Indexed OCR Text
Pages 521-540
الجزء الخامس
٥١٧
باب زکاة الغنم
من جنسه) فيزكِيه بحول الأصل، ولو أدَّى زكاةً نقدِهِ ثمَّ اشترى به سائمةً لا تُضَمُّ،
ولو له نِصابان مما لم يُضَمَّ أحدُهما.
فاستفادَ مثلَها في الحولِ، ثمَّ رجَعَ الواهبُ بقضاءِ استأَنَفَ حولاً للفائدة، وشمل كلامُهُ ما لو كان
النصابُ دَيناً فاستفادَ مائةً فإنَّها [٢/ق ٢١٣ / أ] تُضَمُّ إجماعاً، غيرَ أنَّه لو تَمَّ حولُ الدَّين فعند
"الإِمام" لا يلزمُهُ الأداءُ من المستفاد ما لم يقبض أربعين درهماً، فلو مات المديونُ مُفلِساً سقَطَ عنه
زكاةُ المستفاد، وعندهما يجبُ)) اهـ من "البحر"(١) و"النهر"(٢).
[٨٠٩٠] (قولُهُ: من جنسِهِ) سيأتي(٣) أنَّ أحد النقدين يُضَمُّ إلى الآخر، وأنَّ عُروض التجارة
٢٣/٢ تُضَمُّ إلى النقدين للجنسيَّة باعتبار قيمتها، واحترَزَ عن المستفاد من خلاف جنسه كالإِبل مع الشياه
فلا تُضَمُّ، "بحر"(٤).
(٨٠٩١] (قولُهُ: ولو أدَّى إلخ) هذا بمنزلةِ الاستثناء مما في المتن، كأنّه قال: يُضَمُّ المستفادُ إلى
جنسه ما لم يَمَنَعْ منه مانعٌ، وهو التّنَى المنفيُّ بقوله عليه الصلاة والسلام: (لا ثِى في الصَّدقة))(٥).
[٨٠٩٢] (قولُهُ: لا تُضَمُّ) أي: إلى سائمةٍ عنده من جنسِ السَّائمة التي اشتراها بذلك النقدِ
المزكَّى، أي: لا يزكّيها عند تمام حول السَّائمة الأصليّة عند "الإمام" للمانع المذكور، وعندهما يُضَمُّ،
وكذا الخلافُ لو باع السَّائمة المزكَّة بنقدٍ، بخلاف ما لو أدَّى عشرَ طعامٍ أو أرضٍ أو صدقةً
فطرِ عبدٍ ثمَّ باع، حيث تُضَمُّ أثمانُها إجماعاً، والفرقُ لـ "الإِمام" أنَّ ثمن السَّائمة بدلُ مال
(قولُهُ: والفرقُ لـ "الإِمام" أنَّ ثمنَ إلخ) في "البحر": ((لأنَّ الفطرة إنما تحبُ بسبب رأسٍ يموتُهُ ويلي
عليه دون الماليّة، ألا ترى أنَّها تجب عن أولاده الأحرار، والثمنُ بدلُ الماليّة، والعشرُ إنما يجب بسبب أرضٍ
(١) "البحر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ٢٣٩/٢.
(٢) "النهر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ق ١٠٤/أ.
(٣) المقولة [٨١٨٩] قوله: ((وقيمة العرض إلخ)) وما بعدها.
(٤) "البحر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ٢٣٩/٢.
(٥) تقدم تخريجه ص٤٦٩ -.
قسم العبادات
٥١٨
حاشية ابن عابدين
كَثَمَنِ سائمةٍ مزكّاةٍ وألفِ درهمٍ ووَرِثَ ألفاً ضُمَّتْ إلى أقربهما حولاً، ورِبْحُ كلِّ
يُضَمُّ إلى أصله.
الزَّكاة، وللبدلِ حكمُ المبدل منه، فلو ضُمَّ لأدَّى إلى الثِّنَى، وكذا لو جعَلَ السَّائمةَ علوفةً بعدما
زكَّاها ثمَّ باعها، أو جعَلَ عبد التجارة المؤدَّى زكاتُهُ للخدمة ثمَّ باعَهُ ضُمَّ لخروجه عن مالِ الزَّكاة،
فصار كمالٍ آخر، وتمامُهُ في "البحر"(١).
(٨٠٩٣] (قولُهُ: كثمنٍ سائمةٍ مزكّاةٍ) أي: وكالفرعِ المذكور قبله، ففيه لو وَرِثَ سائمةً
من جنسِ السائمتين تُضَمُّ إلى أقربِهما أيضاً.
[٨٠٩٤] (قولُهُ: ضُمَّتْ) أي: الألفُ الموروثةُ ((إلى أقربِهما)) أي: أقربِ الألفين الأوَّلين
حولاً، قال في "البحر"(٢): ((لأَنّهما استويا في علَّةِ الضمِّ، وترجَّحَ أحدُهما باعتبارِ القرب؛
لأَنَّها أنفعُ للفقراء)).
[٨٠٩٥] (قولُهُ: وربحُ كلِّ إلخ) قال في "البحر"(٣): ((ولو كان المستفادُ ربحاً أو ولداً
ضَمَّهُ إلى أصله وإنْ كان أبعدَ حولاً؛ لأنّه ترجَّحَ باعتبار التفرُّع والتولّد؛ لأنّه تبعٌ، وحكمُ الَّبع
لا يُقطَعُ عن الأصل)).
ناميةٍ لا بالخارج، فلم يثبت الاتّحاد، حتَّى لو باع الأرض النامية لا يضمُّ ثمنها إلى ما عنده عند
"أبي حنيفة")) اهـ. والذي في "الفتح": ((واتَّقوا على ضمِّ ثمنِ طعامٍ أدَّى عشرَهُ ثُمَّ باعه، وثمنٍ أرضٍ
معشورةٍ، وثمنٍ عبدٍ أدَّى صدقةً فطره، أمَّ عندهما فظاهرٌ، وأمَّا عنده فلأنَّ البدل ليس بدلاً لمالِ الزَّكاة؟
لأنَّ العشر لا يجب باعتبار الملك، ولهذا يجبُ في أرض الوقف والمكاتب، والفطرةُ لا تتعلَّقُ بالماليّة،
ولهذا تجبُ عن ولده)) اهـ.
(١) انظر "البحر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ٢٤٠/٢.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ٢٤٠/٢.
(٣) "البحر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ٢٤٠/٢.
الجزء الخامس
٥١٩
باب زکاة الغنم
(أَخَذَ الْبُغاةُ) والسَّلاطينُ الجائرةُ (زكاةَ) الأموالِ الظّاهرة كـ (السَّوائم والعُشر
والخراج لا إعادةً على أربابها إن صُرِفَ) المأخوذُ (في محلّه).
[٨٠٩٦] (قولُهُ: أخَذَ البغاةُ) الأخذُ ليس قيداً احترازيًّاً، حتَّى لو لم يأخذوا منه ذلك سنين
وهو عندهم لم يُؤخَذْ منه شيءٌ أيضاً كما في "البحر"(١) و"الشرنبلاليّة"(٢) عن "الزيلعيّ"(٣).
والبغاةُ: قومٌ مسلمون خرجوا عن طاعةِ الإِمام الحقِّ، بأنْ ظهروا فأخذوا ذلك، "نهر (٤).
ويظهرُ لي [٢/ق٢١٣/ب] أنَّ أهل الحرب لو غلبوا على بلدةٍ من بلادنا كذلك؛ لتعليلهم
أصلَ المسألة بأنَّ الإِمام لم يَحمِهِم والجبايةُ بالحماية، وفي "البحر"(٥) وغيره: ((لو أسلَمَ الحربيُّ في
دارِ الحرب وأقام فيها سنين، ثُمَّ خرَجَ إلينا لم يأخذ منه الإِمامُ الزَّكاة لعدم الحماية، ونُفتيه بأدائها
إنْ كان عالِماً بوجوبها، وإلاَّ فلا زكاة عليه؛ لأنَّ الخطاب لم يبلغه وهو شرطُ الوجوب)) اهـ.
وسيأتي(٦) متناً في باب العاشر: أنّه لو مرَّ على عاشرِ الخوارج فعشَّروه، ثمَّ مرَّ على عاشرٍ
أهل العدل أُخِذَ منه ثانياً، أي: لتقصيره بمروره بهم.
[٨٠٩٧] (قولُهُ: والخراجِ) أي: خراجِ الأرض كما في "غاية البيان"، والظاهرُ أنَّ خراج
(قولُهُ: الأخذُ ليس قَيْداً إلخ) كونُ الأخذ ليس بقيدٍ إنما يظهرُ في عبارة "الكنز" - وهي: ((ولو أخَذَ
الخراجَ والعشرَ والزَّكَاةَ بغاةٌ لم يؤخذ أخرى)) - لا في عبارة "المصنّف"، وهي قوله: ((لا إعادةَ إلخ))،
فإنّه إذا لم يأخذوا منه سنين وهو عندهم يجبُ عليه الإخراج بنفسه، وتكون ذمَّتُهُ مشغولةً فيما بينه وبين
الله تعالى وإن كان العاملُ ليس له ولايةُ الأخذ؛ لأنَّ الجباية بالحماية، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ٢٤٠/٢.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الزكاة - باب صدقة السوائم ١٧٨/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب صدقة البقر - فصل في الغنم ٢٧٤/١.
(٤) "النهر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ق ١٠٤/أ.
(٥) "البحر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ٢٤١/٢.
(٦) ص ٦٠٤ _ "در".
قسم العبادات
٥٢٠
حاشية ابن عابدين
الآتي ذكرُهُ (وإلاّ) يُصرَفْ فيه (فعليهم) فيما بينهم وبين الله (إعادةً غيرِ الخراجِ)
لأَنَّهم مَصارفُهُ ..
الرُّؤُوس كذلك، "نهر"(١).
قلت: ما استظهرَهُ صرَّحَ به في "المعراج".
[٨٠٩٨] (قولُهُ: الآتي ذكرُهُ(٢)) أي: في بابِ المصرف.
[٨٠٩٩] (قولُهُ: فعليهم إلخ) أي: ديانةً كما في بعض النسخ، قال في "الهداية"(٣): ((وأُقْتُوا
بأنْ يُعيدوها دون الخراج)) اهـ.
لكنَّ هذا فيما أخذَهُ البغاة؛ لتعليلهم بأنَّ البغاة لا يأخذون بطريقِ الصدقة بل بطريقٍ
الاستحلال، فلا يصرفونها إلى مصارفها اهـ.
أمَّا السلطانُ الجائرُ فله ولايةُ أخذِها، وبه يُفتَى كما نذكرُهُ قريباً عن "أبي جعفر"، نعم ذكَرَ
في "المعراج" عن كثيرٍ من مشايخٍ بلخٍ: ((أَنَّه كالبغاة؛ لأَنَّه لا يَصرِفُهُ إلى مصارفه))، وفي
"الهداية"(٤): ((أَنَّ الأحوط)).
[٨١٠٠] (قولُهُ: إعادةُ غيرِ الخراجِ) موافقٌ لِما نقلناه عن "الهداية"، قال في
"الشرنبلالَّة"(٥): ((وعليه اقتصَرَ في "الكافي"(٦)، وذكَرَ "الزيلعيُّ)"(٧) ما يفيدُ ضعفه حيث قال:
وقيل: لا نُفتيهم بإعادةِ الخراج)).
[٨١٠١] (قولُهُ: لأَنَّهم مصارفُهُ) علَّةٌ لمحذوفٍ تقديرُهُ: أمَّا الخراجُ فلا يُفتَون بإعادته؟
(١) "النهر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ق ١٠٤/أ.
(٢) ٧٢/٦ وما بعدها "در".
(٣) "الهداية": كتاب الزكاة - باب صدقة السوائم ١٠٢/١.
(٤) "الهداية": كتاب الزكاة - باب صدقة السوائم ١٠٣/١.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الزكاة - باب صدقة السوائم ١٨٠/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٦) "كافي النسفي": كتاب الزكاة - فصل في زكاة الغنم ١/ق ٦٤/ب.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب صدقة البقر - فصل في الغنم ٢٧٤/١.
الجزء الخامس
٥٢١
باب زکاة الغنم
واختُلِفَ في الأموال الباطنة، ففي "الولوالحَيَّة" و"شرح الوهبائيّة"(١): ((المفتى به عدمُ
الإِجزاء))، وفي "المبسوط": ((الأصحُّ الصحَّة إذا نوى بالدَّفْعِ لظَلَمةِ زماننا الصَّدقةَ عليهم؛
لأَنّهم مصارفُهُ؛ إذ أهلُ البغي يقاتلون أهلَ الحرب، والخراجُ حقُّ المقاتلة، "شرح الملتقى)"(٢)، "ط)"(٣).
مطلب فيما لو صادر السلطان رجلاً(٤) فتوى بذلك أداء الزكاة إليه
[٨١٠٢] (قولُهُ: واختُلِفَ في الأموالِ الباطنةِ) هي النقودُ وعُروض التجارة إذا لم يَمُرَّ بها على
العاشر؛ لأَنّها بالإِخراج تَلتحِقُ بالأموال الظاهرة كما يأتي(٥) في بابه، والأموالُ الظاهرة هي التي
يأخذُ زكاتَها الإِمامُ، وهي السَّائمُ وما فيه العشرُ والخراجُ وما يَمُرُّ به على العاشر، ويُفهَمُ من
كلام "الشارح" أَنَّه لا خلافَ في الأموال الظاهرة مع أنَّ فيها خلافاً أيضاً، قال في "التجنيس"
و "الولوالجِيَّة"(٦): ((السلطانُ الجائر إذا أخَذَ الصدقاتِ قيل: إنْ نوى بأدائها إليه الصدقةَ عليه لا يُؤمَرُ
بالأداء ثانياً؛ لأَنَّه فقيرٌ حقيقةً، ومنهم مَن قال: الأحوطُ أنْ يُفتَى بالأداء ثانياً [٢/ق٢١٤/أ] كما
لو لم يَنْوِ لانعدام الاختيار الصحيح، وإذا لم يُنْوِ منهم مَن قال: يُؤُمَرُ بالأداء ثانياً، وقال
"أبو جعفر": لا؛ لكون السلطان له ولايةُ الأخذ، فيسقُطُ عن أرباب الصدقة، فإِنْ لم يَضَعْها
مَوضِعَها لا يبطلُ أخذه، وبه يُفْتَى، وهذا في صدقاتِ الأموال الظاهرة، أمَّا لو أخَذَ منه السلطانُ
أموالاً مصادرةً، ونوى أداءَ الزَّكاة إليه فعلى قولِ المشايخ المتأخّرين يجوزُ، والصحيحُ أَنَّه لا يجوزُ،
وبه يُفْتَى؛ لأَنَّه ليس للظالِمِ ولايةُ أخذ الزَّكاة من الأموال الباطنة)) اهـ.
(قولُهُ: ويُفهَمُ من كلام "الشارح" أنّه إلخ) ما ذكرَهُ "الشارح" عن "التجنيس" آخراً بقوله: ((وفي
"التجنيس": المفتى به سقوطُها في الأموال الظاهرة)) يفيدُ أنَّ فيها الخلافَ أيضاً.
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الزكاة ١/ق٥٧/ب.
(٢) "الدر المنتقى": كتاب الزكاة - فصل في زكاة الخيل ٢٠٤/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٣) "ط": كتاب الزكاة - باب زكاة الغنم ٢٠٤/١.
(٤) أي: أمواله.
(٥) صـ ٥٨٨- "در".
(٦) "الولوالجية": كتاب الزكاة - الفصل الثاني فيما يقع من الزكاة وفيما لا يقع ق٢٥/ب.
قسم العبادات
٥٢٢
حاشية ابن عابدين
لأَنَّهم بما عليهم من التِبعاتِ فقراءُ، حَتَّى أُقْتِيَ أميرُ بَلْخٍ بالصِّيام لكفّارةٍ عن يمينه،
ولو أُخَذَها السَّاعي حبراً.
أقول: يعني: وإذا لم يكن له ولايةُ أخذِها لم يصحَّ الدفعُ إليه وإِنْ نوى الدافعُ به التصدُّقَ
عليه لانعدامِ الاختيارِ الصحيح بخلاف الأموال الظاهرة؛ لأَنَّه لَمَّا كان له ولايةُ أخذِ زكاتها لم
يَضُرَّ انعدامُ الاختيار، ولذا تُجزيه سواءٌ نوى التصدُّقَ عليه أوْ لا.
٢٤/٢
هذا، وفي "مختارات النوازل"(١): ((السلطانُ الجائرُ إذا أخَذَ الخراج يجوزُ، ولو أخَذَ الصدقاتِ
أو الجبايات، أو أخَذَ مالاً مصادرةً إنْ نوى الصدقةَ عند الدفع قيل: يجوزُ أيضاً، وبه يُقْتَى، وكذا إذا
دفَعَ إلى كلِّ جائرٍ بِنَّةِ الصدقة؛ لأنّهم بما عليهم من الَّبعات صاروا فقراءَ، والأحوطُ الإِعادة)) اهـ.
وهذا موافقٌ لِما صحَّحَهُ في "المبسوط " (٢) وتِبِعَهُ في "الفتح"(٣)، فقد اختلَفَ التصحيحُ والإفتاءُ
في الأموالِ الباطنة إذا نوى التصدُّقَ بها على الجائر، وعلمتَ ما هو الأحوط.
قلت: وشَمِلَ ذلك ما يأخذُهُ المكَّاس؛ لأنّه وإنْ كان في الأصلِ هو العاشرَ الذي ينصبُهُ الإِمام
لكن اليومَ لا يُنصَبُ لأخذِ الصدقات، بل لسَلْبِ أموالِ الناس ظلماً بدون حمايةٍ، فلا تسقطُ الزَّكاة
بأخذِهِ كما صرَّحَ به في "البِرَّازِيَّةِ"(٤)، فإذا نوى التصدُّقَ عليه كان على الخلافِ المذكور.
[٨١٠٣] (قولُهُ: لأنّهم بما عليهم إلخ) علَّةٌ لقوله قبله: ((الأصحُّ الصحَّةُ))، وقولُهُ: ((بما
عليهم)) متعلّقٌ بقوله: ((فقراءُ)).
[٨١٠٤] (قولُهُ: حَتَّى أُفِيَ) بالبناء للمجهول، والمفتي بذلك "محمَّدُ بن سلمة"، وأميرُ بلخٍ هو
"عليٌّ بنُ عيسى بن ماهان"(٥) والي خراسان، سألَهُ عن كفَّارةٍ يمينه فأفتاه بذلك، فجعَلَ بيكي
ويقول لحشمه: إنّهم يقولون لي: ما عليك من التِّعات فوقَ ما لَكَ من المال، فكفَّارتُك كفَّارة
(١) "مختارات النوازل": كتاب الزكاة ق ٤١/ب.
(٢) "المبسوط": كتاب الزكاة ١٨٠/٢.
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة - باب صدقة السوائم ١٥٠/٢ - ١٥١.
(٤) "البزازية": كتاب الزكاة - الفصل الثاني في المصرف ٨٦/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) في النسخ جميعها: موسى بن عيسى، والصواب ما أثبتناه، وعليٌّ هذا كان والياً على خراسان أيام الرشيد، قتل سنة =
الجزء الخامس
٥٢٣
باب زکاة الغنم
لم تقع زكاةً لكونها بلا اختيارِ، ولكن يُجَبَرُ بالحبس ليؤدِّيَ بنفسِهِ؛ لأنَّ الإكراه
ء
لا يُنافي الاختیار)،
[٢/ق٢١٤ /ب] يمينٍ مَن لا يملكُ شيئاً. قال في "الفتح"(١): ((وعلى هذا لو أوصى بثلثِ ماله
للفقراء، فدفَعَ إلى السلطانِ الجائرِ سقَطَ، ذكَرَهُ "قاضي خان" في "الجامع الصغير"(٢)، وعلى هذا
فإنكارُهم على "يحيى بن يحيى" تلميذِ "مالكٍ" - حيث أفتى بعضَ ملوك المغاربة في كفَّارةٍ عليه
بالصوم - غيرُ لازمٍ لجواز أنْ يكون للاعتبارِ المذكورِ، لا لكونِ الصوم أشقَّ عليه من الإعتاق،
وكونُ ما أخذَهُ خَلَطَهُ بماله بحيث لا يمكنُ تميزه فيملكُهُ عند "الإِمام" غيرُ مُضرِّ لاشتغالِ ذمَّتَه بمثله،
والمديونُ بقدْرِ ما في يده فقيرٌ)) اهـ ملخّصاً.
قلت: وإفتاءُ "ابن سلمة" مبنيٌّ على ما صحَّحَهُ في "التقرير"(٣): ((من أنَّ الدَّين لا يَمْنَعُ
التكفيرَ بالمال))، أمَّا على ما صحَّحَهُ في "الكشف الكبير"(٤) وجرى عليه "الشارح" فيما مرَّ(٥) تبعاً
لـ "البحر"(٦) و"النهر"(٧) فلا.
[٨١٠٥] (قولُهُ: لم تقعْ زكاةً) في بعضِ النسخ: ((لم تصحَّ زكاةٌ))، وعزا هذا في "البحر (٨)
(قولُهُ: من أنَّ الدَّين لا يمنعُ) كذا في نسخةِ الخطّ، وحقُّهُ حذفُ ((لا)) النافية.
= (١٩٥ هـ). ("الكامل" ٤١١/٥، "الأعلام" ٣١٧/٤)، والخبر على روايته هنا فيه إشكال، وهو سؤال علي بن
عيسى لمحمد بن سلمة، إذ كيف يتأتى اجتماعهما، ومحمد ولد سنة (١٩٢ هـ)؟! كما في "الفوائد البهية"
صـ ١٦٨-، لكن ذكر في "الفتح" و"الكفاية" ١٥١/٢ أن محمداً أجاز الصدقة لعليّ دون إشارة إلى اجتماعهما
البتة، وهو الصواب والله تعالى أعلم.
(١) "الفتح": كتاب الزكاة - باب صدقة السوائم ١٥١/٢.
(٢) "شرح الجامع الصغير": كتاب الزكاة - باب زكاة السائمة ١/ق ٤٩/أ.
(٣) انظر تعليقنا على تصحيح "التقرير والتحبير" صـ٧ - تعليق رقم (١٥).
(٤) "كشف الأسرار": باب بيان صفة الحسن للمأمور به ٤٣٥/١ فما بعدها، إلا أننا لم نجد فيه التصريح بأنه الأصح.
(٥) صـ ٤٢٦- وما بعدها "در".
(٦) "البحر": كتاب الزكاة ٢٢٢/٢.
(٧) "النهر": كتاب الزكاة ق٩٩/ب.
(٨) "البحر": كتاب الزكاة ٢٢٧/٢.
قسم العبادات
٥٢٤
حاشية ابن عابدين
وفي "التجنيس": ((المفتى به سقوطها في الأموال الظّاهرة لا الباطنة)).
(ولو خَلَطَ السُّلطانُ المالَ المغصوب مالِهِ ملَكَهُ، فتحبُ الزَّكاة فيه ويُورَثُ عنه) ....
إلى "المحيط"، ثمَّ قال: ((وفي "مختصر الكرخيّ"(١): إذا أخَذَها الإِمامُ كَرْهاً فوضَعَها موضعَها أجزأ؛
لأنَّ له ولايةَ أخذِ الصدقات، فقام أخذُهُ مَقامَ دفع المالك، وفي "القنية"(٢): فيه إشكالٌ؛ لأنَّ النَّةَ
فيه شرطٌ ولم تُوجَد منه)) اهـ.
قلت: قولُ "الكرخيّ": ((فقامَ أخذُهُ إلخ)) يصلُحُ للجوابِ، تأمَّل. ثمَّ قال في "البحر":
((والمفتى به التفصيلُ: إِنْ كان في الأموالِ الظاهرة يسقطُ الفرض؛ لأنَّ للسلطانِ أو نائبِهِ ولايةً
أخذها، وإنْ لم يَضَعْها موضعَها لا يبطلُ أخذُهُ، وإنْ كان في الباطنةِ فلا)) اهـ.
[٨١٠٦] (قولُهُ: وفي "التجنيس") في بعضِ النسخ: ((لكنْ)) بدلَ الواو، وهو استدراكٌ على
ما في "المبسوط" (٣)، وقد أسمعناكَ آنفاً(٤) ما في "التجنيس"، وقد يُدَّعَى عدمُ المخالفة بينهما بحملٍ
ما في "التجنيس" على ما إذا دفَعَ إلى السلطانِ مالَ المكسِ أو المصادرةِ، ونوى به كونَهُ زكاةٌ
ليصرفَهُ السلطانُ في مصارفه، ولم يَنْوِ بذلك التصدُّقَ به على السلطان، ويؤيِّدُ هذا الحملَ قولُهُ:
((لأَنَّه ليس له ولايةُ أخذِ الزَّكاة من الأموال الباطنة))، فلا ينافي ذلك قولَ "المبسوط": ((الأصحُّ
أنَّ ما يأخذُهُ ظَلَمَةُ زماننا من الجبايات والمصادرات يسقُطُ عن أرباب الأموال إذا نَوَوا عند الدفع
التصدُّقَ عليهم؛ لأَنَّهم بما عليهم من الَِّعاتِ فقراءٌ))، فليتأمَّل.
[٨١٠٧] (قولُهُ: بمالِهِ) متعلّقٌ بـ ((خَلَطَ))، وأمَّا لو خَلَطَهُ بمغصوبٍ [٢/ق٢١٥/ أ] آخرَ
فلا زكاة فيه كما يذكرُهُ(٥) في قوله: ((كما لو كان الكلُّ خبيثاً)).
(١) في "البحر": ((مختصر الطحاوي))، والمسألة ليست فيه.
(٢) "القنية": كتاب الزكاة - باب أداء الزكاة والنية ق٢٩/ب.
(٣) صـ ٥٢١ - "در".
(٤) المقولة [٨١٠٢] قوله: ((واختلف في الأموال الباطنة)).
(٥) صـ٥٢٥- "در".
الجزء الخامس
٥٢٥
باب زکاة الغنم
لأنَّ الخَلْط استهلاكٌ إذا لم يمكن تمييزُهُ عند "أبي حنيفة"، وقولُهُ أرفقُ؛ إذ قلَّما يخلو
مالٌ عن غَصْبٍ، وهذا إذا كان له مالٌ غيرُ ما استهلَكَهُ بالخَلْط منفصلٌ عنه يُوفِي
دِينَهُ، وإلاَّ فلا زكاةَ كما لو كان الكلُّ خبيثاً ..
[٨١٠٨] (قولُهُ: لأنَّ الخلطَ استهلاكٌ) أي: بمنزلتِهِ من حيث إنَّ حقَّ الغير يتعلَّقُ بالذمَّةِ
لا بالأعيان، "ط" (١).
[٨١٠٩] (قولُهُ: عند"أبي حنيفة(١) أمَّا على قولِهما فلا ضمانَ، وحينئذٍ فلا يثبتُ الملك؛ لأنّه
فرعُ الضمان، ولا يُورَثُ عنه؛ لأَنّه مالٌ مشتركٌ، وإنما يُورَثُ عنه حصَّةُ الميت منه، "فتح"(٢).
[٨١١٠] (قولُهُ: وهذا إلخ) الإشارةُ إلى وجوبِ الزَّكاة الذي تضمَّنَهُ قولُهُ: ((فتحبُ
الزّكاة فيه)).
[٨١١١] (قولُهُ: منفصلٌ عنه) الذي في "النهر"(٣) عن "الحواشي"(٤): ((محملُ ما ذكروه
ما إذا كان له مالٌ غيرُ ما استهلَكَهُ بالخلط يَفضُلُ عنه، فلا يُحيط الدَّينُ بماله)) اهـ. أي:
يفضُلُ عنه بما يبلغُ نصاباً.
[٨١١٢] (قولُهُ: كما لو كان الكلُّ خبيثاً) في "القنية"(٥): ((لو كان الخبيثُ نصاباً
لا يلزمُهُ الزَّكاة؛ لأنَّ الكلَّ واجبُ التصدُّقِ عليه، فلا يفيدُ إيجابُ التصدُّق ببعضه)) اهـ.
ومثلُهُ في "البزَّازِيَّة"(٦).
(قولُ "الشارح": وقولُهُ أرفقُ) أي: بالفقراء. اهـ "سندي".
(١) "ط": كتاب الزكاة - باب زكاة الغنم ٤٠٥/١.
(٢) لم نعثر عليها في نسخة "الفتح" التي بين أيدينا.
(٣) "النهر": كتاب الزكاة ق٩٩/أ.
(٤) هي "الحواشي السعدية" كما في "النهر"، انظر "الحواشي السعدية": كتاب الزكاة - فصل وليس في الفصلان
١٥١/٢ (هامش "فتح القدير").
(٥) "القنية": كتاب الزكاة - باب أداء الزكاة والنية ق٢٩/ب.
(٦) "البزازية": كتاب الزكاة - الفصل الثاني في المصرف ٨٦/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
قسم العبادات
٥٢٦
حاشية ابن عابدين
كما في "النهر" عن "الحواشي السعديَّة"،
(٨١١٣] (قولُهُ: كما في "النهر"(١)) أي: أوَّلَ كتابِ الزَّكاة عند قول "الكنز": ((وملكُ
نصابٍ حوليٍّ))، ومثلُهُ في "الشرنبلاليَّة"(٢)، وذكرَهُ في "شرح الوهبانيّة"(٣) بحثاً، وفي الفصل العاشر
من "التاتر خانَّةً"(٤) عن "فتاوى الحجَّة": ((مَن مَلَكَ أموالاً غيرَ طِّّيةٍ، أو غصَبَ أموالاً وخلَطَها
مَلَكَها بالخلط، ويصيرُ ضامنً، وإنْ لم يكن له سواها نصابٌ فلا زكاةً عليه فيها وإنْ بلغت نصاباً؛
الأَنَّه مديونٌ، ومالُ المديون لا ينعقدُ سبباً لوجوبِ الزَّكاة عندنا)) اهـ.
فأفادَ بقوله: ((وإنْ لم يكن له سواها نصابٌ إلخ)) أنَّ وجوب الزَّكاة مقَّدٌ بما إذا كان له
نصابٌ سواها، وبه يندفعُ ما استشكلَهُ في "البحر"(٥): ((من أَنَّه وإنْ ملَكَهُ بالخلط فهو مشغولٌ
بالدَّين، فينبغي أنْ لا تجبَ الزَّكاة)) اهـ. لكنْ لا يخفى أنَّ الزَّكاة حينئذٍ إنما تجبُ فيما زاد عليها
لا فیھا.
لا يقال: يمكنُ أنْ يكون له مالٌ سواها مما لا زكاةَ فيه كدُورِ السُّكنى وثيابِ البِذْلة مما يبلغُ
مقدارَ ما عليه أو يزيدُ، فتجبُ الزَّكاة فيها من غيرِ أنْ يكون له نصابٌ آخرُ سواها.
٢٥/٢
(قولُهُ: فأفادَ بقوله إلخ) ويفيدُ أيضاً أنَّ المال إذا كان كلُّه خبيثاً تجبُ زكاته إذا كان له نصابٌ يوفي
دينَهُ، وهذا يخالفُ ما ذكرَهُ عن "النهر".
(قولُهُ: لكنْ لا يخفى إلخ) قد يقال: إنَّه مُخَّرٌ في صرفِ الدَّين الذي وجَبَ بالخلط إلى النّصاب أو إلى
الأموال التي ملَكَها بالخلط، فإذا صرَفَهُ إلى النّصاب وجبت في المخلوط، فلا يتعيّنُ كونُ الأموال
المخلوطة مصروفاً إليها، وإذا لم تتميّز الأموال المغصوبة عن النّصاب المملوك له لا تجبُ عليه بمقدار
المغصوب وتجب في الزائد، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الزكاة ق ٩٩/أ.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الزكاة - باب صدقة السوائم ١٨٠/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الزكاة ق ٥٠/ب.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الزكاة - باب ما يمنع وجوب الزكاة ٢٨٩/٢.
(٥) "البحر": كتاب الزكاة ٢٢١/٢.
الجزء الخامس
٥٢٧
باب زكاة الغنم
لأَنّا نقول: إنَّه لَمَّا خَلَطَها مَلَكَها، وصار مثلُها دَيناً في ذمَّته لا عيْنُها، وقدَّمنا(١) أنَّ الدَّين
يُصرَفُ أوَّلاً إلى مالِ الزَّكاة دون [٢/ق٢١٥/ب] غيره، حتّى لو تزوَّجَ على خادمٍ بغيرِ عينه
وله مائنا درهمٍ وخادمٌ صُرِفَ دَينُ المهر إلى المائتين دون الخادم، أي: فلو حالَ الحولُ على المائتين
لا زكاةً عليه لاشتغالها بالدَّين مع وجودِ ما يفي به من جنسه وهو الخادم، وهنا كذلك ما لم
يَملِكْ نصاباً زائداً، نعم تظهرُ الثمرة فيما إذا أبرأه المغصوبُ منهم - كما نقَلَهُ في "البحر"(٢) عن
"المبتغى" بالغين المعجمة، وقال: ((وهو قيدٌ حسنٌ يجبُ حفظه)) اهـ . - أو إذا صالَحَ غرماءَهُ على
عقارٍ مثلاً، فيبقى ما غصّبَهُ سالماً عن الدَّين فتحبُ زكاته.
ء
وقد يجابُ عن الإشكال - كما أفادَهُ "شيخنا" - بأنَّ المراد ما إذا لم يَعلَمْ أصحابَ المال
المغصوب؛ لأنَّ الدَّين إنما يمنعُ وجوبَ الزَّكاة إذا كان له مطالبٌ من جهة العباد، وبجهلٍ أصحابه
لا يبقى له مُطالِبٌ، فلا يمنعُ وجوبَها.
قلت: لكنْ قدَّمنا(٣) عن "القنية" و"البزَّازِيَّة": ((أَنَّ ما وجَبَ التصدُّقُ بكلِّهِ لا يفيدُ التصدُّقُ
(قولُهُ: وقال: وهو قيدٌ حسنٌ) على هذا التقييدِ لا يظهر لقول "النهر" وغيره: ((هذا إذا كان له
مالٌ إلخ)) فائدةٌ؛ إذ تجب عليه مع الإبراء أو الصلح بدون هذا القيد، نعم لهذا التقييدِ فائدةٌ بالنسبة
لإطلاق وجوب الزَّكاة في المال المخلوط بدون التقييد بما إذا كان له مالٌ يوفي دينه كعبارة "المصنّف".
(قولُهُ: عن "القنية" و"البزَّازِيَّة" إلخ) ما ذكر عن "القنية" و"البزَّازِيَّة" لا دخل له في ردِّ جواب
شيخه، فإنَّ موضوع المسألة ما إذا خلَطَ المغصوبَ بماله لا ما إذا كان الكلُّ خبيثاً، وعبارته في "حاشية
البحر": ((وقد يجابُ عن أصل الإِشكال - كما أفاده شيخنا - بأنَّ ما غصَبَهُ السلطان وخلطه بماله إنْ
كان أصحابُهُ معلومين فلا كلام في وجوبِ ضمانه لهم وعدمٍ وجوب الزَّكاة عليه بقَدْره قبل
أداء ضمانه، وإنْ كانوا غيرَ معلومين فعليه زكاتُهُ؛ لأَنَّه صار ملكَهُ بالخلط، وهو وإن كانت ذمَّتُهُ مشغولةً
(١) المقولة [٧٨٣١] قوله: ((خير)) عند التتمة.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة ٢٢١/٢.
(٣) في المقولة السابقة.
قسم العبادات
٥٢٨
حاشية ابن عابدين
وفي "شرح الوهبائَّة" عن "البزَّازيَّة": (( إنما يُكْفَرُ.
ببعضه؛ لأنَّ المغصوب إِنْ عُلِمَتْ أصحابُهُ أو ورَثْتُهم وحَبَ ردُّهُ عليهم، وإلاّ وجَبَ التصدُّقُ به))،
وأيضاً فقد مرَّ(١) أنَّ الأمراء فقراءُ بما عليهم من التّبعات، ولا شكَّ أنَّ غالب غرمائهم مجهولون،
وتقدَّمَ (٢) أيضاً أنَّ الموصى به للفقراء لو دفَعَهُ إلى السلطان الجائرِ سقَطَ، فجوازُ أخذِهِ الزَّكاةَ لفقرِهِ
ينافي وجوبَها عليه وإنْ جاز أخذُهُ لها مع وجوبها عليه لعلَّةٍ أخرى كعدمٍ وصوله إلى مالِهِ کابنٍ
السبيل ومَن له دَينٌ مؤجَّلٌ، تأمَّل.
مطلب في التصدق من المال الحرام
[٨١١٤] (قولُهُ: وفي "شرح الوهبانَّة"(٣) إلخ) فيه دفعٌ لِما عسى يُورَدُ على قول المتن:
((فتحبُ الزَّكاة فيه)) من أنَّه مالٌ خبيثٌ، فكيف يزكّي منه؟! لكنْ علمتَ أنَّه لا تجبُ زكاته
إلاَّ إذا استبرَّأَ من صاحبه أو صالَحَ عنه فيزولُ خبْتُهُ، نعم لو أخرَجَ زكاة المالِ الحلالِ من مال
حرامٍ ذَكَّرَ في "الوهبانَّة"(٤): (( أَنَّه يُجزئ عند البعض))، ونقَلَ القولين في "القنية"(٥)، وقال
بقَدْره لكن هذا ليس له مُطالِبٌ من جهة العباد في الدنيا، فلا يمنعُ وجوب الزَّكاة)). قلت: لكنْ سيذكرُ
"المصنّف": ((أَنَّ الظََّمة بمنزلةِ الغارمين والفقراء، حتَّى قال "محمَّد بن سلمة": يجوزُ دفع الزَّكاة لوالي
خراسان، وذكَرَ "قاضي خان": لو أوصى بثلث ماله للفقراء فدُفِعَ للسلطان الجائر سقَطَ)) اهـ. فكونُهُ
فقيراً يجوز دفع الصدقة إليه يُنافي وجوبَها عليه، نعم يأتي تحقيقُ مسألةٍ مَن له نصابُ سائمةٍ لا تساوي
مائتي درهمٍ أنّه يحلُّ له أخذ الزَّكاة مع وجوبها عليه، وكذلك ابنُ السبيل له أخذُ الزَّكاة مع وجوبها
عليه في ماله الذي في بلده.
(قولُهُ: فيه دفعٌ إلخ) الأوضحُ أَنَّ تقييدٌ لِما في "الظهيريَّة" كما في "ط"، وكونه دفعاً لِما عسى إلخ
بعيدٌ من العبارة مع ما يَرِدُ عليه من الاستدراك الذي ذكرَهُ.
(قولُهُ: إلاَّ إذا استبرأ إلخ) تقدَّمَ أيضاً أنَّ الزكاة تجبُ إذا كان عنده ما يوفي دينه مع أنَّ خبئه لم يَزُلْ.
(١) المقولة [٨١٠٢] قوله: ((واختلف في الأموال الباطنة)).
(٢) المقولة [٨١٠٤] قوله: ((حتى أفتي)).
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السير ق٢٢٢/ب، نقلاً عن "فتاوى البزازي".
(٤) "الوهبانية": فصل من كتاب الزكاة صـ١٣ - (هامش "المنظومة المحبية").
(٥) "القنية": كتاب الزكاة - باب أداء الزكاة والنية ق ٢٦/ب.
الجزء الخامس
٥٢٩
باب زکاة الغنم
إذا تصدَّقَ بالحرام القطعيِّ، أمَّا إذا أخَذَ من إنسانٍ مائةً ومن آخرَ مائةً وخلَطَهما ثمَّ
تصدَّقَ لا يُكفَرُ؛.
في "البزَّزيَّة"(١): ((لو نوى في المال الخبيث الذي وجَبْتُ صدقتُهُ أنْ يقعَ عن الزَّكاة وقع
عنها)) اهـ.
أي: نوى في الذي وجَبَ التصدُّقُ به لجهلٍ أربابه، وفيه تقييدٌ لقول "الظهيرِيَّة"(٢): ((رجلٌ
دفَعَ إلى فقير من المال الحرام [٢/ق ٢١٦/أ] شيئاً يرجو به الثوابَ يُكَفَرُ، ولو عَلِمَ الفقيرُ بذلك
فدعا له وأمَّنَ المعطِي كُفِرا جميعاً))، ونظَمَهُ في "الوهبانَّةُ"(٣)، وفي "شرحها "(٤): ((ينبغي أنْ يكون
كذلك لو كان المؤمِّنُ أجنبيّاً غيرَ المعطي والقابضِ، وكثيرٌ من الناس عنه غافلون، ومن الجهَّال فيه
واقعون)) اهـ.
قلت: الدفعُ إلى الفقير غيرُ قيدٍ، بل مثلُهُ - فيما يظهرُ - لو بَنَى من الحرام بعينه مسجداً ونحوَهُ
مما يرجُو به التقرُّبَ؛ لأنَّ العَلَّة رجاءُ الثواب فيما فيه العقابُ، ولا يكون ذلك إلاَّ باعتقادٍ حلّه.
[٨١١٥] (قولُهُ: إذا تصدَّقَ بالحرامِ القطعيِّ) أي: مع رجاءِ الثواب الناشئ عن استحلاله
كما مرَّ (٥)، فافهم.
[٨١١٦] (قولُهُ: لا يُكَفَرُ) [٢/ق٢١٦/ب] اقتصَرَ على نفي الكفر؛ لأنَّ التصرُّفَ به قبل
أداءِ بدلِهِ لا يحلُّ وإنْ مَلَكَهُ بالخلط كما علمتَهُ، وفي "حاشية الحمويِّ"(٦) عن "الذخيرة": ((سئل
الفقيهُ "أبو جعفر" عمَّن اكتسَبَ مالَهُ من أمراءِ السلطان، وجَمَعَ المالَ من أخذِ الغرامات
المحرَّمات وغيرِ ذلك هل يحلُّ لِمَن عرَفَ ذلك أنْ يأكل من طعامه؟ قال: أحبُّ إليَّ أنْ لا يأكل منه،
(١) "البزازية": كتاب الزكاة - الفصل الثاني في المصرف ٨٦/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) لم نعثر على هذا النقل في "الظهيرية".
(٣) "الوهبانية": فصل من كتاب السير صـ٣٨ __ ٣٩_ (هامش "المنظومة المحبية").
(٤) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السير ق٢٢٢/أ - ب، نقلاً عن ابن وهبان.
(٥) في المقولة السابقة.
(٦) "غمز عيون البصائر": كتاب الحظر والإباحة ٢٣٤/٣.
قسم العبادات
٥٣٠
حاشية ابن عابدين
لأَنَّه ليس بحرامٍ بِعَيْنِهِ بِالقَطْعِ لاستهلاكه بالخَلْط (١)).
ويسَعُهُ حكماً أنْ يأكلَهُ إنْ كان ذلك الطعامُ لم يكن في يدِ المطعم غصباً أو رِشوةً)) اهـ.
أي: إنْ لم يكن عينَ الغصب أو الرِّشوة؛ لأنَّه لم يملكه، فهو نفسُ الحرام، فلا يحلُّ له
ولا لغيره، وذكَّرَ في "البزَّازِيَّةِ"(٢) هنا: (( أنَّ مَن لا يحلُّ له أخذُ الصدقة فالأفضلُ له أنْ لا يأخذ
جائزةَ السلطان ))، ثمَّ قال: ((وكان العلاَّمةُ بخوارزم لا يأكلُ من طعامهم ويأخذُ جوائزَهم، فقيل
له فيه فقال: تقديمُ الطعام يكونُ إباحةً، والمباحُ له يُتِلِفُهُ على ملك المبيح، فيكونُ آكلاً طعامَ
الظالِمِ، والجائزةُ تمليكٌ فيتصرَّفُ في ملك نفسه)) اهـ.
قلت: ولعلَّهُ مبنيٌّ على القولِ بأنَّ الحرام لا يتعدَّى إلى ذمَّتين، وسيأتي تحقيقُ خلافه في البيع
الفاسد(٣) والحظر والإِباحة (٤).
مطلب استحلالُ المعصيةِ القطعيةِ كفرٌ
[٨١١٧] (قولُهُ: لأَنَّه ليس بحرامٍ بعينِهِ إلخ) (٥) يُوهِمُ أَنَّه قبل الخلط حرامٌ لعينه مع أنَّ المصرَّحَ به
في كتب الأصول أنَّ مالَ الغير حرامٌ لغيره لا لعينه بخلاف لحم الميتة وإنْ كانت حرمتُهُ قطعيَّةً،
إلاّ أنْ يجاب بأنَّ المراد ليس هو نفسَ الحرام؛ لأَنَّه ملَكَهُ بالخلط، وإنما الحرامُ التصرُّفُ فيه قبل أداءٍ
بدله، ففي "البزَّازيَّة"(٦) قبيل كتاب الرَّكاة: ((ما يأخذُهُ من المالِ ظلماً ويخلطُهُ بماله وبمالِ مظلومٍ
آخرَ يصيرُ ملكاً له، وينقطعُ حقُّ الأوَّلِ، فلا يكونُ أخذُهُ عندنا حراماً محضاً، نعم لا يباحُ الانتفاع
به قبل أداءِ البدل في الصحيح من المذهب)) اهـ.
لكنْ في "شرح العقائد النسفيَّة"(٧): ((استحلالُ المعصية كفرٌ إذا ثبَتَ كونُها معصيةً بدليل
قطعيّ))، وعلى هذا تفرَّعَ ما ذُكِرَ في "الفتاوى": ((من أَنَّه إذا اعتقَدَ الحرام حلالاً فإنْ كان حرمتُهُ
(١) في "د" زيادة: ((قوله: (بالخلط)؛ لأنه قبل أداء الضمان وإن كان حراماً التصرف فيه لكنه ليس حراماً تبينه بالقطع
وبه جزم العلامة ابن وهبان في شرحه "منح")).
(٢) "البزازية": كتاب الزكاة - الفصل الثاني في المصرف ٨٨/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) المقولة [٢٣٦٩١] قوله: ((الحرمة تتعدد إلخ)).
(٤) المقولة [٣٣١٨٣٦] قوله: ((وفي "الأشباه")).
(٥) في "الأصل" و"آ": يلاحظ تقدم هذه المقولة على سابقتها.
(٦) "البزازية": كتاب الصلاة - الفصل السادس والعشرون في حكم المسجد ٨٣/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "شرح العقائد النسفية": للتفتازاني صـ٢٥٨ -.
الجزء الخامس
٥٣١
باب زکاة الغنم
(ولو عجَّلَ ذو نِصابٍ) زكاتَهُ.
لعينه وقد ثبتَ بدليل قطعيِّ يُكَفَرُ، وإلاّ فلا، بأنْ تكون حرمتُهُ لغيره، أو ثبَتَ بدليلٍ ظَّيِّ، وبعضُهم
لم يفرِّق بين الحرام لعينه ولغيره وقال: مَن استحلَّ حراماً قد عُلِمَ في دِين النبيِّ عليه الصلاة والسلام
تحريمه كنكاح المحارم فكافرٌ)) اهـ.
قال شارحه المحقّق "ابن الغَرْس"(١): ((وهو التحقيقُ، وفائدةُ الخلاف تظهرُ في أكلِ مال
الغير ظلماً، فإِنَّه يُكَفَرُ مُستحِلُّه على أحدِ القولين)) اهـ.
٢٦/٢
وحاصلُهُ: أنَّ شرط الكفرِ على القولِ الأوَّلِ شيئان: قطعيَّةُ الدليل، وكونُهُ حراماً لعينه،
وعلى الثاني يُشترَطُ الشرطُ الأَوَّلُ فقط، وعلمتَ ترجيحَهُ، وما في "البَزَّازِيَّة" مبنيٌّ عليه.
[٨١١٨] (قولُهُ: ولو عجَّلَ ذو نصابٍ) فيَّدَ بكونِهِ ذا نصابٍ لأَنَّه لو ملَكَ أقلَّ منه فعخَّل
خمسةً عن مائتين، ثمَّ تَمَّ الحولُ على مائتين لا يجوزُ، وفيه شرطان آخران:
أنْ لا ينقطعَ النّصابُ في أثناءِ الحول، فلو عجَّلَ خمسةً من مائتين، ثمَّ هَلَكَ ما في يده
إلاَّ درهماً، ثمّ استفادَ فَتَمَّ الحولُ على مائتين جاز ما عجَّلَ، بخلاف ما لو هلَكَ الكلُّ.
وأنْ يكون النصابُ كاملاً في آخرِ الحول، فلو عجَّلَ شاةً من أربعين، وحالَ الحول وعنده
تسعةٌ وثلاثون فإنْ كان دفَعَها للفقير وقَعَتْ نفلاً، وإنْ كانت قائمةً في يدِ السَّاعي فالمختارُ كما
في "الخلاصة"(٢) وقوعُها زكاةً، وتمامُهُ في "النهر"(٣) و"البحر "(٤).
(قولُهُ: وقوعُها زكاةً) لأنَّ الدَّفع إلى السَّاعي لا يُزيل الملك. اهـ "بحر".
(١) أبو اليسر محمد بن محمد بن محمد بن خليل، البدر المعروف بابن الغَرْس القاهري الحنفي (ت٨٩٤هـ) في شرحه على
شرح سعد الدين التفتازاني (ت٧٩٢هـ) على العقائد النسفية لأبي حفص عمر بن محمد النسفي(ت٥٣٧هـ).
("كشف الظنون" ١١٤٥/٢، "الضوء اللامع ٢٢٠/٩، "الأعلام" ٥٢/٧).
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الزكاة - الفصل الثامن في أداء الزكاة ق ٦٢/ب.
(٣) انظر "النهر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ق ١٠٤ /ب - ١٠٥/أ.
(٤) انظر "البحر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ٢٤١/٢.
قسم العبادات
٥٣٢
حاشية ابن عابدين
(لسنين أو لنُصُبٍ صَحَّ)
[٨١١٩] (قولُهُ: لسنين) بأنْ كان له ثلثمائةِ درهمٍ دفَعَ منها مائةَ درهمٍ عن المائتين عشرينَ
سنةً، وقولُهُ: ((أو لُنُصُبٍ)) صورتُهُ: أنْ يدفعَ المائة المذكورة عن المائتين وعن تسعةَ عشرَ نصاباً
ستحدُثُ، فحدثَتْ له في ذلك العام صحَّ، وإِنْ حدثت في عامٍ آخر فلا بدَّ لها من زكاةٍ على حدٍ
كما صرَّحَ به في "البحر"(١)، " ح"(٢). لكنَّ المائة التي [٢/ق ٢١٧/أ] عَجَّلها تقعُ زكاةً عن المائتين
عشرين سنةً، ويكونُ من المسألة الأولى، فقد قال في "النهر"(٣): ((وعلى هذا تفرَّعَ ما
في "الخانّة"(٤): لو كان له خمسٌ من الإبلِ الحوامل، فعجَّلَ شاتين عنها وعمَّا في بطونها، ثمَّ نُتِحَتْ
خمساً قبل الحولِ أجزأه، وإنْ عجَّلَ عمَّ تحملُ في السنة الثانية لا يجوزُ)) اهـ.
وذلك لأَنَّه لَمَّا عجَّلَ عمَّ تحملُهُ في السنة الثانية لم يوجد المعجَّلُ عنه في سنةِ التعجيل،
فلم يَجُزُ عمَّا نوى التعجيلَ عنه، وهذا أرادَ، لا نفيَ الجواز مطلقاً؛ لأنَّه يقعُ عمَّ في ملكه في الحولِ
الثاني، فيكونُ من المسألة الأولى؛ لأنَّ التعيين في الجنسِ الواحد لغوّ، وفي "الولوالحيّة"(٥): ((لو كان
عنده أربعمائة درهمٍ، فأدَّى زكاةً خمسِمائةٍ ظاناً أَنَّها كذلك كان له أنْ يَحسِبَ الزِّيادةَ السَّنة
الثانية؛ لأَنَّه أمكَنَ أنْ تُجعَلَ الزيادةُ تعجيلاً)) اهـ.
وقَيَّدَ في "البحر"(٦) بكون الجنس متّحداً ، قال: ((لأَنَّه لو كان له خمسٌ من الإبل وأربعون
(قولُهُ: وهذا أرادَ إلخ) أي: أرادَ في "الخانَيَّة" بقوله: ((لا يجوزُ)) نفيَ الجواز عمَّا نوى التعجيلَ عنه،
لا نفيَّهُ عنه وعمًّا في ملكه في الحول الثاني.
(قولُهُ: وَقَّدَ في "البحر" إلخ) وذلك أنّه قال بعد مسألة "الخانيَّة" المذكورة والتكلُّم كما في "النهر":
(١) "البحر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ٢٤١/٢.
(٢) "ح": كتاب الزكاة - باب زكاة الغنم ق ١١٥/أ.
(٣) "النهر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ق ١٠٥/أ.
(٤) "الخانية": كتاب الزكاة - فصل في تعجيل الزكاة ٢٦٤/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الولوالجية": كتاب الزكاة - الفصل الثالث في تعجیل الزكاة وتأخيرها ق٢٧/ب.
(٦) "البحر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ٢٤٢/٢.
الجزء الخامس
٥٣٣
باب زکاة الغنم
لوجودِ السَّبب، وكذا لو عجَّلَ عُشْرَ زرعِهِ أو ثمرِهِ.
من الغنم، فعجَّلَ شاةً عن أحدِ الصِّفين، ثمَّ هلَكَ لا يكونُ عن الآخرِ، ولو كان له عينٌ ودينٌ
فعجَّلَ عن العين فهلكت قبل الحول جاز عن الدَّين، ولو بعدَهُ فلا، والدراهمُ والدنانيرُ وعُروض
التجارة جنسٌ واحدٌ)) اهـ.
[٨١٢٠] (قولُهُ: لوجودِ السبب) أي: سببِ الوجوب، وهو ملكُ النّصاب النامي، فيجوزُ
التعجيلُ لسنةٍ وأكثرَ كما إذا كفَّرَ بعد الجرح، وكذا النَّصُب؛ لأنَّ النصابَ الأوَّلَ هو الأصلُ في
السبيَّة، والزائدُ عليه تابعٌ له، قال في "البحر"(١): ((ولا يخفى أنَّ الأفضل عدمُ التعجيل
للاختلافِ فيه عند العلماء، ولم أره منقولاً)).
[٨١٢١] (قولُهُ: وكذا لو عجَّلَ) التشبيهُ راجعٌ إلى المسألةِ الأُولى، وهي التعجيلُ(٢) لسنةٍ
أو سنين؛ لأَنّ إذا ملَكَ نصاباً وأخرَجَ زكاته قبل أنْ يحولَ الحول كان ذلك تعجيلاً بعد وجودٍ
السبب لكونه أداءً قبل وقتٍ وجوبه، وهنا كذلك؛ لأنَّ وقت أداءِ العشر وقتُ الإدراك، فإذا
أدَّى قبله يكونُ تعجيلاً عن وقتِ الأداء بعد وجود السبب، وهو الأرضُ النامية بالخارج حقيقةٌ،
ولا يصحُّ إرجاعُهُ إلى المسألة الثانية؛ لأنَّ صورتها أنْ يؤدِّيَ زكاةً نُصُبٍ ستحدثُ له في عامِهِ زائدةٍ
((وكذا لو كان له ألفُ درهمٍ بيضٌ وألفٌ سودٌ، فعجَّلَ خمسةً وعشرين عن البيض، فهلكت البيض قبل
تمام الحول ثمَّ تَمَّ لا زكاة عليه في السُّد، وكذا عكسُهُ، وكذا في الدراهم والدنانير))، ثمَّ قال: ((وقَّدنا
يكون الجنس متّحداً لأنَّ إلخ))، فأنت ترى أنَّ هذا التقييد إنما يناسب المسائل المذكورة في "البحر"
لا المذكور هنا.
(قولُهُ: ولا يصحُّ إرجاعُهُ إلخ) لا مانعَ من إرجاعه إلى الصورة الثانية أيضاً للعلَّة المذكورة لها،
وقوله: ((بعد الخروج قبل الإدراك)) ليس فيه ما يدلُّ على إرجاع التشبيه لخصوص الأولى، فإنّه بعد
وجوده قبل إدراكه بمنزلة وجود النّصاب، فكما يصحُّ التَّعجيل لنُصُبٍ فيه يصحُّ تعجيلُ العشر لِما تُخرِجُ
أرضه في هذا العام مع وجود الزَّرع فيها بشرطه المذكور.
(١) "البحر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ٢٤٢/٢.
(٢) من ((للاختلاف)) إلى ((التعجيل)) ساقط من "الأصل".
قسم العبادات
٥٣٤
حاشية ابن عابدين
بعد الخروج قبل الإدراك، واختُلِفَ فيه قبل النِّبات وخروج الثّمرة(١)، والأظهرُ الجوازُ(٢)،
على ما في ملكه وقتَ الأداء، والمرادُ هنا أداءُ عُشرِ ما خرَجَ في ملكه وقت الأداء قبل وقته لا عُشرِ
ما سيحدثُ له بعد الخروج، وقولُهُ: ((بعدَ الخروج قبل الإدراك)) [٢/ق٢١٧/ب] دليلٌ على
ما قلنا، وليس في "البحر" ما يفيدُ خلافَ ذلك فضلاً عن التصريح به، فافهم.
(٨١٢٢] (قولُهُ: بعدَ الخروجٍ) أي: خروجِ الزَّرع أو الثمرة.
[٨١٢٣] (قولُهُ: قبلَ الإدراكِ) أي: إدراكِ الزَّرع أو الثمرة الذي هو وقتُ أداء العشر، لكنْ
ذكَرَ في "البحر "(٣) في باب العشر: ((أنَّ وقته وقتُ خروج الزَّرع وظهورِ الثّمرة عند "أبي حنيفة"،
وعند "أبي يوسف" وقتُ الإدراك، وعند "محمَّدٍ" عند النقيةِ والجُذاذ)) اهـ. وعليه فيتحقَّقُ التعجيلُ
على قولهما لا على قولِ "الإِمام"، ثمَّ رأيتُ "ابن الهمام" نَبََّ على ذلك هناك (٤).
[٨١٢٤] (قولُهُ: واختُلِفَ فيه قبلَ النَّبَاتِ وخروجِ الثَّمرة) الأخصرُ أنْ يقول: واختُلِفَ فيه قبل
الخروج، أي: خروجِ النبات والثمرة، وأفاد أنَّ التعجيل قبل الزَّرع أو قبل الغرس لا يجوزُ اتفاقاً؛
لأَنّه قبل وجودِ السَّب كما لو عجَّلَ زكاة المال قبل ملك النصاب.
[٨١٢٥] (قولُهُ: والأظهرُ الجوازُ) في نسخةٍ: ((عدُ الجواز))، وهي الصوابُ، قال في
"النهر"(٥): ((والأظهرُ أَنَّه لا يجوزُ في الزَّرع قبل النبات، وكذا قبلَ طلوع الثمر في ظاهرٍ
الرِّواية)) اهـ.
(١) في "د" زيادة: قوله: ((قال في "البحر": وكذا لو عجل زرعه بعد النبات قبل الإدراك، أو عشَّر الثمر بعد الخروج
قبل البلوغ؛ لأنه تعجيل بعد وجوب السبب، وبعدم جوازه قبل ملك النصاب إلى عدم جواز تعجيل العشر قبل
الزرع أو قبل الغرس، وفي تعجيله قبل النبات بعد الزرع أو بعدما غرس الشجر قبل خروج الثمرة، فعند محمد
لا يجوز؛ لأن التعجيل للحادث لا للبذر ولم يحدث شيء، وجَوَّزه أبو يوسف؛ لأن السبب الأرض النامية، وبعد
الزراعة صارت نامية، وردّه محمد بأن السبب الأرض النامية بحقيقة المنَمَّى فيكون التعجيل قبل النّماء واقعاً قبل
السبب فلا يجوز، كذا في "الولوالجية". ولا يخفى أن الأفضل لصاحب المال عدم التعجيل للاختلاف في التعجيل عند
العلماء ولم أره منقولاً، والله أعلم)).
(٢) في "د" و"و": ((عدم الجواز)).
(٣) "البحر": كتاب الزكاة ٢٥٥/٢.
(٤) "الفتح": كتاب الزكاة - باب زكاة الزروع والثمار ١٨٩/٢.
(٥) "النهر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ق ١٠٥/أ.
الجزء الخامس
٥٣٥
باب زکاة الغنم
وكذا لو عجَّلَ خراجَ رأسِهِ، وتمامُهُ في "النهر" (وإنْ) وَصْلِيَّةٌ (أيسَرَ الفقيرُ قبل تمامٍ
الحولِ أو ماتَ أو ارتَدَّ و) ذلك لأنَّ (المعتبر كونُهُ مَصرِفاً وقتَ الصَّرف إليه)
لا بعده. ولو غرَسَ في أرضِ الخراج كَرْماً ..
[٨١٢٦] (قولُهُ: وكذا لو عجَّلَ خراجَ رأسِهِ) هذا التشبيهُ أيضاً راجعٌ إلى المسألة الأُولى، قال
"ح"(١): ((فإنَّ مَن عجَّلَ خراجَ رأسه لسنين صحَّ كما سيأتي في باب الجزية، وذلك لوجودٍ
السبب وهو رأسُهُ، وكذا لو عجَّلَ خراجَ أرضه عن سنين جاز كما ذكرَهُ "القُهُستانيُ) (٢) في باب
العشر والخراج، وعلّلهُ بوجودِ السبب وهو الأرضُ النامية، لكنْ يجبُ حمل كلامه على الموظّف
التعلُّقِهِ بالقدرة على النَّماء، فيكونُ سبُهُ الأرضَ النامية بإمكانِ النَّماء لا بحقيقته كالعشر وخراجٍ
المقاسمة، تأمَّل)).
[٨١٢٧] (قولُهُ: وتمامُهُ في "النهر"(٣)) حيث قال: ((ولو نذَرَ صومَ يومٍ معَيَّنٍ فعجَّلَه جازَ عند
"الثاني" خلافً لـ "محمَّدٍ"، وعلى هذا الخلافِ الصلاةُ والاعتكاف، ولو نذَرَ جَّ سنةٍ كذا فأَتّى به
قبلها جازَ عندهما خلافاً لـ "محمَّدٍ"، كذا في "السِّرَاجِ"(٤))) اهـ "ح"(٥).
٢٧/٢
[٨١٢٨] (قولُهُ: قبلَ تمام الحَوْلِ) أي: أو قبلَ ملكِ النَّصُب التي عجَّلَ زكاتَها في المسألة الثانية
كما يُؤَخَذُ من التعليل.
[٨١٢٩] (قولُهُ: لأنَّ المعتبرَ كونُهُ مَصرِفاً وقتَ الصَّرفِ إليه) فصحَّ الأداءُ إليه، ولا ينتقضُ
بهذه العوارض، "بحر "(٦).
[٨١٣٠] (قولُهُ: ولو غرَسَ إلخ) هذه مسألةٌ استطرَدَها، ومحلُّها العشرُ والخراج، "ط)(٧).
[٢/ق٢١٨/أ]
(١) "ح": کتاب الزكاة - باب زكاة الغنم ق١١٥/أ - ب بتصرف.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الزكاة - فصل في العشر والخراج ٢٠٣/١.
(٣) انظر "النهر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ق ١٠٥/أ.
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الزكاة ١/ق ٣٨١/أ - ب.
(٥) "ح": كتاب الزكاة - باب زكاة الغنم ق ١١٥/ب.
(٦) "البحر": كتاب الزكاة - فصل في الغنم ٢٤٢/٢ نقلاً عن "الولوالجية".
(٧) "ط": كتاب الزكاة - باب زكاة الغنم ٤٠٦/١.
قسم العبادات
٥٣٦
حاشية ابن عابدين
فما لم يَتِمَّ الكرمُ كان عليه خراجُ الزَّرع، "مجمع الفتاوى".
(ولا شيءَ في مالِ صبيّ تَغْلَبِيِّ) بفتح اللام وتُكسَرُ، نسبةٌ لبني تَغْلِبَ بكسرها :....
[٨١٣١] (قولُهُ: فما لم يَتِمَّ) أي: يُثْمِرْ، وبه عَّرَ في بعض النسخ.
[٨١٣٢] (قولُهُ: كان عليه خراجُ الزَّرِعِ) لأنَّ في غرسِهِ الكرمَ تعطيلَ الأرض، ومَن عطَّلَ
أرضَ الخراج يجبُ عليه خراجُها، وقد كانت صالحةً للزَّرع، فيؤدِّي خراجَهُ حَتّى يُثمِرَ الكرمُ فعليه
خراجُ الكَرْم، ويسقطُ عنه خراجُ الزَّرع لوجودِ خَلَفه، فخراجُ الزَّرع صاعٌ ودرهمٌ في كلِّ
حَرِيبٍ، فيؤدِّيه إلى أنْ يَتِمَّ الكرمُ، فيؤدِّي عشرةَ دراهم، "رحمتي".
(٨١٣٣] (قولُهُ: ولا شيءَ في مالِ صِيِّ تَغْلَبِيِّ) أي: في مالِ الزَّكاة، بخلافِ الخارج في أرضه
العشريَّة من الزُّروع والثمار، ففيه ضعفُ العشر، كما يجبُ العشرُ في أرض الصبيِّ المسلم كما
يأتي(١) في بابه.
[٨١٣٤] (قولُهُ: لبني تَغْلِبَ) الأَولى حذفُ ((بني))، فإنَّ النّسبة لـ "تغلب"، وهو أبو القبيلة
كما في "المنح"(٢)، "ط" (٣). وقد يقال: لا مانعَ من النّسبة إلى القبيلة المنسوبةِ إلى أبيها.
(قولُهُ: حَتّى يُثُمِرَ إلخ) في "الخانيّة": ((فإذا بلَغَ الكرمُ وأثمر إنْ كانت قيمةُ الثمرة تبلغُ عشرين
درهماً أو أكثرَ كان عليه عشرةُ دراهم، وإنْ كانت أقلَّ من عشرين درهماً كان عليه مقدارُ نصفٍ
الخارج، وإن كان نصفُ الخارج لا يبلغُ قفيزاً ودرهماً لا ينقصُ عن ففيرٍ ودرهمٍ؛ لأنّه كان متمكِّناً من
زراعة الأرض، فلا ينقص عمَّا كان، ومَن كان له أرضُ الزَّعفران فزرَعَ فيها الحبوبَ كان علیه خراجُ
الزَّعفران، وكذا إذا قلع الكرمَ وزرع فيها الحبوبَ كان عليه خراجُ الكرم)) اهـ، نقله "السنديُّ".
(قولُهُ: لا مانعَ من النّسبة إلخ) نعم لا مانع من النّسبة إلى القبيلة، لكنَّ النسبة وقعت في كلام
"المصنّف" لأبي القبيلة، فالمناسبُ جعلُ المنسوب إليه هو الأبَ وحذفُ ابنِ مراعاةً للواقع في كلام
"المصنّف"، لكنْ بنو تغلبَ عَلَمٌ على هذه القبيلة، وهو مركّبٌ إضائِيٌّ، فيصحُّ النَّسبة إليه، وتكونُ النّسبةُ
للمضاف إليه، ولا يتعيَّنُ أنَّ ((تغلبيّ)) من النّسبة للمضاف إليه، بل هي من النّسبة للقبيلة، تأمَّل.
(١) المقولة [٨٤٢٤] قوله: ((وإن كان طفلاً أو أنثى)).
(٢) "المنح": كتاب الزكاة - باب في بيان أحكام السائمة ق ٨١/ب.
(٣) "ط": كتاب الزكاة - باب زكاة الغنم ٤٠٦/١.