Indexed OCR Text

Pages 161-180

الجزء السادس
١٥٧
باب صدقة الفطر
وجَعَلاه كالتَّمْر، وهو روايةٌ عن "الإِمام"، وصحَّحَها "البهنسيُّ" وغيرُهُ، وفي
"الحقائق"(١) و"الشرنبلاليَّة"(٢) عن "البرهان": ((وبه يُفتَى)) (أو صاعُ تَمْرٍ أو شعيرٍ)
[٨٧٢٨] (قولُهُ: وجَعَلاه كالتمرِ) أي: في أنَّه يجبُ صاعٌ منه.
[٨٧٢٩] (قولُهُ: وهو روايةٌ) أي: عن "أبي حنيفة" كما في بعض النسخ.
[٨٧٣٠] (قولُهُ: وصحَّحَها "البهنسيُّ") أي: في "شرحه" على "الملتقى"، والمرادُ أنّه حكى
تصحيحَها، وإلاَّ فهو ليس من أصحابِ التصحيح، قال في "البحر"(٣): ((وصحَّحَها "أبو اليسر"،
ورجَّحَها "المحقّق" في "فتح القدير"(٤) من جهةِ الدَّليل، وفي "شرح النقاية": والأولى أنْ يُراعَى
في الزَّبيب القَدْرُ والقيمةُ)) اهـ. أي: بأن يكون نصفُ الصَّاعِ منه يساوي قيمةَ نصفِ صاعِ برِّ،
حتّى إذا لم يصحّ من حيث القَدْرُ يصحُّ من حيث قيمةُ البُرِّ، لكنْ فيه أنَّ الصَّاعِ من الزَّبيب
منصوصٌ عليه في الحديث الصحيح(٥)، فلا تُعْتَبَرُ فيه القيمةُ كما يأتي(٦)، تأمَّل.
[٨٧٣١] (قولُهُ: أو شعيرٍ) ودقيقُهُ وسويقُهُ مثلُهُ، "نهر"(٧).
(١) "حقائق المنظومة النسفية": كتاب الصوم ق٢٣/ب.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الزكاة - باب الفطرة ١٩٤/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٧٣/٢.
(٤) "الفتح": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر - فصل في مقدار الواجب ووقته ٢٢٥/٢.
(٥) أخرجه مالك ٢٣٦/١ كتاب الزكاة - باب مكيلة زكاة الفطر، وأحمد ٧٣/٣-٩٨، والبخاري (١٥٠٥) كتاب
الزكاة - باب صاع من شعير، ومسلم(٩٨٥)(١٧، ٢١،٢٠،١٩،١٨) كتاب الزكاة - باب زكاة الفطر
على المسلمين من التمر والشعير، وأبو داود(١٦١٦) و(١٦١٧) و(١٦١٨) كتاب الزكاة - باب كم يؤدي
في صدقة الفطر؟ والترمذي (٦٧٣) كتاب الزكاة - باب ما جاء في صدقة الفطر، وقال: هذا حديث حسن صحيح،
والنسائي ٥١/٥ كتاب الزكاة - باب الزبيب، و٥٢/٥ باب الدقيق، و٥٣/٥ باب الشعير، و٥٣/٥-٥٤ باب
الأقط، وابن ماجه (١٨٢٩) كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر، والدارمي ٤٢١/١ كتاب الزكاة - باب زكاة.
الفطر، كلُّهم من حديث أبي سعيد الخدري تَّه مرفوعاً.
(٦) المقولة [١٠٦٠٨] قوله: ((كدفع قيمة)).
(٧) "النهر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ق١١٥/ب.

قسم العبادات
١٥٨
حاشية ابن عابدين
ولو رديئاً، وما لم يُنَصَّ عليه كذُرَةٍ وخُبْزِ يُعتَبَرُ فيه القيمةُ.
[٨٧٣٢] (قولُهُ: ولو رديئاً) قال في "البحر "(١): ((وأطلَقَ نصفَ الصَّاعِ والصَّاعَ ولم يُقيِّده
بالجِيِّدِ لأَنَّه لو أدَّى نصفَ صاعٍ رديءٍ جاز، وإِنْ أدَّى عفناً أو به عيبٌ أدَّى النقصان، وإِنْ أدَّى
قيمةَ الرديءٍ أدَّى الفضلَ، كذا في "الظهيريَّة"(٢)) اهـ.
ونقَلَ بعضُ المحشِّين عن "حاشية الزيلعيِّ" عن "كفاية الشعبيِّ": (( لو كانت الجنطةُ مخلوطةً
بالشَّعير فلو الغلبةُ للشَّعير فعليه صاعٌ، ولو بالعكس فنصفُ صاعٍ )).
[٨٧٣٣] (قولُهُ: وما لم يُنَصَّ عليه إلخ) قال في "البدائع"(٣): ((ولا يجوزُ أداءُ المنصوص عليه
بعضِهِ عن بعضٍ باعتبار القيمةِ، سواءٌ كان الذي أدَّى عنه من جنسه أو من خلاف جنسه بعد أنْ
كان من المنصوص عليه، فكما لا يجوزُ إخراج الحنطةِ عن الحنطة باعتبارِ القيمة - بأنْ أدَّى نصفَ
صاعٍ من حنطةٍ جَيِّدَةٍ عن صاعٍ من حنطةٍ وسطٍ - لا يجوزُ إخراجُ [٢/ق٢٧٧/ب] غيرِ الحنطة
عن الحنطة باعتبار القيمة، بأنْ أدَّى نصف صاعٍ تمرٍ تبلغُ قيمته قيمةَ نصفِ صاعٍ من حنطةٍ عن
الحنطة، بل يقعُ عن نفسه، وعليه تكميلُ الباقي؛ لأنَّ القيمة إنما تُعتبرُ في غيرِ المنصوص عليه)) اهـ.
( تنبيةٌ )
يجوزُ عندنا تكميلُ جنسٍ من جنسٍ آخر من المنصوص عليه، ففي "البحر"(٤) عن "النظم":
((لو أدَّى نصف صاعٍ شعيرٍ ونصفَ صاعٍ تمرٍ، أو نصفَ صاعٍ تمرٍ ومنّاً واحداً من الحنطة،
أو نصفَ صاعٍ شعيرٍ وربعَ صاعٍ حنطةٍ جاز خلافاً لـ "الشافعيّ")).
[٨٧٣٤] (قولُهُ: وخُبْزِ) عدمُ جواز دفعِهِ إلَّ باعتبار القيمة هو الصحيحُ لعدم وُرُودِ النصِّ به،
فكان كالذُّرة وغيرها من الحبوب التي لم يَرِدْ بها نصٌّ، وكالأَقِط(٥)، "بحر "(٦).
(١) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٧٤/٢.
(٢) "الظهيرية": كتاب الزكاة - فصل في صدقة الفطر ق ٥٣/أ.
(٣) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل: بيان جنس الواجب وقدره وصفته ٧٣/٢.
(٤) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٧٤/٢.
(٥) الأَقِطُ والِقْطُ والُقْطُ: شيء يُتَّخَذُ من اللبن المخيض، يُطبَخ ثم يترك حتى يمصُل، والقِطَعةُ منه أَقِطةٌ. قال
ابن الأعرابي: هو من ألبان الإبل خاصة. اهـ "اللسان": مادة ((أقط)).
(٦) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٧٣/٢ بتصرف.

الجزء السادس
١٥٩
باب صدقة الفطر
(وهو) أي: الصَّاعُ المعتبرُ (ما يَسَعُ ألفاً وأربعين درهماً مِن ماشٍ أو عَدَسٍ)
مطلبٌ في تحرير الصَّاع والمدِّ والمنِّ والرطل
[٨٧٣٥] (قولُهُ: وهو أي: الصَّاعُ إلخ) اعلم أنَّ الصَّاع أربعةُ أمدادٍ، والمدُّ رطلان، والرَّطلُ
نصفُ مَنِّ، والمنُّ بالدَّراهم مائتان وستُّون درهماً، وبالإِستار أربعون، والإستارُ بكسر الهمزة
بالدَّراهم ستّةٌ ونصفٌ، وبالمثاقيل أربعةٌ ونصفٌ، كذا في "شرح درر البحار"(١)، فالمدُّ والمنُّ سواءٌ،
كلٌّ منهما ربعُ صاعٍ رطلان بالعراقيِّ، والرَّطلُ مائة وثلاثون درهماً، وفي "الزيلعيّ"(٢) و "الفتح"(٣):
((اختُلِفَ في الصَّاعِ، فقال "الطرفان": ثمانيةُ أرطالِ بالعراقيِّ، وقال "الثاني": خمسةُ أرطالِ وثلثٌ،
قيل: لا خلافَ؛ لأنَّ "الثاني" قدَّرَهُ برطلِ المدينة؛ لأَنَّه ثلاثون إستاراً، والعراقيُّ عشرون،
وإِذا قاَبَلْتَ ثمانيةً بالعراقيِّ بخمسةٍ وثلثٍ بالمدينيِّ وجدتَهما سواءً، وهذا هو الأشبهُ؛ لأنَّ "محمَّدًا"
لم يذكر خلافَ "أبي يوسف"، ولو كان لذكَرَهُ؛ لأَنَّه أعرفُ بمذهبه)) اهـ، وتمامُهُ في "الفتح".
(قولُهُ: وبالمثاقيل أربعةٌ ونصفٌ) أي: تقريباً، وإلاّ فسنّةُ دراهمَ ونصفٌ تبلغُ من القراريط واحداً
وتسعين قيراطاً، والأربعُ ونصفٌ من المثاقيل تبلغ تسعين قيراطاً.
والتحقيقُ أن يقال: وبالمثاقيل أربعةٌ ونصفٌ وقيراطٌ، تأمَّل.
(قولُهُ: وقيل: لا خلافَ إلخ) لعلَّه أشار بـ ((قيل)) إلى ضعفِ التَّوفيق بما ذكر، فإنَّ ما ذكرَهُ
في "الفتح": ((أَنَّ "أبا يوسف" حين دخَلَ المدينة وسأَلَ عن الصَّاعِ وأتاه نحوُ خمسين وأخبروه بأنَّ ما أَتَوْهُ
به صاعُ النبيِّ ◌َ﴿، فعايَرَهُ فإذا هو خمسةُ أرطالِ وثلثٌ ونقصانٌ يسيرٌ قال "أبو يوسف": فرأيتُ أمراً
قويًّاً، فتركتُ قول "أبي حنيفة" في الصَّاع))، وقال في "الفتح": ((ولا أعجَبَ من هذا الاستدلالِ شيءٌ،
فإنَّ الجماعةَ الذين لَقِيَهم "أبو يوسف" لا تقومُ بهم حجَّةٌ؛ لكونهم نَقَلُوا عن مجهولين)) إلى آخرِ ما فيه.
وذهَبَ صاحب "الينابيع" و"معراج الدراية" إلى أنَّ الصحيح ثبوتُ الخلاف؛ إذ لو صَحَّ هذا التوفيقُ لم
يتحقّق الرُّجوعُ من "أبي يوسف". اهـ من "السنديّ".
(١) "غرر الأذكار": كتاب الزكاة - ذكر ما يتعلق بصدقة الفطر ق ٧٥/ب.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٣٠٩/١ بتصرف.
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر - فصل في مقدار الواجب ووقته ٢٢٩/٢، ٢٣١ بتصرف.

قسم العبادات
١٦٠
حاشية ابن عابدين
مطلبٌ في مقدار الفطرة بالمدِّ الشاميّ
ثُمَّ اعلم أنَّ الدرهم الشرعيَّ أربعةَ عشر قيراطً، والمتعارفَ الآن ستّةَ عشر، فإذا كان الصاعُ
ألفاً وأربعين درهماً شرعيّاً يكونُ بالدِّرهمِ المتعارَفِ تسعَمائةٍ وعشرةً، وقد صرَّحُ "الشارح" في
"شرحه" على "الملتقى"(١) في باب زكاة الخارج: ((بأنَّ الرَّطل الشَّامِيَّ ستُّمائة درهمٍ، وأنَّ المدَّ
الشَّامِيَّ صاعان))، وعليه فالصَّاعُ بالرَّطل الشاميِّ رطلٌ ونصفٌ، والمدُّ ثلاثةُ أرطالٍ، ويكونُ نصفُ
الصَّاعِ من البُرِّ ربعَ مدٍّ شاميِّ، فالمدُّ الشَّامِيُّ يُجزي عن أربعٍ، وهكذا رأيتُهُ أيضاً محرَّراً
[٢/ق ٢٧٨/أ] بخطّ شيخ مشايخنا "إبراهيم السائحانيّ" وشيخ مشايخنا "منلا علي التركمانيّ"،
وكفى بهما قدوةً، لكنِّي حرَّرتُ نصفَ الصَّاعِ في عامٍ ستٍّ وعشرين بعد المائتين، فوجدتُهُ ثمنيّةً
ونحوَ ثلثي ثمنَّةٍ، فهو تقريباً ربعُ مدَّ ممسوحاً من غيرِ تكويمٍ، ولا يخالفُ ذلك ما مرَّ(٢)؛ لأنَّ المدَّ
في زماننا أكبرُ من المدِّ السابق، وكذا الرَّطلُ في زماننا، فإنَّه الآن يزيدُ على سبعِمائةٍ درهمٍ،
٧٦/٢
(قولُهُ: فإذا كان الصَّاعُ إلخ) تقدَّمَ للمحشِّي أنَّ قيراطَ الدرهمِ الشرعيِّ خمسُ حَبَّاتٍ، وقيراطَ
المتعارَفِ أربعُ حَبَّاتٍ، فعلى هذا يكونُ حَبَّتُ الشرعيِّ سبعين والعُرفيِّ أربعاً وستّين، فيكونُ الشرعيُّ
أكبرَ، وتُساوي الألفُ والأربعون درهماً الشرعيَّةُ ألفاً ومائةً وسبعةً وثلاثين ونصفاً من الدرهم المعتاد،
وذلك أنَّك إذا ضربتَ (١٠٤٠) درهماً شرعيَّة في (١٤) عددٍ قيراط الدرهم الشرعيِّ يبلغ (١٤٥٦٠)،
ثمَّ ضربتَ الحاصلَ في (٥) زِئَةِ كلِّ قيراطٍ من الدرهم الشرعيِّ يبلغ (٧٢٨٠٠) حَّةٍ،
وإذا ضربتَ الدراهمَ العرفَّةَ المذكورة في (١٦) عددٍ قراريط الدرهم العرفيِّ يبلغ من القراريط .
(١٨٢٠٠)، ثم اضرب هذا الحاصلَ في (٤) زِنَةِ كلِّ قيراطٍ من قراريط الدرهم العربيّ يبلغ (٧٢٨٠٠)
حَّةٍ، فقد ساوَتِ الألفُ والأربعون درهماً شرعيَّةً ألفاً ومائةً وسبعةً وثلاثين ونصفاً من الدراهم العرفيّة،
وكلُّ درهمٍ من الدراهم الشرعيَّة يبلغُ درهماً ونصفَ ثُمُنِ درهمٍ ورُبُعَ ثُمُنِ درهمٍ من الدراهم العرفَّة.
(قولُهُ: رطلٌ ونصفٌ) أي: وعشرةُ دراهمَ.
(١) "الدر المنتقى": كتاب الزكاة - باب زكاة الخارج ٢١٥/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٢) في هذه المقولة.

الجزء السادس
١٦١
باب صدقة الفطر
.
وهذا بناءً على تقديرِ الصَّاعِ بالماشِ(١) أو العدسِ، أمَّا على تقديره بالحنطة أو الشعير
- هو الأحوط كما يأتي(٢) قريباً - فيزيدُ نصفُ الصَّاع على ذلك، فالأحوطُ إخراجُ ربعٍ مدُّ
شاميٌّ على التمام من الحنطة الجِّدة، والله تعالى أعلم. قال "ط(٢): ((وقدَّرَ بعضُ مشايخي
نصفَ الصَّاعِ بِقَدَحٍ وسدسٍ بالمصريِّ، وعن "الدفريِّ"(٤) تقديرُهُ بقدحٍ وثلثٍ، وعليه فالرُّبِعُ
المصريُّ يكفي عن ثلاثٍ)).
[٨٧٣٦] (قولُهُ: إنما قَدَّرَ بهما) أي: قدَّرَ الصاعَ بما يَسَعُ الوزنَ المذكور منهما - أي: من
مجموعِهما، أي: من أيِّ نوعٍ منهما - لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يتساوى كيلُهُ ووزنُهُ؛ إذ لا تختلفُ
أفراده ثقلاً وكبراً، فإذا ملأتَ إناءً من ماشٍ وزنُهُ ألفٌ وأربعون درهماً، ثمَّ ملأَنَهُ من ماشٍ آخرَ
يكونُ وزنه مثلَ وزن الأوَّلِ لعدم التفاوت بين ماشٍ وماشٍ آخر، وكذا لو فعلتَ بالعدس كذلك
بخلاف غيرهما كالبُرِّ مثلاً، فإنَّ بعض البُرِّ قد يكونُ أنْقَلَ من البعض، فيختلف كيلُهُ ووزنُهُ، فلذا
قُدِّرَ الصَّاعُ بالماش أو العدس، فيكونُ مكيالاً محرَّراً يكالُ به ما يُرادُ إخراجُهُ من الأشياءِ المنصوصة
بلا اعتبارِ وزن؛ لأَنَّك لو كِلْتَ به شعيراً مثلاً ثمَّ وزنته لم يبلغ وزنه ألفاً وأربعين درهماً، ولو اعتُبرَ
الوزنُ لكان ما يَسَعُ ألفاً وأربعين درهماً من الشَّعير أكبرَ من الصَّاعِ الذي يسعُ هذا القدرَ من الماش
أو العدس، وقد اعتبروا الصَّاعَ بهما، فعُلِمَ أَنَّه لا اعتبارَ بالوزن أصلاً في غيرهما، ويدلُّ على ذلك
أيضاً قولُ "الذخيرة": ((قال "الطحاويُّ" (٥): الصاعُ ثمانيةُ أرطالِ مما يستوي كيلُهُ ووزنُهُ، ومعناه:
[٢/ق٢٧٨/ب] أنَّ العدس والماش يستوي كيلُهُ ووزنُهُ، حتّى لو وُزِنَ من ذلك ثمانيةُ أرطالِ
(١) الماش: جنس نباتات من القرنيات الفراشية له حبٌّ أخيضر مدوَّر أصغر من الحِمِّص، يكون بالشام وبالهند. اهـ
"تجريد صحاح الجوهريّ": مادة ((موش)) ٥٢٠/٢، وانظر "تذكرة أولي الألباب" ٢٨٨/١.
(٢) في المقولة التالية.
(٣) "ط": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٤٣٦/١.
(٤) عمر بن عمر الزهري الدفري المصري القاهري الحنفي (ت١٠٧٩هـ). ("خلاصة الأثر" ٢٢٠/٣، "إيضاح المكنون"
٣٨١/١).
(٥) "شرح معاني الآثار": كتاب الزكاة - باب وزن الصاع كم هو؟ ٥١/٢.

قسم العبادات
١٦٢
حاشية ابن عابدين
...
ووُضِعَ فِي الصَّاعِ لا يزيدُ ولا ينقص، وما سوى ذلك تارةً يكونُ الوزن أكثرَ من الكيل كالشَّعير،
وتارةً بالعكس كالملح، فإذا كان المكيالُ يسع ثمانيةَ أرطالٍ من العدس والماش فهو الصَّاعُ الذي
يكالُ به الشعيرُ والتمر والحنطة)) اهـ.
وذكَرَ نحوه في "الفتح"(١)، ثمَّ قال: ((وبهذا يرتفعُ الخلاف في تقديرِ الصَّاع كيلاً أو وزناً))،
ومرادُهُ بالخلاف ما ذكرَهُ قبله حيث قال: ((ثمَّ يُعتَبَرُ نصف صاعٍ من برِّ من حيث الوزنُ عند
"أبي حنيفة"؛ لأَنَّهم لَمَّا اختلفوا في أنَّ الصَّاع ثمانيةُ أرطالِ أو خمسةٌ وثلثٌ كان إجماعاً منهم أنَّه
يُعتَبِرُ بالوزن، وروى "ابن رستمَ" عن "محمَّدٍ" أَنَّه إنما يُعتبَرُ بالكيل، حتَّى لو دفَعَ أربعةَ أرطالِ
لا يُحزيه لجوازِ كون الحنطة ثقيلةً لا تبلغ نصفَ صاعٍ)) اهـ.
وفي ارتفاع الخلاف بما ذكَرَ تأمُّلٌ، فإنَّ المتبادر من اعتبارِ نصف الصَّاع بالوزن عند
"أبي حنيفة" اعتبارُ وزنِ الْبُرِّ ونحوه مما يريدُ إخراجَهُ، لا اعتبارُهُ بالماش والعدس، والظاهرُ أنَّ اعتباره
بهما مبنيٌّ على رواية "محمَّدٍ"، وأنَّ الخلاف متحقّقٌ، وعن هذا ذكَرَ "صدر الشريعة" في "شرح
الوقاية"(٢): ((أَنَّ الأحوط تقديرُ الصَّاعِ بثمانيةِ أرطال من الحنطة الجِيِّدة؛ لأَنَّه إنْ قُدِّرَ بالماشِ يكونُ
(قولُهُ: فإنَّ المتبادر إلخ) هذا وإن كان هو المتبادرَ إلاَّ أنَّا نتركُهُ بصريح عبارة "الطحاويّ": ((من
أنَّ الصاع ثمانيةُ أرطالٍ مما يستوى كيلُهُ ووزنُهُ))، فإنّه صريحٌ باعتبار وزن ما يستوي كيلُهُ ووزنُهُ
في تعريفِ الصَّاعِ لا اعتبارِ وزنِ المخرج من البُرِّ ونحوه، وهو أعلمُ بالمراد من نصوص المذهب، وأيضاً
كان صاعُ النبيِّ ◌َ﴿ مكيالاً معلوماً لا زيادةً ولا نقصانَ فيه، وأمَرَ عليه السَّلام بأنْ يُخرَجَ للفطرة المقاديرُ
المعلومةُ المقدَّرة به مع علمه باختلاف الأوزان حتّى في كلِّ نوعٍ منها، فهذا دليلٌ على أنَّ العبرة للكيل
المخصوص بدون اعتبار الوزن، وحينئذٍ يكونُ اعتبارُهُ بهما محلَّ اتّفاقٍ، وما نقّلَهُ عن "صدر الشريعة"
و "حاشية الزيلعيِّ" مبنيٌّ على بقاءِ الخلاف لا على ارتفاعه بما قاله في "الفتح".
(١) "الفتح": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر - فصل في مقدار الواجب ووقته ٢٢٩/٢ - ٢٣٠.
(٢) "شرح الوقاية": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ١١٢/١ (هامش "كشف الحقائق").

الجزء السادس
١٦٣
باب صدقة الفطر
إنما قدَّرَ بهما لتساويهما كيلاً ووزناً.
(ودَفْعُ القيمةِ) أي: الدَّراهمِ (أفضلُ مِن دَفْعِ العَيْنِ.
أصغرَ، ولا يسعُ ثمانية أرطالِ من الحنطة؛ لأَنَّه أثقلُ منها، وهي أثقلُ من الشَّعير، فالمكيالُ الذي
يُملأ بثمانيةِ أرطالِ من الماش يُملأ بأقلَّ من ثمانية أرطالٍ من الحنطة الجِّدة المكتَزَة)) اهـ.
قلت: وبهذا يَخرُجُ عن العهدةِ بيقينٍ على روايتي تقديرِ الصَّاع كيلاً أو وزناً، فلذا كان
أحوطَ، ولكنْ على هذا الأحوطُ تقديرُهُ بالشعير، ولهذا نقَلَ بعضُ المحشِّين عن "حاشية الزيلعيّ"
للسيِّد "محمد أمين ميرغني": ((أنَّ الذي عليه مشايخنا بالحرم الشريف المكْيِّ ومَن قبلهم من
مشايخهم - وبه كانوا يُفتون - تقديرُهُ بثمانية أرطالِ من الشَّعير، ولعلَّ ذلك ليحتاطوا في الخروج
عن الواجبِ بيقينٍ لِما في "مبسوط السرخسيٍ))(١): من أنَّ الأخذ بالاحتياط في باب العبادات
واجبٌ اهـ. فإذا قُدِّرَ بذلك [٢/ق٢٧٩/أ] فهو يسعُ ثمانيةَ أرطالِ من العدس ومن الحنطة، ويزيدُ
عليها ألبَّة بخلاف العكس، فلذا كان تقديرُ الصَّاعِ بالشعير أحوطَ)) اهـ. ولهذا قدَّمنا(٢)
أنَّ الأحوط في زماننا إخراجُ ربعٍ مَدِّ شاميٍ تامٍّ.
[٨٧٣٧] (قولُهُ: ودفعُ القيمة) أطلَقَها فشملَ قيمةَ الحنطة وغيرِها خلافاً لـ "محمَّدٍ"، قال
في "التتار خانيَّةً"(٣) عن "المحيط " (٤): ((وإذا أرادَ أنْ يُعطيَ قيمةَ الحنطة أو الشعير أو التمر يؤدِّي
قيمةَ أيِّ الثلاثِ(٥) شاء عندهما، وقال "محمَّدٌ": يؤدِّي قيمةَ الحنطة)).
[٨٧٣٨] (قولُهُ: أي: الدَّراهمِ) ربَّما يُشعِرُ أَنَّها المرادةُ بالقيمة مع أنَّ القيمة تكونُ أيضاً من
الفلوس والعُرُوض كما في "البدائع"(٦) و"الجوهرة"(٧)، ولعلَّهُ اقتصَرَ على الدَّراهم تبعاً لـ "الزيلعيّ)(٨)
(١) "المبسوط": كتاب الصوم - باب صدقة الفطر ١١٢/٣.
(٢) المقولة [٨٧٣٥] قوله: ((وهو أي الصاع إلخ)).
(٣) "التاترخانية": كتاب الصوم - الفصل الثالث عشر في صدقة الفطر ٤١٩/٢.
(٤) "المحيط البرهاني": كتاب الصوم - الفصل الثالث عشر في صدقة الفطر ١/ق ١٦٧ /أ - ب.
(٥) عبارة "المحيط": ((أيِّ ثلث)) وهو تحريف.
(٦) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل: بيان جنس الواجب وقدره وصفته ٧٣/٢.
(٧) "الجوهرة النيرة": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ١٦٤/١.
(٨) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٣١٠/١.

قسم العبادات
١٦٤
حاشية ابن عابدين
على المذهب) المفتى به، "جوهرة"(١) و"بحر"(٢) عن "الظهيريَّة"(٣). وهذا في السَّعة،
أمَّا في الشِّدَّة فدَفْعُ العينِ أفضلُ كما لا يخفى (بطُلُوعٍ فَجْرِ الفطرِ) متعلِّقٌ
بـ ((يَجِبُ)) (فمَن ماتَ قبلَهُ) أي: الفجرِ (أو وُلِدَ بعده أو أسلَمَ.
لبيان أنَّها الأفضلُ عند إرادةٍ دفع القيمة؛ لأنَّ العَلَّة في أفضلَّةِ القيمة كونُها أعونَ على دفعِ حاجة
الفقير لاحتمالِ أَنَّه يحتاجُ غيرَ الحنطة مثلاً من ثيابٍ ونحوها بخلاف دفعِ العُرُوض، وعلى هذا فالمرادُ
بالدَّراهم ما يشملُ الدَّنانير، تأمَّل.
[٨٧٣٩] (قولُهُ: على المذهبِ المفتى به) مقابلُهُ ما في "المضمرات": ((من أنَّ دفع الحنطة أفضلُ
في الأحوالِ كلِّها سواءٌ كانت أَيَّامَ شدَّةٍ أم لا؛ لأنَّ في هذا موافقةَ السُّنَّة، وعليه الفتوى،
"منح"(٤)))، فقد اختلَفَ الإفتاء، "ط " (٥).
٧٧/٢
[٨٧٤٠] (قولُهُ: وهذا) أي: كونُ دفع القيمةِ أفضلَ.
[٨٧٤١] (قولُهُ: كما لا يخفى) يُوهِمُ أنَّه بحثٌ منه مع أنَّه عزاه في "التتار خانَّة"(٦) إلى "محمَّد
ابن سلمة"، وقال في "النهر "(٧): ((وهو حسنٌ)).
[٨٧٤٢] (قولُهُ: بطلوعِ الفجرِ) أي: الفجرِ الثاني، وعند "الشافعيِّ" بغروبِ الشَّمس من آخرٍ
يومٍ من رمضان، "بدائع"(٨).
(٨٧٤٣] (قولُهُ: متعلّقٌ بـ: يجبُ) أي: المذكورِ أوَّلَ الباب(٩).
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ١٦٤/١.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٧٤/٢.
(٣) "الظهيرية": كتاب الزكاة - الفصل السابع في صدقة الفطر ق ٥٣/أ.
(٤) "المنح": كتاب الزكاة - باب في بيان أحكام صدقة الفطر ق٨٨/ب.
(٥) "ط": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٤٣٧/١.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثالث عشر في صدقة الفطر ٤٢٠/٢ نقلاً عن "الحجة".
(٧) "النهر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ق١١٥/ب.
(٨) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل: وقت وجوب صدقة الفطر ٧٤/٢.
(٩) صـ١٣٥ - "در"، وعبارته هناك: ((تجب)).

الجزء السادس
١٦٥
باب صدقة الفطر
لا تجبُ علیه).
(ويُستحَبُّ إخراجُها قبل الخروجِ إلى المصلَّى بعد طلوع فجرِ الفطرِ) عملاً بأمرِهِ
وفعلِهِ عليه الصلاة والسلام (وصَحَّ أداؤها إذا قدَّمَهُ على يومِ الفطر أو أخْرَهُ) اعتباراً
بالزَّكاة، والسَّببُ موجودٌ؛ إذ هو الرَّاسُ (بشَرْطِ دخولِ رمضانَ في الأوَّلِ) أي:
مسألةِ التَّقديم، هو الصَّحيح، وبه يُفتَى، "جوهرة"(١) و"بحر "(٢) عن "الظهيرِيَّةِ"(٣)،
لكنَّ عامَّة المتونِ والشُّروحِ على صحَّةِ التَّقديم مطلقاً، وصحَّحَهُ غيرُ واحدٍ،
ورجَّحَهُ في "النهر "(٤)، ونقَلَ عن "الولوالحيَّة"(٥): (( أَنَّه ظاهرُ الرِّواية)).
[٨٧٤٤] (قولُهُ: لا تجبُ عليه) لأَنَّه وقتَ الوجوب ليس بأهلٍ، "نهر "(٦). وكذا لو افتقَرَ قبله
أو أيسَرَ بعده كما في "الهنديَّةَ"(٧).
[٨٧٤٥] (قولُهُ: عملاً بأمرِهِ وفعلِهِ عليه الصلاة والسلام) رواه "الحاكم"(٨) من حديثٍ "ابن
عمر" كما بسَطَهُ في "الفتح"(٩).
[٨٧٤٦] (قولُهُ: أو أخَّرَهُ) قدَّمنا الكلامَ عليه أوَّلَ الباب(١٠).
[٨٧٤٧] (قولُهُ: اعتباراً بالزَّكاة) أي: قياساً عليها، واعترضَهُ في "الفتح"(١١): ((بأنَّ حكم
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ١٦٥/١.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٧٤/٢.
(٣) "الظهيرية": كتاب الزكاة - الفصل السابع في صدقة الفطر ق٥٣/ب.
(٤) "النهر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ق ١١٦/أ.
(٥) "الولوالجية": كتاب الصوم - باب صدقة الفطر ق٣٦/ب.
(٦) "النهر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ق١١٦/أ.
(٧) "الفتاوى الهندية": كتاب الزكاة - الباب الثامن في صدقة الفطر ١٩٢/١ بتصرف.
(٨) تقدّم تخريجه ص١٣٧ -.
(٩) "الفتح": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر - فصل في مقدار الواجب ووقته ٢٣٢/٢.
(١٠) المقولة [٨٦٦٢] قوله: ((وقيل: مضيقاً)).
(١١) "الفتح": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر - فصل في مقدار الواجب ووقته ٢٣٢/٢.

قسم العبادات
١٦٦
حاشية ابن عابدين
قلت: فكان هو المذهبَ
(وجازَ دَفْعُ كلِّ شخصٍ فطرتَهُ.
الأصلِ على خلاف القياس، فلا يقاسُ عليه؛ لأنَّ التقديم - وإنْ كان بعد السَّبب ـ هو قبل
الوجوب))، وأجابَ في "البحر"(١): ((بأنّها كالزَّكاة بمعنى أنَّه لا فارقَ لا أَنَّه قياسٌ)) اهـ.
وفيه نظرٌ، والأَولى الاستدلالُ بحديث "البخاريِّ"(٢): (( وكانوا يُعطون قبل [٢/ق٢٧٩/ب]
الفطر بيومٍ أو يومين))، قال في "الفتح"(٣): ((وهذا مما لا يخفى على النبيِّ لَّ، بل لا بدَّ من كونه
بإذنٍ سابقٍ، فإنَّ الإسقاط قبل الوجوب مما لا يُعقَلُ، فلم يكونوا يُقدِمون عليه إلاَّ بسمعٍ)) اهـ.
[٨٧٤٨] (قولُهُ: فكان هو المذهبَ) نقَلَ في "البحر"(٤) اختلافَ التصحيح ثمَّ قال: ((لكنْ
تأَيَّدَ التقييدُ بدخول الشَّهر بأنَّ الفتوى عليه، فليكن العملُ عليه))، وخالفَهُ في "النهر"(٥) بقوله:
((واتّباعُ "الهداية" أَولى))، قال في "الشرنبلاليَّة"(٢): ((قلت: ويعضُدُه أنَّ العمل بما عليه الشُّروحُ
والمتون، وقد ذكَرَ مثلَ تصحيح "الهداية(٧) في "الكافي(٨) و"التبيين"(٩) وشروح "الهداية"(١٠)،
(قولُهُ: والأَولى الاستدلالُ بحديث "البخاريِّ" إلخ) الاستدلالُ بالحديث إنما يفيدُ التقديمَ بيومٍ
أو يومين لامطلقَ التقديم، ولا يصحُّ قياسُ مطلق التقديم على التقديمِ الثابتِ بفعلهم؛ لأنَّه ثابتٌ بخلاف
القياس، فيُقتصَرُّ عليه.
(١) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٧٥/٢.
(٢) تقدّم تخريجه ١٣٣/٥.
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر - فصل في مقدار الواجب ووقته ٢٣٢/٢.
(٤) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٧٥/٢.
(٥) "النهر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ق ١١٦/أ.
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الزكاة - باب الفطرة ١٩٥/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٧) "الهداية": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر - فصل في مقدار الواجب ووقته ١١٧/١.
(٨) "كافي النسفي": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ١/ق ٧٢/ب.
(٩) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٣١١/١.
(١٠) انظر "فتح القدير" و"الكفاية" و"العناية": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر - فصل في مقدار الواجب ٢٣٢/٢.

الجزء السادس
١٦٧
باب صدقة الفطر
إلى) مسكينٍ أو (مساكينَ على) ما عليه الأكثرُ، وبه جزَمَ في "الولوالجَيَّة"(١)
و"الخانَيَّة"(٢) و"البدائع"(٣) و"المحيط"(٤)، وتَبْعَهم "الزيلعيُّ)" (٥) في الظِّهار من غيرِ
ذكرٍ خلافٍ، وصحَّحَهُ في "البرهان"، فكان هو (المذهبَ) كتَفْرِيقِ الزَّكاة، ........
وفي "البرهان" و"ابن كمال باشا"، وفي "البزَّازِيَّة"(٦): الصحيحُ جوازُ التعجيل لسنين، رواه
"الحسن" عن "الإِمام" اهـ. وكذا في "المحيط"(٧)) اهـ.
قلت: وحيث كان في المسألة قولان مصحَّحان تخيَّرَ المفتي بالعملِ بأيّهما، إلاَّ إذا كان
لأحدِهما مرجِّحٌ ككونه ظاهرَ الرِّواية، أو مَشَى عليه أصحابُ المتون أو الشُّروح أو أكثرُ
المشايخ كما بسطناه أوَّلَ الكتاب(٨)، وقد اجتمَعَتْ هذه المرجِّحات هنا للقول بالإطلاق،
فلا يُعدَلُ عنه، فافهم.
[٨٧٤٩] (قولُهُ: إلى مسكينٍ) يُغني عنه ما بعده لفهمه بالأولى، "ط)) (٩).
[٨٧٥٠] (قولُهُ: فكان هو المذهبَ) كذا قال في "البحر"(١٠) ردًّاً على ظاهرٍ ما في
"الزيلعيِّ)(١١) هنا و"الفتح"(١٢): ((من أنَّ المذهب المنعُ، وأنَّ القائل بالجواز إنما هو "الكرخيُّ)) اهـ.
(١) "الولوالجية": كتاب الصوم - باب صدقة الفطر ق٣٦/أ.
(٢) "الخانية": كتاب الصوم - فصل في صدقة الفطر ٢٣١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في صدقة الفطر ٧٥/٢.
(٤) "المحيط البرهاني": كتاب الصوم - باب صدقة الفطر ١/ق١٦٧/أ.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب النكاح - باب الظهار ١١/٣.
(٦) "البزازية": كتاب الصوم - الفصل السابع في صدقة الفطر ١٠٦/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "المحيط البرهاني": كتاب الصوم - الفصل الثالث عشر في صدقة الفطر ١/ق ١٦٧/أ.
(٨) المقولة [٤٧٣] قوله: ((وفي وقف "البحر" إلخ)).
(٩) "ط": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٤٣٧/١.
(١٠) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٧٥/٢.
(١١) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٣١١/١.
(١٢) "الفتح": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر - فصل في مقدار الواجب ووقته ٢٣٢/٢.

قسم العبادات
١٦٨
حاشية ابن عابدين
والأمرُ في حديثٍ: ((أَغْنُوهم)) للنّدب، فيفيدُ الأولويَّة، ولذا قال في "الظهيريَّة"(١).
((لا يكرهُ التأخيرُ))، أي: تحريماً (كما جازَ دَفْعُ صدقةِ جماعةٍ إلى مسكينٍ واحدٍ
بلا خلافٍ)
وكذا ردّهُ العلاَّمة "نوحٌ": ((بأنَّ الأمر بالعكس، فإنَّ المانعين جمعٌ يسيرٌ، والمجوِّرين جَمٌّ غفيرٌ،
والاعتمادُ على ما عليه الجمُّ الكثير)).
[٨٧٥١] (قولُهُ: والأمرُ في حديثٍ: أَغْنُوهم) هو ما أخرَجَهُ "الدارقطنيُّ" و "ابن عديٍّ"
و "الحاكم" في "علوم الحديث" عن "ابن عمر" بلغظِ: ((أَغْنُوهم عن الطَّوفِ في هذا اليوم)(٢)،
"نوح". وهذا جوابٌ عمَّا يقال: إنَّ الإِغناء لا يحصلُ إلاَّ بدفعِها جملةً، فيجبُ عملاً بالأمر،
والجوابُ أنَّ الأمر للندب، وإلاَّ لم يَجُزُ التقديمُ والتأخير، وقد مرَّ(٣) الدليلُ على جوازهما أوَّلَ
الباب، وذلك قرينةٌ على أنَّ الأمر هنا للندب، فخلاقُهُ لا يكره تحريماً بل تنزيهاً، ويتحصَّلُ من هذا
الجوابِ أنَّ الدفع إلى متعدِّدٍ مكروه تنزيهاً ككراهة التأخيرِ، إلاَّ أنْ يُفرَّقَ بأَنَّه لو أخَّرَ الناسُ عن
اليوم لم يحصل الإغناءُ أصلاً، بخلاف ما لو فرَّقُوا لحصولِ الإغناء بالمجموع كما علَّلَ به
"الكرخيُّ"، فلم يكن مخالفاً لأمرِ الندب؛ لأنّه أمرٌ [٢/ق ٢٨٠/أ] للمجموع لا للأفراد بقرينة
أنَّ ذا العيال لا يَستغني بفطرةِ شخصٍ واحدٍ، ولا يُؤْمَرُ ذلك الواحدُ ياغنائه، تأمَّل. وما في
"البحر "(٤): ((من أنَّ التحقيق أنَّه بالتأخير يكونُ قاضياً لا مؤدِّياً، فيأثْمُ للحديث)) تَبِعَ فيه صاحب
"الفتح"(٥)، وقدَّمنا(٦) أوَّلَ الباب ترجيحَ خلافه، فافهم.
(١) "الظهيرية": كتاب الزكاة - الفصل السابع في صدقة الفطر ق ٥٣/ب.
(٢) تقدم تخريجه ص١٣٧ -.
(٣) المقولة [٨٦٦٢] قوله: ((وقيل: مضيّقاً)).
(٤) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٧٥/٢.
(٥) "الفتح": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر - فصل في مقدار الواجب ووقته ٢٣٢/٢.
(٦) المقولة [٨٦٦٢] قوله: ((وقيل: مضيّقاً)).

الجزء السادس
١٦٩
باب صدقة الفطر
يُعتَدُّ به.
(خَلَطَت) امرأةٌ أَمَرَها زوجُها بأداءِ فطرتِهِ (حنطتَهُ بحنطِها بغيرِ إذنِ الزَّوج ودَفَعَتْ
إلى فقيرٍ جازَ عنها لا عنه).
[٨٧٥٢] (قولُهُ: يُعتَدُّ به) تصحيحٌ لنفي "المصنّف" تبعاً لـ "البحر"(١): ((بأن المراد نفيُ خلافٍ
خاصٌّ؛ لأَنّه قد صرَّحَ في "مواهب الرحمن" بالخلاف في المسئتين بقوله: ويجوزُ أخذُ واحدٍ من جمعٍ
ودفعُ واحدٍ لجمعٍ على الصحيح فيهما)) اهـ.
قلت: ولعلَّ محلّ الخلاف هنا ما إذا خَلَطَ الجماعةُ صدقاتِهم ودفعوها لواحدٍ، أمَّا لو دفع كلُّ
واحدٍ بانفراده للواحدِ فيبعُدُ جريانُ الخلاف في الجواز وعدمه، فليتأمّل.
[٨٧٥٣] (قولُهُ: أمَرَها زوجُها) أفاد أنَّها إنْ أَدَّتْ عنه بدون إذنه لم يُحْزِهِ، "ط"(٢) عن
"أبي السُّعود"(٣).
[٨٧٥٤] (قولُهُ: بغيرِ إذنِ الزَّوج) أمَّا لو بإذنه لا تملكُهُ بالخلط فُيُحْزِئُّ عنه، "ط (٤).
[٨٧٥٥] (قولُهُ: لا عنه) لأَنَّه أمَرَها بالدَّفع من ماله، وقد ملكَتْهُ بالخلط بدون إذنه، فكانت
متبرِّعةً ولَزِمَها ضمانُ حنطِهِ.
قلت: وينبغي تقييدُهُ بما إذا لم يُحِزِ الزَّوجُ ما فعلت أو لم توجد دلالةُ الإذن؛ لِما في الفصل
(قولُهُ: ولعلَّ محلّ الخلافِ هنا إلخ) لا يظهرُ فرقٌ بين الصُّورتين المذكورتين، ولعلَّ وجه هذا القول
الضعيف أنَّ الأمر يقتضي إغناءً كلٌّ فقيرٍ، وبدَفْعِ الجماعةِ إلى الواحد لا يتحقَّقُ هذا المطلوب،
وهذا متحقّقٌ فيها.
(قولُهُ: بما إذا لم يُجِزِ الزَّوجُ إلخ) هذا إنما هو على القول بأنَّ الإجازة تلحقُ الأفعالَ كالأقوال،
لا على أنَّها إنما تلحقُ الأقوالَ فقط.
(١) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٧٥/٢.
(٢) "ط": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٤٣٨/١.
(٣) "فتح المعين": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٤١٩/١.
(٤) "ط": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٤٣٨/١.

قسم العبادات
١٧٠
حاشية ابن عابدين
لِما مرَّ أنَّ الانخلاطَ عند "الإِمام" استهلاكٌ يقطعُ حقَّ صاحبِهِ، وعندهما لا يقطعُ،
فيجوزُ إِنْ أجاز الزَّوجُ، "ظهيريَّةِ"(١).
التاسع من زكاةٍ "التتار خانَّةً"(٢): ((دفَعَ رجلان لرجلٍ دراهمَ يتصدَّقُ بها عن زكاتهما، فخلَطَها
ثُمَّ دفَعَها ضَمِنَ(٣) إلاَّ إذا جُدِّدَ الإذنُ، أو أجازَ المالكان(٤)، أو وُجدَ دِلالةُ الإذن بالخلط(٥) كما
جَرَت العادة بالإذن من أرباب الحنطة بخلطِ ثمن الغلاَّت(٦)، وكذا الطحَّانُ ضَمِنَ إذا خلَطَ حنطة
الناس إلاَّ في موضعٍ يكون مأذوناً بالخلطِ عُرفً(٧)) اهـ ملخَّصاً.
٧٨/٢
[٨٧٥٦] (قولُهُ: لِما مرَّ(٨) أي: قبيل باب زكاة المال.
[٨٧٥٧] (قولُهُ: فيجوزُ إِنْ أجازَ الزَّوجُ) أي: يجوزُ عنه أيضاً، ولا حاجةً إلى التقييد بالإجازة
بعد قوله أوَّلاً: ((أمَرَها زوجُها))، إلاَّ أن يقال: إنَّه إشارةٌ إلى الجواز وإنْ لم يوجد الأمرُ ابتداءً،
لكنْ لا بدَّ في جوازِ الإجازة من كون الحنطة قائمةً في يدِ الفقير، ففي "التتار خانَّةُ"(٩): ((سُئِلَ
"البقَّالِيُّ" عمَّن تصدَّقَ بطعامِ الغير عن صدقةِ الفطر قال: توقّفَتْ على إجازةِ المالك، فُتُعْتَبَرُ شرائطها
من قيامِ العين ونحوه، فإنْ لم يُحِزْ ضَمِنَ)) اهـ.
وفيها من الفصل التاسع (١٠) أيضاً عن "شرح [٢/ق ٢٨٠/ب] الطحاويٌّ": ((تصدَّقَ بماله
عن رجلٍ بلا أمرِهِ جاز عن نفسه وإنْ أجازَهُ الرَّجُلُ، ولو مالِ الرَّجُل فَإِنْ أجازه والمالُ قائمٌ جاز عنه،
(١) "الظهيرية": كتاب الزكاة - الفصل السابع في صدقة الفطر ق ٥٣/أ.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الزكاة - الفصل التاسع في المسائل المتعلقة بالزكاة ٢٨٦/٢.
(٣) قوله: ((دفَعَ رجلان لرجلٍ دراهمَ يتصدَّقُ بها عن زكاتهما، فخلَطَهَا ثُمَّ دفَعَها ضَمِنَ)) نقلاً عن "المحيط".
(٤) قوله: ((إلا إذا جدَّد الإذن أو أجاز المالكان)) نقلاً عن "الحجة".
(٥) قوله: ((أو وجد دلالة الإذن بالخلط)) نقلاً عن "السراجية".
(٦) قوله: ((كما جرت العادة بالإذن من أرباب الحنطة بخلط ثمن الغلاّت)) نقلاً عن "اليتيمة".
(٧) قوله: ((وكذا الطحان ضمن إذا خلط حنظة الناس إلا في موضع يكون مأذوناً بالخلط عرفاً)) نقلاً عن "الخانية".
(٨) ٥٢٥/٥ "در".
(٩) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثالث عشر في صدقة الفطر ٤٢٥/٢ - ٤٢٦ نقلاً عن "اليتيمة".
(١٠) "التاتر خانية": كتاب الزكاة ٢٨٤/٢ بتصرف.

الجزء السادس
١٧١
باب صدقة الفطر
ولو بالعكس قال في "النهر"(١): ((لم أره، ومقتضى ما مرَّ جوازُهُ عنهما
بلا إجازتِها )).
ولو هالكاً جاز عن المتطوِّع)).
[٨٧٥٨] (قولُهُ: ولو بالعكسِ) بأنْ أمرَتْهُ بأداءِ فطرتها، فخلَطَ حنطتَها بحنطته، "ط" (٢).
[٨٧٥٩] (قولُهُ: ومقتضى ما مرَّ(٣)) أي: من قوله: ((ولو أدَّى عنها بلا إذن أجزاً استحساناً
للإذنِ عادةً))، فإنَّه يدلُّ على جوازِ أدائه عنها من ماله، وإذا خلَطَ حنطتَها بحنطته في مسألتنا
صارت ملكَهُ، فيجوزُ عنه وعنها، ومثلُهُ ما في "التتار خانيَّةً"(٤) وغيرها: ((رجلٌ له أولادٌ وامرأةٌ
كالَ الحنطةَ لأجل كلِّ واحدٍ منهم حتَّى يُعطِيَ صدقةَ الفطر، ثمَّ جَمَعَ ودَفَعَ إلى الفقير بنَّتِهم
يجوزُ عنهم)) اهـ.
قلت: لكنْ قد يقال: إنَّ دفعَها الحنطةَ إليه من مالِها قرينةٌ على أنَّها أرادت أداءَ الفطرة من
مالِها لتنالَ فضيلة الصدقة، وذلك يُنافي إذَنَها له عادةً بالدَّفع من ماله، فينبغي عدمُ الجواز حيث
أرادت ذلك.
( تنبيةٌ )
ما نقلناه عن "التتار خانيَّة" دليلٌ على جواز الجمع، وأَنَّه لا يلزمُهُ إفرازُ كلِّ فطرةٍ عن غيرها
عند الدَّفع، ولكنْ لِيُنظَرْ أنَّ الإفراز أوّلاً شرطٌ أم لا، بل يكفيه دفعُ مدٍّ شاميٍّ مثلاً جملةً واحدةً عن
أربعةٍ، ويكونُ قوله: ((كالَ الحنطةَ إلخ)) بياناً للواقع؟ لم أره، وينبغي الثاني لحصولِ المقصود،
ومثلُهُ يقال فيما لو أرادَ دفع قيمة الحنطة عنه وعن عياله، والأحوطُ إفرازُ كلِّ واحدةٍ حَتَّى يُرى
نقلٌ صريحٌ في المسألة، والله أعلم.
(١) "النهر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ١/ق١١٦/أ.
(٢) "ط": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٣٨/١.
(٣) صـ١٥٢ - "در".
(٤) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثالث عشر في صدقة الفطر ٤٢٦/٢ نقلاً عن "خلاصة الفتاوى".

قسم العبادات
١٧٢
حاشية ابن عابدين
(ولا يَبْعَثُ الإِمامُ على صدقة الفطرِ ساعياً) لأنَّه عليه السلام لم يفعله، "بدائع"(١).
(وصدقةُ الفطرِ كالزَّكاةِ في المصارِفِ) وفي كلِّ حالٍ
[٨٧٦٠] (قولُهُ: ولا يبعثُ إلخ) في الحديث الصحيح: ((أَنَّه جعَلَ "أبا هريرة" على صدقة
الفطر(٢)، فكان يقبلُ مَن جاءه بصدقته من غيرِ أنْ يذهبَ إليهم))، "رحمتي".
قلت: فالمرادُ أَنَّه لا يبعثُ عاملاً كعاملِ الزَّكاة يذهبُ إلى القبائل بنفسه، فلا ينافي
ما في الحديث، تأمَّل.
[٨٧٦١] (قولُهُ: في المصارفِ) أي: المذكورةِ في آية الصَّدقات إلاَّ العاملَ الغنيَّ فيما يظهرُ،
ولا تصحُّ إلى مَن بينهما ولادٌ أو زوجيَّةٌ ولا إلى غنيٌّ أو هاشميٍّ ونحوِهم ممن مرَّ(٣) في باب
المصرف، وقدَّمنا(٤) بيانَ الأفضل في التصدُّق عليه.
[٨٧٦٢] (قولُهُ: وفي كلِّ حالٍ) ليس المرادُ تعميمَ الأحوال مطلقاً من كلِّ وجهٍ، فإنَّ لكلِّ
شروطاً ليست للأخرى؛ لأنّه يُشترَطُ في الزَّكاة الحولُ، والنّصابُ النامي، والعقلُ، والبلوغ، وليس
شيءٌ من [٢/ق ٢٨١/ أ] ذلك شرطاً هنا، بل المرادُ في أحوال الدَّفع إلى المصارف من اشتراطِ النَّةِ
واشتراطِ التمليك، فلا تكفي الإباحةُ كما في "البدائع"(٥)، هذا ما ظهَرَ لي، تأمَّل.
( فرعٌ )
قدَّمنا (٦) في المصرف عن "التتار خانيّة": ((لو دفَعَ الفطرةَ إلى الطَّالِ الذي يُوقِظُهم وقتَ
السَّحَر جاز، إلاَّ أنَّ الأحوط والأبعدَ عن الشُّبهة أنْ يُقَدِّمَ إليه قرصاتٍ هديَّةً ثُمَّ يعطيَهُ الحنطةَ)) اهـ
(١) "البدائع": كتاب الزكاة - باب في صدقة الفطر ٧٥/٢.
(٢) لم نعثر عليه بهذا السياق، وإنما أخرج البخاري (٢٣١١) كتاب الوكالة - باب إذا وكل رجلاً فترك الوكيل شيئاً،
والنسائي في "السنن الكبرى" ٢٣٨/٦، كتاب عمل اليوم والليلة - باب ذكر ما يكبُّ العفريت ويطفئ شعلته،
كلاهما من حديث أبي هريرة ◌ُّه قال: ((وكلني رسول الله بحفظ مال الزكاة))، وأما قوله: ((فكان يقبل مَنْ
جاءه ... إلخ)) فلم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر الحديثية، ولعله استنباطٌ من فقهائنا.
(٣) صـ ٩٠- وما بعدها "در".
(٤) صـ ١٢٥ - وما بعدها "در".
(٥) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل: ركن صدقة الفطر ٧٤/٢.
(٦) المقولة [٨٦٤٨] قوله: ((وإلا لا)).
1

الجزء السادس
١٧٣
باب صدقة الفطر
(إلاَّ في) جوازِ (الدَّفع إلى الذمِّيِّ) وعدمِ سقوطِها بهلاكِ المالِ، وقد مرَّ.
(ولو دفَعَ صدقةَ فطرِهِ إلى زوجةِ عبدِهِ جازَ) وإن كانت نفقتها عليه، "عمدة
الفتاوى" لـ "الشَّهيد"
[٨٧٢٣] (قولُهُ: إلاَّ في جوازِ الدَّفع إلى الدمِّيِّ) في "الخانَّة"(١): ((جاز ويكره))، وعند
"الشافعيّ" وإحدى الرِّوايتين عن "أبي يوسف" لا يجوزُ، "تاتر خانَّة"(٢). وقدَّمَ عن "الحاوي":
((أنَّ الفتوى على قول "أبي يوسف"))، ومرّ(٣) الكلامُ فيه.
( تنبيةٌ )
ينبغي استثناءُ العامل كما قلنا آنفاً (٤)؛ لأنّها ليست من عمالته.
[٨٧٦٤] (قولُهُ: وقد مرَّ كلٌّ من المسألتين، أمَّ الأُولى ففي باب المصرف(٥)، وأمَّا الثانية ففي
هذا الباب(٦)، "ح"(٧).
[٨٧٦٥] (قولُهُ: وإنْ كانت نفقتُها عليه) أي: على الدَّافع باعتبارِ التزامِهِ بذلك تبرُّعاً وجعلهِ
إيّاها من جملةٍ عياله، وإلاّ فنفقتُها على زوجها، ولذا لها بيعُهُ بها، وقد يقال: إنَّها على السيِّد
حكماً؛ لأنَّ العبد ملكُهُ، فإذا كان لها بيعُهُ بها صارت كأَنَّها واجبةٌ في ماله، ويُحتمَلُ إرجاعُ
الضمير إلى العبد، ووجهُ المبالغة أَنَّها إذا كانت نفقتُها عليه وهو ملكٌ لسيِّده ربما يُتوهَّمُ عدمُ
الجواز، فافهم.
(١) "الخانية": كتاب الصوم - فصل في صدقة الفطر ٢٣١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثالث عشر في صدقة الفطر ٤٢٤/٢.
(٣) صـ ١١٣- "در".
(٤) المقولة [٨٧٦١] قوله: ((في المصارف)).
(٥) صـ ١١٣ - "در".
(٦) صـ ١٤٣ - "در".
(٧) "ح": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ق١٢٤/ب بتصرف.

قسم العبادات
١٧٤
حاشية ابن عابدين
(خاتمةٌ) واجباتُ الإِسلام سبعةٌ: الفطرةُ، ونفقةُ ذي رَحِمٍ، ووِتْرٌ، وأضحيةٌ،
وعمرةٌ، وخدمةُ أبويه، والمرأةِ لزَوْجِها، "حدَّادي".
[٨٧٦٦] (قولُهُ: واجباتُ الإِسلام سبعةٌ) عزاه صاحب "الجوهرة"(١) إلى الإمام "المحبوبيِّ"،
وقد تقرَّرَ في الأصول أنَّ العدد لا مفهومَ له، أو يقال: إنَّ ((واجباتُ)) خبرٌ مقدّمٌ و((سبعةٌ)) مبتدأٌ
مؤخّرٌ، والمعنى أنَّ هذه السَّبعة من واجباتِ الإِسلام، ولعل لها خصوصيَّةً اشتركت فيها من بين
سائر الواجبات، فلا يَرِدُ ما في "ط ) (٢): ((من أَنَّه إنْ أرادَ المشتهر منها فغيرُ مسلَّم؛ لأَنَّ فَتَهُ صلاةُ
العيدين والجماعةِ وغيرهما، وإِنْ أراد مطلقَ واجبٍ ففي الصَّلاة والحجِّ وغيرهما واجباتٌ
لا تُحصَى، ومرادُهُ بالواجب ما يُعُمُّ الواجبَ ديانةً كخدمة المرأة لزوجها، والفرضَ العمليَّ كالوتر،
وعَدَّ العمرة منها بناءً على القول بوجوبها، وسيأتي(٣) اختلافُ التصحيح فيه))، والله تعالى أعلم.
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ١٦٢/١.
(٢) "ط": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٤٣٨/١.
(٣) صـ ٥١١ - وما بعدها "در".

الجزء السادس
١٧٥
کتاب الصوم
﴿كتابُ الصوم؟
﴿بسم الله الرَّحمن الرَّحِيم﴾
﴿كتابُ الصَّوم﴾
٧٩/٢
[٢/ق ٢٨١ /ب] قال في "الإيضاح": (( اعلم أنَّ الصَّوم من أعظمٍ أركان الدِّين، وأوثقِ
قوانين الشَّرع المتين، به قهرُ النفس الأمَّارة بالسُّوء، وأَنَّه مركّبٌ من أعمالِ القلب ومن المنع عن
المآكلِ والمشارب والمناكح عامَّةَ يومه، وهو أجملُ الخصال، غيرَ أنَّ أشقُّ التكاليف على النفوس،
فاقتضت الحكمةُ الإِلهِيَّةُ أنْ يُبدأ في التكاليف بالأخفِّ - وهو الصلاةُ - تمريناً للمكلَّف ورياضةً له،
ثم يُتَّى بالوسط - وهو الزّكاة - ويُثَلَّثَ بالأشقِّ وهو الصوم، وإليه وقعت الإشارةُ في مقام المدح
والترتيب: ﴿وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَتِ وَالصَّنَّبِمِينَ وَالصََّّبِمَتِ﴾
[ الأحزاب - ٣٥]، وفي ذكرٍ مباني الإسلام: (( وإقامِ الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة وصوم شهر
رمضان))، فاقتدت أئمَّةُ الشَّريعة في مصنّفاتهم بذلك )) اهـ. كذا في "شرح ابن الشلبيّ".
﴿کتابُ الصوم﴾
(قولُهُ: وأَنَّه مركَّبٌ من أعمالِ القلب ومن المنع إلخ) المرادُ بالصَّوم الأشقِّ صومُ خصوصِ الخصوص
- فإنَّه المركَّبُ من أعمال القلب ومن المنع عن المفطرات - لا مجرَّدُ الإمساك عن المفطرات، فإنَّه ليس أشقَّ
على النَّس من الزَّكاة، وذلك أنَّ الصوم على ثلاث مراتبَ: صومِ العموم، وصومِ الخصوص، وصومٍ
خصوص الخصوص، فصومُ العموم كفُّ البطن والفرج عن الشَّهوتين، وصومُ الخصوص كفُّ البصرِ
والسَّمْعِ والّسانِ واليدِ والرِّجْلِ وسائرِ الجوارح عن الآثام، وصومُ خصوصِ الخصوص صومُ القلب
عن الهموم الدنيئة والأفكار الدنيويَّةِ، وكفُه عمَّا سوى اللهِ بالكليّة، كذا في "الجوهرة"، وقد يقال: مَنْعُ
النّفس من الأكل ونحوه يوماً كاملاً أشقُّ ولا سيَّما المتنعِّمة.

قسم العبادات
١٧٦
حاشية ابن عابدين
قيل: لو قال: الصِّيام لكان أَولى لِما في "الظهيريَّة": ((لو قال: لله عليَّ صومٌ لَزِمَهُ
يومٌ، ولو قال: صيامٌ لَزِمَهُ ثلاثةُ أَيَّامٍ كما في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ ﴾
[ البقرة - ١٩٦]، وتُعُقِّبَ بأنَّ الصَّوم له أنواعٌ، على أنَّ أل تُبطِلُ معنى الجمع، ....
[٨٧٦٧] (قولُهُ: قيل) قائلُهُ صاحب "البحر"(١)، "ح"(٢).
[٨٧٦٨] (قولُهُ: لِما في "الظهيريَّة"(٣) إلخ) وجهُ الاستشهاد أنَّ هذا الفرع يدلُّ على أنَّ الصيام
جمعٌ أقلُهُ ثلاثَةُ أَيَّامٍ كما في الآية، فإنَّ فدية اليمين صومُ ثلاثةِ أَيَّامٍ، فكان التعبيرُ به أَولى لدلالته
على التعدُّدِ، فإنَّ الترجمة لأنواعِ الصيام الثلاثة، أعني الفرضَ والواجبَ والنفلَ.
[٨٧٦٩] (قولُهُ: وَتُعُقِّبَ إلخ) المتعقّبُ صاحب "النهر "(٤)، وحاصلُ كلام "الشارح" أنَّ الصوم
اسمُ جنسٍ له أنواعٌ، وهي الثلاثةُ المذكورة، فحيث عبَّرَ عنه بالصوم أو الصيام يرادُ منه أنواعُهُ
المترجَمُ لها لا ثلاثةُ أَيَّامٍ فأكثر، قال في "المغرب" (٥): (( يقال: صام صوماً وصياماً فهو صائمٌ، وهو
صومٌ وصياٌ )) اهـ.
فأفاد أنَّ مدلول كلٌّ من الصوم والصيام واحٌ ولا دلالةَ في واحدٍ منهما على التعدُّدِ، ولذا
قال "القاضي"(٦) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَفِيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة - ١٩٦]: ((إنَّه بيانٌ جنسِ
(قولُهُ: فإنَّ فديةَ اليمينِ إلخ) الآيةُ المذكورة مَسُوقَةٌ في فديةِ محظور الإحرام لا في فدية اليمين، يعني:
أنَّ المرتكب لمحظور من محظورات الإحرام لعذرٍ يُخيَّرُ بين أن يذبحَ نسكاً أو يصومَ ثلاثة أَيَّامٍ أو يُطعِمَ
ستّةً مساكين.
(١) "البحر": كتاب الصوم ٢٧٦/٢.
(٢) "ح": كتاب الصوم ق١٢٥/أ.
(٣) "الظهيرية": كتاب الصوم - فصل في النذر ق٥٩/ب.
(٤) "النهر": كتاب الصوم ق ١١٦/أ.
(٥) "المغرب": مادة((صوم)).
(٦) "أنوار التنزيل وأسرار التأويل": ص ٤٢- بتصرف يسير.