Indexed OCR Text
Pages 41-60
الجزء الخامس
٣٧
باب الجمعة
(و) الخامسُ (كونُها قبلَها) لأنَّ شرط الشيءِ سابقٌ عليه (بحضرةِ جماعةٍ تَنْعقِدُ)
الجمعةُ (بهم ولو) كانوا (صُمَّاً أو نياماً، فلو خطَبَ وحدَهُ لم يَحُزْ على الأصحِّ)
كما في "البحر"(١) عن "الظهيريَّة"(٢)؛.
( تتمَّةٌ )
لم يُقِّد الخطبةَ بكونها بالعربيَّةِ اكتفاءً بما قدَّمَهُ(٣) في باب صفة الصلاة: ((من أنّها غيرُ
شرطٍ ولو مع القدرة على العربيّةِ عنده خلافاً لهما، حيث شَرَطاها إلاَّ عند العجز كالخلافٍ
في الشروع في الصلاة)).
[٦٧٥٦] (قولُهُ: والخامسُ كونُها قبلَها) أي: بلا فاصلٍ كثيرٍ على ما سيأتي(٤)، وهي شرطُ
الانعقادِ في حقٍّ مَن يُنشِئُ التحريمةَ للجمعة لا كلِّ مَن صلاَّها، فلذا قالوا: لو أحدَثَ الإِمامُ فقدَّمَ
مَن لم يشهدها جازَ؛ لأَنَّه بانٍ تحريمتَهُ على تلك التحريمةِ المُنشأةِ، فلو أفسَدَها الخليفةُ فالقياسُ أن
لا يَستقبِلَ بهم الجمعةَ، لكن استحسنوا الجوازَ؛ لأَنّ لَمَّا قام مَقامَ الأوَّلِ التحَقَ به حكماً،
ولو كان الأوَّلُ أَحدَثَ قبل الشُّروع فقدَّمَ مَن لم يشهدها لم يَحُزْ، "فتح"(٥) ملخّصاً.
[٦٧٥٧] (قولُهُ: تنعقدُ الجمعةُ بهم) بأنْ يكونوا ذكوراً بالغِين عاقلين ولو كانوا معذورين
بسفرٍ أو مرضٍ.
[٦٧٥٨) (قولُهُ: ولو كانوا صُمَّاً أو نياماً) أشار إلى أنَّه لا يُشترَطُ لصحَّتِها كونُها
مسموعةً لهم، بل يكفي حضورُهم، حتَّى لو بَعُدوا عنه أو ناموا أجزأت، والظاهرُ أَنَّه يُشترَطُ
كونُها جهراً بحيث يسمعُها مَن كان عنده إذا لم يكن به مانعٌ، "شرح المنية"(٦).
[٦٧٥٩] (قولُهُ: على الأصحِّ إلخ) عزا تصحيحَهُ في "الحلبة"(٧) أيضاً إلى "المعراج"
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٨/٢.
(٢) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب السادس - الفصل الأول في الجمعة ق ٣٧/أ.
(٣) ٢٦٩/٣ وما بعدها "در".
(٤) صـ ٤٨ - "در".
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٨/٢.
(٦) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة الجمعة صـ٥٥٥ ..
(٧) "الحلبة": التكملة - الفصل الخامس في صلاة الجمعة ٢/ق ٢٧٧/أ.
قسم العبادات
٣٨
حاشية ابن عابدين
لأنَّ الأمر بالسعي للذكر ليس إلاَّ لاستماعه، والمأمورُ جمعٌ، وجزَمَ في "الخلاصة":
((بأنّه يكفي حضورُ واحدٍ)).
و"المبتغى" بالغينِ، وجزَمَ به في "البدائع"(١) و"التبيين"(٢) و"شرح المنية"(٣)، قال في "الحلبة "(٤):
((لكنَّ هذا إحدى الروايتين عن "أئمَّتنا الثلاثة"، والأخرى أنّها غيرُ شرطٍ، حتَّى لو خطَبَ وحده
جاز، وأفادَ شيخُنا - يعني: "الكمالَ"(٥) - اعتمادَها)).
[٦٧٢٠] (قولُهُ: لأنَّ الأمر بالسَّعي(٦) ليس إلاَّ لاستماعِهِ) كذا قال في "النهر"(٧)، وفيه(٨) أنَّ
الشرطَ الحضورُ كما مرَّ لا السماحُ، فكان المناسبُ أن يقول: لأنَّ المأمور بالسعي جمعٌ، تأمَّل.
[٦٧٦١] (قولُهُ: وجزَمَ في "الخلاصة"(٩) إلخ) مشى عليه في "نور الإيضاح"، وقال في
"شرحه"(١٠): ((وإنما أَبعناه لأَنّ منطوقٌ، فُيُقدَّمُ على المفهوم)) اهـ.
أي: يُفهَمُ من قولهم: يُشترَطُ حضورُ جماعةٍ أَنَّه لا يصحُّ بحضورٍ واحدٍ، وقولُ "صاحب
الخلاصة": ((لو حضَرَ واحدٌ أو اثنان وخطَبَ وصلَّى بالثلاثة جازَ)) منطوقٌ، وفيه نظرٌ، فإنَّ جَعْلَ
حضورِ الجماعة شرطاً منطوقٌ أيضاً؛ لأنَّ الجماعة من الاجتماع فتنافي الوحدةً، وقد جُعِلَتْ
شرطاً، والشرطُ ما يلزمُ من عدمه العدمُ، تأمَّل.
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان شرائط الجمعة ٢٦٦/١.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٢٠/١.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة الجمعة صـ٥٥٥ ..
(٤) "الحلبة": التكملة - الفصل الخامس في صلاة الجمعة ٢/ق ٢٧٧/أ.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٣٠/٢.
(٦) قوله: ((لأن الأمر بالسعي)) أي: للذ کر، کما هو مصرَّح به في الشرح. اهـ مصححه.
(٧) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٨٥/أ.
(٨) أي في "النهر" بتصرف.
(٩) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث والعشرون في صلاة الجمعة ق ٥٢/أ.
(١٠) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٢٨٣/ب.
الجزء الخامس
٣٩
باب الجمعة
(وكَفَتْ تحميدةٌ أو تهليلةٌ أو تسبيحةٌ) للخطبةِ المفروضة مع الكراهةِ، وقالا: لا بدَّ من
ذكرٍ طويلٍ، وأقُّهُ قَدْرُ التشهُّد الواجب (بنَّتِها فلو حَمِدَ لعطاسِهِ) أو تعجُّباً (لم يَنُبْ عنها
على المذهبٍ) كما في التسمية على الذبيحة، لكنَّه ذكَرَ (١) في الذبائح: ((أَنَّه ينوبُ))، فتأمَّل.
[٦٧٦٢] (قولُهُ: وكَفَتْ تحميدةٌ إلخ) شروعٌ في ركنِ الخطبة بعد بيان شروطها، وذلك لأنَّ
المأمور به في آيةٍ ﴿فَأَسْعَوْا﴾ [الجمعة - ٩] مطلقُ الذكرِ الشاملِ للقليل والكثير، والمأثورُ عنه ◌ِ ◌ّ
لا يكون بياناً؛ لعدم الإجمالِ في لفظ الذّكر.
(٦٧٢٣) (قولُهُ: مع الكراهةِ) ظاهرُ "القُهُستَانِ) (٢): ((أَنَّها تنزيهِيَّةٌ))، تأمَّل.
[٦٧٦٤) (قولُهُ: وَأَقُّهُ إلخ) في "العناية"(٣): ((وهو مقدارُ ثلاث آياتٍ عند "الكرخيِّ"، وقيل:
مقدارُ التشهُّدِ من قوله: التحيَّاتُ لله إلى قوله: عبدُهُ ورسوله)).
[٦٧٦٥) (قولُهُ: بِنَِّها) أي: نَّةِ الخطب.
(٦٧٦٦) (قولُهُ: أو تعجُّباً) الأولى أنْ يقول: أو سبّحَ تعجُّباً، "ط(" (٤).
[٦٧٦٧] (قولُهُ: على المذهبِ) ورُوِيَ عن "الإِمام)" أنَّه تُجزيه، "ح"(٥).
[٦٧٢٨) (قولُهُ: لكنَّه ذكَرَ) أي: "المصنّفُ" حيث قال: (( ولو عطَسَ عند الذبح فقال:
الحمدُ لله لا يحلُّ في الأصحِّ بخلاف الخطبة)) اهـ.
فإِنَّ مُفاده أنَّ حَمْدَ العطاس يكفي لها، قال "ح"(٦): ((ويمكنُ أنْ يُجاب بأنَّه مبنيٌّ على
الرواية التي قدَّمناها)).
٥٤٣/١
(١) انظر المقولة [٣٢٣٩٨] قوله: ((لعدم قصد التسمية)).
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صلاة الجمعة ١٦٢/١.
(٣) "العناية": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٣٠/٢ (هامش "فتح القدير").
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٣٤٢/١.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق١٠٩/ب.
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق١٠٩/ب.
قسم العبادات
٤٠
حاشية ابن عابدين
(ويُسَنُّ خطبتان) خفيفتان، وتكرهُ زيادتُهما على قدْرِ سورةٍ من طِوال المفصَّل
(بجلسةٍ بينهما) بقدْرِ ثلاثِ آياتٍ على المذهب، وتاركُها مسيءٌ على الأصحِّ
كتركه قراءةَ قَدْرِ ثلاثِ آياتٍ، ويجهرُ بالثانية لا كالأُولى،
[٦٧٦٩] (قولُهُ: ويُسَنُّ خطبتان) لا ينافي ما مرَّ(١) من أنَّ الخطبة شرطٌ؛ لأنَّ المسنون هو
تكرارُها مرَّتين، والشرطُ إحداهما.
[٦٧٧٠] (قولُهُ: على المذهب)(٢) وقال "الطحاويُّ": ((بقدْرِ ما يَمَسُّ موضعَ جلوسه من
المنبر))، "بحر "(٣).
[٦٧٧١] (قولُهُ: وتكرهُ زيادتُهما إلخ) عبارةُ "القُهُستانيِّ"(٤): ((وزيادةُ التطويلِ مكروهةٌ)).
[٦٧٧٢] (قولُهُ: كتركِهِ قراءةَ قدْرِ ثلاثِ آياتٍ) أي: يكرهُ الاقتصار في الخطبة على نحوٍ
تسبيحةٍ وتهليلةٍ مما لا يكونُ ذكراً طويلاً قدْرَ ثلاثِ آياتٍ أو قدْرَ التشهُّدِ الواجب، وليس المرادُ أنَّ
ترك قراءةٍ ثلاثٍ آياتٍ مكروهٌ؛ لأنَّ المصرَّحَ به في "الملتقى" (٥) و"المواهب" و"نور الإيضاح"(٦)
وغيرِها: ((أَنَّ من السنن قراءةً آيةٍ))، وقال في "الإمداد"(٧): ((وفي "المحيط"(1): يقرأُ في الخطبةِ
سورةً من القرآن أو آيَةً، فالأخبارُ قد تواترت أنَّ النبيِ ﴿: ((كان يقرأ القرآنَ في خطبته، لا تخلو
عن سورةٍ أو آيةٍ))(٩)))، ثمَّ قال: ((وإذا قرأ سورةً تامَّةً يتعوَّذُ ثمَّ يُسمِّي قبلها، وإِنْ قرأ آيةً قيل:
(١) صـ ٣٦ - "در".
(٢) حقُّ هذه المقولة التأخير على المقولة التي تليها وفق سياق "الدر".
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٦٠/٢.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صلاة الجمعة ١٦٥/١.
(٥) "ملتقى الأبحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٤٦/١.
(٦) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة صـ ٢٤٣ -.
(٧) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٢٨٨/ب.
(٨) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة - الفصل الخامس والعشرون في الجمعة ١/ق ١٠٣/أ.
(٩) أما خبر قراءته عليه الصلاة والسلام للقرآن في الخطبة بسورة: فقد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٢٤/٢ كتاب
الجمعة - باب الخطبة يوم الجمعة يقرأ فيها أم لا؟، وأحمد في "المسند" ٤٣٥/٦- ٤٣٦-٤٣٧، ومسلم (٨٧٢) (٥٠)
و(٨٧٣) (٥١)(٥٢) كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة، وأبو داود (١١٠٠) و(١١٠٢) و(١١٠٣)
كتاب الصلاة - باب الرجل يخطب على قوس، والنسائيّ ١٠٧/٣ كتاب الجمعة - باب القراءة في الخطبة، =
الجزء الخامس
٤١
باب الجمعة
٠٠
يتعوَّذُ ثمَّ يُسمِّي، وأكثرُهم قالوا: يتعوَّذُ ولا يُسمِّي، والاختلافُ في القراءة في غيرِ الخطبة
كذلك)) اهـ ملخَّصاً. وبه عُلِمَ أنَّ الاقتصار على الآيةِ غيرُ مكروهٍ، فتدبّر.
مطلبٌ في قولِ الخطيب: قال الله تعالى أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم
( تنبيةٌ )
جَرَت العادةُ إذا قرأ الخطيبُ الآيَةَ أَنَّه يقول: قال الله تعالى بعدَ أعوذُ بالله من الشيطان
الرجيم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا﴾ إلخ [النحل - ٩٧]، وفيه إيهامُ أنَّ أعوذُ بالله مِن مَقُولِ الله تعالى،
= والحاكم في "المستدرك" ٢٨٤/١ كتاب الجمعة، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ولم يوافقه
الذّهبيّ، والطبرانيّ في "المعجم الكبير" ٢٥/(٣٤١) و(٣٤٢) و(٣٤٤) و(٣٤٥)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢١١/٣
كتاب الجمعة - باب ما يستحب قراءته في الخطبة، والبيهقيّ في "معرفة السنن والآثار" ٣٦٣/٤ -٣٦٤ كتاب الجمعة -
باب القراءة في خطبة الجمعة، والنوويّ في "خلاصة الأحكام" ٨٠٠/٢ كتاب صلاة الجمعة - باب وجوب القراءة
في خطبة الجمعة. كلُّهم من حديث أم هشام بنت حارثة بن النُّعْمان رضي الله عنهم قالت: ((ما حفظت ﴿قّ﴾
إلاَّ من فِيْ رسول الله ﴿ يَخْطُب بها كلَّ جُمُعة، قالت: وكان تُورنا وتَنُّور رسول الله:﴿ واحداً)).
وأما خبر قراءته عليه الصلاة والسلام للقرآن في الخطبة بآية: فقد أخرج البخاريّ (٣٢٣٠) كتاب بدء الخلق - باب
إذا قال أحدكم آمين، والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غُفر له ما تقدم من ذنبه، و(٣٢٦٦) كتاب
بدء الخلق - باب صفة النار وأنها مخلوقة، و(٤٨١٩) كتاب التفسير - باب ﴿وَنَادَ وْأَيَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبٌُّ﴾ الآية،
ومسلم (٨٧١)(٤٩) كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة، وأبو داود (٣٩٩٢) كتاب الحروف والقراءات -
أول كتاب الحروف والقراءات، والترمذيّ (٥٠٨) كتاب الصلاة - باب ما جاء في القراءة على المنبر، وقال:
حديث يعلى بن أُميّة حديث حسن صحيح غريب، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢١١/٣ كتاب الجمعة - باب ما
يستحب قراءته في الخطبة، وقال: رواه مسلم والبخاريّ، والنوويّ في "خلاصة الأحكام" ٨٠٠/٢ كتاب صلاة
الجمعة - باب وجوب القراءة في خطبة الجمعة، وقال: رواه مسلم. كُلُّهم من حديث يعلى بن أُمّة رضي الله عنه
أنه سمع النّبيّ ◌َ﴿ يقرأ على المنبر﴿ وَنَادَ وْأَ يَمَلِكُ﴾ وهو لفظ مسلم، وفي الباب عن أبي هريرة، وجابر بن سَمُرة
رضي الله عنهما.
وقد مرَّ قريباً حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ ◌َلُه ٦١٢/٤ وهو حجة وشاهد في هذا الباب.
قسم العبادات
٤٢
حاشية ابن عابدين
ويبدأُ بالتعوُّذِ سرًّاً، ويُندَبُ ذكرُ الخلفاء الراشدين
وبعضُهم يتباعدُ عن ذلك فيقول: قال الله تعالى كلاماً أتلوه بعد قولي: أعوذ بالله إلخ، ولكنْ في
حصولِ سنّةِ الاستعاذة بذلك نظرً؛ لأنَّ المطلوب إنشاءُ الاستعاذة، ولم تَبْقَ كذلك، بل صارت
محكَّةً مقصوداً بها لفظُها، وذلك ينافي الإنشاءَ كما لا يخفى، فالأَولى أنْ لا يقول: قال الله تعالى،
ولشيخ مشايخنا العلاَّمةِ "إسماعيلَ الجراحيّ" شارحِ "البخاريِّ" رسالةٌ(١) في هذه المسألة لا يحضرُني
الآنَ ما قالَهُ فيها، فراجعها.
(٦٧٧٣) (قولُهُ: ويبدأُ) أي: قبل الخطبة الأُولى بالتعوَّذِ سرًّا، ثمَّ بحمدِ الله تعالى والثناءِ عليه
والشهادتين والصلاةِ على النبيِّ ﴿ والعِظَةِ والتذكيرِ والقراءةٍ، قال في "التجنيس": ((والثانيةُ
كالأُولى، إلاَّ أنَّه يدعو للمسلمين مكانَ الوعظ))، قال في "البحر"(٢): ((وظاهرُهُ أَنَّ يُسَنُّ قراءةُ آيةٍ
فيها كالأُولى)) اهـ
( تنبيةٌ )
ما يفعلُهُ بعضُ الخطباء من تحويلِ الوجهِ جهةَ اليمين وجهةَ اليسار عند الصلاة على النبي
في الخطبة الثانية لم أرَ مَن ذَكَرَهُ، والظاهرُ أَنَّ بدعةٌ ينبغي تركُهُ لئلاّ يُتوهَّمَ أَنَّه سنّةٌ، ثمَّ رأيتُ
في "منهاج النوويّ"(٣) قال: ((ولا يَلتِفِتُ يميناً وشمالاً في شيءٍ منها))، قال "ابن حجرٍ"
في "شرحه"(٤): ((لأنَّ ذلك بدعةٌ)) اهـ.
ويؤخذُ ذلك عندنا من قول "البدائع"(٥): ((ومن السنَّةِ أنْ يستقبل الناسَ بوجهه ويستدبرَ
القبلة؛ لأنَّ النبيَّ(﴿ّ كان يخطبُ هكذا)) اهـ.
(١) لم نهتد إلى معرفتها.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٩/٢.
(٣) انظر "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة صـ ٨٨ -.
(٤) "تحفة المحتاج": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٤٦٢/٢.
(٥) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان شرائط الجمعة ٢٦٣/١.
الجزء الخامس
٤٣
باب الجمعة
والعمَّين، لا الدعاءُ للسلطان، وجوَّزَهُ "القُهُستانيُّ"، ويكرهُ تحريماً وصفُهُ بما ليس
فيه، ويكرهُ تكلُّمُه فيها إلاَّ لأمرٍ بمعروفٍ؛ لأَنَّه منها. ومن السنَّةِ جلوسُهُ.
[٦٧٧٤) (قولُهُ: والعَمَّينِ) هما "حمزةُ" و"العَبَّاسُ" رضي الله تعالى عنهما.
( لطيفةٌ )
سمعتُ عن بعض شيوخي أَنَّه كان يقول: إنَّ الخطباء يَلحَنُون هنا مرَّتين، حيث يقولون:
وارضَ عن عمَّي نبيِّكَ الحمزةَ والعَّاسِ بإدخال أل على "حمزةً" وإبقاءٍ منعِ صرفه مع أنَّه لم يُسمَعْ
دخولُ أل عليه، وإذا دخّلَتْ يُصرَفُ.
[٦٧٧٥) (قولُهُ: وجوَّزَهُ "القُهُستانِيُّ)(١) إلخ) عبارَتُهُ: ((بمَّ يدعو لسلطان الزمان بالعدل
والإِحسان متحنّباً في مدحه عمَّ قالوا: إنَّه كفرٌ وخسرانٌ كما في "الترغيب"(٢) وغيره)) اهـ.
وأشار "الشارح" بقوله: ((وجَوَّزَه)) إلى حملٍ قوله: ((ثُمَّ يدعو إلخ)) على الجوازِ لا الندب؛
لأَنّه حكمٌ شرعيٌّ لا بدَّ له من دليلٍ، وقد قال في "البحر "(٢): ((إِنَّه لا يُستحَبُّ؛ لِما رُوِيَ عن
"عطاءِ"(٤) حين سئل عن ذلك فقال: إنَّه مُحدَثٌ، وإنما كانت الخطبةُ تذكيراً)) اهـ.
ولا يُنافي ذلك ما قدَّمَهُ (٥) "الشارح" في باب الإمامة من وجوبِ الدعاء له بالصلاح؛
لأنَّ الكلام في نفي استحبابه في خصوص الخطبة، بل لا مانعَ من استحبابه فيها كما يُدْعى لعموم
(قولُهُ: بل لا مانعَ من استحبابه فيها) يظهرُ هذا فيما لو دَعَى له بما فيه نفعٌ للمسلمين لا فيما نفعُهُ
قاصرٌ عليه غيرُ مُتَعدِّ لغيره، تأمَّل. وما نُقِلَ عن "أبي موسى" ليس فيه الدُّعاءُ للسلطان، بل مِن قبيل
الدعاء للخلفاء الراشدين، على أنَّ ما ذكره من علة الاستحباب لا يقتضيه في الخطبة التي أصلُ
مشروعيّتها الذكرُ والوعظ، وعدمُ الدعاء له في الأزمان السَّالفة مع جَوْرِ الكثير من سلاطينهم خصوصاً
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صلاة الجمعة ١٦٦/١ بتصرف.
(٢) لم نقف عليه فيما بين أيدينا من المصادر الحديثية.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٦٠/٢.
(٤) الإِمام التابعي عطاء بن أسلم بن صفوان، الشهير بعطاء بن أبي رباح المكي (ت١١٤ هـ). ("وفيات الأعيان"
٢٦١/٣، "سير أعلام النبلاء" ٧٨/٥).
(٥) ٤٩٠/٣ "در".
قسم العبادات
٤٤
حاشية ابن عابدين
المسلمين، فإنَّ في صلاحه صلاحَ العالَم، وما في "البحر": ((من أَنَّه مُحدَثٌ)) لا ينافيه، فإنَّ سلطان
هذا الزمانِ أحوجُ إلى الدعاء له ولأمرائه بالصلاحِ والنصرِ على الأعداء، وقد تكونُ البدعةُ واجبةٌ
أو مندوبةً، على أَنَّه ثبَتَ أنَّ "أبا موسى الأشعريّ" - وهو أميرُ الكوفة - كان يدعو لـ "عمر" قبل
"الصِّدِّيق"، فأُنكِرَ عليه تقديمُ "عمر"، فشكا إليه، فاستحضَرَ المنكر فقال: إنما أنكرتُ تقديمك على
"أبي بكرٍ"، فبكى واستغفره(١)، والصحابةُ حينئذٍ متوفّرون، لا يسكتون على بدعةٍ إلاّ إذا شَهِدَتْ
لها قواعدُ الشرع، ولم يُنكِرْ أحدٌ منهم الدعاءَ بل التقديمَ فقط، وأيضاً فإنَّ الدعاء للسلطان على
المنابر قد صار الآن من شعارِ السلطنة، فمَنْ تَرَكَهُ يُخشَى عليه، ولذا قال بعضُ العلماء: لو قيل: إنَّ
الدعاء له واجبٌ لِما في تركِهِ من الفتنة غالباً لم يَبْعُدْ كما قيل به في قيامِ الناس بعضهم لبعضٍ.
والظاهرُ: أنَّ منع المتقدِّمين مبنيٌّ على ما كان في زمانهم من المجازفة في وصفه مثل:
السلطانِ العادلِ الأكرمِ، شاهنشاه الأعظم، مالكِ رقاب الأمم، ففي كتاب الردَّةِ من
"التاتر خانَّةً"(٢): ((سئل "الصفَّار": هل يجوزُ ذلك؟ فقال: لا(٣)؛ لأنَّ بعض ألفاظه كفرٌ وبعضَها
كذبٌ، وقال "أبو منصور"(٤): مَن قال للسلطان الذي بعضُ أفعاله ظلمٌ: عادلٌ فهو كافرٌ،
مثل "الحجَّاج" مع شدَّة الاحتياج لصلاحهم دليلُ عدمِ الندب، وإلاَّ كيف يتركونه مع توفُّرٍ دليله؟!
ثمَّ إِنَّ صيرورته من الشَّعائر إلخ إنما يقتضي الدعاء، ولا يفيدُ حِلَّ تعدادٍ صفاته كسلطان البرَّين إلخ.
(قولُهُ: فَأُنكِرَ عليه تقديمُ "عمر") المنكِرُ على "أبي موسى" هو "ضبَّةُ بن محضر العنزيُّ"، والمشكوُّ
إليه والمحضِرُ هو "عمر"، وبكاءُ "عمر" واستعذارُهُ لـ "ضبَّة" لِما وقع له من إشخاصِهِ له من الكوفة
إلى مكَّة كما ذكَرَ القصَّةَ "السنديُّ".
(قولُهُ: شاهنشاه) بمعنى سلطان السلاطين.
(١) الخبر في "الرياض النضرة" ٤٥٢/١، والذي أنكر عليه هو ضبّة بن محصن العنزيّ.
(٢) "التاتر خانية": فصل في ما يتعلق بالسلاطين والجبابرة والأكاسرة ٥٢٣/٥.
(٣) ((لا)) ساقطة من "ب".
(٤) أي: الماتريدي، إمام الهدى، كما في "التاتر خانية".
الجزء الخامس
٤٥
باب الجمعة
في مَخدَعِهِ عن يمينِ المنبر، ولُبْسُ السوادٍ،.
٥٤٤/١
وأمَّا شاهنشاه فهو من خصائصِ الله تعالى بدون وصفِ الأعظم، لا يجوزُ وصف العباد به، وأمَّا
مالكُ رقاب الأمم فهو كذبٌ)) اهـ.
قال في "البزَّزيَّة"(١): ((فلذا كان أئمّة خوارزم يتباعدون عن المحراب يومَ العيد والجمعة)) اهـ.
أمَّا ما اعتيد في زماننا من الدعاءِ للسلاطين العثمانَّة أَيَّدَهم الله تعالى كسلطانِ البَرَّين
والبحرين وخادمِ الحرمين الشريفين فلا مانعَ منه، والله تعالى أعلم.
[٦٧٧٦] (قولُهُ: في مَخدعِهِ) هو الخلوةُ التي تكون في المسجد، قال "السيوطيُّ"
في "حاشيته"(٢) على "سنن أبي داود": ((المخدعُ: هو البيتُ الصغير الذي يكونُ داخلَ البيت
الكبير، ومِيمُهُ تُضَمُّ وَتُفتَحُ)) اهـ. وفي "القاموس"(٢): ((المِحْدَعُ كمِنبرٍ: الخزانةُ)) اهـ "مدني".
[٦٧٧٧] (قولُهُ: عن يمينِ المنبر) قيدٌ لـ ((مَخدعِهِ))، قال في "البحر"(٤): ((فإنْ لم يكن ففي
جهتِهِ أو ناحيته، وتكرهُ صلاته في المحراب قبل الخطبة)).
[٦٧٧٨) (قولُهُ: ولبسُ السَّواد) اقتداءً بالخلفاء، وللتوارُث في الأعصار والأمصار، "بحر "(٥) عن
"الحاوي القدسيِّ"(٦).
قلت: الظاهرُ أنَّ هذا خاصٌّ بالخطيب، وإلاَّ فالمنصوصُ أَنَّه يُستحَبُّ في الجمعة والعيدين
ليسُ أحسنِ الثياب، وفي "شرح الملتقى"(٧) من فصل اللباس: ((ويُستحَبُّ الأبيضُ، وكذا الأسودُ؛
لأَنَّه شعارُ بني العَّاس، ودخَلَ عليه الصلاة والسلام مكَّةً وعلى رأسه عمامةٌ سوداء(٨)) اهـ.
(١) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأ - كلام الفسقة ٣٣٦/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) المسمّاة: "مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود". ("كشف الظنون" ١٠٠٥/٢).
(٣) "القاموس": مادة ((خدع)).
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٦١/٢ نقلاً عن "الحاوي القدسي".
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٦١/٢.
(٦) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٥٠/أ.
(٧) "الدر المنتقى": كتاب الكراهية ٥٣٢/٢. (هامش "مجمع الأنهر").
(٨) أخرجه أحمد ٣٨٧/٣، ومسلم (١٣٥٨) كتاب الحج - باب جواز دخول مكة بغير إحرام، وأبو داود (٤٠٧٦) =
قسم العبادات
٤٦
-
حاشية ابن عابدين
وتركُ السلام مِن خروجه إلى دخوله في الصلاة، وقال "الشافعيُّ": إذا استَوَى على
المنبرِ سلَّمَ، "مجتبى" (وطهارةٌ وسترُ) عورةٍ (قائماً) وهل هي قائمةٌ مَقامَ ركعتين؟ ..
وفي روايةٍ لـ "ابن عديِّ"(١): ((كان له عمامةٌ سوداءُ يلبسُها في العيدين ويُرخيها خلفَهُ)).
[٦٧٧٩) (قولُهُ: وتركُ السلام) ومن الغريب ما في "السراج"(٢): ((أَنَّه يُستحَبُّ للإمام إذا
صَعِدَ المنبرَ وأقبَلَ على الناس أنْ يُسلِّمَ عليهم؛ لأنّه استدبَرَهم في صعوده)) اهـ "بحر "(٣).
قلت: وعبارتُهُ في "الجوهرة"(٤): ((ويُروَى أَنَّ لا بأسَ به؛ لأَنْه استدبَرَهم في صعوده)).
[٦٧٨٠] (قولُهُ: وطهارةٌ وسترُ عورٍ قائماً) جعَلَ الثلاثةَ في "شرح المنية"(٥) واجباتٍ مع أنّه
نفسَهُ صرَّحَ في متن "الملتقى"(٦) بسنَّةِ الطهارةِ والقيامِ كما في كثيرٍ من المعتبرات، وأمَّا سترُ العورة
فصرَّحَ: ((بأنّه سنّةٌ أيضاً)) في "نور الإيضاح"(٧) و"المواهب"، وصرَّحَ في "المجمع" وغيره بكراهةٍ
ترك الثلاثة، ولعلَّ معنى سنَّةِ السترِ مع كونه واجباً خارجها ولو في خلوةٍ على الصحيح
إلاَّ لغرضٍ صحيحٍ هو الاعتدادُ بها وعدمُ وجوب إعادتها لو انكشَفَتْ عورتُهُ بهبوبِ ريحٍ
= كتاب اللباس - باب في العمائم، والترمذيّ (١٧٣٥) كتاب اللباس - باب ما جاء في العمامة السوداء، وقال:
حديث حسن صحيح. والنسائيّ ٢٠١/٥ كتاب المناسك - باب دخول مكة بغير إحرام، و٢١١/٨ كتاب الزينة
باب لبس العمائم السود، وابن ماجه (٢٨٢٢) كتاب الجهاد - باب لبس العمائم في الحرب، و(٣٥٨٥) كتاب
اللباس - باب العمامة السوداء، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٧٧/٥ كتاب الحج - باب الرخصة لمن دخلها خائفاً
لحرب في أن يدخلها بغير إحرام، والدّارِميّ ٧٤/٢، وابن حبان (٣٧٢٢) كتاب الحج - باب فضل مكة من حديث
جابر نظُله مرفوعاً، وفي الباب عن عليّ، وعمرو بن حريث، وابن عباس وركانة ته.
(١) في "الكامل": ٩٧/٦.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١/ق ٣١٠/ب.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٦٠/٢.
(٤) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١١١/١.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة الجمعة صـ٥٥٥ ..
(٦) "ملتقى الأبحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٤٥/١.
(٧) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة صـ٢٤٣ -.
الجزء الخامس
٤٧
باب الجمعة
الأصحُّ لا، ذكَرَهُ "الزيلعيُّ"(١)، بل كشطرِها في الثواب، ولو خطَبَ جُنُباً، ثمَّ
اغتسَلَ وصلَّى
ونحوه، وكذا الطهارةُ من الجنابة واجبةٌ لدخولِ المسجد ولو بلا خطبةٍ، فتصحُّ خطبته وإِنْ أَثِّمَ لو
متعمِّدًاً، ويدلُّ على ما قلناه ما في "البدائع"(٢) حيث قال: ((والطهارةُ سنّةٌ عندنا لا شرطٌ، حتَّى إِنَّ
الإِمام إذا خطَبَ جُنباً أو مُحدِثً فإنّه يُعتَبرُ شرطاًٌ لجواز الجمعة)) اهـ
وفي "الفيض": ((ولو خطَبَ مُحدِثاً أو جُنباً جاز، ويأثمُ إِثْمَ إقامةِ الخطيب في المسجد)) اهـ.
وبه ظهَرَ أنَّ معنى السنَّةِ مقابلُ الشرط من حيث صحَّةُ الخطبةِ بدونه وإنْ كان في نفسِهِ واجباً
كما قلنا، ونظيرُ ذلك عدُّهُ من واجباتِ الطواف لأجلِ إيجاب الدم بتركِهِ مع أنّه واجبٌ في جميعِ
مَشاهدِ الحَجِّ، لكنْ لا يجبُ الدُ بتركه إلاَّ في الطواف، هذا ما ظهَرَ لي فاغتنمه، قال في "شرح
المنية"(٢): ((فإنْ قيل: من المعلوم يقيناً أنَّ عليه الصلاة والسلام لم يَخطُبْ قطُّ بدون سترٍ وطهارةٍ،
قلنا: نعم، ولكنْ لكون ذلك دابَهُ وعادتَهُ وأدبَهُ، ولا دليلَ على أنَّه إنما فعَلَهُ لخصوصِ الخطبة)).
(٦٧٨١] (قولُهُ: الأصحُّ لا) ولذا لا يُشترَطُ لها سائرُ شروطِ الصلاةِ كالاستقبال والطهارة
وغيرها.
[٦٧٨٢) (قولُهُ: بل كشطرِها في الثواب) هذا تأويلٌ لِما ورَدَ به الأثرُ: ((من أنَّ الخطبة كشطرِ
الصلاة )) (٤)، فإنَّ مقتضاه أنَّها قامت مَقامَ ركعتين من الظهر كما قامت الجمعةُ مَقامَ ركعتين منه،
(قولُ "الشارح": بل كشطرِها في الثَّواب) أي: صلاةِ الجمعة، فيثبُتُ للإمام والسامعين نصفُ
ثواب صلاة الجمعة كما يُثبُتُ لهم ثوابُها بتمامها، ومَن لم يحضرها لم يَنَلْهُ ثوابها. اهـ "ط".
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الجمعة ٢٢٠/١.
(٢) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان شرائط الجمعة ٢٦٣/١.
* قوله: ((فإنه يعتبر شرطاً)) أي: ما فعله الإمام من الخطبة جنباً أو محدثاً يعتبر ويعتدّ به من حيث كونه شرطاً لصحة
الجمعة بمعنى أنه يجزي ویکفي وإن کان مرتكباً لمحرم لو کان بلا عذر. اهـ منه
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة الجمعة صـ٥٥٦ ..
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٥٤٨٥) كتاب الجمعة - باب من فاتته الخطبة، وابن أبي شيبة ٣٦/٢ كتاب الجمعة - باب
الرجل تفوته الخطبة عن عمر موقوفاً.
قسم العبادات
٤٨
حاشية ابن عابدين
جاز، ولو فصَلَ بأجنبيّ فإنْ طالَ - بأنْ رجَعَ لبيتِهِ فتغدَّى، أو جامَعَ واغتسَلَ -
استقبَلَ، "خلاصة"(١)، أي: لُزُوماً لبطلان الخطبة، "سِراج"(٢). لكنْ سيجيءُ أنّه
لا يُشترَطُ اتحادُ الإِمام والخطيب.
(و) السادسُ (الجماعةُ، وأقلُّها ثلاثةُ رجالٍ).
فُيُشترَطُ لها شروطُ الصلاة كما هو قولُ "الشافعيّ".
(٦٧٨٣] (قولُهُ: جازَ) أي: ولا يُعَدُّ الغُسلُ فاصلاً؛ لأنّه من أعمالِ الصلاة، ولكنَّ الأَولى
إعادتُها كما لو تطوَّعَ بعدها، أو أفسَدَ الجمعة، أو فسَدَتْ بتذكَّرٍ فائتٍ فيها كما في "البحر "(٣).
[٦٧٨٤) (قولُهُ: فإنْ طالَ) الظاهرُ أنّه يرجعُ في الطول إلى نظرٍ المبتلى، "ط)(٤).
[٦٧٨٥] (قولُهُ: لكنْ سيجيءٌ(٥) إلخ) استدراكٌ على لزومٍ إعادة الخطبة، يعني: قد لا تلزمُ
الإِعادة بأنْ يَستنيبَ شخصاً قبل أنْ يرجع لبيته.
[٦٧٨٦) (قولُهُ: وأقلُّها ثلاثةُ رجالٍ) أطلَقَ فيهم فشَمِلَ العبيدَ والمسافرين والمرضى والأمِّيِّين
والخَرسى لصلاحيتهم للإمامة في الجمعة، أمَّا لكلِّ أحدٍ أو لِمَن هو مثلُهم في الأمِّيِّ والأخرسِ
فصَلَحا أنْ يقتديا بمن فوقهما، واحترَزَ بالرجال عن النساء والصبيان، فإنَّ الجمعة لا تصحُّ بهم
(قولُهُ: واحترَزَ بالرِّجال عن النساء والصبيان) ذكَرَ "السنديُّ" عند قوله: ((ولو متغلّباً أو امرأةٌ،
فيجوزُ أمرُها بإقامتها)) ما نصُّهُ: ((هي أهلٌ للإمامة في الجمعة، حتَّى لو أَمَّتْ نساءً صحَّ وإنْ كره
بخلاف الصبيِّ، فإنَّه غيرُ مكلّفٍ، فلا يصحُّ أمرُهُ بإقامتها)).
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث والعشرون في صلاة الجمعة ق ٥١/ب بتصرف.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١/ق٣١٢/أ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٩/٢ نقلاً عن "الفتح".
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٤٣/١.
(٥) ص ٨٤ - وما بعدها "در".
الجزء الخامس
٤٩
باب الجمعة
ولو غيرَ الثلاثةِ الذين حضروا الخطبةَ (سوى الإِمامِ) بالنصِّ؛ لأَنَّه لا بدَّ من الذاكر
وهو الخطيبُ، وثلاثةٍ سواه بنصِّ ﴿فَأَسْعَوْاْإِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [ الجمعة - ٩] (فإنْ نَفَرُوا قبلَ
سجودِهِ) وقالا: قبلَ التحريمة (بطَلَتْ، وإِنْ بَقِيَ ثلاثةُ) رجالٍ،
وحدهم لعدم صلاحيتهم للإمامة فيها بحالٍ، "بحر"(١) عن "المحيط".
[٦٧٨٧] (قولُهُ: ولو غيرَ الثلاثةِ الذين حضروا الخطبةَ) أي: على روايةِ اشتراطِ حضورٍ ثلاثةٍ
في الخطبة، أمَّا على رواية عدم الاشتراط أصلاً أو أنَّه يكفي حضورُ واحدٍ فأظهرُ.
[٦٧٨٨] (قولُهُ: سوى الإمامِ) هذا عند "أبي حنيفة"، ورجَّحَ الشارحون دليلَهُ، واختارَهُ
"المحبوبيُ) (٢) و "النسفيُّ) (٣)، كذا في "تصحيح الشيخ قاسمٍ".
[٦٧٨٩) (قولُهُ: بنصِّّ ﴿فَأَسْعَوْا﴾) لأنَّ طلب الحضورِ إلى الذّكر متعلّقاً بلفظِ الجمع - وهو
الواوُ - يَسْتلزِمُ ذاكراً، فَزِمَ أنْ يكون مع الإمام جمعٌ، وتمامُهُ في "شرح المنية "(٤).
[٦٧٩٠] (قولُهُ: فإنْ نفروا) أي: بعد شروعهم معه، "نهر "(٥). والمقصودُ من هذا التفريعِ بيانُ
أنَّ هذا الشرط - وهو الجماعةُ - لا يلزمُ بقاؤه إلى آخرِ الصلاة خلافاً لـ "زفر"؛ لأَنَّه شرطُ انعقادٍ (٦)
لا شرطُ دوامٍ كالخطبة، أي: شرطُ انعقادِ التحريمة عندهما وشرطُ انعقادِ الأداء عند "أبي حنيفة"،
٥٤٥/١ ولا يتحقَّقُ الأداءُ إلَّ بوجود تمام الأركان، وهي القيامُ والقراءةُ والركوعُ والسجود، فلو نفروا بعد
التحريمة قبل السجود فسدت الجمعة، ويستقبلُ الظهرَ عنده، وعندهما يُتِمُّ الجمعةَ، وتمامُهُ
في "البحر"(٧) وغيره.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٦٢/٢. وانتهى نقله عن "المحيط" عند قوله: ((من فوقهما))،
وما بعده من كلام "البحر".
(٢) "مختصر الوقاية": كتاب الصلاة - فصل في صلاة الجمعة صـ٣٦ -.
(٣) في "كنز الدقائق"، انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الصلاة - باب أحكام الجمعة ٧١/١.
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة الجمعة ص ٥٥٧- ٥٥٨ -.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٨٦/أ.
(٦) ((انعقاد)) ساقطة من "آ".
(٧) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٦٢/٢.
قسم العبادات
٥٠
حاشية ابن عابدين
ولذا أتى بالتاء (أو نفرُوا بعدَ سجودِهِ) أو عادوا وأدركوه راكعاً، أو نفرُوا بعد
الخطبة وصلَّى بآخرين (لا) تبطُلُ.
[٦٧٩١] (قولُهُ: ولذا) أي: لكون المراد الرجالَ أتى بالتاء، فأفادَ أَنَّه لو بَقِيَ ثلاثةٌ من النساءِ
أو الصبيان ولو كان معهم رجلٌ أو رجلان لا يُعتبرُ، فلو قال: فإنْ نفَرَ واحدٌ منهم لكان أولى،
أفادَهُ في "البحر"(١).
بقيَ أنْ يقال: إنَّ المعدود إذا حُذِفَ يجوزُ تذكيرُ العدد وتأنيثه، فلا دلالةَ على اشتراط
الذكوريَّةِ من لفظِ ((ثلاثةٌ))، ولو سُلّمَ فإنما تدلُّ التاءُ على مطلق الذكورِيَّةِ لا بقيدِ الرجوليّة،
"ط "(٢)، فالأظهرُ والأخصرُ أنْ يقول: وإنْ بِقُوا ليعودَ ضميرُهُ على ما عاد عليه ضميرُ ((نَفَروا))
الأوَّلُ، وهو ثلاثةُ رجال.
[٦٧٩٢] (قولُهُ: أو عادوا) وكذا لو وقفوا إلى أنْ ركَعَ، فأحرموا وأدركوه فيه كما
في "البحر"(٣).
(٦٧٩٣] (قولُهُ: وأدركوه راكعاً) تقييدٌ حسنٌ موافقٌ لِما في "الخلاصة"(٤) خلافاً لِما يُوهِمُهُ
ظاهرُ "البحر"(٥) كما في "النهر"(٦).
(٦٧٩٤) (قولُهُ: أو نَفَروا إلخ) يُغني عنه قولُهُ أوّلاً: ((ولو غيرَ الثلاثةِ إلخ))، "ط"(٧).
(قولُهُ: فلا دلالةَ على اشتراط الذُّكوريَّة إلخ) نعم وإنْ جاز الأمرانِ إلاَّ أنَّ الأَولى مراعاتها، فبحملٍ
كلامه على ما هو الأَولى يكونُ فيه دلالةٌ على ما ذكرَهُ، وأمَّا كونُ الذُّكورة لا تَستلزِمُ البلوغَ فيقال
يحمل كلامه على ما هو الغالبُ من حضور البالغين: يكونُ فيه دلالةٌ أيضاً على اشتراط البلوغ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٦٢/٢.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٣٤٤/١ بتصرف يسير.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٦٢/٢.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث والعشرون في صلاة الجمعة ق ٥٣/أ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٦٢/٢.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٨٦/أ.
(٧) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٣٤٤/١.
الجزء الخامس
٥١
باب الجمعة
(وأَتَمَّها) جمعةً (و) السابعُ (الإذنُ العامُّ) من الإِمام، وهو يحصُلُ بفتح أبواب الجامع
[٦٧٩٥] (قولُهُ: وأَتَمَّها جمعةً) أي: ولو وحدَهُ فيما إذا لم يعودوا ولم يأتِ غيرهم.
[٦٧٩٦) (قولُهُ: الإذنُ العامُّ) أي: أنْ يأذَنَ للناس إذناً عامّاً، بأنْ لا يَمنَعَ أحداً ممن تصحُّ منه
الجمعةُ عن دخولِ الموضع الذي تُصلَّى فيه، وهذا مرادُ مَن فسَّرَ الإذنَ العامَّ بالاشتهار، كذا في
"البرْجَنديّ"، "إسماعيل"(١). وإنما كان هذا شرطاً لأنَّ الله تعالى شرَعَ النداءَ لصلاة الجمعة بقوله:
﴿فَأَسْعَوْإِلَى ذِكْرِاللَّهِ﴾ [الجمعة-٩]، والنداءُ للاشتهار، وكذا تُسمَّى جمعةً لاجتماعِ الجماعات
فيها، فاقتضى أنْ تكون الجماعاتُ كلُّها مأذونين بالحضور تحقيقاً لمعنى الاسم، "بدائع"(٢).
واعلم أنَّ هذا الشرطَ لم يُذكَرْ في ظاهرِ الرواية، ولذا لم يذكره في "الهداية"، بل هو مذكورٌ
في "النوادر"، ومشى عليه في "الكنز"(٣) و"الوقاية"(٤) و"النقاية"(٥) و"الملتقى"(٦) وكثير من المعتبرات.
[٦٧٩٧) (قولُهُ: من الإِمام) قَّدَ به بالنظر إلى المثالِ الآتي(٧)، وإلاَّ فالمرادُ الإِذنُ من مقيمِها؛ لِما
في "البِرْجَنديٍّ": ((من أَنَّه لو أغلَقَ جماعةٌ بابَ الجامع وصَلَّوا فيه الجمعةَ لا تجوزُ))، "إسماعيل (1).
[٦٧٩٨) (قولُهُ: وهو يحصلُ إلخ) أشارَ به إلى أنَّه لا يُشترَطُ صريحُ الإذن، "ط("(٩).
(قولُهُ: بقوله: ﴿فَأَسْعَوْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾) لعلَّ المناسب ذكرُ صدرِ الآية؛ لأنّه محلُّ الاستدلال.
(١) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١/ق ٤٦٨/أ.
(٢) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان شرائط الجمعة ٢٦٩/١.
(٣) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٧١/١.
(٤) انظر "مختصر الوقاية": كتاب الصلاة - فصل في صلاة الجمعة صـ٣٦ -.
(٥) انظر "شرح القاري على النقاية": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٩٣/١.
(٦) "ملتقى الأبحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٤٣/١.
(٧) صـ٥٢- وما بعدها "در".
(٨) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١/ق ٤٦٨/أ.
(٩) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٣٤٤/١.
قسم العبادات
٥٢
حاشية ابن عابدين
للواردين، "كافي". فلا يضُرُّ غَلْقُ بابِ القلعة لعدوٍّ أو لعادةٍ قديمةٍ؛ لأنَّ الإذن العامَّ
مقرَّرٌ لأهلِهِ، وغلقُهُ لمنعِ العدوِّ لا المصلِّي، نعم لو لم يُغلَقْ لكانَ أحسنَ كما في
"مجمع الأنهر"(١) معزيًّاً لـ "شرح عيون المذاهب"، قال: ((وهذا أَولى مما في "البحر"
و"المنح"))، فليحفظ (فلو دخَلَ أميرٌ حصناً).
[٦٧٩٩] (قولُهُ: للواردين) أي: من المكلَّفين بها، فلا يضرُّ منعُ نحوِ النساء لخوف
الفتنة، "ط" (٢).
[٦٨٠٠] (قولُهُ: لأنَّ الإِذنَ العامَّ مقرَّرٌ لأهلِهِ) أي: لأهلِ القلعة؛ لأنّها في معنى الحصن،
والأحسنُ عودُ الضمير إلى المصرِ المفهومِ من المقام؛ لأنّه لا يكفي الإذنُ لأهل الحصن فقط، بل
الشرطُ الإِذنُ للجماعات كلِّها كما مرَّ(٣) عن "البدائع".
[٦٨٠١] (قولُهُ: وغَلْقُهُ لمنعِ العدوِّ إلخ) أي: أنَّ الإذنَ هنا موجودٌ قبل غلقِ الباب لكلِّ
مَن أرادَ الصلاة، والذي يضرُّ إنما هو منعُ المصلِين لا منعُ العدوِّ.
[٦٨٠٢] (قولُهُ: لكانَ أحسنَ) لأنّه أبعدُ عن الشبهة؛ لأنَّ الظاهر اشتراطُ الإِذن وقتَ
الصلاة لا قبلها؛ لأنَّ النداء للاشتهارِ كما مرَّ(٤)، وهم يُغلِقون البابَ وقت النداء أو قبيله،
فَمَنْ سَمِعَ النداءَ وأرادَ الذهاب إليها لا يمكنُهُ الدخولُ، فالمنعُ حالَ الصلاة متحقّقٌ، ولذا
استظهَرَ الشيخ "إسماعيلُ" (٥) عدمَ الصحَّةِ، ثمَّ رأيتُ مثلَهُ في "نهج النّجاة" معزيَّاً إلى رسالةٍ
العلاّمة "عبد البَرِّ بن الشحنة"(٦)، والله أعلم.
[٦٨٠٣] (قولُهُ: وهذا أَولى مما في "البحر" و"المنح") ما في "البحر"(٧) و"المنح"(٨) هو ما فرَّعَهُ
(١) "مجمع الأنهر": كتاب الصلاة - باب الجمعة ١٦٦/١ بتصرف.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٣٤٤/١.
(٣) المقولة [٦٧٩٦] قوله: ((الإذن العام)).
(٤) المقولة [٦٧٩٦] قوله: ((الإذن العام)).
(٥) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١/ق ٤٦٨/أ.
(٦) لم نهتد إلى معرفة هذه الرسالة.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٦٢/٢ نقلاً عن "الخلاصة".
(٨) "المنح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١/ق٦٨/أ.
الجزء الخامس
٥٣
باب الجمعة
أو قَصْرَهُ (وأغلَقَ بابَهُ وصلَّى بأصحابِهِ لم تَنْعقِدْ) ولو فَتَحَهُ.
في المتن بقوله: ((فلو دخَلَ أميرٌ حصناً))، أي: أَنَّ أَولى من الجزم بعدم الانعقاد.
[٦٨٠٤) (قولُهُ: أو قَصْرَهُ) كذا في "الزيلعيِّ"(١) و"الدرر"(٢) وغيرهما، وذكَرَ "الواني"
في "حاشية الدرر": ((أنَّ المناسب للسِّاقِ: أو مِصرَهُ بالميم بدلَ القاف)).
قلت: ولا يخفى بُعدُهُ عن السِّياق، وفي "الكافي"(٣) التعبيرُ بالدار حيث قال: ((والإِذنُ
العامُّ، وهو أنْ تُفتَحَ أبوابُ الجامع ويُؤْذَنَ للناس، حتّى لو اجتمَّعَتْ جماعةٌ في الجامع، وأغلقوا
الأبوابَ وجَمَّعوا لم يَجُزْ، وكذا السلطانُ إذا أرادَ أنْ يصلِّيَ بحشِهِ في داره فإنْ فَتَحَ بابها
وأَذِنَ للناس إذناً عاماً جازت صلاته شَهِدَتْها العامَّةُ أَوْ لا، وإنْ لم يَفْتَحْ أبوابَ الدار وأغلَقَ
الأبواب وأجلَسَ البَوَّابين ليَمنَعوا عن الدخول لم تَجُزْ؛ لأنَّ اشتراط السلطان للتحرُّزِ
عن تفويتها على الناس، وذا لا يحصلُ إلاَّ بالإذنِ العامِ)) اهـ.
قلت: وينبغي أنْ يكون محلُّ النزاع ما إذا كانت لا تُقامُ إلاَّ في محلٌّ واحدٍ، أمَّا لو تعدَّدَتْ
فلا؛ لأَنَّه لا يتحقَّقُ التفويتُ كما أفادَهُ التعليل، تأمَّل.
[٦٨٠٥] (قولُهُ: لم تنعقد) يُحمَلُ على ما إذا منَعَ الناسَ، فلا يضرُّ إغلاقُهُ لمنعِ عدوٍّ أو لعادةٍ
كما مرَّ، "ط" (٤).
(قولُهُ: قلت: وينبغي أنْ يكون محلُّ النّزاع ما إذا كانت إلخ) لا يلزمُ من انتفاءِ العلّة انتفاءُ المعلول،
فالحقُّ إبقاءُ الكلام على عمومه وإن انتَفَتْ هذه العلّة التي ذكَرَها لاحتمال علَّةٍ أخرى اقتضت العموم،
على أنَّ ما تقدَّمَ عن "البدائع" من التعليل يقتضي عمومَ الحكم، وقد قالوا: لا يلزمُ من بطلان الدَّليل
المعَيَّن بطلانُ المدلول.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٢١/١.
(٢) "الدرر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٣٨/١.
(٣) "كافي النسفيّ": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٥٢/أ.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٣٤٤/١ بتصرف.
قسم العبادات
٥٤
حاشية ابن عابدين
وأَذِنَ للناس بالدخول جازَ وكُرِهَ، فالإِمامُ في دِينه ودنياه إلى العامَّة محتاجٌ، فسبحانَ
مَن تنزَّهَ عن الاحتياج.
(وشُرِطَ لافتراضِها) تسعةٌ تختصُّ بها: (إقامةٌ بمصرٍ) وأمَّا المنفصلُ عنه فإنْ كان.
قلت: ويؤيِّدُهُ قولُ "الكافي"(١): ((وأجلَسَ البوَّابين إلخ))، فتأمَّل.
[٢٨٠٦] (قولُهُ: وأَذِنَ للناس إلخ) مُفادُهُ اشتراطُ علمهم بذلك، وفي "منح الغفّار"(٢):
((وكذا - أي: لا يصحُّ - لو جَمَّعَ في قصره بحشمه ولم يُغلِقِ البابَ ولم يَمنَع أحداً، إلاَّ أنَّه
لم يَعلَم الناسُ بذلك)) اهـ.
[٦٨٠٧] (قولُهُ: وكره) لأَنَّه لم يَقْضِ حقَّ المسجدِ الجامع، "زيلعي)"(٣) و"درر " (٤).
[٢٨٠٨] (قولُهُ: فالإِمامُ إلخ) ذكَرَهُ في "المجتبى".
[٦٨٠٩) (قولُهُ: تختصُّ بها) إنما وصَفَ التّسْعَةَ بالاختصاص لأنَّ المذكور في المتن أحدَ عشرَ،
لكنَّ العقل والبلوغ منها ليسا خاصَّين كما نَّهَ عليه "الشارح". اهـ "ح" (٥).
[٦٨١٠] (قولُهُ: إقامةٌ) خرَجَ به المسافرُ، وقوله: ((مصرٍ)) أخرَجَ الإقامةَ في غيره إلاَّ ما استثَنَى
بقوله: ((فإنْ كان يَسمَعُ النداء))، "ح"(٦).
(قولُهُ: وفي "منح الغفَّار" إلخ) عبارة "المنح": ((وإنْ صلاَّها في الجامع إلاَّ أَنَّه أغلَقَ باب المقصورة ولم يأذن للناس
اختلفوا فيه، وكذا لو جَمَّعَ في قصره بحشمه ولم يُغلق الباب)) إلى آخر ما ذكرَهُ "المحشِّي"، تأمَّل.
(١) المار في المقولة السابقة.
(٢) "المنح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١/ق٦٨/أ.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٢١/١.
(٤) "الدرر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٣٨/١.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ١٠٩/أ.
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق١٠٩/أ.
الجزء الخامس
٥٥
باب الجمعة
يَسمَعُ النداءَ تجبُ عليه عند "محمَّدٍ"، وبه يُفتَى، كذا في "الملتقى"(١)، وقدَّمنا
عن "الولوالجَّة" تقديرَهُ بفرسخٍ ورجَّحَ في "البحر" اعتبارَ عَوْدِهِ لبيته بلا كُلفةٍ.
[٦٨١١] (قولُهُ: يَسمَعُ النداءَ) أي: من المنابرِ بأعلى صوتٍ كما في "القُهُستَانِ)(٢).
[٦٨١٢] (قولُهُ: وقدَّمنا (٣) إلخ) فيه أنَّ ما مرَّ عن "الولوالحيّة" في حدِّ الِناء الذي تصحُّ إقامة
٥٤٦/١ الجمعة فيه، والكلام هنا في حدِّ المكان الذي مَن كان فيه يلزمُهُ الحضور إلى المصرِ ليصلِيها فيه،
نعم في "التتار خانيَّة "(٤) عن "الذخيرة": ((أَنَّ مَن بينه وبين المصرِ فرسخٌ يلزمُهُ حضور الجمعة))،
وهو المختارُ للفتوى.
[٦٨١٣] (قولُهُ: ورجَّحَ في "البحر"(٥) إلخ) هو ما استحسَنَهُ في "البدائع"(٦)، وصحَّحَ في
"مواهب الرحمن" قولَ "أبي يوسف" بوجوبها على مَن كان داخلَ حدِّ الإقامة، أي: الذي مَن
فارَقَهُ يصيرُ مسافراً، وإذا وصَلَ إليه يصيرُ مقيماً، وعلَّلهُ في شرحه المسمَّى بـ "البرهان": ((بأنَّ
وجوبها مختصرٌّ بأهلِ المصر، والخارجُ عن هذا الحدِّ ليس أهلَهُ)) اهـ.
قلت: وهو ظاهرُ المتون، وفي "المعراج": ((أَنَّ أصحُّ ما قيل))، وفي "الخانَيَّةُ"(٧): ((المقيمُ
في موضعٍ من أطراف المصر إنْ كان بينه وبين عُمرانِ المصر فُرْجَةٌ من مزارعَ لا جمعةَ عليه
(قولُهُ: فيه أنَّ ما مرَّ عن "الولوالجِيَّة" في حدِّ الغناء إلخ) مقابلةُ ما في "الولوالجيَّة" لِما في "الملتقى"
ظاهرةٌ باعتبار أنَّ الجمعة تحبُ على مَن كان في المصر وتوابعه، ولَمَّا جوَّزناها في الفناء علمنا أنَّه
في حكمه، فُنُوحِبُها على مَن كان فيه أيضاً، ويدلُّ لهذا ويوضحُهُ ما يأتي له بقوله: ((أقول: وينبغي
تقييدُ ما في "الخانَيَّة" إلخ))، تأمَّل.
(١) "ملتقى الأبحر": كتاب الصلاة - باب الجمعة ١٤٦/١.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٩/١ بتوضيح من ابن عابدين رحمه الله.
(٣) صـ ١٠ - "در".
(٤) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الخامس والعشرون في صلاة الجمعة ٥٣/٢.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٢/٢.
(٦) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان شرائط الجمعة ٢٦٠/١.
(٧) "الخانية": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٧٤/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
قسم العبادات
(وصحَّةٌ).
٥٦
حاشية ابن عابدين
وإِنْ بَلَغَهُ النداء، وتقديرُ البُعدِ بغلوةٍ أو ميلٍ ليس بشيءٍ، هكذا رواه "أبو جعفرٍ" عن
"الإِمامين"، وهو اختيارُ "الحَلْوانِيِّ"))، وفي "التاتر خانَّةً"(١): ((ثُمَّ ظاهرُ رواية أصحابنا لا تجبُ
إلاَّ على مَن يسكنُ المصر أو ما يَتَّصلُ به، فلا تجبُ على أهل السواد ولو قريباً، وهذا أصحُّ ما
قيل فيه (٢))) اهـ. وبه جزَمَ في "التجنيس".
قال في "الإِمداد"(٣): ((تنبية: قد علمتَ بنصِّ الحديثِ والأثرِ والروايات عن "أئمَّتنا الثلاثة"
واختيارِ المحقّقين من أهل الترجيح أنَّه لا عبرةً ببلوغ النداء ولا بالغلوة والأميال، فلا عليك من
مخالفةِ غيره وإنْ صُحِّحَ)) اهـ.
أقولُ: وينبغي تقييدُ ما في "الخانَّة" و"التاتر خانَّة" بما إذا لم يكن في فِناءِ المصر؛ لِما مرَّ(٤) أنَّها
تصحُّ إقامتُها في الغِناء ولو منفصلاً بمزارعَ، فإذا صحَّتْ في الغِناءِ لأَنَّه ملحقٌ بالمصر يجبُ على مَن
كان فيه أنْ يُصلّها؛ لأَنَّه من أهل المصرِ كما يُعلَمُ من تعليل "البرهان"، والله الموفّق.
[٦٨١٤) (قولُهُ: وصحَّةٌ) قال في "النهر"(٥): ((فلا تجبُ على مريضِ ساءً مزاجُهُ وأمكَّنَ
في الأغلب علاجُهُ، فخرَجَ المقعدُ والأعمى، ولذا عطَفَهما عليه، فلا تكرارَ في كلامه كما توهَّمَهُ
في "البحر"(٦))) اهـ.
فلو وَجَدَ المريضُ ما يركِبُهُ ففي "القنية"(٧) هو كالأعمى على الخلاف إذا وجَدَ قائداً، وقيل:
لا يجبُ عليه اتفاقاً كالمقعد، وقيل: هو كالقادرِ على المشي، فتجبُ في قولهم، وتعقّبَهُ
"السروجيُّ": ((بأنّه ينبغي تصحيحُ عدمه؛ لأنَّ في التزامِهِ الركوبَ والحضورَ زيادةَ المرض)).
(١) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الخامس والعشرون في صلاة الجمعة ٥٢/٢.
(٢) قوله: ((وهذا أصح ما قيل فيه)) ليس في مطبوعة "التاتر خانية" التي بين أيدينا.
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٢٨٠/أ.
(٤) المقولة [٦٦٩٩] قوله: ((والمختار للفتوى إلخ)).
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٨٦/أ.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٦٣/٢.
(٧) "القنية": كتاب الصلاة - باب في الجمعة ق٢٢/ب.