Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٧٧
باب زکاة المال
الجزء الخامس
لوُرُودِ الاستحقاق على عين الموهوب، ولذا لا رجوعَ بعد هلاكه، فَيَّدَ به لأنّه
لا زكاةَ على الواهب اتّفاقاً لعدم الملك، وهي من الحِيّلِ، ومنها أنْ يهَبَهُ لطفلِهِ قبل
التَّمام بيومٍ.
[٨٢٢٨] (قولُهُ: لوُرُودِ الاستحقاقِ إلخ) لأنَّ الرُّجوع في الهبةِ فسخٌ من كلِّ وجهٍ ولو بغيرِ
قضاءٍ، والدراهمُ مما تتعيَّنُ في الهبة، فاستحقَّ عينُ مال الزَّكاةَ من غيرِ اختيارِهِ، فصارَ كما لو هَلَكَ،
"ولوالجِيَّةُ"(١). وبه ظهَرَ الفرقُ بين الهبة والمهر.
[٨٢٢٩] (قولُهُ: ڤيَّدَ به) أي: بقوله: ((عن موهوبٍ له)).
[٨٢٣٠] (قولُهُ: اتفاقاً لعدمٍ الملك) لأنَّ ملكَ الواهب انقطَعَ بالهبة، وأشار بقوله: ((اتفاقاً))
إلى أنَّ في سقوطها عن الموهوب له خلافاً؛ لأنَّ "زفر" يقول بعدمه إنْ رجَعَ الواهبُ بلا قضاءِ؟
لأَنَّه لَمَّ أبطَلَ ملكَهُ باختيارِهِ صار ذلك كهبةٍ جديدةٍ وكمُستهلَكٍ، قلنا: بل هو غيرُ مختارِ؛
لأَنَّه لو امتنَعَ عن الردِّ أُجِرَ بالقضاء، فصار كأنّ هَلَكَ، "شرح درر البحار)"(٢).
(٨٢٣١] (قولُهُ: وهي من الحِيَلِ) أي: هذه المسألةُ من حِيَلِ إسقاطِ الزَّكاة، بأنْ يهبَ النصابَ
قبل الحول بيومٍ مثلاً، ثمَّ يرجعَ في هبته بعد تمامٍ الجول.
والظاهرُ: أَنَّه لو رجَعَ قبل تمامِ الحول تسقطُ عنه الزَّكاة أيضاً لبطلانِ الحول بزوالِ الملك،
تأمَّل. وقدَّمنا (٣) الاختلافَ في كراهة الحيلة عند قوله: ((ولا في هالكٍ بعد وجوبها بخلاف
المستهلَكِ)).
(٨٢٣٢] (قولُهُ: ومنها إلخ) لكنْ لا يمكنُهُ الرُّجوعُ في هذه الهبة لكونها لذي رحمٍ مَحرَمٍ منه،
نعم إن احتاجَ إليه فله الإِنفاقُ منه على نفسه بالمعروف، والله أعلم(٤).
(١) "الولوالجية": كتاب الزكاة - الفصل الثاني فيما يقع من الزكاة وفيما لا يقع ق ٢٦/أ.
(٢) "غرر الأذكار": كتاب الزكاة ق ٦٥/أ بتصرف.
(٣) المقولة [٨٠٥٧] قوله: ((بعد الحول)).
(٤) في "د" زيادة: ((ارجع إلى "حموي" من الحيل في الزكاة)).

قسم العبادات
٥٧٨
حاشية ابن عابدين
﴿بابُ العاشر﴾
قيل: هذا مِن تسميةِ الشَّيءٍ باسمٍ بعض أحواله، ولا حاجةَ إليه، بل العُشرُ عَلَمٌ لِما
يأخذُهُ العاشرُ مطلقاً، ذكَرَهُ "سعدي"، أي: عَلَمُ جنسٍ.
﴿بابُ العاشر﴾
ألحقَهُ بالزَّكَاة اتّباعاً لـ "المبسوط "(١) وغيره؛ لأنَّ بعض ما يُؤخَذُ زكاةٌ وليس متمحِّضاً، فلذا
أَخَّرَهُ عمَّا تمخَّضَ، وقدَّمَهُ على الرِّكاز لِما فيه من معنى العبادة، مأخوذٌ من: عَشَرتُ القومَ أعشرُهم
عُشراً بالضمّ فيهما إذا أخذتُ عشرَ أموالهم، "نهر "(٢).
٣٧/٢
[٨٢٣٣] (قولُهُ: ذكرَهُ "سعدي") أي: في "حاشية العناية"(٣)، حيث قال: ((المأخوذُ هو ربعُ
العشر لا العشر، إلاَّ أنْ يقال: أطلَقَ العشرَ وأراد به ربعَهُ مجازاً من بابِ ذِكْرِ الكلِّ وإرادةِ جزئه،
أو يقال: العشرُ صار عَلَماً لِما يأخذُهُ العاشر سواءٌ كان المأخوذُ عشراً لغويّاً أو ربعَهُ أو نصفَهُ،
فلا حاجةً إلى أنْ يقال: العاشرُ تسميةُ الشيءِ باعتبار بعض أحواله كما لا يخفى)) اهـ.
وفسَّرَهُ [٢/ق ٢٣٠/أ] "الشارح" تبعاً لـ "النهر "(٤) بالعلم الجنسيِّ؛ إذ لا شكَّ أَنَّه ليس علمَ
شخصٍ، والأقربُ كونُهُ اسمَ جنسٍ شرعيِّ؛ إذ لا دليلَ على عَلَمَّته؛ لأنَّ العلماءِ لَمَّا رأوا العربَ
فرَّقَتْ بين أسامةَ وأسدٍ الموضوعين لماهيَّةِ الحيوان المفترس بإجرائهم أحكامَ الأعلام على الأوَّلِ من
نحوِ منعِ الصرف وجوازِ مجيء الحالِ منه وعدمٍ دخول أل عليه حَكَمُوا على الأوَّلِ بالعلميَّة الجنسيّة
﴿باب العاشر﴾
(قولُهُ: بالضمِّ فيهما) أي: في المضارع والمصدر (٥)، وبالكسر صرتُ عاشرَهم، "مقدسيّ". اهـ "سندي".
(١) "المبسوط": كتاب الزكاة - باب العشر ١٩٩/٢.
(٢) "النهر": كتاب الزكاة - باب العاشر ق ١٠٧/أ.
(٣) "الحواشي السعدية": كتاب الزكاة - باب فيمن يمر على العاشر ١٧١/٢ (هامش "فتح القدير").
(٤) "النهر": كتاب الزكاة - باب العاشر ق ١٠٧/أ.
(٥) قوله: ((أي: في المضارع والمصدر)) ليس في المصدر إلا فتحُ أوله وسكونُ ثانيه، سواءٌ كان الفعل من باب قتل
أو ضرب كما في كتب اللغة اهـ مصححه.

الجزء الخامس
٥٧٩
باب العاشر
(هو حرٌّ مسلمٌ) بهذا يُعلَمُ حرمةُ توليةِ اليهود على الأعمال (غيرُ هاشمي) ..
دون الثاني ، وفرَّقُوا بينهما بقيدِ الاستحضار عند الوضعِ وعدمه كما يُيِّنَ في محلِّهِ ، وليس هنا
ما يقتضي علميَّةً العشرِ حَتَّى يُعدَلَ عن تنكيرِهِ الأصليِّ، على أنَّ ادِّعاء التصرُّفِ والنقلِ في العشر "
ليس بأَولى من ادِّعائه في العاشر، بل المتبادرُ من قول "الكنز"(١) وغيره: ((هو مَن نصَبَهُ الإِمامُ ليأخذ
الصدقاتِ من التُّجَّار)) أنَّ العاشر اسمٌ لذلك نُقِلَ شرعاً إليه؛ إذ لو كان التصرُّفُ وقَعَ في العشرِ
لكان حقُّهُ بيانَ معنى العشرِ المنقولِ إليه لا بيانَ العاشر، أو يبِّنَ كلاً منهما فيقول: هو من نصَبَهُ
الإِمامُ ليأخذ العشرَ الشامل لربعه ونصفه، وأيضاً فالمتعارفُ إطلاقُ العاشر على مَن يأخذ العشرَ
وغيره دون إطلاق العشر على نصفه وربعه، فتأمَّل. وأجابَ في "النهاية" - وتبعَهُ في "الفتح"(٢)
و "البحر"(٣) - ((بأَنَّه لَمَّا كان يأخذُ العشرَ أو نصفه أو ربعه سُمِّيَ عاشراً لدورانِ اسمِ العشر
في متعلَّقِ أخذِهِ))، وهذا مؤيِّدٌ لِما قلنا(٤)، والله أعلم.
[٨٢٣٤) (قولُهُ: هو حرٌّ مسلمٌ) فلا يصحُّ أنْ يكون عبداً لعدم الولاية، ولا يصحُّ أنْ يكون
كافراً؛ لأَنَّه لا يلي على المسلم بالآية، "بحر"(٥) عن "الغاية". والمرادُ بالآية قولُهُ تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ
اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [ النساء - ١٤١].
مطلب: لا يجوزُ اتخاذُ الكافرِ في ولايةٍ
[٨٢٣٥] (قولُهُ: بهذا إلخ) أي: باشتراطِ الإسلام للآية المذكورة، زادَ في "البحر"(٦).
((ولا شكَّ في حرمةِ ذلك أيضاً)) اهـ. أي: لأنَّ في ذلك تعظيمَهُ، وقد نصُّوا على حرمةِ تعظيمه،
(قولُهُ: على أنَّ ادِّعاء التصرُّف والنَّقل إلخ) قد يقال: إنَّ ادِّعاء التصرُّف في العشر أولى؛ لأَنَّه
الأصل، والتصرُّف في العاشر مبنيٌّ عليه؛ لأَنَّه بمنزلة المركَّب، وذاك مفردٌ.
(١) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الزكاة - باب العاشر ٩٠/١.
(٢) "الفتح": كتاب الزكاة - باب فيمن يمر على العاشر ١٧١/٢.
(٣) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٨/٢.
(٤) في هذه المقولة.
(٥) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٨/٢.
(٦) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٨/٢.

قسم العبادات
٥٨٠
حاشية ابن عابدين
لِما فيه من شُبهةِ الزَّكاة (قادرٌ على الحماية) من اللَّصوصِ والقُطّاعِ؛
بل قال في "الشرنبلاليّة"(١): ((وما ورَدَ من ذمِّهِ - أي: العاشرِ - فمحمولٌ على مَن يظلمُ كزماننا،
وعُلِمَ مما ذكرناه حرمةُ تولية الفسقةِ فضلاً عن اليهود والكفرة)) اهـ.
قلت: وذكّرَ في "شرح السِّير الكبير"(٢): ((أنَّ "عمر" كَتَبَ إلى "سعدِ بن أبي وقّاص":
(( ولا تَتَّخِذْ أحداً من المشركين كاتباً على المسلمين، [٢/ق٢٣٠/ب] فإنَّهم يأخذون الرِّشوة في
دينهم، ولا رِشوة في دين الله تعالى))(٣)))، قال: ((وبه نأخذُ، فإِنَّ الواليَ ممنوعٌ من أنْ يَتَّخِذَ كاتباً
من غيرِ المسلمين لقوله تعالى: ﴿لَاتَنَّخِذُواْ بِطَانَهُ مِّندُونِكُمْ﴾ [ آل عمران - ١١٨ ])) اهـ.
[٨٢٣٦] (قولُهُ: لِما فيه من شبهةِ الزَّكاةِ) أي: وهو من جملةِ المصارف، فُيُعطَى كفايَتَهُ
منه نظيرَ عمله، ولذا لو هَلَكَ ما جَمَعَهُ لا شيءَ له كما صرَّحَ به "الزيلعيُّ)(٤)، فكانَ فيه شبهُ
الأجرة وشبهُ الصدقة.
ثُمَّ اعلم أنَّ هذا الشرطَ - أعني: كونَهُ غيرَ هاشمي - عزاه في "البحر"(٥) إلى "الغاية"، ولم أر
مَنْ ذَكرَهُ غيرَهُ، وهو مخالفٌ لِما ذكرَهُ في "النهاية" وغيرها في باب المصرف: ((من أَنَّ إذا استُعمِلَ
الهاشميُّ على الصدقةِ لا ينبغي له الأخذُ منها، ولو عَمِلَ ورُزِقَ من غيرِها فلا بأس به)) اهـ.
ومرادُهُ بـ ((لا ينبغي)) لا يحلُّ كما عَبَّرَ به "الزيلعيُّ" (٦) هناك، وهذا كالصَّرِيحِ في جواز
نصبه عاملاً، فيُحمَلُ ما هنا على أنَّه شرطٌ لحلِّ أخذِهِ من الصدقة، ويدلُّ عليه تعليلُ "صاحب
الغاية" بقوله: ((لِما فيه من شبهةِ الزَّكاة))، فإنَّ مُفَادَهُ أَنَّه يجوزُ كونه هاشمَّاً إذا جعَلَ له الإِمامُ
(١) "الشرنبلالية": كتاب الزكاة - باب العاشر ١٨٣/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "شرح السير الكبير": باب قتل الأسرى والمنِّ عليهم ١٠٤٠/٣.
(٣) انظر "أحكام أهل الذمة" ٤٥٤/١، والخبر فيه عن أبي موسى الأشعري لا عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٩٧/١.
(٥) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٨/٢.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٩٧/١.

الجزء الخامس
٥٨١
باب العاشر
لأنَّ الجباية بالحماية (نصَبَهُ الإِمامُ على الطريقِ) للمسافرين، خرَجَ السَّاعي، فإنّه
......
الذي يَسْعَى في القبائل ليأخذَ صدقةَ المواشي في أماكنها (ليأخذَ الصَّدقاتِ).
شيئاً من بيتِ المال، أو كان متبرِّعاً(١)، أو كان لا يأخذُ شيئاً مما يأخذُهُ من المسلمين، وسنذكرُ(٢)
في باب المصرف تمامَهُ.
[٨٢٣٧] (قولُهُ: لأنَّ الجباية بالحماية) أي: جبايةُ الإِمام هذا المأخوذَ بسببٍ حمايته للأموال،
ولذا لو غَلَبَ الخوارجُ على مصرٍ أو قريةٍ، وأخذوا منهم الصَّدقاتِ لا شيء عليهمٌ إلاَّ إعادةُ
الخراج كما مرَّ( ٣).
[٨٢٣٨] (قولُهُ: للمسافرين) أي: طريقِ السَّفْر لأجل الحماية، ولذا قال في "الشرنبلاليّة"(٤).
((أشار بقوله: ليأمنوا من اللَّصوصِ إلى قيدٍ لا بدَّ منه ذكرَهُ في "المبسوط "(٥)، وهو أنْ يأمنَ
به التِّجَّارُ من اللُّصوص(٦) ويحميهم منهم)).
[٨٢٣٩] (قولُهُ: خرَجَ السَّاعي) في "البحر "(٧) عن "البدائع(٨): ((والمصَدِّقُ بتخفيف الصاد
وتشدیدِ الدال اسمُ جنسٍ لهما)).
(١) ((أو كان متبرعاً)) ليست في "م".
(٢) المقولة [٨٥٠٣] قوله: ((لأنه فرغ نفسه)).
** قوله: ((لا شيء عليهم إلا إعادة الخراج كما مر)) أي: متناً، والذي مر متناً: أخَذَ البغاةُ زكاة السوائم والعشر
والخراج لا إعادة على أربابها إن صرف في محله، وإلا فعليهم إعادة غير الخراج اهـ. وهو بزيادة لفظ ((غير)).
أقول: وهو الصواب، ولعله هنا ساقطٌ من قلم سيدي المؤلف، ويدل عليه كتابته عليه ثمة عند قول المصنف: ((أخذ
البغاة إلخ)) اهـ محمد علاء الدين ابن المؤلف.
(٣) صـ٥١٩- وما بعدها "در".
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الزكاة - باب العاشر ١٨٢/١ بتصرف يسير (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "المبسوط": كتاب الزكاة - باب العشر ١٩٩/٢.
(٦) من ((إلى قيد)) إلى ((اللصوص)) ساقط من "الأصل".
(٧) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٨/٢.
(٨) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في بيان من له المطالبة بأداء الواجب ٣٥/٢ بتصرف.

قسم العبادات
٥٨٢
حاشية ابن عابدين
تغليباً للعبادة على غيرها (من النُّجَّارِ) بوزنِ فُجَّارِ (المارِّينَ بأموالهم) الظّاهرةِ
والباطنةِ (عليه) وما ورَدَ مِن ذَمِّ العَشَّار محمولٌ على الأَخْذِ ظُلْماً.
[٨٢٤٠] (قولُهُ: تغليباً إلخ) دفعٌ لِما يقال: إنَّ ما يأخذُهُ من الكافر ليس بصدقةٍ.
[٨٢٤١] (قولُهُ: الظّاهرةِ والباطنةِ) فإنَّ مال الزَّكاة نوعان: ظاهرٌ - وهو المواشي وما يَمُرُّ به
التاجرُ على العاشر - وباطنٌ وهو الذَّهبُ والفضَّةُ وأموالُ التجارة في مواضعها، "بحر "(١). ومرادُهُ
هنا بالباطنةِ ما عدا المواشيَ بقرينة قوله: ((المارِّين بأموالِهم))، وإلاّ [٢/ق٢٣١/ أ] فكلُّ ما مرَّ به
على العاشرِ فهو من نوعِ الظاهر، وسَمَّها باطنةً باعتبار ما كان قبلَ المرور، أمَّا الباطنةُ التي في بيتِهِ
لو أخبَرَ بها العاشرَ فلا يأخذُ منها كما صرَّحَ به في "البحر"(٢)، وسيأتي(٣) متناً أيضاً، وأشار بهذا
التعميمِ إلى ردِّ ما في "العناية"(٤) وغيرها: ((من أنَّ المراد هنا الأموالُ الباطنة؛ لأنَّ الظاهرة - وهي
السَّوائم - لا يَحتاجُ العاشرُ فيها إلى مرورٍ صاحب المال عليه، فإِنَّه يأخذُ عشرَها وإنْ لم يَمُرَّ
صاحبُ المال عليه)) اهـ. فإنَّه - كما في "النهر"(٥) - مبنيٌّ على عدم التَّفرقةِ بين العاشرِ والساعي،
وقد علمتَ التَّفرقة بينهما بما مرَّ(٦)، وهي مذكورةٌ في "البدائع(٧).
٣٨/١
مطلب ما ورد في ذم العَشَّار
[٨٢٤٢] (قولُهُ: وما ورَدَ من ذِّ العَشَّار إلخ) من ذلك ما رواه "الطبرانيُّ)(٨): ((إنَّ الله تعالى
(١) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٨/٢.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٨/٢.
(٣) صـ ٦٠١ - وما بعدها "در".
(٤) "العناية": كتاب الزكاة - فيمن يمر على العاشر ١٧١/٢ (هامش "فتح القدير").
(٥) "النھر": کتاب الزكاة - باب العاشر ق١٠٧/أ - ب.
(٦) صـ ٥٧٩ - وما بعدها "در".
(٧) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في بيان من له المطالبة بأداء الواجب ٣٢/٢.
(٨) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" ٥٤/٩ (٨٣٧١)، والهيثمي في "المجمع" ٨٨/٣ كتاب الزكاة - باب في
العشّارين والعرفاء وأصحاب المكوس، وذكره السيوطي في "الجامع الصغير" ٢٩٠/١، كلهم من حديث عثمان بن
أبي العاص ◌َّه مرفوعاً.

الجزء الخامس
٥٨٣
باب العاشر
يدنو من خلقِهِ - أي: برحمتِهِ وجُوده وفضله - فيغفرُ لمن شاء إلاَّ لبَغِيٌّ بفرجِها أو عَشَّارٍ)، وما رواه
"أبو داود" و"ابن خزيمة" في "صحيحه" و"الحاكم" عن "عقبة بن عامرٍ" رضي الله تعالى عنه: أنَّه
سمعَ رسول الله ﴿ يقول: ((لا يدخلُ صاحبُ مَكْسِ الجنَّةَ))(١)، قال "يزيد بن هارون"(٢): يعني
العَشَّار، وقال "البغويُّ" (٣): ((يريدُ بصاحب المَكْسِ الذي يأخذُ من النُّجَّار إذا مرُّوا عليه مَكْساً باسمٍ
العُشر)) أي: الزَّكاةِ، قال الحافظ "المنذريُّ(٤): ((أمَّا الآنَ فإِنَّهم يأخذونه مَكْساً باسمِ العشر ومَكْساً
آخرَ ليس له اسمٌ، بل شيءٌ يأخذونه حراماً وسُحْتاً ويأكلونه في بطونهم ناراً، حتَُّهم فيه داحضةٌ
عند ربِّهم، وعليهم غضبٌ، ولهم عذابٌ شديدٌ، كذا في "الزَّواجر"(٥) لـ "ابن حجرٍ"))، ثمَّ قال:
((واعلمْ أنَّ بعض فسقةِ التِّجَّار يظنُّ أنَّ ما يُؤخَذُ من المكسِ يُحسَبُ عنه إذا نوى به الزَّكاة، وهذا
ظنٌّ باطلٌ لا مستندَ له في مذهب "الشافعيّ"؛ لأنَّ الإمام لا ينصبُ المكاسين لقبضِ الزَّكاة، بل
لأخذٍ عُشورات مالٍ(٦) وجدُوه قلَّ أو كَثُرَ، وَجَبَتْ فيه الزَّكاة أوْ لا)) اهـ. وتمامُهُ هناك.
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٣٧) كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب في السعاية على الصدقة، وابن خزيمة
في "صحيحه" (٢٣٣٣) كتاب الزكاة - باب ذكر التغليظ على السعاية بذكر خبر مجمل غير مفسر، والحاكم
في "المستدرك" ٤٠٤/١ كتاب الزكاة - وقال: هذا صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
وأخرجه أحمد ١٥٠،١٤٣/٤، والدارمي ٤٢١/١ - ٤٢٢ كتاب الزكاة - باب كراهية أن يكون الرجل عشَّاراً،
والطبراني في "الكبير" ٣١٦/١٧ (٨٧٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١٦/٧ كتاب قسم الصدقات - باب:
لا يكتم منها شيئاً، كلهم من حديث عقبة بن عامر قالُله مرفوعاً.
(٢) هو يزيد بن هارون بن زاذان بن ثابت السلمي الواسطي (ت ٢٠٦هـ). ("تذكرة الحفاظ" ٣١٧/١، "الأعلام" ١٩٠/٧).
(٣) "شرح السنة": كتاب الإمارة والقضاء - باب كراهية طلب الإمارة والعمل به ٦٠/١٠-٦١.
(٤) في "الترغيب والترهيب" ٥٦٧/١ كتاب الصدقات - باب الترغيب في العمل على الصدقة بالتقوى،
وعبارته: ((فإنهم يأخذون مكساً باسم العشر ومكوساً أُخَر ليس لها اسم ... )) هكذا بالجمع.
(٥) "الزواجر عن اقتراف الكبائر": كتاب الزكاة - الكبيرة الحادية والثلاثون بعد المائة - جباية المكوس والدخول
في شيء من توابعها ١٨١/١ - ١٨٣. والكتاب لأبي العباس، أحمد بن محمد بن علي، شهاب الدين المعروف
بابن حجر الهيتمي المكي الشافعي (ت٩٧٤هـ). ("إيضاح المكنون" ٦١٤/١، "النور السافر" صـ ٢٨٧-).
(٦) كذا في النسخ جميعها. وعبارة "الزواجر": ((لأخذ عشور أيِّ مال)).

قسم العبادات
٥٨٤
حاشية ابن عابدين
(فمَن أُنكَرَ تمامَ الحول،
مطلب: لا تسقط الز کاةُ بالدفع إلى العاشرِ في زماننا
قلت: [٢/ق ٢٣١/ب] على أنَّه اليومَ صار المكَّاسُ يقاطعُ الإِمامَ بشيءٍ يدفعُهُ إليه ويصيرُ
يأخذُ ما يأخذُهُ لنفسه ظلماً وعدواناً، ويأخذُ ذلك ولو مرَّ التاجرُ عليه أو على مكّاسٍ آخرَ في العام
الواحدِ مِراراً متعدِّدةً ولو كان لا تجبُ عليهِ الزَّكَاةُ، فعُلِمَ أيضاً أنَّه لا يُحسَبُ من الزَّكاة عندنا؛
لأَنَّه ليس هو العاشرَ الذي ينصبُهُ الإِمامُ على الطريقِ ليأخذَ الصَّدقات من المارِّين، وقد مرَّ(١) أيضاً
أَنَّه لا بدَّ من شرطِ أنْ يأمَنَ به التُّخَّارُ من اللُّصوص ويحميهم منهم، وهذا يقعدُ على أبوابِ البلدة
ويؤذي النُّخَّر أكثرَ من اللصوصِ وقُطَّاعِ الطريق، ويأخذُهُ منهم قهراً، ولذا قال في "البزَّازِيَّةَ"(٢):
((إذا نوى أنْ يكونَ المكسُ زكاةً فالصحيحُ أَنَّه لا يقعُ عن الزَّكاة، كذا قال الإِمام
"السرخسيُّ" (٣)) اهـ.
وأشارَ بالصحيح إلى القول بأنّه إذا نوى عند الدفعِ التصدُّقَ على المكَّاسِ جاز؛ لأَنَّه فقيرٌ
بما عليه من الّبعاتِ، وقد مرَّ(٤) الكلامُ عليه.
[٨٢٤٣] (قولُهُ: فمَن أنكَرَ تمامَ الحول) أي: على ما في يدِهِ وعلى ما في بيتِهِ، فلو كان في بیتِهِ
مالٌ آخرُ قد حالَ عليه الحولُ، وما مرَّ به لم يَحُلْ عليه الحولُ واتَّحَدَ الجنسُ فإنَّ العاشر لا يَلتِفِتُ
إليه لوجوبِ الضمِّ في متَّحِدِ الجنس إلاَّ لمانعٍ، "بحر "(٥).
(قولُهُ: فلو كان في بيته إلخ) محمولٌ على ما إذا مرَّ بنصابٍ لم يَتِمَّ عليه الحولُ وما في بيته حالَ
عليه، وإذا مرَّ بأقلَّ منه لا يُؤْخَذُ منه شيءٌ فِي النُّقودِ وأموالِ التجارة وإن كان له مالُ الزَّكاة في منزله؟
لأنَّ الأخذ بطريق الحماية، وما دون النّصاب لا يحتاج إليها، وما في منزله غيرُ محتاجٍ إليها، ولو مرَّ
بسائمةٍ دون النّصاب وفي منزله ما يكمِّله أخذ منه؛ لأنَّ الكلَّ محتاجٌ إليها، كذا في "السِّراج".
(١) صـ ٥٨٠- "در".
(٢) "البزازية": كتاب الزكاة - الفصل الثاني في المصرف ٨٦/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) لم نعثر عليها في "المبسوط".
(٤) المقولة [٨١٠٢] قوله: ((واختلف في الأموال الباطنة)).
(٥) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٩/٢.

الجزء الخامس
٥٨٥
باب العاشر
أو قال) لم أَنْوِ التّجارة أو (عليَّ دَيْنٌ) محيطٌ أو مُنقِصٌ للنّصاب؛ لأنَّ ما يأخذُهُ
زكاةٌ، "معراج". وهو الحقُّ، "بحر"، ولذا أطلَقَهُ "المصنّف" (أو) قال: (أَدَّيْتُ إلى
عاشرٍ آخرَ وكان) عاشرٌ آخرُ.
[٨٢٤٤] (قولُهُ: أو قال: لم أَنْوِ التجارةَ) أو قال: ليس هذا المالُ لي، بل هو وديعةٌ، أو بضاعةٌ،
أو مضاربةٌ، أو أنا أجيرٌ فيه، أو مكاتبٌ، أو عبدٌ مأذونٌ، "زيلعي"(١). وكذا لو قال: ليس في هذا
المالِ صدقةٌ فإنَّه يُصدَّقُ مع يمينه كما في "المبسوط "(٢) وإنْ لم يبِيِّن سببَ النفي، "بحر"(٣).
[٨٢٤٥] (قولُهُ: أو عليَّ دينٌ) أي: دينٌ له مُطالِبٌ من جهةِ العباد؛ لأنَّه المانعُ من وجوبِ
النصاب كما مرَّ(٤)، قال في "البحر"(٥): ((وقدَّمنا أنَّ منه دينَ الزَّكاة)).
[٨٢٤٦] (قولُهُ: لأنَّ ما يأخذُهُ زكاةٌ) أي: فلا فرقَ في ذلك بين كونِ الدَّين محيطاً أو مُنقِصاً
للنصاب، والمرادُ ما يأخذُهُ مِنَّا، أمَّا ما يأخذُهُ من الذمِّيِّ والحربيِّ فُيُعطَى حكمَ الزَّكاة هنا وإنْ كان
جزيةٌ، [٢/ق٢٣٢/أ] ويُصرَفُ في مصارفِها كما يأتي(٦).
[٨٢٤٧] (قولُهُ: وهو الحقُّ) أي: ما ذكرَ من تعميمِ الدَّين بقوله: ((محيطٌ أو مُنقِصٌ))؛ لأنَّ
المنقص للنصابِ مانعٌ من الوجوبِ، فلا فرقَ كما في "المعراج"، "بحر "(٧). وهو ردٌّ على ما في
"الخَّازِيَّة" و"غاية البيان" من التقييدِ بالمحيط، والظاهرُ أنَّهما أرادا به الاحترازَ عمَّا لا يَفضُلُ عنه
(قولُهُ: عمَّا لا يفضُلُ عنه) الأصوبُ حذف ((لا)).
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٨٣/١.
(٢) "المبسوط": كتاب الزكاة - باب العشر ٢٠٠/٢.
(٣) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٩/٢.
(٤) صـ ٤٢٦ - وما بعدها "در".
(٥) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٩/٢.
(٦) المقولة [٨٢٦٦] قوله: ((لعدم ولاية ذلك)).
(٧) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٩/٢.

قسم العبادات
٥٨٦
حاشية ابن عابدين
يحقّقٌ (أو) قال: (أَدَّيْتُ إلى الفقراءِ في المصرِ) لا بعد الخروج لِما يأتي ..
نصابٌ لا عن المنقصِ أيضاً، فلا ينافي إطلاقَ "الكنز"(١) كإطلاق "المصنّف"، ولا ما صرَّحَ
به في "المعراج" من عدمِ الفرق، وما في "الشرنبلاليّة"(٢): ((من أنَّ المنطوق لا يُعارِضُهُ المفهومُ))
فيه نظرٌ لِما علمتَ من التصريح في "المعراج" بخلافِ هذا المنطوق ومِن تأويلِهِ بما ذكرنا، فتدبَّر.
[٨٢٤٨] (قولُهُ: محقَّقٌ) فلو لم يَدْرِ هل هناك عاشرٌ أم لا لم يُصدَّقْ كما في "السِّراج"(٣)؛
لأنَّ الأصل عدمُهُ، "نهر "(٤). والمرادُ بالعاشرِ هنا عاشرُ أهل العدل، فلو مرَّ على عاشرِ الخوارج
عُشِّرَ ثانياً كما سيأتي(٥).
[٨٢٤٩] (قولُهُ: أو قال: أدَّيتُ إلى الفقراءِ في المصرِ) لأنَّ الأداء كان مُفُوَّضاً إليه فيه، "بحر "(٦).
[٨٢٥٠] (قولُهُ: لا بعدَ الخروجِ) أي: لو قال: أدَّيتُ زكاتَها بعدما أخرجتُها من المدينة
لا يُصدَّقُ؛ لأنّها بالإخراج التحقت بالأموال الظاهرة، فكان الأخذُ فيها إلى الإمام، "زيلعي)(٧).
وفي "شرح الجامع"(٨) ل "قاضي خان": ((وإنما تثبتُ ولاية المطالبة للإمام بعد الإخراج إلى المفازة
إذا لم يكن أدَّى بنفسه، فإذا ادَّعى ذلك فقد أنكَرَ ثبوتَ حقِّ المطالبة، فكان القولُ قولَهُ
مع اليمين)) اهـ.
[٨٢٥١] (قولُهُ: لِما يأتي(٩) أي: قريباً في قوله: ((بعد إخراجها)).
(١) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الزكاة - باب في بيان أحكام العاشر ٩٠/١.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الزكاة - باب العاشر ١٨٣/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الزكاة - باب زكاة الزروع والثمار - فصل فيمن يمر على العاشر ١/ق٤٤٧/أ نقلاً عن الصفار.
(٤) "النهر": كتاب الزكاة - باب العاشر ق ١٠٧/ب
(٥) صـ ٦٠٤ - "در".
(٦) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٩/٢.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٨٣/١.
(٨) "شرح الجامع الصغير": كتاب الزكاة - باب فيمن مر على العاشر بمال ١/ق ٤٩/أ.
(٩) صـ ٥٨٨ - "در".

الجزء الخامس
٥٨٧
باب العاشر
(وحَلَفَ صُدِّقَ) في الكلِّ بلا إخراجٍ براءةٍ في الأصحِّ؛ لاشتباهِ الخطّ، حتّى لو أتى بها
على خلافِ اسم ذلك العاشرِ وحَلَفَ صُدِّقَ وعُدَّتْ عَدَمً، ولو ظهَرَ كذبُهُ بعد سنين ..
[٨٢٥٢] (قولُهُ: وحَلَفَ) القياسُ أنْ لا يمين عليه؛ لأَنَّها عبادةٌ ولا يمينَ فيها، وجهُ الاستحسان
أَنَّه مُنكِرٌّ، وله مُكذّبٌ وهو العاشرُ، فهو مدَّعىِّ عليه معنىًّ لو أقرَّ به لزِمَهُ، فيحلفُ لرجاءِ النُّكول
بخلافٍ باقي العبادات؛ لأَنَّه لا مكذّبَ له، "نهر "(١).
(٨٢٥٣] (قولُهُ: في الكلِّ) أي: في إنكارِ تمام الحولِ وما ذُكِرَ بعده.
(٨٢٥٤] (قولُهُ: في الأصحِّ) كذا في "الكافي"(٢)، وهو ظاهرُ الرِّواية كما في "البدائع"(٣)،
وشرطُ إخراجها روايةُ "الأصل" (٤)، واخْتُلِفَ في اشتراطِ اليمين معها كما في "المعراج".
[٨٢٥٥] (قولُهُ: لاشتباهِ الخطّ) [٢/ق٢٣٢/ب] لأنَّ الخطَّ يُشبهُ الخطَّ، وقد يُزوَّرُ،
وقد لا يأخذُ البراءةَ غفلةً منه، وقد تضلُّ بعد الأخذِ، فلا يمكنُ أنْ تُجعَلَ حكماً، فُعتبَرُ قولُهُ
مع يمينه، "کافي"(٥).
[٨٢٥٦] (قولُهُ: وعُدَّتْ عدماً) قد يقال: إنَّه دليلُ كذبه، وهو نظيرُ ما لو ذكَرَ الحدَّ الرابع
وغلطَ فيه، فإنَّه لا تُسمَعُ الدعوى وإنْ جاز تركُهُ، إلاَّ أنْ يقال: إنَّها عبادةٌ بخلافٍ حقوق العباد
المحضة، "بحر "(٦)، وتمامُهُ في "النهر "(٧).
٣٩/٢
(قولُهُ: وتمامُهُ في "النهر") عبارة "النهر": ((ولك أن تفرِّقَ بينهما بأنَّ البراءة مستغنىٍّ عنها،
فإذا أتى بها على خلافِ اسم العاشر عُدَّت عدماً بخلاف الحدِّ الرابع، فإنَّ غاية أمره أنَّ ذكر الثلاثة يُغني
عنه، فإذا ذكر صار أصلاً فأثّرَ فيه الغلط)) اهـ.
(١) "النهر": كتاب الزكاة - باب العاشر ق١٠٧ /ب.
(٢) "كافي النسفي": كتاب الزكاة - باب العاشر ١/ق٦٧/أ.
(٣) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في شرائط ولاية الآخذ ٣٦/٢.
(٤) "الأصل": كتاب الزكاة ١٠/٢.
(٥) "کافي النسفي": كتاب الزكاة - باب العاشر ١/ق٦٧/ب بتصرف يسير.
(٦) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٩/٢-٢٥٠.
(٧) انظر "النهر": كتاب الزكاة - باب العاشر ق ١٠٧/ب.

قسم العبادات
٥٨٨
حاشية ابن عابدين
أُخِذَتْ منه (إلاَّ فِي السَّوائمِ والأموالِ الباطنة بعد إخراجها من البلد) لأنّها
بالإخراجِ التّحَقَتْ بالأموال الظّاهرة، فكان الأخذُ فيها للإمام، فيكونُ هو الزَّكاةَ،
[٨٢٥٧] (قولُهُ: أُخِذَتْ منه) لأنَّ حقَّ الأخذ ثابتٌ، فلا يسقطُ باليمين الكاذبة، "بحر "(١).
وهذا في غيرِ الحربيِّ، أمَّ فيه فسيأتي أنَّه إذا دخَلَ دارَ الحرب ثمَّ خرَجَ لا يُؤخَّذُ منه لِما مضى اهـ
ح" (٢).
[٨٢٥٨] (قولُهُ: إلاَّ فِي السَّوائم إلخ) استثناءٌ من تصديقه في قوله: أدَّيتُ إلى الفقراءِ،
فلا يُصدَّقُ في قوله: أدَّيتُ زكاتَها بنفسي إلى الفقراء في المصر؛ لأنَّ حقَّ الأخذِ للسلطان، فلا يملكُ
إيطالَهُ بخلاف الأموال الباطنة، "بحر "(٣).
قلت: ومقتضاه أنَّه لو ادَّعى الأداءَ إلى السَّاعِي يُصدَّقُ.
[٨٢٥٩] (قولُهُ: والأموالِ الباطنةِ) أي: وإلاَّ في الأموال الباطنة، وقولُهُ: ((بعدَ إخراجها))
- أي: إخراجِ الأموال الباطنة - متعلّقٌ بـ: أدَّيتُ المقدَّرِ المدلولِ عليه بالاستثناء، والمعنى: لو أدَّى
زكاةً الأموال الباطنة بنفسه بعد إخراجها من البلد لا يُصدَّقُ، ولا يصحُّ تعلُّقُهُ بالأموالِ الباطنة تعلُّقاً
نحويّاً كما هو ظاهرٌ، ولا معنويّاً على أنَّه صفةٌ أو حالٌ لإيهامه أَنَّه لا يُصدَّقُ بعد إخراجها سواءٌ
قال: أدَّيتُ قبل الإخراج أو بعده، مع أنَّه بعد مروره بها على العاشر لو قال: أدَّيتُ إلى الفقراء
في المصر يُصدَّقُ كما مرَّ في المتن(٤)، فافهم.
[٨٢٦٠] (قولُهُ: فكانَ الأخذُ فيها للإمام) كما في الأموالِ الظَّاهرة وهي السَّائم.
(قولُهُ: لإيهامِهِ أَنَّه لا يُصدَّقُ) قد يقال: إنَّه لا مانعَ من تعلُّقه بها تعلُّقاً معنويًّاً، ويدفع الإيهامُ
بما تقدَّمَ، وأيضاً على جَعْلِها حالاً لا إيهامَ أصلاً لِما أنَّها وصفٌ لصاحبها قيدٌ في عاملها، فهي حينئذٍ
كما لو عُلّقت بالفعل المقدَّر.
(١) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٥٠/٢.
(٢) "ح": كتاب الزكاة - باب العاشر ق١١٨/أ.
(٣) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٩/٢.
(٤) صـ ٦ ٥٨ - وما بعدها "در".

الجزء الخامس
٥٨٩
باب العاشر
والأوَّلُ ينقلبُ نفلاً، ويأخذُها منه بقوله لقول "عمر": ((لا تَنْبُشُوا على النّاسِ
متاعَهم))، لكنَّه يُحلّقُهُ إذا اتّهمَ.
[٨٢٦١] (قولُهُ: والأوَّلُ ينقلبُ نفلاً هو الصحيحُ، وقيل: الثاني سياسةً، وهذا لا ينافي
اتفساخَ الأَوَّلِ ووقوعَ الثاني سياسةً بأدنى تأمُّلٍ، كذا في "الفتح"(١). ولو لم يأخذ منه ثانياً لعلمِهِ
بأدائه ففي براءةِ ذمَّتِهِ اختلافُ المشايخ، وفي "جامع أبي اليسر"(٢): ((لو أجازَ إعطاءَهُ فلا بأس به؛
لأَنّه لو أَذِنَ له في الدَّفع [٢/ق٢٣٣/أ] جازَ، وكذا إذا أجازَ دفعَهُ)) "نهر "(٢).
[٨٢٦٢] (قولُهُ: ويأخذُها منه بقولِهِ) أي: يأخذُ منه العاشرُ الصدقةَ بقوله، قال في "البحر "(٤)
عن "المبسوط"(٥): ((إذا أخبَرَ التاجرُ العاشرَ أنَّ متاعه مَرَويٌّ أو هَرَوِيٌّ، وَّهِمَهُ العاشرُ فيه وفيه
ضررٌ عليه حلََّهُ وَأَخَذَ منه الصدقةَ على قوله؛ لأَنّه ليس له ولايةُ الإضرارِ به، وقد نُقِلَ عن "عمر"
أَنَّه قال لعُمَّاله: ((ولا تُفتّشوا على الناسِ متاعَهم)) (٦) )) اهـ.
(٨٢٦٣] (قولُهُ: لا تنبشوا) النَّبشُ: إبرازُ المستور، وكشفُ الشيء عن الشيء، "قاموس"(٧).
(قولُهُ: ووقوعَ الثاني سياسةٌ) عبارة "الفتح": ((زكاةً)) بدل ((سياسةٌ))، والمفهومُ من السِّياسة هنا كونُ
الأخذ لينزجرَ عن ارتكاب تفويت حقِّ الإِمامِ - فإنَّه مستحقُّ الأخذ - والفقيرِ التملُّك. اهـ "سندي".
(قولَهُ: وكذا إذا أجازَ) عبارة "النهر": ((فكذا)) بالفاء.
(١) "الفتح": كتاب الزكاة - باب فيمن يمر على العاشر ١٧٢/٢ - ١٧٣.
(٢) المراد شرح أبي اليسر: محمد بن محمد بن عبد الكريم، صدر الإسلام البزدوي(ت٤٩٣هـ) على "الجامع الصغير"
للإمام محمد. انظر "مقدمة الإمام اللكنوي على الجامع الصغير" صـ٥٤-، "الفوائد البهية" صـ ١٨٨ -.
(٣) "النهر": كتاب الزكاة - باب العاشر ق١٠٧/ب.
(٤) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٤٩/٢.
(٥) "المبسوط": كتاب الزكاة - باب العشر ٢٠٠/٢.
(٦) لم نعثر على تخريجه فيما بين أيدينا من المصادر الحديثية.
(٧) "القاموس": مادة ((نبش)).

قسم العبادات
٥٩٠
حاشية ابن عابدين
(وكلُّ ما صُدِّقَ فيه مسلمٌ) مما مرَّ (صُدِّقَ فيه ذمِّيٌّ) لأنَّ لهم ما لنا (إلاَّ في قوله:
أدَّيْتُ أنا إلى فقيرٍ) لعدم ولايةِ ذلك.
وبأبُهُ نصَرَ، كذا في "جامع اللغة"، "ح"(١). والذي قدَّمناه(٢) عن "البحر": (( لا تُفتّشوا)) بالفاء،
وهو قريبٌ منه.
[٨٢٦٤] (قولُهُ: وكلُّ ما صُدِّقَ) في بعض النسخ: ((وكلُّ مالٍ))، والمناسبُ هو الأُولى؛
لأنَّ ((ما)) غيرُ واقعةٍ على المال، ولذا بيَّنَها بقوله: ((مما مرَّ(٣)))، أي: من إنكارِ الحول وما بعده.
[٨٢٦٥] (قولُهُ: لأنَّ لهم ما لنا) أي: فُيُراعَى في حقّهم تلك الشَّرائطُ من الحول، والنصاب،
والفراغ من الدَّين، وكونِهِ للتجارة.
فإنْ قيل: إذا أُلحِقُوا بالمسلمين وحَبَ أنْ يُؤخَذَ منهم ربعُ العشر كالمسلمين.
قلنا: المأخوذُ منَّا زكاةٌ حقيقةً ، والمأخوذُ منهم كالجزيةِ - حتَّى يُصرَفُ إلى مصارفها -
لا زكاةٌ؛ لأنَّها طُهرٌ، وليسوا من أهلِها، وتمامُهُ في "الكفاية"(٤).
[٨٢٦٦] (قولُهُ: لعدمٍ ولايةِ ذلك) فإنَّ ما يُؤخَذُ منه جزيةٌ، وفيها لا يُصدَّقُ إذا قال: أدَّيتُها؛
لأنَّ فقراءَ أهل الذمَّة ليسوا مَصرِفاً لها، وليس له ولايةُ الصَّرف إلى مستحقّها وهو مصالِحُ
المسلمين، "زيلعي"(٥). وفي "البحر"(٦): ((أَنّه ليس بجزيةٍ، بل في حكمِها لصرفه في مصارفها، حتّى
لا تسقطُ جزيةُ رأسِهِ تلك السَّةَ كما نصَّ عليه "الإسبيجابيُّ)) اهـ.
قلت: صرَّحَ في "شرح درر البحار "(٧): ((بأنَّه جزيةٌ حقيقةً))، والظاهرُ أَنَّه أراد أنَّها جزيةٌ في
ماله كما يُسمَّى خراجُ أرضِهِ جزيةً، وعليه فالجزيةُ أنواعٌ: جزيةُ مالٍ، وجزيةُ أرضٍ، وجزيةُ رأسٍ،
(١) "ح": كتاب الزكاة - باب العاشر ق١١٨/أ.
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) صـ ٥٨٤- وما بعدها "در".
(٤) انظر "الكفاية": كتاب الزكاة - باب فيمن يمر على العاشر ١٧٣/٢ - ١٧٤ (هامش "فتح القدير").
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٨٤/١.
(٦) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٥٠/٢.
(٧) "غرر الأذكار شرح درر البحار": كتاب الزكاة - ذكر ما يتعلق بالمار على العاشر ق ٧١/ب.

الجزء الخامس
٥٩١
باب العاشر
(لا) يُصدَّقُ (حربيٌّ) في شيءٍ (إلاّ في أمِّ ولدِهِ وقولِهِ.
ولا يلزمُ من أخذِ بعضها سقوطُ باقيها كما لا يخفى إلاَّ في بني تغلِبَ؛ لأنَّ المأخوذ في مالهم هو
جزيةُ رؤوسهم، ولذا قال في "البحر"(١): ((إذا أخَذَ العاشرُ ما عليهم سقَطَت عنهم الجزية؛
لأَنَّ "عمر" صالَحَهم من الجزيةِ على الصدقةِ المضاعفة)).
[٨٢٦٧] (قولُهُ: لا يُصدَّقُ حربيٌّ) أي: لا يُلتَفَتُ [٢/ ق٢٣٣/ب] إلى قوله ولو ثبَتَ صدقُهُ
بسِّنةٍ عادلةٍ، أفادَهُ "الكمال"(٢)، "ط" (٣).
[٨٢٦٨] (قولُهُ: في شيءٍ) بيانٌ للمستثنى منه المحذوفِ، "ط "(٤) عن "الحمويّ". أي:
في شيءٍ مما مرَّ لعدمِ الفائدة في تصديقه؛ لأنّه لو قال: لم يَتِمَّ الحولُ ففي الأخذِ منه لا يُعتبرُ الحولُ؛
لأنَّ اعتبارَهُ لتمامِ الحماية ليحصلَ الَّماءُ، وحمايةُ الحربيِّ تَتِّمُّ بالأمانِ من السّبْنِ، وإِنْ قال: عليَّ دينٌ
فما عليه في دارِهِ لا يُطالَبُ به في دارنا، وإنْ قال: المالُ بضاعةٌ فلا حرمةَ لصاحبها ولا أمانَ،
وإِنْ قال: ليس للتجارةِ كذَّبَّهُ الظاهرُ، وإنْ قال: أدَّيْتُها أنا كذَّبَهُ اعتقادُهُ، وتمامُهُ في "العناية " (٥).
(٨٢٦٩] (قولُهُ: إِلَّ في أمِّ ولدِهِ إلخ) فإنَّه يُصدَّقُ في دعواه أنَّ الجاريةَ التي معه أمُّ ولده؛ لأنَّ
إقراره بنسبِ مَن في يدِهِ صحيحٌ، فكذا بأمومَيَّةِ الولد، "نهر"(٦). وعبارةُ "الجامع الصغير(٧)
٤٠/٢ و"الهداية"(٨): ((إلاَّ في الجواري، يقول: هنَّ أُمَّهاتُ أولادي))، وفي "البحر"(٩): ((فلو أقرَّ بتدبير
عبده لا يُصدَّقُ؛ لأنَّ التدبيرَ في دارِ الحرب لا يصحُّ)).
(١) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٥٠/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الزكاة - باب فيمن يمر على العاشر ١٧٤/٢.
(٣) "ط": كتاب الزكاة - باب العاشر ٤١٣/١.
(٤) "ط": كتاب الزكاة - باب العاشر ٤١٣/١.
(٥) انظر "العناية": كتاب الزكاة - باب فيمن يمر على العاشر ١٧٤/٢ (هامش "فتح القدير").
(٦) "النهر": كتاب الزكاة - باب العاشر ق١٠٨/أ.
(٧) "الجامع الصغير": كتاب الزكاة - باب فيمن يمر على العاشر بمال صـ١٢٨ -.
(٨) "الهداية": كتاب الزكاة - باب فيمن يمر على العاشر ١٠٦/١.
(٩) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٥٠/٢.

قسم العبادات
٥٩٢
حاشية ابن عابدين
لغلامِ يُولَدُ مثلُهُ لمثلِهِ: هذا ولدي) لفَقْدِ الماليّة، فإنْ لم يُولَدْ عَتَقَ عليه وعُشِرَ؛
لأَنّه أَقَرَّ بالعتق، فلا يُصدَّقُ في حقِّ غيرِهِ (و) إلاَّ في (قوله: أدَّيْتُ إلى عاشر آخر
وثَمَّةَ عاشرٌ آخرُ؛ لئلا يؤدِّيَ إلى استئصالِ المال،
[٨٢٧٠] (قولُهُ: لغلامٍ) أي: ليس بثابتِ النَّسب من غيره، ولم يكذّبه على قياسٍ ما ذكروا
في ثبوتِ النسب، "ط" (١).
(٨٢٧١] (قولُهُ: هذا ولدي) فلو قال: أخي لا يُصدَّقُ؛ لأَنَّه إقرارٌ بنسبه على الأبِ، وثبوتُهُ
يتوقَّفُ على تصديقِ الأب، فيُؤخَذُ عشرُهُ، كذا ظهَرَ لي، ولم أره صريحاً، نعم رأيتُ في "شرح
السِّير الكبير "(٢): ((لو مرَّ برقيقٍ فقال: هؤلاء أحرارٌ لم يُعشَّرْ؛ لأَنَّه إنْ كان صادقاً فهم أحرارٌ،
وإلاَّ فقد صاروا أحراراً بقوله)).
مطلب: ما يُؤْخَذُ من النصارى لِزيارةِ بيتِ المقدسِ حرامٌ
[٨٢٧٢] (قولُهُ: لِفَقْدِ المالِيَّةِ) علَّةٌ للمسألتين، أي: والأخذُ لا يجبُ إلاّ من المالِ، "ط)(٣) عن
"النهر "(٤). قال "الخير الرَّمليُّ": ((أَقولُ: منه يُعلَمُ حرمةُ ما يفعلُهُ العُمَّالُ اليوم من الأخذِ على رأس
الحربيِّ والذمِّيِّ خارجاً عن الجزيةِ حتّى يُمكِّنَ من زيارةٍ بيت المقدس)).
(٨٢٧٣] (قولُهُ: وعُشِرَ) بالتخفيفِ، أي: أُخِذَ عشرُهُ.
[٨٢٧٤] (قولُهُ: لأنّه أقرَّ بالعتقِ) لأنَّ قوله: هذا ولدي للأكبرِ منه سناً مجازٌ عن: هو حرٌّ عند
"أبي حنيفة".
[٨٢٧٥] (قولُهُ: فلا يُصدَّقُ في حقِّ غيرِهٍ) أي: في إيطالِ حقِّ العاشر - وهو أخذُ
[٢/ق٢٣٤ /أ] العشرِ - لبقاءِ الماليّة في حقّه حكماً.
(٨٢٧٦] (قولُهُ: لئلاّ يؤدِّيَ إلى استئصالِ المالِ) علٌّ للاستثناءِ، أي: لأَنَّه لو لم يُصدَّق في ذلك
لَزِمَ أَنَّ كلَّما مرَّ على عاشرٍ أُخِذَ منه العشرُ، فيؤدِّي إلى استئصالِ ماله، أي: أخذِهِ من أصلِهِ.
(١) "ط": كتاب الزكاة - باب العاشر ٤١٣/١.
(٢) "شرح السير الكبير": باب عشور أهل الحرب والمسلمين وأهل الذمة ٢١٤٠/٥.
(٣) "ط": كتاب الزكاة - باب العاشر ٤١٣/١.
(٤) "النهر": كتاب الزكاة - باب العاشر ق ١٠٨/أ.

الجزء الخامس
٥٩٣
باب العاشر
جزَمَ به "منلا خسرو"، وذكَرَهُ "الزيلعيُّ" تبعاً لـ "السروجيِّ" بلفظ: ((ينبغي))، كذا
نقَلَهُ "المصنّف"(١) عن "البحر"(٢)، لكنْ جزَمَ في "العناية" و"الغاية" بعدم تصديقه،
ورجَّحَهُ في "النهر"
[٨٢٧٧] (قولُهُ: جزَمَ به "منلا خسرو") كذا في بعضِ نسخ "البحر" بزيادةِ قوله: ((في "شرح
الدُّرر"))، وفي نسخةٍ أخرى: (("منلا شيخ" في "شرح الدُّرر"))، وهي الصوابُ(٣)، فإنَّ عبارة
"منلا خسرو" كعبارةِ "الكنز" الآتية (٤)، والعبارةُ التي ذكَرَها "الشارحُ" للإمام "محمَّد بن محمَّد بن
محمودٍ" البخاريِّ الشهيرِ بمنلا شيخ في كتابه المسمَّى "غرر الأذكار شرح درر البحار"(٥) للإمام
"مُحَمَّدِ بن يوسفَ القونويّ".
[٨٢٧٨] (قولُهُ: و"الغايةِ") يعني "غايةَ البيان" لـ "الإتقانيِّ"، وإلاَّ فـ "الغايةُ" لـ "السروجيّ"،
وهي شرحُ "الهداية" أيضاً.
[٨٢٧٩] (قولُهُ: ورجَّحَهُ في "النهر"(٦)) أي: بقوله: ((إلاَّ أنَّ كلام أهلِ المذهب أحقُّ ما إليه
يُذْهَب)) اهـ. أي: لأنّه هو مقتضَى حصرِ صاحب "الكنز)(٧) بقوله: ((لا الحربيُّ إلاَّ فِي أَمِّ ولده))،
وكذا عبارةُ "الدُّر"(٨) و"الجامع الصغير" (٩) لمحرِّرِ المذهب الإمام "محمَّدٍ"، وعبارةُ "الهداية" كما
قدَّمناه(١٠)، فالمرادُ بأهلِ المذهب الناقلون لكلامٍ صاحب المذهب، وأمَّا "السروجيُّ" ومَن تبعه
(١) "المنح": کتاب الز کاة - باب في بيان أحكام العاشر ١/ق٨٣/ب.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٥٠/٢.
(٣) الموافق لنسخة "البحر" التي بين أيدينا، وانظر "البحر": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٥٠/٢.
(٤) في هذه الصحيفة المقولة [٨٢٧٩] قوله: ((ورجحه في "النهر")).
(٥) "غرر الأذكار": كتاب الزكاة - ذكر ما يتعلق بالمار على العاشر ق ٧١/ب.
(٦) "النهر": كتاب الزكاة - باب العاشر ق١٠٨/أ.
(٧) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الزكاة - باب العاشر ٩٠/١.
(٨) "الدرر": كتاب الزكاة - باب العاشر ١٨٣/١.
(٩) "الجامع الصغير": كتاب الزكاة - باب فيمن يمر على العاشر بمال صـ ١٢٨ -.
(١٠) المقولة [٨٢٦٩] قوله: ((إلا في أم ولده إلخ)).

قسم العبادات
٥٩٤
حاشية ابن عابدين
كـ "العينيّ"(١) و"الزيلعيِّ"(٢) وشارحِ "درر البحار"(٣) فقد ذكروا ذلك بطريقِ البحث كما يُشعِرُ
به لفظُ ((ينبغي))، فافهم.
نعم قد يقال: إنَّ ما ذكرَهُ "السروجيُّ" وغيرُهُ يُعلَمُ حكمُهُ مما ذكرَهُ غيرُهم أيضاً ، وهو
ما سيأتي(٤) من أَنَّه إذا أُخِذَ من الحربيِّ مرَّةً لا يُؤْخَذُ منه ثانياً إلخ، وكذا قال "الزيلعيُّ" (٥): ((فإِنّه
لو لم يُصدَّقْ فيه يؤدِّي إلى استئصالِ المال، وهو لا يجوزُ على ما يجيءُ(٦)) اهـ.
فالحصرُ في كلام "الهداية" و"الكنز" وغيرهما إضافيٌّ صرَّحَ فيه بأحدِ المستثنيين، وسكَتَ عن
الآخرِ اعتماداً على ما صرَّحُوا به بعدُ، وكمْ له من نظيرٍ، فلم يكن كلامُ "السروجيِّ" ومَن تِعَهُ
مخالفاً للمذهب، بل هو تحقيقٌ له على ما هو عادةُ الشُّرَّاحِ من تقييدِ المطلق وبيانِ المجمل وإظهارِ
الخفيِّ ونحوِ ذلك، وأمَّا ما ذكرَهُ في "العناية" [٢/ق٢٣٤ /ب] و"غاية البيان" فهو جَرْيٌ على ظاهرِ
عبارة "الهداية"، فإنْ كان صريحُهُ منقولاً عن صاحب المذهب فلا كلامَ، وإلاَّ فالتحقيقُ خلافُهُ،
فافهم. والله تعالى أعلم.
(قولُهُ: نعم قد يقال: إنَّ ما ذكرَهُ إلخ) ما سيأتي لا يدلُّ على ما هنا، فإنَّه لم يتحقّق أخذُهُ أوَّلاً
حتّى يكون مما سيأتي، وفي "السنديّ": ((لَمَّا كان المأخوذُ أجرةَ الحماية فمَن ادَّعى تسليمَها لا يُصدَّقُ
إلاَّ بالبِّنة)) اهـ. وقال "الرَّحمتيُّ": ((ولو ادَّعى الدَّفعَ إلى عاشرٍ غيرِ الذي مَرَّ عليه لا يُصدَّقُ إلَّ بِّنةٍ؛
لأنَّ ما يُؤخَذُ منه بمنزلة الأجرة على الأمانِ، فهو كمدَّعي قضاءٍ دينٍ عليه، فلا يُقبَلُ قوله إلاَّ ببرهانٍ)).
(١) "رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق": كتاب الزكاة - باب في بيان أحكام العاشر ٩٠/١.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٨٥/١.
(٣) "غرر الأذكار": كتاب الزكاة - ذكر ما يتعلق بالمار على العاشر ق ٧١/ب.
(٤ ) ص ٥٩٧- "در".
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب العاشر ٢٨٥/٢.
(٦) صـ ٥٩٧ - "در".

الجزء الخامس
٥٩٥
باب العاشر
(وأُخِذَ مِنَّا ربعُ عشرٍ ومن الذمِّيِّ) سواءٌ كان تغلَبِيّاً أو لم يكن كما في "البِرْ جَنديّ"
عن "الظهيريَّة"(١) (ضِعْفُهُ، ومن الحربيِّ عُشرٌّ) بذلك أمَرَ "عمرُ" (بشرطِ كون
المالِ) لكلِّ واحدٍ (نصاباً) لأنَّ ما دونه عفوٌ (و) بشرطِ (جَهْلِنا) قدْرَ (ما أَخَذُوا
مِنَّا، فإن عُلِمَ أُخِذَ مثلُهُ).
[٨٢٨٠] (قولُهُ: وأُخِذَ مِنَّا إلخ) بالبناء للمجهول كما يدلُّ عليه آخرُ العبارة، "ط)" (٢).
والمأخوذُ من المسلمِ زكاةٌ، ومن غيرِهِ جزيةٌ يُصرَفُ في مصارفِها، ولكنْ تُراعَى فيه شروطُ الزّكاة
من الحول ونحوه كما قدَّمناه(٣).
[٨٢٨١] (قولُهُ: بذلك) أي: بهذه الأقسامِ الثلاثة أمَرَ "عمرُ" سُعاتَهُ، "ط " (٤).
[٨٢٨٢] (قولُهُ: لأنَّ ما دونَهُ عفوٌ) أمَّا في المسلمِ والذمِّيِّ فظاهرٌ، وأمَّا في الحربيِّ فلعدمِ
احتياجه إلى الحماية لقلَّته، "نهر "(٥).
(٨٢٨٣] (قولُهُ: وبشرطِ جهلِنا إلخ (٦)) هذا خاصٌّ بالحربيِّ فقط بقرينة قوله: ((ما أَخَذُوا
مِنَّا))، أي: أهلُ الحرب كما هو ظاهرٌ، فليس في عطفِهِ على ما يُعُمُّ الثلاثةَ إيهام أصلاً، فافهم.
[٨٢٨٤] (قولُهُ: قَدْرَ ما أَخَذُوا مِنَّ ) قال "البِرْ جَنديُّ": ((ظاهرُ العبارة يدلُّ على أنَّ الأخذ
معلومٌ والمأخوذَ مجهولٌ، ويُفهَمُ من ذلك أنَّ لو لم يكن أصلُ الأخذ معلوماً لا يُؤخَذُ منه
شيءٌ)) اهـ.
(١) "الظهيرية": كتاب الزكاة - نوع آخر في العشر والخراج ق ٥١/أ.
(٢) "ط": كتاب الزكاة - باب العاشر ٤١٣/١.
(٣) المقولة [٨٢٦٥] قوله: ((لأن لهم ما لنا))
(٤) "ط": كتاب الزكاة - باب العاشر ٤١٣/١.
(٥) "النهر": كتاب الزكاة - باب العاشر ق ١٠٨/أ.
(٦) في "د" زيادة: ((اعلم أن الصور في الأخذ منهم أربعة، وهي القسمة العقلية، وذلك إما أن نعلم ما يأخذونه أو لا،
فإن علمنا فلا يخلو: إما أن يأخذوا الكل أو لا يأخذوا أصلاً، أو يأخذوا البعض، أو لا يُعلَمَ أصلاً، وهو الوجه
الرابع، "نهاية". والمصنف لم يذكر أَخْذَ الكلِّ فزاده الشارح)).

قسم العبادات
٥٩٦
حاشية ابن عابدين
مجازاةً، إلاّ إذا أَخَذُوا الكلَّ (فلا نأخذُهُ) بل نتركُ له ما يُبلِّغُهُ مَأْمَنَهُ إبقاءً للأمان ....
قال الشيخ "إسماعيل"(١): ((لكنَّ المفهوم من إناطةٍ صاحب "الفتح"(٢) وغيره عدمَ الأخذ
منهم بمعرفةِ عدم الأخذ منّا أنَّه يُؤخَذُ منهم عند عدمِ العلم بأصل الأخذ، فليتأمَّل)) اهـ. وهو
الظاهرُ كما يظهرُ قريباً(٣).
[٨٢٨٥] (قولُهُ: مجازاةً) أي: الأخذُ بكمِّةٍ خاصَّةٍ بطريقِ المجازاة لا أصلُ الأخذ، فإنَّه حقٌّ منَّا
وباطلٌ منهم، فالحاصلُ أنَّ دخولَهُ في الحماية أو جَبَ حقَّ الأخذِ منهم، ثمَّ إنْ عُرِفَ كمِيَّةُ
ما يأخذون منَّ أَخَذنا منهم مثلَهُ مجازاةً إلاّ إذا عُرِفَ أخذُهم الكلَّ، وإنْ لم يُعرَف كميَّةُ ما
يأخذون فالعشرُ؛ لأَنّه قد ثبتَ حقُّ الأخذِ بالحماية، وتعذَّرَ اعتبارُ المجازاة، فقُدِّرَ بضعفٍ ما يُؤْخَذُ
من الذمِّيِّ؛ لأنّه أحوجُ إلى الحمايةِ منه، وتمامه في "الفتح"(٤).
قلت: ويُعلَمُ من قوله: ((لأَنَّه قد ثبَتَ إلخ)) أَنَّه لو لم يُعلَمْ أصلُ أخذٍ شيءٍ منَّا أَنَّه
يُؤخَذُ منهم العشرُ لتحقُّقِ سبه، ولأنَّ أخذَ غيرِهِ إنما هو بطريقِ المجازاة، ومع عدمِ العلم أصلاً
لا مجازاةَ، ولأنَّ عدم الأخذِ منهم أصلاً عند العلمِ بعدم أخذِ شيءٍ إنما هو ليستمرُّوا عليه، ولأَنَّا
أحقُّ [٢/ق ٢٣٥/أ] بالمكارمِ كما يأتي(٥)، وهو في الحقيقةِ بمعنى المجازاة، حيث تركناهم كما
تركونا، وليس مثلُهُ عدمَ العلم بأصلِ الأخذ لتحقُّقِ سببٍ أخذ العشر - وهو دخولُهُ
في الحمايةِ - وعدمٍ تحقَّقِ المانع بخلافٍ قصدِ المجازاة، فإِنَّه مانعٌ من إيجابِ العشر بعد تحقَّقِ
سببه، فقد تأَيَّدَ ما ذكرَهُ الشيخ "إسماعيل"، فتدبَّر.
٤١/٢
(١) "الإحكام": کتاب الز کاة ۔ باب العاشر ٢/ق٩٥/ب بتصرف.
(٢) "الفتح": كتاب الزكاة - باب فيمن يمر على العاشر ١٧٥/٢.
(٣) في المقولة الآتية.
(٤) انظر "الفتح": كتاب الزكاة - باب فيمن يمر على العاشر ١٧٥/٢.
(٥) ص ٥٩٧- "در".