتاب الصوم ٢٤٢/٢.
(٥) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٢/٢.
(٦) "النهر": كتاب الصوم ق ١١٨/أ.
(٧) المقولة [٨٨٥٤] قوله: ((تبييت النية)).

الجزء السادس
٢١٥ -
كتاب الصوم
(ولا يُصامُ يومُ الشكِّ) هو يومُ الثلاثين من شعبانَ وإِنْ لم يكن علّة، أي: على القول
الفجر فإنَّ ما نواه عليه، لكنَّ جَهِلَ لزومَ التبييت فلم يُعذَرْ، وصَحَّ شروعُهُ، فلو قطَعَهُ لَزِمَهُ قضاؤه،
"رحمتي".
(٨٨٦٦] (قولُهُ: ولا يُصامُ يومُ الشَّكِّ) هو استواءُ طرفي الإدراكِ من النفي والإثبات، "بحر"(١).
[٨٨٦٧] (قولُهُ: هو يومُ الثلاثين من شعبانَ) [٢/ق٢٩٠/ب] الأولى قولُ "نور الإيضاح"(٢):
((هو ما يلي التاسعَ والعشرين من شعبانَ))، أي: لأَنَّه لا يُعلَمُ كونه يومَ الثلاثين لاحتمالِ كونه
أوَّلَ شهرِ رمضان، ويمكنُ أنْ يكون المرادُ أنّه يومُ الثلاثين من ابتداءٍ شعبان، فـ ((مِن)) ابتدائَّةٌ
لا تبعيضيَّةٌ، تأمَّل.
( تنبيةٌ )
في "الفيض" وغيره: ((لو وقَعَ الشكُّ في أنَّ اليوم يومُ عرفة أو يومُ النحر فالأفضلُ فيه
الصومُ))، فافهم.
[٨٨٦٨] (قولُهُ: وإنْ لم يكن علّةٌ إلخ) قال في "شرحه" على "الملتقى"(٢): ((وبه اندفَعَ
كلامُ "القُهُستانِّ"(٤) وغيرِهِ)) اهـ. أي: حيث قَيَّدَهُ بما إذا غُمَّ هلالُ شعبان فلم يُعلَم أنَّه
٨٧/٢ الثلاثون من شعبان أو الحادي والثلاثون، أو غُمَّ هلالُ رمضان فلم يُعلَم أَنَّه الأوَّلُ منه
أو الثلاثون من شعبان، أو رآه واحدٌ أو فاسقان فرُدَّتْ شهادتُهم، فلو كانت السماءُ مصحيّةً
ولم يره أحدٌ فليس بيومٍ شكِّ اهـ.
(قولُهُ: فلم يُعذَرْ، وصَحَّ شروعُهُ) لأنَّ القضاء صومٌ بزيادةِ وصفٍ، وقد فُقِدَ شرطُ صحَّةِ ذلك
الوصف فبقي أصلُ الصوم، وبنَّتِهِ يكونُ نفلاً.
.
(١) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٤/٢.
(٢) "نور الإيضاح": كتاب الصوم - فصل فيما يثبت به الهلال وفي صوم الشك وغيره صـ٢٩٢ -.
(٣) "الدر المنتقى": كتاب الصوم ٢٣٤/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصوم ٢١٥/١.

قسم العبادات
٢١٦
حاشية ابن عابدين
بعدم اعتبار اختلاف المطالع؛ لجوازِ تحقَّقِ الرُّؤية في بلدةٍ أخرى، وأمَّا على مُقابِلِهِ
فليس بشكِّ ولا يُصامُ أصلاً، "شرح المجمع" لـ "العينيِّ" عن "الزاهديِّ" (إلاَّ نقلاً)
ويكره غيرُهُ (ولو صامَهُ.
ومثلُهُ في "المعراج" عن "المجتبى" بزيادةِ: ((ولا يجوزُ صومُهُ ابتداءً لا فرضاً ولا نفلاً))، وكلامُهم
مبنيٌّ على القولِ باعتبار اختلافِ المطالع كما أفادَهُ كلام "الشارح" هنا.
[٨٨٦٩] (قولُهُ: بعدمِ اعتبارِ اختلاف المطالع) سقطَ من أكثرِ النسخ لفظُ: ((اعتبارٍ))، ولا بدَّ
من تقديره؛ لأَنَّه لا كلامَ في اختلاف المطالع، وإنما الكلام في اعتباره وعدمه كما يأتي(١) بيانه.
[٨٨٧٠] (قولُهُ: لجوازِ إلخ) أي: فيلزمُ البلدةَ التي لم يُرَ فيها الهلالُ.
[٨٨٧١] (قولُهُ: ولا يُصامُ أصلاً) أي: ابتداءً لا فرضاً ولا نفلاً كما قدَّمناه(٢) آنفاً عن
"المجتبى"؛ لأَنّه لا احتياطَ في صومه للخواصِّ بخلاف يوم الشكِّ، نعم لو وافَقَ صوماً يعتادُهُ
فالأفضلُ صومُهُ كما أفادَهُ في "المجتبى" بقوله: ((ابتداءً))، فافهم.
[٨٨٧٢] (قولُهُ: إلاَّ نفلاً) في نسخةٍ: ((تطوُّعاً)).
(٨٨٧٣] (قولُهُ: ويكرهُ غيرُهُ) أي: من فرضٍ أو واجبٍ بِنَّةٍ معيَّنةٍ أو متردِّدةٍ، وكذا إطلاقُ
النّة؛ لأنَّ المطلق شاملٌ للمقادير كما في "المعراج".
(قولُهُ: لا فرضاً ولا نفلاً إلخ) أي: عن رمضان، وإلاَّ فلا وجهَ لعدم صومِهِ عن واجبٍ أو عن قضاءٍ
رمضان آخر، والمتبادرُ من قوله: ((أصلاً)) نفيُ الصِّيام مطلقاً كما فَهِمَهُ "ط"، وأرجَعَ الضميرَ ليوم
الشكِّ، ويكونُ القصد حينئذٍ الدخولَ على كلام "المصنّف"، لكنْ علمتَ من عبارة "المجتبى" أنَّ الكلام
ليس في يوم الشكِّ، ولعلَّ المراد من نفي صومه نفلاً نفيُ استحبابه للخواصِّ كما في يوم الشكِّ لا نفيُ
مشروعيَّةِ النفل بإثبات الكراهة؛ إذ هو كباقي أيَّامٍ شعبان، ويدلُّ لذلك تعليلُ المحشِّي بقوله: ((لأنّه
لا احتياطَ في صومِهِ للخواصِّ بخلاف يوم الشكِّ )).
(١) المقولة [٨٩٦٩] قوله: ((على ظاهر المذهب)).
(٢) المقولة [٨٨٦٨] قوله: ((وإن لم يكن علة إلخ)).