Indexed OCR Text
Pages 461-480
الجزء الخامس
٤٥٧
کتاب الزكاة
(بعَزْلِ ما وجَبَ) كلِّهِ أو بعضِهِ، ولا يخرجُ عن العُهْدة بالعَزْل بل بالأداءِ للفقراء ...
من ماله ليرجعَ ببدلِها في دراهمِ الموكّل صحَّ، بخلاف ما إذا أنفَقَها أوّلاً على نفسه مثلاً ثمَّ دفَعَ من
ماله فهو متبرِّعٌ، وعلى هذا التفصيلِ الوكيلُ بالإنفاق أو بقضاءِ الدَّين أو الشراء كما سيأتي(١) إن
شاء الله تعالى في الوكالة، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ لا يُشترَطُ الدَّفعُ من عينِ مال الزَّكاة، ولذا لو أُمَرَ
غيرَهُ بالدفع عنه جاز كما قدَّمناه (٢)، لكن اختُلِفَ فيما إذا دفَعَ من مالٍ آخرَ خبيثٍ، قال في
"البحر"(٣): ((وظاهرُ "القنية"(٤) ترجيحُ الإجزاء [٢/ق ١٩٩ /أ] استدلالاً بقولهم: مسلمٌ له خمرٌ،
فوكَّلَ ذمّاً فباعَها من ذمٍِّّ فللمسلمِ صرفُ ثمنها عن زكاةٍ ماله)).
( فرعٌ )
للوكيلِ بدفع الزَّكاة أنْ يوكِّلَ غيره بلا إذن، "بحر "(٥) عن "الخانّة"(٦)، وسيأتي(٧) متناً
في الوكالة.
[٧٨٩٥] (قولُهُ: بِعَزْلِ ما وجَبَ) في نسخةٍ: ((لعزلٍ)) باللام، وهي أحسنُ ليوافقَ
المعطوف عليه.
[٧٨٩٦] (قولُهُ: ولا يُخرُجُ عن العُهدة بالعزلِ) فلو ضاعَتْ لا تسقطُ عنه الزَّكاة، ولو
ماتَ كانت ميراثاً عنه، بخلاف ما إذا ضاعَتْ في يدِ الساعي؛ لأنَّ يده كيدِ الفقراء، "بحر "(٨)
عن "المحيط".
(١) انظر المقولة [٢٧٥٣٢] قوله: ((عن زكاة)) ما بعدها.
(٢) المقولة [٧٨٨٦] قوله: ((لأن المعتبر نية الآمر)).
(٣) "البحر": كتاب الزكاة ٢٢٨/٢.
(٤) "القنية": كتاب الزكاة - باب أداء الزكاة والنية ق ٢٩/ب.
(٥) "البحر": كتاب الزكاة ٢٢٨/٢.
(٦) "الخانية": كتاب الأضحية - فصل في مسائل متفرقة ٣٥٥/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) انظر المقولة [٢٧٤٤٦] قوله: ((الوكيل لا يوكل)).
(٨) "البحر": كتاب الزكاة ٢٢٧/٢.
قسم العبادات
٤٥٨
حاشية ابن عابدين
(أو تصدُّقٌّ بكلِّهِ) إلاَّ إذا نوى نَذْراً أو واجباً آخرَ فيصحُّ ويضمنُ الزَّكاة، ولو تصدَّقَ
ببعضه لا تسقطُ حصَُّهُ عند "الثاني" خلافاً لـ "الثالث"، وأطلقه فعَمَّ(١) العينَ والدَّيْنَ، ..
[٧٨٩٧] (قولُهُ: أو تصدُّقٌ بكلِّهِ) بالرفع عطفاً على قوله: ((نَّةٌ))، وأفاد به سقوطَ الزَّكاة
ولو نوى نفلاً أو لم يَنْوِ أصلاً؛ لأنَّ الواجب جزءٌ منه، وإنما تُشترَطُ النَّةُ لدفع المزاحم، فلمَّا أدَّى
الكلَّ زالت المزاحمةُ، "بحر"(٢).
[٧٨٩٨] (قولُهُ: إلَّ إذا نوى إلخ) في التعبيرِ بالتصدُّقِ إِماءٌ إلى هذا الاستثناءِ كما في "النهر "(٣).
[٧٨٩٩) (قولُهُ: فيصحُّ) أي: عمَّا نوى.
(٧٩٠٠] (قولُهُ: لا تسقُطُ حصَّتُهُ) أي: لا تسقطُ زكاة ما تصدَّقَ به، فتجبُ زكاته وزكاةٌ
الباقي.
[٧٩٠١] (قولُهُ: خلافاً لـ "الثالث") أشارَ بذلك تبعاً لمتن "الملتقى"(٤) إلى اعتمادٍ قول
"أبي يوسف"، ولذا قدَّمَهُ "قاضي خان"(٥)، وقد أخَّرَهُ في "الهداية"(٦) مع دليلِهِ، وعادتُهُ
تأخيرُ المختار عنده على عكسٍ عادة "قاضي خان" وصاحب "الملتقى"، فافهم.
[٧٩٠٢] (قولُهُ: وأطلَقَهُ) أي: أطلَقَ التصدُّقَ.
(قولُ "الشارح": إلاَّ إذا نوى نذراً إلخ) انظر هذا مع ما قدَّمَهُ "المحشِّي" عند قوله: ((بخلافِ دینِ
نذرٍ وكفَّارةٍ إلخ))، فإنَّه فيما سَبَقَ صحَّحَ نَّةَ النذر فيما عدا حصَّةَ الزكاة حيث قال فيما لو نذَرَ
أنْ يتصدَّقَ بمائةٍ من مائتيه: ((ولو تصدَّقَ بكلِّ المائة للنذر وقَعَ عن الزَّكاة درهمان ونصفٌ لتعيُّنه بتعيين
الله تعالى، فلا يُبطله تعيينُهُ، ولو نذَرَ مائةً مطلقةً فتصدَّقَ بمائةٍ منها للنذر يقع درهمان ونصفٌ للزَّكاة،
ويتصدَّقُ مثلها للنذر)).
(١) في "و": ((فيعم)).
(٢) "البحر": كتاب الزكاة ٢٢٦/٢.
(٣) "النهر": كتاب الزكاة ق ١٠١/أ.
(٤) "ملتقى الأبحر": كتاب الزكاة ١٧٢/١.
(٥) "الخانية": كتاب الزكاة - فصل في هبة الدين من المديون بنية الزكاة ٢٦٤/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "الهداية": كتاب الزكاة ٩٨/١.
الجزء الخامس
٤٥٩
کتاب الزكاة
حتّى لو أبرَأَ الفقيرَ عن النّصابِ صحَّ وسقَطَ(١) عنه.
واعلمْ أنَّ أداء الدَّين عن الدَّين والعينِ عن العينِ وعن الدَّينِ يجوزُ، وأداءَ الدَّينِ
عن العينِ وعن دَيْنٍ سيُقبَضُ لا يجوز،
[٠٣ ٧٩) (قولُهُ: حَتّى إلخ) تفريعٌ على شمولِهِ الدَّينَ ، "ح"(٢). وقَيَّدَ بالفقير لأَنَّه لو كان
غَنِّاً فوهبَهُ بعد الحولِ ففيه روايتان أصحُّهما الضمانُ ، "بحر"(٣) عن "المحيط". أي: ضمانُ
زكاةٍ ما وهبَّهُ؛ لأَنَّه استهلَكَهُ بعد الوجوب.
[٧٩٠٤ ] (قولُهُ: صحَّ وسقَطَ عنه) أي: صحَّ الإِبراءُ، وسقَطَ عنه زكاتُهُ نوى الزَّكَاةَ أَوْ لا
لِما مرَّ(٤)، ولو أبرأَهُ عن البعض سقَطَ زكاتُهُ دون الباقي ولو نوى به الأداءَ عن الباقي، "بحر "(٥).
[٧٩٠٥) (قولُهُ: واعلمْ إلخ) المرادُ بالدَّين ما كان ثابتاً في الذّمَّة من مالِ الزَّكاة، وبالعين ما كان
قائماً في ملكِهِ من نقودٍ وعُروضٍ، والقسمةُ رباعيَّةٌ؛ لأنَّ الزّكاة إمَّا أنْ تكون ديناً أو عيناً،
والمالُ المزكَّى كذلك، لكنَّ الدَّين إمَّا أنْ يسقطَ بالزَّكاة أو يبقى مُستحَقَّ القبضِ بعدها، فتصيرُ خمساً،
(قولُهُ: ولو أبرأه عن البعضِ إلخ) هذه المسألة خلافيّةٌ بينهما أيضاً كما يفيدُهُ ما نقلَهُ "السنديُّ" عن
"الخانَّة" بعد هذه المسألة بقوله: ((ولو وهَبَ خمسةً من المائتين ولم يَنْوِ شيئاً قال "أبو يوسف":
لا تسقط زكاةُ الخمسة، وكذا لو وهَبَ من المديون مائةً وخمسةً وتسعين وبقي عليه خمسةٌ لا يسقط
شيءٌ من الزَّكاة في قول "أبي يوسف"، ولو وهَبَ من المديون مائةً وسنّةً وتسعين سقَطَ عنه من الزَّكاة
درهمٌ ويؤدِّي الأربعة، وعلى قول "محمَّدٍ" سقَطَ عنه زكاةُ ما وهَبَ، إن وهَبَ خمسةً سقَطَ زكاةُ خمسةٍ
وهو ثمن الدرهم، وإن وهَبَ مائةً سقطت عنه زكاةُ المائة، وإن وهَبَ الكلَّ ولم يَنْوِ شيئاً أو نوى
التطوُّعَ سقط زكاة الكلِّ)) اهـ.
(قولُهُ: فتصيرُ خمساً إلخ) بل الصُّورُ ستٌّ، وذلك لأَنَّه إذا أدَّى ديناً فإِمَّا أن يكون عن دينٍ سيُقبَضُ،
أو عن دينٍ لا يُقْبَضُ، أو عن عينٍ، وكذلك يقال لو أدَّى عيناً.
(١) في "و": ((وتسقط)).
(٢) "ح": كتاب الزكاة ق ١١٤/ب بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الزكاة ٢٢٨/٢.
(٤) المقولة [٧٨٩٧] قوله: ((أو تصدق بكله)).
(٥) "البحر": كتاب الزكاة ٢٢٨/٢.
قسم العبادات
٤٦٠
حاشية ابن عابدين
وحيلةُ الجواز: أن يعطيَ مديونَهُ الفقيرَ زكاتَهُ ثمَّ يأخذَها عن دَيْنه، ولو امتنعَ
المديونُ مَدَّ يدَهُ وأخَذَها؛
فيجوزُ الأداءُ في ثلاثٍ: [٢/ق١٩٩ /ب]
الأُولى: أداءُ الدَّين عن دينٍ سقَطَ بها كما مثَّلَ من إبراءِ الفقير عن كلِّ النصاب.
الثانية: أداءُ العَين عن العَين كنقدٍ حاضرٍ عن نقدٍ أو عرضٍ حاضرٍ.
الثالثة: أداءُ العَين عن الدَّين کنقدٍ حاضرٍ عن نصابِ دینٍ.
وفي صورتین لا يجوزُ:
الأُولى: أداءُ الدَّين عن العَين كجعلِهِ ما في ذمَّةِ مديونِهِ زكاةً لمالِهِ الحاضرِ، بخلاف ما إذا أمَرَ
فقيراً بقبضٍ دَينٍ له على آخرَ عن زكاةٍ عينٍ عنده فإِنَّه يجوزُ؛ لأَنَّه عند قبضِ الفقير يصيرُ عيناً فكان
عيناً عن عينٍ.
الثانية: أداءُ دَينٍ عن دَينٍ سُقْبَضُ كما تقدَّمَ عن "البحر"(١)، وهو ما لو أبْرَأَ الفقيرَ عن بعض
النصابِ ناوياً به الأداءَ عن الباقي، وعلَّلهُ: ((بأنَّ الباقيَ يصيرُ عَيْناً بالقبض، فيصيرُ مؤدِّياً الدَّينَ عن
العين)) اهـ. ولذا أطلَقَ "الشارحُ" الدَّينَ أوَّلاً عن التقييدِ بالسُّقوط، ولقوله بعده: ((سيُقْبَضُ)).
[٧٩٠٦] (قولُهُ: وحيلةُ الجوازِ) أي: فيما إذا كان له دَينٌ على معسرٍ، وأراد أنْ يجعلَهُ زكاةً
عن عَينٍ عنده أو عن دَينٍ له على آخرَ سُقْبَضُ.
[٧٩٠٧] (قولُهُ: أنْ يعطيَ مديونَهُ إلخ) قال في "الأشباه"(٢): ((وهو أفضلُ من غيره))، أي:
(قولُهُ: ولذا أطلَقَ "الشارح" إلخ) أي: لهذا التعليلِ المغيدِ حَمْلَ المسألة الأولى على ما إذا كان
المؤدَّى عنه ساقطاً أطلَقَ إلخ، فالمرادُ دينٌ لا يُقْبَضُ فيها لِما يفيدُهُ التعليل، ولقوله بعد: ((سيُقْبَضُ))،
وعبارة "ط": ((أطلقَهُ يعني: الدَّين، والمرادُ دَينٌ لا يُقبَضُ، وإلى التقييدِ يشيرُ "الشارح" بقوله بعد: وعن
دينٍ سيُقبَضُ)) اهـ.
(١) في المقولة السابقة.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الخامس - الحيل في الزكاة صـ ٤٧٨ -.
الجزء الخامس
٤٦١
کتاب الزكاة
لكونه ظَفِرَ بجنسٍ حقِّ، فإنْ مانَعَهُ رفَعَهُ للقاضي. وحيلةُ التكفين بها التَّصدُّقُ على
فقيرٍ ثُمَّ هو يُكفّنُ، فيكونُ الثَّوابُ لهما،.
لأَنَّه يصيرُ وسيلةً إلى براءةِ ذمَّةِ المديون.
[٧٩٠٨] (قولُهُ: لكونِهِ ظَفِرَ بجنسٍ حقِّهِ) نقَلَ العلاَّمةُ "البيري" في آخر "شرح الأشباه":
((أنَّ الدراهم والدنانير جنسٌ واحدٌ في مسألة الظَّفَرَ)).
[٧٩٠٩] (قولُهُ: فإنْ مانَعَهُ إلخ) والحيلةُ إذا خافَ ذلك ما في "الأشباه"(١)، وهو: ((أَنْ
يوكِّلَ المديونُ خادمَ الدَّائن بقبضِ الزَّكاة ثمَّ بقضاءِ دَينه، فبقَبْضِ الوكيلِ صار مِلْكاً للموكّل،
ولا يسلمُ المالُ للوكيل إلاَّ فِي غَيِيةِ المديون لاحتمالِ أنْ يعزلَهُ عن وكالةٍ قضاءٍ دينه حالَ
القبض قبل الدفع)) اهـ.
وفيها(٢): ((وإنْ كان للدائنِ شريكٌ في الدَّين يخافُ أنْ يشاركَهُ في المقبوض فالحيلةُ
أنْ يتصدَّقَ الدائنُ بالدَّين ويهَبَ المديونُ ما قَبَضَهُ للدائنِ، فلا مشاركةً)).
[٧٩١٠) (قولُهُ: ثمَّ هو) أي: الفقيرُ ((يُكفِّنُ))، والظاهرُ أنَّ له أنْ يُخالِفَ أمرَهُ؛ لأَنَّه
مقتضى صحَّةِ التملُّكِ كما سيأتي(٣) في باب المصرف بحثاً.
[٧٩١١] (قولُهُ: فيكونُ الثوابُ لهما) أي: ثوابُ الزكاة للمزكِّي وثوابُ التكفين للفقير،
وقد يقال: إنَّ ثواب التكفين يثبتُ [٢/ق ٢٠٠/أ] للمزكّي أيضاً؛ لأنَّ الدالَّ على الخيرِ كفاعله
وإنْ اختلَفَ الثوابُ كَمَّاً وكيفاً، "ط"(٤).
قلت: وأخرَجَ "السيوطيُّ" في "الجامع الصغير"(٥): (لو مرَّت الصدقةُ على يَدَيْ مائةٍ
لكان لهم من الأجرِ مثلُ أجرِ المبتدي من غيرِ أنْ يَنقُصَ من أجرِهِ شيئً).
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الخامس - الحيل في الزكاة صـ ٤٧٨ -.
(٢) أي: "الأشباه والنظائر": الفن الخامس - الحيل في الزكاة صـ ٤٧٨ -.
(٣) ٩٤/٦ "در".
(٤) "ط": كتاب الزكاة ٣٩٤/١.
(٥) الجامع الصغير": ٤٣٨/٢ (٧٤٩٢) وعزاه إلى الخطيب في "التاريخ" عن أبي هريرة فه. ورمز لضعفه.
قسم العبادات
٤٦٢
حاشية ابن عابدين
وكذا في تعميرِ المسجد، وتمامُهُ فِي حِيَلٍ "الأشباه".
(وافتراضُها عُمريٌّ) أي: على التّراخي، وصحَّحَهُ "الباقانيُّ" وغيرُهُ (وقيل: فَوْرِيٌّ)
أي: واجبٌ على الفَوْر (وعليه الفتوى) كما في "شرح الوهبانيَّة"(١).
[٧٩١٢] (قولُهُ: وكذا) الإشارةُ إلى الحيلة.
[٧٩١٣) (قولُهُ: وتمامُّهُ إلخ) هو ما قدَّمناه(٢) عن "الأشباه".
[٧٩١٤] (قولُهُ: وافتراضُها مُمريٌّ) قال في "البدائع"(٣): ((وعليه عامَّةُ المشايخ، ففي أيِّ وقتٍ
١٢/٢ أدَّى يكونُ مؤدِّياً للواجب، ويتعَّنُ ذلك الوقتُ للوجوب ، وإذا لم يؤدِّ إلى آخرِ عمره يتضيّقُ عليه
الوجوبُ، حَتَّى لو لم يُؤَدِّ حَتَّى مات يأْتُمُ، واستدلَّ "الجصَّاص" له بِمَن عليه الزَّكاةُ إذا هَلَكَ
نصابُهُ بعد تمامِ الحول والتمكَّنِ من الأداء أَنَّه لا يضمنُ، ولو كانت على الفورِ يضمنُ كمَن أخَّرَ
صوم شهرِ رمضان عن وقته، فإنَّ عليه القضاءَ)).
[٧٩١٥) (قولُهُ: وصحَّحَهُ "الباقانيُّ" وغيره) نقَلَ تصحيحَهُ في "التار خانَّةً"(٤) أيضاً.
[٧٩١٦) (قولُهُ: أي: واجبٌ على الفَوْرِ) هذا ساقطٌ من بعضِ النسخ، وفيه ركاكةٌ؛ لأنَّه
يَؤُولُ إلى قولنا: افتراضُها واجبٌ على الفورِ مع أَنَّها فريضةٌ محكمةٌ بالدَّلائل القطعيّة، وقد يقال: إنَّ
قوله: ((افتراضُها)) على تقدير مضافٍ، أي: افتراضُ أدائها، وهو من إضافةِ الصفة إلى موصوفها،
فيصيرُ المعنى: أداؤُها المفترضُ واجبٌ على الفور، أي: أنَّ أصل الأداءِ فرضٌ، وكونَهُ على الفورِ
(قولُ "الشارح": أي: واجبٌ على الفَوْرِ) يحتمل أنْ يُرادَ بالواجب في كلام "الشارح" الفرضُ،
وعليه يكونُ فعلُها بعد وقتها قضاءً.
(١) لم نعثر عليها في "شرح الوهبانية".
(٢) المقولة [٧٩٠٩] قوله: ((فإن مانعه)).
(٣) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل: وأما كيفية فرضيتها ٣/٢ بتصرف.
(٤) لم نعثر على نقل تصحيح الباقاني في "التاتر خانية".
الجزء الخامس
٤٦٣
کتاب الزكاة
(فيأتمُ بتأخيرِها) بلا عذرِ (وتُرَدُّ شهادتُهُ) لأنَّ الآمِرِ بالصَّرف إلى الفقير معه قرينةٌ
الفَوْر، وهي أنَّه لدَفْعِ حاجته وهي مُعجَّلةٌ، فمتى لم تجب على الفَوْرِ لم يحصل
المقصودُ من الإِيجاب على وجهِ التّمام، وتمامُهُ في "الفتح".
(لا يَبْقَى للتِّحارة ما).
واجبٌ، وهذا ما حقّقَهُ في "فتح القدير"(١): ((من أنَّ المختار في الأصول أنَّ مطلق الأمر لا يقتضي
الفورَ ولا التراخِيَ بل مجرَّدَ الطلبِ، فيجوزُ للمكلَّف كلٌّ منهما، لكنَّ الأمر هنا معه قرينةُ الفورِ))
إلخ ما يأتي(٢).
[٧٩١٧] (قولُهُ: فيأتُمُ بتأخيرِها إلخ) ظاهرُهُ الإِثْمُ بالتأخير ولو قلَّ كيومٍ أو يومين؛ لأنّهم
فسَّروا الفورَ بأوَّلِ أوقاتِ الإِمكان، وقد يقالُ: المرادُ أنْ لا يؤخّرَ إلى العام القابل لِما في "البدائع"(٣)
عن "المنتقى" بالنون: ((إذا لم يُؤدِّ حَتَّى مضى حولان فقد أساءَ وأثِمَ)) اهـ، فتأمَّل.
[٧٩١٨] (قولُهُ: وهي) أي: القرينةُ ((أنّ)) أي: الأَمرَ بالصَّرف.
[٧٩١٩] (قولُهُ: وهي معجَّلةٌ) كذا عبارة "الفتح"(٤)، أي: حاجةُ الفقير [٢/ق ٢٠٠/ب]
معجَّةٌ، أي: حاصلٌ.
[٧٩٢٠) (قولُهُ: وتمامُهُ في "الفتح"(٥)) حيث قال بعدَما مرَّ(٦): ((فتكونُ الزَّكَاةُ فريضةٌ
(قولُهُ: وقد يقال: المرادُ أن لا يُؤخّرَ إلخ) أي: إلى مُضِّه حَتَّى يَتِمَّ له الاستدلالُ بما في "البدائع".
(قولُ "الشارح": وهي أنَّه لدَفْعِ حاجتِهِ) لا يخفى على مَن أمعَنَ التأمُّل أنَّ المعنى الذي قيل: إنَّه
يقتضي الوجوب لا يقتضيه لجواز أنْ يثبت دفعُ الحاجة مع دفعٍ كلِّ مكلَّفٍ متراخياً؛ إذ بتقديرِ اختيارِ
الكلِّ للتراضي - وهو بعيدٌ - لا يلزمُ اتّحادُ زمانِ أداءِ جميع المكلَّفين، فتأمَّل. اهـ "سندي" عن "الفتح".
(١) "الفتح": كتاب الزكاة ١١٤/٢.
(٢) في هذه الصحيفة المقولة [٧٩٢٠] قوله: ((وتمامه في "الفتح")).
(٣) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل: وأما كيفية فرضيتها ٣/٢.
(٤) "الفتح": كتاب الزكاة ١١٤/٢.
(٥) انظر "الفتح": كتاب الزكاة ١١٤/٢.
(٦) المقولة [٧٩١٦] قوله: ((أي واجب على الفور)).
قسم العبادات
٤٦٤
حاشية ابن عابدين
أي: عبدٌ مثلاً (اشتَرَاه لها فَنَوَى) بعد ذلك (خدمتَهُ، ثمَّ) ما نواه للخدمة ( لا يصيرُ
للتجارة وإن نواه لها.
وفوريَُّها واجبةً، فيلزمُ بتأخيرِهِ من غيرِ ضرورةٍ الإِثمُ كما صرَّحَ به "الكرخيُّ" و"الحاكم الشهيد"
في "المنتقى"، وهو عينُ ما ذكرَهُ الإِمام "أبو جعفرٍ" عن "أبي حنيفة" أنَّه يكرهُ، فإنَّ كراهة التحريم
هي المحملُ عند إطلاقِ اسمها، وقد ثبَتَ عن أثمَّتنا الثلاثةِ وجوبُ فوريَّتها، وما نقَلَهُ "ابن شجاعٍ"
عنهم من أنَّها على التراخي فهو بالنظرِ إلى دليلِ الافتراض ، أي: دليلُ الافتراض لا يُوجِبُها، وهو
لا ينفي وجودَ دليلِ الإيجاب، وعلى هذا قولُهم: إذا شكَّ هل زكَّى أوْ لا يجبُ عليه أنْ يزكِّيَ؛
لأنَّ وقتها العمرُ، فالشكُّ حينئذٍ كالشكِّ في الصَّلاة في الوقت)) اهـ ملخَّصاً.
( تتمَّةٌ )
في "الفتح"(١) أيضاً: ((إذا أخَّرَ حَتَّى مرضَ يؤدِّي سرًَّ من الورثة، ولو لم يكن عنده مالٌ
فأرادَ أنْ يستقرضَ لأداءِ الزَّكاة إنْ كان أكبرُ رأيه أنَّه يقدرُ على قضائه فالأفضلُ الاستقراضُ،
وإلاّ فلا؛ لأنَّ خصومةَ صاحب الدَّين أشدُّ)) اهـ.
[٧٩٢١] (قولُهُ: أي: عبدٌ) خصَّهُ بالذّكر ليناسب قوله: ((فنوى خدمتَهُ))، وأشارَ بقوله:
((مثلاً)) إلى أنَّ العبد غيرُ قيدٍ، لكنَّ الأَولى أنْ يقول بعده: فنوى استعمالَهُ ليُعُمَّ مثلَ الثوبِ والدابَّةِ،
ولا بدَّ من تخصيصِهِ بما تصحُّ فيه نيَّةُ التجارة؛ ليخرجَ ما لو اشترى أرضاً خراجيّةً أو عشريَّةً لِيَّجرَ
فيها فإِنَّها لا تجبُ فيها زكاةُ التجارة(٢) كما يأتي(٣)، ونَبّهَ عليه في "الفتح"(٤).
[٧٩٢٢] (قولُهُ: فنوى بعد ذلك خدمتَهُ) أي: وأنْ لا يبقى للتجارة؛ لِما في "الخانيّة"(٥):
(١) "الفتح": كتاب الزكاة ١١٤/٢ بتصرف.
(٢) من ((ليخرج)) إلى ((التجارة)) ساقط من "الأصل".
(٣) ص ٤٧٢ - "در".
(٤) "الفتح": كتاب الزكاة ١٢٥/٢.
(٥) "الخانية": كتاب الزكاة ٢٤٥/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
الجزء الخامس
٤٦٥
کتاب الزكاة
ما لم يَبَعْهُ) بجنس ما فيه الزَّكاة، والفرقُ: أنَّ التّجارة عملٌ، فلا تَتِمُّ بمحرَّدِ النَّة
بخلاف الأوَّل، فإنَّه تركُ العمل فيَتِمُّ بها.
(وما اشتَرَاه لها) أي: للتّجارة.
((عبدُ التجارة إذا أرادَ أنْ يستخدمَهُ سنتين فاستخدمَهُ فهو للتجارة على حاله، إلاَّ أنْ ينويَ
أنْ يُخرِجَه من التجارةِ ويجعلَهُ للخدمة)) اهـ.
(٧٩٢٣) (قولُهُ: ما لم يَبَعْهُ) أي: أو يُؤْجِّرْهُ كما في "النهر"(١) وغيره، وبدلُهُ من قسمِ الدَّين
الوسط، فُيُعتبرُ ما مضى، أو يُعتَبَرُ الحولُ بعد قبضه على الخلاف الآتي(٢) في بيان أقسام الدُّيون.
(٧٩٢٤) (قولُهُ: بجنسٍ ما فيه الزَّكَاةُ) فلو دفَعَهُ لامرأته في مهرِها، أو دفَعَهُ بصُلحٍ عن فَوَدٍ،
أو دفعَتْهُ لِخُلُعِ زوجها لا زكاةَ؛ لأنَّ هذه الأشياءَ لم تكن جنسَ ما فيه الزَّكاة، "ط)" (٣).
[٧٩٢٥] (قولُهُ: والفرقُ) أي: بين التجارةِ [٢/ق ٢٠١/أ] - حيث لا تتحقَّقُ إلاَّ بالفعل - وبين
عدمها بأنْ نواه للخدمةِ، حيث تحقَّقَ بمجرَّدِ النَّة، "ط "(٤).
[٧٩٢٦] (قولُهُ: فَتِمُّ بها) لأنَّ التّروك كلَّها يُكتفى فيها بالنّة، "ط"(٥). ونظيرُ ذلك المقيمُ
(قولُهُ: فلو دفَعَهُ لامرأتِهِ إلخ) القصدُ بقول "الشارح": ((بجنسِ ما فيه الزَّكاة)) أنَّ وجوبها إنما هو
فيما إذا كان البدلُ من جنس مالها، فهو احترازٌ عمَّا لو باعَهُ بأرضٍ عشريَّةٍ أو خراجيَّةٍ، وليس احترازاً
عمَّا لو جعَلَهُ مهراً أو نحوه مما ذكرَهُ "ط"، فإنَّها إنما هي في البدل، ولا يُتوهَّمُ وجوبُها في بدلِ المهر
ونحوه حتَّى يكون لاحترازٍ عنه.
(قولُهُ: ونظيرُ ذلكَ المقيمُ إلخ) عبارةُ "الزيلعيِّ": ((ونظيرُهُ المقيمُ والصائم والكافر والعلوفة
والسائمة، حيث لا يكون مسافراً ولا مُفطِراً ولا عَلُوفةً ولا مُسلِماً ولا سائمةً بمجرَّدِ النَّة؛ لأنَّ هذه
الأشياء عملٌ، فلا تَتِمُّ بالنيَّة، ويكون مقيماً وصائماً وكافراً بالنيّة؛ لأَنَّها تركُ العمل فَيَتِمُّ بها)) اهـ تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الزكاة ق ١٠٦/أ.
(٢) صـ ٥٦٨ - "در".
(٣) "ط": كتاب الزكاة ٣٩٦/١.
(٤) "ط": كتاب الزكاة ٣٩٦/١.
(٥) "ط": كتاب الزكاة ٣٩٦/١.
قسم العبادات
٤٦٦
حاشية ابن عابدين
(كان لها) لمقارَنةِ النَّة لعَقْدِ التّجارة (لا ما وَرِئَهُ ونواه لها) لعدم العَقْد، إلاَّ إذا
تصرّفَ فیه - أي: ناویا
والصائم والكافرُ والعُلُوفة والسَّائمة، حيث لا يكونُ مسافراً ولا مُفطِراً ولا مسلماً ولا سائمةً
ولا عُلُوفةً بمجرَّدِ النَّة، وتثبتُ أضدادُها بمحرَّدِ النَّة، "زيلعي"(١). لكنْ صرَّحَ في "النهاية"
و "الفتح"(٢): ((بأنَّ العُلُوفة لا تصيرُ سائمةً بمجرَّدِ النَّة بخلاف العكس))، ووفَّقَ في "البحر"(٣) بحملٍ
الأَوَّلِ على ما إذا نوى أنْ تكون السائمةُ عَلُوفةً وهي باقيةٌ في المرعى؛ إذ لا بدَّ من العمل وهو
إخراجُها من المرعى لا العَلْفُ، وحملٍ الثاني على ما إذا نوى بعد إخراجها منه.
[٧٩٢٧) (قولُهُ: كان لها إلخ) لأنَّ الشرط في التجارة مقارنْتُها لعقدِها، وهو كسبُ المال
بالمال بعَقْدِ شراءٍ أو إجارةٍ أو استقراضٍ، حيث لا مانعَ على ما يأتي(٤) في الشَّرح مع بيان
المحترزات. ثُمَّ إِنَّ نَّةَ التجارة قد تكونُ صريحاً، وقد تكون دلالةً، فالأوَّلُ ما ذكرنا، والثاني
ما تقدَّمَ(٥) في الشَّرح عند قول "المصنّف": ((أو نيَّةُ التجارةِ)).
[٧٩٢٨) (قولُهُ: لا ما وَرِثَهُ) قال في "النهر "(٦): ((ويُلحَقُ بالإرثِ ما دخلَهُ من حبوبِ أرضه
فنوى إمساكَها للتجارة، فلا تجبُ ولو باعَها بعد حولٍ)) اهـ.
[٧٩٢٩) (قولُهُ: أي: ناوياً) قال في "النهر"(٧): ((يعني: نوى وقتَ البيع مثلاً أنْ يكون بدلُهُ
للتجارة، ولا تكفيه النيّةُ السَّابقةُ كما هو ظاهرُ ما في "البحر"(٨))) اهـ.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة ٢٥٧/١.
(٢) "الفتح": كتاب الزكاة ١٢٤/٢.
(٣) "البحر": كتاب الزكاة ٢٢٦/٢.
(٤) ص ٤٦٩ - وما بعدها "در".
(٥) صـ ٤٥٠- وما بعدها "در".
(٦) "النهر": كتاب الزكاة ق ١٠٠/ب.
(٧) "النهر": كتاب الزكاة ق ١٠٠/أ - ب.
(٨) "البحر": كتاب الزكاة ٢٢٥/٢ - ٢٢٦.
الجزء الخامس
٤٦٧
کتاب الزكاة
فتجبُ الزَّكاة لاقتران النّة بالعمل (إلاَّ الذَّهبَ والفضَّةَ) والسَّائمةُ؛ لِما
في "الخانَيَّة" (١): ((لو وَرِثَ سائمةٌ لَزِمَهُ زكاتُها بعد حَوْلِ نواه أوْ لا)).
(وما ملَكَهُ بصُنْعِهِ كِهِبَةٍ أو وصيَّةٍ أو نكاحٍ أو خُلعٍ أو صلحٍ عن قَوَدٍ) قَّدَ بالقَوَدِ
لأنَّ العبد للتِّجارة إذا قتَلَهُ عبدٌ خطأً ودُفِعَ به.
[٧٩٣٠] (قولُهُ: فتحبُ الزَّكاةُ) أي: إذا حالَ الحولُ على البدل، "ط"(٢).
[٧٩٣١] (قولُهُ: نواه أوْ لا) أي: نوى السَّمَ أوْ لا؛ لأَنَّها كانت سائمةً، فبقيت على ما كانت
وإنْ لم يَنْوِ، "خانيَّةً"(٣).
١٣/٢
(٧٩٣٢) (قولُهُ: وما ملَكَهُ بصنعِهِ إلخ) أي: ما كان متوقّفاً على قبوله وليس مبادلةَ مالِ بمالٍ
كهذه العقود إذا نوى عند العقد كونَهُ للتجارة لا يصيرُ لها على الأصحِّ؛ لأنَّ الهبة والصدقة
ء
والوصيَّة ليستْ بمبادلةٍ أصلاً، والمهرُ وبدلُ الخُلع والصُّلحُ عن دمِ العمد مبادلةُ مالٍ بغيرِ مالٍ كما في
"البدائع"(٤)، قال في "فتح القدير "(٥): ((والحاصلُ: أنَّ نَّةَ التجارة فيما يشتريه تصحُّ بالإجماع،
وفيما يَرِثُهُ لا بالإجماع، وفيما يملكُهُ بقبولِ عقدٍ مما ذُكِرَ خلافٌ)) اهـ.
[٧٩٣٣] (قولُهُ: أو نكاحٍ أو خُلعٍ) أي: لو تزوَّجَها على عبدٍ مثلاً فَنَوَتْ كونَهُ للتجارة،
أو خالعَتْهُ عليه فنوى كذلك. [٢/ق ٢٠١/ب]
[٧٩٣٤] (قولُهُ: أو صُلْحٍ عن قَوَدٍ) أي: إذا نوى عند عقدِ الصُّلح التجارةَ بالبدل، وفي
"الخانَّة" (٦): ((لو كان عبدٌ للتجارة فقتَلَهُ عبدٌ عمداً، فصُولِحَ من القصاص على القاتل لم يكن
القاتلُ للتجارة؛ لأَنَّه بدلٌ عن القصاص لا عن المقتول)) اهـ.
(١) "الخانية": كتاب الزكاة - فصل في مال التجارة ٢٥٣/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "ط": كتاب الزكاة ٣٩٦/١.
(٣) "الخانية": كتاب الزكاة ٢٤٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في الشرائط التي ترجع إلى المال ١٢/٢.
(٥) "الفتح": كتاب الزكاة ١٢٥/٢ بتصرف يسير.
(٦) "الخانية": كتاب الزكاة - فصل في مال التجارة ٢٥٠/١ بتصرف يسير (هامش "الفتاوى الهندية").
قسم العبادات
٤٦٨
حاشية ابن عابدين
كان المدفوعُ للتّجارة، "خانِيَّة". وكذا كلُّ ما قُوْيِضَ به مالُ التّجارة فإنَّه يكون لها
بلا نَّةٍ كما مرَّ (ونواه لها كان لها (١) عند "الثاني"، والأصحُّ) أنَّه (لا) يكونُ لها،
"بحر"(٢) عن "البدائع". وفي أوَّلِ "الأشباه"(٣): ((ولو قارَنَتِ النَّةُ ما ليس بدلَ مالٍ
بمالٍ لا تصحُّ على الصَّحيح))
[٧٩٣٥] (قولُهُ: كان المدفوعُ للتجارةِ) أي: بلا نَّةٍ، "ح(٤). وذلك لأَنَّه بدلٌ عن المقتول
وقد كان المقتولُ للتجارةِ فكذا بدلُهُ، فكان مبادلةَ مالٍ مالٍ، ومثلُهُ - فيما يظهرُ - لو اختارَ سيِّدُ
الجاني الفداءَ بعِوَضٍ (٥) لِما قلنا، ولا ينافيه ما يأتي(٦) عن "الأشباه"، فافهم.
[٧٩٣٦) (قولُهُ: فإِنَّه يكونُ لها) لأنَّ حكم البدل حكمُ الأصل، "خانَّةُ (٧). وسيأتي(٨) تمامُ
الكلام على استبدال مال التجارة في باب زكاة الغنم.
[٧٩٣٧) (قولُهُ: كما مرَّ(٩) أي: في شرح قوله: ((أو نيُّ التجارةٍ))، "ح"(١٠).
[٧٩٣٨] (قولُهُ: والأصحُّ أَنَّ لا يكونُ لها) لأنَّ التجارة كسبُ المال يبدلِ هو مالٌ، والقبولُ
اكتسابٌ بغيرِ بدلِ أصلاً، فلم تكن النيّةُ مقارنةً عملَ التجارة، "بدائع"(١١).
[٧٩٣٩] (قولُّهُ: وفي أوَّلِ "الأشباه"(١٢) أتى به تأييداً للأصحِّ، "ط"(١٣).
(١) في "د" زيادة: ((قوله: كان لها؛ لأنَّه لا يملكه إلا بالقبول والعقد، فكان كسبياً "خانية")). وفي "ط": ((له)) بدل
((لها)).
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب زكاة المال ٢٤٦/٢.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الأولى: لا ثواب إلا بالنية صـ١٦ -.
(٤) "ح": كتاب الزكاة ق١١٤/ب.
(٥) في "آ" و"ب" و"م": ((بعرض)).
(٦) في هذه الصحيفة "در".
(٧) "الخانية": كتاب الزكاة - فصل في مال التجارة ٢٥٠/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) المقولة [٨٠٦٢] قوله: ((واستبدل)).
(٩) صـ ٤٥٠- وما بعدها "در".
(١٠) "ح": كتاب الزكاة ق ١١٤/ب.
(١١) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في الشرائط التي ترجع إلى المال ١٢/٢ باختصار.
(١٢) "الأشباه والنظائر": الفن الأول في القواعد الكلية، القاعدة الأولى: لا ثواب إلا بالنية صـ١٦ -.
(١٣) "ط": كتاب الزكاة ٣٩٦/١.
الجزء الخامس
٤٦٩
کتاب الزكاة
(لا زكاةً في اللآلِئِ والجواهرِ) وإنْ ساوَتْ ألفاً اتفاقً (إلاَّ أنْ تكونَ للّجارة) والأصلُ
أنَّ ما عدا الحَجَرِين والسَّوائم إنما يُزَكِّى بنيّةِ التّجارة بشَرْطِ عدم المانع المؤدِّي إلى
الثّنَى، وشَرْطِ مقارنِها لعَقْدِ التّجارة، وهو كسبُ المال بالمال بعَقْدِ شراءٍ ...
[٧٩٤٠] (قولُهُ: والجواهرِ) كاللعلِ (١) والياقوتِ والزمُرُّدٍ وأمثالِها، "درر"(٢) عن "الكافي"(٣).
[٧٩٤١] (قولُهُ: وإنْ سَاوَتْ ألفاً) في نسخةٍ: ((ألوفاً)).
[٧٩٤٢) (قولُهُ: ما عدا الحَجَرين) هذا علمٌ بالغلبة على الذَّهب والفضَّة، "ط"(٤). وقولُهُ:
((والسَّوائمَ)) بالنصب عطفاً على ((الحَجَرِين))، وما عدا ما ذُكِرَ كالجواهرِ، والعقاراتٍ، والمواشي
العُلُوفةِ، والعبيدِ، والثياب، والأمتعة ونحوِ ذلك من العُروض.
(٧٩٤٣) (قولُهُ: المؤدِّي إلى الثّنَى) هذا وصفٌ في معنى العَلَّة، أي: لا زكاةً فيما نواه للتّجارة
من نحوِ أرضٍ عشريَّةٍ أو خراجيّةٍ لئلاَّ يؤدِّيَ إلى تكرارِ الزَّكاة؛ لأنَّ العشر أو الخراج زكاةٌ أيضاً،
والّنى بكسرِ الثاء المثلّة وفتحِ النُون في آخرِهِ ألفٌ مقصورةٌ، وهو أخذُ الصدقة مرَّتين في عامٍ كما
في "القاموس"(٥)، ومنه - كما في "المغرب"(٦) - قولُهُ مَّ: (( لا ثِنَى فِي الصَّدقة(٧)).
[٧٩٤٤)] (قولُهُ: وشرطِ مقارنِها) بالجرِّ عطفاً على ((شرطٍ)) الأوَّلِ، ومن المقارنةِ ما وَرِثَهُ
ناوياً لها، ثمَّ تصرَّفَ فيه ناوياً أيضاً؛ لأنَّ المعتبر هو النَّةُ المقارنةُ للتصرُّفِ بالبيعِ مثلاً كما مرَّ (٨)،
فيكونُ بدلُهُ الذي نوى به [٢/ق ٢٠٢/أ] التجارةَ مقارناً لعقد الشراء، فافهم.
(١) قال البيروني في كتابه "الجماهر في الجواهر" صـ١٥٦ -: ((إنه جوهرٌ أحمرُ مشفٌ صافٍ، يضاهي فائقَ الياقوت
في اللون، وربما فضلَ عليه حُسْناً ورونقاً، ثم تَخَلَّفَ عنه في الصلابةِ )).
(٢) "الدرر": كتاب الزكاة ١٧٥/١.
(٣) "الكافي": کتاب الزكاة - باب الركاز ١/ق ٦٨/ب بتصرف.
(٤) "ط": كتاب الزكاة ٣٩٦/١.
(٥) "القاموس": مادة ((ثني)) بتصرف.
(٦) "المغرب": مادة ((ثني)).
(٧) ذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" برقم (١٥٩٠٢) من حديث أنس مظلته، وبرقم (١٦٥٧٥) من حديث علي ضه
وعزاه إلى الديلمي في "الفردوس بمأثور الخطاب"، وهو عنده برقم (٧٨١٤)، وفي الباب عن فاطمة رضي الله عنها.
(٨) صـ ٤٦٦ - "در".
قسم العبادات
٤٧٠
حاشية ابن عابدين
أو إجارةٍ، أو استقراضٍ،.
[٧٩٤٥] (قولُهُ: أو إجارةٍ) كأنْ آجَرَ دارَهُ بِعُرُوضِ ناوياً بها التجارةَ، ولو كانت الدارُ للتجارة
يصيرُ بدلُها للتجارة بلا نَيَّةٍ لوجودِ التجارة دلالةً كما مرَّ(١)، وفيه خلافٌ قدَّمناه(٢).
[٧٩٤٦) (قولُهُ: أو استقراضٍ) لأنَّ القرض ينقلبُ مُعاوضةً المال بالمال في العاقبة، وهذا قولُ
بعض المشايخ، وإليه أشار في "الجامع"(٣): ((أَنَّ مَن كان له مائتا درهمٍ لا مالَ له غيرُها،
فاستقرَضَ من رجلٍ قبل حَوَلان الحول خمسةَ أقفزةٍ لغيرِ التجارة، ولم يُستهلِك الأقفزةَ حتَّى حالَ
الحولُ لا زكاةً عليه، ويُصرَفُ الدَّينُ إلى مالِ الزَّكاة دون الجنس الذي ليس بمالِ الزَّكاة))، فقولُهُ:
(لغيرِ التّجارة)) دليلُ أَنَّه لو استقرَضَ للتجارة يصيرُ لها، وقال بعضُهم: لا وإنْ نوى؛ لأنَّ القرض
إعارةٌ، وهو تبرُّعٌ لا تجارةٌ، "بدائع"(٤). وعلى الأوَّلِ مشى في "البحر"(٥) و"النهر"(٦) و"المنح"(٧)،
وتَعَهم "الشارح"، لكنْ ذَكَرَ في "الذَّخيرة" عن "شرح الجامع" لـ "شيخ الإسلام"(٨): ((أنَّ الأصحَّ
الثاني، وأنَّ معنى قول "محمَّدٍ" في "الجامع": لغيرِ التجارة أنَّها كانت عند المُقرِضِ لغير التجارة،
(قولُ "الشارح": أو إجارةٍ) فعقدُ الإجارة من عقودٍ التجارة؛ لأنَّ المنفعة فيها مالٌ حكماً.
(١) صـ ٤٥١- "در".
(٢) المقولة [٧٨٧٤] قوله: ((أو يؤاجر داره)).
(٣) "الجامع الكبير": كتاب الزكاة - باب زكاة الرقيق والحيوان وغير ذلك صـ ٢٤ -.
(٤) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في الشرائط التي ترجع إلى المال ١٢/٢ بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب الزكاة ٢٢٥/٢.
(٦) "النهر": كتاب الزكاة ق ١٠٠/ب.
(٧) "المنح": كتاب الزكاة ١/ق ٨٠/ب.
(٨) شرح شيخ الإسلام أبي نصر أحمد بن منصور القاضي الإسبيجابي (ت ٤٨٠هـ) على "الجامع الكبير" للإمام محمد
(ت ١٨٩ هـ). ("كشف الظنون" ٥٦٩/١، وكنية الإسبيجابي فيه: أبو بكر، "الجواهر المضية" ٣٣٥/١، "هدية
العارفين" ٨٠/١).
الجزء الخامس
٤٧١
کتاب الزكاة
ولو نوى التّجارة بعد العقد أو اشترى شيئاً للقِنْية ناوياً أنَّه إنْ وجَدَ رِبْحاً باعَهُ
لا زكاة عليه، كما لو نوى النّجارةَ فيما خرَجَ من أرضه ..
وفائدتُهُ أَنَّها إذا رُدَّتْ عليه عادَتْ لغيرِ التجارة، وأنَّها لو كانت عنده للتجارة فرُدَّتْ عليه
عادَتْ للتجارة)) اهـ.
والظاهرُ: أنَّ الثانيَ مبنيٌّ على قول "أبي يوسف": إنَّ المستقرض لا يملكُ ما استقرَضَهُ
إلاَّ بالتصرُّف، وعندهما يملكُهُ بالقبض، حتّى لو كان قائماً في يدِهِ فباعَهُ من المُقرِضِ يصحُّ عنده
لا عندهما، ولو باعه من أجنبيٌّ يصحُّ اتفاقاً كما سيأتي(١) تحريرُهُ في بابه إنْ شاء الله تعالى، وعلى
قولِهما فالوجهُ للأوَّلِ، تأمَّل.
لا يقال: يُشكِلُ الأوَّلُ بأنَّ المستقرِض صار مديوناً بنظيرِ ما استقرَضَهُ، والمديونُ لا زكاةَ
عليه بقدْرِ دينه، فما فائدةُ صحَّةٍ نَيَّةِ التجارة فيه؟!
لأَنَّا نقول: فائدتُها ضمُّ قيمتِهِ إلى النصاب الذي معه؛ لِما سيأتي(٢) من أنَّ قيمة عُروض
الّجارة تُضَمُّ إلى النَّقدين، فإذا كان له مائتا درهمٍ فقط، واستقرَضَ خمسةَ أقفزةٍ للتجارة قيمتُها
خمسةُ دراهمَ مثلاً كان مديوناً بقدْرِها، وبقي له نصابٌ تامّ فيزكِيه، [٢/ق٢٠٢/ب] بخلاف ما إذا
لم تكن للتجارةِ فإنَّه لا زكاةً عليه أصلاً؛ لأنَّ الدَّين يُصرَفُ إلى مالِ الزَّكاة دون غيره كما مرَّ(٣)،
فينقُصُ نصابُ الدراهم الذي معه، فلا يزكِّيه ولا يزكِّي الأقفزةَ، فافهم.
[٧٩٤٧) (قولُهُ: ولو نوى إلخ) محترزُ قوله: ((وشرطِ مقارنِتِها لعقدِ التّجارة))، "ح"(٤).
[٧٩٤٨] (قولُهُ: كما لو نوى إلخ) خرَجَ باشتراطِ عقد التجارة، وهذا مُلحَقٌ بالميراث كما مرَّ(٥)
١٤/٢
(قولُهُ: يصحُّ عنده لا عندهما) في العبارة قلبٌ ظاهرٌ.
(١) انظر المقولة [٢٤٢٧٨] قوله: ((بنفس القبض)).
(٢) المقولة [٨١٨٩] قوله: ((وقيمة العرض)).
(٣) المقولة [٧٨٣١] قوله: ((خير)).
(٤) "ح": كتاب الزكاة ق ١١٤/ب.
(٥) المقولة [٧٩٢٨] قوله: ((لا ما ورثه)).
قسم العبادات
٤٧٢
حاشية ابن عابدين
كما مرَّ، وكما لو شرى أرضاً خراجيَّةً ناوياً التِجارةَ، أو عُشْريَّةً وزرَعَها، أو بَذْراً
للتّجارة وزرَعَهُ لا يكون للتّجارة لقيام المانع.
عن "النهر"، فلا يصحُّ تعليلُهُ باجتماعِ الحقَّين كما قدَّمناه(١)، فافهم.
[٧٩٤٩) (قولُهُ: كما مرَّ(٢) قبيلَ قوله: ((وشرطُ صحَّةٍ أدائها))، "ح"(٣).
[٧٩٥٠] (قولُهُ: وكما لو شَرَى إلخ) محترزُ قوله: ((بشرطِ عدم المانع إلخ)).
[٧٩٥١) (قولُهُ: وزَرَعها) قيدٌ للعشريَّةِ لتعلُّقِ العشرِ بالخارج بخلاف الخراج، إلاَّ إذا كان
خراجَ مقاسمةٍ لا موظّفاً، ومفهومُهُ أَنَّه إذا لم يزرعها تجبُ زكاة التجارة فيها لعدم وجوبِ العشر،
فلم يوجد المانعُ، أمَّا الخراجَّةُ فالمانعُ موجودٌ وهو التّنى وإنْ عطلت.
[٧٩٥٢] (قولُهُ: لقيامِ المانع) وهو الثّنى، ومُعادُ التعليل أَنَّه لو زرَعَ البَذْرَ في أرضه المملوكة
تجبُ فيه الزَّكاة، ويخالفُهُ ما في "البحر "(٤)، حيث قال في باب زكاة المال: ((لو اشترى بَذْراً
للتجارة وزرَعَهُ فإنَّه لا زكاةَ فيه، وإنما فيه العشرُ؛ لأنَّ بَذْره في الأرض أبطَلَ كونَهُ للتجارة، فكان
ذلك كنَّةِ الخدمةِ في عبد التجارة بل أَولى، ولو لم يزرعه تجبُ)) اهـ. فإنَّ مُفاده سقوطُ الزَّكاة عن
البَذْرِ بالزِّراعة مطلقاً، أفاده "ط" (٥).
( تنبيةٌ )
ما ذكرَهُ "الشارح" من عدم وجوب الزَّكاة في الأرض المشريَّة للتجارة وإنما فيها العشرُ
(قولُهُ: أَنَّه لو زرَعَ البذرَ في أرضِهِ) أي: غيرِ الخراجَيَّة والعشريَّة، كأنْ زرَعَهُ في صحنِ دراه أو في
أرضه المشتراة من بيت المال على ما يأتي، فإنَّه لا خراج عليه على ما فيه.
(١) المقولة [٧٨٧٩] قوله: ((أو المستأجرة أو المستعارة)).
(٢) صـ ٤٥١ - "در".
(٣) "ح": كتاب الزكاة ق١١٤/ب.
(٤) "البحر": كتاب الزكاة ٢٤٦/٢.
(٥) "ط": كتاب الزكاة ٣٩٧/١.
الجزء الخامس
٤٧٣
باب السائمة
﴿بابُ السَّائمة﴾
(هي) الرَّاعيةُ(١)،
أو الخراجُ للمانع المذكور قال في "البدائع"(٢): ((هو الرِّوايةُ المشهورة عن أصحابنا، وعن
"محمَّدٍ" أَنَّه تجبُ الزَّكاة أيضاً؛ لأنَّ زكاة التجارة تجبُ في الأرض، والعشرُ يجبُ في الخارج،
وهما مختلفان، فلا يجتمعُ الحقَّان في مالٍ واحدٍ، وجهُ ظاهر الرِّواية أنَّ سبب الوجوب في الكلِّ
واحدٌ؛ لأَنَّه يُضافُ إليها فيقال: عشرُ الأرض وخراجُها وزكاتُها، والكلُّ حقُّ الله تعالى،
وحقوقُهُ تعالى المتعلّقةُ بالأموال النامية لا يجبُ [٢/ق٢٠٣/أ] فيها حقّان منها بسببِ مالٍ
واحدٍ كزكاة السَّائمة مع التجارة)) اهـ، فافهم.
﴿بابُ السَّائمة﴾
بالإضافة أو بالتنوين على أنَّه مبتدأٌ أو خبرٌ (٣)، فهو لبيان حقيقتها، وما بعدَهُ لبيان حكمها،
ولذا لم يُقدِّرْ مضافً، أي: صدقةَ السَّائمة، قال في "النهر " (٤): ((وبدأ "محمَّدٌ" في تفصيلٍ أموال
الزَّكاة بالسَّوائم اقتداءً بكتبه عليه الصلاة والسلام، وكانت كذلك؛ لأَنَّها إلى العرب، وكان جلُّ
أموالهم السَّوائمَ، والإِبلُ أَنفَسُها عندهم، فبدأ بها)).
[٧٩٥٣] (قولُهُ: هي الرَّاعيةُ) أي: لغةً، يقال: سامت الماشيةُ: رَعَتْ، وأسامَها ربُّها إسامةً،
كذا في "المغرب"(٥)، سُمِّيت بذلك لأنّها تَسِمُ الأرضَ، أي: تُعلِّمُها، ومنه: ﴿شَجَرُ فِيهِ
◌ُِيمُونَ﴾ [النحل - ١٠]، وفي "ضياء الحلوم": ((السَّائمة: المالُ الرَّاعي))، "نهر "(٦).
﴿باب السَّائمة﴾
(قولُهُ: فيه تُسِيْمُونَ) أي: تَرْعَون دوابَّكم، فهو من الإِسامة.
(١) في "و": (( هيَ لغةً: الراعية)).
(٢) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في شرائط الزكاة المحلية ٥٧/٢.
(٣) في "٢" و"ب" و"م":((وخبر)) بالواو.
(٤) "النهر": كتاب الزكاة - باب صدقة السوائم ق ١٠١/أ.
(٥) "المغرب" : مادة ((سوم)).
(٦) "النهر": كتاب الزكاة - باب صدقة السوائم ق ١٠١/أ.
قسم العبادات
٤٧٤
حاشية ابن عابدين
وشرعاً (المكتفيةُ بالرَّعْيِ المباح) ذكرَهُ "الشُّمنيُّ" (في أكثرِ العامِ لقَصْدِ الدَّرِّ والنّسْلِ) ...
[٧٩٥٤) (قولُهُ: وشرعاً المكتفيةُ بالرَّعي إلخ) أطلَقَها فِشمِلَ المتولّدة من أهلىٍّ ووحشىٍّ، لكنْ
بعدَ كون الأُمِّ أهلَيَّةً كالمتولِّدة من شاةٍ وظبىٍ وبقرٍ وحشيٍّ وأهلي، فتجبُ الزَّكاة بها، ويكمُلُ بها
النصابُ عندنا خلافاً لـ "الشافعيِّ"، "بدائع"(١).
[٧٩٥٥] (قولُهُ: بالرَّعْىِ) بفتحِ الرَّاء مصدرٌ، وبكسرِها الكلأُ نفسُهُ، والمناسِبُ الأوَّلُ؛ إذ
لو حُمِلَ الكلأ إليها في البيت لا تكونُ سائمةً، "بحر"(٢). قال في "النهر"(٣): ((وأقول:
الكسرُ هو المتداوَلُ على الألسنةِ، ولا يلزمُ عليه أنْ تكون سائمةً لو حمَلَهُ إليها إلاَّ لو أطلَقَ
الكلَّّ على المنفصلِ، ولقائلٍ منعُهُ، بل ظاهرُ قول "المغرب(٤): الكلأ هو كلُّ ما رَعَتْهُ الدوابُّ
من الرَّطبِ واليابسِ يفيدُ اختصاصَهُ بالقائم في معدنه، ولم تكن به سائمةً لأَنَّه مَلَكَهُ بالحَوْزِ،
فتدَبَّره)) اهـ.
قلت: لكنْ في "القاموس"(٥): ((الكلُّ كجَبَلٍ: العشبُ رطِبُهُ ويابسُهُ))، فلم يقِّده بالمرعيِّ.
[٧٩٥٦] (قولُهُ: ذكرَهُ "الشُّمنيُّ") أي: ذَكَرَ التقييدَ بالمباح، قال في "البحر" (٦)
و "النهر"(٧): ((ولا بدَّ منه؛ لأنَّ الكلا يشملُ غيرَ المباح، ولا تكونُ سائمةٌ به))، لكنْ قال
"المقدسيُّ": ((وفيه نظرٌ)).
(قولُهُ: لا تكونُ سائمةً، "بحر") قد يقال: هي وإن لم تكن سائمةً بالنقل إلاَّ أنَّه لا مانعَ من الكسر،
وتكون خارجةً بقيدِ المباح إذا جَرَينا على أنَّ الكلا شاملٌ للمنفصل على حسبٍ ظاهر "القاموس".
(قولُهُ: فلم يقيِّده إلخ) هو وإنْ لم يقيِّده في عبارته نقيِّدُهُ بما في عبارة "المغرب" مما يفيدُ التقييد، فإِنَّه
يشيرُ إلى أَنَّها لا تكون سائمةً إلاَّ إذا أكلته من محلّه.
(١) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في صفة نصاب السائم ٣٠/٢ بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة السوائم ٢٢٩/٢.
(٣) "النهر": كتاب الزكاة - باب صدقة السوائم ق ١٠١/أ بتصرف.
(٤) "المغرب": مادة ((سوم)).
(٥) "القاموس": مادة ((كلاً)).
(٦) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة السوائم ٢٣٠/٢.
(٧) "النهر": كتاب الزكاة - باب صدقة السوائم ق ١٠١/أ بتصرف يسير.
الجزء الخامس
٤٧٥
باب السائمة
ذكرَهُ "الزيلعيُّ"، وزاد في "المحيط": (والزِّيادةِ والسِّمَنِ) لَيَعُمَّ الذِّكورَ فقط، .......
قلت: لعلَّ وجهَهُ منعُ شموله لغيرِ المباح لحديث "أحمد": ((المسلمونُ شركاءُ في ثلاثٍ:
في الماءِ والكلأ والنار» (١)، فهو مباحٌ ولو في أرضٍ مملوكةٍ [٢/ق٢٠٣/ب] كما سيأتي(٢)
في فصل الشرب إن شاء الله تعالی.
[٧٩٥٧) (قولُهُ: ذكَرَهُ "الزيلعيُّ(٣) أي: ذكَرَ قوله: ((لقصدِ الدَّرِّ والنِّسْلِ)) تبعاً لصاحب
"النهاية".
[٧٩٥٨] (قولُهُ: والسِّمَنِ) عطفُ تفسيرٍ، "ط "(٤).
[٧٩٥٩) (قولُهُ: لَعُمَّ الذُّكورَ) لأنَّ الدَّرَّ والنسلَ لا يظهرُ فيها، "ط)" (٥).
[٧٩٦٠] (قولُهُ: فقط) أي: الذُّكورَ المحضةَ، وليس المرادُ أَنَّه يَعُمُّ الدُّكورَ ولا يَعُمُّ غيرَها
اهـ "ح"(٦). وحاصلُهُ أَنَّه قيدٌ لـ ((الذُّكورَ)) لا لـ ((يُعُمَّ)).
(قولُهُ: لعلَّ وجهه منعُ شموله لغيرِ المباح إلخ) فيه نظرٌ، فإنَّ الرِّعي بالكسر الكلأ، ولم يقيَّد بالمباح في
عبارتي "المغرب" و"القاموس"، فهو شاملٌ للمملوك، فلا بدَّ من التقييد به وإن كان المرادُ به في الحديث المباحَ.
(١) أخرجه أحمد ٣٦٤/٥، وابن أبي شيبة ٣٩١/٥ كتاب البيوع والأقضية - باب حمى الكلأ وبيعه، وأبو داود (٣٤٧٧)
كتاب البيوع - باب في منع الماء، كلُّهم عن رجل عن النبي { ﴿، قال المناويّ في "فيض القدير" ٢٧١/٦ - ٢٧٢:
ولم يسمَّ الرجل، ولا يضرُّ فإِنِّه صحابيٌّ وهم عدول ، لكن قال ابن حجر رحمه الله: قد سمّاه أبو داود حبانَ بنَ زید،
وهو تابعي معروف، فالحديث مرسل. وهذا سهو فحبان بن زيد تابعي، والرجل الذي لم يسمَّ صحابي، انظر "تهذيب
التهذيب" ٤٨٦/١، روى له أحمد بسند متصل أحاديث ثلاثة، وأبو داود حديثين فيهما سقط في السند. وفي الباب
عن ابن عباس رضي الله عنهما عند ابن ماجه، وهو ضعيف لضعف عبد الله بن خِراش، وعن ابن عمر رضي الله
عنهما عند الطبراني كما في "نصب الراية" ٢٩٤/٤، وأرسله الحارث بن أسامة في "مسنده" ٥٠٨/١. وله شاهد
صحيح عن أبي هريرة رضيته عند ابن ماجه (٢٤٧٣) بلفظ: ((ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار)).
(٢) انظر المقولة [٣٣٧١١] قوله: ((المسلمون شركاء في ثلاث)).
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب صدقة السوائم ٢٥٩/١.
(٤) "ط": كتاب الزكاة - باب السائمة ٣٩٧/١.
(٥) "ط": كتاب الزكاة - باب السائمة ٣٩٧/١.
(٦) "ح": كتاب الزكاة - باب السائمة ق ١١٤/ب.
حاشية ابن عابدين
٤٧٦
قسم العبادات
لكنْ في "البدائع": ((لو أَسَامَها لِلْحمِ لا(١) زكاةً فيها.
[٧٩٦١) (قولُهُ: لكنْ في "البدائع"(٢) إلخ) استدراكٌ على ما في "المحيط" من اعتبارِ السِّمَن،
والجوابُ أنَّ مراد "المحيط" أنَّ السِّمن لا لأجلِ اللَّحم، بل لغرضٍ آخر مثلٍ أنْ لا تموتَ في الشتاء
من البرد، فلا تناقضَ بين كلامي "البدائع" و"المحيط" اهـ "ح" (٣). أو يُحمَلُ على اختلافِ الرِّواية
أو المشايخ، "ط" (٤). وبه جزَمَ "الرَّحمتيُّ".
أقول: عبارةُ "البدائع"(٥) هكذا: ((نصابُ السَّائمة له صفاتٌ، منها كونُهُ مُعَدّاً للإسامةِ للدَّرِّ
والّسل؛ لِما ذكرنا أنَّ مال الزَّكاة هو المالُ النامي، والمالُ النامي في الحيوان بالإِسامة؛ إذ به يحصلُ
الَّسلُ فيزدادُ المال، فإِنْ أُسيمت للحَمْلِ والركوب أو اللَّحم فلا زكاةً فيها)) اهـ.
فقد أفادَ أنَّ الزكاة منوطةٌ بالإِسامةِ لأجل النموِّ، أي: الزِّيادةِ، أي: فيشملُ الإِسامةَ لأجل
(قولُهُ: فقد أفادَ أنَّ الزكاة إلخ) المتعِّنُ في عبارة "البدائع" المذكورةِ من قوله: ((كونُهُ مُعَدّاً للإسامة
للدَّرِّ والنسل)) ومن قوله: ((إذ به يحصلُ النسل)) أنَّ المعتبر الإسامةُ للدَّرِّ والنسل، وليس في كلامه
ما يقضي بأنَّ الزَّكاة منوطةٌ بالإِسامة لأجل النموِّ الشامل للسِّمَن كما ادَّعى "المحشِّي"، فالمتعَيِّنُ أنَّ
ما مشى عليه روايةٌ أخرى، وكونُهُ في صددٍ كلامٍ واحدٍ لا يُنافي أنَّه مشى على غيرِ ما جرى عليه غيره،
تأمَّل. وقال "السنديُّ" بعد جوابِ "الحلبيِّ": ((ولا يخفى أنَّ الذُّكور وإن أُسِيمَتْ للزِّيادة والسِّمن لكنَّ
المقصود الأصليَّ منهما إمَّ التجارة أو اللَّحم، وقد علمتَ أنَّ ما كان للتجارة ليست بسائمةٍ، فتعيّنَ
أن يكون التسمينُ لأجل اللّحم، ولصاحب "البدائع" روايتان كما نقلَهُ عنه في "البحر"، فالأولى حملُ كلامه
على اختلاف الرِّواية، قال "الرَّحمنيُّ": وقد صرَّحُوا فِي زكاة الخيل أنَّ في الذُّكور الخُلّصِ والإناثِ الخُلّصِ
روايتين، وصحَّحُوا عدم الوجوب في الذُّكور والوجوبَ في الإناث، فليحمل ما هنا عليه)) إلى آخر ما ذكرهُ،
(١) في "ب" و"ط": ((فلا)).
(٢) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في صفة نصاب السائمة ٣٠/٢ بتصرف.
(٣) "ح": كتاب الزكاة - باب السائمة ق ١١٥/أ.
(٤) "ط": كتاب الزكاة - باب السائمة ٣٩٧/١.
(٥) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في صفة نصاب السائمة ٣٠/٢.