Indexed OCR Text
Pages 181-200
الجزء الخامس
١٧٧
باب صلاة الخوف
لأَنّهم لاحقون (وسلَّموا ثمَّ جاءت الطائفةُ الأخرى وأَتَمُّوا صلاَهم بقراءة) لأنّهم
مسبوقون، وهذا إنْ تنازعوا في الصلاة خلفَ واحدٍ، وإلاَّ فالأفضلُ أنْ يصلِّيَ بكلِّ
طائفةٍ إمامٌ.
(وإن اشتَدَّ خوفُهم).
[٧١٨١] (قولُهُ: لأَنَّهم لاحِقون) ولهذا لو كانت معهم امرأةٌ تفسُدُ صلاةُ مَن حاذَتْهُ
منهم بخلاف الطائفةِ المسبوقة كما في "البحر"(١)، وعَمَّ كلامُهُ المقيمَ خلف المسافر، حتّى يقضي
ثلاثاً بلا قراءةٍ إنْ كان من الطائفةِ الأُولى، وبقراءةٍ إنْ كان من الثانية، والمسبوقُ إنْ أدرَكَ ركعةٌ من
الشفعِ الأوَّلِ فهو من أهلِ الأُولى (٢)، وإلاَّ فمن الثانية، "نهر"(٣).
[٧١٨٢] (قولُهُ: وهذا) أي: ما ذُكِرَ من الصلاة على هذا الوجهِ إنما يُحتاج إليه لو لم يُريدوا
إلاَّ إماماً واحداً، وكذا لو كان الوقتُ قد ضاق عن صلاةٍ إمامين كما في "الجوهرة"(٤).
قلت: ويمكنُ أنْ يكون هذا مرادَ [٢/ق١٣٢/ب] "صاحب مجمع الأنهر" فيما تقدَّمَ(٥)،
فتأمَّل.
[٧١٨٣] (قولُهُ: فالأفضلُ إلخ) أي: فيصلّي الإِمامُ بطائفةٍ، ويُسلِّمون ويذهبون إلى جهةٍ
العدوِّ، ثمَّ تأتي الطائفةُ الأخرى، فيأمُرُ رجلاً ليصلِّيَ بهم.
( تتمَّةٌ )
حَمْلُ السلاح في صلاة الخوف مستحبٌّ عندنا لا واجبٌ خلافاً لـ "الشافعيِّ" و"مالكٍ"،
والأمرُ به في الآية للندب؛ لأَنّه ليس من أعمالِ الصلاة، فلا يجبُ فيها كما في "الشرنبلاليّة"(٦)
عن "البرهان".
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ١٨٢/٢.
(٢) من ((بقراءة إن كان)) إلى ((من أهل الأولى)) ساقط من "الأصل".
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ق ٩٠/ب.
(٤) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ١٢١/١.
(٥) ص ١٧٤ - "در".
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ١٤٩/١ (هامش "الدرر والغرر").
قسم العبادات
١٧٨
حاشية ابن عابدين
وعَجَزوا عن النزول (صلَّا رُكباناً فُرادى) إلاَّ إذا كان رديفاً للإمام فيصحُّ الاقتداء
(بالإيماء إلى جهةٍ قدرتهم) للضرورة.
(وفسَدَتْ بمشيٍ) لغيرِ اصطفافٍ وسبقِ حدثٍ (وركوبٍ).
[٧١٨٤] (قولُهُ: وعَجَزوا إلخ) بيانٌ للمراد من اشتدادِ الخوف.
[٧١٨٥) (قولُهُ: صَلَّوا رُكبانا) أي: ولو مع السِّيرِ مطلوبين، فالراكبُ لو طالباً لا تجوزُ صلاته
لعدم ضرورةِ الخوف في حقّهِ، وتمامُهُ في "الإمداد"(١).
[٧١٨٦) (قولُهُ: فيصحُّ الاقتداءُ) لعدمٍ اختلاف المكان.
[٧١٨٧) (قولُهُ: بالإِيماء) أي: الإيماءِ بالركوع والسجود.
[٧١٨٨] (قولُهُ: وفسَدَتْ بمشيٍ إلخ) لأنَّ المشي فِعلُهُ حقيقةً، وهو منافٍ للصلاة بخلاف ما
إذا كان راكباً مطلوباً؛ لأَنَّه فعلُ الداَبَّةِ حقيقةً وإنما أضيف إليه معنى التسيير، وإذا جاء العذرُ
انقطعت الإضافةُ إليه. اهـ من "الإمداد"(٢) عن "مجمع الروايات"، ومثلُهُ في "البدائع"(٣).
وبه عُلِمَ أَنَّها تفسُدُ بالمشي طالباً أو مطلوباً، وأنَّ ما ذَكَرَهُ "ح"(٤) عن "مجمع الأنهر"(٥)
بقوله: ((مشىٍ أي: هروبٍ من العدوِّ، لا المشي نحوَهُ والرُّجوعِ)) اهـ لا ينافي ذلك؛ لأَنَّها إذا
فسَدَتْ بالهروب تفسُدُ بالطلب بالأولى لعدم ضرورة الخوف كما مرَّ(٦) في الراكب ، وقولُهُ:
((لا المشي نحوَهُ والرُّجوعِ)) هو معنى قولِ "الشارح": ((لغيرِ اصطفافٍ))، أي: لو مَشَوا ليصطفُّوا
نحوَ العدوِّ، أو رجعوا ليصطفُّوا خلفَ الإِمام، نَعَمْ في العبارة إيهامٌ، فافهم.
[٧١٨٩] (قولُهُ: وركوبٍ) أي: ابتداءً على الأرض، "قُهُستاني)"(٧).
(١) انظر "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ق ٣٠٨/أ.
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ق٣٠٨/أ.
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شرائط جواز صلاة الخوف ٢٤٥/١.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ق ١١١/أ - ب.
(٥) "مجمع الأنهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ١٧٧/١ -١٧٨.
(٦) قوله: ((صلوا ركباناً)) من هذه الصحيفة.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صلاة الخوف ١٨٢/١ بتصرف.
الجزء الخامس
١٧٩
باب صلاة الخوف
مطلقاً (وقتالِ كثيرٍ) لا بقليلٍ كرَمْيَةٍ سَهْمٍ (والسابحُ في البحر إِنْ أمكَّنَّهُ أنْ يُرسِلَ أعضاءه
ساعةً صلَّى بالإِيماء، وإلاّ لا) تصحُّ كصلاة الماشي والسائفِ وهو يضربُ بالسيف.
(فروعٌ) الراكبُ إنْ كان مطلوباً تصحُّ صلاته، وإن كان طالباً لا لعدمٍ خوفه.
شَرَعوا ثمَّ ذهَبَ العدوُّ.
[٧١٩٠] (قولُهُ: مطلقاً) أي: لاصطفافٍ أو غيرِهِ؛ لأنَّ الركوبَ عملٌ كثيرٌ، وهو مما لا يُحتاج
إليه بخلاف المشي؛ فإنَّه أمرٌ لا بدَّ منه حتّى يصطفُّوا بإزاءِ العدوِّ، "ابن كمالٍ" عن "البدائع)"(١).
[٧١٩١] (قولُهُ: كرَميةِ سهمٍ) ذكَرَهُ في "الزيلعيّ"(٢) و "البحرِ "(٣)، فإنّه عملٌ قليلٌ، وهو غيرُ
مُفسِدٍ، وفي كونه من العملِ القليل نظرٌ، فإنَّ مَن رآه يرمي بالقوس يتحقّقُ أنَّه خارجَ الصلاة،
"ط"(٤). [٢/ق١٣٣/أ]
[٧١٩٢) (قولُهُ: وإلاَّ لا تصحُّ) وسقَطَ الطلبُ لتحقُّقِ العذر، "ط" (٥).
[٧١٩٣) (قولُهُ: والسَّائفِ) بالفاء، ولذا أردَفَهُ بما يُفسِّرُه، قال في "المعراج": ((وفي
"المختلفات"(٦): لو كانوا في المسايفة قبلَ الشُّروع، وكاد الوقتُ يخرُجُ يؤخرون الصلاةَ
(قولُهُ: وفي كونِهِ من العمل القليل نظرٌ) قال "السنديُّ": ((مَن رأى مثلَهُ في حالٍ صلاة الخوف
يجوِّزُ أَنَّه في الصلاة، فلم يكن عملاً كثيراً، بخلاف ما لو كان في غيرِ صلاة الخوف، حتّى لو رمى إنساناً
بحجر في يده تفسُدُ صلاته كما مرَّ)) اهـ.
(قولُهُ: ولذا أردَفَهُ بما يفسِّرُهُ) في "القاموس": ((رجلٌ سائفٌ: ذو سيفٍ، وسَيَّفٌ: صاحبُهُ)) اهـ.
وهو لا يستلزمُ الضربَ، ولا يُطلَقُ الماشي إلاَّ على السَّائر، وإلاّ فيقال له واقفٌ اهـ. فبهذا سقَطَ اعتراضُ
"ط"، ويكونُ قوله: ((وهو يَضرِبُ)) تقييداً.
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شرائط جواز صلاة الخوف ٢٤٥/١.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٢٣٣/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ١٨٣/٢.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٣٦٢/١.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٣٦٢/١.
(٦) في "آ": ((المختارات)) وهو تحريف، وتقدم في المقولة [٣٥٨٥] قوله: ((على المذهب)) نسبة المختلفات إلى
قاضيخان، ولم نقف على نسبتها إليه فيما بين أيدينا من المصادر.
قسم العبادات
١٨٠
حاشية ابن عابدين
لم يَجُزِ إنحرافُهم، وبعكسه جازَ. لا تُشرَعُ صلاةُ الخوف للعاصي في سفره كما في
"الظهيريَّة"(١)، وعليه فلا تصحُّ من البغاة. صحَّ ((أنّه عليه الصلاة والسلام صلاّها
إلى أنْ يفرغوا من القتال)).
[٧١٩٤] (قولُهُ: لم يَجُزِ انحرافُهم) أي: بعد ذهابِهِ لزوال سببِ الرخصة، "ط"(٢) عن
"أبي السُّعود"(٣). أي: فُتُصلِّي كلُّ طائفةٍ في مكانها، تأمَّل. فلو كانوا انحرفوا قبله بَنَوا كما
في "التاتر خانيَّة" (٤).
[٧١٩٥] (قولُهُ: جازَ) أي: لهم الانحرافُ في أوانِهِ لوجود الضرورة، "ط"(٥) عن
"أبي السُّعود"(٦).
[٧١٩٦) (قولُهُ: لا تُشرَعُ صلاةُ الخوف للعاصي) لأَنَّها إنما شُرِعَتْ لمن يقاتلُ أعداء الله
تعالى ومَن في حكمهم لا لمن يعاديه، أفادَهُ "أبو السُّعود"(٧) عن "شيخه".
قلت: وهذا بخلافِ القصر في السَّفْر، فإنَّ سببَهُ مشقّةُ السَّقْرِ، وهو مطلقٌ في النصِّ، فيجري
على إطلاقه، ولا يمكنُ قياسُهُ على صلاة الخوف؛ لأَنَّها جاءت على غيرِ القياس، تأمَّل.
[٧١٩٧] (قولُهُ: في سفرِهِ) لعلَّهُ بسفره، فليتأمَّل، "إسماعيل(٨). والفرقُ أنَّ الباء للسبيَّة، فتفيدُ
٥٦٩/١ أنَّ نفس سفرِهِ معصيةٌ كمَن سافَرَ لقطع الطريق مثلاً بخلاف في الظرفيَّةِ، فإنّها تفيدُ أَنَّه لو سافَرَ
(قولُهُ: فتصلّي كلُّ طائفةٍ في مكانها، تأمَّل) يُتأمَّلُ في وجهِ صحَّةٍ صلاة مَن بإزاءِ العدوِّ إذا كان بينه وبين
الإمام ما يمنعُ صحَّةَ الاقتداء، والظاهرُ أَنَّ يمشي إليه تصحيحاً لصلاته، ولا تفسد صلاته؛ لأنَّه للإصلاح.
(١) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب السادس - الفصل الثالث في صلاة الخوف ق٣٩/ب.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٣٦٢/١.
(٣) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٣٤١/١.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثامن والعشرون في صلاة الخوف ١١٢/٢.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٣٦٢/١.
(٦) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٣٤١/١.
(٧) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٣٤١/١.
(٨) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٢/ق١٥/ب.
الجزء الخامس
١٨١
باب صلاة الخوف
في أربعٍ: ذاتِ الرِّقَاعِ، وبَطْنِ نَخْلٍ، وعُسْفانَ،.
للحجِّ مثلاً وعصى في أثنائه لا يصلّي بهذه الكيفيَّة، والظاهرُ أنَّ المراد بالعاصي مَن كان قتالُهُ
معصية سواءٌ کان سفرُهُ له أو لطاعةٍ، وحينئذٍ فلا فرق بين التعبير بالباء أو في، فتدبّر.
[٧١٩٨) (قولُهُ: في أربعٍ) أي: في أربعةِ مواضعَ، فلا ينافي ما في "الإمداد"(١) عن "شرح
المقدسيّ): (( أَنَّه ﴿ّ صِلاَّها أربعاً وعشرين مرَّةٌ))(٢).
[٧١٩٩) (قولُهُ: ذاتِ الرِّفاعِ) أي: غزوةِ ذات الرِّقاع، وأصحُّ الأقوال في وجهِ تسميتها ما
رواه "البخاريُّ"(٣) عن "أبي موسى الأشعريّ" قال: ((خرجنا مع رسول الله ﴿ ونحن ستّةُ نفرٍ بيننا
بعيرٌ نَعَتْقِبُهُ، فَقِبَتْ أقدامُنا، ونَقِبَتْ قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نُلُفُّ على أظفارنا الخِرَقَ،
فسُمِيتْ غزوةَ ذات الرِّفَاعِ لِما كنّا نَعصِبُ على أرجلنا من الخِرَق)) اهـ "ط "(٤) عن "المواهب
اللدنَّة"(٥). والصوابُ أَنَّها كانت بعد الخندقِ خلافاً لِما في "الكافي"(٦) و"الاختيار "(٧) تبعاً لجماعةٍ
من أهلِ السِّر كما حقَّقَهُ في "الفتح"(٨).
[٧٢٠٠) (قولُهُ: وبطنِ نخلٍ) بالخاء المعجمة: [٢ /ق١٣٣/ب] اسمُ موضعٍ، "ط"(٩).
[٧٢٠١] (قولُهُ: وعُسْفَانَ) بوزنٍ عثمانَ، "قاموس"(١٠).
(١) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ق ٣٠٨/أ.
(٢) انظر "القبس شرح موطأ مالك بن أنس": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٣٧٥/١، ونقله عنه العيني
في "البناية" ١٨٩/٣.
(٣) أخرجه البخاري (٤١٢٨) كتاب المغازي - باب غزوة ذات الرقاع، ومسلم (١٨١٦) كتاب الجهاد - باب غزوة
ذات الرقاع من حديث أبي موسى الأشعري # مرفوعاً.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٣٦٢/١.
(٥) "المواهب اللدنية": المقصد الأول ٤٣٥/١ والكلام للسهيلي.
(٦) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ١/ق٥٦/أ.
(٧) "الاختيار": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٨٩/١.
(٨) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٦٦/٢.
(٩) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٣٦٢/١.
(١٠) "القاموس": مادة ((عسف)).
قسم العبادات
١٨٢
حاشية ابن عابدين
وذي قَرَدٍ).
﴿بابُ صلاة الجنازة﴾
من إضافةِ الشيء لسببه، وهي بالفتح: الميتُ، وبالكسر: السَّريرُ، وقيل: لُغَتان،
والموتُ صفةٌ وجوديَّةٌ خُلِقَتْ ضدَّ الحياة،
[٧٢٠٢] (قولُهُ: وذي قَرَدٍ) بفتح القاف والراء وبالدال المهملة، وهو ماءٌ على بريدٍ من المدينة،
وتُعرَفُ بغزوةِ الغابة، وكانت في ربيعِ الأوَّلِ سنةً ستُّ قبل الحديبية، "ط)"(١) عن "المواهب"(٢)،
والله تعالى أعلم.
﴿بابُ صلاة الجنائز﴾
ترجَمَ للصلاة، وأتى بأشياءَ زائدةٍ عليها بعضُها شروطٌ كالغُسلِ، وبعضُها مقدِّماتٌ
كالتكفين والتوجيهِ والتلقين، وبعضُها متمِّماتٌ كالدَّفن، وأخَّرَها لأَنّها ليستْ صلاةً من كلِّ وجهٍ،
ولأَنَّها تعلَّقَتْ بآخرِ ما يَعرِضُ للحيِّ وهو الموتُ، ولمناسبةٍ خاصَّةٍ بما قبلها، وهي أنَّ الخوفَ
والقتالَ قد يُفضِيان إلى الموت.
[٧٢٠٣) (قولُهُ: لسبِهِ) هو الجنازةُ بالفتح، يعني: الميتَ، "ط" (٣).
[٧٢٠٤] (قولُهُ: وبالكسرِ: السَّرِيرُ) قال "الأزهريُّ"(٤): ((لا يُسمَّى جنازةً حتَّى يُشَدَّ
الميتُ عليه مكفّناً ))، "إمداد"(٥).
[٧٢٠٥] (قولُهُ: وقيل: لُغَتان) أي: الكسرُ والفتحُ لغتان في الميت كما يفيدُهُ قولُ
﴿باب الجنازة﴾
(قولُهُ: كما يفيدُهُ قولُ "القاموس" إلخ) فيه تأمُّلٌ، بل عبارةُ "القاموس" تفيدُ أنَّ كلاً من الميت
والسَّریر فیه الفتح والکسر.
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٣٦٢/١ بتصرف.
(٢) "المواهب اللدنية": المقصد الأول ٤٧٤/١.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ٣٦٢/١.
(٤) في "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي": صـ ١٢٥ -.
(٥) "الإمداد": کتاب الصلاة - باب أحكام الجنائز ق٣٠٩/أ.
الجزء الخامس
١٨٣
باب صلاة الجنائز
وقيل: عدميَّةٌ.
(ُيُوجَّهُ المحتضَرُ) وعلامتُهُ استرخاءُ قدميه واعوجاجُ مَنْخَرِهِ وانْخِسافُ صُدْغيه
(القبلةَ) على يمينه، هو السنّةُ (وجازَ الاستلقاءُ) على ظهره (وقدماه إليها) وهو
المعتادُ في زماننا (و) لكنْ (ُيُرفَعُ رأسُهُ قليلاً).
"القاموس"(١): ((جَنَزَهُ يَجِزُهُ: سَتَرَهُ وجَمَعَهُ، والجنازةُ - أي: بالكسرِ - الميتُ ويُفتَحُ، أو بالكسرِ
الميتُ وبالفتحِ السَّرِيرُ، أو عكسُهُ، أو بالكسرِ السَّرِيرُ مع الميت)) اهـ، تأمَّل.
[٧٢٠٦] (قولُهُ: وقيل: عدميَّةٌ) لأَنَّه قطعُ موادِ الحياةِ عن الحيِّ، والمقابلةُ عليه من مقابلةِ العدمِ
والملَكَةِ، وعلى الأوَّلِ من مقابلةِ التضادِّ، أفادَهُ "ط"(٢)، وقولُهُ تعالى: ﴿غَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَةَ﴾
[الملك- ٢] ليس صريحاً في الأوَّلِ؛ لأنَّ الخلق يكونُ بمعنى الإيجادِ وبمعنى التقديرِ، والأعدامُ مقدَّرَةٌ،
فلذا ذهَبَ أكثرُ المحقّقين إلى الثاني كما نقَلَهُ في "شرح العقائد"(٣).
[٧٢٠٧] (قولُهُ: يُوجَّهُ المحتضَرُ) بالبناءِ للمفعول فيهما، أي: يُوجَّهُ وجهُ مَن حضَرَهُ الموتُ
أو ملائكتُهُ، والمرادُ مَن قَرُبَ موته.
[٧٢٠٨] (قولُهُ: وعلامتُهُ إلخ) أي: علامةُ الاحتضار كما في "الفتح"(٤)، وزادَ على ما هنا:
((أَنْ تمَدَّ جددةُ خصيتيه لانشمارِ الخصيتين بالموت)).
[٧٢٠٩] (قولُهُ: القبلةَ) نُصِبَ على الظرفَّةِ؛ لأَنّها بمعنى الجهة.
[٧٢١٠) (قولُهُ: وجازَ الاستلقاءُ) اختارَهُ مشايخنا بما وراءَ النهر؛ لأنّه أيسرُ لخروجِ الرُّوح،
وتعقّبُهُ في "الفتح"(٥) وغيره: ((بأَنَّه لا يُعرَفُ [٢/ ق ١٣٤/أ] إلاَّ نقلاً، والله أعلمُ بالأيسرِ منهما،
ولكنَّه أيسرُ لتغميضِهِ وشدِّ لَحْيِيه، وأمنعُ من تقوُّسِ أعضائِهِ))، "بحر "(٦).
(١) "القاموس": مادة ((جنز)).
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٣٦٢/١-٣٦٣. وعبارته تنتهي عند قوله: ((والملكة)).
(٣) "شرح العقائد النسفية": المقتول ميت بأجله صـ١٥٢ -.
(٤) "الفتح": کتاب الصلاة - باب الجنائز ٦٨/٢.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٦٨/٢.
(٦) "البحر": كتاب الجنائز ١٤٨/٢ بتصرف.
قسم العبادات
١٨٤
حاشية ابن عابدين
ليتوجَّهَ للقبلة (وقيل: يُوضَعُ كما تيسَّرَ على الأصحِّ) صحَّحَهُ في "المبتغى" (وإنْ شقَّ
عليه تُرِكَ على حالِهِ) والمرجومُ لا يُوجَّهُ، "معراج".
(ويُلقِّنُ) ندباً،.
[٧٢١١] (قولُهُ: ليتوجَّهَ للقِبلةِ) عبارةُ "الفتح"(١): ((ليصيرَ وجهُهُ إلى القبلة دونَ السماء)).
[٧٢١٢) (قولُهُ: تُرِكَ على حالِهِ) أي: ولو لم يكن مستلقياً أو متوجِّهاً.
(٧٢١٣] (قولُهُ: والمرجومُ لا يُوجَّهُ) لِيُنظَرَ وجهُهُ، وهل يقال كذلك فيمَن أُرِيدَ قتُهُ لحدٍّ أو
قِصاصٍ؟ لم أره.
مطلبٌ في تلقينِ المحتضَرِ الشهادةَ
[٧٢١٤) (قولُهُ: ويُلقِّنُ إلخ) لقولِهِلَّ: ((لَقْنُوا موتاكم لا إله إلاَّ الله، فإنَّه ليس مسلمٌ
يقولُها عند الموت إلاَّ أنْجَته من النار))(٢)، ولقولِهِ عليه الصلاة والسلام: ((مَن كان آخرُ
كلامه لا إله إلاَّ الله دخَلَ الجنَّة)(٣)، كذا في "البرهان"، أي: دخَلَها مع الفائزين، وإلاَّ فكلُّ
مسلمٍ ولو فاسقاً يدخُلُها ولو بعد طولِ عذابٍ، "إمداد" (٤).
(قولُهُ: لَيُنظَرَ وجهُهُ) قال "ط": ((زحراً له))، ومثله يقال فيمن أُرِيدَ قتُلُهُ لحدٍّ أو قصاصٍ.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٦٨/٢.
(٢) أخرجه أحمد ٣/٣، ومسلم (٩١٦) كتاب الجنائز - باب تلقين الموتى: لا إله إلا الله، وأبو داود (٣١١٧) كتاب الجنائز
- باب في التلقين، والترمذي (٩٧٦) كتاب الجنائز - باب ما جاء في تلقين المريض عند الموت، وقال: حديثٌ حسنٌ
غریب صحیح، والنسائي ٥/٤ کتاب الجنائز - باب تلقین المیت، وابن ماجه(١٤٤٥) كتاب الجنائز - باب ما جاء
في تلقين الميت: لا إله إلا الله، عن أبي سعيد الخدري رضيه مرفوعاً بلفظ: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)) دون الزيادة.
أما الحديث بالزيادة المذكورة فأخرجه بمعناها ابن أبي شيبة في "المصنف" ١٢٦/٣ كتاب الجنائز - باب في تلقين الميت،
من حديث المسيّب بن رافع، عن عبد الله بن مسعود ه موقوفاً، قال أبو حاتم الرازي: المُسيّب عن عبد الله
ابن مسعود مرسل اهـ. ("تهذيب التهذيب" ١٥٣/١٠). وفي الباب عن أبي هريرة، وأم سلمة، وعائشة، وجابر، وغيرهم.
(٣) أخرجه أحمد ٢٤٧،٢٣٣/٥، وأبو داود (٣١١٦) كتاب الجنائز - باب التلقين، والحاكم ٣٥١/١ كتاب الجنائز،
عن معاذ بن جبل ظُه مرفوعاً، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(٤) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب أحكام الجنائز ق ٣٠٩/أ.
الجزء الخامس
١٨٥
باب صلاة الجنائز
وقيل: وجوباً (بذكر الشهادتين) لأنَّ الأُولى لا تُقبَلُ بدون الثانية.
[٧٢١٥) (قولُهُ: وقيل: وجوباً) في "القنية"(١) - وكذا في "النهاية" عن "شرح الطحاويّ" -:
((الواجبُ على إخوانه وأصدقائه أنْ يُلقّنوه)) اهـ.
قال في "النهر"(٢): ((لكنَّه تَجَوُّزٌ؛ لِما في "الدِّراية": من أَنَّه مستحبٌّ بالإجماع)) اهـ، فتنبّه.
[٧٢١٦] (قولُهُ: بذكرِ الشهادتين) قال في "الإِمداد"(٣): ((وإنما اقتصرتُ على ذكرِ الشهادة
تبعاً للحديث الصحيح وإنْ قال في "المستصفى" وغيره: ولُقِّنَ الشهادتين: لا إله إلاَّ الله، محمَّدٌ
رسولُ الله، وتعليُهُ في "الدُّرر"(٤): بأنَّ الأُولى لا تُقبَلُ بدون الثانية ليس على إطلاقِهِ؛ لأنَّ ذلك
في غيرِ المؤمن، ولهذا قال "ابن حجرٍ"(٥) من الشافعيّةِ: وقولُ جمعٍ: يُلقَّنُ محمَّدٌ رسولُ الله أيضاً؛
لأنَّ القصد موتُهُ على الإِسلام ، ولا يُسمَّى مسلماً إلاَّ بهما مردودٌ بأنّه مسلِمٌ، وإنما المرادُ ختمُ
كلامه بلا إله إلاَّ الله ليحصلَ له ذلك الثوابُ، أمَّا الكافر فُلقَّتهما قطعاً مع لفظِ أشهدُ لوجوبه؛
إذ لا يصيرُ مسلماً إلاّ بهما)) اهـ.
قلت: وقد يشيرُ إليه تعبيرُ "الهداية"(٦) و"الوقاية"(٧) و"النقاية"(٨) و"الكنز"(٩) بتلقين الشهادة،
(١) "القنية": كتاب الصلاة - باب الجنائز ق ٢٥/أ.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب الجنائز ق ٩١/أ. وفي "د" زيادة: ((قال في "النهر": ولم أر تلقينَ المجنون والأصمِّ
والأخرس والصغير الذي لا يعقل، وينبغي تلقين الأوّلين؛ لأن المدار على أنْ يكون آخرُ كلامه لا إله إلا الله، وكلٌّ
منهما يمكن منه بخلاف الأخيرين، فتدبره، وفيه: ويندب أن يكون الملقّن غيرَ متِّهم بالمسرَّةِ بموته، وأن يكون
ممن يُعتقد فيه الخير)).
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب أحكام الجنائز ق ٣٠٩/أ.
(٤) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٦٠/١.
(٥) "تحفة المحتاج": كتاب الجنائز ٩٣/٣ باختصار.
(٦) عبارة "الهداية" في النسخة التي بين أيدينا: ((ولقن الشهادتين)) بالتثنية، باب الجنائز ٩٠/١. والذي يظهر أنَّه
اختلاف نسخ كما أشار إلى ذلك العيني في "البناية"، حيث ذكر: أنها في بعض النسخ بالتثنية وفي بعضها بالإفراد.
انظر "البناية" ٢٠٦/٣.
(٧) انظر "شرح الوقاية": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٨٨/١ (هامش "كشف الحقائق شرح كنز الدقائق").
(٨) انظر "شرح القاري على النقاية" لملا علي قاري: كتاب الصلاة - باب في الجنائز ٣٠٩/١.
(٩) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٧٧/١.
قسم العبادات
١٨٦
حاشية ابن عابدين
(عنده) قبلَ الغرغرة، واختلِفَ في قبول توبةِ اليأس، والمختارُ قبول توبتِهِ لا إِيمانِهِ،
والفرقُ في "البزَّازِيَّة" وغيرها.
وفي "التتار خانَّة"(١): ((كان "أبو حفصِ الحدَّادُ "(٢) يُلقِّنُ المريضَ بقوله: أستغفرُ الله الذي
لا إله إلاَّ هو الحيَّ القيومَ وأتوبُ إليه، وكان يقولُ: فيها معانٍ: أحدُها توبةٌ، والثاني
توحيدٌ، والثالثٌ أنَّ المريض ربَّما يفزعُ؛ لأنَّ الملقِّنَ [٢/ق ١٣٤/ب] رأى فيه علامةً
الموت، ولعلَّ أقرباءَ الميت يتأذّون به)).
٥٧٠/١
[٧٢١٧] (قولُهُ: عندَهُ) متعلّقٌ بـ (ذِكْرٍ)).
[٧٢١٨] (قولُهُ: قبلَ الغرغرةِ) لأَنّها تكونُ قربَ كون الرُّوحِ في الحلقوم، وحينئذٍ لا يمكنُ
النطقُ بهما، "ط"(٣). وفي "القاموس"(٤): ((غرغَرَ: جادَ بنفسه عند الموت)) اهـ.
قلت: وكأنّها مأخوذٌ من غرغَرَ بالماء إذا أدارَهُ في حلقِهِ، فكأنَّه يُديرُ روحَهُ في حلقه.
مطلبٌ في قبول توبة اليأس
[٧٢١٩) (قولُهُ: واخْتُلِفَ في قَبُولِ توبة اليأس) بالياءِ المتَّة التحنيَّة: ضدُّ الرَّحاء، وقطعُ الأمل
من الحياة، أو بالموحَّدة التحتيّة، والمراد به الشدَّةُ وأهوالُ الموت، ويُحتمَلُ مدُّ الهمزة على أنَّه اسمُ
فاعلٍ، وإسكانُها على المصدرِيَّةِ بتقديرِ مضافٍ.
[٧٢٢٠) (قولُهُ: والمختارُ إلخ) أقولُ: قال في أواخرِ "البزَّازيَّة"(٥): ((قيل: توبةُ اليأس مقبولةٌ
لا إيمانُ اليأس، وقيل: لا تُقبَلُ كإيمانه؛ لأَنَّه تعالى سوَّى بين مَن أُخْرَ التوبة إلى حضورِ الموت
من الفسقة والكفّارِ وبين مَن مات على الكفر في قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾ الآيَةَ [النساء-١٨]
(١) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الحادي والثلاثون في صلاة المريض ١٢٦/٢ بتصرف نقلاً عن "شرح المتفق".
(٢) لم نعثر له على ترجمة فيما بين أيدينا من المصادر.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٣٦٣/١.
(٤) "القاموس": مادة ((غرر)).
(٥) "البزازية": كتاب: ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأ ٣١٦/٦-٣١٧ (هامش "الفتاوى الهندية").
الجزء الخامس
١٨٧
باب صلاة الجنائز
كما في "الكشّاف"(١) و"البيضاويِّ"(٢) و"القرطبيٍّ"(٣)، وفي "الكبير" لـ "الرازيٍّ"(٤): قال المحقّقون:
قربُ الموت لا يَمنَعُ من قبول التوبة، بل المانعُ منه مشاهدةُ الأهوال التي يحصلُ العلمُ عندها على
سبيل الاضطرار، فهذا كلامُ الحنفيَّة والمالكَّة والشافعيّة من المعتزلةِ والسنَّةِ والأشاعرةِ أنَّ توبة اليأس
لا تُقبَلُ كِيمان اليأس بجامعٍ عدمِ الاختيار، وخروجِ النّفْسِ من البدن، وعدمٍ ركن التوبة وهو العزمُ
بطريق التصميم على أنْ لا يعودَ في المسقبل إلى ما ارتكَبَ، وهذا لا يتحقَّقُ في توبةِ اليأس إنْ أُرِيدَ
باليأس معاينةُ أسبابِ الموت بحيث يَعلَمُ قطعاً أنَّ الموت يدركُهُ لا محالةَ، كما أخبَرَ تعالى عنه
بقوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَتُهُمْ لَمَّا رَأَوْبَأْسَنَا﴾ [غافر - ٨٥]، وقد ذُكِرَ في بعض الفتاوى: أنَّ توبة
اليأس مقبولةٌ، فإِنْ أُرِيدَ باليأس ما ذكرنا يَرِدُ عليه ما قلنا، وإنْ أُرِيدَ به القربُ من الموت فلا كلامَ
فيه، لكنَّ الظاهر أنَّ زمان اليأس زمانُ معاينةِ الهول، والمسطورُ في الفتاوى أنَّ توبة اليأس مقبولةٌ
لا إيمانُهُ؛ لأنَّ الكافر أجنبيٌّ غيرُ عارفٍ بالله تعالى، [٢/ق١٣٥ /أ) ويبدأ إيماناً وعرفاناً، والفاسقُ
عارفٌ، وحالُهُ حالُ البقاء، والبقاءُ أسهلُ، والدليلُ على قبولها منه مطلقاً إطلاقُ قوله تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ﴾ [الشُّورى-٢٥])) اهـ ملخَّصاً.
وظاهرُ آخرِ كلامه اختيارُ التفصيل، وعزاه إلى مذهب الماتريديَّة الشيخُ "عبد السلام" في
شرح منظومة والده "اللقانيِّ"(٥)، وقال: ((وعند الأشاعرة: لا تُقبَلُ حالَ الغرغرةِ توبةٌ ولا غيرُها
كما قالَهُ "النوويُّ")) اهـ.
(١) "الكشاف": سورة النساء ٥١٣/١.
(٢) "أنوار التنزيل وأسرار التأويل": صـ١٠٦ -.
(٣) "الجامع لأحكام القرآن": ٩٣/٥.
(٤) "التفسير الكبير": ٦/١٠-٩.
(٥) "إتحاف المريد": صـ١٨٥-، لعبد السلام بن إبراهيم اللَّقَانيّ، المصريّ المالكيّ (ت١٠٧٨هـ)، شرح "جوهرة التوحيد"
لوالده أبي الإمداد إبراهيم بن إبراهيم، برهان الدين اللّقَاني (ت ١٠٤١ هـ). ("خلاصة الأثر "٦/١، ٤١٦/٢، "الأعلام"
٣٥٥/٣).
قسم العبادات
١٨٨
حاشية ابن عابدين
(من غيرِ أمرِهِ بها) لئلاّ يضجَرَ، وإذا قالَها مرَّةً كفاه، ولا يُكرَّرُ عليه ما لم يتكلِّمْ
ليكون آخرُ كلامِهِ لا إله إلا الله، ويُندَبُ قراءةُ ﴿يَسِ﴾
وانتصَرَ للثاني "المنلا عليُّ القاري" في "شرحه" على "بدء الأمالي"(١) بإطلاقٍ قوله عليه
الصلاة والسلام: ((إِنَّ اللَّهَ يقبلُ توبةَ العبد مالم يُغَرَغِرْ)) أخرَجَهُ "أبو داود"(٢)، فإِنَّه يشملُ توبةَ
المؤمن والكافر، واعتَرَضَ قولَ بعض الشُّرَّاحِ: إِنَّ التفصيل مختارُ أئمَّةِ بخارى من الحنفيَّة وجمعٍ من
الشافعَّة كـ "السُّبكيِّ" و"البلقينيّ": ((بأنّه على تقدير صحَّتِهِ يحتاجُ إلى ظهورِ حجَّتِه)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ المسألة ظنيَّةٌ، وأمَّا إِيمانُ اليأس فلا يُقبَلُ اتّفاقاً، وسيأتي(٣) إن شاء الله تعالى تمامُ
الكلام عليه في باب الردّة.
[٧٢٢١) (قولُهُ: من غيرِ أمرِهِ) أي: من غيرِ أنْ يقول له: قلْ، فهو مصدرٌ مضافٌ
إلى مفعوله.
[٧٢٢٢) (قولُهُ: لئلاَّ يضحرَ) أي: ويَرُدَّها، "درر"(٤).
[٧٢٢٣) (قولُهُ: ويُندَبُ قراءةُ يس) لقولهِمَ﴿ه: ((اقرؤوا على موتاكم ﴿يَسْ))) صحَّحَهُ
(١) المسمى: "ضوء المعالي شرح بدء الأمالي": صـ٩٧ -٩٨ -. وانظر "كشف الظنون" ١٠٩٠/٢، و"التعليقات السنية
على الفوائد البهية" صـ ٨ -.
(٢) ما نقله ابن عابدين عن مُلاّ عليّ القاري: من أن الحديث قد أخرجه أبو داود إنما هو وهم؛ لأن مُلّ عليّ القارِيّ
لم يقل: أخرجه أبو داود، وإنما قال: أخرجه الترمذي، انظر "ضوء الأمالي" ص ٩٧-٩٨ - ولم نجده في "سنن
أبي داود"، كما لم ينسبه إليه المخرِّجون كالمزي في "تحفة الأشراف" ٣٢٨/٥ وغيره. وهذا الحديث أخرجه أحمد
١٣٢/٢، والترمذي (٣٥٣١) كتاب الدعوات - بابُ التوبةِ مفتوحٌ قبل الغرغرة، وقال: حسن غريب،
وابن ماجه (٤٢٥٣) كتاب الزهد - باب ذكر التوبة، والحاكم ٢٥٧/٤ كتاب التوبة والإنابة، وصححه، ووافقه
الذهبي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً.
ووقع في "سنن ابن ماجه": عبد الله بن عمرو، وهو خطأ نَبَّهَ عليه المزي في "تحفة الأشراف" ٣٢٨/٥.
(٣) ٢٨٩/٣ قوله: ((وتوبة اليأس مقبولة)).
(٤) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٦٠/١.
الجزء الخامس
١٨٩
باب صلاة الجنائز
والرعد ...
"ابن حبَّان"(١) وقال: ((المرادُ به مَن حضَرَهُ الموت))، ورَوَى "أبو داود"(٢) عن "محالدٍ" عن
"الشَّعبيِّ" قال: ((كانت الأنصارُ إذا حُضِروا قرؤوا عند الميت سورةَ البقرة))، إلاَّ أنَّ "محالدً"
مُضْعَّفٌ، "حلبة"(٣).
[٧٢٢٤) (قولُهُ: والرَّعدِ) هو استحسانُ بعض المتأخّرِين لقولِ "جابرِ": ((إنَّها تُهوِّنُ عليه
خروجَ روحه))(٤)، "إمداد"(٥).
(١) أخرجه ابن حبان (٣٠٠٢) كتاب الجنائز - فصل في المحتضر، وأخرجه أحمد ٢٦/٥-٢٧، وأبو داود (٣١٢١)
كتاب الجنائز - باب القراءة عند الميت، وابن ماجه (١٤٤٨) كتاب الجنائز - باب ما جاء فيما يقال عند المريض إذا
حضر، وابن أبي شيبة ١٢٤/٣ كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المريض إذا حضر، والحاكم ٥٦٥/١ كتاب فضائل
القرآن من حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان، وليس بالنهدي، عن أبيه عن معقل بن يساروث مرفوعاً. قال
الحاكم: أوقفه يحيى بن سعيد وغيره عن سليمان التيمي، والقول فيه قول ابن المبارك، إذ الزيادة من الثقة مقبولةٌ.
وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١٠٤/٢: أعلّه ابن القطان بالاضطراب وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان
وأبيه، ونقل أبو بكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديثٌ ضعيفٌ الإسناد مجهولُ المتن، ولا يصح في الباب
حدیث.
وللحديث شاهد جيد في الآثار: أخرج أحمد ١٠٥/٤ عن صفوان قال: كان المشيخة يقولون: إذا قرئت عند الميت
خُفِّفَ عنه بها، أي: ﴿يَسْ﴾.
(٢) لم نجد هذا الحديث في "سنن أبي داود"، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢٣/٣ كتاب الجنائز - باب ما يقال عند
المريض إذا حضر، والمروزي في الجنائز، وأبو ذر الهروي في "فضائل القرآن" كما في "الدر المنثور" ٢١/١، ومحالدٌ
هو ابن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي. انظر "تهذيب التهذيب" ٣٩/١٠-٤٠.
(٣) "الحلبة": التكملة - الفصل السابع عشر في صلاة الجنازة ٢/ق ٣٠٤/ب.
(٤) أخرج ابن أبي شيبة ١٢٤/٣ كتاب الجنائز - باب ما يقال عند المريض إذا حضر، عن جابر بن زيد أنه كان يقرأ
عند الميت سورة الرعد. وأخرج المروزي في الجنائز عن جابر بن زيد أيضاً قال: كان يستحب إذا حضر الميت أن
يقرأ عنده سورة الرعد، فإن ذلك يخفف عن الميت، فإنه أهون لقبضه وأيسر لشأنه. كما في "الدر المنثور" ٢٤/٤.
(٥) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب أحكام الجنائز ق ٣١١/أ بتصرف.
قسم العبادات
١٩٠
حاشية ابن عابدين
(ولا يُلقِّنُ بعد تلحيدِهِ) وإنْ فُعِلَ لا يُنهَى عنه، وفي "الجوهرة"(١): (( أنّه مشروعٌ
عند أهل السنّة))، ويكفي قولُهُ: يا فلانُ يا ابنَ فلانٍ، اذكُرْ ما كنتَ عليه، وقل:
رضيتُ بالله ربًَّ، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّدٍ نبيًّاً، قيل: يا رسول الله، فإنْ لم يُعرَف
اسمُهُ؟ قال: (( يُنسَبُ إلى حوَّاءَ(٢)))،
مطلبٌ في التلقينِ بعد الموت
[٧٢٢٥] (قولُهُ: ولا يُلقِّنُ بعد تلحيدِهِ) ذكَرَ في "المعراج": ((أَنَّه ظاهرُ الرواية))، ثمَّ قال:
((وفي "الخَّازِيَّة" و"الكافي"(٣) عن الشيخِ الزاهدِ "الصفَّارِ": أنَّ هذا على قولِ المعتزلة؛ لأنَّ الإحياء
بعد الموت عندهم مستحيلٌ، أمَّا عند أهل السنّة فالحديثُ - أي: ((لقّنُوا موتاكم لا إله إلاَّ الله)(٤) -
محمولٌ على حقيقته؛ لأنَّ الله تعالى يحييه على ما جاءت به الآثارُ، وقد رُوِيَ عنه عليه الصلاة
والسلام: (( أنّه أمَرَ بالتلقينِ بعد الدفن، فيقول: يا فلانُ بنَ فلانٍ، اذكرْ دينَكَ الذي كنتَ عليه من
شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّدً رسولُ الله، وأنَّ الجِنَّة حقٌّ والنارَ حقٍّ، وأنَّ البعث حقٌّ،
[٢ /ق١٣٥/ب] وأنَّ الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعثُ مَن في القبور، وأَنَّك رضيتَ بالله
ربََّ، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّدٍ ﴿ل نبيًّ، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلةً، وبالمؤمنين إخواناً))(٥)) اهـ.
وقد أطالَ في "الفتح"(٦) في تأييدِ حملٍ «موتاكم)) في الحديث على حقيقتِهِ مع التوفيق بين
الأدلَّةِ على أنَّ الميت يَسمَعُ أوْ لا كما سيأتي(٧) في باب اليمين في الضرب والقتل من كتاب
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٢٣/١.
(٢) في "ب": ((ينسب إلى آدم وحواء)).
(٣) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١/ق٥٦/ب.
(٤) تقدم تخريجه ص١٨٤ -.
(٥) أخرجه الطبراني في "الكبير" ٢٥٠/٧ وابن منده كما في "الدر المنثور" ٨٣/٤ -٨٤ عن أبي أمامة مرفوعاً.
وضعفه النووي في "خلاصة الأحكام" ١٠٢٩/٢. وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١٣٦/٢: وإسناده صالح، وقد
قوّه الضّياء في "أحكامه"، والراوي عن أبي أمامة سعيد الأزدي، بيّض له ابن أبي حاتم، ولكن له شواهد اهـ.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٦٨/٢-٦٩.
(٧) المقولة [١٨١٨٥] قوله: ((تقييد كل منهما بالحياة)).
الجزء الخامس
١٩١
باب صلاة الجنائز
ومَن لا يُسأَلُ ينبغي أنْ لا يُلقِّنَ،
الأيمان (١)، لكنْ قال في "شرح المنية"(٢): ((إِنَّ الجمهور على أنَّ المراد منه مجازُهُ))، ثمَّ قال: ((وإنما
لا يُنْهَى عن التلقينِ بعد الدفن لأَنَّه لا ضررَ فيه، بل فيه نفعٌ، فإنَّ الميت يستأنسُ بالذّكر على ما
ورَدَ في الآثار(٣) إلخ)).
قلت: وما في "ط"(٤) عن "الزيلعيِّ" (٥) لم أرَهُ فيه، وإنما الذي فيه: ((قيل: يُلقِّنُ لظاهرِ ما
روينا، وقيل: لا، وقيل: لا يُؤْمَرُ به ولا يُنْهَى عنه)) اهـ. وظاهرُ استدلاله للأوَّلِ اختيارُهُ، فافهم.
مطلبٌ في سؤالِ الملكين هل هو عامٌ لكلِّ أحدٍ أوْ لا؟
[٧٢٢٦) (قولُهُ: ومَن لا يُسألُ إلخ) أشارَ إلى أنَّ سؤال القبر لا يكونُ لكلِّ أحدٍ، ويخالفُهُ ما
في "السِّراج"(٩): ((كلُّ ذِي رُوحٍ من بني آدمَ يُسألُ في القبر بإجماعِ أهل السنّة، لكنْ يُلقِّنُ الرضيعَ
المَلَكُ، وقيل: لا، بل يُلهِمُهُ الله تعالى كما ألْهَمَ عيسى في المهد)) اهـ.
٥٧١/١
لكنْ في حكايةِ الإجماع نظرٌ، فقد ذكَرَ الحافظ "ابنُ عبد البَرِّ)(٧): ((أَنَّ الآثار دالَّةٌ على أنّه
لا يكونُ إلاَّ لمؤمنٍ أو منافقٍ ممن كان منسوباً إلى أهلِ القبلة بظاهرِ الشهادة دون الكافر الجاحد))،
وتعقّبَهُ "ابنُ القيِّم"(٨)، لكنْ رَدَّ عليه الحافظ "السيوطيُّ"(٩) وقال: ((ما قالَهُ "ابن عبد البَرِّ"
(١) من ((مع التوفيق)) إلى ((من كتاب الأيمان)) ساقط من "الأصل".
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في الجنازة صـ٥٧٦ -.
(٣) أخرجه أحمد ١٩٩/٤، ومسلم (١٢١) كتاب الإيمان - باب كون الإسلام يهدم ما قبله، في قصة عمرو بن العاص
لما احتضرته الوفاة قال لولده: فإذا دفنتموني فشنوا عليّ التراب شناً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تُنحَرُ جزورٌ
ويقسم لحمها حتى أستأنسَ بكم، وأنظرَ ماذا أراجع رسل ربي.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٣٦٣/١.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٢٣٤/١.
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ١/ق ٣٤٤/أ باختصار.
(٧) "التمهيد": ٢٥٢/٢٢ باختصار.
(٨) "الروح": صـ ١٤٤-، لأبي عبدالله، محمد بن أبي بكر بن أيوب، شمس الدين الشهير بابن قيِّم الجوزية، الزُّرْعيّ
الدمشقيّ الحنبليّ (ت٧٥١هـ). ("الدرر الكامنة "٤٠٠/٣، "الأعلام"٥٦/٦).
(٩) في "شرح الصدور": باب فتنة القبر وسؤال الملكَّيْن صـ١٤٥ -.
قسم العبادات
١٩٢
حاشية ابن عابدين
والأصحُّ أنَّ الأنبياء لا يُسأَلُون، ولا أطفالُ المؤمنين، وتوقّفَ "الإِمامُ" في أطفالِ
المشركين، وقيل: هم خدمُ أهلِ الجنّة، ويكرهُ تمنّي الموتِ».
هو الأرجحُ، ولا أقولُ سواه))، ونقَلَ "العلقميُّ" في "شرحه" على "الجامع الصغير": ((أنَّ الراجح
أيضاً اختصاصُ السؤال بهذه الأمَّةِ خلافاً لِما استظهَرَهُ "ابن القيِّم"))، ونقَلَ أيضاً عن الحافظ
"ابن حجر العسقلانيّ" (١): ((أنَّ الذي يظهرُ اختصاصُ السؤالِ بالمكلَّفِ))، وقال: ((وتَبْعَهُ عليه
شيخُنا))، يعني: الحافظَ "السُّيُوطِيَّ"(٢).
مطلبٌ: ثمانيةٌ لا يُسألون في قبورهم
ثُمَّ ذكَرَ: ((أَنَّ مَن لا يُسألُ ثمانيةٌ: الشهيدُ، والمرابطُ، والمطعونُ، والميتُ زمنَ الطاعون بغيره
إذا كان صابراً مُحتسِباً، والصِّدِّيقُ، والأطفالُ، والميتُ يومَ الجمعة أو ليلتها، والقارئُ كلَّ ليلةٍ تبارَكَ
الملك، وبعضُهم ضَمَّ إليها السحدةً، والقارئُ في مرضٍ موتِهِ قل هو اللَّهُ أحدٌ)) اهـ.
وأشار "الشارح" إلى أنَّه يزاد الأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام؛ لأنَّهم [٢/ق١٣٦/ أ) أَولى
من الصِّدِّيقين.
[٧٢٢٧) (قولُهُ: والأصحُّ إلخ) ذكَرَهُ "ابن الهمام" في "المسايرة"(٢).
مطلبٌ في أطفال المشركين
[٧٢٢٨] (قولُهُ: وتوقَّفَ "الإِمامُ " إلخ) أي: في أنّهم يُسألون، وفي أنّهم في الجنَّةِ أو النار، قال
"ابن الهمام" في "مسايرته"(٤): ((وقد اختُلِفَ في سؤالٍ أطفال المشركين، وفي دخولهم الجنَّةَ أو
النار، فتردَّدَ فيهم "أبو حنيفة" وغيرُهُ، وقد ورَدَتُ فيهم أخبارٌ مُتعارِضةٌ، فالسبيلُ تفويضُ أمرِهم إلى
الله تعالى، وقال "محمَّدُ بن الحسن": أعلمُ أنَّ اللَّهَ لا يُعذّبُ أحداً بلا ذنبٍ)) اهـ.
(١) "فتاوى الحافظ العسقلاني": قسم العقيدة صـ٧١-٧٢ ..
(٢) "الحاوي للفتاوى": مبحث المعاد - أحوال البرزخ ١٧٥/٢.
(٣) انظر "المسامرة بشرح المسايرة": الأصل الثالث - سؤال منكر ونكير صـ٢٧٣ -.
(٤) انظر "المسامرة بشرح المسايرة": الأصل الثالث - سؤال منكر ونكير صـ٢٧٤-٢٧٥ -.
الجزء الخامس
١٩٣
باب صلاة الجنائز
وتمامُهُ في "النهر"،.
وقال تلميذُهُ "ابن أبي شريفٍ" في "شرحه"(١): ((وقد نُقِلَ الأمرُ بالإمساك عن الكلام في
حكمِهم في الآخرة مطلقاً عن "القاسم بن محمَّدٍ"(٢) و"عروة بن الزُّبير)"(٣) من رؤوس التابعين
وغيرِهما، وقد ضعَّفَ "أبو البركات النسفيُّ" روايةَ التوقّفِ عن "أبي حنيفة" وقال: الروايةُ
الصحيحةُ عنه أَنَّهم في المشيئة لظاهرِ الحديث الصحيح: ((اللَّهُ أعلمُ بما كانوا عاملين)(٤)، وقد
حكى فيهم الإِمامُ "النوويُّ"(٥) ثلاثةَ مذاهبَ: الأكثرُ أنّهم في النار، الثاني التوقُّف، الثالثُ الذي
صحَّحَهُ أَنَّهم في الجنَّة لحديث: ((كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرة))(٦)، ويميلُ إليه ما مرَّ(٧) عن
"محمَّدِ بن الحسن"، وفيهم أقوالٌ أخرُ ضعيفةٌ)) اهـ.
[٧٢٢٩) (قولُهُ: وتمامُهُ في "النهر "(٨)) حيث قال: ((ويكرهُ تَمنّي الموتِ لضررٍ نَزَلَ به للنهي
(١) "المسامرة": ص ٢٧٤ -٢٧٥ - بتصرف.
(٢) التابعيّ الجليل أبو محمد، القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (ت١٠٧هـ)، أحد الفقهاء السبعة . ("حلية الأولياء"
١٨٣/٢، "وفيات الأعيان" ٥٩/٤).
(٣) التابعيّ الجليل أبو محمد وأبو عبد الله، عُروة بن الزبير بن العوام الأسديّ المدنيّ (ت٩٤هـ)، أحد الفقهاء السبعة.
("وفيات الأعيان"٢٥٥/٣، " سير أعلام النبلاء"٤٢١/٤).
(٤) أخرجه أحمد ٢١٥/١، والبخاري (١٣٨٤) كتاب الجنائز - باب ما قيل في أولادالمشركين، ومسلم(٢٦٥٨)(٢٣)
كتاب القدر - باب معنى: كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، وأبو داود
(٤٧١١) كتاب السنة - باب في ذراري المشركين، والترمذي (٢١٣٨) كتاب القدر - باب ما جاء: كل مولود
يولد على الفطرة، والنسائي ٥٨/٤ كتاب الجنائز - باب أولاد المشركين، وابن حبان (١٣١) كتاب الإِيمان - باب
الفطرة، كلهم من حديث أبي هريرة # مرفوعاً.
(٥) "شرح صحيح مسلم" ٤٢٣/١٦-٤٢٤ كتاب القدر - باب معنى: كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت
أطفال الكفار وأطفال المسلمين.
(٦) أخرجه مالك ٢٤١/١ كتاب الجنائز - باب جامع الجنائز، وأحمد ٢٣٣/٢، والبخاري (١٣٨٥) كتاب الجنائز -
باب ما قيل في أولاد المشركين، ومسلم (٢٦٥٨) كتاب القدر - باب معنى: كل مولود يولد على الفطرة، وأبو
داود (٤٧١٤) كتاب السنة - باب في ذراري المشركين، والترمذي (٢١٣٩) كتاب القدر - باب ما جاء: كل
مولود يولد على الفطرة، كلهم من حديث أبي هريرة # مرفوعاً.
(٧) في هذه المقولة. وقوله: ((ما مرّ)) إدراج من ابن عابدين رحمه الله.
(٨) انظر "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ق ٩١/أ.
قسم العبادات
١٩٤
حاشية ابن عابدين
وسيجيءُ في الحظر.
(وما ظهَرَ منه من كلماتٍ كفريَّةٍ يُغتفَرُ في حقّه ويُعامَلُ معاملةَ موتى المسلمين) حملاً
على أَنَّه في حالَ زوالٍ عقله، ولذا اختارَ بعضهم زوالَ عقله قبل موته، ذكَرَهُ "الكمال".
(وإذا ماتَ تُشَدُّ.
عن ذلك، فإنْ كان ولا بدَّ فليقل: اللهمَّ أحيني ما كانت الحياةُ خيراً لي، وتَوَفّني إذا كانت الوفاةُ
خيراً لي (١)، كذا في "السِّرَاجِ"(٢))) اهـ.
[٧٢٣٠) (قولُهُ: وسيجيءُ(٣) في الحظر) أي: في كتابِ الحظر والإباحة، ويُعبَّرُ عنه بكتابٍ
الكراهة والاستحسان، وسقَطَ من أغلبِ النسخ لفظُ: ((في الحظر)).
[٧٢٣١) (قولُهُ: ولذا اختارَ إلخ) أي: لكونه في حالِ زوالِ عقله يُغْتَفَرُ ما يَصدُرُ منه اختارَ
بعضهم زوالَ عقله في ذلك الوقت مخافةَ أنْ يتكلَّمَ بذلك قصداً من ألم الموت، ومن أنْ يدخلَ عليه
الشيطانُ، فإنَّ ذلك الوقتَ وقتُ عُرُوضه له.
[٧٢٣٢] (قولُهُ: ذكَرَهُ "الكمالُ"(٤) وقال أيضاً: ((وبعضُهم اختاروا قيامَهُ في حال الموت،
والعبدُ الضعيف مؤلّفُ هذه الكلماتِ فوَّضَ أمرَهُ إلى الربِّ الغنيِّ الكريم متوكِّلاً عليه، طالباً منه
- جلَّتْ عظمتُهُ - أنْ يرحمَ عظيم فاقتي بالموت على الإيمان والإِيقان، ومَن يتوكَّلْ على اللـه
[٢ /ق١٣٦/ب] فهو حسبُهُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله العليِّ العظيم)) اهـ. وأنا العبدَ الذليلَ أقولُ
مثلَ قوله مستعيناً بقوِّ الله تعالى وحَولِهِ.
(١) أخرجه أحمد ١٠١/٣، والبخاري (٥٦٧١) كتاب المرضى - باب تمني المريض الموت، ومسلم (٢٦٨٠) كتاب الذكر
والدعاء - باب كراهة تمني الموت، وأبو داود (٣١٠٨) كتاب الجنائز - باب في كراهية تمني الموت، والترمذي
(٩٧١) كتاب الجنائز - باب ما جاء في النهي عن التمني للموت، والنسائي ٣/٤ كتاب الجنائز - باب تمني الموت،
وابن ماجه (٤٢٦٥) كتاب الزهد - باب ذكر الموت والاستعداد له، كلهم من حديث أنس بن مالك ظه مرفوعاً.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ١/ق ٣٤٤/ب.
(٣) انظر المقولة [٣٣٤٨٣] قوله: ((أي: فيكره)).
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب الجنائز ٦٩/٢.
الجزء الخامس
١٩٥
باب صلاة الجنائز
لَحياه وتُغمَّضُ عيناه) تحسيناً له، ويقولُ مُغمِّصُهُ: بسمِ الله، وعلى ملَّةِ رسول الله،
اللهمَّ يَسِّرْ عليه أمرَهُ، وسهِّلْ عليه ما بعدَهُ، وأسعِدْهُ بلقائك، واجعلْ ما خرَجَ إليه
خيراً مما خرَجَ عنه، ثمَّ تُمَدُّ أعضاؤُهُ، ويُوضَعُ على بطنِهِ سيفٌ أو حديدٌ لئلاً
ينتفخَ، ويُحضَرُ عنده الطِّيبُ، ويُخرَجُ من عنده الحائضُ والنفساء والجُنُبُ» ..
[٧٢٣٣] (قولُهُ: لَحْياهُ) تثنيةُ لَحْىٍ بفتح اللام فيهما، وهو مَنْبَتُ اللِّحية، أو العظمُ الذي
عليه الأسنانُ، "محر"(١).
[٧٢٣٤) (قولُهُ: تحسيناً له) إذ لو تُرِكَ فَظُعَ منظرُهُ، ولئلاَّ يدخلَ فاه الهوامُّ والماءُ عند
غَسِلِهِ، "إمداد"(٢).
[٧٢٣٥] (قولُهُ: ثمَّ تُمَدُّ أعضاؤه) أي: لئلاَّ يبقى مقوَّساً كما في "شرح المنية"(٣)، وفي
"الإمداد"(٤): ((وتُلَّنُ مفاصلُهُ وأصابعُهُ، بأنْ يُرَدَّ ساعدُهُ لعضُدِهِ، وساقُهُ لفخذِهِ، وفخذُهُ
لبطنِهِ، ويَرُدَّها مليَّةً ليسهُلَ غسلُهُ وإدراجُهُ في الكفن)).
[٧٢٣٦] (قولُهُ: ويُوضَعُ إلخ) يُخالِفُ ما مرَّ(٥) من أنَّ توجيهَهُ على يمينه هو السنَّةُ؛ لأنَّ
هذا الوضعَ لا يكون إلاَّ مع الاستلقاءِ، إلاَّ أن يقال: إنَّ ذاك عند الاحتضارِ إلى خروجٍ
الرُّوح، وهذا بعده.
[٧٢٣٧] (قولُهُ: لئلاّ ينتفخَ) لأنَّ الحديد يدفعُ النفخَ لسِرُّ فيه، وإنْ لم يوجد فيُوضَعُ
شيءٌ ثقيلٌ، "إمداد"(٦).
[٧٢٣٨) (قولُهُ: ويُخرَجُ مِن عندِهِ إلخ) في "النهر "(٧): ((وينبغي إخراجُ الحائضِ إلخ))،
(١) "البحر": كتاب الجنائز ١٨٤/٢.
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب أحكام الجنائز ق ٣١١/أ.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في الجنازة صـ٥٧٧ -.
(٤) "الإِمداد": کتاب الصلاة - باب أحكام الجنائز ق ٣١١/ب.
(٥) صـ ١٨٣ - "در".
(٦) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الجنائز ق ٣١١/ب.
(٧) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجنائز ق ٩١/أ.
قسم العبادات
١٩٦
حاشية ابن عابدين
ويُعلَمُ به جيرانُهُ وأقرباؤُه، ويُسرَعُ في جَهازه،.
وفي "نور الإيضاح"(١): ((واختُلِفَ في إخراجِ الحائض إلخ)).
[٧٢٣٩) (قولُهُ: وَيُعلَمُ به جيرانُهُ إلخ) قال في "النهاية": ((فإنْ كان عالماً أو زاهداً أو ممن
يُتْبِرَّكُ به فقد استحسَنَ بعضُ المتأخْرِين النداءَ في الأسواق لجنازته، وهو الأصحُّ)) اهـ. ولكنْ
لا يكونُ على جهةِ التفخيم، وتمامُهُ في "الإمداد"(٢).
[٧٢٤٠] (قولُهُ: ويُسرَعُ فِي جَهازه) لِما رواه "أبو داود"(٢) عنه ◌َ ◌ّ: لَمَّا عادَ "طلحةَ بنَ البراءِ"
وانصرَفَ قال: ((ما أرى "طلحةً" إلاَّ قد حدَثَ فيه الموتُ، فإذا ماتَ فآذِنوني حتَّى أصلِّيَ عليه
وعَجِّلوا به، فإنّه لا ينبغي لجيفةٍ مسلمٍ أنْ تُحبّسَ بين ظهراني أهلِهِ))، والصارفُ عن وجوبٍ
التعجيل الاحتياطُ الرُّوحِ الشريفةِ، فإنّه يُحتمَلُ الإغماء، وقد قال الأطَّاءُ: إنَّ كثيرين ممن يموتون
بالسَّكنةِ ظاهراً يُدْنُون أحياءً؛ لأَنّه يعسُرُ إدراكُ الموت الحقيقيِّ بها إلاَّ على أفاضلِ الأَطِيَّاء، فيتعيّنُ
٥٧٢/١ التأخيرُ فيها إلى ظهورِ اليقينِ بنحوِ التغيُّرِ، [٢/ق١٣٧ /أ] "إمداد"(٤). وفي "الجوهرة"(٥): ((وإنْ
ماتَ فجأةً تُرِكَ حَتَّى يُتِيقَّنَ بموته)).
(١) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - باب أحكام الجنائز صـ ٢٦٠ -.
(٢) انظر "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الجنائز ق ٣١١/ب.
(٣) أخرجه أبو داود (٣١٥٩) كتاب الجنائز - باب التعجيل بالجنازة وكراهية حبسها من طريق عيسى بن يونس عن
سعيد بن عثمان البلوي عن عروة بن سعيد الأنصاري عن أبيه عن الحصين بن وحوح: أن أبا طلحة ..... الحديث.
وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨١٦٤) مطولاً بالإسناد المذكور وقال: لا يروى هذا الحديث عن حصين
ابن وحوح إلا بهذا الإسناد، تفرد به عیسی بن یونس.
وفي الإسناد عروة بن سعيد الأنصاريّ مجهول، وكذلك أبوه مجهول، وفيه انقطاع بيَّه الحافظ ابن حجر في ترجمة
حصين ابن وحوح في "الإصابة" ٣٣٩/١، فالحديث بهذا السند ضعيف، والله أعلم.
(٤) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الجنائز ق ٣١٢/أ.
(٥) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب الجنائز ١٢٣/١.