Indexed OCR Text

Pages 181-200

الجزء السادس
١٧٧
كتاب الصوم
الفدية، وأمَّا قَدْرُها فبَّنَهُ عليه الصلاة والسلام في حديث "كعبٍ"(١))) اهـ.
نعم يأتي الصيامُ جمعاً لصائمٍ كما علمتَهُ ، لكن لا تصحُّ إرادته هنا ولا في الآية كما
لا يخفى، ولو سُلَّمَ أنَّ الصيام جمعٌ لأفراد الصوم فلا أولويَّةَ في العدولِ إليه؛ لأنَّ أل الجنسيَّةَ تُبطِلُ
معنى الجمعيَّة، فيتساوى التعبيرُ بالصوم وبالصيام، هذا تقريرُ [٢/ق٢٨٢/أ] كلام "الشارح"
على وَفْقِ ما في "النهر"(٢)، فافهم.
(قولُهُ: فبَّنَهُ عليه الصلاة والسَّلام في حديثِ "كعبٍ") هو - كما في "البخاريِّ" -: ((عن "عبدِ الله
بن مغفل" قال: قعدتُ إلى "كعب بن عُجْرة" في هذا المسجد - يعني: مسجدَ الكوفة - فسألتُهُ عن قوله
تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَاءٍ﴾ فقال: حُمِلْتُ إلى النبيِّل:﴿ والقملُ يتناثرُ على وجهي فقال: ((ماكنت أرى
أنَّ الَجَهْد بلَغَ منك هذا، أما تجدُ شاةً؟ ))، قلت: لا، قال: ((فصُمْ ثلاثةَ أَيَّامٍ أو أَطْعِمْ سنَّةَ مساكين لكلِّ
مسكين نصف صاعٍ من طعامٍ واحِقْ رأْسَك))، فنزلت فيَّ خاصَّةً، وهي لكم عامَّةً.
(١) أخرجه أحمد ٢٤١/٤، والبخاري (١٨١٥) كتاب المحصَرَ - باب قول الله تعالى: ﴿أَوْصَدَقَةٍ﴾، وهي إطعام ستة
مساكين، و(٦٧٠٨) كتاب كفارات الأيمان - باب قول الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ﴾،
ومسلم (١٢٠١) كتاب الحج - باب جواز حلق الرأس إذا كان به أذى، ووجوب الفدية وبيان قدرها، وأبو داود
(١٨٥٦) كتاب المناسك - باب في الفدية، والترمذي(٩٥٣) كتاب الحج - باب ما جاء في المحرِم بحلق رأسه
في إحرامه ما عليه، وقال: هذا حديث حسن صحيح، و(٢٩٧٣) كتاب تفسير القرآن - باب (ومن سورة البقرة)
وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ١٩٥/٥ كتاب المناسك - باب في المحرم يؤذيه القمل في رأسه،
وابن ماجه (٣٠٧٩) كتاب المناسك - باب فدية المحصَر، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٦٧٦) كتاب المناسك - باب
الرخصة في حلق المحرم رأسه إذا مرض أو آذاه القمل والصيبان، و(٢٦٧٧) باب ذكر الدليل على أن كعباً أمره
النبي ◌ُ ﴿ بحلق رأسه، ويفتدي بصيام أو صدقة أو نسك، كلهم من حديث كعب بن عجرة ظُته قال: ((وقف عليَّ
رسول الله وَ﴿ بالحديبية ورأسي يتهافت قملاً، فقال: يؤذيك هوَامُّك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق رأسك - أو قال:
احلق - قال: ففيَّ نزلت هذه الآية: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْبِهِ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ﴾ إلى آخرها؛ فقال النبي ◌ُّ: صُمْ ثلاثة
أیام، أو تصدَّق بفرق بين ستة، أو انسُكْ بما تيسر )) وهذه رواية مسلم.
(٢) "النهر": كتاب الصوم ق١١٦/أ - ب.

قسم العبادات
١٧٨
حاشية ابن عابدين
والأصحُّ أَنَّه لا يكره قولُ رمضان. وقُرضَ بعدَ صَرْفِ القبلة إلى الكعبة لعَشْر
في شعبانَ بعدَ الهجرة بسنةٍ ونصفٍ.
وعلى هذا فُشكِلُ ما مرَّ(١) عن "الظهيريَّة" وإِنْ قال في "النهر"(٢): ((لعلَّ وجهَهُ أَنَّه أُرِيدَ
بلفِظ صيامٍ في لسان الشَّارعِ ثلاثةُ أَيَّامِ، فكذا في النذر خروجاً عن العُهدة بخلافٍ صومٍ)) اهـ.
يعني: أنَّ لفظ صيامٍ وإنْ لم يكن جمعاً لكنّه لَمَّا أُطلِقَ في آيةِ الفدية مُرادً به ثلاثةُ أَيَّامٍ كما يَّنَ
إجمالَهُ الحديثُ فيرادُ في كلام الناذر كذلك احتياطً، فتأمَّل.
[٨٧٧٠] (قولُهُ: والأصحُّ إلخ) قال بعضهم: الصحيحُ ما رواه "محمَّدٌ" عن "مجاهدٍ" ولم يَحْكِ
خلافَهُ: أَنَّه كره أنْ يقال: جاء رمضانُ وذهب رمضان؛ لأَنَّه اسمٌ من أسمائه تعالى، وعامَّةُ المشايخ
أَنَّه لا يكرهُ لمجيئه في الأحاديث الصحيحة كقوله مَ ﴾: «مَن صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له
ما تقدَّمَ من ذنبه))(٣)، و((عمرةٌ في رمضانَ تَعدِلُ حجَّةً))(٤)، ولم يَتْبُتْ في المشاهيرِ كونُهُ
من أسمائه تعالى، ولئن ثبَتَ فهو من الأسماءِ المشتركة كالحكيم، كذا في "الدِّراية".
(قولُهُ: وإنْ قال في "النهر": لعلَّ وجهَهُ إلخ) الأوجهُ في وجهِ ما في "الطهيريَّةَ" أَنَّه مبنيٌّ على العُرْف
في زمنه من أنَّ لفظ ((صومٍ)) لا يفيد التعدُّدَ بخلاف لفظ ((صيامٍ))، وحينئذٍ يَتِمُّ استدلالُ "البحر"
بعبارتها على إفادة التعدُّدِ بلفظ ((صيامٍ)) ولو باعتبارِ العُرْف.
(١) المقولة [٨٧٦٨] قوله: ((لما في "الظهيرية")).
(٢) "النهر": كتاب الصوم ق ١١٦/أ.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٢٠/٢ كتاب الصيام - باب ما ذكر في فضل رمضان وثوابه، وأحمد ٢٣٢/٢-٣٨٥، والبخاري
(٣٧) و(٣٨) كتاب الإيمان - باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان، وأبو داود (١٣٧١) و(١٣٧٢) كتاب الصلاة -
باب في قیام شهر رمضان، والنسائي ١٥٥/٤-١٥٦-١٥٧ كتاب الصيام - باب ثواب من قام رمضان وصامه إيماناً
واحتساباً، وابن ماجه (١٦٤١) كتاب الصيام - باب ما جاء في فضل شهر رمضان، والبيهقي في "السنن الكبرى"
٣٠٤/٤ كتاب الصيام - باب في فضل شهر رمضان، وابن حبان (٣٤٣٢) كتاب الصيام - باب فضل رمضان، كلّهم
من حديث أبي هريرة ◌َّه مرفوعاً، وفي الباب عن عائشة، وسعيد بن المسيب رضي الله عنهما.
(٤) أخرجه أحمد ٣٠٨،٢٢٩/١، والبخاري (١٧٨٢) كتاب العمرة - باب: عمرة في رمضان، ومسلم (١٢٥٦) (٢٢١) =

الجزء السادس
١٧٩
كتاب الصوم
واعلم أنّهم أطبقوا على أنَّ العَلَم في ثلاثةِ أشهرٍ هو مجموعُ المضاف والمضاف إليه: شهر
رمضان وربيعٍ الأوَّلِ والآخِرِ، فحَذْفُ شهرٍ هنا من قَبِيل حذفٍ بعض الكلمة، إلاَّ أنَّهم
جوَّزُوه لأَنَّهم أَجْرَوا مثل هذا العلمِ مُحرى المضاف والمضاف إليه، حيث أعربوا الجزءين،
كذا في "شرح الكشَّاف" لـ "السَّعد"، "نهر"(١). ومقتضاه أنَّ رجب ليس منها خلافاً
= كتاب الحج - باب فضل العمرة في رمضان، وأبو داود (١٩٩٠) كتاب الحج - باب العمرة، والنسائي
١٣٠/٤-١٣١ كتاب الصيام - باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان، وابن ماجه (٢٩٩٤) كتاب
المناسك - باب العمرة في رمضان، وابن خزيمة في "صحيحه"(٣٠٧٧) كتاب المناسك - باب فضل العمرة
في رمضان، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١٢٩٩) و(١١٣٢٢) و(١٢٩١١)، وابن حبان (٣٧٠٠) كتاب الحج
- باب فضل الحج والعمرة، كلُّهم من حديث ابن عباس ◌َّبه مرفوعاً، وفي الباب عن جابر بن عبد الله، وأبي مغفل،
وابن الزبير، ووهب بن خنيس، وأنس، وعروة البارقي، وعلي بن أبي طالب وطنه.
(١) "النهر": كتاب الصوم ق ١١٧/أ. وفي "د" زيادة: ((قال الصلاح الصفدي في مقدمة كتابه "الوافي بالوفيات": رأيت
بعض الفضلاء قد كتبوا بعضَ الشهور بشهر كذا وبعضَها لم يكتبوا فيه شهر، وطلبتُ الخاصَّةَ في ذلك فلم أجدهم
أتوا بشهر إلا مع شهرٍ أوَّلُه يكون حرفَ راءٍ، وهو شهر ربيع وشهر رجب وشهر رمضان، ولم أدر العلّةَ في ذلك
ما هي؟ ولا وجه المناسبة؛ لأنه كان ينبغي أن يحذف لفظة ((شهر)) من هذه؛ لأنه يجمتع في ذلك راءان، انتهى .
أقول: قد تعرَّضَ للمسألة من المتقدمين ابن درستويه، فقال في "الكتاب المتمم": الشهورُ كلّها مذكّرةٌ إلا جمادى،
وليس بشيء منها يضاف إليه شهر إلا شهر ربيع وشهر رمضان، قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَفِیهِ
الْقُرْءَانُ﴾، وقال الراعي:
شَهْرَي ربيعٍ ما تذوق لَبُونُهم
فما كان من أسمائها اسماً لشهر أو صفةً قامت مقام الاسم فهو الذي لم يجز أن يضاف الشهرُ إليه، ولم يذكر معه
كالمحرم، إنما معناه الشهر المحرم وهو من أشهر الحرم، وهو كصفر، وهو اسمُ معرفةٍ كزيد من قوله: صَفِرِ الإِناءُ إذا
خلا. وجمادى: معرفة وليست بصفة، وهي من جمود الماء. ورجب: هو اسم معرفة مثل صفر من قولهم: رجبت
الشيء عظمته؛ لأنه من الأشهر الحرم. وشعبان: صفة بمنزلة عطشان من التّشعب والتفرق. وشوّال: صفة جرت مجرى
الاسم وصارت معرفة، وفيه تشول الإبل. وذو القعدة: صفة قامت مقام الشهر من القعود عن التصرف، وكقولك:
هذا الرجل ذو الجلسة، فإذا حذفت الرجل، قلت: ذو الجلسة. وذي الحجة: مأخوذ من الحج. وأما الربيعان ورمضان =

قسم العبادات
١٨٠
حاشية ابن عابدين
(هو) لغةً: إمساكٌ مطلقاً، وشرعاً: (إمساكٌ.
لـ "الصلاح الصفديِ" (١)، وتَبِعَهُ مَن قال:
إلَّ الذي أوَّلُهُ الرَّا فَادِرٍ(٢)
ولا تُضِفْ شهراً للَفظِ شهرٍ
ولذا زاد بعضُهم قولَهُ:
لأَنَّه فيما رَوَوْهُ ما سُمِعَ(٣)*
واستثنٍ مِن ذا رجباً فَيَمْتِعْ
[٨٧٧١] (قولُهُ: إمساكٌ مطلقاً) أي: عن طعامٍ أو كلامٍ، وظاهرُهُ أَنَّ حقيقةٌ لغويّةٌ في الجميع،
وهو ما يفيدُهُ عبارة "الصحاح"(٤)، وفي "المغرب" (٥): ((هو إمساكُ الإنسان عن الأكل والشرب،
= فليست بأسماء الشهور ولا صفاتٍ له، فلا بد من إضافة شهر كقولك: شهر ربيع وشهر رمضان انتهى [النقل
في كتاب "الكِتاب" صـ ٩٠- لابن درستويه وهو عينه "الكتاب المتمم" له].
ومنه يظهرُ لك علَّةُ ذكر الشهر مع رمضان والربيعين، وذكر الشهر لا بد منه معها، وأنَّ ذكر الشهر مع رجب
خطأ، وأنَّ الصفدي قد وهم في عدّ رجب فيما يضاف إليه الشهر، وأنَّ ابن هشام قد وهم وجعل ذكر الشهر معها
جائزاً لا لازماً كما نقل عنه من قال:
إن حادي عشرين شهر جمادى
كذا ذكره الحموي)).
(١) أبو الصفاء، خليل بن الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله، صلاح الدين الصفدي، ثُمَّ الدمشقي(ت ٧٦٤هـ). ("الدرر
الكامنة" ٨٧/٢، "هدية العارفين" ٣٥١/١).
(٢) لم نقف على تخريجه .
(٣) لم نقف على تخريجه.
· لبعضهم:
إن حادي عشرین شهر جمادى
ذكروا الشهر وهو مع رمضان
وتعدّوا في حذف واو وإثبا
قال ذلك المحقق ابن هشام
في كلام الشهود لحن قبيح
والربيعين ، غير ذا لم يبيحوا
ت النون والعكس حكم صحيح
. اهـ منه
جاد مثواه صوب غيث فسيح
(٤) "الصحاح": مادة ((صوم)) بتصرف.
(٥) "المغرب": مادة ((صوم)) باختصار.

الجزء السادس
١٨١ -
کتاب الصوم
عن المُفطِراتِ) الآتيةِ (حقيقةً أو حكماً) كمَن أكل ناسياً، فإنَّه مُمسِكٌ حكماً (في
وقتٍ مخصوصٍ) وهو اليومُ (مِن شخصٍ مخصوصٍ).
ومِن مجازه: صام الفرسُ إذا لم يَعتِلِفْ، وقولُ "النابغة"(١):
خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ ))،
!! (٢)
"نھر
[٨٧٧٢] (قولُهُ: عن المفطراتِ الآتيةِ) أشار بالآتية إلى أنَّ أل للعهد، وأنَّ المراد الأشياءُ المعدودة
المعلومة في باب مفسدات الصوم، فلا تتوقّفُ معرفتُها على معرفته، فلا دورَ، فافهم.
(٨٧٧٣] (قولُهُ: فإنَّه ممسِكٌ حكماً) لحكمِ الشَّارع بعدمِ اعتبار ذلك الأكلِ [٢/ق٢٨٢/ب]
مثلاً.
[٨٧٧٤] (قولُهُ: وهو اليومُ) أي: اليومُ الشرعيُّ من طلوع الفجر إلى الغروب، وهل المرادُ أوَّلُ
زمانِ الطلوع أو انتشارُ الضوء؟ فيه خلافٌ كالخلاف في الصلاة، والأوَّلُ أحوطُ، والثاني أوسعُ كما
قال "الحلوانيُّ" كما في "المحيط "(٣)، والمرادُ بالغروب زمانُ غيبوبةِ حِرْمِ الشمس بحيث تظهرُ الظلمة
في جهة الشَّرِق، قال:﴿: ((إذا أقبَلَ الليل من ههنا فقد أفطَرَ الصائم))(٤)، أي: إذا وُجِدَت الظلمةُ
حِسَّاً في جهةِ المشرق فقد ظهَرَ وقتُ الفطر، أو صار مُفطِراً في الحكم؛ لأنَّ الليل ليس ظرفاً
(١) في "ديوانه" ص١١٢-، وعجزه: تحت العَجاج وخيل تَمْلُكُ اللُّجُما، وهو في "الكامل" ٩٩٢/٢، و"مقاييس اللغة":
مادة ((صوم))، و"اللسان": مادة (علك ، صوم).
(٢) "النهر": كتاب الصوم ق١١٦/ب.
(٣) "المحيط البرهاني": كتاب الصوم - الفصل الأول في بيان وقت الصوم وما يتصل به ١/ق١٧٥/ب.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٢٩/٢ كتاب الصيام - باب في تعجيل الإفطار وما ذكر فيه، وأحمد ٣٨٠/١، ٣٨١، ٣٨٢،
والبخاري (١٩٤١) كتاب الصوم - باب الصوم في السفر والإفطار، ومسلم (١١٠٠) كتاب الصيام - باب وقت
انقضاء الصوم وخروج النهار، وأبو داود (٢٣٥٢) كتاب الصوم - باب وقت فطر الصائم، والبيهقي في "السنن
الكبرى" ٢١٦/٤ كتاب الصيام - باب الوقت الذي يحل فيه فطر الصائم، وابن حبان (٣٥١١) و(٣٥١٢) كتاب
الصوم - باب الإفطار وتعجيله، كلُّهم من حديث عبد الله بن أبي أوفى ظلَّه مرفوعاً، وفي الباب عن عمر،
وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعدّ.

قسم العبادات
١٨٢
حاشية ابن عابدين
مسلمٍ كائنٍ في دارنا، أو عالِمٍ بالوجوب، طاهرٍ عن حيضٍ أو نفاسٍ (مع النَّةِ).
للصَّم، وإنما أُدِّيَ بصورةِ الخبر ترغيباً في تعجيل الإفطار كما في "فتح الباري"(١)، "قُهُستاني)"(٢).
[٨٧٧٥] (قولُهُ: مسلمٍ إلخ) بيانٌ للشَّخص المخصوص.
[٨٧٧٦] (قولُهُ: كائنٍ في دارِنا إلخ) أنت خبيرٌ بأنَّ الكلام في بيانٍ حقيقة الصَّوم شرعاً، أي:
٨٠/٢ ما يمكن أنْ يتحقَّقَ به، ولا يخفى أنَّ الصوم الذي هو الإمساكُ عن المفطرات نهاراً بنَّته يتحقَّقُ من
المسلم الخالي عن حيضٍ ونفاسٍ، سواءٌ كان في دارِ الإسلام أو دارِ الحرب، عَلِمَ بالوجوب أوْ لا،
على أنَّ الكلام في تعريف الصوم فرضاً أو غيرَهُ، والعلمُ بالوجوب أو الكونُ في دار الإسلام إنما هو
شرطٌ لوجوبِ رمضان كالعقل والبلوغ، لا شرطٌ للصحَّة، فالمناسبُ الاقتصار على قوله: ((طاهرِ
إلخ))، ثمَّ رأيتُ "الرَّحمتيَّ" ذكَرَ نحو ما قلتُهُ، فافهم.
[٨٧٧٧] (قولُهُ: أو عالِمٍ بالوجوب) أي: أو كائنٍ في غيرِ دارنا عالِمٍ بالوجوب، فالكونُ
بدار الإِسلام مُوجِبٌ للصوم وإنْ لم يعلم بوجوبه؛ إذ لا يُعذَرُ بالجهل في دارِ الإِسلام بخلاف مَن
أسلَمَ في دار الحرب ولم يَعلَمْ به، فإنَّه لا يجبُ عليه ما لم يَعلَم، فإذا عَلِمَ ليس عليه قضاءُ
مامضى؛ إذ لا تكليفَ بدون العلم ثَمَّةَ للعذر بالجهل، وإنما يحصلُ له العلم الموجِبُ باخبارِ
رجلين أو رجلٍ وامرأتين مستورين أو واحدٍ عدل، وعندهما لا تُشترَطُ العدالة ولا البلوغ
والحريَّة كما في "إمداد الفتّاح"(٣).
[٨٧٧٨) (قولُهُ: طاهرٍ عن حيضٍ أو نفاسٍ) أي: خالٍ عنهما، وإلاَّ فالطهارةُ عن حدثِهما
غیرُ شرطٍ.
(قولُهُ: وإنما أُدِّيَ إلخ) أي: الأمرُ كما هو في عبارة "القهستانيّ".
(١) "فتح الباري": ١٩٦/٤.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصوم ٢١٣/١.
(٣) "الإمداد": كتاب الصوم - فصل فيما يثبت به الهلال وفي صوم الشك وغيره ق٣٣٧/أ.

الجزء السادس
١٨٣
كتاب الصوم
المعهودةِ، وأمَّا البلوغُ والإفاقةُ فليسا مِن شرطِ الصحَّة لصحَّةٍ صومِ الصبيِّ ومَن
جُنَّ أو أُغمِيَ عليه بعد النَّة، وإنما لم يصحَّ صومُهما في اليوم الثاني لعدم النَّة.
وحكمُهُ: نَيْلُ الثَّوابِ ولو منهيّاً عنه كما في الصلاة في أرضٍ مغصوبةٍ.
(وسببُ صومٍ) المنذورِ النَّذْرُ، ولذا لو عيَّنَ شهراً وصام شهراً قبله عنه أجزَأَهُ
لوجودِ السَّبب.
[٨٧٧٩] (قولُهُ: المعهودةِ) هي نيَّةُ الشَّخصِ المذكور الصومَ في وقتها الآتي بيانه(١).
[٨٧٨٠] (قولُهُ: وأمَّا البلوغُ والإفاقةُ إلخ) جوابٌ عمَّا قد يقال: لِمَ لَمْ تُقِّد الشخصَ
المخصوص بالبلوغ والإفاقة [٢/ق٢٨٣/أ] من الجنون أو الإغماء أو النوم؟ وبيانُ الجواب أنَّ
الكلام في تعريف الصوم الشرعيِّ، وذلك بذكرِ ركنه - وهو الإمساك المذكور - وذكرٍ ما تتوقّفُ
عليه صحَُّهُ، وهي ثلاثةٌ: الإِسلامُ، والطهارةُ عن الحيض والنفاس، والنّة كما في "البدائع"(٢)،
ولم يذكر في "الفتح" الإسلامَ لإغناء النَّةِ عنه؛ إذ لا تصحُّ بدونه، وليس البلوغُ والإفاقةُ من شروط
الصحَّة لصحَّتِهِ بدونهما كما ذكَرَهُ، نعم هما من شروطِ وجوب رمضان، وهي أربعةٌ، ثالثُها
الإسلامُ، ورابعُها العلمُ بالوجوب أو الكونُ في دارنا، فلا محلَّ للتقييد بهما، على أنَّ الكلام
في تعريفِ مطلقِ الصوم لا خصوصٍ صوم رمضان كما مرَّ(٣)، ولذا لم يَذكُرْ شروطَ وجوب
أدائه، وهي ثلاثةٌ: الصحَّةُ، والإقامةُ، والخلوُّ من حيضٍ ونفاسٍ.
[٨٧٨١] (قولُهُ: وحكمُهُ) أي: الأخرويُّ، أمَّا حكمُهُ الدنيويُّ فهو سقوطُ الواجب إنْ كان
صوماً لازماً، "بحر "(٤).
[٨٧٨٢] (قولُهُ: ولو منهيّاً عنه) كصومٍ الأَيَّام الخمسة؛ إذ النهيُ لمعنىّ مجاورٍ، وهو الإعراضُ
(١) صـ ٢٠٤ - "در".
(٢) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: أما شرائطها ٨٣/٢.
(٣) المقولة [٨٧٦٩] قوله: ((وتعقب إلخ)).
(٤) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٧/٢.

قسم العبادات
١٨٤
حاشية ابن عابدين
ويلغو التَّعيين،
عن ضيافةِ الله تعالى، وهو يفيدُ أنَّ في صومها ثواباً كالصلاة في الأرض المغصوبة، ذكَرَهُ في
"النهر"(١) رادًّاً على "البحر"(٢) قولَهُ: ((إنّ لا ثوابَ في صوم الأيّام المنهيّة))، فكلامُ "الشارح" بحثٌ
لصاحب "النهر"، "ط"(٣).
قلت: صرَّحَ في "التلويح"(٤): ((بأنَّ الخلاف بيننا وبين "الشافعيِّ" في أنَّ النهي يقتضي
الصحَّةَ عندنا بمعنى استحقاق الثواب وسقوطِ القضاء وموافقةٍ أمر الشارع))، ثمَّ نقَلَ(٥) عن
"الطريقة المعينَّة"(٦) ما حاصلُهُ: ((أَنَّ الصوم في هذه الأيّام تركٌ للمفطراتِ الثلاثِ وإعراضٌ عن
الضيافة، فمِن حيث الأوَّلُ يكون عبادةً مستحسنةً، ومن حيث الثاني يكون منهيّاً، لكنَّ الأوَّلَ
بمنزلةِ الأصل والثانيَ بمنزلة التابع، فبقي مشروعاً بأصلِهِ غيرَ مشروعٍ بوصفه)) أهـ.
لكنْ بَحَثَ محشِّيه "الفنريُّ" في إرادةِ استحقاق الثواب، بل المرادُ ما سواها، والصحَّةُ
لا تقتضي الثوابَ كالوضوء بلائيّةٍ والصلاةِ مع الرِّياء اهـ.
قلت: ويؤيِّدُهُ وجوبُ الفطر بعد الشُّروع، وتصريحُهم بأنَّه معصيةٌ.
[٨٧٨٣] (قولُهُ: ويلغو التعيينُ) من هذا يُؤخَذُ أَنَّه لو نذَرَ صوم الإثنين [٢/ق ٢٨٣/ب]
(قولُهُ: قلت: ويؤيِّدُهُ وجوبُ الفطر إلخ) الأظهرُ أنَّ المسألة خلافيَّةٌ.
(١) "النهر": كتاب الصوم ق١١٦/ب.
(٣) "ط": كتاب الصوم ٤٤٠/١.
(٤) "التلويح على التوضيح": الركن الأول - الباب الثاني - فصل: النهي إما عن الحسيات وإما عن الشرعيات ٢١٧/١.
(٢) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٧/٢.
(٥) "التلويح على التوضيح": الركن الأول - الباب الثاني - فصل: النهي إما عن الحسيات وإما عن الشرعيات ٢١٩/١.
(٦) المسمى "الطريقة في الخلاف والجدل": لأبي حامد محمد بن إبراهيم بن أبي الفضل، معين الدين السّهلي الجاجَرْمي
الشافعي (ت٦١٣هـ). ("كشف الظنون" ١١١٣/٢، "وفيات الأعيان" ٢٥٦/٤، "طبقات السبكي" ١٩/٥).

الجزء السادس
١٨٥
کتاب الصوم
والكفَّاراتِ الحِنْثُ والقَتْلُ، و (رمضانَ شهودُ جزءٍ من الشَّهرِ) من ليلٍ أو نهارٍ على
المختار كما في "الخَبَّازِيَّة"، واختار "فخر الإسلام" وغيرُهُ: (( أنّه الجزءُ الذي يمكنُ
إنشاءُ الصَّوم فيه من كلِّ يومٍ،
والخميس من كلِّ أسبوعٍ يصحُّ صومُ غيرِهما عنهما، "ط"(١).
قلت: وهذا في غيرِ النذر المعلِّق؛ لِما سيأتي(٢) قبيل الاعتكاف من قوله: ((والنذرُ غيرُ المعَلَّقِ
لا يختصُّ بزمانٍ ومكانٍ ودرهمٍ وفقيرٍ بخلاف المعلَّق، فإنّه لا يجوزُ تعجيلُهُ قبل وجودِ الشَّرط)) اهـ.
أي: لأنَّ المعلِّق على شرطٍ لا ينعقدُ سبباً للحال، وسيأتي(٣) تمامُ الكلام على هذه المسألة هناك.
[٨٧٨٤] (قولُهُ: والكفَّاراتِ) أي: سببُ صومها الحنثُ والقتل، أي: قتلُ النفس خطأً أو قتلُ
الصَّيدِ مُحرِماً، والأَولى قولُ "الفتح"(٤): ((وسببُ صوم الكفَّارات أسبابُها من الحنث والقتل)) اهـ.
لأنَّ منها العزمَ على العَوْدِ في الظِّهار، والإفطارَ في فطر رمضان، والحلقَ في حلق المحرم لعذرٍ.
[٨٧٨٥] (قولُهُ: على المختارِ) اختارَهُ "السرخسيُّ) (٥)، "بحر "(٦).
[٨٧٨٦] (قولُهُ: وغيرُهُ) كالإِمام "الدبوسيِّ" و"أبي اليسر"، "بحر "(٧).
[٨٧٨٧] (قولُهُ: الذي يمكنُ إنشاءُ الصوم فيه) وهو ما كان من طلوع الفجر الصادق إلى قبيلِ
(قولُهُ: والأَولى قولُ "الفتح" إلخ) فإنَّ قوله: ((أسبابُها)) شاملٌ للكفَّارات الستِّ وإنْ كان في البيان
بعدهُ قصورٌ.
(١) "ط": كتاب الصوم ٤٤٠/١.
(٢) صـ ٣٩٦-٣٩٧ - "در".
(٣) المقولة [٩٤٠٥] قوله: ((فإنه لا يجوز تعجيله إلخ)).
(٤) "الفتح": كتاب الصوم ٢٣٤/٢.
(٥) "أصول السرخسي": فصل في بيان أسباب الشرائع ١٠٤/١.
(٦) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٦/٢.
(٧) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٦/٢.

قسم العبادات
١٨٦
حاشية ابن عابدين
حتّى لو أفاقَ المجنونُ في ليلةٍ أو في آخِرِ أَيَّامِهِ بعد الزَّوال لا قضاءَ عليه))، وعليه الفتوى
الضَّحوة الكبرى، أمَّا الليلُ والضَّحوة وما بعدها فلا يمكنُ إنشاءُ الصوم فيهما، والموجودُ في الليل
مجرَّدُ النَّة لا إنشاءُ الصوم، "ط"(١). لكنْ صرَّحَ في "البحر"(٢): ((بأنَّ السَّبب هو الجزءُ الذي
لا يتجزّأُ من كلِّ يومٍ، فيجبُ مقارناً إِيَّاه)) اهـ. وهذا يقتضي أنَّه الجزءُ الأوَّلُ من كلِّ يومٍ كما
صرَّحَ بِه غيرُهُ أيضاً، وصرَّحَ به (٣) هو في فصل العوارض عند قول "الكنز)(٤): ((ولو بلَغَ صبِيٌّ
أو أسلَمَ كافرٌ إلخ))، ودفَعَ ما أورَدَهُ "ابن الهمام)"(٥): ((من أَنَّه يلزمُ مقارنةُ السَّبب للوجوب،
أو تقدُّمُ الوجوب على السَّبب)): ((بأَنَّه يجوزُ مقارنُهُ له للضَّرورة كما لو شرَعَ في الصلاة
في أوَّلِ جزءٍ من الوقت، فإنَّه يسقطُ اشتراطُ تقدُّمِ السَّب على الوجوب المسبَّبِ الضَّرورة كما
٨١/٢ صرَّحَ به في "الكشف الكبير"(٦))، وتمامُ الكلام هناك، فتأمَّل.
[٨٧٨٨] (قولُهُ: حَتَّى لو أفاقَ المجنونُ في ليلةٍ) أي: من أوَّلِ الشَّهر أو وسطِهِ، ثمَّ ◌ُنَّ قبل
أن يُصبح ومضى الشَّهرُ وهو مجنونٌ، "بحر "(٧). وقولُهُ: ((أو في آخرِ أَيَّمه بعد الزَّوَال)) كذا وقَعَ
في "البحر "(٨) وغيره، والأحسنُ قول "الإِمداد" (٩): ((أو فيما بعدَ الزَّوال من يومٍ منه))، ومثلُهُ
(قولُهُ: بأنَّه يجوزُ مقارنتُهُ له إلخ) في "مجمع الأنهر": ((السَّببُ الجزءُ الأوَّلُ من كلِّ يومٍ لا كُلُّهُ
- وإلاَّ لَزِمَ أنْ يجِبَ بعد تمام ذلك اليوم - ولا الجزءُ المطلق، وإلاّ لوجَبَ صومُ يومٍ بَلَغَ فيه الصبيِّ))
انتهى. اهـ "سندي".
(١) "ط": كتاب الصوم ٤٤٠/١.
(٢) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٦/٢.
(٣) أي: صاحب "البحر": كتاب الصوم ٣١٠/٢.
(٤) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصوم - فصل في العوارض ١٠٤/١.
(٥) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٢٨٣/٢ ملخصاً.
(٦) "كشف الأسرار": باب بيان أسباب الشرائع ٦٣٦/٢.
(٧) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٦/٢.
(٨) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٦/٢.
(٩) "الإمداد": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم من غير كفارة ق٣٣٦/أ.

الجزء السادس
١٨٧
كتاب الصوم
في "شرح التحرير"(١)، وفي "نور الإيضاح"(٢): ((ولا يلزمُهُ قضاؤه بإفاقته ليلاً أو نهاراً بعد فواتٍ
وقت النَّة في الصحيح)).
قلت: ولعلَّ التقييد بآخرِ يومٍ منه مبنيٌّ على أنَّ المراد الإفاقةُ التي لم يَعقُبها جنونٌ، فإنَّها
إذا كانت في وسطِهِ لا شكَّ في وجوبِ القضاء، والمرادُ بما بعد الزَّوال [٢/ق ٢٨٤/ أ] ما بعدَ
نصف النهار الشرعيِّ، أي: ما بعد الضَّحوة الكبرى كما مرَّ(٣) آنفاً، أو هو مبنيٌّ على قول
"القدوريِّ" كما يأتي(٤) تحريرُهُ، فافهم.
( تنبيةٌ )
تفريعُ هذه المسألة على ما ذكَرَهُ من الاختلاف في السَّبب يخالفُهُ ما في "الهداية"(٥)، حيث
جَمَعَ بين القولين: ((بأنَّه لا منافاةَ))، فشهودُ جزءٍ منه سببٌ لكلِّه، ثمَّ كلُّ يومٍ سببُ وجوب
أدائه، غايةُ الأمر أَنَّه تكرَّرَ سببُ وجوب صوم الیوم باعتبار خصوصِهِ ودخوله في ضمن غیره
(قولُهُ: ولعلَّ التقييد بآخرِ يومٍ منه مبنيٌّ على أنَّ المرادَ الإفاقةُ إلخ) قال في "حاشيته" على "البحر":
((والظاهرُ أنَّ المراد - أي: من قول "البحر": وكذا لو أفاقَ في آخرِ يومٍ من رمضانَ بعد الزَّوال - الإفاقةُ
المستمرَّة التي لم يَعقُبْها جنونٌ، وإلاَّ فالإفاقةُ التي يعقُّبُها جنونٌ لا فرقَ فيها إذا كانت بعد الزَّوال بين
أنْ تكون في آخرِ يومٍ أو في وسطِ الشَّهر لأنها ليست في وقت النية)) اهـ. وهذا أوضحُ مما ذكرَهُ هنا،
على أنَّ اعتبار وقت النَّة لا يوافقُ ما جرى عليه من أنَّ السَّبب الجزءُ الأوَّل، تأمَّل.
(قولُهُ: بأنّه لامنافاةَ) عبارة "الفتح" و"البحر": ((لأنّه إلخ)).
(١) "التقرير والتحبير": المقالة الثانية - الباب الأول - الفصل الرابع: بيان أحكام عوارض الأهلية ١٧٥/٢.
(٢) "نور الإيضاح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم ويوجب القضاء من غير كفارة صـ٨ ٣٠ -.
(٣) المقولة [٨٧٨٧] قوله: ((الذي يمكن إنشاء الصوم فيه)).
(٤) المقولة [٨٨٢٩] قوله: ((إلى الضحوة الكبرى)).
(٥) "الهداية": كتاب الصوم ١١٢/١.

قسم العبادات
١٨٨
حاشية ابن عابدين
كما في "الفتح"(١)، ويؤيِّدُ ما قلناه قولُ "ابن نجيمٍ" في "شرح المنار"(٢): ((ولم أر مَن ذكَرَ لهذا
الخلافِ ثمرةً في الفروع)) اهـ، تأمَّل.
(قولُهُ: ويؤيِّدُ ماقلناه قولُ "ابن نجيم" إلخ) وجهُهُ أَنّه لو كان الخلاف حقيقيًّاً لَمَا نفى رؤيةَ الثَّمرة
لهذا الخلاف، وظاهرُ كلامه أنَّ الفروع لا خلافَ فيها ولكن لا تساعدُ عباراتُهم، ثمَّ رأيتُ المحشِّيَ
كَتَبَ في "حاشية البحر" على قوله: ((وجمع في "الهداية" بين القولين ما نصُّهُ: مقتضى ما ذكره من أنَّ
الاختلاف في المسائل الثلاث مبني على الاختلاف في السَّبب، وثمرة له أنْ لا تتنافى أحكامُها حيث
جمع بين كلٍّ من القولين، أو أنْ لا يكونَ الخلافُ مبنيّاً على الاختلاف في السَّبب، فلا يصحُّ قوله:
وثمرةُ الاختلاف إلخ، ومما يؤيِّدُ هذا الأخيرَ قولُ المؤلّف في "شرحه" على "المنار": ولم أر مَن ذكَرَ لهذا
الخلافِ ثمرةً في الفروع، فليتأمَّل )) اهـ.
والظاهرُ: أنَّ ما في "الهداية" ليس فيه جمعٌ بين القولين، وأَنَّه لا خلاف في الحقيقة، بل المذكورُ فيها
أنَّ سبب وجوب صوم رمضانَ الشَّهرُ، وكلُّ يومٍ سببُ وجوبِ صومِهِ، ولا منافاةَ في ذلك على ما بَّنَهُ فِي
"الفتح"، ولا يُتوهَّمُ ارتفاع الخلاف بما ذكرَهُ في "الهداية"، وعلى هذا لا يصحُّ نفيُ الثَّمرة لهذا الخلاف
وإنْ قال في "شرح المنار": ((ولم أر لهذا الخلافِ ثمرةً))، ثمَّ رأيتُ في "تفسير الطبريّ": ((كان
"أبو حنيفة" وأصحابه يقولون: مَن دخَلَ عليه شهرُ رمضان وهو صحيحٌ عاقلٌ بالغٌ فعليه صومُهُ، فإنْ حُنَّ
بعد دخوله وهو بالصفة التي وصفنا، ثُمَّ أفاقَ بعد انقضائه لَزِمَهُ قضاءُ ما كان فيه من أَيَّامِ الشَّهر مغلوباً
على عقله؛ لأنّه كان ممن شَهِدَهُ وهو ممن عليه فرضٌ، وكذا لو دخَلَ عليه وهو مجنونٌ إلاَّ أَنَّه ممن لو كان
صحيحَ العقل كان عليه صومُّهُ، فلم يَنْقَضِ الشَّهر حتَّى صَحَّ وبَرِئَّ أو أفاقَ قبل انقضائه بيومٍ فإنَّه عليه
قضاءُ الشَّهر كلّه سوى اليومِ الذي صامَهُ بعد إفاقته؛ لأَنَّ ممن شَهِدَ الشَّهر، ولو دخل عليه وهو مجنونٌ
فلم يُفِقْ حَتَّى انقضى كلُّهُ لم يلزمه قضاءُ شيءٍ؛ لأنَّه لم يكن ممن شَهِدَهُ مكلّفاً صومَهُ)).
(١) "الفتح": كتاب الصوم ٢٣٤/٢.
(٢) انظر "فتح الغفار": حكم ما كان الوقت فيه ظرفاً للمؤدى - اشتراط نية التعيين ٧٣/١.

الجزء السادس
١٨٩
کتاب الصوم
كما في "المجتبى" و"النهر"(١) عن "الدراية"، وصحَّحَهُ غيرُ واحدٍ، وهو الحقُّ كما
في "الغاية".
[٨٧٨٩] (قولُهُ: كما في "المجتبى") ونصُّهُ: ((ولو أفاقَ أوَّلَ ليلةٍ من رمضانَ، ثُمَّ أَصَبَحَ
مجنوناً واستوعَبَ كلَّ الشهر اختلَفَ أئمّة بخارى فيه، والفتوى على أنَّه لا يلزمُهُ القضاء؛
لأَنَّ الليلة لا يُصامُ فيها، وكذا إنْ أفاقَ في ليلةٍ من وسطِهِ، أو في آخرِ يومٍ من رمضان بعد
الزَّوال، وقبل الزَّوال يلزمُهُ)) اهـ
[٨٧٩٠] (قولُهُ: وصحَّحَهُ غيرُ واحدٍ) كصاحب "النهاية" و"الظهيريَّة"(٢)، "بحر "(٣).
و"قاضي خان" (٤) و"العنايةِ"(٥)، "شرنبلاليَّة"(٦). ومشى عليه "الإسبيجابيُّ" و"حميدُ الدِّين
الضرير" من غيرِ حكايةِ خلافٍ، "شرح التحرير"(٧). ومشى عليه في "نور الإيضاح"(٨).
قلت: وكذا نقَلَ تصحيحَهُ في "الذَّخيرة"، لكنْ نقل أيضاً تصحيحَ لزوم القضاء،
ومشى عليه في "الفتح"(٩) قائلاً: ((لا فرق بين إفاقته وقتَ النَّة أو بعده))، وفي "شرح
الملتقى" لـ "البهنسيِّ": ((أَنَّه ظاهرُ الرِّواية)).
(١) "النهر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ق ١٣٥/أ.
(٢) "الظهيرية": كتاب الصوم - فصل فيمن يجب عليه الصوم ق ٦٠/أ - ب.
(٣) "البحر": كتاب الصوم - فصل في العوارض ٣١٢/٢.
(٤) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل الأول في رؤية الهلال ومن يجب عليه الصوم ومن لا يجب ١٩٩/١ (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٥) "العناية": كتاب الصوم ٢٨٥/٢ (هامش "فتح القدير").
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الفساد ٢١١/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٧) "التقرير والتحبير": المقالة الثانية - الباب الأول - الفصل الرابع: بيان أحكام عوارض الأهلية ١٧٥/٢.
(٨) "نور الإيضاح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم ويوجب القضاء من غير كفارة صـ٣٠٨ -.
(٩) "الفتح": كتاب الصوم ٢٨٦/٢.

قسم العبادات
١٩٠
حاشية ابن عابدين
(وهو) أقسامٌ ثمانيةٌ: (فرضٌ) وهو نوعان: مُعَيَّنٌ (كصومٍ رمضانَ أداءً، و) غيرُ
مُعَيَّنٍ كصومِهِ (قضاءً وصومِ الكفَّارات).
قلت: ومثلُهُ في "شرح التحرير"(١) عن "الكشف"(٢)، وعزاه في "البدائع"(٣) إلى أصحابنا،
ولم يَحْكِ غيرَهُ، وكذا في "السِّراج"(٤)، وجزَمَ به "الزيلعيُّ))(٥)، وهو ظاهرُ "القدوريِّ" (٦)
و"الكنز"(٧) و"الهداية"(٨)، حيث أطلقوا لزومَ القضاء بإفاقةِ بعض الشَّهر، وكذا في "الجامع
الصغير"(٩) قال: ((وإِنْ أفاقَ شيئاً منه قضاه))، وعبَّرَ في "الملتقى"(١٠) بـ: ((إفاقةِ ساعةٍ))،
وفي "المعراج": ((لو كان مُفيقاً في أوَّلِ ليلةٍ منه، ثمَّ ◌ُنَّ وأصبَحَ مجنوناً إلى آخرِ الشَّهر قضاه كلَّهُ
بالاتّفاق غيرَ يومٍ تلك الليلة))، ثمَّ نقل عبارةً "المجتبى" المارَّةَ(١١).
والحاصلُ: أَنَّهما قولان مُصحَّحان، وأنَّ المعتمد الثاني لكونه ظاهرَ الرِّواية والمتون.
[٨٧٩١] (قولُهُ: وهو أقسامٌ ثمانيةٌ) فرضٌ معيَّنٌ وغيرُ معَيّنٍ، وواجبٌ كذلك، ونقلٌ مسنونٌ
أو مستحبٌّ، ومكروه تنزيهاً أو تحريماً.
(٨٧٩٢] (قولُهُ: معيَّنٌ) أي: له وقتٌ خاصٌّ.
(١) "التقرير والتحبير": المقالة الثانية - الباب الأول - الفصل الرابع: بيان أحكام عوارض الأهلية ١٧٥/٢.
(٢) "كشف الأسرار": باب الأمور المعترضة على الأهلية ٤٤٣/٤.
(٣) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: أما هلال ذي الحجة ٨٨/٢.
(٤) "السراج الوهاج": کتاب الصوم - فصل فیما یکره في الصيام ١/ق ٥١٠/أ - ب.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم ٣١٣/١.
(٦) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الصوم ١٧٣/١.
(٧) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصوم - فصل في العوارض ١٠٤/١.
(٨) "الهداية": كتاب الصوم ١٢٨/١.
(٩) "الجامع الصغير": كتاب الصوم - باب من أغمي عليه صـ١٣٨ -.
(١٠) "ملتقى الأبحر": كتاب الصوم - فصل من يباح له الفطر ٢٠٤/١.
(١١) المقولة [٨٧٨٩] قوله: ((كما في "المجتبى")).

الجزء السادس
١٩١
كتاب الصوم
لكنَّه فرضٌ عملاً لا اعتقاداً، ولذا لا يُكفَرُ جاحدُهُ، قاله "البهنسيُّ" تبعاً لـ "ابن الكمال".
(وواجبٌ) وهو نوعان: مُعَيَّنٌ (كالنَّذْر المعَيَّن، و) غيرُ معيَّنِ كالنَّذْر (المطلق) وأمَّا
قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوْنُذُورَهُمْ﴾ [الحج - ٢٩]، فدخَلَّهُ الخصوصُ كالنَّذْر
بمعصيةٍ، فلم يَبْقَ قطعياً.
[٨٧٩٣] (قولُهُ: لكنَّه) أي: صومَ الكفَّارات. [٢/ق٢٨٤/ب]
[٨٧٩٤] (قولُهُ: تبعاً لـ "ابن الكمال") حيث قال في "إيضاح الإصلاح": ((وصومُ الَّذِرِ
والكفَّارة واجبٌ لم ينعقد الإجماعُ على فرضَّةٍ واحدٍ منهما، بل على وجوبِهِ، أي: ثبوتِهِ عملاً
لا علماً، ولهذا لا يُكفَرُ جاحدُهُ)) اهـ
وحاصلُهُ: أَنَّه وإنْ تَبَتَ لزومُ كلٍّ منهما عملاً بالكتاب والإجماع لكنْ لم يثبت لزومُهما
علماً بحيث يُكفَرُ جاحدُ فرضَّتِهما كما هو شأنُ الفروضِ القطعَيَّةِ كرمضانَ ونحوه، وعلى هذا
فكان المناسبُ ذكرَ الكفَّارات في قسم الواجبِ كما فعَلَ "ابن الكمال"؛ لأنَّ الفرض العمليَّ الذي
هو أعلى قسمى الواجب ما يقُوتُ الجوازُ بفَوْته كالوتر، وهذا ليس منه.
[٨٧٩٥] (قولُهُ: كالنَّذِ المعَّنِ) أي: بوقتٍ خاصٍّ كنذرٍ صومٍ يوم الخميس مثلاً، وغيرُ المعَّنِ
كنذرٍ صومٍ يومٍ مثلاً، ومن الواجب صومُ التطوُّعِ بعد الشُّروعِ فيه، وصومُ قضائه عند الإفسادِ،
وصومُ الاعتكاف.
[٨٧٩٦] (قولُهُ: وأمَّ قولُهُ تعالى إلخ) أي: إنَّ مقتضى ثبوتِ الأمر به في الآيةِ القطعيَّةِ كونُهُ
فرضاً، والجوابُ أَنَّه خُصَّ منها النَّذرُ بالمعصية بالإجماع، فصارت ظنيَّةَ الدِّلالةِ، فتفيدُ الوجوبَ،
(قولُهُ: وصومُ النَّذْرِ والكفَّارةِ واجبٌ إلخ) قال "الرحمتيُّ": ((وهو مُشكِلٌ في الكفَّارات؛ لأَنَّه ثابتٌ
بالقرآن ما عدا كفَّارةَ الإفطار، وذلك قطعيُّ النُّبوت والدِّلالة، وقد خرَجُوا عن ذلك في النَّذْرِ بأَنَّه دخَلَهُ
التخصيصُ فصار ظنّاً، فليحرَّر )) اهـ
(قولُهُ: لأنَّ الفرضَ العمليَّ إلخ) أي: فلم تصحَّ إرادتُهُ في كلام "المصنّف".
(قولُهُ: كَنَذْرِ صومٍ يومِ الخميس إلخ) فيه أنَّ لا يتعيّنُ اليومُ فِي الَّذْر بالتَّعيين، إلاَّ أنْ يقال: المرادُ أنّه
معيَّنٌ بتعيين النَّاذر فقط، والشارعُ لم يُوجِب هذا التعين، تأمَّل.

قسم العبادات
١٩٢
حاشية ابن عابدين
(وقيل:) قائلُهُ "الأكملُ" وغيرُهُ، واعتمَدَهُ "الشرنبلاليُّ))(١)، لكنْ تعَقْبَهُ "سعدي"
بالفَرْقِ: (( بأنَّ المنذورة لا تُؤْدَّى بعد صلاة العصر بخلاف الفائتة )) (هو فرضٌ على
الأظهرِ) كالكفّارات، يعني: عملاً؛ لأنَّ مطلق الإجماع لا يفيدُ الفرضَ القطعيَّ ......
وفيه بحثٌ لصاحب "العناية"(٢) مذكورٌ مع جوابِهِ في "النهر" (٣).
[٨٧٩٧] (قولُهُ: قائلُهُ "الأكمل") فيه أنَّ "الأكمل" قرَّرَ في "العناية(٤) الوجوبَ، إلاَّ أنْ يكون
وقَعَ له في غيرِ هذا الموضع، والذي في "البحر"(٥) وغيره: ((أنَّ قائلَهُ "الكمال"))، فلعلَّهُ سبَقَ قلمُ
"الشارح" لتشأبُهِ اللفظين، أفاده "ح"(٦). وكلامُ "الكمال" في "الفتح"(٧) حاصلُهُ أنَّ الفرضيَّة
مستفادةٌ من الإجماعِ على اللُّومِ لا من الآية لتخصُّصِها كما علمتَ.
[٨٧٩٨] (قولُهُ: لكنْ تعقبَّهُ "سعدي" إلخ) أي: في "حاشية العناية"(٨)، فإنَّه نقَلَ عبارةَ
"الفتح"، ثُمَّ اعترضَهُ: ((بأَنَّه ليس على ما ينبغي لِما في أوائل كتاب السِّير من "المحيط البرهانيِّ" (٩)
و "الدَّخيرة": والفرقُ بين الفريضة والواجب ظاهرٌ نظراً إلى الأحكامِ، حتّى إنَّ الصلاة المنذورة
لا تُؤَدَّى بعد صلاة العصر، وتُقَضَى الفوائتُ بعد صلاةِ العصر)) اهـ. وحاصلُهُ أنَّ ما ذكرَ صريحٌ
في أنَّ المنذور واجبٌ لا فرضٌ.
[٨٧٩٩] (قولُهُ: يعني عملاً) هذا صلحٌ بما لا يرتضيه الخصمان، فإنَّ المستدلَّ على فرضيَّته
(١) "الشرنبلالية": كتاب الصوم ١٩٧/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "العناية": كتاب الصوم ٢٣٤/٢ (هامش "فتح القدير").
(٣) "النھر": کتاب الصوم ق١١٧/أ - ب.
(٤) "العناية": كتاب الصوم ٢٣٤/٢ (هامش "فتح القدير").
(٥) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٧/٢.
(٦) "ح": كتاب الصوم ق١٢٥/ب.
(٧) "الفتح": كتاب الصوم ٢٣٥/٢.
(٨) "الحواشي السعدية": كتاب الصوم ٢٣٤/٢ (هامش "فتح القدير").
(٩) "المحيط البرهاني": الفصل الأول في بيان صفة الجهاد ٢/ق ٥٤ ٤/أ.

الجزء السادس
١٩٣
کتاب الصوم
كما بسَطَهُ "خسرو"
بالآية أرادَ به أَنَّه فرضٌ قطعيٌّ - كما صرَّحَ به في "الدُّرر"(١) - لا ظنّيٌّ، ولذا اعتَرَضَ في "الفتح"(٢)
الاستدلالَ بالآية: ((بأَنَّها لا تفيدُ الفرضيَّة لِما مرَّ(٣) من تخصُّصِها))، وعدَلَ عنه كـ "صدرِ
الشريعة"(٤) إلى الاستدلال بالإجماع.
٨٢/٢
[٨٨٠٠] (قولُهُ: كما بسَطَهُ "خسرو") أي: في [٢/ق٢٨٥/أ] "الدُّرر"(٥)، حيث أجابَ عن
قول "صدر الشريعة": ((إِنَّ المنذور فرضٌ؛ لأنَّ لزومَهُ ثابتٌ بالإجماع، فيكونُ قطعيَّ الثبوت)):
((بأنَّ المراد بالفرض ههنا الفرضُ الاعتقاديُّ الذي يُكفَرُ جاحدُهُ كما تدلُّ عليه عبارةُ "الهداية"(٦)،
والفرضيَّةُ بهذا المعنى لا تثبتُ بمطلقِ الإجماع، بل بالإجماعِ على الفرضيَّة المنقولِ بالتواتر كما في
صومٍ رمضان، ولَمَّا لم يثبت في المنذورِ نقلُ الإجماعِ على فرضَّتِهِ بالتواتر بقيَ في مرتبةِ الوجوب،
فإنَّ الإجماعَ المنقولَ بطريق الشُّهرة أو الآحاد يفيدُ الوجوب دون الفرضيَّة بهذا المعنى)) اهـ.
قلت: وظاهرُ كلامه وجودُ الإجماع على فرضيَّةِ المنذورِ، لكنْ لَمَّا لم يُنقَلْ متواتراً بل بطريقٍ
الشُّهرة أو الآحاد أفادَ الوجوب، والأظهرُ ما مرَّ(٧) عن "ابن الكمال": ((من أنَّ الإجماع على ثبوته
عملاً لا علماً)).
والحاصلُ: أنَّ العلماء أجمعوا على لزومِ الكفَّارات والنذورات الشرعيَّة، ولا يلزمُ من ذلك
الفرضيَّةُ القطعيَّةُ اللازمُ منها إكفارُ الجاحد لها.
(١) "الدرر": كتاب الصوم ١٩٧/١.
(٢) "الفتح": كتاب الصوم ٢٣٥/٢.
(٣) المقولة [٨٧٩٦] قوله: ((وأما قوله تعالى إلخ)).
(٤) "شرح الوقاية": كتاب الصوم ١١٥/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٥) "الدرر": كتاب الصوم ١٩٧/١.
(٦) "الهداية": كتاب الصوم ١١٨/١.
(٧) المقولة [٨٧٩٤] قوله: ((تبعاً لابن الكمال)).

قسم العبادات
١٩٤
حاشية ابن عابدين
(ونَفْلٌ كغيرِهما) يُعُمُّ السنَّةَ كصومٍ عاشوراءَ مع التاسع،
( تنبيةٌ )
في "شرح الشيخ إسماعيل"(١) عن "ذخيرة العقبيِّ": ((اعلم أنَّه قد اضطرَبَ كلامُ المؤلّفين في
كلٍّ من النُّذور والكفَّارات، فصاحبُ "الهداية" و"الوقاية" فرضٌ، و"صدرُ الشريعة" واجبٌ(٢)،
و "الزيلعيُّ)(٣): الأوَّلُ واجبٌ والثاني فرضٌ، و"ابن ملكٍ" بالعكس، وتوجيهُ كلِّ ظاهرٌ
إِلاَّ الأخيرَ)).
[٨٨٠١] (قولُهُ: ونفلٌ) أراد به المعنى اللُّغويَّ- وهو الزِّيادةُ - لا الشرعيَّ، وهو زيادةُ عبادةٍ
شرعيَّةٍ لنا لا علينا؛ لأَنَّه أدخَلَ فيه المكروهَ بقسميه، وقد يقال: إنَّ المراد المعنى الشرعيُّ لِما
قدَّمناه(٤) من أنَّ الصوم في الأَيَّام المكروهة من حيث نفسُهُ عبارةٌ مستحسنةٌ، ومن حيث تضمُّنُه
الإِعراضَ عن الضيافة يكونُ منهيّاً، فبقي مشروعاً بأصلِهِ دون وصفه، تأمَّل.
[٨٨٠٢] (قولُهُ: يَعُمُّ السنَّةَ) قدَّمنا (٥) في بحث سنن الوضوء تحقيقَ الفرق بين السنّة والمندوب،
وأنَّ السنَّة ما واطَبَ عليها النبيُّ ◌َ﴿﴿ أو خلفاؤه من بعده، وهي قسمان:
سنّةُ الهدى، وتركُها يُوجِبُ الإِساءةَ والكراهةُ كالجماعة والأذان.
وسنّة الزَّوائد كسِيَرِ النبيِّمِ﴿. في لباسه وقيامه وقعوده، ولا يُوجبُ تركُها كراهةً، والظاهرُ
(١) "الإحكام": كتاب الصوم ٢/ق ١٢٠/ب - ق ١٢١/أ.
(٢) بل عبارة "ذخيرة العقبى" كما في "الإحكام": ((صوم النذر والكفارة واجبٌ عند صاحب "الهداية" و"الوقاية"،
وكلاهما فرض على استخراج صدر الشريعة)).
وهو الصواب لا كما نقله ابن عابدين رحمه الله، فقد نصَّ صاحب "الهداية" و"الوقاية" على أنهما واجب، وصدر
الشريعة في "شرح الوقاية" على أنّه فرض، انظر "الهداية": كتاب الصوم /١١٨، و"شرح الوقاية": كتاب الصوم
١١٥/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم ٣١٣/١.
(٤) المقولة [٨٧٨٢] قوله: ((ولو منهياً عنه)).
(٥) المقولة [٨٢٩] قوله: ((وسننه إلخ)).

الجزء السادس
١٩٥
كتاب الصوم
والمندوبَ كأَيَّامِ البيض من كلِّ شهرٍ،.
أنَّ صوم عاشوراءَ من القسمِ الثاني، بل سَمَّاه في "الخانيّة"(١) مستحبّاً فقال: ((ويُستحَبُّ أن يصوم
يوم عاشوراءَ بصومٍ يومٍ قبله [٢/ق٢٨٥/ب] أو يومٍ بعده ليكون مخالفاً لأهلِ الكتاب))، ونحوُهُ في
"البدائع"(٢)، بل مقتضى ما ورَدَ من أنَّ صومَهُ كفَّارةً للسنة الماضية وصومَ عرفة كفَّارةٌ للماضية
والمستقبلة كونُ صومٍ عرفةَ آكدَ منه، وإلاَّ لَزِمَ كونُ المستحبِّ أفضلَ من السنَّة، وهو خلافُ
الأصل، تأمّل.
[٨٨٠٣] (قولُهُ: والمندوبَ) بالنصب عطفاً على ((السنَّةَ))، ولم يَذكُر المستحبَّ لعدم الفرق
بينه وبين المندوب عند الأصوليِّين، وهو ما لم يواظبُ عليه ﴿ وإنْ لم يفعله بعدما رَغِبَ إليه كما
في "التحرير"(٣)، وعند الفقهاء المستحبُّ ما فعلَهُ وَّ مِرَّةً وترَكَهُ أخرى، والمندوبُ ما فعلَهُ مرَّةً
أو مرَّتين تعليماً للحوازِ، وعكَسَ في "المحيط"، وقولُ الأصولِّين أَولِى لشموله ما رَغِبَ فيه
ولم يفعله كما ذكرَهُ في "البحر "(٤) من كتاب الطهارة، لكنَّه فرَّقَ بينهما هنا فقال(٥): ((ينبغي أنْ
يكون كلُّ صومٍ رَغَّبَ فيه الشَّارِعُ بخصوصه مستحبَّ، وما سواه مما لم تثبت كراهتُهُ يكونُ مندوباً
لا نفلاً؛ لأنَّ الشَّارعِ قد رَغَّبَ في مطلقِ الصوم، فترتَّبَ على فعلِهِ الثوابُ بخلاف النفليّة المقابلة
للنديَّة، فإنَّ ظاهره يقتضي عدمَ الثواب فيه، وإلاَّ فهو مندوبٌ كما لا يخفى)) اهـ.
قلت: وهذا واردٌ على ما في "الفتح"(٦)، حيث جعَلَ النفلَ مقابلاً للمندوب والمكروه.
[٨٨٠٤] (قولُهُ: كأَيَّام البيضِ(٧) أي: أَيَّام الليالي البيضِ، وهي الثالث عشر والرابعَ عشر
(١) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل الرابع: فيما يكره للصائم وما لا يكره ٢٦٠/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: شرائطها نوعان ٧٩/٢.
(٣) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الثالث في السنة صـ٣٠٣ -.
(٤) "البحر": ١٧/١.
(٥) أي: صاحب "البحر": كتاب الصوم ٢٧٨/٢.
(٦) "الفتح": كتاب الصوم ٢٣٤/٢.
(٧) في "د" زيادة: ((قوله: (كأيام البيض) لما في أبي داود: ((كان رسول الله لم يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة،
أربع عشرة، خمس عشرة، قال: وقال: كهبة الدهر)). وفي النسائي: ((كان رسول الله ﴾ لا يفطر أيام البيض
لا في الحضر ولا في السفر))، كذا ذكره الشرنبلالي في "شرحه" على "نور الإيضاح")).

قسم العبادات
١٩٦
حاشية ابن عابدين
ويومِ الجمعةِ ولو منفرداً، وعرفةَ ولو لحاجٌ.
والخامس عشر، سُمِّيت بذلك لتكامُلِ ضوء الهلال وشدَّةِ البياض فيها، "إمداد"(١). وفيه(٢) تبعاً
لـ "الفتح"(٣) وغيره: ((المندوبُ صومُ ثلاثةٍ من كلِّ شهرٍ، ويُندَبُ كونُها البيضَ)).
[٨٨٠٥] (قولُهُ: ويومٍ الجمعة ولو منفردً) صرَّحَ به في "النهر "(٤)، وكذا في "البحر"(٥) فقال:
((إِنَّ صومه بانفراده مستحبٌّ عند العامَّة كالإثنين والخميس، وكَرِهَ الكلَّ بعضُهم)) اهـ. ومثلُهُ في
"المحيط" معلّلاً: ((بأنَّ لهذه الأيّام فضيلةً، ولم يكن في صومها تشبُّهٌ بغيرِ أهل القبلة))، فما في
"الأشباه"(٦) - وتبعَهُ في "نور الإيضاح(٧) - من كراهة إفراده بالصوم قولُ البعض، وفي "الخانَيَّةِ "(٨).
((ولا بأس بصومٍ يوم الجمعة عند "أبي حنيفة" و"محمَّدٍ"؛ لِما رُوِيَ عن "ابن عبّاسِ": ((أَنَّه كان
يصومُهُ ولا يُفطِرُ))(٩))) اهـ. وظاهرُ الاستشهاد بالأثر أنَّ المراد بلا بأس الاستحبابُ، وفي
"التجنيس": ((قال "أبو يوسف": جاء حديثٌ في كراهته(١٠)، إلاَّ أنْ يصوم قبله وبعده، فكان
الاحتياطُ أنْ يَضُمَّ إليه يوماً آخر)) اهـ.
(١) "الإمداد": كتاب الصوم - فصل في صفة الصوم وتقسيمه ق٣٣٨/ب.
(٢) أي: "الإمداد": كتاب الصوم - فصل في صفة الصوم وتقسيمه ق٣٣٨/ب.
(٣) "الفتح": كتاب الصوم ٢٣٥/٢.
(٤) "النهر": كتاب الصوم ق١١٦/ب.
(٥) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٨/٢.
(٦) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث - القول في أحكام يوم الجمعة صـ ٤٤١ -.
(٧) "نور الإيضاح": كتاب الصوم - فصل في صفة الصوم وتقسيمه صـ٢٨٧ -.
(٨) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل الرابع فيما يكره للصائم وما لا يكره ٢٠٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) لم نجده بهذا اللفظ، لكن أخرج ابن الجوزي في "التحقيق في مسائل الخلاف" ٤٢٥/٥ من حديث ابن عباس رضي
الله عنهما ((أنه لم يرَ النبيَّ # أفطر يوم جمعة قط)) ومن حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما رأيت رسول
الله# مفطراً في يوم جمعة قط، قال ابن الجوزي: والجواب من وَجهَين: أحدهما: أن الطريقين تدور على ليث بن
أبي سليم؛ وهو متروك، تركه يحيى القطان، ويحيى بن معين، وابن مهدي، وأحمد.
قال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس في حديثهم.
والثاني: أنا نحملُه على أنّه كان يصوم قبله أو بعده.
(١٠) أخرجه أحمد ٤٩٥/٢، والبخاري (١٩٨٥) كتاب الصوم - باب صوم يوم الجمعة، ومسلم (١١٤٤) كتاب الصوم
- باب كراهية صيام النبي الجمعة منفرداً، وأبو داود (٢٤٢٠) كتاب الصوم - باب النهي أن يخص يوم الجمعة
بصوم، والترمذي (٧٤٣) كتاب الصوم - باب ما جاء في كراهية صوم الجمعة وحده، وقال: حديث أبي هريرة =