Indexed OCR Text

Pages 61-80

الجزء السادس
٥٧
باب العشر
کمستعیرٍ مسلمٍ،
( تنبيةٌ )
قال في "الخانَيَّة"(١): ((وإن استأجَرَ أو استعارَ أرضاً تصلُحُ للزِّراعة، فغرَسَ فيها كرماً
أو رِطاباً فالخراجُ على المستأجر والمستعير في قول "أبي حنيفة" و"محمَّدٍ"؛ لأَنّها صارت كرماً،
فخراجُها على مَن جعَلَها كرماً)) اهـ.
قال "الرَّمليُّ": ((مُقَادُه اشتراطُ كونه مُلتَفَّ الأشجارِ بحيث لا يصلحُ ما بين الأشجار
للزِّراعة، فإِنْ(٢) صَلَحَ فالخراجُ على المالك)) اهـ.
والحاصلُ: أَنَّ يجبُ الخراج على المؤجِّر والمعير إنْ بقيت الأرضُ [٢/ق٢٥١/ب] صالحةً
للزِّراعة، وإلاَّ فعلى المستأجر والمستعير.
[٨٤٦٨] (قولُهُ: كمستعيرٍ مسلمٍ) وأوجبَهُ "زفر" على المعير؛ لأنّه لَمَّا أقامَ المستعيرَ مُقَامَهُ لَزِمَهُ
كالمؤجِِّ، قلنا: حصل للمؤجِّرِ الأجرُ الذي هو كالخارجِ معنىً بخلاف المعير، وقَّدَ بالمسلم لأَنَّه
لو استعارَها ذمِّيٌّ فالعشرُ على المعير اتفاقاً لتفويتِهِ حقَّ الفقراء بالإعارةِ من الكافر، كذا في "شرح
درر البحار"(٣)، أي: لكونه ليس أهلاً للعشر، لكنْ في "البدائع"(٤): ((لو استعارَها كافرٌ فعندهما
(قولُهُ: وقَيَّدَ بالمسلم لأَنَّه لو استعارَها ذمِّيٌّ إلخ) قال "السنديُّ" نقلاً عن "السِّراج": ((لو أعارَها
من ذمِّيٌّ فالعشرُ على المعير عند "أبي حنيفة"؛ لأَنَّه لو كان الوجوب على الذمِّيِّ لوجب الخراج، ولو وجَبَ
لم يسقط عن المعير؛ لأنَّ الخراج لا يسقط بعد وجوبه، فيكونُ ذلك إضراراً به، فيجبُ إسقاط الضَّرر عنه،
ولا يتأَتَّى إسقاطه إلاَّ بإيجاب العشر على المعير المسلم؛ لأنَّ إيجاب العشر على الذمِّيِّ غيرُ ممكنٍ، وعند
"محمَّدٍ" يجبُ العشر على المستعير؛ لأَنَّه لا يتغيّرُ بتغُّرِ المالك، وعند "أبي يوسف" عشران إلخ)) اهـ.
(١) "الخانية": كتاب الزكاة - فصل في العشر والخراج ٢٧٢/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) من ((مفاده)) إلى ((فإن)) ساقط من "آ".
(٣) في "د": (("شرح المجمع الملكي")) بدل (("شرح درر البحار")).
(٤) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في شرائط الفرضية ٥٦/٢ بتصرف.

قسم العبادات
٥٨
حاشية ابن عابدين
وفي "الحاوي": ((وبقولهما نأخذُ))،.
العشرُ عليه، وعن "الإِمام" روايتان: في روايةٍ كذلك، وفي روايةٍ على المالك)) اهـ، تأمَّل.
[٨٤٦٩] (قولُهُ: وفي "الحاوي"(١)) أي: "القدسيّ"، "ح"(٢).
[٨٤٧٠] (قولُهُ: وبقولِهما نأخذُ) قلت: لكن أفْتَى بقولِ "الإمام" جماعةٌ من المتأخِرِين
كـ "الخير الرَّمليِّ" في "فتاواه"(٣)، وكذا تلميذُ "الشارح" الشيخ "إسماعيلُ الحائك" مفتي
دمشقَ، وقال: ((حتّى تفسدُ الإجارة باشتراط خراجها أو عشرِها على المستأجر كما في
"الأشباه"(٤)))، وكذا "حامد أفندي العماديُّ"، وقال في "فتاواه"(٥): ((قلت: عبارةُ "الحاوي
القدسيِّ" لا تُعارِضُ عبارةً غيره، فإنَّ "قاضي خان" من أهل الترجيح، فإنَّ مِن عادتِهِ تقديم
الأظهر والأشهر، وقد قدَّمَ(٦) قولَ "الإِمام"، فكان هو المعتمدَ، وأفتى به غيرُ واحدٍ، منهم
"زكريّا أفندي" شيخُ الإسلام(٧)، و"عطا الله أفندي" شيخُ الإسلام(٨)، وقد اقتصَرَ عليه
في "الإسعاف"(٩) و"الخصَّاف")) اهـ.
(١) "الحاوي القدسي": كتاب الزكاة - فصل: الواجب في الأراضي العشرية نوعان ق٥٨/ب.
(٢) "ح": كتاب الزكاة - باب العشر ق ١٢١/أ.
(٣) "الفتاوى الخيرية": كتاب السير - العشر والخراج ٩٩/١.
(٤) "الأشباه والنظائر": الفن الخامس - الحيل - الفصل السابع عشر في الإجارات صـ ٤٨٦ -.
(٥) انظر "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": باب الزكاة والعشر ١٠/١.
(٦) "الخانية": كتاب الزكاة - فصل في العشر والخراج ٢٧٢/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) زكريا بن بيرام الأنقره وي، مفتي الإسلام الرومي الحنفي (ت١٠٠١هـ). ("خلاصة الأثر" ١٧٣/٢، "هدية
العارفين" ٣٧٤/١).
(٨) محمد عطاء الله بن يحيى بن بيرعلي، المعروف بنوعي زاده الرومي الحنفي(ت١٠٤٤ هـ). ("خلاصة الأثر" ٢٦٣/٤،
"هدية العارفين" ٢٧٧/٢، "الأعلام" ١٤١/٧).
(٩) "الإسعاف في أحكام الأوقاف": باب إجارة الوقف ومزارعته ومساقاته صـ٧١-، وهو لإبراهيم بن موسى بن
أبي بكر، برهان الدين الطرابلسي (ت٩٢٢هـ). ("كشف الظنون" ٨٥/١، "النور السافر" صـ ١١١-، "الكواكب
السائرة" ١١٢/١).

الجزء السادس
٥٩
باب العشر
قلت: لكنْ في زماننا عامَّةُ الأوقاف من القرى والمزارع لرِضَى المستأجرِ بتحمُّلٍ غراماتها
ومؤنها، يستأجرُها بدون أجرِ المثل، بحيث لا تفي الأجرةُ ولا أضعافُها بالعشرِ أو خراجِ المقاسمة،
فلا ينبغي العدولُ عن الإفتاء بقولهما في ذلك؛ لأنّهم في زماننا يُقدِّرُون أجرةَ المثل بناءً على أنَّ
الأجرة سالمةٌ لجهةِ الوقف، ولا شيءَ عليه من عشرٍ وغيره، أمَّا لو اعتُبِرَ دفعُ العشر من جهةٍ
الوقف، وأنَّ المستأجر ليس عليه سوى الأجرةِ فإنَّ أجرةَ المثل تزيدُ أضعافاً كثيرةً كما لا يخفى،
فإنْ أمكَنَ أخذُ الأجرة كاملةً يُفتَى بقول "الإِمام"، وإلاَّ فبقولهما لِما يلزمُ عليه من الضَّرر الواضح
الذي لا يقولُ به أحدٌ، والله تعالى أعلم.
مطلبٌ: هل يجبُ العشر على المزارعين في الأراضي السلطانيّة؟
( تتمَّةٌ )
في "التتار خالنَّة"(١): ((السلطانُ إذا دفَعَ أراضيَ لا مالكَ لها - وهي التي تُسمَّى الأراضيَ
[٢ /ق٢٥٢/ أ] المملَّكة - إلى قومٍ لُيُعطُوا الخراجَ جاز، وطريقُ الجواز أحدُ شيئين: إِمَّا إقامتُهم مُقَامَ
الملّك في الزِّراعة وإعطاءِ الخراج، أو الإجارةُ بقدْرِ الخراج، ويكونُ المأخوذ منهم خراجاً في حقِّ
الإمام أجرةً في حقّهم)) اهـ.
ومن هذا القبيلِ الأراضي المصريَّةُ والشاميَّةُ كما قدَّمناه(٢)، ويُؤخَذُ من هذا أَنَّه لا عُشرَ على
المزارعين في بلادنا إذا كانت أراضيهم غيرَ مملوكةٍ لهم؛ لأنَّ ما يأخذُهُ منهم نائبُ السلطان - وهو
المسمَّى بالزَّعيم أو التيماريِّ - إنْ كان عشراً فلا شيءَ عليهم غيرُهُ، وإنْ كان خراجاً فكذلك؛ لأَنَّه
لا يجتمعُ مع العشر، وإنْ كان أجرةً فكذلك على قول "الإِمام" من أنّه لا عشرَ على المستأجر،
وأمَّا على قولهما فالظاهرُ أَنَّه كذلك لِما علمتَ من أنَّ المأخوذ ليس أجرةً من كلِّ وجهٍ؛ لأَنَّه
خراجٌ في حقِّ الإمام، تأمَّل.
(١) "التاتر خانية": كتاب الخراج - الفصل الخامس في بيان من يجب عليه الخراج ومن لا يجب ٤٢٤/٥ - ٤٢٥.
(٢) المقولة [٨٣٩٧] قوله: ((ووقف)).

قسم العبادات
٦٠
حاشية ابن عابدين
وفي المزارعةِ إنْ كان البَذْرُ مِن ربِّ الأرض فعليه، ولو من العامل فعليهما بالحِصَّة،
[٨٤٧١] (قولُهُ: وفي المزارعةِ إلخ) قال في "النهر "(١): ((ولو دفَعَ الأرضَ العشريَّةَ مُزَارَعةً
٥٥/٢ إن البَذْرُ من قِبَلِ العامل فعلى ربِّ الأرض في قياس قوله لفسادها، وقالا: في الزَّرع لصحَّتِها - وقد
اشتُهرَ أنَّ الفتوى على الصحَّة - وإِنْ من قِبَلِ ربِّ الأرض كان عليه إجماعاً)) اهـ. ومثلُهُ
في "الخانيّة"(٢) و"الفتح"(٣).
والحاصلُ: أنَّ العشر عند "الإِمام" على ربِّ الأرض مطلقاً، وعندهما كذلك لو البَذْرُ منه،
ولو من العاملِ فعليهما، وبه ظهَرَ أنَّ ما ذكرَهُ "الشارح" هو قولُهما اقتصَرَ عليه لِما علمتَ من أنَّ
الفتوى على قولهما بصحَّةِ المزارعة، فافهم. لكن ما ذكر من التفصيل يخالفُهُ ما في "البحر"(٤)
و"المجتبى" و"المعراج" و"السِّراج"(٥) و"الحقائق"(٦) و"الظهيريَّة"(٧) وغيرها: ((من أنَّ العشر
(قولُهُ: العشرُ عند "الإِمام" على ربِّ الأرض مطلقاً) لأَنَّه إن كان البذرُ لربِّ الأرض فلا شبهةً في
وجوب العشر عليه، وأمَّا إذا كان للآخر فلأنَّ ربَّ الأرض مؤجِّرٌ، ومذهبه أنَّ العشر على المؤجِّر. اهـ "ط".
(قولُهُ: وعندهما كذلك لو البذرُ منه إلخ) لم أر توجيه هذه الرِّواية، ولعلَّه أَنَّه إذا كان البذرُ من العامل
يكونُ كلٌّ منهما صاحبَ أصلٍ، صاحبُ الأرض بأرضه المنبتة بطبعها، وصاحبُ البذر ببذره المنبت، والخارجُ
بينهما، فيجب العشر عليهما لعدم المرجِّح، وأمَّا إذا كان البذرُ من قِبَلِ ربِّ الأرض لم يكن الآخر صاحبَ
أصلٍ، ويكون أجيراً على العمل ببعض الخارج، فيكون نظيرَ ما لو كان أجيراً على العمل بأجرةٍ من غير
الخارج، فيكونُ منه العمل المتلاشي الذي هو سببُ الإنبات وإن عدُّوْهُ من الأركان، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الزكاة - باب العشر ق ١١٠/ب.
(٢) "الخانية": كتاب الزكاة - باب العشر ٢٧٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة - باب زكاة الزروع والثمار ١٩٤/٢.
(٤) "البحر": كتاب الزكاة - باب العشر ٢٥٥/٢.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الزكاة - باب زكاة الزروع والثمار ١/ق ٤٤٠/ب.
(٦) "حقائق المنظومة": كتاب الزكاة ق ٢٢/أ بتصرف.
(٧) "الظهيرية": كتاب الزكاة - فصل في العشر والخراج ق ٥٠/ب -٥١/أ.

الجزء السادس
٦١
باب العشر
على ربِّ الأرض عنده، وعليهما عندهما)) من غيرِ ذكرِ هذا التفصيل، وهو الظاهرُ؛ لِما في
"البدائع"(١): ((من أنَّ المزارعة جائزةٌ عندهما، والعشرُ يجبُ في الخارج، والخارجُ بينهما فيجبُ
العشر عليهما)) اهـ.
وفي "شرح درر البحار"(٢): ((عشرُ جميعِ الخارج على ربِّ الأرض عنده؛ لأنَّ المزارعة
فاسدةٌ عنده، فالخارجُ له إمَّا تحقيقاً أو تقديراً؛ لأنَّ البَذْر إنْ كان من قِيَلِه فجميعُ الخارج
[٢/ق٢٥٢/ب] له، وللمُزارِع أجرُ مثلٍ عمله، وإنْ كان من قِبَلِ المزارع فالخارجُ له، ولربِّ
الأرض أجرُ مثلِ أرضه الذي هو بمنزلةِ الخارج، إلاَّ أنَّ عُشر حصَّتِهِ في عينِ الخارج، وعشرَ حصَّةٍ
المزارع في ذمَّةِ ربِّ الأرض، وفائدةُ ذلك السُّقُوطُ بالهلاك إذا نِيْطَ بالعين، وعدمُهُ إذا نِيْطَ بالذمَّة،
وأوجبا - ومعهما "أحمدُ" - العشرَ عليهما بالحِصَصِ لسلامة الخارجِ لهما حقيقةٌ)) اهـ. فكان ينبغي
لـ "الشارح" متابعةُ ما في أكثرِ الكتب.
(قولُهُ: إلاَّ أنَّ عشر حصَّتِهِ إلخ) أي: في مسألَتَيْ ما إذا كان البذرُ من ربِّ الأرض أو العامل كما
تفيدُهُ عبارة "البحر"، وفي "المنيع شرح المجمع": ((وفائدةُ ذلك السُّقوطُ بالهلاك إذا كان مَنُوطاً بالعين،
حَ وعدمُهُ إذا كان مَنُوطً بالذمَّة، والمزارعةُ وإن كانت فاسدةً عنده لكن إنما فَرّع بناءً على أنَّه لو صحَّحَها
لكان الحكمُ كذا)) اهـ. وفي "شرح منظومة الخلافيَّات": ((ولو كان يجيزُها - أي: المزارعةَ - كان على
مذهبه جميعُ العشر على ربِّ الأرض، إلاَّ أنَّ في حصَّته يجبُ في عينه، وفي حصة المزارع يكون دَيناً
في ذمَّته)) انتھی.
(قولُهُ: فكان ينبغي لـ "الشارح" إلخ) سيأتي لـ "المحشِّي" في المزارعة عن "السائحانيّ": ((أَنَّ
التفصيل المذكور حسنٌ)) اهـ. بل الأظهرُ أن يقال: يُقَّدُ الإطلاق الواقع في أكثرِ الكتب بما وقع من
التفصيل المذكور في بعضها حملاً للمطلق على المقيَّد كما هو القاعدة، وحينئذٍ لا اختلافَ في المسألة.
(١) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في شرائط الفرضية ٥٦/٢.
(٢) "غرر الأذكار شرح درر البحار": كتاب الزكاة - ذكر العشر ق ٧١/أ.

قسم العبادات
٦٢
حاشية ابن عابدين
ومَن له حَظٍّ في بيتِ المال وظَفِرَ.
ثمَّ اعلم أنَّ هذا كلَّهُ في العشرِ، أمَّا الخراجُ فعلى ربِّ الأرض إجماعاً كما في "البدائع"(١).
[٨٤٧٢] (قولُهُ: ومَن له حظٌّ) أي: نصيبٌ ((في بيتِ المال)) في أيِّ بيتٍ من البيوتِ الأربعة
الآتية مع بيانٍ مستحقّيها في النّظم، "ط)"(٢).
قلت: وهذه المسألةُ ذكَرَها "المصنّفُ)(٣) متناً في مسائلَ شتَّى آخر الكتاب، ونظَمَها
"ابن وهبان"(٤) في "منظومته"، وقال "ابن الشِّحنة"(٥) في "شرحها": ((ومَن له الحظُّ هم القضاةُ
والعمَّال والعلماء والمقاتلة وذراريهم، والقدرُ الذي يجوزُ لهم أخذُهُ كفايْتُهم، قال
"المصنّف": وكذلك طالبُ العلم والواعظُ الذي يعظُ الناسَ بالحقِّ والذي يُعلِّمُهم)) اهـ.
قلت: لكنَّ هؤلاء لهم حظٍّ في أحدٍ بيوت المال، وهو بيتُ الخراج والجزية كما يأتي(٦)
قريباً، وظاهرُ كلامه أنَّ لأحدهم الأخذَ من أيِّ شيءٍ وجَدَهُ وإنْ لم يكن من مالِ البيت المعدِّ لهم،
وهو خلافُ الظاهر من كلامهم، وإلاَّ لم تبقَ فائدةٌ لجعلِ البيوت أربعةً، نعم يأتي(٧) أنَّه للإمام
أنْ يَستقرِضَ من أحدِ البيوت ليصرفَهُ للآخرِ ثُمَّ يَرُدَّ ما استقرَضَ، فإنَّه يقتضي جوازَ الدَّفع من بيتٍ
آخرَ للضرورة، ففي مسألتنا إنْ كان يمكنُهُ الوصولُ إلى حقّهِ ليس له الأخذُ من غير بيته الذي
يَستحِقُّ هو منه، وإلاَّ - كما في زماننا - يجوزُ للضرورة؛ إذ لو لم يَحُزْ أخذُهُ إِلاَّ من بيته لزمَ
أنْ لا يبقى حقٌّ لأحدٍ في زماننا لعدم إفرازِ كلِّ بيتٍ على حدٍّ، بل يخلطون المالَ كلَّهُ، ولو لم
يأخذ ما ظفر به لا يمكنُهُ الوصولُ إلى شيءٍ، فليتأمَّل.
(١) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في شرائط الفرضية ٥٦/٢.
(٢) "ط": كتاب الزكاة - باب الركاز ٤٢١/١ - ٤٢٢.
(٣) انظر المقولة [٣٦٩٠٠] قوله: ((كالعلماء)).
(٤) "الوهبانية": فصل من كتاب الزكاة صـ١٥- (هامش "المنظومة المحبية").
(٥) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الزكاة ق٥٦/أ.
(٦) المقولة [٨٤٨٩] قوله: ((وثالثها حواه مقاتلون)).
(٧) المقولة [٨٤٨٢] قوله: ((بيوت المال أربعة)).

الجزء السادس
٦٣
باب العشر
بما هو موجَّةٌ له له أَخْذُهُ ديانةً، وللمودَعِ صرفُ وديعةٍ مات رُبُّها ولا وارثَ لنفسه
أو غيره من المصارف، دَفْعُ النَّائبةِ والظُّلمِ عن نفسِهِ أَولِى إلاَّ إذا تحمَّلَ.
[٨٤٧٣] (قولُهُ: بما هو مُوجَّةٌ له) أي: بشيءٍ يتوجَّهُ لبيتِ المال، [٢/ق٢٥٣/ أ] أي: يُستحَقُّ
له، والذي في "شرح الوهبانيَّة"(١) عن "القنية"(٢) عن الإمام "الوبريّ": ((مَن له حظٍّ في بيتِ المال
ظَفِرَ بمالِ وُجِّهَ لبيتِ المال فله أنْ يأخذَهُ ديانةً، وللإمام الخيارُ في المنع والإعطاء في الحكم، أي:
في القضاء)) اهـ.
قلت: أي: له الخيارُ في إعطاءِ ذلك للواجد إذا عَلِمَ به ليُعطيَهُ حقَّهُ من غيره؛ إذ ليس له
الخيارُ في منعِ حقّه من بيتِ المال مطلقاً كما لا يخفى.
[٨٤٧٤] (قولُهُ: وللمودّعِ إلخ) قال في "شرح الوهبائيّة"(٣): ((وفي "البزَّازِيَّة"(٤): قال الإِمام
"الحلوانيُّ": إذا كان عنده وديعةٌ، فمات المودِعُ بلا وارثٍ له أنْ يَصِفَ الوديعةَ إلى نفسه في زماننا
هذا؛ لأَنَّه لو أعطاها لبيتِ المال لضاعَ؛ لأَنَّهم لا يَصرِفُون مصارفَهُ، فإذا كان من أهلِهِ صرَفَهُ
إلى نفسه، وإنْ لم يكن من المصارف صرَفَهُ إلى المصرف)) اهـ.
وقوله: ((وإنْ لم يكن من المصارفِ)) يؤيِّدُ ما قلناه آنفاً، حيث أطلَقَ المصارف ولم يقِّدها
بمصارفِ هذا المال، فشمل مصارفَ البيوت الأربعة، تأمَّل.
[٨٤٧٥] (قولُهُ: دَفْعُ النائبةِ والظلمِ عن نفسه أَولى إلخ) النائبةُ: ما يَنوبُهُ من جهةِ السلطان
(قولُهُ: أن يَصرِفَ الوديعةَ إلى نفسه في زماننا هذا) الظاهرُ أنّه غيرُ قیدٍ.
(قولُ "الشارح": دفعُ النَّائبةِ والظُّلمِ عن نفسه أَولى إلخ) ليس المرادُ به ما يتبادرُ منه، بل أنَّه لازمٌ.
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الزكاة ق ٥٦/أ.
(٢) "القنية": کتاب الزكاة - باب في بيت المال ق ٣٠/ب.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الزكاة ق ٥٦/أ.
(٤) "البزازية": كتاب الزكاة - الباب الثاني في المصرف ٨٨/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").

قسم العبادات
٦٤
حاشية ابن عابدين
من حقٍّ أو باطلٍ أو غيرِهِ كما في "القنية"(١) عن "البزدويِّ"، والمرادُ دفعُ ما كانت بغيرِ حقّ،
ولذا عطَفَ الظلمَ تفسيراً، وفيها(٢) عن شمس الأئمَّة "السرخسيِّ": ((توجَّهَ على جماعةٍ جبايةٌ
بغيرِ حقٌّ فلبعضهم دفعُها عن نفسه إذا لم يَحمِل حصَّتَهُ على الباقين، وإلاَّ فالأَولى أنْ
لا يدفعَها عن نفسه))، ثمَّ نقَلَ "صاحب ◌ُالقنية"(٣) عن شيخه "بديعِ"(٤): ((أَنَّ فيه أشكالاً؛
لأنَّ إعطاءه إعانةٌ للظَّالِمِ على ظلمه، فإنَّ أكثر النوائب في زماننا بطريقِ الظلم، فمَن تمكَّنَ
من دفعِ الظلم عن نفسه فذلك خيرٌ له)) اهـ ملخَّصاً.
وعليه مشى "ابن وهبان"(٥) في "منظومته"، وأجاب "ابن الشِّحنة" (٦): ((بأنَّ الإشكالَ
مدفوعٌ بما فيه من إيقاعٍ(٧) الظلم على الضعيفِ العاجزِ بواسطة دفعه عن نفسه)) اهـ.
قلت: فيه نظرٌ، فإنَّ ما حَرُمَ أخذُهُ حَرُمَ إعطاؤه كما في "الأشباه"(٨)، أي: إلاَّ لضرورةٍ، فإذا
كان الظالِمُ [٢/ق٢٥٣/ب] لا بدَّ من أخذه المالَ على كلِّ حالٍ لا يكونُ العاجزُ عن الدَّفع عن
نفسِهِ آثماً بالإِعطاء بخلاف القادر، فإنَّه بإعطائه ما يحرُمُ أخذُهُ يكون مُعيناً على الظلم باختياره، تأمَّل.
(قولُهُ: يكون مُعِيناً على الظُّلم إلخ) هو - وإن كان كذلك - يتحمَّل لدفع الضرر عن الضعيف،
ولو دفَعَ عن نفسه يكون مُعِيناً على ظلم الفقير، فيرتكبُ الأخفَّ، تأمَّل.
(١) "القنية": كتاب الكراهية والاستحسان - باب في الاستحلال ورد المظالم ق ٧٦/أ.
(٢) "القنية": كتاب الكراهية والاستحسان - باب في الاستحلال ورد المظالم ق٧٦/ب.
(٣) "القنية": كتاب الكراهية والاستحسان - باب في الاستحلال ورد المظالم ق٧٦/ب.
(٤) انظر ما حررناه حول هذا العَلَم في ١٩٥/١.
(٥) "الوهبانية": فصل من كتاب الزكاة صـ١٥- (هامش "المنظومة المحبية").
(٦) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الزكاة ق٥٨/أ.
(٧) في النسخ جميعها: ((أنواع))، وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه من ابن الشحنة.
(٨) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - النوع الثاني من القواعد - القاعدة الرابعة عشرة: ما حرم أخذه حرم إعطاؤه
صـ ١٨٣ -.

الجزء السادس
٦٥
باب العشر
حصَّتَهُ باقيهم، وتصحُّ الكفالةُ بها، ويُؤْجَرُ مَن قام بتوزيعِها بالعدل وإنْ كان الأخذُ
ء
باطلا،
٥٦/٢
[٨٤٧٦] (قولُهُ: حصََّهُ) مفعولُ ((تحمَّلَ))، و((باقيهم)) فاعلُهُ، أي: باقي جماعته.
[٨٤٧٧] (قولُهُ: وتصحُّ الكفالةُ بها) أي: بالنائبةِ سواءٌ كانت بحقّ - ككِرَى النهرِ المشترَكِ
للعامَّة، وأجرةِ الحارس للمحلَّة المسمَّى بديارِ مصر الخفيرَ، وما وُظِّفَ للإمام ليجهِّزَ به الجيوشَ
وفداءَ الأسارى، بأن احتاجَ إلى ذلك ولم يكن في بيتِ المالِ شيءٌ، فوظّفَ على الناس ذلك،
والكفالةُ به جائزةٌ اتفاقاً - أو كانت بغيرِ حقِّ كحباياتِ زماننا، فإنّها في المطالبة كالدُّيون بل فوقَها،
حتّى لو أُخِذَتْ من الأَكَّارِ فله الرُّجوعُ على مالكِ الأرض، وعليه الفتوى، وقَّدَهُ "شمس الأئمّة"
بما إذا أمَرَهُ به طائعاً، فلو مُكرَهاً في الأمرِ لم يُعتبَرْ أمرُهُ بالرُّجوع، ذكرَهُ "الشارحُ" وصاحب
"النهر"(١) في الكفالة، "ط" (٢).
قلت: ومعنى صحَّةِ الكفالة بالنائبة التي بغيرِ حقِّ أنَّ الكفيل إذا كَفِلَ غيرَهُ بها بأمرِهِ
كان له الرُّجوعُ عليه بما أخَذَهُ الظالِم منه، لا بمعنى أنَّه يثبتُ للظالم حقُّ المطالبة على الكفيل،
فلا يَرِدُ ما قيل: إنَّ الظلم يجبُ إعدامه، فكيف تصحُّ الكفالة به؟! كما سنحقّقُه(٣) في محلّه
إن شاء الله تعالی.
[٨٤٧٨] (قولُهُ: ويُؤْجَرُ مَن قَامَ بتوزيعِها بالعدلِ) أي: بالمعادلة كما عبَّرَ في "القنية"(٤)،
أي: بأنْ يُحمِّلَ كلَّ واحدٍ بقدْرِ إطاقته؛ لأَنَّه لو ترَكَ توزيعَها إلى الظالِمِ ربما يُحمِّلُ بعضَهم ما
لا يطيقُ، فيصيرُ ظلماً على ظلمٍ، ففي قيام العارف بتوزيعها بالعدل تقليلٌ للظلم، فلذا يُؤُجَرُ،
وهذا اليومَ كالكبريت الأحمر، بل هو أندر.
(١) "النهر": ق ٤٢٢ /ب ملخصاً.
(٢) "ط": كتاب الزكاة - باب العشر ٤٢٢/١.
(٣) المقولة [٢٥٧٣٠] قوله: ((وعليه الفتوى)).
(٤) "القنية": كتاب الكراهية والاستحسان - باب في الاستحلال ورد المظالم ق ٧٦/أ.

قسم العبادات
٦٦
حاشية ابن عابدين
وهذا يُعرَفُ ولا يُعرَّفُ كَفَّاً لمادَّة الظُّلم، يجوزُ ترك الخراج للمالك لا العشرِ،
وسيجيءُ تمامُهُ مع بيان بيوت المال ومصارفها في الجهاد،.
[٨٤٧٩] (قولُهُ: وهذا يُعرَفُ إلخ) المشارُ إليه غيرُ مذكورٍ في كلامه، وأصلُهُ في "القنية"(١)
حيث قال: ((وقال "أبو جعفرِ " البلخيُّ: ما يَضرِبُهُ السلطانُ على الرعيَّة مصلحةً لهم يصيرُ دَيناً
واجباً وحقّاً مُستحَقًّا كالخراج، وقال مشايخنا: وكلُّ ما يَضرِبُهُ الإِمامُ عليهم لمصلحةٍ لهم فالجوابُ
هكذا حتّى [٢/ق ٢٥٤ /أ] أجرةُ الحرَّاسين لحفظِ الطريق واللُّصوص ونَصْبِ الدُّروب وأبوابِ
السِّكك، وهذا يُعرَفُ ولا يُعرَّفُ خوفَ الفتنة))، ثُمَّ قال: ((فعلى هذا ما يُؤخَذُ في خوارزم من
العامَّةِ لإصلاح مُسنَّةِ الجيحون أو الرَّبض ونحوِهِ من مصالحِ العامَّة دينٌ واجبٌ لا يجوزُ الامتناع
عنه، وليس بظلمٍ، ولكنْ يُعلَمُ هذا الجوابُ للعمل به وكفِّ اللّسان عن السلطان وسُعاته فيه
لا للتشهيرِ حَتّى لا يتجاسروا في الزِّيادة على القدْرِ المستحقِّ)) اهـ.
قلت: وينبغي تقييدُ ذلك بما إذا لم يوجد في بيتِ المال ما يكفي لذلك؛ لِما سيأتي(٢)
في الجهاد من أَنَّه يكرهُ الجُعْلُ إِنْ وُجِدَ فِيءٌ.
[٨٤٨٠] (قولُهُ: يجوزُ تركُ الخراجِ للمالك إلخ) سيأتي(٣) في الجهاد متناً وشرحاً ما نصُّهُ:
((ترَكَ السلطانُ أو نائبه الخراجَ لربِّ الأرض، أو وهَبَهُ ولو بشفاعةٍ جاز عند "الثاني"، وحلَّ
(قولُ "الشارح": وهذا يُعرَفُ ولا يُعرَّفُ إلخ) وذلك أنَّا لو عَرَّفنا الناس أنَّ مَن قام بتوزيع المظالم
المضروبة بالعدل يُؤْجَرُ يتجاسرُ الناس على الدُّخول في التوظُّف بها زاعمين العدلَ كذباً، بخلاف ما إذا
لم يَعرِفوا ذلك؛ إذ دِيْنُهم يمنعهم من الدخول بها، وربما حصل الكفُّ عن مادَّة الظلم لعدم مَن يقوم به.
(قولُهُ: غيرُ مذكورٍ في كلامه) لكنَّه مأخوذٌ من قوله: (( وَيُؤجَرُ مَن قام إلخ )).
(١) "القنية": كتاب الكراهية والاستحسان - باب في الاستحلال ورد المظالم ق ٧٦/أ - ب بتصرف.
(٢) المقولة [١٩٥٢٧] قوله: ((وكره الجعل)).
(٣) انظر المقولة [٢٠٠٥٨] قوله: ((ولا يتكرر الخراج إلخ)).

الجزء السادس
٦٧
باب العشر
ونظَمَها "ابن الشِّحنة"(١) فقال:
له لو مَصرِفاً، وإلاَّ تصدَّقَ به، به يُفتى، وما في "الحاوي"(٢) من ترجيحِ حلِِّ لغيرِ المصرف خلافُ
المشهور، ولو ترَكَ العشرَ لا يجوزُ إجماعاً، ويُخرِجُه بنفسِهِ للفقراء، "سراج"(٣). خلافاً لِما
في قاعدةٍ: تصرُّفُ الإِمام مَنُوطٌ بالمصلحة من "الأشباه"(٤) مَعزًّ لـ "البزَّازِيَّةِ "(٥)، فتنبّ)) اهـ.
قلت: والذي في "الأشباه" عن "البزَّازيَّة": ((إذا تُرِكَ العشرُ لمن عليه جاز غنيّاً كان أو فقيراً،
لكنْ إنْ كان المتروكُ له فقيراً فلا ضمانَ على السلطان، وإنْ كان غنيّاً ضَمِنَ السلطانُ العُشرَ
للفقراءِ من بيت مالِ الخراج لبيتِ مال الصدقة)) اهـ.
قلت: وما في "الأشباه" ذكَرَ مثلَهُ في "الذَّخيرة" عن "شيخ الإسلام" بقوله: ((لو غنيّاً كان له
جائزةً من السلطان، ويضمنُ مثلَهُ من بيتِ الخراج لبيتِ الصدقة، ولو فقيراً كان صدقةً عليه،
فيجوزُ كما لو أخَذَهُ منه ثمَّ صرَفَهُ إليه، ولذا قالوا بأنَّ السلطان إذا أخَذَ الزَّكاةَ من صاحب المال
فافتقَرَ قبل صرفها للفقراء كان له أنْ يَصرِفَها إليه كما يَصرِفُها إلى غيره)).
[٨٤٨١] (قولُهُ: ونظَمَها "ابنُ الشِّحنة"(٦)) هو "محمَّدٌ" والدُ شارحِ المنظومة "عبد البَرِّ"، والنَّظْمُ
من بحر الوافر.
(قولُهُ: ولو ترَكَ العشرَ إلخ) لعلَّ الفرق أنَّ العشر مصرفُهُ مصرفُ الزَّكاة؛ لأَنَّه زكاةُ الخارج،
ولا يكونُ الإنسان مصرفاً لزكاةٍ نفسه بخلاف الخراج، فإنَّه ليس زكاةً، ولذا يوضع على أرض الكافر.
اهـ "محشِّي" من الجهاد.
(١) "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الزكاة ١/ق٥٦/أ.
(٢) "الحاوي القدسي": كتاب الخراج - فصل: الخراج نوعان ق٥٩/أ.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الزكاة - باب زكاة الزروع والثمار ١/ق ٤٤٤/أ.
(٤) "الأشباه والنظائر": القاعدة الخامسة - تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة صـ١٣٨ -.
(٥) "البزازية": كتاب الزكاة - الباب الثالث في العشر والخراج ٩٣/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الزكاة ق٥٦/أ.

قسم العبادات
٦٨
حاشية ابن عابدين
بيوتُ المالِ أربعةٌ لكلِّ
فأوَّلُها الغنائمُ والكنوزُ
مَصَارِفُ بََّتْها العالِمُونَ
رِكازٌ بعدَها المتصدِّقونَ
مطلب في بيان بيوت المال ومصارفها
[٨٤٨٢] (قولُهُ: بيوتُ المالِ أربعةٌ) سيأتي(١) في آخرِ فصلِ الجزية [٢/ق ٢٥٤/ب]
عن "الزيلعيّ)(٢): ((أَنَّ على الإمامِ أنْ يجعلَ لكلِّ نوعٍ بيتاً يخصُّهُ، وله أنْ يستقرضَ من أحدها
ليَصرِفَهُ للآخر، ويعطي بقدْرِ الحاجة والفقهِ والفضلِ، فإنْ قصَّرَ كان الله تعالى عليه حسيباً)) اهـ.
وقال "الشرنبلاليُّ" في "رسالته"(٣): ((ذكروا أنّه يجبُ عليه أنْ يجعلَ لكلِّ نوعٍ منها بيتاً
يخصُّهُ، ولا يخلطَ بعضَهُ ببعضٍ، وأَنَّه إذا احتاجَ إلى مصرفِ خزانةٍ وليس فيها ما يفي به يَستقرِضُ
من خزانةٍ غيرها، ثمَّ إذا حصَلَ للتي استقرَضَ لها مالٌ يُرَدُّ إلى المستقرَضِ منها، إلاَّ أنْ يكون
المصروفُ من الصَّقات أو خُمسِ الغنائم على أهلِ الخراج وهم فقراءُ؛ فإنَّه لا يَرُدُّ شيئاً
لاستحقاقِهم للصَّدقاتِ بالفقر، وكذا في غيره إذا صرَفَهُ إلى المستحقِّ)) اهـ.
(٨٤٨٣] (قولُهُ: لكلِّ مصارفُ) أي: لكلِّ بيتٍ محلاَّتٌ يُصرَفُ إليها.
[٨٤٨٤] (قولُهُ: فأوَّلها الغنائمُ إلخ) أي: أوَّلُ الأربعةِ بيتُ أموال الغنائم، فهو على حذفٍ
مضافين، وكذا يقال فيما بعده، "ط)(٤). ويُسمَّى هذا بيتَ مالِ الخُمس، أي: خُمسِ الغنائم
والمعادن والرِّكاز كما في "التتار خانيَّة"(٥)، فقولُهُ: ((الرِّكازُ)) - وفي نسخةٍ: ((ركازٌ)) منوَّناً - من
عطفِ العامِّ بحذف حرفِ العطف.
[٨٤٨٥] (قولُهُ: وبعدَها (٦) المتصلِّقون) مبتدأ وخبرٌ، والأَولى: وبعدَهُ بالتذكير، أي: بعدَ الأوَّلِ،
(١) انظر المقولة [٢٠٢٤٣] قوله: ((بيتاً يخصه)).
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب السير - فصل في الجزية ٢٨٣/٣ بتصرف.
(٣) لعلها المسماة بـ "الدرة اليتيمة في الغنيمة" لأبي الإخلاص حسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت ١٠٦٩ هـ).
("إيضاح المكنون" ٤٦٢/١، "خلاصة الأثر" ٣٨/٢).
(٤) "ط": كتاب الزكاة - باب العشر ٤٢٢/١.
(٥) "التاتر خانية": كتاب المعادن والركاز والكنوز ٣٤٣/٢ نقلاً عن "الأصل".
(٦) في هامش "م": قول المحشي: ((وبعدها إلخ)) كذا بالأصل المقابل على خط المؤلف بالواو، ونُسَخ الشرح بدونها،
وهو المتعين. اهـ مصححه.

الجزء السادس
٦٩
باب العشر
وثالثُها خراجٌ مَعْ عُشُورٍ
وجالِيَةٌ يَلِيها العاملونَ
٥٧/٢
إلاّ أنْ يقال: إِنَّ أَوَّلها اكتسَبَ التأنيث من المضاف إليه، أو أعادَ الضميرَ على الغنائم وما عُطِفَ
عليها؛ لأَنَّها نفسُ الأوَّلِ، أي: وثانيها بيتُ أموال المتصلِّقين، أي: زكاةِ السَّوائم، وعشورِ
الأراضي، وما أخذَهُ العاشرُ من تُجَّارِ المسلمين المارِّين عليه كما في "البدائع)"(١).
[٨٤٨٦] (قولُهُ: وثالثُها إلخ) قال في "البدائع"(٢): ((الثالثُ: خراجُ الأراضي، وجزيةُ الرُّؤُوس،
وما صُولِحَ عليه بنو نجرانَ من الحللِ، وبنو تغلِبَ من الصدقة المضاعفة، وما أخَذَ العشَّارُ من تُحَّارِ
أهل الذمَّة والمستأمِنِين من أهل الحرب)) اهـ
زادَ "الشرنبلاليُّ" في "رسالته"(٣) عن "الزيلعيّ"(٤): ((وهديَّةُ أهلِ الحرب، وما أُخِذَ منهم بغيرِ
قتال، وما صُولِحُوا عليه لتركِ القتال قبل نزولِ العسكرِ بساحتهم))، [٢/ق ٢٥٥/أ] فقولُهُ: ((مع
عُشُورٍ)) المرادُ به ما يأخذُهُ العاشرُ من أهل الذمَّةِ والمستأمِنِين فقط بقرينة ذكرهٍ مع الخراج؛ لأَنَّه
في حكَمِهِ، أو هو خراجٌ حقيقةً كما قدَّمناه(٥) في بابه بخلاف ما يأخذُهُ مِنَّا، فإنَّه زكاةٌ حقيقةً
أدخَلَهُ في قوله: ((المتصدِّقون)) كما مرَّ(٦)، فافهم.
وقولُهُ: ((وجاليةٌ)) هم أهلُ الذمَّة؛ لأنَّ "عمر" رضي الله تعالى عنه أجلاهم من أرضِ العرب
كما في "القاموس"(٧)، أي: أخرَجَهم منها، ثُمَّ صار يُستعمَلُ حقيقةً عرفيَّةً في الجزية التي يليها
العاملون، أي: يلي أمرَها عُمَّالُ الإِمام، وكأنَّ الناظم أدخَلَ فيها ما يُؤْخَذُ من بني نجرانَ
وبني تغلِبَ، وما أُخِذَ من أهل الحربِ من هديَّةٍ أو صلحٍ؛ لأنَّها في معنى جزيةٍ رؤوسهم.
(قولُهُ: وهديَّةُ أهلِ الحرب) أي: للإمام، وإلاَّ فهي للآخذِ فقط كما سيأتي في باب المغنم.
(١) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في بيان ما يوضع في بيت المال من المال ٦٨/٢ بتصرف.
(٢) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في بيان ما يوضع في بيت المال من المال ٦٨/٢.
(٣) انظر الصحيفة السابقة، تعليق رقم (٣).
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٩٧/١.
(٥) المقولة [٨٢٦٦] قوله: ((لعدم ولاية ذلك)).
(٦) المقولة [٨٤٨٥] قوله: ((وبعدها المتصدقون)).
(٧) "القاموس": مادة((جلو)) بتصرف يسير.

قسم العبادات
٧٠
حاشية ابن عابدين
ورابعُها الضَّوائعُ مثلُ ما لا
فمَصرِفُ الأوَّلين أَتَى بَنَصِّ
ورابعُها فمَصرِفُهُ جِهاتٌ
يكونُ له أُناسٌ وارثُونَ
وثالثُها حَوَاهُ مقاتلونَ
[٨٤٨٧] (قولُهُ: الضَّوائعُ) جمعُ ضائعةٍ، أي: اللُّقطاتُ، وقولُهُ: ((مثلُ ما لا إلخ)) أي: مثلُ
تركةٍ لا وارثَ لها أصلاً، أو لها وارثٌ لا يُرَدُّ عليه كأحدِ الزَّوجين، والأظهرُ جعلُهُ معطوفاً على
((الضَّوائعُ)) بإسقاطِ العاطف؛ لأنَّ من هذا النوع ما نقلَهُ "الشرنبلاليُّ": ((ديةُ مقتولٍ لا وليَّ له))،
لكنَّ الدِّيّةَ من جملةِ تركةِ المقتول، ولذا تُقضَى منها ديونُهُ كما صرَّحُوا به، تأمَّل.
[٨٤٨٨] (قولُهُ: فمَصرِفُ الأوَّلِينِ إلخ) بنقلِ حركةِ الهمزة إلى اللام لضرورةِ الوزن، أي: بيتُ
الخمس وبيتُ الصدقات، والنصُّ في الأوَّلِ قولُهُ تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوَأ ◌َنَّمَا غَيِمْتُمْ﴾ الآيةَ [ الأنفال - ٤١]،
وسيأتي(١) بيانُهُ في الجهاد إن شاء الله تعالى، وفي الثاني قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ الآيةَ
[ التوبة - ٦٠ ]، ويأتي(٢) بيانُهُ قريباً.
[٨٤٨٩] (قولُهُ: وثالثُها حَوَاهُ مقاتلون) الذي في "الهداية"(٣) وعامَّةِ الكتب المعتبرة: ((أَنّه
يُصرَفُ في مصالحنا كسدِّ التَّغور، وبناءِ القناطر والجسور، وكفاية العلماء والقضاة والعُمَّال، ورزق
المقاتلة وذراريهم)) اهـ. أي: ذراري الجميع كما سيأتي(٤) في الجهاد إن شاء الله تعالى.
[٨٤٩٠] (قولُهُ: ورابعُها فمَصرِفُهُ جهاتٌ إلخ) موافقٌ لِما نقَلَهُ "ابن الضياء" في "شرح
الغزنويَّة" عن "البزدويِّ": ((من أَنَّه يُصرَفُ إلى المرضى، والزَّمنى، واللّقيط، وعِمارة القناطر،
(قولُهُ: والأظهرُ جعلُهُ معطوفاً إلخ) بل الأَولى عدمُ تقدير العاطف؛ لأنَّ تركة الميت الذي لا وارثَ
له - ولو ديةً - من الأموال الضائعة، أي: التي لها مستحقٌّ لكِنَّه غيرُ معلومٍ.
... ..
(١) المقولة [١٩٦٩٣] قوله: ((المعتبر في الاستحقاق)).
(٢) صـ ٧١ - وما بعدها "در".
(٣) "الهداية": كتاب السير - باب الجزية - فصل: ونصارى بني تغلب إلخ ١٦٤/٢. وفيها: ((وبناء القناطر
إلا الجسور))، وهو خطأ.
(٤) انظر المقولة [٢٠٢٣٥] قوله: ((ورزق المقاتلة)) وما بعدها.

الجزء السادس
٧١
باب المصرف
تَسَاوَى النَّفِعَ فيها المسلمونَ
﴿بابُ المصرف﴾
أي: مَصرِفِ الزَّكاةِ والعشرِ،.
والرِّياطات، والتُّغور، والمساجد وما أشبهَ ذلك)) اهـ. ولكنّه مخالفٌ لِما في "الهداية" و"الزيلعيّ)"(١)،
أفادَهُ "الشرنبلاليُّ"، أي: فإنَّ الذي في "الهداية" [٢/ق٢٥٥/ب] وعامَّة الكتب: ((أنَّ الذي
يُصرَفُ في مصالحِ المسلمين هو الثالثُ)) كما مرَّ(٢)، وأمَّ الرابعُ فمصرفُهُ المشهور هو اللَّقيطُ الفقيرُ
والفقراء الذين لا أولياءَ لهم، فُيُعطَى منه نفقتهم وأدويتهم وكفنهم وعَقْل جنايتهم كما
في "الزيلعيّ"(٣) وغيره.
وحاصلُهُ: أنَّ مصرفه العاجزون الفقراء، فلو ذكَرَ "الناظمُ" الرابعَ مكان الثالث ثُمَّ قال:
وثالثُها حواه عاجزون ورابعُها فمَصرِفُهُ إلخ لوافَقَ ما في عامَّةِ الكتب.
[٨٤٩١] (قولُهُ: تَساوى) فعلٌ ماضٍ، و((النفعَ)) منصوبٌ على التمييزِ كَطِيْتَ النفسَ،
أي: تساوى المسلمون فيها من جهةِ النفع. اهـ "ح"(٤)، والله تعالى أعلم.
﴿بابُ المصرف﴾
[٨٤٩٢] (قولُهُ: أي: مَصرِفِ الزَّكاةِ والعشرِ) يشيرُ إلى وجه مناسبته هنا، والمرادُ بالعشر ما
يُنْسَبُ إليه كما مرَّ(٥)، فيشملُ العشرَ ونصفَهُ المأخوذَين من أرضِ المسلم، وربعَهُ المأخوذَ منه إذا مرَّ
على العاشر، أفادَهُ "ح"(٦)، وهو مصرفٌ أيضاً لصدقةِ الفطر والكفَّارةِ والنَّذرِ وغيرِ ذلك من
الصدقات الواجبة كما في "القُهُستانيّ)(٧).
(١) "تبيين الحقائق": كتاب السير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٢٨٣/٢.
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب السير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٢٨٣/٢.
(٤) "ح": كتاب الزكاة - باب العشر ق ١٢١/ب.
(٥) صـ ٢٧ - وما بعدها "در".
(٦) "ح": كتاب الزكاة - باب العشر ق١٢١/ب.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الزكاة - فصل مصرف الزكاة ٢٠٥/١.

قسم العبادات
٧٢
حاشية ابن عابدين
وأمَّا خمسُ المَعدِن فمَصرِفُهُ كالغنائم.
(هو فقيرٌ، وهو مَن له أدنى شيءٍ).
[٨٤٩٣] (قولُهُ: وأمَّا خُمسُ المعدنِ) بيانٌ لوجهِ اقتصارِهِ على الزَّكاة والعشر، وأَنَّه لا يُناسِبُ
ذكرُهُ معهما وإنْ ذكَرَهُ في "العناية"(١) و"المعراج"، والأولى - كما قال "ح"(٢) -: ((وأمَّا خمسُ
الرِّكاز)) ليشملَ الكنز؛ لأَنَّه كالمعدنِ في المصرف.
[٨٤٩٤] (قولُهُ: هو فقيرٌ) قدَّمَهُ تبعاً للآية، ولأنَّ الفقر شرطٌ في جميعِ الأصناف إلاَّ العاملَ
والمكاتبَ وابنَ السبيل، "ط"(٣).
[٨٤٩٥] (قولُهُ: أدنى شيءٍ) المرادُ بالشيء النصابُ النامي، وبـ ((أدنى)) ما دونه، فأفعلُ
التفضيل ليس على بابه كما أشار إليه "الشارح"، والأظهرُ أنْ يقول: مَن لا يملكُ نصاباً نامياً
باب المصرف﴾
(قولُهُ: والأظهرُ أن يقول إلخ) نعم على ما قاله يدخلُ ما ذكرَهُ "الشارح"؛ لأَنَّه لا يَصدُقُ على
مَنْ مَلَكَ قَدْرَ نصابٍ غيرِ نامٍ وهو مستغرقٌ في الحاجة أَنَّ ملَكَ نصاباً نامياً؛ إلاَّ أنَّه يصدُقُ أيضاً على
مَنْ ملَكَ نصاباً غيرَ ناٍ ولم يكن مشغولاً بحاجته؛ لأنَّه لم يملك نصاباً نامياً، فيكونُ داخلاً في التعريف
مع أنَّه ليس فقيراً هنا، ولعلَّ الأصوب لـ "المحشِّي" أن يُبدِلَ ((نامياً)) بـ ((فارغاً عن حاجته ))؛
إذ عليه يكون التعريفُ جامعاً مانعاً، لكنَّه يدخلُ فيه المسكين، فإنَّه يصدُقُ على مَن لا يملكُ شيئاً أصلاً
أنّه لم يملك نصاباً فارغاً، ولو قيل: المرادُ بالشيء المالُ وبالأدنى الغيرُ المعتدِّ به يكون تعريفُ
"المصنّف" جامعاً مانعاً، وكأنَّه قال: مَن يملكُ شيئاً غيرَ مُعتدٍّ به، وذلك بأنْ مَلَكَ دونَ النّصاب
أو نصاباً نامياً أوْ لا إلاَّ أنَّه مشغولٌ بحاجته، فإنَّه لا شكَّ أنَّ كلَّ ذلك دنيءٌ غيرُ مُعتدٍّ به لقلَّتِهِ أو التعلُّقِ
الحاجةِ به، فكأنّه معدومٌ لا وجود له.
(١) "العناية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠٠/٢ (هامش "فتح القدير").
(٢) "ح": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١٢١/ب.
(٣) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٢٣/١ بتصرف.

الجزء السادس
٧٣
باب المصرف
أي: دونَ نصابٍ أو قدْرَ نصابٍ غيرِ نامٍ مُستغرَقٍ في الحاجة (ومسكينٌ: مَن
لا شيءَ له) على المذهب ..
ليدخلَ فيه ما ذكرَهُ "الشارحُ"، وقد يقال: إنَّ المراد التمييزُ بين الفقير والمسكين لردِّ ما قيل: إنَّهما
صنفٌ واحدٌ، لا بينهما وبين الغنيِّ للعلم يتحقَّقِ عدم الغِنى فيهما، أي: عدمٍ ملك النصابِ النامي،
فذكَرَ أنَّ المسكين مَن لا شيءَ له أصلاً، والفقيرَ مَن يملكُ شيئاً وإنْ قلَّ، فاقتصارُهُ على الأدنى لأَنَّه
غايةُ ما يحصُّلُ به التمييزُ، [٢/ق٢٥٦/أ] والحاصلُ أنَّ المراد هنا الفقيرُ المقابل للمسكين لا للغنيِّ.
[٨٤٩٦] (قولُهُ: أي: دون نصابٍ) أي: نامٍ فاضلٍ عن الدَّين، فلو مديوناً فهو مصرفٌ كما
يأتي(١).
[٨٤٩٧] (قولُهُ: مُستغرَقٍ في الحاجةِ) كدارِ السُّكنى، وعبيدِ الخدمة، وثيابِ البِذْلة، وآلاتٍ
الحرفة، وكتب العلم للمحتاج إليها تدريساً أو حفظاً وتصحيحاً كما مرَّ (٢) أوَّلَ الرَّكاة.
والحاصل: أنَّ النّصاب قسمان: مُوجِبٌ للزَّكاة - وهو النامي الخالي عن الدَّين - وغيرُ
مُوجِبٍ لها، وهو غيرُهُ، فإنْ كان مُستغرقاً بالحاجةِ لمالكه أباحَ أخذَها، وإلاَّ حرَّمَهُ وأوجَبَ غيرَها
٥٨/٢ من صدقةِ الفطر والأضحيةِ ونفقةِ القريب المحرم كما في "البحر"(٣) وغيره.
[٨٤٩٨] (قولُهُ: مَن لا شيءَ له) فيحتاجُ إلى المسألة لقُوتِهِ وما يواري بدنَهُ، ويحلُّ له ذلك
بخلافِ الأوَّلِ، ويحلُّ صرفُ الزَّكَاةَ لِمَن لا تحلُّ له المسألةُ بعد كونه فقيراً، "فتح" (٤).
[٨٤٩٩] (قولُهُ: على المذهبِ) مِن أَنَّه أسوأ حالاً من الفقير، وقيل على العكس، والأوَّلُ
أصحُّ، "بحر "(٥). وهو قولُ عامَّة السلف، "إسماعيل"(٦). وأفهَمَ بالعطف أنَّهما صنفان، وهو قول
(١) المقولة [٨٥٢٣] قوله: ((ومديون)).
(٢) المقولة [٧٨١٧] قوله: ((وفسره ابن ملك)).
(٣) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٣/٢ بتصرف.
(٤) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠٢/٢.
(٥) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٥٨/٢.
(٦) "الإحكام": كتاب الزكاة - باب المصارف ٢/ق ١٠٧/أ.

قسم العبادات
٧٤
حاشية ابن عابدين
لقوله تعالى: ﴿أَوْمِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد - ١٦]، وآيةُ السَّفينة للترحُّم (وعاملٌ) يعُمُّ
السَّاعيَ والعاشرَ (فُيُعطَى) ولو غنّاً لا ها شميّاً؛ لأَنّه فرَّغَ نفسَهُ لهذا العملِ،.
"الإمام"، وقال "الثاني": صنفٌ واحدٌ، وأثرُ الخلافِ يظهرُ فيما إذا أوصى بثلثِ ماله لزيدٍ والفقراء
والمساكينِ أو وقَفَ كذلك كان لزيدِ الثلثُ ولكلِّ صنفٍ ثلثٌ عنده، وقال "الثاني": لزيدٍ النصفُ
ولهما النصفُ، وتمامه في "النهر"(١).
[٨٥٠٠] (قولُهُ: لقوله تعالى: ﴿أَوْمِسْكِيْنَا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد - ١٦]) أي: ألصَقَ جلدَهُ بالتراب
مُحتفِراً حفرةً جعَلَها إزارَهُ لعدمٍ ما يواريه، أو ألصَقَ بطَنَهُ به من الجوع، وتمامُ الاستدلال
به موقوفٌ على أنَّ الصفة كاشفةٌ، والأكثرُ خلافُهُ، فَيُحمَلُ عليه، وتمامُهُ في "الفتح"(٢).
[٨٥٠١] (قولُهُ: وآيةُ السَّفينة للترخُّمِ) جوابٌ عمَّا استدلَّ به القائلُ بأنَّ الفقير أسوأ حالاً
من المسكين، حيث أثبتَ للمساكينِ سفينةً، والجوابُ أنّه قيل لهم مساكينُ ترحُّماً، وأجيب أيضاً
بأنّها لم تكن لهم، بل هم أُحَرَاءُ فيها أو عاريةٌ لهم، "فتح"(٣). أي: فاللامُ في ﴿فَكَانَتْ لِمَسَئِكِينَ﴾
[ الكهف - ٧٩ ] للاختصاصِ [٢/ق٢٥٦/ب] لا للملك.
[٨٥٠٢] (قولُهُ: يُعُمُّ السَّاعِيَ) هو مَن يسعى في القبائل لجمعٍ صدقة السَّوائم، والعاشرُ
مَن نصَبَهُ الإِمامُ على الطُّرق ليأخذَ العشر ونحوه من المارَّة.
[٨٥٠٣] (قولُهُ: لأَنَّه فرَّغَ نفسَهُ) أي: فهو يستحقُّهُ عِمالةً، ألا ترى أنَّ أصحاب الأموال
لو حملوا الزَّكَاةَ إلى الإمام لا يستحقُّ شيئً؟ ولو هَلَكَ ما جَمَعَهُ من الزَّكاة لم يستحقَّ شيئاً كالمضارِبِ
إذا هلَكَ مالُ المضاربة، إلاَّ أنَّ فيه شبهةَ الصدقة بدليلٍ سقوط الزَّكاة عن أربابِ الأموال، فلا تحلُّ
للعاملِ الهاشميِّ تنزيهاً لقرابةِ النبيِّ:﴿ عن شبهةِ الوسخ، وتحلُّ للغنيِّ؛ لأنّه لا يوازي الهاشميَّ
(١) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١١/ب.
(٢) انظر "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠٢/٢.
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠٣/٢.

الجزء السادس
٧٥
باب المصرف
فيحتاجُ إلى الكفاية، والغنيُّ لا يُمنَعُ من تناولها عند الحاجةِ كابن السَّبيل، "بحر "(١)
عن "البدائع"(٢). وبهذا التَّعليل يَقْوَى.
في استحقاق الكرامة، فلا تُعتَبَرُ الشُّبهةُ في حقّه، "زيلعي"(٣). على أنَّ منع العامل الهاشميِّ من
الأخذِ صريحٌ في السنَّةِ كما بسَطَهُ في "الفتح"(٤)، قال في "النهر"(٥): ((وفي "النهاية": استُعمِلَ
الهاشميُّ على الصدقةِ، فأُجرِيّ له منها رزقٌ لا ينبغي له أخذُهُ، ولو عَمِلَ ورُزِقَ من غيرها
فلا بأس به، قال في "البحر"(٦): وهذا يفيدُ صحَّةَ تولِيَتِه، وأنَّ أخذَهُ منها مكروهٌ لا حرامٌ اهـ.
والمرادُ كراهةُ التحريم لقولهم: لا يحلُّ، لكن ما مرَّ من أنَّ شرائط السَّاعِي أنْ لا يكون هاشميّاً
يُعارِضُه، وهذا الذي ينبغي أنْ يُعوَّلَ عليه)) اهـ ما في "النهر".
أقول: الظاهرُ أنَّ الإشارة في قوله: ((وهذا)) إلى ما ذكر هنا من صحَّةٍ تولِيَتِه، ووجهُهُ
أنَّ ما ذكروه هنا صريحٌ في عدمٍ حلِّ الأخذ مما جمعَهُ من الصَّقة لا من غيره، فلا دليلَ حينئذٍ على
عدم صحَّةٍ توليته عاملاً إذا رُزِقَ من غيرها، وقدَّمنا(٧) أنَّ اشتراط أنْ لا يكون هاشميَّاً نقلَهُ في
"البحر" عن "الغاية" ولم أره لغيره، على أنَّه في "الغاية" علَّلَ ذلك بقوله: ((لما فيه من شبهةٍ
الزَّكاة)) كما علَّلوا به هنا، فعُلِمَ أنَّ ذلك شرطٌ لحلِّ الأخذِ من الصَّدقة لا لصحَّةِ التوليةٍ،
فلا يُعارِضُ ما هنا كما قدَّمناه(٨) هناك، والله تعالى أعلم.
[٨٥٠٤] (قولُهُ: فَيَحتاجُ إلى الكفاية) لكنْ لا يُزادُ على نصفِ ما قَبَضَهُ كما يأتي (4)،
(١) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٥٩/٢.
(٢) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل ما يرجع إلى المؤدى ٤٤/٢.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٩٧/١.
(٤) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١١/٢ وما بعدها.
(٥) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١١/ب.
(٦) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٥٩/٢.
(٧) المقولة [٨٢٣٦] قوله: ((لما فيه من شبهة الزكاة)).
(٨) المقولة [٨٢٣٦] قوله: ((لما فيه من شبهة الزكاة)).
(٩) صـ ٧٨ - "در".

قسم العبادات
٧٦
حاشية ابن عابدين
ما نُسِبَ لـ "الواقعات": ((من أنَّ طالب العلم يجوزُ له أَخْذُ الزَّكاة ولو غنّاً إذا فرَّغَ
نفسَهُ لإفادة العلم واستفادته؛.
ولا يستحقُّ لو هَلَكَ ما جَمَعَهُ؛ لأنَّ ما يستحقُّهُ منه أجرةُ عِمالته من وجهٍ كما مرَّ(١)، قال
[٢/ق٢٥٧/ أ] في "المعراج": ((لأنَّ عِمالته في معنى الأجرة، وأَنَّه يتعلَّقُ بالمحلِّ الذي عَمِلَ فيه، فإذا
هَلَكَ سِقَطَ حقُّهُ كالمضارِب)) اهـ.
قلت: وهذا مُفادُ التفريع على قوله: ((لأَنَّه فرَّغَ نفسَهُ لهذا العملِ))، فإنَّه يفيدُ أنَّ ما يأخذُهُ
ليس صدقةً من كلِّ وجهٍ، بل في مقابلةِ عمله، فلا ينافي ما مرَّ(٢) من أنَّ له شبهين، فافهم.
[٨٥٠٥] (قولُهُ: ما نُسِبَ لـ "الواقعات") ذكَرَ "المصنّف": ((أَنّ رآه بخطّ ثقةٍ معزيًّاً إليها)).
قلت: ورأيتُهُ في "جامع الفتاوى"(٣)، ونصُّهُ: ((وفي "المبسوط "(٤): لا يجوزُ دفع الزَّكاة
إلى مَن يملكُ نصاباً إلاَّ إلى طالبِ العلم والغازي ومنقطعِ الحِّ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((يجوزُ
دفعُ الزَّكاة لطالب العلم وإنْ كان له نفقةُ أربعين سنةً(٥))))) اهـ.
[٨٥٠٦] (قولُهُ: من أنَّ طالبَ العلمِ) أي: الشَّرعيِّ.
[٨٥٠٧] (قولُهُ: إذا فرَّغَ نفسَهُ) أي: عن الاكتسابِ، قال "ط"(٦): ((المرادُ أَنَّه لا تعلّقَ له بغيرٍ
ذلك، فنحوُ البطالاتِ المعلومة وما يَجِبُ له النشاطَ من مُذهِباتِ الهموم لا ينافي التفرُّغَ، بل هو
سعيٌّ في أسبابِ التحصيل)).
[٨٥٠٨] (قولُهُ: واستفادتِهِ) لعلَّ الواو بمعنى أو المانعةِ الخلوِّ، "ط"(٧).
(١) المقولة [٨٥٠٣] قوله: ((لأنه فرغ نفسه)).
(٢) المقولة [٨٥٠٣] قوله: ((لأنه فرغ نفسه)).
(٣) "جامع الفتاوى": کتاب الزكاة ق ٢٠/ب.
(٤) لم نعثر على هذا النقل في "مبسوط السرخسي".
(٥) لم نجده فيما بين أيدينا من المصادر الحديثية.
(٦) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٢٤/١.
(٧) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٢٤/١.