Indexed OCR Text

Pages 381-400

الجزء الخامس
٣٧٧
باب صلاة الجنائز
قضاء الحاجة، وغايةُ ما فيه إطلاقُ الكراهة على ما يشملُ المعنَيِّين، وهذا كثيرٌ في كلامهم،
ومنه قولُهم: مكروهاتُ الصلاة، وتنتفي الكراهةُ مطلقاً إذا كان الجلوسُ للقراءة كما يأتي(١)،
والله سبحانه أعلم(٢).
مطلبٌ في وضعِ الجريد ونحوِ الآسِ على القبور
( تتمَّةٌ )
يكرهُ أيضاً قطعُ النبات الرطب والحشيش من المقبرة دون اليابس كما في "البحر"(٣)
و "الدُّرر"(٤) و"شرح المنية"(٥)، وعلَّهُ في "الإمداد"(١): ((بأنّه ما دام رطباً يُسبِّحُ الله تعالى
فُيُؤنِسُ الميتَ وتنزلُ بذكره الرحمة)) اهـ. ونحوُهُ في "الخانَيَّة"(٧).
٦٠٦/١
أقول: ودليلُهُ ما ورد في الحديث من وضعِهِ عليه الصلاة والسلام الجريدةَ الخضراءَ بعد
شقِّها نصفين على القبرين اللذين يُعذّبان، وتعليلِهِ بالتخفيفِ عنهما ما لم يَيْبَسا(1)، أي: يُخفّفُ
عنهما ببركةٍ تسبيحهما؛ إذ هو أكملُ من تسبيحِ اليابس لِما في الأخضرِ من نوعِ حياةٍ،
(قولُهُ: إذ هو أكملُ من تسبيحِ اليابس) مقتضى ذلك أنَّ في قطع اليابس كراهةً، إلاَّ أنَّها أخفُّ؛
إذ فيه تسبيحٌ، ولذا قال "أبو السُّعود": ((وإن كان يابساً لا بأس بقلعه)).
(١) المقولة [٧٦٨٦] قوله: ((ولا إجلاس القارئين عند القبر)).
(٢) من ((ثم رأيت العيني)) إلى ((والله سبحانه أعلم)) ساقط من "الأصل" و"آ".
(٣) "البحر": كتاب الجنائز ٢١١/٢ نقلاً عن "الخلاصة".
(٤) "الدرر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ١٦٨/١.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في الجنازة صـ ٦٠٧-٦٠٨ -.
(٦) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب أحكام الجنائز - فصل في زيارة القبور ق ٣٣٢/ب.
(٧) "الخانية": كتاب الصلاة - بيان أنَّ النقل من بلد إلى بلد مكروه ١٩٥/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) أخرجه أحمد ٢٢٥/١، والبخاري (١٣٦١) كتاب الجنائز - باب الجريدة على القبر، ومسلم (٢٩٢) كتاب الطهارة -
باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، وأبو داود (٢٠) كتاب الطهارة - باب الاستبراء من البول،
والنسائي ١٠٦/٤ كتاب الجنائز - باب وضع الجريدة على القبر، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٤١٢/٢ كتاب
الصلاة - باب نجاسة الأبوال والأرواث وما خرج من مخرج حي، وابن حبان (٣١٢٨) كتاب الجنائز - فصل
في أحوال الميت في قبره، كلهم عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً.

قسم العبادات
٣٧٨
حاشية ابن عابدين
لا يكرهُ الدفنُ ليلاً، ولا إجلاسُ القارئين عند القبر، وهو المختارُ. عظمُ الذمِّيِّ
مُحترَمٌ.
وعليه فكراهةُ قطعِ ذلك وإِنْ نَبَتَ بنفسه ولم يُعلَكْ؛ لأنَّ فيه تفويتَ حقِّ الميت، ويُؤخَذُ من ذلك
ومن الحديث ندبُ وضعِ ذلك للأّباع، ويقاسُ عليه ما اعتيد في زماننا من وضعٍ أغصان الآسِ
ونحوِهِ، وصرَّحَ بذلك أيضاً جماعةٌ من الشافعيّة، وهذا أولى مما قالَهُ بعضُ المالكَّة من أنَّ التخفيف
عن القبرين إنما حصَلَ ببركة يده الشريفة ﴿ أو دعائه لهما، فلا يقاسُ عليه غيره، وقد ذكَرَ
"البخاريُّ" في "صحيحه"(١): ((أنَّ "بريدة بن الخصيبِ" تُبه أوصى بأنْ يُجعَلَ في قبره جریدتان))،
والله تعالى أعلم.
[٧٦٨٥)] (قولُهُ: لا يكره الدَّفْنُ ليلاً) والمستحبُّ كونُهُ نهاراً، "شرح المنية" (٢).
[٧٦٨٦] (قولُهُ: ولا إجلاسُ القارئين عند القبر) عبارة "نور الإيضاح" و"شرحه"(٢):
((ولا يكرهُ الجلوسُ للقراءة على القبر في المختار لتأديةِ القراءة على الوجهِ المطلوب بالسكينةِ والتدُّرِ
والاتعاظ)) اهـ.
[٧٦٨٧] (قولُهُ: عظمُ الذِّيِّ مُحترَمٌ) فلا يُكسَرُ إذا وُجِدَ في قبره؛ لأَنَّه لَمَّا حَرُمَ إيذاؤه
في حياته لذمَّتِّهِ وحَبَتْ صيانةُ نفسه عن الكسرِ بعد موته، "خانَّةُ "(٤). وأمَّا أهلُ الحرب فإن احتیجَ
إلى نبشهم فلا بأس به، "تار خانيَّةً "(٥) عن "الحجَّة"، فُتُبَشُ وتُرفَعُ العظامُ والآثارُ، وتُتَّخَذُ مقبرةً
للمسلمين أو مسجداً كما في "الواقعات"، "إسماعيل" (٦).
(١) ذكره البخاري تعليقاً كتاب الجنائز - باب (٨١) الجريدة على القبر، فقال: وأوصى بريدة الأسلمي أن يجعل في قبره جريدتان.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في الجنازة صـ ٦٠٨ - بتصرف.
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب أحكام الجنائز - فصل في زيارة القبور ق ٣٣٢/أ.
(٤) "الخانية": كتاب الصلاة - بيان أنَّ النقل من بلد إلى بلد مكروه ١٩٥/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني والثلاثون في الجنائز - القبر والدفن ١٧٢/٢.
(٦) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٢/ق ٦١/أ.

الجزء الخامس
٣٧٩
باب صلاة الجنائز
إنما يُعذّبُ الميتُ ببكاء أهله إذا أوصَى بذلك. كُتِبَ على جبهةِ الميت أو عمامتِهِ أو
كفنِهِ عَهْد نامَهْ.
[٧٦٨٨] (قولُهُ: إنما يُعذّبُ إلخ) قال بعضهم: يُعذَّبُ؛ لِما في الحديث: ((إِنَّ الميتَ
[٢/ق١٧٩ /أ) ليُعذَّبُ ببكاء أهله عليه))(١)، وقال عامَّةُ العلماء: لا؛ لقوله تعالى:
﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام - ١٦٤]، وتأويلُ الحديث أَنَّهم في ذلك الزمان كانوا يوصون
بالّوح، فقال عليه الصلاة والسلام ذلك، "بحر "(٢) عن "الظهيريَّة"(٣). وفي "شرح التكملة": ((أنَّ
المراد من الحديث الندبُ والنياحةُ، وعن "عائشة" رضي الله تعالى عنها أنَّ النبيَّوَ ◌ّ قال ذلك لَمَّا
مرَّ على قومٍ بيكون على يهودىٍّ، فقال: ((إنَّ لُيُعذّبُ وهم ييكون عليه))(٤)) اهـ "إسماعيل "(٥).
[٧٦٨٩) (قولُهُ: عَهْد نَامَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء، ومعناه بالفارسيَّة الرسالةُ، والمعنى: رسالةٌ
(قولُ "الشارح": إذا أوصى بذلك) وكذا إذا كان من عادةِ أهله ذلك ولم يُوصِهم بتركه؛ لأنّه
راضٍ بذلك. اهـ "سندي".
(١) أخرجه أحمد ٣١/٢، وعبد الرزاق (٦٦٧٥) كتاب الجنائز: باب الصبر والبكاء والنياحة، والبخاري (١٢٨٦) كتاب
الجنائز: باب قول النبي 8# : يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه، ومسلم (٩٢٨) كتاب الجنائز: باب الميت يعذب
ببكاء أهله عليه، والنسائي ١٨/٤-١٩ كتاب الجنائز: باب النياحة على الميت، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٧٣/٤
كتاب الجنائز: باب أنَّ الميت يعذب بالنياحة عليه، وابن حبان (٣١٣٥) و(٣١٣٦) كتاب الجنائز: فصل في أحوال
الميت في قبره، عن ابن عمر مرفوعاً. وفي الباب عن عمران بن الحصين تظلُه.
(٢) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠٧/٢.
(٣) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب السابع - الفصل الثالث في الجنائز وما يتعلق بها ق ٤٦/أ.
(٤) أخرجه مالك في "الموطأ" ٢٣٤/١ كتاب الجنائز - باب النهي عن البكاء على الميت، وأحمد ١٠٧/٦، والبخاري
(١٢٨٩) كتاب الجنائز - باب قول النبيلم ت: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه، ومسلم (٩٣١) و(٩٣٢)(٢٧)
كتاب الجنائز - باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، والنسائي ١٧/٤ - ١٨ كتاب الجنائز: باب النياحة على الميت،
وابن ماجه(١٥٩٥) کتاب الجنائز: باب ما جاء في المیت یعذب بما نیح علیه، وابن حبان(٣١٢٣) كتاب الجنائز:
فصل في أحوال الميت في قبره.
(٥) "الإِحکام": کتاب الصلاة - باب الجنائز ٢/ق٦٢/ب.

قسم العبادات
٣٨٠
حاشية ابن عابدين
يُرجَى أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ للميت. أوصى بعضُهم أنْ يُكتَبَ في جبهتِهِ وصدره: بسم الله
الرحمن الرحيم ففُعِلَ ، ثمَّ رُؤِيَ في المنام، فسُئِلَ فقال: لَمَّا وُضِعْتُ في القبر
جاءتني ملائكةُ العذاب، فلمَّا رأوا مكتوباً على جبهتي بسم الله الرحمن الرحيم
قالوا: أَمِنْتَ من عذاب الله تعالى.
العهد، والمعنى أنْ يُكَبَ شيءٌ مما يدلُّ أَنَّه على العهدِ الأزليِّ الذي بينه وبين ربِّه يوم أخَذَ الميثاقَ
من الإيمان والتوحيدِ والتبرُّكِ بأسمائه تعالى ونحو ذلك، "ح"(١).
مطلبٌ في ما يُكتَبُ على كفنِ الميت
[٧٦٩٠] (قولُهُ: يُرجَى إلخ) مُفادُهُ الإِباحةُ أو الندب، وفي "البزَّازِيَّة"(٢) قبيل كتاب الجنايات:
((وذكَرَ الإِمام "الصفَّارُ": لو كُتِبَ على جبهةِ الميت أو على عمامته أو كفنه عَهْد نامَهْ يُرجَى أنْ
يَغْفِرَ الله تعالى للميت ويجعلَهُ آمناً من عذاب القبر، قال "نصيرٌ": هذه روايةٌ في تجويزِ ذلك، وقد
رُوِيّ أَنَّ كان مكتوباً على أفخاذٍ أفراسٍ في إصطبلٍ "الفاروق": حَبِيسٌ في سبيل الله تعالى(٣))اهـ.
وفي "فتاوى المحقّقِ ابن حجرٍ" المكيّ(٤) الشافعيِّ: ((سُئِلَ عن كتابة العهد على الكفن= وهو:
لا إلهَ إلاَّ الله والله أكبر، لا إله إلاَّ الله وحدَهُ لا شريك له، له الملك وله الحمد، لا إله إلاَّ الله،
ولا حولَ ولا قوَّةً إلاّ بالله العليِّ العظيم، وقيل: إنَّه: اللهمَّ فاطرَ السموات والأرض، عالِمَ الغيب
والشهادة، الرحمن الرحيم، إنّي أعهدُ إليك في هذه الحياةِ الدنيا أنّي أشهدُ أنَّك أنت اللـه
لا إله إلاَّ أنت وحدك لا شريك لك، وأنَّ محمَّدً عبدُكَ ورسولُكَ﴿، فلا تَكِلْني إلى نفسي تقرّني
من الشرِّ وتُبعِدُني من الخير، وأنا لا أَثْقُ إلاَّ برحمتك، فاجعل لي عهداً عندك توفّينيه يومَ القيامة،
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ق ١١٢/ب.
(٢) "البزازية": كتاب الاستحسان ٣٧٩/٦ - ٣٨٠ بتصرف يسير (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) ذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" برقم (٣٥٧٧٤) وعزاه إلى ابن سعدٍ، مِن حديث السائب بن يزيد
(٤) "الفتاوى الكبرى الفقهية": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٢/٢.

الجزء الخامس
٣٨١
باب صلاة الجنائز
إِنَّك لا تُخْلِفُ الميعاد - هل يجوز، ولذلك أصلٌ؟ فأجاب بقوله: نقَلَ بعضُهم عن "نوادر
الأصول"(١) لـ "الترمذيِّ" ما يقتضي أنَّ هذا الدعاءَ له أصلٌ، وأنَّ الفقيهَ "ابن عُجَيْلٍ"(٢) كان
يأمرُ [٢/ق١٧٩ /ب] به، ثمَّ أفتى بجوازٍ كتابته قياساً على كتابة: للَّهِ في إبل الزكاة، وأقرَّهُ
بعضُهم، وفيه نظرٌ، وقد أفتى "ابن الصلاح"(٢) بأنّه لا يجوزُ أنْ يُكتَبَ على الكفن يس
والكهفُ ونحوُهما خوفاً من صديدِ الميت، والقياسُ المذكور ممنوعٌ؛ لأنَّ القصد ثَمَّ التمييزُ
وهنا التبرُّكُ، فالأسماءُ المعظّمة باقيةٌ على حالِها، فلا يجوزُ تعريضها للنجاسة، والقولُ بأنّه
يُطلَبُ فعلُهُ مردودٌ؛ لأنَّ مثل ذلك لا يُحتَجُّ به إلاّ إذا صحَّ عن النبيِّ﴿ طلبُ ذلك، وليس
کذلك)) اهـ.
وقدَّمنا(٤) قبيل بابِ المياه عن "الفتح": ((أَنَّه تكره كتابةُ القرآن وأسماءِ الله تعالى على
الدراهم والمحاريب والجدران وما يُفرَشُ))، وما ذاك إلاَّ لاحترامِهِ وخشيةِ وطئه ونحوِهِ مما فيه
إهانةٌ، فالمنعُ هنا بالأَّولى ما لم يَثْبُتْ عن المجتهد، أو يُنقَلْ فيه حديثٌ ثابتٌ، فتأمَّل. نعم نقَلَ بعض
المحشِّين عن "فوائد الشرجيِّ" (٥): ((أنَّ مما يُكتَبُ على جبهةِ الميت بغير مِدادٍ بالأصبع المسبِّحة:
بسم الله الرحمن الرحيم، وعلى الصدر: لا إله إلاَّ الله، محمَّدٌ رسولُ الله، وذلك بعد الغَسل قبل
التكفين)) اهـ. والله أعلم.
(١) "نوادر الأصول": الأصل الرابع والستون صـ٢١٧ -، لأبي عبدالله محمد بن علي بن الحسن المعروف بالحكيم
الترمذيّ (توفي نحو ٣٢٠ هـ). ("كشف الظنون"١٩٧٩/٢، "طبقات السبكي"٢٤٥/٢، "الأعلام"٢٧٢/٦).
(٢) أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن عُجَيْل الْيَمَنيّ الشافعيّ(ت ٦٤٦هـ). ("هدية العارفين" ١١/١).
(٣) انظر "فتاوى ومسائل ابن الصلاح": ٢٦٢/١.
(٤) المقولة [١٥٥٨] قوله: ((يحرر)).
(٥) لم نعثر على النقل في "الفوائد والصلات والعوائد": لأحمد بن أحمد بن عبد اللطيف، شهاب الدين الشَّرْجِيّ الزَّبيديّ
الحنفيّ(ت ٨٩٣ هـ). ("كشف الظنون"١٣٠٣/٢، "الضوء اللامع" ٢١٤/٢).

قسم العبادات
٣٨٢
حاشية ابن عابدين
﴿بابُ الشَّهيد﴾
فَعِيْلٌ بمعنى مفعول؛ لأَنَّه مشهودٌ له بالجنّة، أو فاعلٌ؛ لأَنَّه حيٌّ عند ربِّهِ، فهو شاهدٌ.
(هو كلُّ مكلَّفٍ ..
﴿بابُ الشَّهِيدِ﴾
أخرَجَهُ من صلاةِ الجنازة مبوِّباً له مع أنَّ المقتول ميتٌ بأجلِهِ لاختصاصه بالفضيلة التي
ليست لغيره، "نهر"(١).
[٧٦٩١] (قولُهُ: فَعِيلٌ إلخ) وهو إمَّا من الشُّهود - أي: الحضورِ - أو من الشَّهادة، أي:
٦٠٧/١ الحضورِ مع المشاهدة بالبصر أو بالبصيرة، "قُهُستاني"(٢).
[٧٦٩٢) (قولُهُ: لأَنَّه مشهودٌ له بالجنَّةِ) أفادَ أَنَّه من بابِ الحذف والإيصالِ، حذَفَ اللامَ
فاستَرَ الضميرُ المجرور، "ح"(٣). وهذا على أنَّه من الشَّهادة، وأمَّا على أنّه من الشُّهود فلأنَّ
الملائكة تَشهَدُه إكراماً له.
[٧٦٩٣] (قولُهُ: لأَنَّ حِيٌّ إلخ) هذا على أنّه من الشُّهود، وأمَّا على أنَّه من الشَّهادة فلأنَّ عليه
شاهداً يَشْهَدُ له - وهو دمُّهُ وجرحُهُ - أو لأَنَّه شاهدٌ على مَنْ قَتَلَهُ بالكفر.
[٧٦٩٤] (قولُهُ: هو إلخ) أي: الشهيدُ في العُرف ما ذكَرَ، وهو تعريفٌ له باعتبارِ الحكم
الآتي (٤) - أعني: عدمَ تغسيلِهِ ونزعٍ ثيابه - لا لمطلقِهِ؛ لأَنَّ أعمُّ من ذلك كما سيأتي(٥).
[٧٦٩٥] (قولُهُ: كلُّ مكلَّفٍ) هو البالغُ العاقلُ، خرَجَ به الصبيُّ والمجنونُ، [٢/ ق ١٨٠ /أ]
فُيُغْسَلان عنده خلافاً لهما؛ لأنَّ السيف أغْنَى عن الغَسل لكونه طُهْرةً ولا ذنبَ للصبيِّ
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الشهيد ق ٩٧/أ.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في الشهيد ١٧٩/١.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب الشهيد ق ١١٢/ب.
(٤) صـ ٣٩٠ - "در".
(٥) صـ٣٩٧ - وما بعدها "در".

الجزء الخامس
٣٨٣
باب الشهید
مسلمٍ ظاهرٍ)
ولا للمجنون، وهذا يقتضي أنْ يُقَّدَ المجنونُ من بلَغَ كذلك، وإلاَّ فلا خفاءَ في احتياجه
إلى ما يُطهِّرُ ما مضى من ذنوبه، إلاَّ أنْ يقال: إذا مات على جنونه لم يؤاخذ بما مضى لعدم
قدرته على التوبة، "بحر"(١). ولا يخفى أنَّ هذا مُسلَّمٌ فيما إذا جُنَّ عقبَ المعصية؛ أمَّا لو مضى
بعدها زمنٌ يَقدِرُ فيه على التوبةِ فلم يفعل كان تحتَ المشيئة، "نهر " (٢).
[٧٦٩٦) (قولُهُ: مُسلِمٍ) أمَّ الكافرُ فليس بشهيدٍ وإِنْ قُثِلَ ظلماً، فلقريِهِ المسلمِ تغسيلُهُ كما
مرَّ(٣)، وما في "ط"(٤) عن "القُهُستانيِّ" غيرُ ظاهرٍ.
[٧٦٩٧) (قولُهُ: طاهرٍ) أي: ليس به جنابةٌ ولا حيضٌ ولا نفاسٌ ولا انقطاعُ أحدِهما كما
هو المتبادرُ، فإذا استُشهدَ الجنبُ يُغْسَلُ، وهذا عنده خلافاً لهما، فإذا انقطَعَ الحيضُ والنفاسُ
واستُشهِدَتْ فعلى هذا الخلافِ، وإن استُشهِدَتْ قبل الانقطاع تُغْسَلُ على أصحِّ الروايتين عنه كما
في "المضمرات"، "قُهُستاني" (٥).
وحاصلُهُ: أَنَّها تُغسَلُ قبل الانقطاع في الأصحِّ كما بعدَهُ، وفي روايةٍ لا تُغْسَلُ قبله؛
لأنَّ الغُسل لم يكن واجباً عليها كما لو انقطَعَ قبل الثلاث فإنَّها لا تُغْسَلُ بالإجماع كما
في "السِّراج"(٢) و"المعراج".
(١) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٣/٢ بتصرف.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب الشهيد ق٩٧/ب.
(٣) صـ٣٢٣ - "در".
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٣٨٤/١ وعبارته: ((((قوله: مسلم)) احترز به عن الكافر فيغسل، وفيه: أنه
لا يجب غسل كافر أصلاً، وإنما يباح غسل كافر غير حربي له وَلِيٌّ مسلم. قهستاني عن "المضمرات"، فيحمل قوله:
[أي: قول القهستاني]: (فيغسل) على الجواز لا الوجوب)) اهـ "ط".
وفيه: أن القهستاني نقل ذلك عن الجلاّبي لا "المضمرات". وانظر"جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل الشهيد ١٧٩/١.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل الشهيد ١٧٩/١ بتصرف يسير.
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١/ق ٣٧٥/أ بتصرف.

قسم العبادات
٣٨٤
حاشية ابن عابدين
فالحائضُ إِنْ رَأَتْ ثلاثةَ أيَّامٍ غُسِّلَتْ، وإلاّ لا لعدم كونها حائضاً، ولم يُعِدْ عليه
السلامُ غَسلَ "حنظلةَ" لحصولِهِ بفعل الملائكة بدليل قصَّةِ آدمَ.
[٧٦٩٨] (قولُهُ: فالحائضُ) المرادُ بها مَن كانت من ذواتِ الحِيَضِ لا مَن أَتَّصفَتْ بالحيض لئلاً
ينافيَ قوله: ((لعدمِ كونها حائضاً))، فافهم. واقتصَرَ في التفريع على بعض أفراد المحترزات لخفائه
لِما فيه من التفصيل، ولم يُفصِّلْ فِي النَّفساء لأنَّ الّفاس لا حدَّ لأقُلُّه.
[٧٦٩٩) (قولُهُ: وإلاّ لا) أي: وإنْ لم تره ثلاثةَ أَيَّامٍ لا تُغْسَلُ بالإجماع كما نقلناه(١) آنفاً عن
"السِّراج" و "المعراج"، فما في "الإمداد "(٢): ((من أنَّ الحائض تُغْسَلُ سواءٌ كان القتلُ بعد انقطاع
الدَّم أو قبل استمراره ثلاثةَ أيامٍ)) فيه سهوٌ أو سقطٌ، وصوابُهُ: أو قبله بعد استمراره إلخ، فتنبّه.
[٧٧٠٠) (قولُهُ: ولم يُعِدْ إلخ) استدَلَّ "الإِمام" على وجوبِ الغَسل لمن قُتِلَ جنباً بما صحَّ
عنه ◌َّ أَنَّه قال لَمَّا قُتِلَ "حنظلةُ بن أبي عامرِ الثقفيُّ": ((إنَّ صاحبكم "حنظلةَ" تَغْسِلُهُ الملائكة))،
فسألوا زوجته فقالت: خرَجَ وهو جنبٌ، فقال عليه الصلاة والسلام: [٢/ق ١٨٠ /ب] ((لذلك
غسَلْهُ الملائكة))(٣)، وأورد الصاحبان أنَّه لو كان واجباً لوجَبَ على بني آدم ولَمَا اكْتُفِيَ بفعل
الملائكة، والجوابُ بالمنع، وهو ما أشار إليه "الشارح" من أنَّه يحصلُ بفعلهم بدليل قصَّةِ آدمَ
المارَّة(٤)؛ لأنَّ الواجب نفسُ الغَسل، فأمَّا الغاسلُ فيجوز أنْ يكون أيّاً كان كما في "المعراج"،
واعترضَهُ في "البحر"(٥): ((بأنَّ هذا الغَسل عنده للجنابة لا للموت)) اهـ.
أي: وإذا كان للجنابة كما هو ظاهرُ قوله في الحديث: ((لذلك غَسََّتْهُ الملائكة)) لم يَحسُن
(١) المقولة [٧٦٩٧] قوله: ((طاهر)).
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب أحكام الشهيد ق ٣٣٤/أ.
(٣) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ١٥/٤ كتاب الجنائز: باب الجنب يستشهد في المعركة، قال النووي
في "خلاصة الأحكام" ٩٤٩/٢: ((رواه البيهقي مرسلاً ومتصلاً، وإسناده جيد))، وفي الباب عند الحاكم
عن عبد الله بن مسعودتڅ.
(٤) المقولة [٧٣١٥] قوله: ((وفي "الاختيار" )).
(٥) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٣/٢.

الجزء الخامس
٣٨٥
باب الشهید
(قُتِلَ ظلماً)
الاستدلالُ بقصَّةِ الملائكة؛ لأنَّ تغسيلهم لآدمَ كان للموت لا للجنابة، لكنْ فيه أنَّه إذا وجَبَ
للجنابة كان كوجوبِهِ للموت، فدلَّت القصة على الاكتفاءِ بفعل الملائكة، لكنْ تقدَّمَ(١) في بحث
الغُسل أنَّ الميت لو وُجِدَ في الماء لا بدَّ من تغسيلِهِ؛ لأَنَّا أُمِرْنا به، فيحرِّكُهُ في الماء بنَّته لإسقاط
الفرض عن ذمَّةِ المكلَّفين لا لطهارته، فلو صلَّى عليه بلا إعادةٍ لغسلِهِ صحَّ وإنْ لم يَسقُطْ عنهم
الوجوبُ، ومقتضاه أنَّه لا يُكنَفَى بفعل الملائكة، إلاَّ أنْ يُفرَّقَ بأَنَّه واجبٌ على المكلَّفين إذا لم
يَغْسِلِه غيرُهم لقيام فعله مَقامَ فعلهم، ولذا صحَّ تغسيلُ الذِّيِّ أو الصبيِّ لمسلمٍ مات بين نساءٍ ليس
معهنَّ سواهما كما مرَّ(٢)، على أنَّ فعل الملائكة بإذن من الله تعالى ، فهو إذنٌ من صاحبِ الحقِّ
بالاكتفاء عن فعلِ المكلّفين، ولا سيّما على القول بتكليفهم وبعثةِ نبًِّا وَ ﴿ إليهم، والقصةُ والحديثُ
دليلان على الاكتفاء بفعلهم، وأمَّا وقوعُهُ في الماء فليس فيه تغسيلٌ من أحد، فلم يَسقُط الفرض
عنهم وإِنْ حصلت الطهارةُ كما لو غسَلَهُ مكلَّفٌ بلا نيَّةٍ فإنَّه يُجري لطهارته لا لإسقاطِ الفرض
عن ذمَّتنا، فتصحُّ الصلاةُ عليه وإنْ لم يسقط الفرضُ عنّا، فلذا وحَبَ إعادةُ غَسلِ الغريق أو تحريكُهُ
عند إخراجه بنيّةِ الغَسل فيكونُ فعلاً منَّا، فيسقطُ به الفرض عنَّا؛ إذ بدونه لم يَحصُل فعلٌ منّا
ولا ممن نابَ عنَّا، فَتَّضَحَ الفرقُ، هذا ما ظهَرَ لي، فاغتنمه فإنَّه نفيسٌ.
[٧٧٠١] (قولُهُ: قُتِلَ ظلماً) لم يقل: قتَلَهُ مسلمٌ كما في "الكنز"(٣) لأنَّ النّمِّيَّ كذلك، وَّدَ
بالقتلِ لأَنَّه لو مات [٢/ق ١٨١ / أ] حتْفَ أتْفِهِ أو بتَرَدِّ أو حَرَقٍ أو غَرَقٍ أو هدمٍ لم يكن شهيداً في
حكم الدنيا وإنْ كان شهيدَ الآخرةِ كما سيأتي(٤)، وبقوله: ((ظلماً)) لِما يأتي(٥) من أَنَّه لو قُتِلَ
(١) المقولة [٧٣١٤] قوله: ((وتعليله)).
(٢) المقولة [٧٣٢٢] قوله: ((يهمه المحرم)).
(٣) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٨٢/١.
(٤) ص - ٣٩٨ - "در".
(٥) صـ٣٩٢ - وما بعدها "در".

قسم العبادات
٣٨٦
حاشية ابن عابدين
بغيرِ حقّ (بحارِحةٍ) أي: بما يُوجِبُ القصاصَ (ولم يَجِبْ بنفسِ القتل مالٌ) بل قصاصٌ،
بحدِّ أو قصاصٍ مثلاً لا يكونُ شهيداً فيُغسَلُ، ودخَلَ فيه المقتولُ مدافعاً عن نفسِهِ أو مالِهِ
٦٠٨/١ أو المسلمين أو أهلِ الذمَّة، فإنّه شهيدٌ، لكنْ لا يُشترَطُ كونُ قتِلِهِ محدَّدٍ كما في "البحر"(١) عن
"المحيط"، واستشكَلَهُ في "النهر"(٢)، ويأتي جوابُهُ(٣).
[٧٧٠٢)] (قولُهُ: بغيرِ حقِّ) تفسيرٌ لقوله: ((ظلماً)).
(٣ ٧٧ ) (قولُهُ: بِجارحةٍ) أي: خلافاً لهما كما في "النهاية" ، وهذا قيدٌ في غيرِ مَن قَلَهُ باغٍ
أو حربيٌّ أو قاطعُ طريقٍ بقرينةِ العطف الآتي(٤)، واحترَزَ بها عن المقتول بمثقَّلٍ، فإِنَّه لا يُوجِبُ
القصاصَ عنده.
[٧٧٠٤) (قولُهُ: أي: بما يُوجِبُ القصاصَ) أي: فالمرادُ بها ما يُفرِّقُ الأجزاءَ، فيدخُلُ فيه النارُ
والقصبُ كما في "الفتح"(٥).
[٧٧٠٥) (قولُهُ: بل قصاصٌ) أي: بل وجَبَ به قصاصٌ، أشارَ به إلى أنَّ وضع المسألة فيمَن
عُلِمَ قاتُهُ كما صرَّحَ به شُرَّاحِ "الهداية " (٦)؛ إذ لا قصاصَ إلاَّ على قاتلٍ معلومٍ خلافاً لِما زعَمَهُ
"(صدر الشريعة"(٧) كما حقَّقَهُ في "الدُّرر"(٨)، أمَّا إذا لم يُعَلَمْ قَاتُهُ فسيأتي(٩) أَنَّه يُغْسَلُ، لكنْ كان
عليه أنْ يزيد: أو لم يَجِبْ به شيءٌ أصلاً كقتلِ الأسيرِ مثلَهُ في دارِ الحرب عند "أبي حنيفة"، وقتلٍ
السيِّدِ عبدَهُ عند الكلِّ كما في "شرح المنية"(١٠).
(١) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٢/٢ بتصرف.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب الشهيد ق٩٧/ب.
(٣) المقولة [٧٧١٠] قوله: ((أو قاطع طريق)).
(٤) صـ٣٨٨ - وما بعدها "در".
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٠٣/٢.
(٦) انظر "الفتح" و"العناية" و"الكفاية": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٠٩/٢، و"البناية" ٣٢٦/٢.
(٧) "شرح الوقاية": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٩٥/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٨) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٦٩/١.
(٩) صـ ٣٩١ - وما بعدها "در".
(١٠) "شرح المنية الكبير": فصل في الجنازة صـ ٥٩٩ -.

الجزء الخامس
٣٨٧
باب الشهید
حتّى لو وحَبَ المالُ بعارضٍ كالصلح، أو قَتَلَ الأبُ ابنَهُ لا تسقُطُ الشهادةُ (ولم
يُرتَثّْ) فلو ارْتُثَّ غُسِّلَ كما سيجيءُ.
[٧٧٠٦) (قولُهُ: حَتَّى لو وجَبَ إلخ) تفريعٌ على مفهوم قوله: ((بنفسِ القتل))، فإنَّ المال
لم يَجِبْ بنفسِ القتل العمد؛ لأنَّ الواجب به القصاصُ، وإنما سقَطَ بعارضٍ وهو الصلحُ أو شبهة
الأبوَّة، فلا يُغْسَلُ في الرِّوايةِ المختارة كما في "الفتح"(١).
فالحاصلُ: أَنَّه إذا وجَبَ بقتله القصاصُ - وإِنْ سقَطَ لعارضٍ - أو لم يجب بقتلِهِ شيءٌ أصلاً
فهو شهيدٌ كما علمتَهُ، أمّا إذا وجَبَ(٢) به المالُ ابتداءً فلا، وذلك بأنْ كان قتلُهُ شبه العمد كضربٍ
بعضاً أو خطأً كرمي غرضٍ فأصابَهُ، أو ما حَرَى مَجراه كسقوطٍ نائمٍ عليه، وكذا إذا وجَبَ به
القَسَامةُ لوجوب المال بنفس القتل شرعاً، وكذا لو وُجِدَ مذبوحاً ولم يُعَلَمْ قَاتُهُ سواءٌ وجَبَتْ فيه
القَسَامةُ أوْ لا، هو الصحيح لاحتمال أنَّه لم يُقتَلْ ظلماً كما سيأتي(٣)، وهو الذي حقَّقَهُ في "شرح
الدُّرر"(٤). اهـ ملخّصاً من "القُهُستانيِ" (٥) و"شرح المنية"(٦).
[٧٧٠٧) (قولُهُ: أو قَْلِ الأبِ ابنَهُ) أو قتِهِ شخصاً آخرَ يرُهُ الابنُ، "بحر"(٧). كما إذا قَتَلَ
زوجتَهُ وله منها ولدٌ فإنَّ الولد [٢/ق١٨١ /ب] استحقَّ القصاصَ على أبيه فيسقطُ للأبوَّة.
[٧٧٠٨] (قولُهُ: ولم يُرتَثَّ) بالبناءِ للمجهول وتشديدِ المثلّنة آخرَهُ، أشار إلى أنَّ شرط عدمٍ
الارتثاث ليس خاصًّاً بشهيدِ المعركة، ولذا لَمَّا قُتِلَ "عمرُ" و"عليّ" غُسِلًا؛ لأنّهما ارتْنَا، و"عثمانُ"
أُجِهِزَ عليه في مصرعه ولم يُرتَثَّ فلم يُغْسَل كما في "البدائع "(٨)، وسيجيءُ(٩) بيان الارتثاث.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٠٣/٢.
(٢) من ((بقتله القصاص)) إلى ((أما إذا وجب)) ساقط من "الأصل".
(٣) المقولة [٧٧١٩] قوله: ((ولم يعلم قاتله )).
(٤) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٦٩/١.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في الشهيد ١٨٠/١.
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل في الجنازة صـ ٥٩٩ - ٦٠٠ -.
(٧) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٢/٢ بتصرف.
(٨) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في الكلام على الشهيد ٣٢١/١.
(٩) صـ٣٩٣ - وما بعدها "در".

قسم العبادات
٣٨٨
حاشية ابن عابدين
(وكذا) يكونُ شهيداً (لو قتَلَهُ باغٍ أو حربيٌّ أو قاطعُ طريقٍ ولو) تَسَبُّباً أو (بغيرِ آلةٍ
جارحةٍ) فإنَّ مقتولَهم شهيدٌ بأيِّ آلةٍ قتلوه؛ لأنَّ الأصل فيه شهداءُ أُحُدٍ، ولم يكن
كُلُّهم قتيلَ سلاحٍ (أو وُجِدَ جريحاً ميتاً في معر كتهم)
[٧٧٠٩) (قولُهُ: وكذا يكون شهيداً إلخ) أي: بشرطِ أنْ لا يُرتَثَّ أيضاً.
[٧٧١٠] (قولُهُ: أو قاطعُ طريقٍ) والمكابرون في المصرِ ليلاً بمنزلة قُطَّاعِ الطريق كما
في "البحر"(١) عن "شرح المجمع"، فمَن قتلوه ولو بغيرِ محدَّدٍ فهو شهيدٌ كما لو قتَلَهُ القُطَّاع،
وكذا مَن قَتَلَهُ اللصوصُ ليلاً كما سيأتي(٢)، وذكَرَ في "البحر "(٣): ((أَنَّ زاد في "المحيط" سبباً رابعاً،
وهو مَن قُثُلَ مدافعاً ولو عن ذَمِّيٌّ، فإنَّه شهيدٌ بأيِّ آلةٍ قُتِلَ وإنْ لم يكن واحداً من الثلاثة))،
أي: ممن قَلَهُ باغٍ أو حربيٌّ أو قاطعُ طريقٍ، وقال في "النهر "(٤): ((كونُهُ شهيداً وإنْ قُتِلَ بغيرِ محدَّدٍ
مُشكِلٌ جدًّاً لوجوبِ الدِّية بقتله، فتدبَره مُمعِناً النظرَ فيه)) اهـ.
قلت: يمكنُ حمله على ما إذا لم يُعلَمْ قاتله عيناً كما لو خرَجَ عليه قُطَّاعُ طريقٍ أو لصوصٌ
أو نحوُهم، وفي "البحر"(٥) عن "المجتبى": ((إذا التَقَتْ سريّتان من المسلمين وكلُّ واحدةٍ ترى أنَّهم
مشركون فَأَجْلوا عن قتلى من الفريقين قال "محمَّدٌ": لا دِيةَ على أحدٍ ولا كفّارة؛ لأنّهم دافِعون
عن أنفسهم، ولم يَذكُر حكمَ الغَسل، ويجبُ أنْ يُغسَلوا؛ لأنَّ قاتلَهم لم يظلمهم)) اهـ.
ومُقَادُّهُ أَنَّ لو كانت إحدى الفرقتين ظالمةً للأخرى - بأنْ علموا حالَهم - لا يُغْسَلُ مَن قُتِلَ
من الأخرى وإِنْ جُهِلَ قاتلُهُ عيناً لكونه مُدافِعاً عن نفسه وجماعته، تأمَّل.
[٧٧١١) (قولُهُ: ولو تسبّاً) لأنَّ موته يكونُ مضافً إليهم، فلو أوطأوا داََّهم مسلماً، أو نَفِّروا
دابّةَ مسلمٍ فَرَمَتْهُ، أو رَمَوا ناراً في سفينةٍ فاحترقت ونحو ذلك فهو شهيدٌ، أمَّا لو قُتِلَ بانفلاتِ داَبَّةٍ
(١) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٢/٢.
(٢) المقولة [٧٧٢٠] قوله: ((كمن قتله اللصوص إلخ)).
(٣) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٢/٢.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب الشهید ق٩٧/ب.بتصرف يسير.
(٥) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٢/٢.

الجزء الخامس
٣٨٩
باب الشهید
المرادُ بالجراحة علامةُ القتل كخروج الدم من عينِهِ أو أذنِهِ أو حلقِهِ ..
...
مشركٍ ليس عليها أحدٌ، أو داَّةِ مسلمٍ، أو برمينا إليهم فأصابَهُ، أو نفَرَ المسلمون منهم فأجؤوهم
إلى خندقٍ أو نارٍ أو نحوِهِ فمات لم يكن شهيداً خلافاً لـ "أبي يوسف"؛ لأنَّ فعله يقطعُ النّسبةَ
إليهم، وتمامُهُ في "البحر"(١).
[٧٧١٢)] (قولُهُ: المرادُ بالجراحة علامةُ القتل) [٢/ق ١٨٢/أ] ليشملَ ما ذكَرَهُ من الجراحةِ
الباطنة وما ليس بجراحةٍ أصلاً كخنقٍ وكسرٍ عضوٍ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الأَولى قولُ "الهداية"(٢)
وغيرها: ((أو وُجِدَ في المعركة وبه أثّ) اهـ. فلو لم يكن به أثرٌ أصلاً لا يكونُ شهيداً؛ لأنَّ الظاهر
أَنَّه لشدَّةِ خوفِهِ انْخَلَعَ قلبُهُ، "فتح"(٣). أي: فلم يكن بفعلٍ مضافٍ إلى العدوِّ، "بدائع"(٤).
(٧٧١٣) (قولُهُ: كخروجِ الدَّم إلخ): أي إنْ كان الدَّمُ يخرُجُ من مخارقه يُنظَرُ: إنْ كان
موضعاً يُخْرُجُ منه الدَّمُ من غيرِ آفةٍ في الباطن كالأنف والذَّكَر والدُّبر لم يكن شهيداً؛ لأنَّ المرء
قد يُبْتَلَى بالرُّعاف، وقد يبولُ دماً لشدَّةِ الفزع، وقد يخرجُ الدَّمُ من الدبر من غيرِ جرحٍ في
الباطن، فوقَعَ الشكُّ في سقوط الغَسل فلا يسقُطُ بالشكِّ، وإنْ كان يخرجُ من أذنه أو عينه كان
شهيداً؛ لأنّه لا يخرجُ منهما عادةً إلاَّ لآفةٍ في الباطن، فالظاهرُ أَنَّه ضُرِبَ على رأسه حتَّى خرَجَ
منهما الدَّمُ، وإنْ كان يخرجُ من فمه فإنْ نزَلَ من رأسه لم يكن شهيداً، وإنْ كان يعلو من
جوفه كان شهيداً؛ لأَنَّه لا يصعدُ إلَّ لجرحٍ في الباطن، وإنما يُميّزُ بينهما بلون الدم، "بدائع"(٥).
٦٠٩/١ فالنازلُ من الرأسِ صافٍ، والصاعدُ من الجوف عَلَقّ، "جوهرة"(٦) و"فتح"(٧). والعَلَقُ الجامدُ،
(١) انظر "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١١/٢.
(٢) "الهداية": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٩٤/١.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٠٤/٢.
(٤) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في الكلام على الشهيد ٣٢٣/١ بتصرف.
(٥) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في الكلام على الشهيد ٣٢٣/١ بتصرف يسير.
(٦) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٣٥/١.
(٧) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٠٤/٢.

قسم العبادات
٣٩٠
حاشية ابن عابدين
صافياً، لا من أنفِهِ أو ذَكَرِهِ أو دُبُرِهِ أو حلقِهِ جامداً (فُنزَعُ عنه ما لا يَصلُحُ للكفن
ويُزادُ) إنْ نقَصَ ما عليه عن كفنِ السنّة (ويُنْقَصُ) إنْ زادَ (لِ) أجلِ أنْ (يَتِمَّ كفنُهُ)
المسنونُ (ويُصلَّى عليه بلا غَسلٍ ويُدفَنُ بدمِهِ وثیابِهِ).
واستشكلَهُ في "الفتح"(١): ((بأنَّ المرتقيَ من الجوف قد يكون رقيقاً من قرحةٍ في الجوف على ما
تقدَّمَ في الطهارة، فلا يلزمُ كونُهُ من جراحةٍ حادثةٍ، بل هو أحدُ المحتملات)) اهـ.
[٧٧١٤) (قولُهُ: صافياً) قيدٌ لقوله: ((أو حلقِهِ))، وكذا قولُهُ الآتي(٢): ((جامداً))، وفيه قلبٌ،
والصوابُ ذكرُ ((جامدٌ)) في الأوَّل، و((صافياً)) في الثاني كما عُلِمَ مما نقلناه آنفاً(٣).
[٧٧١٥) (قولُهُ: فَيُنْزَعُ عنه إلخ) شروعٌ في أحكامِهِ، والمرادُ بما لا يصلحُ للكفن مثلُ الفروِ
والحشوِ والقَلْسُوةِ والخفِّ والسلاحِ والدِّرع لا السراويلُ، فلا يُنزَعُ في الأشبهِ كما في "الهنديَّةُ"(٤)
عن "الهندوانيّ"، وكذا لا يُنَزَعُ الفروُ والحشوُ إذا لم يُوجَد غيره كما أفادَهُ في "الإِمداد" (٥).
[٧٧١٦) (قولُهُ: ويُزادُ إنْ نقَصَ) في "المحيط "(٦): ((قيل: إنَّ قولهم: يُزادُ ويُنقَصُ معناه: يُزادُ
﴿باب الشَّهيد﴾
(قولُهُ: واستشكَلَهُ في "الفتح" بأنَّ المرتقيَ إلخ) عبارةُ "الفتح": ((وأمَّا إِنْ ظهَرَ من الفم فقالوا: إن
عُرِفَ أَنَّه من الرأس - بأن يكون صافياً - غُسِلَ، وإن عُرِفَ أَنَّه من الجوف فيكونُ من جراحةٍ فيه
فلا يُغْسَلُ، وأنت علمتَ أنَّ المرتقيَ من الجوف قد يكون علقاً فهو سوداءُ بصورة الدَّم، وقد يكون
رقيقاً من قرحةٍ في الجوف على ما تقدَّمَ في الطهارة، فلم يلزم كونُهُ من جراحةٍ حادثةٍ، بل هو أحدُ
المحتملات)) اهـ. وبهذا تعلمُ ما في عبارة "المحشِّى".
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٠٤/٢.
(٢) في هذه الصحيفة "در".
(٣) في المقولة السابقة.
(٤) "الفتاوى الهندية": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٦٨/١.
(٥) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الشهيد ق ٣٣٣/ب.
(٦) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة - الفصل الثاني والثلاثون في الجنائز ١/ق١١٩/أ.

الجزء الخامس
٣٩١
باب الشهید
الحديث: ((زمِّلوهم بكُلومِهم)).
(ويُغسَّلُ مَن وُجِدَ قتيلاً في مصرٍ) أو قريةٍ (في ما).
ثوبٌ جديدٌ تكريماً، [٢/ق ١٨٢ /ب] ويُنقَصُ ما شاؤوا وإنْ كان ما عليه يبلغُ السنّة، وقيل:
يُزادُ إذا قلَّ، ويُنْقَصُ إذا كَثُرَ حَتّى يبلغَ السنّةَ))، وهذا أنسبُ بقوله: ((لَتِمَّ كفنُهُ))،
"قُهُستاني"(١). قال في "البحر"(٢): ((وأشار إلى أنَّه يكرهُ أنْ يُنزَعَ عنه جميعُ ثيابه ويُحدَّدَ
الكفنُ، ذكرَهُ "الإسبيجابيُّ")) اهـ.
[٧٧١٧) (قولُهُ: لحديثِ إلخ) أي: لقولِهِ ﴿ في شهداء أحدٍ: ((زَمِّلوهم بكلومهم ودمائهم))
رواه "أحمد"(٣)، كذا في "شرح المنية"(٤)، ثمَّ ذكَرَ دليلَ الصلاة عليه: ((أنه عليه الصلاة والسلام
صلَّى على شهداءِ أحدٍ))(٥)، وساقَ أحاديثَ وقال: ((كلٌّ منها إنْ سُلِّمَ أَنَّه لم يرتقِ إلى درجةٍ
الصحَّةِ فليس بنازل عن درجة الحسن، ومجموعُها مُرتقٍ إليها قطعاً، فتُعارِضُ ما في "البخاريِ"(٦)
عن "جابر"، وتُرجَّحُ عليه بأنَّها مُثبِتَةٌ وهو نافٍ))، وتمامُّهُ فيه، والتزميلُ اللغُّ، والكُلُوم جمعُ كَلْمٍ
يفتح فسكون: الجرح.
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في الشهيد ١٨٠/١ بتصرف يسير.
(٢) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٢/٢.
(٣) في "مسنده" ٤٣١/٥، والنسائي ٧٨/٤ كتاب الجنائز: باب مواراة الشهيد في دمه، والبيهقي في "السنن الكبرى"
١١/٤ كتاب الجنائز - باب المسلمون يقتلهم المشركون في المعترك عن عبد الله بن ثعلبة مظ انه مرفوعاً.
(٤) "شرح المنية الكبير": فصل في الجنازة صـ ٦٠١ -.
(٥) أخرجه الحاكم ١١٩/٢ كتاب الجهاد، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي وقال أيضاً: ((قلت:
أبو حماد هو المفضل بن صدقة، قال النسائي: متروك))، وقال أيضاً في "ميزان الاعتدال" (١٦٨/٤): ((قال عنه
يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك، وقال ابن عَدِيّ: ما أرى بحديثه بأساً، وكان أحمد بن محمد بن شعيب
يُثْنِي عليه ثناءً تاماً))، وقال ابن حبان في "المجروحين" (٢١/٣): ((كان ممن يخطئ حتى يروي عن المشاهير
الأشياء المناكير فخرج عن حَدِّ الاحتجاج به إذا انفرد، وفيما وافق الثقات، فإن اعتبر به معتبر لَمْ أَرَ بذلك بأساً))،
وفي الباب عند الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٦) في "صحيحه": (١٣٤٣) كتاب الجنائز: باب الصلاة على الشهيد.

قسم العبادات
٣٩٢
حاشية ابن عابدين
أي: في موضعٍ (تجبُ فيه الدِّيَةُ) ولو في بيتِ المال كالمقتول في جامعٍ أو شارعٍ
(ولم يُعلَمْ قاتلُهُ) أو عُلِمَ ولم يَجِبِ القصاصُ، فإنْ وجَبَ كان شهيداً كمَن قَتَلَهُ
اللصوصُ ليلاً في المصرِ، فإنَّه لا قَسامةَ ولا دِيةَ فيه للعلم بأنَّ قاتلَهُ اللصوصُ، غايةٌ
الأمر أنَّ عينه لم تُعَلَمْ، فليحفظ، فإنَّ الناس عنه غافلون (أو قُتِلَ بحدٍّ أو قصاصٍ) ..
[٧٧١٨) (قولُهُ: أي: في موضعٍ تجبُ فيه الدِّيةُ) فالمرادُ بالمصرِ والقريةِ ما يشملُ ما قَرُبَ
منهما، وخرَجَ ما لو وُجِدَ في مفازةٍ ليس بقربها عمرانٌ فإِنَّه لا تجبُ فيه قَسَامَةٌ ولا دِيّةٌ، فلا يُغسَلُ
لو وُجِدَ به أثرُ القتل كما في "البحر"(١) عن "المعراج".
[٧٧١٩) (قولُهُ: ولم يُعَلَمْ قَاتُهُ) أي: مطلقاً سواءٌ قُتِلَ بما يُوجِبُ القصاصَ أوْ لا لعدم تحقُّقِ
كون قتله ظلماً ولوجوبِ الدِّية، ولَمَّا كان مفهومُهُ أَنَّه إِنْ عُلِمَ لا يُغسَلُ مطلقاً أيضاً مع أنَّ
الإطلاق غيرُ مرادٍ فصَّلَ "الشارح": بأَنَّ إنْ عُلِمَ ولم يجب القصاصُ - بأنْ قُتِلَ مثقّلٍ أو خطأ -
فكذلك، أي: يُغْسَل، وإلاَّ فلا، وكأنَّ "المصنّف" أطلقَهُ عن التقييدِ استغناءً بما مرَّ(٢) من قوله: ((قُتِلَ
ظلماً إلخ)).
[٧٧٢٠) (قولُهُ: كمَن قَتَلَهُ اللصوصُ إلخ) أي: سواءٌ قُئِلَ بسلاحٍ أو غيره، وكذا مَن قَتَلَهُ
قُطِّعُ الطريق خارجَ المصر بسلاحٍ أو غيره فإِنَّه شهيدٌ؛ لأنَّ القتل لم يُخلّفْ في هذه المواضع بدلاً
هو مالٌ، "بحر"(٣) عن "البدائع"(٤)؛ لأنَّ مُوجَبَ قطع الطريق القتلُ لا المالُ كما في "البدائع"(٥).
[٧٧٢١] (قولُهُ: فليحفظ إلخ) أصلُ ذلك لـ "صاحب البحر "(٦)، حيث قال بعدَما مرَّ(٧)
(١) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٤/٢.
(٢) المقولة [٧٧٠١] قوله: ((قتل ظلماً إلخ )).
(٣) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٥/٢.
(٤) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في الكلام على الشهيد ٣٢١/١.
(٥) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في الكلام على الشهيد ٣٢١/١ بتصرف.
(٦) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٥/٢.
(٧) في المقولة السابقة.

الجزء الخامس
٣٩٣
باب الشهید
أي: يُغسَلُ، وكذا بتعزيرٍ أو افتراسِ سَبُعِ (أو حُرِحَ وارْتُثَّ) وذلك (بأنْ أَكَلَ
أو شَرِبَ أو نامَ أو تداوى)
عن "البدائع": ((وبهذا يُعلَمُ أنَّ مَن قَتَلَهُ اللصوصُ في بيته، ولم يُعلَمْ له قاتلٌ معيَّنٌ منهم لعدم
وجودِهم فإنّه لا قَسَامةَ ولا دِيةَ [٢/ ق١٨٣/أ] على أحدٍ؛ لأَنَّهما لا يَجبان إلاّ إذا لم يُعلَم
القاتلُ، وهنا قد عُلِمَ أنَّ قاتله اللصوصُ وإنْ لم يَتْبُتْ عليهم لفرارهم، فليحفظ هذا، فإنَّ الناس
عنه غافلون)) اهـ.
قلت: ووجهُ الغفلةِ إطلاقُ ما سيأتي(١) فِي القَسَامةِ من أَنَّه إذا وُجِدَ قتيلٌ في دارِ نفسِهِ فالدِّيةُ
على عاقلةٍ ورثته، ولم أر مَن فَيَّدَهُ هناك بما ذُكِرَ هنا، فلذا أكَّدَ في التنبيهِ عليه.
[٧٧٢٢) (قولُهُ: أي: يُغسَّلُ) أفادَ أَنَّه معطوفٌ على صلةِ ((مَن)) في قوله: ((ويُغسَلُ مَنْ وُجِدَ
إلخ))؛ لأنَّ هذا القتل ليس بظلمٍ(٢) وهو المناطُ، "إسماعيل"(٣).
(٧٧٢٣] (قولُهُ: أو جُرِحٌ) فعلٌ ماضٍ مبنىٌّ للمفعول، وهو عطفٌ على ((قُتِلَ))، وقولُهُ:
((وارتُثَّ)) بالبناء للمفعول، أي: حُمِلَ من المعركةِ رثيثً، أي: جريحاً، وفي "النهاية"(٤): ((الرَّثُّ:
البالي الخَلَقُ))، أي: صارَ خَلَقاً في الشهادة، ومعناه الشرعيُّ ما أفادَهُ بقوله: ((بأنْ أُكَلَ إلخ))،
"نهر"(٥). لأَّه حصَلَ له بذلك رفقٌ من مرافقِ الحياة، فلم تبق شهادتُهُ على جِدَّتِها وهيئتِها
(قولُهُ: وبهذا يُعلَمُ أنَّ مَن قَتَلَهُ اللُّصوص في بيته إلخ) هذا إذا ادَّعى أنَّهم أو بعضَهم قاتلوه،
وإلاَّ وجبت القَسامةُ على أهل المحلَّة والدِّيةُ على عواقلهم، كما لو اجتمعوا بالسُّيوف وتفرَّقوا
عن قتيلٍ فإنَّ القسامة لا تسقط عن أهل المحلّة ما لم يَدَّعِ الوليُّ القتلَ على المتفرِّقين أو على بعضهم،
فإن ادَّعى كانت كمسألة اللصوص وكان القتيلُ شهيداً. اهـ "رحمتي". اهـ "سندي".
(١) المقولة [٣٥٩٩٣] قوله: ((وإن وجد قتيلٌ)).
(٢) ((بظلم)) ساقطة من "آ".
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٢/ق٦٨/أ.
(٤) "النهاية في غريب الحديث": مادة ((رثث)) ١٩٥/٢ بتصرف.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب الشهيد ق٩٧/ب.

قسم العبادات
٣٩٤
حاشية ابن عابدين
ولو قليلاً (أو أوى خيمةً أو مَضَى عليه وقتُ صلاةٍ وهو يَعقِلُ) ويَقدِرُ على أدائها
التي كانت في شهداء أحدٍ الذين هم الأصلُ في حكمه؛ لأنَّ ترك الغَسلِ على خلاف القياسِ
المشروعِ في حقِّ سائرِ أموات بني آدم، فيُراعَى فيه جميعُ الصفات التي كانت في المقيسِ
عليه، وتمامُهُ في "شرح المنية" (١).
[٧٧٢٤] (قولُهُ: ولو قليلاً) يرجعُ إلى الأربعةِ قبله، أفادَهُ في "البحر "(٢)، "ط"(٣).
[٧٧٢٥] (قولُهُ: أو أوى خيمةٌ) بالمدِّ والقصر، يتعدَّى بإلى، وأنكَرَ بعضُهم تعديتَهُ
بنفسه، وقال "الأزهريُّ" (٤): ((إنَّها لغةٌ فصيحةٌ كما ذكَرَهُ "ابن الأثير"(٥)))، أفادَهُ
"القُهُستانيُّ)(٦)، والمرادُ هنا ما إذا ضُرِبَتْ عليه خيمةٌ وهو في مكانه، وإلاَّ فهي مسألةُ النقل
من المعركة، أفادَهُ في "البحر"(٧).
[٧٧٢٦) (قولُهُ: وهو يَعقِلُ) فلو لم يَعقِل لا يُغسَلُ وإِنْ زاد على يومٍ وليلةٍ، "بحر "(٨).
[٧٧٢٧] (قولُهُ: ويَقدِرُ على أدائها) كذا قَّدَهُ "الزيلعيُّ" (٩) وقال: ((حتَّى يجبُ عليه
القضاءُ بتركها، فيكون بذلك من أحكامِ الدنيا))، وتَبِعَهُ في "الدُّرر"(١٠)، قال في "الفتح"(١١).
(١) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في الجنازة صـ ٦٠١ -.
(٢) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٣/٢.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٣٨٦/١.
(٤) "تهذيب اللغة": مادة ((أوى)) ٦٥٠/١٥.
(٥) "النهاية في غريب الحديث": مادة ((أوى)) ٨٢/١.
(٦)"جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في الشهيد ١٨١/١.
(٧) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٤/٢.
(٨) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٤/٢.
(٩) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٢٤٩/١.
(١٠) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٧٠/١.
(١١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٠٨/٢.

الجزء الخامس
٣٩٥
باب الشهید
(أو نُقِلَ من المعركة) وهو يَعقِلُ، سواءٌ وصَلَ حيّاً أو ماتَ على الأيدي، وكذا لو
قامَ من مكانه إلى مكان آخر، "بدائع"(١) (لا لخوفِ وطءِ الخيل، أو أوصى بأمورٍ
الدنيا، وإنْ بأمورِ الآخرة لا) يصيرُ مُرتثاً (عند "محمَّدٍ".
((والله أعلم بصحَّتِهِ))، وتمامُهُ في "البحر"(٢).
[٧٧٢٨] (قولُهُ: أو نُقِلَ من المعركةِ) أو من المكانِ الذي جُرِحَ فيه كما في "الينابيع"،
"إسماعيل"(٣).
[٧٧٢٩) (قولُهُ: وكذا إلخ) أي: بالأولى.
[٧٧٣٠] (قولُهُ: لا لخوفِ وطءِ الخيل) قيدٌ لقوله: ((أو نُقِلَ من المعركة))، فحينئذٍ
[٢/ق ١٨٣/ب] لا يكونُ النقلُ منافياً للشهادة، وهذا القيدُ مذكورٌ في "شرح الزيادات" (٤)
(قولُهُ: وتمامُهُ في "البحر") عبارته بعد قوله: بصحَّته: ((وفيه إفادةُ أَنَّه إذا لم يَقدِر على الأداء
لا يجبُ القضاء، فإنْ أراد إذا لم يقدر للضَّعف مع حضور العقل فكونُهُ يسقُطُ به القضاءُ قولُ طائفةٍ،
والمختارُ - وهو ظاهر كلامه في باب المريض - أنَّه لا يسقط، وإن أراد لغَيةِ العقل فالمغمى عليه يقضي ما
لم يَزِدْ على صلاةٍ يومٍ وليلةٍ، فمتى يسقط القضاء مطلقاً لعدم قدرة الأداء من الجريح؟!)) اهـ. وقد
يقال: إنَّ مراده الأوَّلُ، وكونُ عدم القدرة للضعف لا يُسقِطُ القضاءَ على الصحيح هو فيما إذا قدَرَ
بعده، أمَّا إذا مات على حاله فلا إثمَ لعدم قدرته عليها بالإِيماء.
(قولُهُ: وهذا القيدُ مذكورٌ في "شرح الزِّيادات" إلخ) أشارَ بالعَزْوِ لهذه الكتب لاعتماده وعدمِ
الالتفات لِما ذكرَهُ في "الغاية" بقوله: ((لا نُسلِّمُ أنَّ الحمل من المصرع ليس راحةٌ)).
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في الكلام على الشهيد ٣٢١/١ بتصرف.
(٢) انظر "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٣/٢.
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٢/ق٦٨/أ.
(٤) "الزيادات": للإمام محمد بن الحسن الشيباني، ولها شروح عديدة لم يتبين لنا المراد منها هنا. (انظر"كشف الظنون
٩٦٢/٢-٩٦٣).

قسم العبادات
٣٩٦
حاشية ابن عابدين
وهو الأصحُّ) "جوهرة"(١)؛ لأنّه من أحكامِ الأموات (أو باعَ أو اشترى
و"الكافي"(٢) و"المنيع" و"ابن ملكٍ" و"غرر الأذكار"(٣) و"الزيلعيّ"(٤) و"الدُّرر"(٥) وغيرها،
"إسماعيل"(٩). وكذا في "الهداية"(٧) و"البدائع"(٨) معلّلاً ((بأَنَّه ما نالَ شيئاً من راحةٍ الدنيا)).
٦١٠/١
[٧٧٣١) (قولُهُ: وهو الأصحُّ) ذكَرَ في "البحر"(٩) عن "المحيط": ((أنَّ الأظهر أَنَّه لا خلافَ،
فقولُ "أبي يوسف": إنّه يكونُ (١٠) مُرتَثً فيما إذا أوصى بأمورِ الدنيا، وقولُ "محمَّدٍ" بعدمه فيما إذا
أوصى بأمورِ الآخرة كما في وصيّةٍ "سعد بن الربيع"))، وجزَمَ به في "النهر"(١١)، وذكَرَ "ط)" (١٢)
وصيّةً "سعدٍ" عن "سيرة الشاميِّ"(١٣)، حاصلُها: ((أَنَّ رسول الله ◌َ ﴿ أَرسَلَ إليه مَن ينظرُ حَلَهُ،
فقال: إنّي في الأموات، فأبِلِغْ رسول الله {﴿ عني السلامَ وقل له: إنَّ "سعد بن الربيع" يقول:
جزاك الله عنَّا خيرَ ما جزى نبيًّ عن أمَّتِهِ، وقل له: إنّي أجدُ ريحَ الجنَّة، وأيلِغْ قومَكَ عني السلام
وقل لهم: إنَّ "سعد بن الربيع" يقول لكم: إنّه لا عذرَ لكم عند الله إنْ خَلَصَ إلى رسول الله وَ﴿.
(قولُهُ: إِنَّه لا يكون مُرتَثًاً) الصوابُ حذفُ ((لا)).
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٣٦/١.
(٢) "کافي النسفي": كتاب الجنائز - باب الشھید ١ /ق٥٩/ب.
(٣) "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - ذكر ما يتعلق بالشهيد ق ٦٢/ب.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٢٤٩/١.
(٥) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٧٠/١.
(٦) "الإحكام": کتاب الصلاة - باب الشهید ٢/ق٦٨/أ.
(٧) "الهداية": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٩٥/١.
(٨) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في الكلام على الشهيد ٣٢٢/١.
(٩) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٤/٢ بتصرف.
(١٠) في النسخ كلِّها: ((لا يكون مرتثاً))، والصواب حذفُ ((لا)) كما هي عبارةُ "البحر"، وانظر تقرير الرافعي.
(١١) "النھر": کتاب الصلاة - باب الشهید ق٩٧/ب.
(١٢) "ط": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٣٨٦/١.
(١٣) المسماة"سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد": غزوة أحد ٢٩٧/٤، لأبي عبدالله محمد بن يوسف، شمس الدين
الشاميّ الصالحيّ الشافعيّ (ت٩٤٢هـ). ("كشف الظنون"٩٧٨/٢، "هدية العارفين" ٢٣٦/٢، "الأعلام" ١٥٥/٧).