Indexed OCR Text

Pages 301-320

الجزء الخامس
٢٩٧
باب صلاة الجنائز
إنْ شاء؛ لأجلٍ حقّهِ لا لإسقاطِ الفرض،.
و"العناية" بما في الفتاوى كـ "الخلاصة"(١) و"الولوالحيَّة"(٢) وغيرهما: ((من أَنَّه لو صلَّى السلطانُ
أو القاضي أو إمامُ الحيِّ ولم يتابعه الوليُّ ليس له الإعادةُ؛ لأنّهم أَولى منه)) اهـ ففيه نظرٌ؛ إذ لا يلزمُ
من كونهم أَولى منه أنْ تتبت لهم الإعادةُ إذا صلَّى بحضرتهم؛ لأَنَّه صاحبُ الحقِّ وإنْ تَرَكَ واجبَ
احترام السلطان ونحوه، ويدلُّ على ذلك قول "الهداية"(٣): ((فإنْ صلَّى غير الوليِّ أو السلطانِ أعاد
الوليُّ؛ لأنَّ الحقَّ للأولياء، وإنْ صلَّى الوليُّ لم يَجُزْ لأحدٍ أنْ يصلّيَ بعده)) اهـ. ونحوُهُ في "الكنز "(٤)
وغيره، فقولُهُ: ((لم يَجُزْ لأحدٍ)) يشملُ السلطان.
ثُمَّ رأيتُ في "غاية البيان" قال ما نصُّهُ: ((هذا على سبيلِ العموم، حتّى لا تجوزُ الإعادة
لا للسلطان ولا لغيره)) اهـ.
وما قيل: إنَّ المراد بالوليِّ مَن له حقُّ الولاية يُعِدُهُ عطفُ السلطان قبله على الوليِّ، ونقَلَ
في "المعراج" عن "المجتبى": ((أنَّ للسلطان الإعادةَ إذا صلَّى الوليُّ بحضرته))، ثمَّ قال: ((لكنْ
في "المنافع": ليس للسلطان الإعادةُ))، ثمَّ أَيَدَ رواية [٢/ق١٦١ /أ] "المنافع" فراجعه، وهذا عينُ
ما قلناه، فاغتنم تحرير هذا المقام، والسلام.
(٧٥١٣) (قولُهُ: إنْ شاء إلخ) وأمَّا ما في "التقويم"(٥): ((من أنَّه لو صلَّى غيرُ الوليِّ كانت
الصلاة باقيةً على الوليِّ)) فضعيفٌ كما في "النهر"(٦).
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس والعشرون في الجنائز ق٥٦/ب.
(٢) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل الثالث عشر في الجنائز ق٢٢/أ.
(٣) "الهداية": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ٩١/١ بتصرف يسير.
(٤) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٧٩/١.
(٥) "تقويم الأدلة": لأبي زيد عبيد الله - وقيل: عبد الله - بن عمر بن عيسى الدَّبُوسيّ(ت٤٣٠هـ). ("كشف الظنون"
٤٦٧/١، "الجواهر المضية" ٤٩٩/٢).
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ق٩٣/ب.

قسم العبادات
٢٩٨
حاشية ابن عابدين
ولذا قلنا: ليس لِمَن صلَّى عليها أنْ يُعيدَ مع الوليِّ؛ لأنَّ تكرارَها غيرُ مشروعٍ
(وإلاَّ) أي: وإنْ صلَّى مَن له حقُّ التقدُّم كقاضٍ أو نائبِهِ.
[٧٥١٤] (قولُهُ: ولذا إلخ) علَّةٌ لقوله: ((لا لإسقاطِ الفرض))(١)، أي: فإِنَّ الفرض لو
لم يَسقُطِ بالأُولى كان لمن صلَّى أوَّلاً أن يعيدَ مع الوليِّ، وبهذا رَدَّ في "البحر"(٢) ما في "غاية
البيان": ((من أنَّ الأُولى موقوفةٌ، فإنْ أعاد الوليُّ تَبَّنَ أنَّ الفرض ما صلَّى، وإلاَّ سقَطَ بالأُولى))،
لكنْ قال العلاَّمة "المقدسيُّ": ((إنَّ ما في "غاية البيان" موافقٌ للقواعدِ؛ لأنَّ التَفَّلَ بها غيرُ مشروعٍ
عندنا، ولذلك نظيرٌ، وهو الجمعةُ مع الظهر لمن أدَّاه قبلها)) اهـ.
نعم يحتاجُ إلى الجواب عمَّا قاله في "البحر"، وهو صعبٌ، فالأحسنُ الجوابُ عمَّا قاله
"المقدسيُّ" بأنَّ إعادة الوليِّ ليست نفلاً؛ لأنَّ صلاة غيره وإنْ تأدَّى بها الفرضُ - وهو حقُّ الميت-
لكنّها ناقصةٌ لبقاء حقِّ الوليِّ فيها، فإذا أعادَها وقَعَتْ فرضاً مكمِّلاً للفرض الأوَّل نظيرَ إعادة
الصلاةِ المؤدَّةِ بكراهةٍ، فإنَّ كلاً منهما فرضٌ كما حقَّقناه(٣) في محلّه، وحيث كانت الأُولى فرضاً
فليس لمن صلَّى أوّلاً أنْ يعيدَ مع الوليِّ؛ لأنَّ إعادته تكونُ نفلاً من كلِّ وجهٍ بخلاف الوليِّ؛
لأَنَّه صاحبُ الحقِّ، هذا ما ظهَرَ لي، فتأمَّله.
[٧٥١٥] (قولُهُ: غيرُ مشروعٍ) أي: عندنا وعند "مالك" خلافاً لـ "الشافعيِّ" رحمه الله، والأدلَّةُ
في المطوّلات.
(قولُهُ: هذا ما ظهَرَ لي فتأمَّله) فيما قاله تأمُّلٌ، وذلك أنَّ على ما قرَّرَهُ الصلاةُ الأُولى ناقصةٌ والثانيةُ
مكمّةٌ، فحيث كانت ناقصةً ومَن صدرت منه محتاجٌ لتكميلِ صلاته ورفعِ الإِثم يكون له حقُّ الإعادة
أيضاً لذلك، مع أنَّ المنقول أنّه ليس له ذلك، وكيف نجوِّزُ للوليِّ الذي لم يباشر المعصيةَ الإعادةً للتكميل
ولم نجوِّزها لمن باشَرَها.
(١) قوله: ((علة لقوله: لا لإسقاط الفرض)) هكذا بخطه، ولعل الصواب إبدال قوله: ((علة)) بقوله: ((الإشارة))،
وإلا فھو علة لما تعلقت به اللام، وهو قوله: ((قلنا إلخ)) فتأمل. اهـ مصححه.
(٢) "البحر": كتاب الجنائز ١٩٥/٢.
(٣) المقولة [٣٩٤٠] قوله: ((وكذا كل صلاة)).

٢٩٩
باب صلاة الجنائز
الجزء الخامس
أو إمامِ الحِيِّ أو مَن ليس له حقُّ التقدُّم وتابَعَهُ الوليُّ (لا) يعيدُ؛ لأَنّهم أَولى بالصلاة
منه (وإن صلَّى هو) أي: الوليُّ (بحقٍّ) بأنْ لم يَحضُرْ مَن يُقدَّمُ عليه (لا يصلِّي غيرُهُ
بعدَهُ) وإِنْ حضَرَ مَن له التقدُّم؛ لكونِها بحقٍّ، أمَّا لو صلَّى الوليُّ بحضرة السلطان
مثلاً أعادَ السلطانُ كما في "المجتبى" وغيره، وفيه: (( حكمُ صلاةٍ مَن لا ولايةَ له
كعَدَمِ الصلاة أصلاً، فيصلِّي على قبره(١) ما لم يَتمزَّقْ))
[٧٥١٦] (قولُهُ: أو إمامِ الحيِّ) نصَّ عليه في "الخلاصة" وغيرها كما قدَّمناه(٢)، وكذا
صرَّحَ في "المجمع" و"شرحه": ((بأَنَّه كالسلطان في عدم إعادةِ الوليِّ))، وبه ظهَرَ ضعفُ ما في
"غاية البيان": ((من أنَّ للوليِّ الإِعادةَ لو صلّى إمامُ الحيِّ، لا لو صلَّى السلطانُ لئلاَّ يُزدرَى
به))، أفادَهُ في "البحر"(٣).
[٧٥١٧) (قولُهُ: لأَنَّهم أَولى إلخ) الأَولى أنْ يقول أيضاً: ولأنَّ متابعته إذنٌ بالصلاة ليكونَ علَّةٌ
لقوله: ((أو مَن ليس له حقُّ التقدُّم وتابَعَهُ الوليُّ))، "ط " (٤).
[٧٥١٨) (قولُهُ: بأنْ لم يَحضُر إلخ) لأنَّه لا حقَّ للوليِّ عند حضرةِ السلطان ونحوه، وقد
علمت ما فيه.
[٧٥١٩) (قولُهُ: وإِنْ حضَرَ) يعني: بعدَ صلاة الوليِّ، و((إِنْ)) وصلِيَّةٌ.
[٧٥٢٠] (قولُهُ: أمَّا لو صلَّى إلخ) تصريحٌ بمفهوم قوله: ((بأنْ لم يحضر مَن يُقدَّمُ عليه))، وهذا
ما وفَّقَ به "صاحب البحر" بين عباراتهم، وقد علمتَ تحرير المقام آنفاً(٥).
[٧٥٢١] (قولُهُ: وفيه) أي: في "المجتبى"، [٢/ق ١٦١/ب] وهذه العبارةُ عزاها إليه
(١) في "و" زيادة: ((أي: إن شاء)).
(٢) المقولة [٧٥١٢] قوله: ((أعاد الوليّ)).
(٣) "البحر": كتاب الجنائز ١٩٥/٢.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٣٧٧/١.
(٥) المقولة [٧٥١٢] قوله: ((أعاد الوليّ)).

قسم العبادات
٣٠٠
حاشية ابن عابدين
(وإِنْ دُفِنَ) وأُهيلَ عليه الترابُ (بغيرِ صلاةٍ) أو بها بلا غَسلٍ،.
في "البحر"(١)، لكنّي لم أجدها فيه، والذي رأيتُهُ في "المجتبى" هكذا: ((ثمَّ إذا دُفِنَ قبل الصلاة
وصلَّى عليه مَن لا ولايةَ له يصلّي عليه ما لم يتمزَّق)) اهـ.
والمرادُ: يصلّي عليه الوليُّ إنْ شاء لأجلٍ حقّه لا لإسقاطِ الفرض، فلا ينافي ما مرَّ(٢)، وكذا
يمكنُ تأويلُ قوله: ((كعدمِ الصلاة)) كما أفادَهُ "ح"(٣): ((بأنّها بالنسبة إلى مَن له الولايةُ كالعدم،
حتّى كان له الإعادة)).
[٧٥٢٢] (قولُهُ: وَأُهِيلَ عليه الترابُ) فإنْ لم يُهَلْ أُخرِجَ وصُّلِّيَ عليه كما قدَّمناه، "بحر "(٤).
[٧٥٢٣] (قولُهُ: أو بها بلا غسلٍ) هذا روايةُ "ابن سماعة"، والصحيحُ أَنَّه لا يصلّي على قبره
في هذه الحالة؛ لأَنّها بلا غسلٍ غيرُ مشروعةٍ، كذا في "غاية البيان"، لكنْ في "السِّراج"(٥) وغيره:
((قيل: لا يصلّي على قبره، وقال "الكرخيُّ": يصلّي، وهو الاستحسانُ؛ لأنَّ الأُولى لم يُعَتَدَّ بها
لتركِ الشرط مع الإمكان، والآن زالَ الإِمكانُ، فسقطت فرضيَّةُ الغَسل، وهذا يقتضي ترجيحَ
الإطلاق، وهو الأولى))، "نهر"(٦).
( تنبيةٌ )
ينبغي أنْ يكون في حكم مَن دُفِنَ بلا صلاةٍ مَن تردَّى في نحوِ بثٍ، أو وقَعَ عليه بنيانٌ
(قولُهُ: والذي رأيتُهُ في "المجتبى" هكذا: ثمَّ إذا دُفِنَ إلخ) ما وجدّهُ فيه ليس فيه تنصيصٌ على أنَّ
هذه الصلاة كعدم الصلاة أصلاً الموهمِ خلافَ المراد.
(قولُ "الشارح": وأُهِيلَ عليه الترابُ) غُسِلَ أوْ لا.
(١) "البحر": كتاب الجنائز ١٩٧/٢.
(٢) المقولة [٧٥١٤] قوله: ((ولذا)).
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ق١١٢/أ.
(٤) "البحر": كتاب الجنائز ١٩٦/٢.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ١/ق٣٥٧/أ بتصرف.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ق ٩٤/أ.

الجزء الخامس
٣٠١
باب صلاة الجنائز
أو ممن لا ولايةً له (صلَّى على قبرِهِ) استحساناً (ما لم يَغْلِبْ على الظنِّ تفسُّحُهُ)
من غيرِ تقديرٍ، هو الأصحُّ، وظاهرُهُ أَنَّه لو شكَّ في تفسُّخِهِ صلَّى عليه، لكنْ
٠
في "النهر"(١) عن "محمَّدٍ": ((لا))، كأنَّه تقديماً للمانع.
(ولم تَحُزٍ) الصلاةُ (عليها راكباً) ولا قاعداً.
ولم يمكن إخراجُهُ، بخلاف ما لو غَرِقَ في بحرٍ لعدم تحقَّقِ وجودِهِ أمام المصلّي، تأمَّل.
[٧٥٢٤] (قولُهُ: أو ممن لا ولايةَ له) متعلّقٌ بمحذوفٍ حالاً من ضميرِ ((بها)) العائدِ إلى
الصلاة، وهذا مكرَّرٌ بما نقّلَهُ عن "المجتبى".
[٧٥٢٥] (قولُهُ: صلَّى على قبرِهِ) أي: افتراضاً في الأُولبين وجوازاً في الثالثة؛ لأَنّها لحقِّ الوليِّ،
أفادَهُ "ح"(٢).
٥٩٢/١
أقول: وليس هذا من استعمال المشترَكِ في معنييه كما وَهِمَ؛ لأنَّ حقيقة الصلاة في المسائلِ
الثلاثِ واحدةٌ، وإنما الاختلافُ في الوصف وهو الحكمُ، فهو كإطلاقِ الإنسان على ما يشملُ
الأبيضَ والأسودَ، فافهم.
[٧٥٢٦) (قولُهُ: هو الأصحُّ) لأَنَّه يَختلِفُ باختلاف الأوقات حرَّاً وبردً، والميتٍ سِمَناً وهزالاً،
والأمكنةِ، "بحر"(٣). وقيل: يُقدَّرُ بثلاثةِ أَيَّامٍ، وقيل: عشرةٍ، وقيل: شهرٍ، "ط "(٤) عن "الحمويّ".
[٧٥٢٧] (قولُهُ: وظاهرُهُ إلخ) أي: ظاهرُ قوله: ((مالم يَغْلِبْ إلخ))، فإِنَّه في الشكِّ لم يَغِلِبْ
على الظنِّ تفسُّخُه، "ط)"(٥).
[٧٥٢٨) (قولُهُ: كأنَّ تقديماً للمانع) الخبرُ محذوفٌ، أي: كأنّه قال ذلك تقديماً، أي: أنَّه دارَ
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ق ٩٤/أ.
(٢) "ح": کتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ق ١١٢/أ - ب.
(٣) "البحر": كتاب الجنائز ١٩٦/٢ بتصرف.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٣٧٧/١ بتصرف.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٣٧٧/١ بتصرف.
1

قسم العبادات
٣٠٢
حاشية ابن عابدين
(بغيرِ عذرٍ) استحساناً (وكُرِهَتْ تحريماً) وقيل: تنزيهاً.
الأمرُ بين التفسُّخِ المقتضِي عدمَ الصلاة وبين عدمِهِ الموجِبِ لها، فاعتبرنا المانعَ وهو التفسُّخُ،
[٢/ق١٦٢/ أ] "ط"(١).
أقول: وفي "الحلبة"(٢): ((نصَّ الأصحابُ على أنَّه لا يُصلَّى عليه مع الشكِّ في ذلك، ذكرَهُ
في "المفيد" و"المزيد" و"جوامع الفقه" وعامَّة الكتب، وعلَّلهُ في "المحيط" بوقوعِ الشكِّ في الجواز))
اهـ. وتمامُهُ فيها.
[٧٥٢٩) (قولُهُ: بغيرِ عذرٍ) راجعٌ إلى المسألتين، فلو صلَّى راكباً لتعذّرِ النزولِ لطينٍ أو مطرٍ
جاز، وكذا لو صلَّى الوليُّ قاعداً لمرضٍ والناسُ خلفَهُ قياماً عندهما، وقال "محمَّدٌ": تُجزيه دون
القومِ بناءً على الخلاف في اقتداءِ القائم بالقاعد، "بحر "(٣). والتقيدُ بالوليِّ لأنَّ الحقَّ له، فلو صلَّى
غيرُهُ ممن لا حقَّ له إماماً قاعداً لعذرٍ فالظاهرُ أنَّ الحكم كذلك، ويسقطُ الفرض بصلاته خلافاً لِما
بحَنَّهُ السَّيِّد "أبو السُّعود"(٤)، أفادَهُ "ط " (٥).
مطلبٌ في كراهةٍ صلاة الجنازة في المسجد
[٧٥٣٠] (قولُهُ: وقيل تنزيهاً) رجَّحَهُ المحقّق "ابن الهمام" (٦) وأطال، ووافَقَهُ تلميذُهُ العلاَّمة
(قولُ "الشارح": بغيرِ عذرِ استحساناً) وجهُهُ أَنّها وإن كانت دعاءً - والقياسُ فيها الجوازُ - إلاَّ أنَّها
لَمَّا كانت صلاةً من وجهٍ اشتَرَطنا العذرَ.
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٣٧٧/١ بتصرف، وقوله: ((الخبر محذوف، أي: كأنه قال ذلك تقديماً))،
نقله عن "النهر".
(٢) "الحلبة": التكملة - الفصل السابع عشر في صلاة الجنازة ٢/ق٣١٣/أ.
(٣) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠١/٢ بتصرف.
(٤) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ٣٥٦/١ نقلاً عن "الجواهر".
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٣٧٧/١.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ٩٠/٢.

الجزء الخامس
٣٠٣
باب صلاة الجنائز
(في مسجدِ جماعةٍ هو) أي، الميتُ (فيه) وحدَهُ.
"ابن أمير حاج"(١)، وخالَفَهُ تلميذُهُ الثاني الحافظُ الزينيُّ "قاسمٌ" في "فتاواه" برسالةٍ خاصَّةٍ،
فرجَّحَ القولَ الأوَّلَ لإطلاق المنع في قول "محمَّدٍ" في "موطَّه"(٢): ((لا يُصلَّى على جنازةٍ
في مسجدٍ))، وقال الإِمامُ "الطحاويُّ"(٣): ((النهيُ عنها وكراهيتها قولُ "أبي حنيفة" و"محمَّدٍ"،
وهو قولُ "أبي يوسف" أيضاً))، وأطالَ وحقَّقَ: ((أَنَّ الجواز كان ثُمَّ نُسِخَ))، وتَبِعَهُ
في "البحر"(٤)، وانتصَرَ(٥) له أيضاً سيِّدي "عبد الغنيِّ" في رسالةٍ سَمَّاها "نزهةَ الواحد في حكم
الصلاة على الجنائز في المساجد"(٦).
[٧٥٣١] (قولُهُ: في مسجدٍ جماعةٍ)(٧) أي: المسجدِ الجامع ومسجدِ المحَلَّة، "قُهُستاني"(٨).
وتكرهُ أيضاً في الشارع وأرضِ الناس كما في "الفتاوى الهنديَّة"(٩) عن "المضمرات"، وكما تكرهُ
الصلاة عليها في المسجد يكرهُ إدخالُها فيه كما نقَلَهُ الشيخ "قاسم".
(قولُهُ: أي: المسجدِ الجامعِ ومسجدِ المحلَّة) في "حاشيةِ المكِّيِّ": ((وأمَّا المسجدُ الحرام فمستثنى؛
لأَنَّه بُنِيَ للمكتوبة وغيرها من الصلوات، كذا في "شرح النقاية" لـ "منلا علي")).
(١) "الحلبة": التكملة - الفصل السابع عشر في صلاة الجنازة ٢/ق ٣١٤/أ.
(٢) "الموطأ": باب الصلاة على الجنازة في المسجد صـ ١١١ -.
(٣) "شرح معاني الآثار": كتاب الجنائز - باب الصلاة على الجنازة هل ينبغي أن تكون في المساجد أولا؟ ٤٩٣/١.
(٤) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠٢/٢.
(٥) من هنا إلى ((في المساجد)) ساقط من "الأصل".
(٦) انظر "فهرس المخطوطات الظاهرية - الفقه الحنفي" ٢٤٨/٢، و"سلك الدرر" ٣٦/٣.
(٧) في "د" زيادة: ((وانظر، هل يقال: إنَّ ما جرت به العادة في زماننا من الصلاة عليها في المسجد، وعدمَ تأتي غيره
لاندراس المواضع التي كان يُصَلَّى عليها فيها هل يكون ذلك عذراً لمن حضرها؟ إذ لو لم يصلَّ عليها مع الناس لزم
تفويتها، ويلزم من الصلاة عليها خارج المسجد فسادُ صلاةٍ كثيرٍ من الناس لنجاسة الموضع وجهل المصلين)).
(٨) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في الجنائز ١٧٦/١.
(٩) "الفتاوى الهندية": كتاب الصلاة - الصلاة على الميت ١٦٥/١.

قسم العبادات
٣٠٤
حاشية ابن عابدين
أو مع القوم (واختُلِفَ في الخارجةِ) عن المسجد وحدَهُ أو مع بعض القوم (والمختارُ
الكراهةُ) مطلقاً بناءً على أنَّ المسجد إنما يُنِيَ للمكتوبةِ وتوابعِها كنافلةٍ وذِكرٍ
وتدريسٍ علمٍ،
[٧٥٣٢) (قولُهُ: أو مع القومِ) أي: كلاّ أو بعضاً بناءً على أنَّ أل في ((القوم)) جنسيّةٌ اهـ
[٧٥٣٣] (قولُهُ: مطلقاً) أي: في جميعِ الصور المتقدِّمة كما في "الفتح"(٢) عن "الخلاصة"(٣)،
وفي "مختارات النوازل"(٤): ((سواءٌ كان الميتُ فيه أو خارجَهُ، هو ظاهرُ الرِّواية، وفي روايةٍ:
لا يكرهُ إذا كان الميتُ خارج المسجد)).
[٧٥٣٤] (قولُهُ: بناءً على أنَّ المسجد إلخ) أمَّا إذا علَّلنا بخوفِ تلويث المسجد فلا يكرهُ
إذا كان الميتُ خارج المسجد وحدَهُ أو مع بعضِ القوم اهـ "ح" (٥).
قال في "شرح المنية"(٦): ((وإليه مالَ في "المبسوط"(٧) و"المحيط"(٨)، وعليه العملُ، وهو
المختارُ)) اهـ.
قلت: بل ذكَّرَ في "غاية البيان" و"العناية"(٩): ((أَنَّه لا كراهةَ فيها بالاتّفاق))، لكنْ ردَّهُ
في "البحر"(١٠)، وأجاب في "النهر"(١١) بحملِ الاتّفاق [٢/ق١٦٢ /ب] على عدمِ الكراهة في حقِّ
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ق١١٢/ب.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ٩٠/٢.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس والعشرون في الجنائز ق٥٦/ب بتصرف، معزياً إلى "الفتاوى الصغرى".
(٤) "مختارات النوازل": كتاب الصلاة - باب غسل الميت ق٣٦/ب.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ق ١١٢/ب.
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة الجنازة صـ٥٨٩ - بتصرف يسير.
(٧) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب غسل الميت ٦٨/٢.
(٨) "المحيط البرهاني": كتاب الاستحسان والكراهية ٢/ق ٥٤٠/أ.
(٩) "العناية": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ٩٠/٢ (هامش "فتح القدير").
(١٠) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠١/٢.
(١١) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ق٩٥/أ بتصرف.

الجزء الخامس
٣٠٥
باب صلاة الجنائز
وهو الموافقُ لإِطلاقِ حديثِ "أبي داود": ((مَن صلَّى على ميتٍ في المسجد ..
مَن كان خارج المسجد، وما مرَّ(١) في حقِّ مَن كان داخلَهُ.
ثُمَّ اعلم أنَّ التعليلَ الأَوَّلَ فيه خفاءٌ؛ إذ لا شكَّ أنَّ الصلاة على الميت دعاءٌ وذِكْرٌ، وهما مما
يُنِيَ له المسجدُ، وإلاَّ لَزِمَ المنعُ عن الدُّعاء فيه لنحوِ الاستسقاء والكسوف مع أنَّ الوارد في ذلك
ما رواه "مسلمٌ" (٢): أنَّ رجلاً نشَدَ في المسجد ضالّةً، فقال ◌َ﴿: ((لا وُجدَتْ، إنما يُنِيَت المساجدُ
لِما يُنِيَت له))، فليتأمَّل.
[٧٥٣٥] (قولُهُ: وهو الموافقُ إلخ) كذا في "الفتح"(٣)، لكنْ فيه نظرٌ؛ لأنَّ قوله: ((في المسجد))
يحتملُ أنْ يكون ظرفً لـ ((صلَّى)) أو لـ ((ميتٍ)) أو لهما، فعلى الأوَّلِ لا يكره كونُ الميت فيه
والصلاةِ خارجَهُ، وعلى الثاني لا يكرهُ العكس، وعلى الثالث لا يكره إذا فُقِدَ أحدُهما، وعلى كلِّ
فهو مخالفٌ للمختار من إطلاق الكراهة، وأجابَ في "البحر "(٤): ((بأَنَّه لَمَّا لم يَقُمْ دليلٌ على واحدٍ
من الاحتمالات بعينه قالوا بالكراهة بوجودٍ أحدها أياً كان)) اهـ.
أقول: يلزمُ عليه إثباتُ الكراهة بلا دليلٍ؛ لأَنَّه إذا طرَقَهُ الاحتمالُ سقَطَ به الاستدلالُ،
ولكنْ لا يخفى أنَّ المتبادر لغةً وعُرفاً من نحوٍ قولك: ضربتُ زيداً في الدار تعلُّقُ الظرف بالفعل،
(قولُهُ: ثُمَّ اعلم أنَّ التعليل الأوَّل فيه خفاءٌ إلخ) الظاهرُ أنَّ قصد الواقفين عدمُ بناءِ المساجد للدعاء
والذكر المكَّفَيْنِ بالكيفيَّة الخاصَّة، ولا يلزمُ من كون مطلق الدعاء جائزاً جوازُها، ولذا قيّدوا الكراهة
بما إذا لم يكن معتاداً وقد رضي به الباني، تأمَّل.
(١) ص٣٠٢ - "در".
(٢) أخرجه مسلم (٥٦٩) كتاب المساجد - باب النهي عن نشد الضالة في المسجد، وأخرجه أحمد ٣٦١/٥، وابن ماجه
(٧٦٥) كتاب المساجد - باب النهي عن إنشاد الضوالِّ في المسجد عن بريدة مع مرفوعاً، والنسائي ٤٨/٢-٤٩
كتاب المساجد - باب النهي عن إنشاد الضالة في المسجد، من حديث جابر ظه مختصراً.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ٩٠/٢.
(٤) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠١/٢.

قسم العبادات
٣٠٦
حاشية ابن عابدين
وأمَّا أَنَّه هل يقتضي كونَ كلِّ من الفاعل والمفعول به أو أحدِهما بعينه في المكان فغيرُ لازمٍ.
مطلبٌ مهم: إذا قال: إنْ شتمتُ فلاناً في المسجد يتوقّفُ على كون الشاتم فيه،
وفي إن قتلتُهُ بالعكس
نعمْ ذكَرَ ضابطاً لذلك في "تلخيص الجامع الكبير" و"شرحه" في باب الحنث في الشتم،
وهو: ((أنَّ الفعل قد لا يكونُ له أثرٌ في المفعولِ كالعِلْم والذّكْر، وقد يكونُ كالضرب والقتل، فإذا
قال: إنْ شتمتُ زيداً في المسجد مثلاً فإنما يتحقَّقُ بكونِ الشَّاتم في ذلك المكانِ، سواءٌ كان المشتومُ
فيه أيضاً أوْ لا؛ لأنَّ الشتم هو ذكرُ المشتوم بسوءٍ، والذِّكرُ يقومُ بالذاكر، ولا أثرَ له في المذكور؛
لأَنّه يتحقّقُ شتماً في حقِّ الميت والغائب، فيُعتبرُ مكانُ الفاعل، وأمَّا القتلُ والضربُ ونحوُهما
في مكانٍ فيتحقَّقُ بكون المفعول به فيه سواءٌ كان الفاعلُ فيه أيضاً أم لا؛ لأنَّ هذه الأفعالَ لها آثارٌ
تقومُ بالمحلِّ، فُيُشترَطُ وجودُ المفعول به - وهو المحلُّ - [٢/ق ١٦٣ / أ] في ذلك المكان دون الفاعل؛
لأنَّ مَن ذَبَحَ شاةً هي في المسجد وهو خارجَهُ يُسمَّى ذابحاً في المسجد بخلاف عكسه، ألا ترى أنَّ
الراميَ إلى صيدٍ في الحرم يكونُ قاتلاً للصيدِ في الحرم وإنْ كان حالَ الرَّميِ في الحلِّ؟)) اهـ ملخّصاً.
وتمامُ تحقيقه هناك، فراجعه.
إذا علمتَ ذلك فلا يخفى أنَّ الصلاة على الميت فعلٌ لا أثرَ له في المفعول، وإِنما يقومُ
بالمصلّي، فقولُهُ: ((مَن صلَّى على ميتٍ في مسجدٍ)) يقتضي كونَ المصلِّي في المسجدِ سواءٌ كان
الميتُ فيه أوْ لا، فيكرهُ ذلك أخذً من منطوقِ الحديث، ويؤيِّدُهُ ما ذَكَرَهُ العلاَّمة "قاسمٌ"
في رسالتهِ: من أَنَّه رُوِيَ ((أنَّالنبيَّ: ﴿ لَمَّا نَعَى "النَّحاشيّ" إلى أصحابِهِ خرَجَ فصلَّى عليه
في المصلَّى))(١)، قال: ((ولو جازت في المسجد لم يكن للخروج معنى)) اهـ. مع أنَّ الميت كان
خارج المسجد.
٥٩٣/١
(١) جزءٌ من حديثٍ تقدم تخريجه صـ ٢٥٠ -.

الجزء الخامس
٣٠٧
باب صلاة الجنائز
فلا صلاةَ له)).
وبقي ما إذا كان المصلِّي خارجَهُ والميتُ فيه، وليس في الحديثِ دلالةٌ على عدم
كراهته؛ لأنَّ المفهوم عندنا غيرُ معتبَرِ في مثل ذلك، بل قد يُستدَلُّ على الكراهة بدلالةٍ
النصرِّ؛ لأنَّه إذا كرهت الصلاةُ عليه في المسجد وإنْ لم يكن هو فيه مع أنَّ الصلاة ذكرٌ
ودعاءٌ يكرهُ إدخالُهُ فيه بالأَولى؛ لأنَّه عبثٌ محضرٌ، ولا سيَّما على كون علَّةٍ كراهة الصلاة
خشيةَ تلويثِ المسجد.
وبهذا التقريرِ ظهَرَ أنَّ الحديث مُؤيِّدٌ للقولِ المختار من إطلاق الكراهة الذي هو ظاهرُ
الرِّواية كما قدَّمناه(١)، فاغتنم هذا التحريرَ الفريد، فإنَّه مما فَتَحَ به المولى على أضعفِ خلقه،
والحمدُ لله على ذلك.
[٧٥٣٦] (قولُهُ: فلا صلاةَ له) هذه روايةُ "ابن أبي شيبة"(٢)، وروايةُ "أحمد" و"أبي داود"(٣):
((فلا شيءَ له))، و"ابنِ ماجه"(٤): ((فليس له شيءٌ))، ورُوِيّ(٥): ((فلا أجرَ له))، وقال
"ابن عبد البرّ"(٦): ((هي خطأ فاحشرٌ، والصحيحُ: ((فلا شيءَ له))))، وتمامُهُ في "حاشية نوح
أفندي" و "المدنيّ"، وليس الحديثُ نهياً غيرَ مصروفٍ ولا مقروناً بوعيدٍ؛ لأنَّ سلب الأجر لا يَستلزِمُ
ثبوتَ استحقاق العقاب لجواز الإباحة، وقد يقال: إنَّ الصلاةَ نفسَها سببٌ موضوعٌ للثواب، فسَلْبُهُ
(١) المقولة [٧٥٣٣] قوله: ((مطلقاً)).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٢٤٣/٣، كتاب الجنائز - باب من كره الصلاة على الجنازة في المسجد ولفظه:
((فلا شيء له))، ولم نجد رواية ((فلا صلاة)) عند ابن أبي شيبة، ولعلها في نسخة أخرى.
(٣) أخرجه أحمد ٤٥٥/٢ - ٥٠٥، وأبو داود (٣١٩١) كتاب الجنائز - باب الصلاة على الجنازة في المسجد، عن
أبي هريرة ◌ُته مرفوعاً.
(٤) أخرجه ابن ماجه (١٥١٧) كتاب الجنائز - باب ما جاء في الصلاة على الجنائز في المسجد، وأخرجه أحمد ٤٤٤/٢،
والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٤٩٢/١ كتاب الجنائز - باب الصلاة على الجنازة هل ينبغي أن تكون
في المساجد أو لا ؟.
(٥) البغوي في "الجعدیات" (٢٨٤٦) و(٢٨٤٨).
(٦) "التمهيد": ٢٢١/٢١ بتصرف، ومدار هذا الحديث على صالح بن أبي صالح مولى التوأمة وهو ضعيف، فالحديث
ضعيف، كذا قال أحمد والنووي. وانظر مسند الإمام أحمد ٤٥٤/١٥ (طبعة مؤسسة الرسالة).

قسم العبادات
٣٠٨
حاشية ابن عابدين
مع فعلها لا يكونُ إلاّ باعتبارِ ما يقترنُ بها من إِثْمٍ يُقاوِمُ ذلك، وفيه نظرٌ، كذا في "الفتح"(١)، وكذا يقال
في روايةٍ: ((فلا صلاةَ له)؛ لأَنَّه عُلِمَ قطعاً أنّها صحيحةٌ، [٢/ق١٦٣/ب] فهي مثلُ:
((لا صلاةَ لجارِ المسجد إلاَّ في المسجد)(٢)، بل تأويلُ هذه الرّواية أقربُ، أي: لا صلاةَ كاملةٌ، فلا تُنافي
ثبوتَ أصلِ الثواب، وبه اندفَعَ ما في "البحر"(٢): ((من أنَّ هذه الرِّوايةَ تؤَيِّدُ القولَ بكراهة التحريم)).
(قولُهُ: وفيه نظرً، كذا في "الفتح") لعلَّه أشار إلى أنَّه قد يقال: إنَّ سَلْبَ الأجر من الفعل الموضوع
للأجر يقتضي عدمَ الصحَّة على ما عُرِفَ في تقرير الاستدلال على فرضيَّة النَّة بحديث: ((إنما الأعمال
إلخ))، فينبغي كونُ الصلاة فيه مفسداً لها فضلاً عن الكراهة، فكيف يصحُّ قوله: ((لجواز الإباحة))؟!
إلاَّ أن يقال: الفسادُ منتفٍ بالإجماع، فلا بدَّ من التأويل بنفي الأجر الكامل، وهو لا يستلزمُ ثبوتَ
استحقاق العقاب، أو يقال: إنَّ ذلك في الموضوع لمجرَّدِ الأجر، وهي قد وُضِعَتْ أيضاً لإسقاط حقِّ
الميت المسلم، فسلبُ الأجر فيها لا يدلُّ على أزيدَ من الإباحة لجوازِ كونها مسقطةً لحقِّ الميت من غيرِ
ثبوتِ أجرٍ، أو يقال: ذلك إنما يلزم إذا كان معنى الحديث سلبَ أجر الصلاة، وهو غيرُ لازمٍ لجواز أنَّ
معناه: فلا أجرَ له لكونه صلَّى في المسجد، فالحديثُ لبيان أنَّ صلاة الجنازة في المسجد ليس فيها أجرٌ
لأجل كونها فيه كما في المكتوبات، فأجرُ أصل الصلاة باقٍ، وإنما جاء الحديثُ لإفادة سلب الأجر
بواسطةٍ ما يُتوهَّمُ من إيقاعها في المسجد، فيكونُ الحديث مفيداً لإباحة الصلاة في المسجد من غيرِ أنْ
يكون لها فضيلةٌ زائدةٌ على كونها خارجَ المسجد، وهذا الاحتمالُ الثالث يرفعُ الكراهة مطلقاً، هكذا
أفادَهُ الشيخ "أبو الحسن السنديُّ" في "حاشية الفتح". اهـ "سندي".
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ٩٠/٢ بتصرف.
(٢) أخرجه الدار قطني ٤٢٠/١ كتاب الصلاة - باب الحث لجار المسجد على الصلاة فيه إلا من عذر، والحاكم
٢٤٦/١ كتاب الصلاة، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٥٧/٣ كتاب الصلاة - باب ما جاء من التشديد في ترك
الجماعة من غير عذر، عن أبي هريرة رضيه مرفوعاً، قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٣١/٢ حديث:
((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) مشهور بين الناس، وهو ضعيف ليس له إسناد ثابت، أخرجه الدار قطني
عن جابر، وأبي هريرة عه. وفي الباب عن علي رضيه وهو ضعيف أيضاً اهـ.
(٣) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠١/٢.

الجزء الخامس
٣٠٩
باب صلاة الجنائز
( تتمَّةٌ )
إنما تكرهُ في المسجد بلا عذرٍ، فإنْ كان فلا، ومن الأعذارِ المطرُ كما في "الخانَيَّة"(١)،
والاعتكافُ كما في "المبسوط"(٢)، كذا في "الحلبة"(٣) وغيرِها، والظاهرُ أنَّ المراد اعتكافُ الوليِّ
ونحوِهِ ممن له حقُّ التقدُّم، ولغيره الصلاةُ معه تبعاً له، وإلاّ لَزِمَ أنْ لا يصلِيُها غيرُهُ، وهو بعيدٌ؛ لأنَّ
إثمَ الإِدخالِ والصلاةِ ارتفَعَ بالعذر، تأمَّل.
وانظر هل يقال: إنَّ من العذرِ ما جَرَتْ به العادةُ في بلادنا من الصلاةِ عليها في المسجدِ
لتعذُّرِ غيره أو تعسُِّهِ بسبب اندراسِ المواضع التي كانت يُصلَّى عليها فيها؟ فمَن حضَرَها في
المسجد إنْ لم يُصَلِّ عليها مع الناس لا يمكنُهُ الصلاة عليها في غيره، ولَزِمَ أنْ لا يصلّيَ في عمره
على جنازةٍ، نعم قد تُوضَعُ في بعض المواضع خارجَ المسجد في الشارع فيصلَّى عليها، ويلزمُ منه
فسادُها من كثيرٍ من المصلّين لعموم النجاسة وعدم خلعهم نعالَهم المتنجِّسةَ مع أَنَّا قدَّمنا (٤) كراهتها
في الشارع، وإذا ضاق الأمرُ اتَّسَعَ، فينبغي الإفتاءُ بالقول بكراهةِ التنزيه الذي هو خلافُ الأَولى (٥)
(قولُهُ: هل يقال: إنَّ مِن العذر ما جَرَتْ به العادةُ في بلادنا إلخ) لا يظهرُ كونُ ما ذكرَهُ عذراً، فإنّه
باندراسِ مصلَّى الجنازة لم يتعيَّن فعلُها في المسجد، بل له أنْ يصلَّها في منزلٍ أو نحوه مما لا كراهةَ فيه،
ومَن حضَرَها في المسجد لا يصلّيها فيه وإنْ لزم أنْ لا يفعلَها في عمره تقديماً للمانع، بل إذا امتنع
الأجانبُ عنها في المسجد يكونُ ذلك سبباً مؤدِّياً لعدم إقامتها فيه.
(١) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في المساجد ٦٦/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الجنائز - غسل الميت ٦٨/٢.
(٣) "الحلبة": التكملة - الفصل السابع عشر في صلاة الجنازة ٢/ق ٣١٤/أ بتصرف يسير.
(٤) المقولة [٧٥٣١] قوله: ((في مسجد جماعة)).
(٥) قوله: ((الذي هو خلاف الأولى)) هكذا بخطه، ولعل صوابه ((التي هي إلخ))؛ لأنه نعت لكراهة التنزيه لا للقول
بھا، اللهم إلا أن یکون التذ کیر باعتبار انھا حکم، تأمل اهـ مصححه.

قسم العبادات
٣١٠
حاشية ابن عابدين
(ومَن وُلِدَ فماتَ يُغسَّلُ ويُصلَّى عليه) ويَرِثُ ويُورَثُ ويُسمَّى (إن استَهَلَّ) بالبناء
للفاعل، أي: وُ جِدَ منه ما يدلُّ على حياته.
كما اختارَهُ المحقّقُ "ابن الهمام"(١)، وإذا كان ما ذكرناه عذراً فلا كراهةَ أصلاً، والله تعالى أعلم.
[٧٥٣٧] (قولُهُ: يُغَسَّلُ(٢) ويُصلَّى عليه) أي: ويُكفَّنُ، ولم يُصرِّح به لعلمِهِ مما ذكرَهُ؛ لأنَّ ستر
العورةِ شرطٌ لصحَّةِ الصلاة، تأمَّل.
[٧٥٣٨) (قولُهُ: إن اسْتَهَلَّ) لا يخفى ما فيه من التسامح؛ لأنَّ ترتيبَهُ الموتَ على الولادة - أي:
في قوله قبله: ((فمات)) - مفيدٌ للحياة قبله، فلا يحسُنُ التفصيلُ بعده، فكان ينبغي أنْ يقول
كـ "الكنز"(٣): ((ومَنْ اسْتَهَلَّ صُّلِّيَ عليه، وإلاّ لا))، "شرنبلاليَّةِ "(٤).
[٧٥٣٩) (قولُهُ: بالبناءِ للفاعل) لأنَّ أصل الإهلالِ والاستهلالِ رفعُ الصوت عند رؤية الهلال،
ثُمَّ أُطلِقَ على رؤية الهلال وعلى رفع الصوت مطلقاً، ومنه: أهَلَّ لُحرِمُ بالحجِّ، أي: رفَعَ صوتَهُ
بالتلبية، واسْتَهَلَّ الصبيُّ إذا رفَعَ صوتَهُ بالبكاء عند ولادته، وأمَّا المبنيُّ للمجهول فيقال: استُهِلَّ
الهلالُ، أي: أُبصِرَ، كذا يفاد من "المغرب" (٥). [٢/ق١٦٤/أ]
[٧٥٤٠) (قولُهُ: أي: وُجِدَ منه ما يدلُّ على حياته) أي: من بكاءٍ أو تحريكِ عضوٍ أو طرفٍ
(قولُهُ: مفيدٌ للحياةِ قبله، فلا يحسُنُ التفصيلُ بعده) نعم الترتيبُ مفيدٌ للحياة، إلاَّ أنَّه لا يفيدُ إلاَّ
أصلَها بقطع النظر عن كونها حياةً مستقرَّةً، فيصحُّ التفصيلُ بعده، لا أَنَّه في الحياة المستقرَّة، والموتُ يفيدُ
مطلق الحياة، وهذا لا ضررَ فيه، تأمَّل. نعم عبارةُ "الكنز" أولى من حيث إفادتُها حكمَ ما إذا لم يستهلَّ
بدون سَبْقِ ما يدلُّ على الحياة، فإنَّ عبارة "المصنّف" لا تدلُّ عليه بخلاف عبارة "الكنز".
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ٩١/٢.
(٢) في "م": ((ويغسل)) وهو خطأ.
(٣) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٨٠/١.
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٦٥/١ بتوضيح من ابن عابدين رحمه الله (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "المغرب": مادة ((هلل)).

الجزء الخامس
٣١١
باب صلاة الجنائز
ونحوِ ذلك، "بدائع"(١). وهذا معناه في الشَّرع كما في "البحر"(٢)، وقال في "الشرنبلاليّة"(٣).
((يعني: الحياةَ المستقرَّةً، ولا عبرةَ بالانقباض وبسطِ اليد وقبضها؛ لأنَّ هذه الأشياء حركةُ المذبوح،
ولا عبرةَ بها، حتَّى لو ذُبِحَ رجلٌ، فمات أبوه وهو يتحرَّكُ لم يَرِتْهُ المذبوحُ؛ لأنَّ له في هذه الحالة
حكمَ الميت كما في "الجوهرة"(٤)) اهـ.
أقول: وما نقلناه(٥) عن "البدائع" مشى عليه في "الفتح"(٦) و"البحر"(٧) و"الزيلعيٍّ"(٨)، ويمكنُ
حمُهُ على ما في "الشرنبلاليَّة"(٩)، تأمَّل.
( تنبيةٌ )
قال في "البدائع"(١٠) ما نصُّهُ: ((ولو شَهِدَت القابلةُ أو الأمُّ على الاستهلالِ تُقبَلُ في حقِّ
الغَسلِ والصلاةِ عليه؛ لأنَّ خبر الواحد في الدِّيانات مقبولٌ إذا كان عدلاً، وأمّا في حقِّ الميراث
فلا يُقبَلُ قولُ الأُمِّ لكونها متَّهمةٌ بحرِّها المغنمَ إلى نفسها، وكذا شهادةُ القابلة عند "أبي حنيفة"،
وقالا: تُقبَلُ إذا كانت عدلةً)) اهـ
وظاهرُهُ اشتراطُ نصابِ الشهادة عنده في الميراث، وبه صرَّحَ في "البحر"(١١) عن "المجتبى"
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شرائط وجوب الغسل ٣٠٢/١.
(٢) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠٢/٢.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٦٥/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٣٤/١.
(٥) في هذه المقولة.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ٩٢/٢.
(٧) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠٢/٢.
(٨) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٢٤٣/١.
(٩) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٦٥/١ (هامش "الدرر والغرر").
(١٠) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شرائط وجوب الغسل ٣٠٢/١.
(١١) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠٣/٢ نقلاً عن "المجتبى" والبدائع" أيضاً.

قسم العبادات
٣١٢
حاشية ابن عابدين
بعد خروجٍ أكثره، حتّى لو خرَجَ رأسُهُ فقط وهو يصيحُ فذبَحَهُ رجلٌ فعليه الغُرَّةُ،
وإِنْ قَطَعَ أذنَهُ فخرَجَ حياً فماتَ فعليه الدِّيَّةُ.
بلفظ: ((وعن "أبي حنيفة")).
[٧٥٤١] (قولُهُ: بعدَ خروجٍ أكثره) متعلّقٌ بـ ((وُجِدَ))، فلو خرَجَ رأسُهُ وهو يصيحُ ثُمَّ مات
لم يَرِثْ ولم يُصَلَّ عليه ما لم يَخرُج أكثرُ بدنه حيَّاً، "بحر "(١) عن "المبتغى". وحدُّ الأكثرِ مِن قِبَلِ
الرِّجْلِ سُرَّتُه، ومِن قِبَلِ الرأس صدرُهُ، "نهر "(٢) عن "منية المفتي".
٥٩٤/١
[٧٥٤٢) (قولُهُ: حَتَّى لو خرَجَ إلخ) أي: فلو اعتُبِرَ حياتُهُ عند خروجٍ الأقلِّ من النصف لكان
الواجبُ الدِّيةَ، فإيجابُ الغُرَّةِ في هذه الحالةِ مبنيٌّ على أنَّ هذا الخروجَ كعدمه، فإنَّ الغُرَّة إنما تجبُ
فيمن ضرَبَ بطنَ الحامل حتّى أسقطته ميتاً، فذبحُهُ قبل خروجٍ أكثرِهِ في حكم ضربه وهو في بطنِ
أمِّه، بخلاف ذبحِهِ بعد خروجٍ أكثره، فإِنَّه مُوجِبٌ للقَوَد، وبما قرَّرِناه ظهَرَ صحَّةُ التفريع وبطَلَ
التشنيعُ، فافهم.
(٧٥٤٣] (قولُهُ: فعليهِ الغُرَّةُ) هي نصفُ عشرِ دِيةِ الرَّجُل لو الجنينُ ذَكَرًاً، وعشرُ دِيةِ المرأة
لو أنثى، وكلٌّ منهما خمسمائةٍ درهمٍ، وهي خمسون دينارً كما سيأتي(٣) في محلّهِ.
هذا، وما ذكرَهُ "الشارح" نقَلَهُ في "البحر"(٤) عن "المبتغى" بالمعجمة، لكنْ (٥) ذكرنا(٦) في
كتاب الجنايات [٢/ق١٦٤ /ب] في أوائل فصلِ ما يُوجِبُ القَوَد عن "المجتبى" و"التتار خانَّة":
((أنَّ عليه الدِّيّةَ))، لكنَّ ما قرَّرناه (٧) آنفاً يُؤَيِّدُ ما هنا، أو يرادُ بالدِّيّةِ الغُرَّةُ، فتأمَّل.
[٧٥٤٤] (قولُهُ: فعليه الدِّيّةُ) ظاهرُ قوله: ((فمات)) أنَّ الموت بسببِ القطع، وعليه فالمرادُ
(١) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠٢/٢.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ق ٩٥/أ.
(٣) المقولة [٣٥٤٠٤] قوله: ((أي: دية الرجل إلخ)).
(٤) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠٢/٢-٢٠٣.
(٥) ((لكن)) ساقطة من "آ".
(٦) المقولة [٣٤٧٨١] قوله: ((والبالغ بالصبي)).
(٧) في المقولة السابقة.

الجزء الخامس
٣١٣
باب صلاة الجنائز
(وإلاَّ يَستهلَّ (غُسِّلَ وسُمِّيَ)
ديةُ النفس إنْ كان القطعُ خطأً، وإلاَّ وجَبَ القَوَدُ، لكنَّ عبارة "البحر"(١) عن "المبتغى": ((ثمَّ
مات))، وعليه فإنْ كان موتُهُ لا بسببِ القطع فالواجبُ دِيةُ الأذن، وإنْ كان به فالواجبُ دِيةُ
النفس أو القَوَدُ كما قلنا، لكنْ قال "الرحمتيُّ": ((إنما وجَبَت الدِّيةُ لا القصاصُ للشبهة، حيث
جرَحَهُ قبل تحقَّقِ كونِهِ ولداً)) اهـ، فليتأمَّل.
وفي "الإحكام"(٢) للشيخ "إسماعيل" عن "التهذيب لذهن اللبيب"(٢): ((مسألةٌ: رَجُلٌ قطَعَ
أذنَ إنسانٍ وجَبَ عليه خمسُمائةِ دينارٍ، ولو قطَعَ رأسَهُ وجَبَ عليه خمسون ديناراً. جوابُها: قطَعَ
أذنَ صبيّ خَرَجَ رأسُهُ عند الولادة، فإِنْ تَمَّتْ ولادته وعاش وجَبَ نصفُ الدِّيّة، وهي خمسمائةٍ
دينارِ، ولو قطَعَ رأسَهُ ومات قبل خروج الباقي وحَبَتْ فيه الغُرَّة، وهي خمسون ديناراً)) اهـ.
[٥ ٧٥٤)] (قولُهُ: وإِلَّ يَسْتِهِلَّ غُسِّلَ وسُمِّيَ) شَمِلَ ما تَمَّ خلقُهُ - ولا خلافَ في غَسله - وما
لم يَتِمَّ، وفيه خلافٌ، والمختارُ أَنَّه يُغسَل ويُلَفُّ في خرقةٍ ولا يُصلَّى عليه كما في "المعراج"
و "الفتح"(٤) و"الخانَّةُ"(٥) و"البَّازِيَّةِ"(١) و"الظهيرِيَّةِ"(٧)، "شرنبلاَّةٍ (٨). وذكَرَ في "شرح المجمع" لمصنّفه:
(قولُهُ: فالواجبُ ديةُ الأذن) أي: إذا كان خطأً، وإلاَّ ففيه القصاص.
(قولُهُ: إنما وجبت الدِّيةُ لا القصاصُ إلخ) حَرَى "السنديُّ" على ما قالَهُ "الرَّحمتيُّ".
(١) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠٣/٢.
(٢) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٢/ق٥٣/ب وعزاه أيضاً إلى آخر "المبتغى".
(٣) ويعرف بـ: "خيرة الفتاوى": لعلي بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصير الدين بن ملكان البرتواني الحنفي
(ت ٨٧٤ هـ). ("كشف الظنون" ٧٢٨/١، "هدية العارفين" ٧٣٥/١).
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ٩٣/٢ ولم ينص على الصلاة عليه.
(٥) "الخانية": كتاب الصلاة - باب غسل الميت ٨٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "البزازية": كتاب الصلاة - الجنائز ٧٨/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب السابع - الفصل الثالث في الجنائز وما يتعلق بها ق ٤٥/ب.
(٨) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٦٥/١ بتصرف (هامش "الدرر والغرر").

قسم العبادات
٣١٤
حاشية ابن عابدين
((أَنَّ الخلاف في الأوَّلِ، وأنَّ الثانيَ لا يُغْسَلُ إجماعاً)) اهـ.
واغتَرَّ في "البحر"(١) بنقل الإجماع على أنَّه لا يُغسَلُ، فحكَمَ على ما في "الفتح"
و"الخلاصة"(٢): ((من أنَّ المختار تغسيلُهُ)) بأنّه سبَقَ نظرُهما إلى الذي تَمَّ خلقُهُ، أو سهوٌ
من الكاتب، واعترضَهُ في "النهر"(٣): ((بأنَّ ما في "الفتح" و"الخلاصة" عزاه في "المعراج"
إلى "المبسوط"(٤) و"المحيط")) اهـ. وعلمتَ نقلَهُ أيضاً عن الكتب المذكورة.
وذكَرَ في "الإِحكام"(٥): ((أَنَّه جزَمَ به في "عمدة المفتي" و"الفيض" و"المجموع"(٦)
و"المبتغى")) اهـ.
فحيث كان هو المذكورَ في عامَّةِ الكتب فالمناسبُ الحكمُ بالسهو على ما في "شرح
المجمع"، لكنْ قال في "الشرنبلاليَّة"(٧): ((يمكنُ التوفيق بأنَّ مَن نَفَى غَسلَهُ أراد الغَسلَ المراعى فيه
وجهُ السنَّة، ومَن أثبتَهُ أرادَ الغَسل في الجملة كصبِّ الماءِ عليه من غيرِ وضوءٍ وترتيبٍ لفعله كغَسِهِ
ابتداءً بسِدْرٍ وحُرْضٍ)) اهـ.
قلت: ويؤيِّدُهُ قولُهم: ويُلَغُّ في خرقةٍ، حيث لم يراعُوا في تكفينه السنَّةَ، فكذا غَسُهُ.
(قولُهُ: لكنْ قال في "الشرنبلاليَّة": يمكنُ التوفيق إلخ) أي: بين عبارتي مَن قال بغسلِ الغيرِ التامٌّ ومَن
قال بعدمه، لا بين صدرِ عبارة "المجمع" في التامٌّ من أنَّ فيه خلافاً وما قيل: إنَّه ليس فيه خلافٌ، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠٣/٢.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس والعشرون في الجنائز ق ٥٦/أ.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ق ٩٥/أ.
(٤) لم نعثر على هذا النقل في "مبسوط السرخسي".
(٥) "الإِحکام": کتاب الصلاة - باب الجنائز ٢/ق٥٣/ب بتصرف.
(٦) هذا النقل بواسطة الإحكام، وكثيراً ما ينقل عن كتاب المجموع، ويريد به "مجموع النوازل"، ولعله "مجموع النوازل
والواقعات" لأبي العباس الناطفي (ت٤٤٦هـ).
(٧) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٦٥/١ (هامش "الدرر والغرر").

الجزء الخامس
٣١٥
باب صلاة الجنائز
عند "الثاني"، وهو الأصحُّ، فُفتَى به على خلاف ظاهر الرواية إكراماً لبني آدمَ
كما في "ملتقى البحار"، وفي "النهر" (١) عن "الظهيريَّة": ((وإذا استبانَ بعضُ خَلْقه
غُسِّلَ وحُشِرَ، هو المختارُ)) (وأُدرِجَ في خِرقةٍ ودُفِنَ.
[٧٥٤٦) (قولُهُ: عند "الثاني") المناسبُ [٢/ق١٦٥/أ] ذكرُهُ بعد قوله الآتي(٢): ((وإذا استبانَ
بعضُ خلقِهِ غُسِلَ))؛ لأَنَّك علمتَ أنَّ الخلاف فيه خلافاً لِما في "شرح المجمع" و "البحر"(٣).
[٧٥٤٧] (قولُهُ: إكراماً لبني آدم) علّةٌ للمتن كما يُعلَمُ من "البحر"(٤)، ويصحُّ جعلُهُ علّةً لقوله:
((فُقْتَى به)).
[٧٥٤٨] (قولُهُ: وحُشِرَ) المناسبُ تأخيرُهُ عن قوله: ((هو المختارُ))؛ لأنَّ الذي في
"الظهيريَّةِ"(٥): ((والمختارُ أَنَّه يُغْسَلُ، وهل يُحشَرُ؟ عن "أبي حفصِ الكبير"(٦) أَنَّه إنْ نُفِخَ فيه
الرُّوحُ حُشِرَ، وإلاَّ لا، والذي يقتضيه مذهبُ أصحابنا أنَّه إن استبانَ بعضُ خلقه فإنّه يُحشَرُ،
(قولُ "الشارح": على خلافٍ ظاهر الرِّواية) يعني أنَّ ظاهر الرِّواية يقتضي أنَّه إذا وُلِدَ ولم يستهلَّ
أُدْرِجَ في خرقٍ بغيرِ غسلٍ ودُفِنَ بلا صلاةٍ؛ لأنَّ الغسل لأجل الصلاة، ولا يُصلَّى عليه اتّفاقاً، فلا يُغسل
أيضاً، وهو قول "محمَّدٍ"، وبه أخَذَ "الكرخيُّ"؛ لأَنَّ كالجزء ما لم يستهلَّ، ولا يُصلَّى على الجزء، وإنما
كان المختارُ قولَ "أبي يوسف" لأَنّه لَمَّا كان نفساً من وجهٍ وجزءاً من وجهٍ أُعطِيَ حَظّاً من الشبهين.
ثمَّ هذا الخلاف في تامِّ الخلق، أمَّا فيما لم يَتِمَّ خلقُهُ فصاحبُ "البحر" جنَحَ إلى الأوَّلِ وغيرُهُ إلى الثاني.
اهـ من "السندي".
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ق٩٥/أ باختصار.
(٢) في هذه الصحيفة "در".
(٣) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠٣/٢.
(٤) "البحر": كتاب الجنائز ٢٠٣/٢.
(٥) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب السابع - الفصل الثالث في الجنائز وما يتعلق بها ق٤٥/ب.
(٦) في النسخ جميعها: ((أبو جعفر الكبير)) وهو خطأ، وما أثبتناه من "الظهيرية" هو الصواب، وتقدمت ترجمته ٤٥١/١.

قسم العبادات
٣١٦
حاشية ابن عابدين
ولم يُصَلَّ عليه) وكذا لا يَرِثُ إِنِ انفصَلَ بنفسِهِ (كصبيّ سُبِيَ مع أحدٍ أبويه) .....
وهو قولُ "الشعبيِّ" و"ابن سيرين"(١))) اهـ.
ووجهُهُ أنَّ تسميته تقتضي حشرَهُ؛ إذ لا فائدةً لها إلاَّ في ندائه في المحشرِ باسمه، وذكَرَ
"العلقميُّ" في حديثِ: ((سَمُّوا أسقاطَكم، فإِنَّهم فَرَطُكم)) الحديثَ(٢) فقال: ((فائدةٌ: سأل
بعضُهم: هل يكونُ السَّقِطُ شافعاً؟ ومتى يكون شافعاً: هل هو مِن مصيرِهِ علقةً، أم مِن ظهورِ
الحمل، أم بعدَ مضيِّ أربعة أشهرٍ، أم مِن نَفْخِ الرُّوح؟ والجوابُ: أنَّ العبرة إنما هو بظهورِ خلقِهِ
وعدمٍ ظهورِهِ كما حرَّرَهُ شيخُنا "زكريا"(٣)).
[٧٥٤٩] (قولُهُ: ولم يُصَلَّ عليه) أي: سواءٌ كان تامَّ الخلقِ أم لا، "ط)(٤).
[٧٥٥٠] (قولُهُ: إن انفصّلَ بنفسِهِ) أمَّا إذا أُفصِلَ كما إذا ضُرِبَ بطُها فألقَتْ جنيناً ميتاً فإنَّه
يَرِثُ ويُورَثُ؛ لأنَّالشارع لَمَّا أوجَبَ الغُرَّةَ على الضارب فقد حكَمَ بحياته، "نهر"(٥). أي: يَرِثُ
إذا مات أبوه مثلاً قبل انفصاله.
[٧٥٥١] (قولُهُ: كصبيٌّ سُبِيَ مع أحدٍ أبويه) وبالأولى إذا سُبِيَ معهما، والمجنونُ البالغُ
كالصبيِّ كما في "الشرنبلالَّة"(٦)، ولا فرقَ بين كون الصبيِّ مُمِّزاً أَوْ لا، ولا بين موته في دارِ
(١) الإِمام التابعيّ أبوبكر محمد بن سيرين البصريّ الأنصاريّ (ت ١١٠هـ). ("سير أعلام النبلاء" ٦٠٦/٤).
(٢) أخرجه ابن عساكر كما في "كنز العمال" رقم (٤٥٢١٤) عن أبي هريرة تط ته.
قال الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين" ٣٨٩/٥: ((وروى ابن عساكر في "التاريخ" عن أبي هريرة بلفظ: ((سموا
أسقاطكم فإنهم من أفراطكم)) رواه عن البختري بن عبيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، والبختري ضعيف)).
وقال ابن عدي في "الكامل" ٤٩٠/٢: ((ورَوَى عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبيل﴾ قدر عشرين حديثاً عامتها مناكير)).
وقال ابن حجر في "التقريب": ضعيف متروك.
(٣) أبو يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا شيخ الإسلام الأنصاريّ السُّنَيْكيّ المصريّ الشافعيّ(ت ٩٢٦هـ).
("الكواكب السائرة" ١٩٦/١، "الأعلام" ٤٦/٣).
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٣٧٨/١.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز - فصل في الصلاة على الميت ق ٩٥/أ.
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٦٦/١ (هامش "الدرر والغرر").