Indexed OCR Text
Pages 221-240
الجزء الخامس
٢١٧
باب صلاة الجنائز
(لو) بانَتْ قبل موته أو (ارتدَّتْ بعده) ثمَّ أسلَمَتْ (أو مَسَّتْ ابنَهُ بشهوةٍ) لزوال
النكاح (وجازَ لها) غَسلُهُ (لو أسلَمَ) زوجُ المجوسيَّة (فمات فأسلَمَتْ) بعده لحلِّ
مسِّها حينئذٍ اعتباراً بحالة الحياة.
(وُجِدَ رأسُ آدميٍّ) أو أحدُ شِقِّيه (لا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه) بل يُدفَنُ، إلاَّ أنْ
يوجد أكثرُ من نصفِهِ ولو بلا رأسٍ.
(والأفضلُ أنْ يُغسَّلَ) الميتُ (مَجَّاناً، فإن ابتغى الغاسلُ الأجرَ جاز إنْ كان ثَمَّةً
غيرُه، وإلاّ لا).
[٧٣٠٥] (قولُهُ: لو بانَتْ قبل موته) أي: بأيِّ سببٍ من الأسباب: بردَّتِها، أو بتمكينها
ابْنَهُ، أو طلاقٍ فإنَّها لا تُغسِّلُهُ [٢/ق١٤١ /ب] وإنْ كانت في العدَّة، "فتح"(١). أي: لعدم
بقاءِ الزوجيَّةِ عند الغَسل ولا عند الموت، واحترَزَ عمَّا لو طلَّقَها رجعيّاً ثُمَّ مات في عدَّتها
فإنَّهَا تُغْسِّلُهُ؛ لأَنَّه لا يُزيل مِلكَ النكاحِ، "بدائع"(٢).
[٧٣٠٦] (قولُهُ: بعدَهُ) أي: بعد موته.
[٧٣٠٧] (قولُهُ: لزوالِ النكاحِ) لأنَّ النكاح كانَ قائماً بعد الموت، فارتفَعَ بالردَّةِ وبالمسِّ
بشهوةٍ الموجبِ تحريمَ الممسوسةِ على أصولِ الماسِّ وفروعِهِ، ولو كان المعتبرُ بقاءَ الزوجيَّةِ
حالةَ الموت كما قال به "زفرُ" لجازَ لها تغسيلُهُ.
[٧٣٠٨] (قولُهُ: وجازَ لها إلخ) الأولى في حلِّ التركيب أنْ يقول: وجازَ لامرأةٍ
المجوسيِّ تغسيلُهُ لو أسلَمَ إلخ، "ح"(٣).
[٧٣٠٩] (قولُهُ: اعتباراً بحالةِ الحياة) فإِنَّه لو أسلمَتْ بعده وكان حيّاً يبقى النكاحُ ويحلُّ
المسرُّ، فكذا إذا أسلمَتْ بعد موته.
[٧٣١٠) (قولُهُ: ولو بلا رأسٍ) وكذا يُغسَّلُ لو وُجِدَ النصفُ مع الرأس، "بحر " (٤).
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الغسل ٧٦/٢.
(٢) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان الكلام فيمن يغسل ٣٠٤/١ بتصرف.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ق ١١١/ب بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الجنائز ١٨٨/٢.
قسم العبادات
٢١٨
حاشية ابن عابدين
لتعُّنِهِ عليه، وينبغي أن يكون حكمُ الحمَّال والحفَّار كذلك، "سراج"(١).
( إِنْ غُسِّلَ) الميتُ (بغيرِ نَّةٍ أجزَأَ) أي: لطهارتِهِ، لا لإسقاطِ الفرض عن ذمَّة
المكلفين.
[٧٣١١) (قولُهُ: لتعُنِهِ عليه) أي: لأَنَّه صار واجباً عليه عيناً، ولا يجوز أخذُ الأجرةِ على الطاعة
كالمعصية، وفيه أنَّ أخذَ الأجرة على الطاعة لا يجوزُ مطلقاً عند المتقدِّمين، وأجازَهُ المتأخّرون على
تعليمِ القرآن والأذانِ والإمامةِ للضرورة كما بُيِّنَ في محلّه (٢)، ومقتضاه عدمُ الجواز هنا وإنْ وُجِدَ غيرُهُ؛
لأَنّه طاعةٌ تَعَيَّنَ أوْ لا، ولا يختصُّ عدمُ الجواز بالواجب، نعم الاستئجارُ على الواجب غيرُ جائزِ اتّفاقاً
كما صرَّحَ بِه "القُهُستانيُ) (٣) في الإِحارات، وعبارةُ "الفتح"(٤): ((ولا يجوزُ الاستئجارُ
٥٧٦/١ على غسل الميت، ويجوزُ على الحمل والدفن، وأجازَهُ بعضُهم في الغَسل أيضاً)) اهـ، فليتأمَّل.
(قولُهُ: وفيه أنَّ أخذ الأجرة على الطاعة لا يجوزُ إلخ) الذي يظهرُ أنَّ كلام "المصنّف" مبنيٌّ على ما
قاله المتأخّرون من جوازِ أخذ الأجرة على القُرَبِ عند الضرورة، إلاَّ أنَّ هذا عند عدم التعيُّن، فإنَّها
إذا تعَّنَتْ صارت فرضاً عينيّاً عليه كأداء الصلوات، وعلى هذا يكونُ قولهم بالجواز مقيّداً بعدم التعُّن،
تأمَّل. وكلامُهم عامٌّ في مواضع الضرورة شاملٌ لِما هنا.
(قولُهُ: والإمامةِ) ونحوِها مما فيه ضرورةٌ.
(قولُهُ: كما صرَّحَ به "القهستانيُّ") عبارته: ((فلو كانت على أمرٍ مباحٍ كتعليم الكتابة والنجوم
والطبِّ والتعبير جازَتْ بالاتّفاق، ولو كانت على أمرٍ واجبٍ كما إذا كان المعلِّمُ أو الإمامُ أو المفتي
واحداً فإنّها لا تصحُّ بالإجماع كما في "الكرمانيّ")) اهـ.
(قولُهُ: ولا يجوزُ الاستئجارُ على غسل الميت) لعلَّ القائل به نظَرَ إلى وجودِ التبرُّع عادةً بالغسل
بخلاف الحمل والدفن.
(١) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ١/ق ٣٤٦/أ.
(٢) المقولة [٤٧٦٤] قوله: ((من أم بأجرة)).
(٣) "جامع الرموز": ٧٤/٢ بتصرف نقلاً عن الكرماني.
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الغسل ٧٦/٢.
الجزء الخامس
٢١٩
باب صلاة الجنائز
(و) لذا قالوا: (لو وُجدَ ميتٌ في الماءِ فلا بدَّ من غَسلِهِ ثلاثاً) لأَنَّا أُمِرنا بالغَسل،
فُيُحرِّكُه في الماء بنيَّةِ الغَسل ثلاثاً، "فتح". وتعليلُهُ يفيدُ أنَّهم لو صلَّوا عليه بلا إعادةٍ
غسلِهِ صحَّ وإنْ لم يَسقُطْ وجوبُهُ عنهم، فتدَّره.
[٧٣١٢) (قولُهُ: ولذا) أي: لكونِ النَّةِ ليست شرطاً لصحَّةِ الطهارة، بل شرطٌ لإسقاطِ
الفرض عن المكلَّفين.
(٧٣١٣) (قولُهُ: فلا بدَّ) أي: في تحصيلِ الغَسلِ المسنون، وإلاّ فالشرطُ مرَّةٌ، وكأنّه يشيرُ
بـ ((لا بدَّ)) إلى أنّه بوجودِهِ في الماء لم يَسقُطْ غَسُلُهُ المسنونُ فضلاً عن الشَّرط، تأمَّل.
[٧٣١٤] (قولُهُ: وتعليلُهُ) أي: تعليلُ "الفتح" بقوله: ((لأَنَّا أُمِرنا إلخ))، أي: ولم يَقُلْ
في التعليل: لأَنَّه لم يَطْهُر، "ط)" (١).
( تنبيةٌ )
اعلمْ أنَّ حاصل الكلام في المقام أنَّه قال في "التجنيس": ((ولا بدَّ من النَّةِ فِي غَسلِهِ في
الظاهر))، وفي "الخانّة"(٢): ((إذا جَرَى الماءُ على الميت أو أصابَهُ المطرُ عن "أبي يوسف" أَنَّه
لا ينوبُ [٢/ق١٤٢ /أ] عن الغَسل؛ لأَنَّا أُمِرنا بالغَسل، وذلك ليس بغَسلٍ))، وفي "النهاية"
و"الكفاية"(٢) وغيرهما: ((أَنَّه لا بدَّ منه إلاَّ أنْ يُحرِّكَه بنيَّةِ الغَسل))، وقال في "العناية"(٤): ((وفيه
نظرٌ؛ لأنَّ الماءَ مزيلٌ بطبعِهِ، وكما لا تجبُ النَّةُ فِي غَسلِ الحيِّ فكذا الميتُ، ولذا قال في "الخانيّة "(٥):
ميتٌ غسَّلَهُ أهلُهُ من غيرِ نَّةِ الغَسلِ أجزأهم ذلك)) اهـ.
وصرَّحَ في "التجريد" و"الإسبيجابيِّ" و"المفتاح" بعدم اشتراطِها أيضاً، ووفَّقَ في "فتح القدير"(١)
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٣٦٨/١.
(٢) "الخانية": كتاب الصلاة - باب غسل الميت ١٨٧/١ بتصرف يسير (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الكفاية": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الغسل ٧٤/٢ نقلاً عن "النوازل" (هامش "فتح القدير").
(٤) "العناية": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الغسل ٧٤/٢ بتصرف (هامش "فتح القدير").
(٥) "الخانية": كتاب الصلاة - باب غسل الميت ١٨٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "فتح القدير": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الغسل ٧٠/٢.
قسم العبادات
٢٢٠
حاشية ابن عابدين
بقوله: ((الظاهرُ اشتراطُها فيه لإسقاطِ وجوبِهِ عن المكلَّف لا لتحصيلِ طهارته هو وشرطِ صحَّةٍ
الصلاةِ علیه)) اهـ.
وبحَثَ فيه "شارح المنية"(١): ((بأنَّ ما مرَّ(٢) عن "أبي يوسف" يفيدُ أنَّ الفرض فعلُ الغَسلِ
منَّا، حتَّى لو غسَّلَهُ لتعليمِ الغيرِ كفى، وليس فيه ما يفيدُ اشتراطَ النَّةِ لإسقاطِ الوجوب بحيث
يَستحِقُّ العقابَ بتركها، وقد تقرَّرَ في الأصول أنَّ ما وجَبَ لغيره من الأفعال الحسِّيَّةِ يُشترَطُ
وجودُهُ لا إيجادُهُ كالسعي والطهارة، نعم لا يَنالُ ثوابَ العبادة بدونها)) اهـ.
وأقرَّهُ "الباقانيُّ"، وأَيَّدَهُ بما في "المحيط": ((لو وُجِدَ الميتُ في الماء لا بدَّ من غَسلِهِ؟
لأَنَّ الخطابَ يتوجَّهُ إلى بني آدم، ولم يوجد منهم فعلٌ)) اهـ.
فتلخَّصَ أَنَّه لا بدَّ في إسقاطِ الفرض من الفعل، وأمَّا النَّةُ فشرطٌ لتحصيلِ الثواب، ولذا صحَّ
تغسيلُ الذميَّةِ زوجَها المسلمَ مع أنَّ النَّةِ شرطُها الإِسلامُ، فيسقطُ الفرضُ عنَّا بفعلنا بدون نَّةٍ، وهو
المتبادرُ من قول "الخانَّةُ "(٢): ((أجزَأَهم ذلك))، بقي قولُ "المحيط ": ((لأنَّ الخطابَ يتوجَّهُ إلى بني
آدم))، ظاهرُهُ أَنّه لا يسقطُ بفعل الملك، وتَرِدُ عليه قصَّةُ "حنظلةَ" غسيلِ الملائكة(٤)، وقد يقال:
إنَّ فعلهم ذلك كان بطريقِ النيابة، تأمَّل. وسيأتي(٥) تحقيقُهُ في باب الشهيد.
هذا، وقد صرَّحَ في "أحكام الصغار"(٦): ((بأنَّ الصبيَّ إذا غسَّلَ الميتَ جاز)) اهـ. ومثلُهُ ما
سنذكرُّهُ(٧) عن "البدائع": ((من أنَّه لو ماتت امرأةٌ بين رجالٍ ومعهم صبيٌّ غيرُ مشتهىَّ علَّمُوه
الغسلَ لْيُغَسِّلَها))، وبه عُلِمَ أنَّ البلوغ غيرُ شرطٍ.
(١) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في الجنازة صـ ٥٨٠ - بتصرف.
(٢) في هذه المقولة.
(٣) "الخانية": كتاب الصلاة - باب غسل الميت ١٨٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) سيأتي تخريجه صـ ٣٨٤ -.
(٥) المقولة [٧٧٠٠] قوله: ((ولم يعد)).
(٦) "جامع أحكام الصغار": مسائل الصلاة - المسألة الثالثة والثلاثون ٤٤/١.
(٧) المقولة [٧٣٢٢] قوله: ((يهمه المحرم)).
الجزء الخامس
٢٢١
باب صلاة الجنائز
وفي "الاختيار": ((الأصلُ فيه تغسيلُ الملائكة لآدمَ عليه السلام، وقالوا لولدِهِ: هذه
سنة موتاكم))(١).
م م
( فروعٌ) لو لم يُدْرَ أمسلمٌ أم كافرٌ ولا علامةَ فإنْ في دارِنا غُسِّلَ وصُلِّيَ عليه،
وإلاَّ لا. اختلَطَ موتانا بكفَّارٍ ولا علامةَ اعتُبرَ الأكثرُ، فإنِ اسْتَوَوا غُسِّلُوا،.
[٧٣١٥] (قولُهُ: وفي "الاختيار"(٢) إلخ) استُفِيدَ منه أنَّه شريعةٌ قديمةٌ، وأنَّه يسقطُ وإِنْ
لم يكن الغاسلُ مكلَّفاً، ولذا لم يُعِدْ أولادُ [٢/ق١٤٢/ب] أبينا آدم عليه السلام غَسلَهُ، "ط" (٣).
[٧٣١٦] (قولُهُ: فإنْ في دارِنا إلخ) أفادَ بذكر التفصيل في المكان بعد انتفاء العلامة أنَّ
العلامة مقدّمةٌ، وعند فَقْدِها يُعتبَرُ المكانُ في الصحيح؛ لأَنَّه يحصلُ به غلبةُ الظنِّ كما
في "النهر"(٤) عن "البدائع"(٥)، وفيها: ((أَنَّ علامة المسلمين أربعةٌ: الخِتانُ، والخِضابُ، ولبسُ
السواد، وحلق العانة)) اهـ.
قلت: في زماننا لبسُ السواد لم يَبْقَ علامةً للمسلمين.
[٧٣١٧] (قولُهُ: اعتُبرَ الأكثرُ) أي: في الصلاةِ بقرينة قوله في الاستواء: ((واختُلِفَ في الصلاة
(قولُهُ: أي: في الصلاةِ) القصدُ بهذا التفسيرِ ردُّ ما قال "ط" بقوله: ((فإنْ كان الأكثرُ مسلمين
يُغسّلون إلخ))، فإنَّ اعتبار الأكثريَّة إنما يُراعَى شرطً للصلاة بدون خلافٍ لا للغسل، فإنّه يجبُ مع
الاستواء، فعلى هذا يكونُ محلُّ الردِّ قولَهُ: ((غسّلوا)) لا قولَهُ: ((واختُلِفَ في الصلاة عليهم))؛
إذ لا دخلَ له فيه، إلاَّ أنْ يقال: حكايةُ الخلاف في الصلاة والدفن تُشعِرُ بالاتّفاق على الغسل كما ظهَرَ،
لكنْ قد يقال: إنَّ قصده بالاعتبارِ الأكثرَ الاحترازُ عن مراعاة الأقلِّ فقط لا المساوي بدليلٍ ذكر حكمه
(١) أخرجه عبد الرزاق (٦٠٨٦)، وابن أبي شيبة ١٣٠/٣ كتاب الجنائز - باب ما قالوا في الميت: كم يغسل وما يجعل
في الماء مما يغسل به، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٤٠٤/٣ كتاب الجنائز - باب الحنوط للميت، وأخرجه الحاكم
٣٤٤/١-٣٤٥ كتاب الجنائز، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وهو من النوع الذي لا يوجد للتابعي إلا
الراوي الواحد، فإن عُتي بن ضمرة السعدي ليس له راوٍ غير الحسن، وعندي أن الشيخين عللاه بعلة أخرى، وهو
أنه رُوي عن الحسن عن أبي بن كعب دون ذكر عُتي من حديث أبيّ بن كعب ◌َّه مرفوعاً.
(٢) "الاختيار": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في غسل الميت ٩١/١.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٣٦٨/١ نقلاً عن أبي السعود.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ق ٩٢/أ.
(٥) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شرائط وجوب الغسل ٣٠٣/١ بتصرف.
قسم العبادات
٢٢٢
حاشية ابن عابدين
واختُلِفَ في الصلاة عليهم ومحلِّ دفنهم كدفن ذمِّيَّةٍ حبلى مِن مسلمٍ، قالوا:
والأحوطُ دفنها على حدٍ، ويُجعَلُ ظهرُها إلى القبلة؛
عليهم))، قال في "الحلبة"(١): ((فإنْ كان بالمسلمين علامةٌ فلا إشكالَ في إجراءِ أحكام
المسلمين عليهم، وإلاَّ فلو المسلمون أكثرَ صلَّى عليهم وينوي بالدعاءِ المسلمين، ولو الكفارُ
أكثرَ ففي "شرح مختصر الطحاويِّ" لـ "الإسبيجابيِّ"(٢): لا يُصلَّى عليهم، لكنْ يُغسَّلون
ويُكفّنون ويُدفَنون في مقابرِ المشركين)) اهـ.
قال "ط"(٣): ((وكيفيَّةُ العلمِ بالأكثر أنْ يُحصَى عددُ المسلمين ويُعلَّمَ ما ذهب منهم
ويُعَدَّ الموتى، فيظهرُ الحال)).
[٧٣١٨) (قولُهُ: واخْتُلِفَ في الصلاةِ عليهم) فقيل: لا يُصلّي؛ لأنَّ ترك الصلاةِ على المسلم
مشروعٌ في الجملة كالبغاةِ وقُطَّاعِ الطريق، فكان أولى من الصلاة على الكافر؛ لأنّها غيُّر
مشروعةٍ لقوله تعالى: ﴿وَلَ تُّصَلّ عَ أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبْدَا﴾ [التوبة - ٨٤]، وقيل: يُصلِّي ويقصدُ
المسلمين؛ لأَنَّه إنْ عجَزَ عن التعيين لا يَعجَزُ عن القصد كما في "البدائع"(٤)، قال في "الحلبة"(٥):
((فعلى هذا ينبغي أنْ يُصلِّيَ عليهم في الحالةِ الثانية أيضاً، أي: حالة ما إذا كان الكفارُ أكثرَ؛ لأَنَّه
حيث قصَدَ المسلمين فقط لم يكن مصلّياً على الكفّار، وإلاَّ لم تَحُز الصلاة عليهم في الحالة
الأُولى أيضاً مع أنَّ الاتّفاق على الجواز، فينبغي الصلاةُ عليهم في الأحوالِ الثلاثِ كما قالت به
"الأئمَّةُ الثلاثة"، وهو أوجهُ قضاءً لحقِّ المسلمين بلا ارتكابِ منهيٍّ عنه)) اهـ ملخّصاً.
[٧٣١٩) (قولُهُ: ومحلِّ دفتِهِم) بالجرِّ عطفاً على ((الصلاة))، ففيه خلافٌ أيضاً.
[٧٣٢٠) (قولُهُ: كدفنِ ذمَّةٍ) جعَلَ الأوَّلَ مشبَّهاً بهذا؛ لأَنّ لا روايةَ فيه عن "الإِمام"، بل فيه
مستقلاً، فيصحُّ تفسيرُ "ط"، تأمَّل. لكن ما نقله عن "الحلبة" يفيدُ أنَّ اعتبار الأكثرِيَّة إنما هو في الصلاة
لا في الغسل، فإنّهم يغسّلون ولو الكفارُ أكثرَ.
(١) "الحلبة": التكملة - الفصل السابع عشر في صلاة الجنازة ٢/ق٣١٦/ب بتصرف.
(٢) انظر تعليقنا المتقدم ٤٨٧/١.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ٣٦٩/١.
(٤) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شرائط وجوب الغسل ٣٠٣/١ بتصرف.
(٥) "الحلبة": التكملة - الفصل السابع عشر في صلاة الجنازة ٢/ق٣١٦/ب.
الجزء الخامس
٢٢٣
باب صلاة الجنائز
لأنَّ وجهَ الولد لظهرِها. ماتَتْ بين رجالٍ، أو هو بين نساءٍ يَمَّمَهُ المحرَمُ، فإنْ
لم يكن فالأجنبيُّ بخرقةٍ، ويُيَمَّمُ الخنثى المشكلُ لو مراهقاً، ..
اختلافُ المشايخ قياساً على هذه المسألة، فإنَّه اختلَفَ فيها الصحابةُ رضي الله [٢/ق١٤٣ / أ] تعالى
عنهم على ثلاثةِ أقوال، فقال بعضهم: تُدفَنُ في مقابرنا ترجيحاً لجانب الولد، وبعضُهم في مقابرِ
المشركين؛ لأنَّ الولد في حكم جزءٍ منها ما دام في بطنها، وقال "واثلةُ بن الأسقع" يَتَّخَذُ لها مقبرةٌ
على حدةٍ، قال في "الحلبة"(١): ((وهذا أحوطُ)).
والظاهرُ - كما أفصَحَ به بعضُهم - أنَّ المسألة مصوَّرةٌ فيما إذا نُفِخَ فيه الرُّوحُ، وإلاَّ دُفِنَتْ
في مقابر المشركين.
[٧٣٢١] (قولُهُ: لأنَّ وجهَ الولدِ لظهرِها) أي: والولدُ مسلمٌ تبعاً لأبيه، فُيُوجَّهُ إلى القبلةِ بهذه
الصفة، "ط" (٢).
٥٧٧/١
[٧٣٢٢) (قولُهُ: يَمَّمَهُ المحرَمُ إلخ) أي: يَمَّمَ الميتَ الأعمُّ من الذكر والأنثى، وكذا قوله:
((فالأجنبيُّ))، أي: فالشخصُ الأجنبيُّ الصادقُ بذلك، وأفاد أنَّ المَحرَم لا يحتاجُ إلى خرقةٍ؛ لأَنَّه
يجوزُ له مسُّ أعضاءِ التيمُّمِ بخلاف الأجنبيِّ، إلاَّ إذا كان الميتُ أَمَةً؛ لأنّها كالرَّجُل.
ثمَّ اعلمْ أنَّ هذا إذا لم يكن مع النساء رجلٌ لا مسلمٌ ولا كافرٌ ولا صبيّةٌ صغيرةٌ، فلو معهنَّ
كافرٌ عَلَّمَنَهُ الغَسلَ؛ لأنَّ نظر الجنس إلى الجنس أخفُّ وإنْ لم يُوافِقْ في الدِّين، ولو معهنَّ صيّةٌ
لم تبلغ حدَّ الشهوة، وأطاقَتْ غَسَلَهُ عَلَّمَنَها غَسَلَهُ؛ لأنَّ حكم العورة غيرُ ثابتٍ في حقِّها،
وكذا في المرأة تموتُ بين رجالٍ معهم امرأةٌ كافرةٌ أو صبيٌّ غيرُ مشتهىٌ كما بسَطَهُ في "البدائع"(٣).
(٧٣٢٣] (قولُهُ: لو مراهقاً) المرادُ به هنا مَن بلَغَ حدَّ الشهوة كما يُعلَمُ مما بعده(٤).
(١) "الحلبة": التكملة - الفصل السابع عشر في صلاة الجنازة ٢/ق٣١٧/أ.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٣٦٩/١.
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان الكلام فيمن يغسل ٣٠٥/١ -٣٠٦.
(٤) المقولة [٧٣٢٤] قوله: ((وإلا فكغيره)).
قسم العبادات
٢٢٤
حاشية ابن عابدين
وإلاّ فكغيرهٍ، فيغسِّلُهُ الرجالُ والنساء. يُمِّمَ لفقدِ ماءٍ وصُلِّيَ عليه، ثمَّ وَجَدوه
غسَّلوه وصلَّوا ثانياً،.
[٧٣٢٤] (قولُهُ: وإلاَّ فكغيرِهِ) أي: من الصِّغارِ والصَّغائرِ، قال في "الفتح"(١): ((الصغيرُ
والصغيرةُ إذا لم يبلغا حدَّ الشهوةِ يُغْسِّلُهما الرجالُ والنساء، وقدَّرَهُ في "الأصل"(٢) بأنْ يكون قبلَ
أن يتكلَّمَ)) اهـ.
[٧٣٢٥] (قولُهُ: يُمِّمَ لفَقْدٍ ماءٍ إلخ) قال في "الفتح"(٣): ((ولو لم يُوجَدْ ماءٌ فَيُمِّمَ الميتُ وصِلَّوا
(قولُهُ: قال في "الفتح": الصغيرُ والصغيرة إلخ) تقدَّمَ لـ "الشارح" في شروط الصلاة عن "السِّراج" ما
نصُّهُ: ((لا عورةَ للصغير جدًّا، ثمَّ ما دام لم يُشْتَهَ فقبلٌ ودبرٌ، ثمَّ تُغلّظُ إلى عشرٍ سنين، ثمَّ كبالغٍ)) اهـ، تأمَّل.
(قولُهُ: وقدَّرَهُ في "الأصل") أي: الصِّغْرَ كما في "المنح".
(قولُهُ: قال في "الفتح": ولو لم يوجد ماءً إلخ) في "السِّراج": ((وإذا غُسل الميتُ وكفّن وقد بقي
منه عضوٌ لم يُصِبْهُ الماءِ فإِنَّه يُغْسَلُ ذلك الموضعُ الذي بقي، ويُنقَضُ الكفن ثمَّ يُكفَّنُ ويُصلَّى عليه، وإن
بقي إصبعٌ أو نحوها لا يُنقَضُ الكفنُ عندهما، وقال "محمَّدٌ": يُنقَضُ ويُغسَلُ ذلك الموضع، وإن عُلِمَ ذلك
قبل التكفين غُسل بالإجماع، هذا إذا عُلِمَ قبل الصلاة عليه، فإِنْ صُلِّيَ عليه قبل الغسل أو بقيَ منه عضوٌ
كاملٌ فإنّه يُغسل وتعادُ الصلاة عليه، وكذا إذا ذكروا ذلك بعدما وُضِعَ في القبر وسُوِّيَ عليه اللَِّنُ قبل
أنْ يُهالَ عليه التراب، وإذا أُهِيلَ عليه التراب وبلغ الترابُ اللَّحدَ لم يُنبَشْ وسقط الغسل، وعادت
الصلاةُ إلى الجواز، كذا في "الخجنديِّ")) اهـ سندي. وذكَّرَ أيضاً عند قول "المصنّف": ((وشرطُها إسلامُ
الميت)) ما نصُّهُ: ((قال في "شرح المجمع": وإذا عُلِمَ بعد التكفين أنَّ أقلَّ من عضوِ الميت لم يُغسل أمَرَ
"محمَّدٌ" بنَزْعِ الكفن وغسلٍ ذلك الموضع خلافاً لهما، له أنَّ الغسل لم يَتِمَّ كما لو ترَكَ عضواً، ولهما أنَّ
قليلاً من العضو قد يتسارَعُ إليه الجفافُ، فُيُحتمَلُ أَنَّه أُصيب به الماءُ ثُمَّ جَفَّ، فلا يُنزَعُ بالشكِّ بخلاف
العضو الکامل؛ لانتفاء الاحتمال فیہ)) اهـ.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الغسل ٧٦/٢.
(٢) "الأصل": كتاب الصلاة - باب غسل الميت من الرجال والنساء ٣٩٢/١.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الغسل ٧٦/٢.
الجزء الخامس
٢٢٥
باب صلاة الجنائز
وقيل: لا
(ويُسَنُّ في الكفنِ.
عليه، ثمَّ وجدوه غَسَّلوه وصلّوا عليه ثانياً عند "أبي يوسف"، وعنه يُغسَّلُ ولا تعاد الصلاةُ عليه،
ولو كفَّنوه وبقي منه عضوٌ لم يُغسَلْ فإنّه يُغْسَلُ ذلك العضوُ، ولو بَقِيَ نحوُ الإصبعِ لا يُغْسَلُ)) اهـ
[٧٣٢٦) (قولُ: وقيل لا) أي: يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه كما علمتَهُ.
قلت: ولا يظهرُ الفرقُ بينه وبين الحيِّ، فإنَّ الحيَّ لو تيمَّمَ لفَقْدِ الماءِ وصلَّى ثمَّ وجَدَهُ
لا يعيدُ، ثمَّ رأيتُ في "شرح المنية"(١) نقلاً عن "السروجيّ": ((أنَّ هذه الروايةَ [٢/ق١٤٣/ب]
موافقةٌ للأصول)) اهـ. وفيه إشعارٌ بترجيحِها لِما قلنا.
( خاتمةٌ )
يُندَبُ الغُسلُ من غَسل الميت، ويكره أنْ يُغسِّلَه جنبٌ أو حائضٌ، "إمداد"(٢). والأولى كونُهُ
أقربَ الناس إليه، فإنْ لم يُحسِن الغسلَ فأهلُ الأمانة والورع، وينبغي للغاسل ولمن حضَرَ إذا رأى
ما يُحِبُّ الميت سترَهُ أنْ يسترَهُ ولا يُحدِّثَ به؛ لأَنَّه غيبةٌ، وكذا إذا كان عيباً حادثاً بالموت كسوادٍ
وجهٍ ونحوه ما لم يكن مشهوراً ببدعةٍ، فلا بأس بذكره تحذيراً من بدعته، وإنْ رأى من أماراتٍ
الخير كوضاءةِ الوجهِ والتبسُمِ ونحوه اسْتُحِّبَ إظهارُهُ لكثرة الترجُّمِ عليه والحثّ على مثلٍ عملِهِ
الحسن، "شرح المنية"(٣).
مطلبٌ في الكفن
[٧٣٢٧] (قولُهُ: ويُسَنُّ في الكفن إلخ) أصلُ التكفين فرضُ كفايةٍ، وكونُهُ على هذا الشكلِ
مسنونٌ، "شرنبلاليَّة"(٤).
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في الجنازة صـ٦٠٥ -.
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب أحكام الجنائز ق ٣١٣/أ.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في الجنازة صـ ٥٨٠- باختصار.
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٦١/١ (هامش "الدرر والغرر").
قسم العبادات
٢٢٦
حاشية ابن عابدين
له إزارٌ وقميصٌ ولُفافٌ، وتكرهُ العمامةُ) للميت (في الأصحِّ) "مجتبى"، واستحسَنَها
المتأخّرون للعلماء والأشراف، ولا بأس بالزيادة على الثلاثة،
[٧٣٢٨) (قولُهُ: له) أي: للرجل.
[٧٣٢٩] (قولُهُ: إزارٌ إلخ) هو من القرنِ إلى القدم، والقميصُ من أصلِ العنق إلى القدمين
بلا دخريصٍ وكمَّين، واللفافةُ تزيدُ على ما فوق القرن والقدم ليُلَفَّ فيها الميتُ وتُرَبَطَ من الأعلى
والأسفل، "إمداد"(١). والدِّخريصُ: الشقُّ الذي يُفْعَلُ في قميص الحيِّ ليتَّسع للمشي.
[٧٣٣٠] (قولُهُ: وتكرهُ العمامةُ إلخ) هي بالكسرِ ما يُلَفُّ على الرأس، "قاموس"(٢). قال
"ط"(٣): ((وهي محلُّ الخلاف، وأمَّا ما يُفعَلُ على الخشبة من العمامة والزينة ببعضِ حَلْىٍ فهو من
المكروهِ بلا خلافٍ لِما تقدَّمَ أَنَّ يكره فيه كلُّ ما كان للزِّينة)) اهـ.
(٧٣٣١] (قولُهُ: في الأصحِّ) هو أحدُ تصحيحين، قال "القهستانيُّ(٤): ((واستُحسِنَ على
الصحيح العمامةُ، يُعمَّمُ يميناً ويُذَنَّبُ ويُلَغُّ ذَنْبُهُ على كورةٍ من قِبَلِ يمينه، وقيل: يُذْنِّبُ على وجهِهِ
كما في "التمرتاشيّ"، وقيل: هذا إذا كان من الأشراف، وقيل: هذا إذا لم يكن في الورثةِ صغارٌ،
وقيل: لا يُعمَّمُ بكلِّ حالٍ كما في "المحيط " (٥)، والأصحُّ أَنَّه تكره العمامةُ بكلِّ حالٍ كما في
"الزاهديِّ")) اهـ.
(٧٣٣٢] (قولُهُ: ولا بأس بالزيادةِ على الثلاثةِ) كذا في "النهر"(٦) عن "غاية البيان"، ونقَلَ قبله
عن "المجتبى" الكراهةَ، لكنْ قال في "الحلبة"(٧) عن "الذخيرة" معزيًّاً إلى "عصام": ((إنَّه إلى خمسةٍ
(١) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب أحكام الجنائز ق ٣١٤/ب - ٣١٥/أ.
(٢) "القاموس": مادة ((عمم)).
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٣٦٩/١.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٧٣/١.
(٥) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة - الفصل الثاني والثلاثون في الجنائز ١/ق١١٩/ب.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ق ٩٢/ب.
(٧) "الحلبة": التكملة - الفصل السابع عشر في صلاة الجنازة ٢/ق٣٠٧/ب.
الجزء الخامس
٢٢٧
باب صلاة الجنائز
ليس بمكروهٍ، ولا بأس به)) اهـ، ثمَّ قال: ((ووُجِّهَ بأنَّ "ابن عمر" ((كفَّنَ ابنَهُ " واقداً"
[٢ / ق ١٤٤/أ] في خمسةِ أثوابٍ: قميصٍ وعمامةٍ وثلاثٍ لفائفَ، وأدارَ العمامةَ إلى تحت
حَكِهِ))، رواه "سعيد بن منصورٍ"(١)) اهـ.
قال في "البحر"(٢) بعد نقلِ الكراهة عن "المجتبى": ((واستثنَى في "روضة الزندويستي"
ما إذا أوصى بأنْ يُكفِّنَ في أربعةٍ أو خمسةٍ فإنّه يجوزُ، بخلاف ما إذا أوصى أنْ يُكفِّنَ في ثوبين
فإنّه يُكفِّنُ في ثلاثةٍ، ولو أوصى أنْ يُكفِّنَ بألف درهمٍ كُفّنَ كفناً وسطاً)) اهـ.
قلت: الظاهرُ أنَّ الاستثناء الذي في "الروضة" منقطعٌ؛ إذ لو كُرِهَ لم تنفذ وصيَُّهُ كما
لم تنفذ بالأقلِّ، تأمَّل.
(قولُهُ: منقطعٌ) يظهرُ لو كانت عبارتُهُ غيرَ مصرِّحةٍ بكراهة الزِّيادة على الثلاث، والمتبادرُ من
الاستثناء أنّه صرَّحَ أوَّلاً بكراهة الزِّيادة على الثلاث، ولعلَّ وجه عدم الكراهة فيما لو أوصى أنَّها
لم تتمخَّض الكراهة لقول "مالكٍ" باستحباب الخمس للرِّجال والتسع للنساء، ثمَّ رأيت في "البناية" نقلاً
عن "الذخيرة": ((لو أوصى أنْ يُكفَّنَ الرَّجلُ زيادةً على الثلاثة إلى خمسةِ أثوابٍ مثل كفن النساء
فلا یکرهُ، ولا بأس به)) اهـ.
(١) كذا في "الحلبة"، ولم نعثر عليه في المطبوعة التي بين أيدينا من سننه، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" ٢٠٤/٥، وأخرج
قطعة منه مالك في "الموطأ" ٣٢٧/١ كتاب الحج - باب تخمير المحرم وجهه.
وفي "د" زيادة: ((وأوصى أنس لابن سيرين أن يغسله، فغسله وكفنه في خمسة أثواب أحدها العمامة، وطلاه بالمسك من
قرنه إلى قدمه، رواه حرب في مسائله. ومن ثم استحسَنَ العمامةَ في الكفن بعضُ المشايخ، ثم منهم من قال: كان ابن عمر
يعمم الميت ويرسل ذنب العمامة على وجهه بخلاف حالة الحياة، فإنه يرسل ذنبها من قِبَلِ القفا؛ لأنّ ذلك لمعنى الزينة وقد
انقطع ذلك بالموت، وهذا هو المذكور في "البدائع". ومنهم من قال: لأنّ ابنَ عمر أوصى، وكان يعمم من هلك من أقاربه
ويذنب ويلف ذنبه على كوره من قِبَلٍ يمينه ويعمم يميناً، وهذا هو المذكور في "شرح الجامع الصغير" لفخر الإسلام.
وفي "الفتاوى الظهيرية": إذا كان عالماً معروفاً أو من الأشراف يعمم، وإن كان من أوساط الناس لا يعمم اهـ.
وكرهها بعض مشايخنا؛ لما في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كُفّنَ رسول اللهِ﴾﴿ في ثلاثة أثواب
بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة)) ولأن الكفن يصير بها شفعاً، ونص في "شرح الزاهدي" على أنه
الأصح ولا يعرى عن تأمل اهـ ما في "الحلبة" على "المنية" للمحقق ابن أمير حاج)).
(٢) "البحر": كتاب الجنائز ١٨٩/٢.
قسم العبادات
٢٢٨
حاشية ابن عابدين
ويُحسَّنُ الكفنُ لحديث: ((حَسِّنوا أكفانَ الموتى، فإنّهم يتزاورون فيما بينهم
ويتفاخرون بِحُسْنِ أكفانهم))، "ظهيريَّة" (١) (ولها دِرْعٌ) أي: قميصٌ (وإزارٌ.
[٧٣٣٣) (قولُهُ: ويُحسِّنُ الكفنُ) بأنْ يُكفَّنَ بكفنِ مثلِهِ، وهو أنْ يُنظَرَ إلى ثيابه في حياته
للجمعة والعيدين، وفي المرأة ما تلبسُهُ لزيارة أبويها، كذا في "المعراج"، فقولُ "الحدَّاديّ"(٢).
((وتكره المغالاةُ في الكفن)) يعني: زيادةٌ على كفنِ المثل، "نهر "(٣).
[٧٣٣٤) (قولُهُ: لحديثِ إلخ) وفي "صحيح مسلمٍ)"(٤) عنه ﴿َ: ((إذا كفَّنَ أحدُكم أخاه
فليُحسِنْ كَفَنَهُ))، وروى "أبو داود"(٥) عنه ◌َ: ((لا تُغالوا في الكفن، فإِنَّه يُسلَبُ سلباً سريعاً)،
وجُمِعَ بين الحديثين بأنَّ المراد بتحسينه بياضُهُ ونظافتُهُ لا كونُهُ ثميناً، "حلبة"(٦). وهو في معنى ما
مرَّ(٧) عن "النهر".
[٧٢٣٥] (قولُهُ: ويتفاخرون) المرادُ به الفرحُ والسرورُ حيث وافَقَ السّنّة، والزيارةُ وإنْ كانت
للرُّوحِ لكنْ للرُّوحِ نوعُ تعلُّقٍ بالجسد.
[٧٣٣٦] (قولُهُ: ولها) أي: ويُسَنُّ في الكفن للمرأة.
[٧٣٣٧] (قولُهُ: أي: قميصٌ) أشار إلى ترادفهما كما قالوا، وقد فُرِّقَ بينهما بأنَّ شقَّ الدِّرع
(١) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب السابع - الفصل الثالث في الجنائز وما يتعلق بها ق ٤٦/أ.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١/ق ٣٥٢/أ.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ق٩٢/ب.
(٤) أخرجه مسلم (٩٤٣) كتاب الجنائز - باب في تحسين كفن الميت، وأخرجه أحمد ٣٤٩/٣، وأبو داود (٣١٤٨)
كتاب الجنائز - باب في الكفن، والبيهقي ٤٠٣/٣ كتاب الجنائز - باب ما يستحب من تحسين الكفن، عن جابر
ابن عبد الله ﴾ه مرفوعاً.
(٥) أخرجه أبو داود (٣١٥٤) كتاب الجنائز - باب كراهية المغالاة في الكفن، والبيهقي ٤٠٣/٣ كتاب الجنائز - باب
من كره ترك القصد فيه، عن علي بن أبي طالب مرفوعاً.
قال ابن حجر في "التلخيص" ١٠٩/٢: أبو داود من رواية الشعبي عن علي، وفي الإسناد عمرو بن هاشم الجنبي،
مختلف فيه، وفيه انقطاع بين الشعبي وعلي؛ لأن الدارقطني قال: إنه لم يسمع منه سوی حدیث واحد.
(٦) "الحلبة": التكملة - الفصل السابع عشر في صلاة الجنازة ٢/ق٣٠٧/أ باختصار يسير.
(٧) في المقولة السابقة.
الجزء الخامس
٢٢٩
باب صلاة الجنائز
وخِمارٌ ولُفافةٌ وخرقَةٌ تُربَطُ بها ثدياها) وبطنُها (وكفايةً له إزارٌ ولفافةٌ)
.
إلى الصدر والقميصِ إلى المنكب، "قهستاني"(١).
٥٧٨/١
[٧٣٣٨] (قولُهُ: وخِمارٌ) بكسر الخاء: ما تغطّي به المرأةُ رأسَها، قال الشيخ "إسماعيل"(٢):
((ومقدارُهُ حالةَ الموت ثلاثةُ أذرعٍ بذراع الكرباس، يُرسَلُ على وجهِها ولا يُلَفُّ كذا
في "الإيضاح" و"العتَّابِيِّ")) اهـ.
[٧٣٣٩)] (قولُهُ: وخرقةٌ) الأولى أنْ تكون من الثديين إلى الفخذين، "نهر"(٣) عن "الخانّة "(٤).
[٧٣٤٠] (قولُهُ: وكفايةٌ) أي: الاقتصارُ على الثوبين له كفنُ الكفاية؛ لأَنَّه أدنى ما يُلْبَسُ حالَ
حياته، وكفنُهُ كسوتُهُ بعد الوفاة، فُعتَبَرُ بكسوته في الحياة، ولهذا تجوزُ صلاته فيهما بلا كراهةٍ،
معراج".
وحاصلُهُ: أنَّ كفن الكفاية هو أدنى ما يكفيه بلا كراهةٍ، فهو دون كفنِ السنّة، وهل
[٢/ق١٤٤/ب] هو سنّةٌ أيضاً أو واجبٌ؟ الذي يظهرُ لي الثاني، ولذا كره الأقلُّ منه كما يذكرُهُ
"الشارح"، وقال في "البحر"(*): ((قالوا: ويكرهُ أنْ يُكفِّنَ في ثوبٍ واحدٍ حالةَ الاختيار؛ لأنَّ في
حالةِ حياته تجوزُ صلاته في ثوبٍ واحدٍ مع الكراهة، وقالوا: إذا كان بالمالِ قلّةٌ والورثةِ كثرةٌ فكَفَنُ
الكفاية أَولى، وعلى القلبِ كَفَنُ السنَّةُ أَولى، ومقتضاه أنَّه لو كان عليه ثلاثةُ أثوابٍ وليس له غيرُها
وعليه دينٌ أنْ يُباعَ منها واحدٌ للدَّين؛ لأنَّ الثالث ليس بواجبٍ، حتّى تُرِكَ للورثة عند كثرتهم،
والدَّينُ أَولِى مع أنّهم صرَّحُوا - كما في "الخلاصة"(٦) - بأنَّه لا يباعُ شيءٌ منها للدَّين كما
في حالة الحياة إذا أفلَسَ وله ثلاثةُ أثوابٍ هو لابِسُها لا يُنزَعُ عنه شيءٌ ليباعَ)) اهـ ما في "البحر"،
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في الجنائز ١٧٣/١ بتصرف يسير.
(٢) "الإِحکام": کتاب الصلاة - باب الجنائز ٢/ق٤١ /ب.
(٣) "النھر": کتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ق٩٢/ب باختصار.
(٤) "الخانية": كتاب الصلاة - باب غسل الميت ١٨٩/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "البحر": كتاب الجنائز ١٨٩/٢-١٩٠.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس والعشرون في الجنائز ق ٥٦/أ.
قسم العبادات
٢٣٠
حاشية ابن عابدين
وهو مأخوذٌ من "الفتح"(١)، وقال في "الفتح"(١): ((ولا يبعُدُ الجوابُ)) اهـ.
وذكَرَ الجوابَ بعضُهم بأنْ يُفرَّقَ بين الميت والحيِّ بأنَّ عدم الأخذِ من الحيِّ لاحتياجِهِ،
ولا کذلك المیتُ اهـ.
أقولُ: أنت خبيرٌ بأنَّ الإشكال جاءَ من تصريحهم بعدم الفرق بين الحيِّ والميت، فأنّى
يصحُّ هذا الجوابُ؟! نعم يصحُّ على ما قالَهُ "السيِّد" في "شرح السراجِيَّة"(٢): ((من أَنَّه إذا كان
الدَّينُ مُستغرِقاً فللغرماء المنعُ من تكفينه بما زاد على كفن الكفاية))، وقال "الشارح" في
فرائض "الدر المنتقى"(٣): ((وهل للغرماءِ المنعُ من كفنِ المثلِ؟ قولان، والصحيحُ نعم)) اهـ.
ومثلُهُ في "سكب الأنهر"(٤).
(قولُهُ: نعم يصحُّ على ما قالَهُ "السيِّد" إلخ) أي: ما قاله في "البحر" بقوله: ((ومقتضاه إلخ)) لا
الجوابُ عن الإشكال، فإنَّ ما في "الخلاصة" ما زال مخالفاً لِما استنبَطَهُ في "البحر"، نعم ما قالَهُ وافَقَ
المنقول المصحَّح، وقولُهُ: ((لكنْ قال إلخ)) استدراكٌ على ما نقله أوَّلاً، ووجهُهُ أنَّ ما نقله عن
"الخصَّاف" مقتضاه أنَّه يُتْرَكُ ثوبٌ واحدٌ في الحالتين، ومقتضى ما ذكرَهُ أوَّلاً أَنَّه يُترَكُ له ثوبان، لكنْ
جَعَلَ "الرمليُّ" ما ذكرَهُ "الخصَّافُ" دليلاً على تكفينه بكفن الكفاية، وعبارته: ((قال الفقيهُ "أبو جعفر":
ليس لهم ذلك، بل يُكفِّنُ بكفن الكفاية، ويُقضَى بالباقي الدَّينُ بناءً على مسألةٍ ذَكَرَها في "أدب
القاضي": إذا كان للمديون ثيابٌ حسنةٌ إلخ)) كما نقلَهُ في "حاشية البحر"، وحينئذٍ فالقصدُ بالاستدراك
تقويةُ ما نقله أوَّلاً لا المخالفةُ له؛ إذ ليس فيه ما بُنافيه، والقصدُ بالثوب ما يكفيه لا الفردُ.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في التكفين ٧٨/٢ بتصرف.
(٢) "شرح السراجية": صـ٣ -. وهي شرح أبي الحسن، علي بن محمد، المعروف بالسيد الشريف الجرجانيّ (ت٨١٦هـ)
على فرائض أبي طاهر محمد بن محمد بن عبد الرشيد، سراج الدين السَّجاوَنديّ(توفي حدود٦٠٠هـ) المعروفة
بـ "الفرائض السراجية". ("كشف الظنون" ١٢٤٧/٢، "الفوائد البهية" صـ ١٢٥-، "هدية العارفين" ١٠٦/٢).
(٣) "الدر المنتقى": كتاب الفرائض ٧٤٦/٢ (هامش "مجمع الأنهر").
(٤) "سكب الأنهر": لعلي بن محمد، علاء الدين الطرابلسي الأصل الدمشقي (ت١٠٣٢ هـ) شرح فرائض "ملتقى
الأبحر" لإبراهيم بن محمد الحلبي (ت٩٥٦هـ). ("كشف الظنون" ١٨١٥/٢، "خلاصة الأثر" ١٨٦/٣).
الجزء الخامس
٢٣١
باب صلاة الجنائز
لكنْ قال أيضاً: ((ألا ترى أنَّه لو كان للمديون ثيابٌ حسنٌ في حالٍ حياته، ويمكنُهُ الاكتفاءُ
بما دونها يبيعُها القاضي ويقضي الدَّينَ ويشتري بالباقي ثوباً يلبسُهُ؟ فكذا في الميت المديون، كذا
اختارَهُ "الخصَّافُ" في "أدب القاضي"(١))) اهـ. ثمَّ رأيتُ مثلَهُ في "حاشية الرمليِّ" عن شرح
"السراجيَّة" المسمَّى "ضوءَ السِّراج" لـ "الكَلاَبَاذي"(٢)، وحينئذٍ فلا إشكالَ ولا جوابَ.
وبه عُلِمَ أنَّ ما مرَّ(٣) عن "الخلاصة" خلافُ الصحيح، وقد يُوفّقُ بحملٍ ما في "الخلاصة" في
الحيِّ على ما إذا لم يكتفِ بما دون الثلاثةِ، وفي الميت على ما إذا لم يَمنَعهم الغرماءُ، قال في "شرح
قلائد المنظوم "(٤): ((صحَّحَ [٢/ق ١٤٥ / أ] العلاّمةُ " حيدر"(٥) في شرحه على "السراجيَّة" المسمَّى
بـ "المشكاة" بأنَّ للورثة تكفينَهُ بكفن المثل ما لم يمنعهم الغرماءُ)) اهـ.
قلت: والظاهرُ أنَّ المراد بعدمِ المنع الرِّضى بذلك، وإلاَّ فكيف يسوغُ للورثة تقديمُ
المسنونِ على الدَّينِ الواجب؟ ثمَّ إِنَّ هذا مؤيِّدٌ لِما بحثناه من أنَّ كفن الكفاية واجبٌ بمعنى أنّه
لا يجوزُ أقلُّ منه عند الاختيارِ، ثمَّ رأيتُ في "شرح المقدسيِّ" قال: ((وهذا أقلُّ ما يجوزُ عند
الاختيار))، والله تعالى أعلم.
(١) "أدب القاضي" لأبي بكر أحمد بن عمر - وقيل: عمرو - الشيباني الخصّاف (ت ٢٦١هـ). ("كشف الظنون" ٤٦/١،
"الطبقات السنية" ٤١٨/١). انظر "شرح أدب القاضي" للجصاص: الباب الثاني والثلاثون في الحجْر بسبب الدَّين
٣٨٠/٢.
(٢) "ضوء السراج": لأبي العلاء محمود بن أبي بكر بن أبي العلاء، شمس الدين البخاريّ الكَلاَباذيّ (ت٧٠٠هـ).
("كشف الظنون" ١٢٤٩/٢، "الفوائد البهية" صـ ٢١٠-).
(٣) في هذه المقولة.
(٤) المسمّى "نثر لآلئ المفهوم شرح قلائد المنظوم في منتقى فرائض العلوم": كلاهما لعبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد
الشهير بابن عبد الرزاق الدمشقيّ الحنفيّ(ت١١٣٨ هـ). ("إيضاح المكنون" ٢٣٩/٢، ٦٢٤، "سلك الدرر"
٢٦٦/٢، "الأعلام" ٢٩٣/٣).
(٥) حيدر بن محمد بن إبراهيم، برهان الدين الخوافيّ(ت بعد ٨٢٠هـ، وقيل: ٨٥٤) ولم نقف على تسمية شرحه
بـ "المشكاة". ("كشف الظنون" ١٢٤٧/٢، "هدية العارفين" ٣٤١/١، "معجم المؤلفين" ٦٦٥/١).
قسم العبادات
٢٣٢
حاشية ابن عابدين
في الأصحِّ (ولها ثوبان وخِمارٌ) ويكرهُ أقلُّ من ذلك.
(وكفنُ الضَّرورة لهما ما يوجدُ) وأقلّه ما يُعُمُّ البدنَ، وعند "الشافعيِّ": ما يستُرُ
العورةَ كالحِيِّ.
(ُبْسَطُ اللفافةُ) أوَّلاً (ثُمَّ يُبسَطُ الإِزارُ عليها،.
[٧٣٤١] (قولُهُ: في الأصحِّ) وقيل: قميصٌ ولفافةٌ، "زيلعي"(١). قال في "البحر"(٢): ((وينبغي
عدمُ التخصيصِ بالإزار واللفافة؛ لأنَّ كفن الكفاية مُعتبرٌ بأدنى ما يلبسُهُ الرجل في حياته من غيرِ
كراهةٍ كما علَّلَ به في "البدائع"(٢)) اهـ.
[٧٣٤٢) (قولُهُ: ولها ثوبانٍ) لم يُعيِّهما كـ "الهداية"(٤)، وفسَّرَهما في "الفتح "(٥) بالقميص
واللفافة، وعَيَّنَهما في "الكنز"(٦) بالإِزار واللفافة، قال في "البحر"(٧): ((والظاهرُ كما قدَّمناه عدمُ
التعيين، بل إِمَّ قميصٌ وإزارٌ، أو إزاران، والثاني أولى؛ لأنَّ فيه زيادةً في سترِ الرأس والعنق)).
(٧٣٤٣) (قولُهُ: ويكرهُ) أي: عند الاختيارِ.
[٧٣٤٤) (قولُهُ: وَأَقُّهُ ما يعمُّ البدنَ) ظاهرُهُ أَنَّه لو لم يوجد له ذلك سألوا الناسَ له ثوباً
يُعُمُّه، وأنَّ ما دون ذلك بمنزلةِ العدم، وأنَّه لا يسقطُ به الفرضُ عن المكلّفين وإنْ كان سائراً
للعورة ما لم يُعُمَّ البدن، لكنْ لا يخفى أنَّ كفن الضرورة ما لا يُصارُ إليه إلاَّ عند العجز،
فلا يناسبُ تقييدَهُ بشيءٍ، ولذا عَّرَ "المصنّف" بما يوجدُ، نعم ما يعُمُّ البدنَ هو كفنُ الفرض كما صرَّحَ
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٢٣٧/١.
(٢) "البحر": كتاب الجنائز ١٨٩/٢.
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في كيفية وجوب الغسل ٣٠٧/١.
(٤) "الهداية": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في التكفين ٩١/١.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في التكفين ٨٠/٢.
(٦) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٧٩/١.
(٧) "البحر": كتاب الجنائز ١٩٠/٢.
الجزء الخامس
٢٣٣
باب صلاة الجنائز
ويُقمَّصُ ويوضعُ على الإزار، ويُلَفُّ يسارُهُ ثُمَّ يمِينُهُ ثُمَّ اللغافةُ كذلك) ليكون الأيمنُ
على الأيسرِ (وهي تُلَبَسُ الدِّرعَ، ويُجعَلُ شعرُها ضفيرتين على صدرها فوقه) أي:
الدِّرعِ (والخمارُ فوقه) أي: الشعرِ (تحت اللفافةِ).
به في "شرح المنية"(١)، فيسقطُ به الفرض عن المكلّفين لا بقيدٍ كونه عند الضرورة؛ لأنَّها تُقدَّرُ
بقدرِها، ولذا لَمَّ اسْتُشهِدَ "مصعبُ بن عمير"عَّه يوم أحدٍ ولم يكن عنده إلاَّ نَمِرةٌ -أي: كساءٌ
مخطّطٌ - فكان إذا غُطِّيَ بها رأسُهُ بَدَتْ رجلاه وبالعكس أمَرَ النبيُّ ◌َثّ بتغطيةِ رأسه بها ورجليه
بالإِذخر (٢)، إلاَّ أنْ يقال: إنَّ ما لا يسترُ البدن لا يكفي عند الضرورة أيضاً، بل يجبُ سترُ باقيه
بنحوِ حشيشٍ كالإِذخر، ولذا قال "الزيلعيُّ"(٣) بعد سوقِهِ حديثَ "مصعبٍ": ((وهذا دليلٌ على أنَّ
ستر العورة وحدَها لا يكفي خلافاً لـ "الشافعيّ")) اهـ، تأمَّل.
[٧٣٤٥] (قولُهُ: ويُقمَّصُ) أي: الميتُ، أي: يُلبَسُ القميصَ [٢/ق١٤٥/ب] بعد تنشيفه بخرقةٍ
كما مرَّ(٤).
[٧٣٤٦) (قولُهُ: وَيُلَفُّ يسارُهُ ثمَّ يِمِينُهُ) الضميران للإزار، وأشارَ به إلى أنَّ كلاً من الإزار
واللفافة يُلَفُّ وحدَهُ؛ لأَنّه أمكنُ في السََّرِ، "ط "(٥).
[٧٣٤٧) (قولُهُ: ليكونَ الأيمنُ على الأيسرِ) اعتباراً بحالةِ الحياة، "إمداد"(٦).
[٧٣٤٨) (قولُهُ: تحتَ اللفافة) الأوضحُ: تحتَ الإزار.
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في الجنازة صـ ٥٨٠ ..
(٢) أخرجه أحمد ١٠٩/٥، والبخاري (١٢٧٦) كتاب الجنائز - باب إذا لم يجد كفناً إلا ما يواري رأسه أو قدميه غطى
رأسه، ومسلم(٩٤٠) كتاب الجنائز - باب في كفن الميت، وأبو داود(٣١٥٥) كتاب الجنائز - باب كراهية المغالاة
في الكفن، والترمذي (٣٨٥٢) كتاب المناقب - باب مناقب مصعب بن عمير ، والنسائي ٣٨/٤ كتاب الجنائز -
باب القميص في الكفن، عن خبّاب بن الأَرَتّ﴾.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٢٣٧/١-٢٣٨.
(٤) المقولة [٧٢٩٠] قوله: ((وينشف في ثوب)).
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٣٧٠/١ بتصرف.
(٦) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب أحكام الجنائز ٣١٥/ب.
قسم العبادات
٢٣٤
حاشية ابن عابدین
ثُمَّ يُفعَلُ كما مرَّ.
(ويُعقَدُ الكفنُ إِنْ خِيْفَ انتشارُهُ، وخنثى مُشكِلٌ كامرأةٍ فيه) أي: الكفنِ، ........
[٧٣٤٩) (قولُهُ: ثُمَّ يُفعَلُ كما مرَّ(١)) أي: بأنْ تُوضَعَ بعد إلباسِ الدِّرع والخِمار على
٥٧٩/١ الإِزار ويُلَفَّ يسارُهُ إلخ، قال في "الفتح"(٢): ((ولم يذكر الخرقةَ، وفي "شرح الكنز"(٣): فوقَ
الأكفان كيلا تنتشرَ، وعرضُها ما بين ثدي المرأة إلى السُّرَّة، وقيل: ما بين الثدي إلى الركبة
كيلا ينتشرَ الكفنُ عن الفخذين وقت المشي، وفي "التَّحفة"(٤): تُربَطُ الخرقةُ فوق الأكفان
عند الصدر فوق الثديين)) اهـ.
وقال في "الجوهرة"(٥): ((وقولُ "الخجنديِّ" (٦): تُربَطُ الخرقةُ على الثديين فوق الأكفان
يُحتمَلُ أنْ يُرادَ به تحتَ اللفافة وفوقَ الإِزار والقميص، وهو الظاهرُ)) اهـ.
وفي "الاختيار"(٧): ((ُلَبَسُ القميصَ ثمَّ الخمارَ فوقه، ثمَّ تُربَطُ الخرقةُ فوق القميص(٨))
اهـ. ومُفادُ هذه العبارات الاختلافُ في عَرْضها، وفي محلِّ وضعها، وفي زمانه، تأمَّل.
[٧٣٥٠] (قولُهُ: وخنثى مشكلٌ كامرأةٍ فيه) أي: فُيُكفِّنُ في خمسةِ أثوابٍ احتياطاً؛ لأنَّه
على احتمالِ كونه ذَكَراً فالزيادةُ لا تضرُّ، قال في "النهر"(٩): ((إلاَّ أنَّه يُجنّبُ الحريرَ والمعصفرَ
والمزعفرَ احتياطاً)).
(١) في الصحيفة السابقة "در".
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في التكفين ٨٠/٢.
(٣) العبارة في "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٢٣٨/١.
(٤) "تحفة الفقهاء": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٢٤٣/١.
(٥) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٢٧/١ باختصار.
(٦) لعله أبو محمد عمر بن محمد بن عمر، جلال الدين الخبّازيّ الخُجَنديّ(ت ٦٩١هـ). ("الجواهر المضية" ٦٦٨/٢،
"الفوائد البهية" صـ ١٥١-).
(٧) "الاختيار": كتاب الصلاة - باب الجنائز - فصل في الصلاة عليه ٩٣/١.
(٨) من ((وهو الظاهر)) إلى ((فوق القميص)) ساقط من "الأصل".
(٩) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ق ٩٣/أ.
الجزء الخامس
٢٣٥
باب صلاة الجنائز
والمحرِمُ كالحلال، والمراهقُ كالبالغ، ومَن لم يُراهق إنْ كُفْنَ في واحدٍ جاز،
والسَّقَطُ يُلَفُّ.
[٧٣٥١) (قولُهُ: والمحرِمُ كالحلالِ) أي: فُغطّى رأسُهُ وَتُطَّبُ أكفانُهُ خلافاً لـ "الشافعيِّ"
رحمه الله تعالى.
[٧٣٥٢] (قولُهُ: والمراهقُ كالبالغِ) الذكرُ كالذكر والأنثى كالأنثى، "ح"(١). قال
في "البدائع"(٢): ((لأنَّ المراهق في حياته يخرُجُ فيما يُخْرُجُ(٣) فيه البالغُ عادةً، فكذا يُكفِّنُ فيما
◌ُكفِّنُ فیه)).
[٧٣٥٣) (قولُهُ: ومَن لم يُراهِقِ إلخ) هذا لو ذَكَراً، قال "الزيلعيُّ)(٤): ((وأدنى ما يُكفَّنُ
به الصبيُّ الصغيرُ ثوبٌ واحدٌ، والصبيَّةُ ثوبان)) اهـ.
وقال في "البدائع"(٥): ((وإنْ كان صبيّاً لم يراهق فإِنْ كُفِّنَ في خرقتين إزارٍ ورداءٍ
فحسنٌ، وإِنْ كُفِّنَ في إزارٍ واحدٍ جاز، وأمَّا الصغيرة فلا بأس أنْ تُكفِّنَ في ثوبين)) اهـ.
أقول: في قوله: ((فحسنٌ)) إشارةٌ إلى أنَّه لو كُفّنَ بكفنِ البالغ يكونُ أحسنَ؛ لِما في
"الحلبة"(٦) عن "الخانَيَّة"(٧) و"الخلاصة"(٨): ((الطفلُ الذي لم يبلغ حدَّ الشهوة الأحسنُ أنْ
يُكفِّنَ فيما يُكفِّنُ فيه البالغُ، وإِنْ كُفِّنَ في ثوبٍ واحدٍ جاز)) اهـ. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ المراد
بمن لم يراهق [٢/ق١٤٦/أ] مَن لم يبلغ حدَّ الشهوة.
[٧٣٥٤] (قولُهُ: والسَّقِطُ يُلَفُّ) أي: في خرقةٍ؛ لأنّه ليس له حرمةٌ كاملةٌ، وكذا مَن وُلِدَ
ميتاً، "بدائع"(٩).
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ق ١١١/ب بتصرف.
(٢) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في كيفية وجوب الغسل ٣٠٧/١.
(٣) ((فيما يخرج)) ساقط من "آ".
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٢٣٨/١.
(٥) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في كيفية وجوب الغسل ٣٠٧/١ باختصار.
(٦) "الحلبة": التكملة - الفصل السابع والعشرون في صلاة الجنازة ٢/ق ٣٠٨/أ.
(٧) "الخانية": كتاب الصلاة - باب غسل الميت ١٨٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس والعشرون في الجنائز ق ٥٦/أ.
(٩) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في كيفية وجوب الغسل ٣٠٧/١ باختصار.
قسم العبادات
٢٣٦
حاشية ابن عابدين
ولا يُكفْنُ كالعضوِ من الميت.
(و) آدميٌّ (منبوشٌ طريٌّ) لم يتفسَّخْ (يُكفِّنُ كالذي لم يُدفَنْ) مرَّةً بعد أخرى (وإنْ
تفسَّخَ كُفِّنَ في ثوبٍ واحدٍ) وإلى هنا صارَ المكفّنون أحدَ عشرَ، والثاني عشرَ
الشهيدُ، ذكَرَها في "المجتبى".
[٧٣٥٥] (قولُهُ: ولا يُكفِّنُ) أي: لا يُراعَى فيه سنَّةُ الكفن، وهل النفيُ بمعنى النهي أو بمعنى
نفي اللزوم؟ الظاهرُ الثانى، فليتأمّل.
[٧٣٥٦) (قولُهُ: كالعضوِ من الميتِ) أي: لو وُجِدَ طرفٌ من أطراف إنسانٍ أو نصفُهُ
مشقوقاً طولاً أو عرضاً يُلَفُّ في خرقةٍ، إلاّ إذا كان معه الرأسُ فُيُكَفَّنُ كما في "البدائع"(١)، قال:
((وكذا الكافرُ لو له ذو رحمٍ محرمٍ مسلمٍ يُغسِّلُهُ ويكفّنه في خرقةٍ؛ لأنَّ التكفين على وجهِ السنَّة
من باب الکرامة)) اهـ.
[٧٣٥٧] (قولُهُ: منبوشٌ طريٌّ) أي: بأنْ وُجِدَ منبوشاً بلا كفنٍ.
[٧٣٥٨] (قولُهُ: لم يتفسَّخ) قَيَّدَ به لأَنَّه لو تفسَّخَ يُكفِّنُ في ثوبٍ واحدٍ كما صرَّحَ به بعده،
والظاهرُ أَنَّه بيانٌ للمراد من قوله: ((طريٌّ)) كما تَشْهَدُ به المقابلةُ بقوله: ((وإنْ تفسَّخَ)).
[٧٣٥٩] (قولُهُ: كالذي لم يُدفَن) أي: يُكفِّنُ في ثلاثةِ أثوابٍ.
[٧٣٦٠) (قولُ: مرَّةً بعد أخرى) أي: لو نُبِشَ ثانياً وثالثاً وأكثرَ كُفّنَ كذلك ما دام طريّاً
من أصلٍ ماله عندنا ولو مديوناً، إلاّ إذا قبَضَ الغرماءُ التركةَ فلا يُستَرَدُّ منهم، وإنْ قُسِمَ مالُهُ
فعلى كلِّ وارثٍ بقدْرِ نصيبه دون الغرماء وأصحاب الوصايا؛ لأنّهم أجانبُ، "سكب الأنهر".
[٧٣٦١] (قولُهُ: أحدَ عشرَ) المذكورُ منها متناً خمسةٌ: الرَّجلُ، والمرأة، والخنثى، والمنبوشُ
الطريُّ، والمتفسِّخُ، وذكَرَ في الشرح سنّةً: المُحرِمَ، والمراهقَ ذكراً وأنثى، ومَن لم يراهق كذلك،
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في كيفية الغسل ٣٠٧/١. وقد نقل الحكم فيما لو كان معه الرأس عن القاضي
في "شرحه" على "مختصر الطحاوي".