Indexed OCR Text

Pages 641-660

الجزء الرابع
٦٣٧
باب صلاة المسافر
وصلاحيتُهُ، "قُهُستاني"(١) (فلو أَتَّمَّ مسافرٌ إِنْ قعَدَ في) القعدةِ (الأُولى تَمَّ فرضُهُ و)
أنْ تصحَّ نَُّهُ، "حلبة "(٢).
[٦٦٠٥] (قولُهُ: وصلاحيتُهُ) أي: صلاحيةُ الموضع للإقامة.
[٦٦٠٦) (قولُهُ: إِنْ قعَدَ إلخ) لأنَّ القعدة على رأس الركعتين فرضٌ على المسافر؛ لأَنّها آخرُ
صلاته، قال في "البحر"(٣): ((وأشار إلى أنّه لا بدَّ أنْ يقرأ في الأوليين، فلو ترَكَ فيهما أو في
أحدِهما، وقرأ في الأخريين لم يصحَّ فرضُهُ)) اهـ.
وأطلَقَهُ فشَمِلَ ما إذا نوى أربعاً أو ركعتين خلافاً لِما أفادَهُ في "الدرر"(٤) من اشتراطِ النَّةِ
ركعتين؛ لِما في "الشرنبلاليّة"(٥): ((من أَنَّه لا يُشترَطُ نَيَّةُ عددِ الركعات))، ولِما صرَّحَ به
"الزيلعيُّ"(٦) في بابِ السهو: ((من أنَّ الساهي لو سَلَّمَ للقطع يسجُدُ؛ لأنَّه نوى تغييرَ المشروع
فتلغو، كما لو نوى الظهرَ ستّاً، أو نوى مسافرٌ الظهرَ أربعاً))، أفادَهُ "أبو السُّعود"(٧) عن "شيخه".
قلت: لكنْ ذَكَرَ في "الجوهرة"(٨): ((أَنَّ يصحُّ عند "أبي يوسف"، ولا يصحُّ عند "محمَّدٍ")).
(قولُهُ: أَنَّه يصحُّ عند "أبي يوسف" ولا يصحُّ عند "محمَّدٍ") هذا الخلافُ مبنيٌّ على الخلافِ فيما إذا
أحرَمَ بالظُّهر ستَّ ركعاتٍ ينوي الظُّهر وركعتين تطوُّعاً، فقال "أبو يوسف": يُحزيه عن الفرض خاصَّةً
ويبطُلُ التطوُّعُ، وقال "محمَّدٌ": لا تُجزيه الصلاة ولا يكون داخلاً فيها أصلاً؛ لأنَّ افتتاح كلٍّ من
الصَّلاتين يُوجِبُ الخروجَ من الأخرى، فكذا هنا تفسُدُ ولا تكون فرضاً ولا نفلاً اهـ "سندي". لكنَّ
الظاهر عدمُ صحَّة هذا البناءِ؛ إذ لم يَنْوِ الفرض والنفل فيما هنا، بل نوى الفرضَ أربعاً مغيِراً للمشروع،
فما في "الدرر" قولٌ مقابلٌ للمذهب كما في "الشرنبلاليَّة".
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صلاة المسافر ١٥٦/١ بتصرف يسير نقلاً عن الجلابي.
(٢) "الحلبة": التكملة - الفصل الرابع في صلاة المسافر ٢/ق ٢٧١/أ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤١/٢.
(٤) "الدرر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٣٤/١.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٣٤/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة ١٩٩/١.
(٧) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٣٠٣/١ -٣٠٤.
(٨) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٠٢/١.

قسم العبادات
٦٣٨
حاشية ابن عابدين
لكنَّه (أساءَ) لو عامداً لتأخيرِ السلام وتركِ واجبِ القصرِ وواجب تكبيرةٍ افتتاح
النَّفل، وخَلْطِ النَّفل بالفرض، وهذا لا يحلُّ كما حرَّرَهُ "القُّهُستانيُ))(١)
.
[٦٦٠٧) (قولُهُ: لتأخيرِ السلام) مقتضى ما قدَّمَهُ(٢) في سجودِ السهو أنْ يقول: لتركِهِ السلامَ،
فإِنَّه ذكَرَ: ((أَنَّه إذا صلَّى خامسةً بعد القعودِ الأخيرِ يضمُّ إليها سادسةً ويسجدُ للسهو لتركه
السلامَ، وإنْ تذكَّرَ وعاد قبل أنْ يُقَيِّدَ الخامسةَ بسجدةٍ يسجدُ للسهو لتأخيرِهِ السلامَ))، أي: سلامَ
الفرض، ومسألتُنا نظيرُ الأولى لا الثانيةِ، أفادَهُ "الرحمتي".
قلت: لكنَّ ما هنا أظهرُ.
[٦٦٠٨] (قولُهُ: وتركِ واجبِ القصرِ) الإضافةُ بيانيّةٌ، أي: واجبٍ هو القصرُ، أو من إضافةٍ
الصفة للموصوف كحَرْدٍ قطيفةٍ، أي: القصرِ الواجبِ، وفيه التصريحُ بأنَّه غيرُ فرضٍ كما قدَّمنا(٣)
ما يفيدُهُ عن "شرح المنية"، ولو كان الواجبُ هنا بمعنى الفرض لَمَا صحَّ وإِنْ قَعَدَ، فافهم.
ثُمَّ إِنَّ تَرْكَ واجبِ القصر مُستلزِمٌ لتركِ السلام وتكبيرةِ النفل وخَلْطِ النفل بالفرض، وظاهرُ
كلامه أنَّه يأثمُ بتركِهِ زيادةً على إثمه بهذه اللوازمٍ، تأمَّل.
[٦٦٠٩) (قولُهُ: وواجبِ تكبيرةٍ إلخ) لأنَّ بناء النفل على الفرض مكروهٌ، وهذا هو خلطُ
النفل بالفرض، "رحمتي". لكنَّ قول "الشارح": ((وخلطِ النفل بالفرض)) يقتضي أنَّه غيرُ ما
قبْلَهُ، ويلزمُهُ أنَّ افتتاح النفل بتكبيرةٍ مُستأنَفةٍ واجبٌ مع أنَّ بناء النفل على النفل غيرُ مكروهٍ،
أفاده "ط"(٤).
[٦٦١٠) (قولُهُ: وهذا) أي: ما ذُكِرَ من اللوازمِ الأربعة، "ط) "(٥).
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صلاة المسافر ١٥٧/١.
(٢) صـ ٥٠٢ - "در" وما بعدها.
(٣) المقولة [٦٥٥٧] قوله: ((وجوباً)).
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٣٣٤/١.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٣٣٤/١.

الجزء الرابع
٦٣٩
باب صلاة المسافر
بعد أنْ فسَّرَ أساءَ بـ: ((أَثِمَ واستحَقَّ النارَ)) (وما زادَ نفلٌ) كمصلي الفجرِ أربعاً
(وإنْ لم يَقعُدْ بطَلَ فرضُهُ) وصارَ الكلُّ نفلاً لتركِ القعدة المفروضة، إلاَّ إذا نَوَى
الإقامةَ قبل أنْ يُقِّدَ الثالثةَ بسجدةٍ، لكنَّه يعيدُ القيامَ والركوعَ لوقوعِهِ نفلاً،.
[٦٦١١) (قولُهُ: بعد أنْ فسَّرَ أساءَ بأَثِّمَ) وكذا صرَّحَ في "البحر"(١) بتأثيمِهِ، فَعُلِمَ أنَّ الإساءة
هنا كراهةُ التحريم، "رحمتي".
[٦٦١٢] (قولُ: واستحقَّ النارَ) أي: إذا لم يُتُبْ أو يَعْفُ عنه العزيزُ الغفَّار، "ط) (٢).
(٦٦١٣) (قولُهُ: وصارَ الكلُّ نفلاً) أي: بتقييدِهِ الثالثةَ بسحدةٍ لتمكُّنِهِ من العود قبلها، وهذا
عندهما بناءً على أَنَّه إذا بطَلَ الوصفُ لا يبطُلُ الأَصلُ خلافً لـ "محمَّدٍ".
(٦٦١٤] (قولُهُ: لتركِ القعدة) علَّةٌ لبطلانِ الغرض، ثمَّالقعدةُ وإنْ كانت فرضاً في النفل أيضاً
لكنّه إذا لم يأتِ بها في آخرِ الشفع تصيرُ الخاتمةُ هي الفرضَ كما بَنَّه(٣) في باب النوافل.
[٦٦١٥] (قولُهُ: إلاّ إذا نوى الإقامةَ قبل أنْ يُقِّدَ الثالثةَ بسجدةٍ) أي: فإنَّه إذا نواها حينئذٍ صحَّتْ
فَيُهُ وتحوَّلَ فرضُهُ إلى الأربع، ثُمَّ إنْ كان قرأ في الأُولبين تخَّرَ فيها في الأخريين، وإلاَّ قرأ قضاءً عن
الأُوليين، وهذا كلُّهُ سواءٌ قعَدَ القعدة الأُولى أوْ لا، فالاستثناءُ في كلامه راجعٌ إلى المسألتين، وأمَّا إذا
نوى بعد أنْ قَّدَ الثالثةَ بسجدةٍ فإنْ كان قعَدَ القعدة الأولى فقد علمتَ أنَّه تَمَّ فرضُهُ
بالركعتين، فلا يتحوَّلُ ويضيفُ إليها أخرى، ولو أفسَدَها لا شيءَ عليه، وإنْ لم يقعد بطَلَ فرضه،
(قولُهُ: ولو أفسَدَها لا شيءَ عليه) هذا إذا قامَ إلى الثالثة على ظنِّ أَنَّه مقيمٌ، أمّا إذا قام قاصداً فإنّه
يجبُ عليه القضاء، وعند "زفر" يجبُ عليه القضاءُ في الوجهين اهـ "سراج". اهـ "سندي".
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤١/٢.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٣٣٤/١ بتصرف.
(٣) المقولة [٥٨٢١] قوله: ((فتبقى واجبة)).

قسم العبادات
٦٤٠
حاشیة ابن عابدين
فلا ینُوبُ عن الفرض، ولو نوی في السجدةِ صار نفلاً.
(وصحَّ اقتداءُ المقيمِ بالمسافر في الوقت وبعدَهُ، فإذا قامَ) المقيمُ (إلى الإتمامِ لا يقرأ)
ولا يسجُدُ للسهو (في الأصحِّ) لأنَّه كاللاحقٍ، والقعدتان فرضٌ عليه، ..
....
ويضُّ إليها أخرى لتصيرَ الأربعُ نافلةً خلافاً لـ "محمَّدٍ" كما مرَّ(١)، هذا خلاصةُ ما نقَلَهُ "ط)"(٢) عن
"البحر"(٣)، وقد أفادَ بهذا الاستثناءِ أنَّ قول "المصنّف": ((بطَلَ فرضُهُ)) أي: بطلاناً موقوفاً لا بأَّاً،
وإلاَّ لم تصحَّ ◌َُّ.
[٦٦١٦) (قولُهُ: فلا ينوبُ) أي: النفلُ.
[٦٦١٧] (قولُهُ: ولو نوى في السَّحدة) أي: سجدةِ الثالثة صار نفلاً، وهذا جَرْيٌ على مذهبٍ
"أبي يوسف" من أنَّ السجدة تَتِّمُّ بالوضع، والصحيحُ مذهبُ "محمَّدٍ" من أنَّها لا تَتِمُّ إلاَّ بالرفع،
ففي هذه الصورةِ يَنْقِلِبُ فرضُهُ أربعاً في الأصحِّ. اهـ "ح"(٤).
أي: سواءٌ قعَدَ القعدة الأُولى أوْ لا، وأمَّا على قول "أبي يوسف" فإنْ قعَدَ تَمَّ فرضُهُ
بالركعتين، وإلاَّ انقلَبَ الكلُّ نفلاً، فقولُهُ: ((صار نفلاً)) خاصٌّ بما إذا لم يقعد.
٥٣٠/١
[٦٦١٨] (قولُهُ: فإذا قامَ المقيمُ إلخ) أي: بعد سلام الإمام المسافر، فلو قامَ قبله فنوى الإمامُ
الإقامةَ قبل أن يُقيِّدَ المأمومُ ركعته بسجدةٍ رفَضَ ما أتى به وتابَعَهُ، وإنْ لم يفعل فسَدَتْ، وإِنْ نوى
بعده لا يتابعُهُ، ولو تابَعَهُ فَسَدَتْ كما في "الفتح "(٥).
[٦٦١٩] (قولُهُ: في الأصحِّ) كذا في "الهداية"(٦)، والقولُ بوجوب القراءة كوجوب السهو
ضعيفٌ، والاستشهادُ له بوجوب السهو استشهادٌ بضعيفٍ مُوهِمٍ أَنَّه مُجمَعٌ عليه، "شرنبلاليّة"(٧).
(١) المقولة [٦٦١٣] قوله: ((صار الكل نفلاً)).
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٣٣٤/١ ملخصاً.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤١/٢ نقلاً عن الإِسبيجابيّ.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ١٠٧/أ.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤/٢ وتمام عبارته: ((لاقتدائه حيث وجب الانفراد)).
(٦) "الهداية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٨١/١.
(٧) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٣٥/١ بتصرف يسير (هامش "الدرر والغرر").

الجزء الرابع
٦٤١
باب صلاة المسافر
وقيل: لا، "قنية" (١).
(ونُدِبَ للإمامِ) هذا يخالفُ "الخانيَّةً" وغيرها: ((أنَّ العلم بحالِ الإِمام شرطٌ))، لكنْ
في "حاشية الهداية" لــ "الهنديّ"(٢): ((الشرطُ العلمُ بحاله في الجملة لا في حال
الابتداء))، وفي "شرح الإرشاد": ((ينبغي أنْ يُخبرَهم.
[٦٦٢٠) (قولُهُ: وقيل: لا) أي: قيل: إنَّ القعدة الأولى ليست فرضاً عليه. اهـ "ح"(٣).
[٦٦٢١] (قولُهُ: أنَّ العِلْمَ) بفتح الهمزة بدلٌ من (("الخانيّةً")) على حذفِ مضافٍ، أي:
كلامَ "الخالنَّةِ"، "ح"(٤). ثمَّ وجهُ المخالفة أنَّه إذا كان يُشترَطُ لصحَّةِ الاقتداء العلمُ بحال الإمام
من كونه مسافراً أو مقيماً لا يكونُ لقول الإمام: أتِمُّوا صلاتَكم فائدةٌ؛ لأنَّ المتبادر أنَّ الشرط
لا بدَّ من وجوده في الابتداء، واتّفاقُهم على استحبابِ قول الإمام ذلك لرفعِ التوهُّمِ ينافي
اشتراطَ العِلْم بحاله في الابتداء.
[٦٦٢٢) (قولُهُ: لكنْ إلخ) أورَدَ ذلك سؤالاً في "النهاية" و"السِّراج"(٥) و"التتار خانَّة" (٦)،
ثُمَّ أجابوا بما يرجعُ إلى ذلك الجوابِ، وحاصلُهُ: ((تسليمُ اشتراطِ العلم بحال الإِمام، ولكنْ
لا يلزمُ كونه في الابتداءِ، فحيث لم يَعلموا ابتداءً بحاله كان الإخبارُ مندوباً، وحينئذٍ
فلا مخالفةَ))، فافهم. وإنما لم يجب مع كونِ إصلاحٍ صلاتهم يحصُلُ به - وما يحصُلُ به فهو
واجبٌ على الإِمام - لأَنَّه لم يتعيَّنْ، فإنَّه ينبغي أنْ يُتِمُّوا، ثمَّ يسألونه كما في "البحر"(٧)، أو لأَّه
(١) "القنية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والصلاة في السفينة ق ٢١/أ.
(٢) هو "الشرح الكبير" للهندي المسمى "التوشيح"، وتقدمت ترجمته ٢٢٠/١.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ١٠٧/أ - ب.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ١٠٧/أ.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١/ق٢٩٩/أ.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني والعشرون في صلاة السفر ٢٣/٢.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٦/٢.

قسم العبادات
٦٤٢
حاشية ابن عابدين
قبل شروعه، وإلاّ فبعدَ سلامه)) (أنْ يقولَ) بعد التسليمتين في الأصحِّ: (أتِمُّوا
صلاَتَكم فإنّي مسافرٌ لدفع توهُّمٍ أَنَّه سها، ولو نَوَى الإقامةَ لا لتحقيقِها، بل ليُتِمَّ
صلاةَ المقيمين لم يَصِرْ مقيماً ..
إذا سلَّمَ على الركعتين فالظاهرُ من حاله أنَّه مسافرٌ حملاً له على الصلاح، فيكونُ ذلك مندوباً
لا واجباً؛ لأَنّ زيادةُ إعلامٍ كما في "العناية"(١).
أقولُ: لكنَّ حَمْلَ حاله على الصلاحِ يُنافي اشتراطَ العلم، نعم ذكَرَ في "البحر"(٢) عن
"المبسوط"(٢) و"القنية"(٤) ما حاصلُهُ: ((أَنَّه إذا صلَّى في مصرٍ أو قريةٍ ركعتين وهم لا يَدِرُونَ حالَهُ
فصلاتُهم فاسدةٌ وإنْ كانوا مسافرين؛ لأنَّ الظاهر من حالِ مَن كان في موضعِ الإقامة أنَّه مقيمٌ،
والبناءُ على الظاهر واجبٌ حَتَّى يتبيّنَ خلاقُهُ، أمَّا إذا صلَّى خارجَ المصر لا تفسُدُ، ويجوزُ الأخذُ
بالظاهر، وهو السَّفْرُ في مثله)) اهـ
والحاصلُ: أَنَّه يُشترَطُ العلمُ بحال الإمام إذا صلَّى بهم ركعتين في موضعٍ إقامةٍ، وإلاَّ فلا.
[٦٦٢٣] (قولُهُ: قبلَ شروعِهِ) أي: لاحتمالِ أنْ يكون معه مَن لا يَعرِفُ حَالَهُ فيتكلّمَ لاعتقاده
فسادَ صلاته قبل إخبارِ الإمام بعد السلام.
(٦٦٢٤] (قولُهُ: في الأصحِّ) وقيل: بعد التسليمة الأُولى، قال "المقدسيُّ": ((وينبغي ترجيحُهُ
في زماننا))، "ط"(٥).
[٦٦٢٥) (قولُهُ: لم يَصِرْ مقيماً) فلو أَتَمَّ المقيمون صلاتَهم معه فسَدَتْ؛ لأَنّه اقتداءُ المفترض
بالمتنقّل، "ظهيريَّة"(٦). أي: إذا قصدوا متابعتَهُ، أمَّا لو نَوَوا مفارقَتَهُ ووافقوه صورةً فلا فسادَ، أفادَهُ
"الخيرُ الرمليُّ".
(١) "العناية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤/٢ (هامش "فتح القدير").
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٦/٢.
(٣) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١١٠/٢.
(٤) "القنية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ٢٢/أ.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٣٣٥/١.
(٦) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الخامس - الفصل الأول في أحكام السفر ١/ق ٣٥/أ.

الجزء الرابع
٦٤٣
باب صلاة المسافر
وأمَّا اقتداءُ المسافر بالمقيم فيصحُّ في الوقت ويُتِمُّ، لا بعدَهُ فيما يتغيَّرُ؛ لأَنَّه اقتداءُ
المفترض بالمتنفّل.
[٦٦٢٦) (قولُهُ: وأمَّا اقتداءُ المسافرِ بالمقيم) هذا عكسُ مسألةِ المتن، وقد ذكَرَهُ في "الكنز)"(١)
وغيره، لكن استغنَى "المصنّف" عنه لذكره إِيَّاه في باب الإمامة(٢).
[٦٦٢٧) (قولُهُ: فيصحُّ في الوقت ويُثِمُّ) أي: سواءٌ بقي الوقتُ أو خرَجَ قبل إتمامها لتغيُّرِ
فرضه بالتبعيَّةِ لاَّصال المغيِّرِ بالسبب وهو الوقتُ، ولو أفسَدَهُ صلَّى ركعتين لزوال المغِّر، بخلاف ما
لو اقتدى به متنفّلاً حيث يصلّي أربعاً إذا أفسَدَهُ؛ لأَنَّه التَزَمَ صلاةَ الإِمام، وتصيرُ القعدة الأُولى
واجبةً في حقِّ المقتدي المسافر أيضاً، حَتَّى لو ترَكَها الإِمامُ - ولو عامداً - وتابَعَهُ المسافرُ لا تفسُدُ
صلاته على ما عليه الفتوى، وقيل: تفسُدُ، كذا في "السِّراج"(٣)، ولا وجهَ له يظهرُ، "نهر "(٤).
[٦٦٢٨] (قولُهُ: لا بعدَهُ) أي: لا يصحُّ اقتداؤه بعد خروج الوقت لعدم تغيُِّهِ لانقضاء
السبب، وهذا إذا كانت فائتةً في حقِّ الإمام والمأموم، فلو في حقِّ الإمام فقط يصحُّ كما لو اقتدى
حنفيٌّ في الظُّهر بشافعيِّ أو بِمَن يرى قولَهما بعد المثلِ قبل المثلين كما في "السِّراج"(٥)، قال
في "البحر "(١): ((وهو قيدٌ حسنٌ، لكنَّ الأَولى اشتراطُ كونها فائتةً في حقِّ المأموم فقط، سواءٌ فَاتَتْ
الإِمامَ أوْ لا، كمَن صلَّى ركعةً من الظُّهر مثلاً فخرَجَ الوقت فاقتدى به مسافرٌ، فإِنَّها فائتةٌ في حقِّ
المسافر لا المقيم)) اهـ. أي: فلا يصحُّ الاقتداءُ، لكنَّ فوتها في حقِّ المأموم فقط ليس هو الشرطَ
وحده؛ لأنَّ فوتها في حقّهما معاً كذلك بالأَولى.
[٦٦٢٩] (قولُهُ: فيما يتغيّرُ) متعلّقٌ بـ: يصحُّ المقدَّرِ في قوله: ((لا بعده))، واحترَزَ به
(١) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٦٨/١.
(٢) ٥٩٩/٣ وما بعدها "در".
(٣) "السراج الوهاج": کتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١ /ق ٢٩٦/ب.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ٨٢/ب.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١/ق ٢٩٧/أ.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٥/٢ -١٤٦.

قسم العبادات
٦٤٤
حاشية ابن عابدين
في حقِّ القعدة لو اقتَدَى في الأُوليين، أو القراءةِ لو في الأُخريين.
عن الاقتداء بعد الوقت في الصلاة التي لا تتغيَّرُ في السفر كالثنائيّة والثلاثيّة، فإنَّه يصحُّ، وفي
"البحر"(١): ((هذا القيدُ مفهومٌ من قوله: صَحَّ وأَتَّمَّ، بل لا حاجةَ إليه أصلاً؛ لأنَّ السفر مُؤثّرٌ
في الرباعيِّ فقط)).
[٦٦٣٠] (قولُهُ: في حقِّ القعدة) فإِنَّها تصيرُ فرضاً في حقِّ المأموم وغيرَ فرضٍ في حقِّ الإمام،
وهو المرادُ بالنفل؛ لأَنَّ ما قابَلَ الفرضَ، فيدخلُ فيه القعدةُ الواجبة، "بحر"(٢).
[٦٦٣١] (قولُهُ: أو القراءةِ إلخ) لأنَّ قراءة الإمام في الأخريين نافلةٌ في حقّه فرضٌ في حقِّ
المأموم، فلو لم يقرأ في الأوليين واقتدى به في الشفعِ الثاني ففيه روايتان(٣)، ومقتضى المتون عدمُ
الصحَّةِ مطلقاً، قال في "المحيط": ((لأنَّ القراءة في الأُخربين قضاءٌ عن الأوليين، والقضاءُ يَلتحِقُ
بمحلِّهِ، فلا يبقى للأخريين قراءةٌ)) اهـ "بحر "(٤).
( تنبيةٌ)
زادَ "الزيلعيُّ"(٥): ((أو التحريمةِ))، وعزاه في "السِّراج"(٦) إلى الحواشي، فيدخل فيه ما لو
اقْتَدَى به في القعدة الأخيرة فإنَّه لا يصحُّ؛ لأنَّ تحريمته اشتمَلَتْ على نفليَّةِ القعدةِ الأولى والقراءةِ
٥٣١/١ بخلاف الإِمام، وهذا معنى قولِ "السِّراج"(٧): ((لأنَّ تحريمة المأموم اشتمَلَتْ على الفرض لا غير))،
(قولُهُ: بخلافِ الإِمام) لعلَّ الأولى: بخلاف المأموم، تأمَّل. ثُمَّ رأيتُهُ بلفظِ المأموم في "حاشية البحر"،
ثمَّ رأيت عبارة "السِّراج"، ونصُّها: ((لأنَّ تحريمة الإِمام اشتمَلَتْ على الفرض والنفل في حقِّ القعدة
الأُولى، والقراءةُ لا تتعَيَّنُ عليه في الأُوليين، وتحريمهُ المقتدي اشتملت على الفرضِ لا غير)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٦/٢ بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٥/٢ بتصرف يسير.
(٣) الكلام إلى هنا منقول في "البحر" عن "البدائع" بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٥/٢ ملخصاً.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٢١٣/١.
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١/ق ٢٩٧/ب.
(٧) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١/ق ٢٩٧/ب.

الجزء الرابع
٦٤٥
باب صلاة المسافر
(ويأتي) المسافرُ (بالسنن) إنْ كان (في حالٍ أمنٍ وقرارِ وإِلاَّ) بأنْ كان في خوفٍ
وفرارٍ (لا) يأتي بها، هو المختارُ؛ لأنّه تركٌ لعذرٍ، "تجنيس". قيل: إلاَّ سنّةَ الفجر ...
وقولُهُ في "البحر"(١): ((إِنَّه ليس بظاهرٍ)) ليس بظاهرٍ، وتمامُهُ في "النهر "(٢).
أقولُ: وعليه فذكرُ التحريمة يُغني عن ذكر القعدة والقراءة لشمول التعليل بها للاقتداء في
جميع أجزاء الصلاة لا في القعدة الأخيرة فقط.
[٦٦٣٢) (قولُهُ: ويأتي المسافرُ بالسننِ) أي: الرَّواتبِ، ولم يتعرَّض للقراءة لذكره لها
في فصل القراءة(٣)، حيث قال في المتن: ((ويُسَنُّ فِي السَّفْر مطلقاً الفاتحةُ وأيُّ سورةٍ شاء))،
وتقدَّمَ(٤) أَنَّه فرَّقَ في "الهداية" بين حالةِ القرار والفرار، وتقدَّمَ (٤) الكلامُ فيه، وقال في
"التتار خانَّةً"(٥): ((ويُخفّفُ القراءة في السَّفر في الصلوات، فقد صحَّ أنَّ رسول الله صلَّ: ((قرأ
في الفجر في السَّفر الكافرون والإخلاصَ»(٦)، وأطولُ الصلاة قراءةُ الفجر، وأمَّا التسبيحاتُ
فلا ينقُصُها عن الثلاث)) اهـ.
[٦٦٣٣) (قولُهُ: هو المختارُ) وقيل: الأفضلُ التركُ ترخيصاً، وقيل: الفعلُ تقرُّباً، وقال
"الهندوانيُّ": ((الفعلُ حالَ النزول والتركُ حالَ السير))، وقيل: يصلّي سنَّةَ الفحر خاصَّةً، وقيل:
سنَّةَ المغرب أيضاً، "بحر "(٧). قال في "شرح المنية "(٨): ((والأعدلُ ما قالَهُ "الهندوانيٌُّ)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٥/٢.
(٢) انظر "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ٨٢/ب.
(٣) ٤٥٤/٣ "در".
(٤) المقولة [٤٥٥٨] قوله: ((أي حالة قرار أو فرار)).
(٥) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني والعشرون في صلاة السفر ٢٩/٢ بتصرف يسير.
(٦) أخرجه مسلم (٧٢٦) كتاب صلاة المسافرين - باب استحباب ركعتي الفجر، وأبو داود (١٢٥٦) كتاب الصلاة -
باب في تخفيفهما، والنسائيّ ٥٦/٢ كتاب الافتتاح - باب القراءة في ركعتي الفجر، وابن ماجه (١١٤٨) كتاب
إقامة الصلاة - باب ما جاء فيما يقرأ في الركعتين قبل الفجر، من حديث أبي هريرة مرفوعاً. وفي الباب عن عائشة،
وابن عمر، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك ﴾.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤١/٢.
(٨) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة المسافر صـ٥٤٥ ..

قسم العبادات
٦٤٦
حاشية ابن عابدين
(والمعتبَرُ في تغيير الفرض آخرُ الوقت) وهو قدْرُ ما يَسَعُ التحريمةَ (فإنْ كان)
المكلَّفُ (في آخرِهِ مسافراً وحَبَ ركعتان وإلاَّ فأربعٌ) لأَنَّه المعتبرُ في السبيَّة.
قلت: والظاهرُ أنَّ ما في المتن هو هذا، وأنَّ المراد بالأمنِ والقرارِ النزولُ وبالخوفِ والفرارِ
السيرُ، لكنْ قدَّمنا(١) في فصل القراءة أَنَّه عَّرَ عن الفرار بالعجلة لأَنّها في السَّفر تكونُ غالباً من
الخوف، تأمَّل.
[٦٦٣٤] (قولُهُ: والمعتبَرُ في تغييرِ الفرض) أي: من قصرٍ إلى إتمامٍ وبالعكس.
[٦٦٣٥) (قولُهُ: وهو) أي: آخِرُ الوقت قدْرُ ما يَسَعُ التحريمةَ، كذا في "الشرنبلاليَّةِ" (٢)
و"البحر"(٣) و"النهر"(٤)، والذي في "شرح المنية"(٥) تفسيرُهُ بما لا يبقى منه قدْرُ ما يَسَعُ التحريمةَ،
وعند "زفر" بما لا يَسَعُ فيه أداءُ الصلاة.
[٦٦٣٦) (قولُهُ: وجَبَ ركعتان) أي: وإنْ كان في أوَّلِهِ مقيماً، وقولُهُ: ((وإلاَّ فأربعٌ)) أي:
وإنْ لم يكن في آخرِهِ مسافراً - بأنْ كان مقيماً في آخره - فالواجبُ أربعٌ، قال في "النهر"(٦):
((وعلى هذا قالوا: لو صلَّى الظهرَ أربعاً ثمَّ سافر ـ أي: في الوقت - فصلّى العصرَ ركعتين، ثمَّ
رجَعَ إلى منزله لحاجةٍ، فتبَّنَ أَنَّه صلَّهما بلا وضوءٍ صلَّى الظهرَ ركعتين والعصرَ أربعاً؛ لأنّه كان
مسافراً في آخرٍ وقت الظهر ومقيماً في العصر)).
[٦٦٣٧] (قولُهُ: لأَنَّه) أي: آخرَ الوقت.
(١) المقولة [٤٥٥٨] قوله: ((أي حالة قرار أو فرار)).
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٣٥/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٩/٢.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ٨٢/أ.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة المسافر صـ٥٤٢ ..
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ٨٣/ب.

الجزء الرابع
٦٤٧
باب صلاة المسافر
عند عدم الأداء قبله ..
[٢٦٣٨] (قولُهُ: عند عدمِ الأداءِ قبلَهُ) أي: قبلَ الآخر، والحاصلُ أنَّ السبب هو الجزءُ الذي
يَتَّصلُ به الأداءُ أو الجزء الأخير إنْ لم يُؤدَّ قبله، وإنْ لم يُؤَدَّ حَتَّى خرَجَ الوقتُ فالسبب هو كلُّ
الوقت، قال في "البحر"(١): ((وفائدةُ إضافته إلى الجزء الأخير اعتبارُ حالِ المكلَّفِ فيه، فلو بلَغَ
صبِيِّ، أو أسلَمَ كافرٌ، أو أفاقَ مجنونٌ، أو طَهُرَت الحائضُ أو النفساءُ في آخره لزمتهم الصلاةُ ولو
كان الصبيُّ قد صلاّها في أوَّلِهِ، وبعكسِهِ لو جُنَّ أو حاضَتْ أو نَفِسَتْ فيه لفقدِ الأهليّة عند وجود
السبب، وفائدةُ إضافته إلى الكلِّ عند خُلُوِّهِ عن الأداء أَنَّه لا يجوزُ قضاءُ عصرِ الأمس في وقت
التغيُّرِ، وتمامُ تحقيقه في كتب الأصول (٢)).
(قولَهُ: والحاصلُ أنَّ السَّبب هو الجزءُ إلخ) الكلامُ في الصلاة لا في الصومِ، والمعتبرُ فيه أوَّلُ جزء من اليوم.
(قولُهُ: فالسَّببُ هو كلُّ الوقتِ) فإنْ قلت: بخروج الوقت تُضافُ السبيَّةُ إلى جميعه كما هو المقرَّرُ،
فكان ينبغي لو سافَرَ في آخر الوقت وفاتَهُ الأداءُ بخروج الوقت أنْ يقضيَ أربعاً لكونه مقيماً أكثرَ الوقت،
أو يقال: لو أقامَ آخِرَ الوقت وفاتَهُ الأداء بخروج الوقت أنْ يقضيَ ركعتين؛ لأنَّ السبيَّة أضيفت إلى سائر
الوقت، وبعضُ الوقت يقتضي القصرَ وبعضُه يقتضي الإتمامَ، والقصرُ هو الأصل عندنا، فُيُرجَعُ إليه. فالجواب:
أنَّ القضاء يَحكي الأداء، فإذا خرج الوقتُ وهو مسافرٌ وكان الواجبُ عليه - لو صلَّه إذ ذاك - صلاةَ المسافر
فبالفَوْتٍ يقضيها، وكذا عكسُهُ، ويقال أيضاً في السبيَّة في حقِّ المكلَّف آخِرَ الوقت: لأَنَّه أوانُ التقرُّرِ في ذمَّته،
وصفةُ الدَّين تُعتبرُ حالَ تقرُّره كما في حقوق العباد، وأمَّا اعتبارُ كلِّ الوقت إذا خرَجَ في حقّه فِيْبُتَ الواجبُ
عليه بصفة الكمال؛ إذ الأصلُ في أسباب المشروعات أنْ تُطلَبَ العباداتُ كاملةً، وإنما تُحُمِّلَ نقصُها بِعُرُوضِ
تأخُره إلى الجزء الناقص مع توجُّهِ طلبها فيه، وبخروجه من غيرِ أداءٍ لم يتحقّق ذلك العارضُ، فوجَبَتْ كاملةً،
فلا تتأدَّى بعد ذلك إلاَّ كاملةً، وهذا بخلاف صلاة المقيم والمسافر، فإِنَّها كاملةٌ؛ لأَنَّها فرضه فلا تتغيَّرُ بخروج
الوقت، والصلاة على وجه الكراهة ليست على وجه المأمور به، وإنما يُتَحمَّلُ الأداءُ مع الكراهة ضرورةَ توجُّهِ
الخطاب بالأداء في الوقت وقد زالَ. اهـ "سندي" عن "الرَّحمتيِّ"، وانظر "النهر".
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٩/٢.
(٢) عبارة "البحر": ((وتمام تحقيقه في كتابنا المسمى بـ "لب الأصول مختصر تحرير الأصول")).

قسم العبادات
٦٤٨
حاشية ابن عابدين
(الوطنُ الأصليُّ) هو مَوطِنُ ولادتِهِ أو تأهُّلِهِ أو توطُّنِهِ (يبطُلُ مثلِهِ) إذا لم يبقَ له
بالأوَّلِ أهلٌ، فلو بَقِيَ لم يَبطُلْ،
مطلبٌ في الوطنِ الأصليِّ ووطنِ الإقامة
[٦٦٣٩] (قولُهُ: الوطنُ الأصليُّ) ويُسمَّى بالأهليِّ ووطنِ الفطرةِ والقرارِ، "ح"(١) عن
"الْقُهُستانيِ)(٢).
[٦٦٤٠] (قولُهُ: أو تأهُّلِهِ) أي: تزوُّجِهِ، قال في "شرح المنية "(٢): ((ولو تزوَّجَ المسافرُ ببلدٍ ولم
يَنْوِ الإِقامةَ به فقيل: لا يصيرُ مقيماً، وقيل: يصيرُ مقيماً، وهو الأوجهُ، ولو كان له أهلٌ ببلدتين
فَأَيْتُهما دخَلَها صار مقيماً، فإنْ ماَتَتْ زوجته في إحداهما وبقي له فيها دُوْرٌ وعَقارٌ قيل: لا يبقى
وطناً له؛ إذ المعتبرُ الأهلُ دون الدار، كما لو تأهَّلَ ببلدةٍ واستقرَّتْ سكناً له وليس له فيها دارٌ،
وقيل: تبقی)) اهـ.
[٦٦٤١] (قولُهُ: أو توطُِّهِ) أي: عزَمَ على القرارِ فيه وعدمِ الارتحال وإنْ لم يتأهَّلْ، فلو كان له
أبوان ببلدٍ غيرِ مَولِدِهِ وهو بالغٌ ولم يتأهَّلْ به فليس ذلك وطناً له إلَّ إذا عزَمَ على القرارِ فيه وتركِ
الوطن الذي كان له قبلَهُ، "شرح المنية "(٤).
(٦٦٤٢] (قولُهُ: يبطُلُ بمثله) سواءٌ كان بينهما مسيرةُ سفرٍ أوْ لا، ولا خلافَ في ذلك كما
في "المحيط"، "قُهُستاني"(٥). وقَّدَ بقوله: ((يمثِهِ)) لأَنّه لو انتقَلَ منه قاصدً غيرَهُ، ثمَّ بدا له أنْ
يتوطّنَ في مكانٍ آخرَ فمَرَّ بالأوَّلِ أَتَمَّ؛ لأَنَّه لم يتوطَّنْ غيرَهُ، "نهر " (١).
[٤٣ ٦٦] (قولُهُ: إذا لم يَبْقَ له بالأوَّلِ أهلٌ) أي: وإنْ بقي له فيه عَقارٌ، قال في "النهر "(٧):
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق١٠٧/ب.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صلاة المسافر ١٥٨/١.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة المسافر ص ٥٤٤ ..
(٤) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة المسافر ص ٤ ٥٤- باختصار.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صلاة المسافر ١٥٨/١ بتصرف.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ٨٣/أ.
(٧) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ٨٣/أ.

الجزء الرابع
٦٤٩
باب صلاة المسافر
بل يُتِمُّ فيهما (لا غيرَ و) يبطُلُ (وطنُ الإِقامةِ بمثلِهِ و) بالوطنِ (الأصليِّ و) بإنشاءِ
(السفر)
((ولو نقَلَ أهلَهُ ومتاعَهُ وله دُورٌ في البلد لا تبقى وطناً له، وقيل: تبقى، كذا في "المحيط" وغيره)).
[٦٦٤٤) (قولُهُ: بل يُتُمُّ فيهما) أي: بمجرَّدِ الدخول وإنْ لم يَنْوِ إقامةً، "ط) (١).
[٦٦٤٥] (قولُهُ: ويبطُلُ وطنُ الإقامة)(٢) يُسمَّى أيضاً الوطنَ المستعارَ والحادثَ، وهو ما خرَجَ
إليه بنَّةِ إقامةِ نصفٍ شهرٍ، سواءٌ كان بينه وبين الأصليِّ مسيرةُ السفر أوْ لا، وهذا روايةُ "ابن
سماعة " عن "محمَّدٍ"، وعنه أنَّ المسافة شرطٌ، والأوَّلُ هو المختارُ عند الأكثرين، "قُهُستاني"(٣).
[٦٦٤٦) (قولُ: يمثلِهِ) أي: سواءٌ كان بينهما مسيرةُ سفرٍ أوْ لا، "قُهُستاني"(٤).
[٦٦٤٧) (قولُهُ: وبالوطنِ الأصليِّ) كما إذا توطَّنَ بمكَّةَ نصفَ شهرٍ ثُمَّ تأهَّلَ بمنى، أفادَهُ
"الْقُهُستانِيُّ) (٥).
[٦٦٤٨) (قولُهُ: وبإنشاء السفر) أي: منه، وكذا من غيره إذا لم يَمُرَّ فيه عليه قبل سيرٍ مدَّةِ
السفر، قال في "الفتح"(٦): ((إنَّ السفر الناقضَ لوطنِ الإقامة ما ليس فيه مرورٌ على وطنِ الإقامة،
أو ما يكونُ المرورُ فيه به بعد سيرِ مدَّةِ السفر)) اهـ.
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٣٣٦/١.
(٢) في "د" زيادة: ((أقول: مثال بطلانه بأحد الثلاثة ما ذكره في "البحر": قاهريٌّ خرَجَ إلى بلبيس، فنوى الإقامة بها
نصف شهر، ثم خرج منها، فإنْ قصد مسيرة ثلاثة أيام وسافر بطل وطنه ببلبيس، حتى لو مرَّ به في العَوْد لا يُتِمُّ،
وإن لم يقصد ذلك وخرج إلى الصالحية، فإنْ نوى الإقامة بها نصف شهر أتَمَّ بها وبطل وطنه ببلبيس، حتى لو عاد
إليه مسافراً لا يُتِمُّ، وإنْ لم ينو الإقامة بها لم يبطل وطنه ببلبيس حتى يُتِمُّ إذا دخله، وإنْ عاد إلى مصر بطل
الوطنان انتهى. فقوله: فإن قصد إلخ، فيه بطلانه بالسفر، وقوله: وإن لم يقصد ذلك إلخ، فيه بطلانه بمثله فقط؛ لأنَّ
ما بين بلبيس والصالحية دون مسافة القصر، وقوله: وإن عاد إلى مصر، فيه بطلانه بالأصلي، وإذا لم ينو الإقامة
بالصالحية وأراد الرجوع إلى مصر إنما يُتُمُّ ببلبيس مع أنّه قصد مدة سفر؛ لأنَّ فيه مروراً على وطن الإقامة)).
(٣) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل صلاة المسافر ١٥٨/١ باختصار.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل صلاة المسافر ١٥٨/١.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل صلاة المسافر ١٥٨/١.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٦/٢.

قسم العبادات
٦٥٠
حاشية ابن عابدين
أقولُ: ويُوضِحُ ذلك ما في "الكافي"(١) و"التتار خانَّةً"(٢): ((خراسانِيٌّ قَدِمَ بغدادَ ليقيمَ بها
نصفَ شهرٍ، ومكِّيٌّ قَدِمَ الكوفة كذلك، ثمَّ خرَجَ كلٌّ منهما إلى قصرٍ "ابن هبيرة" فإنَّهما
يُتِمَّان في طريق القصر؛ لأنَّ مِن بغداد الى الكوفة أربعةَ أَيَّامِ، والقصرُ متوسِّطٌ بينهما، فإنْ أقاما
٥٣٢/١ في القصر نصفَ شهرٍ بطَلَ وطنُهما ببغداد والكوفة؛ لأَنَّه مثلُهُ، فإنْ خرجا بعده من القصر إلى
الكوفة يُتِمَّان أيضاً، فإنْ أقاما بها يوماً مثلاً، ثمَّ خرجا منها إلى بغداد وقصدا المرورَ بالقصر
يُتِمَّان إلى القصر، وفيه ومنه إلى بغداد؛ لأَنَّه صار وطنَ إقامةٍ لهما، فإذا قصدا الدخولَ فيه لم
يصحَّ سفرُهما؛ إذ لم يقصدا مسيرةَ سفرٍ، حَتَّى لو لم يَقصِدا الدخولَ فيه قَصَرا كما لو(٣)
خرجا من الكوفة لقصدهما مسيرةَ السفر، ولو أنَّ المكِّيَّ حين خرَجَ من كوفةً قصَدَ بغداد
أو الخراسانيُّ الكوفةَ، والتقيا بالقصرِ، وخرجا إلى الكوفة ليقيما فيها يوماً ثمَّ يرجعا إلى بغداد
قَصَرا إلى الكوفة، وكذا إلى بغداد لقصدِ كلٍّ منهما مسيرةَ سفرٍ، أمَّا "الخراسانيُّ" فلأَنَّه ماضٍ
على سفره، وأمَّا المكِّيُّ فلأنَّ وطنه بالكوفة انتقَضَ بإنشاءِ السفر، والقصرُ إذا لم يكن وطناً لهما
(قولُهُ: أربعةَ أَيَّامٍ) في "شرح الزيادات": ((خمسَ مراحلَ))، ونقَلَ ذلك عن "محمَّدٍ".
(قولُهُ: إذ لم يَقصِدا مسيرةَ سفرٍ إلخ) لأنَّ وطنهما بالقصر كان وطنَ إقامةٍ، ولم يَنْتَقِضْ لعدم
الناقض، فإذا خرجا يريدان المرورَ على القصر فمِن الكوفة إلى القصر قَصَدا الرُّجوع إلى وطنهما بالقصر
وليس ذلك مسيرةً سفرٍ، وكذلك من القصر إلى بغداد فُتِمَّان. اهـ "شرح الزِّيادات".
(قولُهُ: ولو أنَّ المكيَّ حين خرَجَ إلخ) صورةٌ ثانيةٌ موضوعُها أنَّ كلاً منهما قصَدَ وطنَ صاحبه،
وموضوعُ ما قبلها ما إذا خرجا يريدان القصر.
(١) "كافي النسفيّ": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١/ق ٥٠/ب بتصرف.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني والعشرون في صلاة السفر ٢٠/٢-٢١ بتصرف.
(٣) ((لو)) ليست في "آ" و"ب".

الجزء الرابع
٦٥١
باب صلاة المسافر
والأصلُ أنَّ الشيء يبطُلُ مثلِهِ وبما فوقَهُ.
فقصدا المرورَ به لا يَمِنَعُ صحَّةَ السفر)) اهـ.
وأفاد قولُهُ: ((وأمَّا المكِّيُّ إلخ)) أنَّ إنشاء السفر من وطنِ الإقامة مبطلٌ له وإنْ عاد إليه،
ولذا قال في "البدائع"(١): ((لو أقام خراسانيٌّ بالكوفةِ نصفَ شهرٍ، ثمَّ خرَجَ منها إلى مكَّةَ، فقبل أنْ
يسير ثلاثةَ أَيَّامٍ عاد إلى الكوفة لحاجةٍ فإنّه يقصُرُ؛ لأنَّ وطنه قد بطَلَ بالسفر)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ إنشاء السفر يُبطِلُ وطنَ الإقامة إذا كان منه، أمَّا لو أنشأه من غيره فإنْ لم
يكن فيه مرورٌ على وطنِ الإقامة، أو كان ولكنْ بعد سيرٍ ثلاثة أَيَّامٍ فكذلك، ولو قبله لم يَبطُل
الوطنُ، بل يبطلُ السفرُ؛ لأنَّ قيام الوطن مانعٌ من صحَّتِهِ، والله أعلم.
(٦٦٤٩) (قولُهُ: والأصلُ أنَّ الشيءَ يبطُلُ بمثلِهِ) كما يبطُلُ الوطنُ الأصليُّ بالوطن
الأصليِّ، ووطنُ الإقامة بوطن الإقامة، ووطنُ السُّكنى بوطن السُّكنى، وقولُهُ: ((وبما فوقَهُ))
أي: كما يبطُلُ وطن الإقامة بالوطن الأصليِّ، وكما يبطُلُ وطنُ السكنى بالوطن الأصليِّ
وبوطن الإقامة، وينبغي أنْ يزيد: وبضدِّهِ كبطلان وطنِ الإقامة أو السُّكنى بالسفر، فإنّه
في "البحر"(٢) علَّلَ لذلك بقوله: ((لأَنَّه ضدُّهُ)).
(قولُهُ: فقصَدَا المرورَ به لا يَمنَعُ صحَّة السَّفر إلخ) ذكَرَ "قاضيخان" في "شرح الزِّيادات" ما نصُّه:
((فَإِنْ خَرَجَ كلُّ واحدٍ منهما يريدُ وطن صاحبه، فالتقيا بالقصر ثمَّ خرجا من القصر إلى الكوفة على
عزمٍ الانصراف منها إلى بغداد فالبغداديُّ يقصرُ في الذهاب والرُّجوع؛ لأنّه خرج إلى السَّفر ولم يوجد
ما يُبطِلُه، وأمَّ الكوبيُّ يُتِمُّ في القصر وفي رجوعه من القصر إلى الكوفة وبها؛ لأَنَّه حين عزَمَ الرُّجوعَ
إلى وطنه وليس بينه وبين وطنه مسيرةُ السَّفر صار رافضاً سفرَهُ قبل الاستحكام، فارتفَضَ بمجرَّدِ العزم،
فُيُتِمُّ الصلاة إلى الكوفة وبها، وإذا خرج من الكوفة إلى بغداد الآنَ يقصرُ؛ لأنّه مسافرٌ)) اهـ.
(قولُهُ: وينبغي أن يزيدَ: وبضدِّه إلخ) و"الحلبيُّ" جعَلَ إنشاءَ السَّفْر داخلاً في قوله: ((وبما فوقه))،
فيبطلُ به وطن الإقامة والسُّكنى، وهو الأوجهُ، فإنّه وإن كان ضدًّا هو فوقهما.
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان ما يصير به المسافر مقيماً ١٠٤/١ بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٧/٢.

قسم العبادات
٦٥٢ -
حاشية ابن عابدين
لا بما دونه، ولم يَذكُرْ وطنَ السُّكنى، وهو ما نوى فيه أقلَّ من نصفِ شهرٍ لعدم
فائدته، وما صوَّرَهُ "الزيلعيُّ" ردَّهُ في "البحر".
(والمعتبَرُ نيَّةُ المتبوع).
[٦٦٥٠] (قولُهُ: لا بما دونَهُ) كما لم يَبطُل الوطنُ الأصليُّ بوطن الإقامة، ولا بوطنِ السُّكنى،
ولا بإنشاءِ السفر، وكما لم يَبطُل وطنُ الإقامة بوطن السُّكنى، "ح"(١).
[٦٦٥١] (قولُهُ: وما صوَّرَهُ "الزيلعيُّ"(٢)) حيث قال: ((رجلٌ خَرَجَ من مصرِهِ إلى قريةٍ لحاجةٍ،
ولم يَقصِد السفرَ، ونوى أنْ يُقِيمَ فيها أقلّ من خمسةَ عشرَ يوماً فإنَّه يُتِمُّ فيها؛ لأَنَّه مقيمٌ، ثمَّ خرَجَ
من القرية لا للسفر، ثمَّ بدا له أنْ يسافرَ قبل أن يدخلَ مِصرَهُ وقبل أنْ يقيمَ ليلةً في موضعٍ آخرَ
فسافَرَ فإنَّه يقصُرُ، ولو مرَّ بتلك القريةِ ودخَلَها أَمَّ؛ لأَنَّه لم يوجد ما يُطِلُهُ مما هو فوقَهُ أو مثلُهُ))
اهـ "ح" (٣).
[٦٦٥٢] (قولُهُ: رَدَّهُ في "البحر "(٤)) ((بأنَّ السفر باقٍ لم يوجد ما يُطِلُه، وهو مُبطِلٌ لوطن
السُّكنى على تقديرِ اعتباره؛ لأنَّ السفر يُطِلُ وطنَ الإِقامة، فكيف لا يُطِلُ وطنَ السُّكنى؟! فقولُهُ:
لأَنّه لم يوجد ما يُطِلُهُ ممنوعٌ)) اهـ.
قال "ح"(٥): ((واعترَضَهُ "شيخُنا": بأنَّ المبطِلَ لهما سفرٌ مبتدأٌ منهما، وأمَّا إذا خرَجَ منهما
إلى ما دون مدَّةِ السفر، ثمَّ أنشَأَ سفراً فإِنَّهما لا يَبطُلان، فإذا مرَّ بهما أَتَمَّ)) اهـ. ونقَلَ "الخيرُ
الرمليُّ" مثلَهُ عن خطّ بعضهم وأقرَّهُ.
قال "ح"(٦): ((وهو وجيةٌ، فإنَّ مَن نوى الإقامةَ بموضعٍ نصفَ شهرٍ، ثُمَّ خرَجَ منه لا يريدُ
السفر، ثمَّ عاد مريداً سفراً ومرَّ بذلك أتَمَّ مع أنَّه أنشأَ سفراً بعد اتّخاذٍ هذا الموضع دارَ إقامةٍ،
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق١٠٧/ب. وفيه سقط فليتنبه له.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٢١٤/١.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق١٠٧/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٨/٢.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق١٠٧ /ب - ١٠٨/أ.
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ١٠٨/أ.

الجزء الرابع
٦٥٣
باب صلاة المسافر
فَثَبَتَ أنَّ إنشاء السفر لا يُطِلُ وطنَ الإقامة إلاَّ إذا أنشأَ السفرَ منه، فليكن وطنُ السُّكنى كذلك،
فما صوَّرَهُ "الزيلعيُّ" صحيحٌ، ومِن تصويره علمتَ أنَّه لا بدَّ أن يكون بين الوطنِ الأصليِّ وبين
وطنِ السُّكنى أقلُّ من مدَّةِ السفر، وكذا بين وطنِ الإِقامة ووطنِ السُّكنى)) اهـ.
أقولُ: قد علمتَ أنَّ السفر المبطِلَ للوطن لا يَخْتَصُّ بالمُنشأ منه، بل يكونُ بالمنشأ من غيره
إذا لم يكن فيه مرورٌ عليه قبل سيرٍ ثلاثة أَيَّامٍ، لكنْ هنا فيه مرورٌ على الوطن قبل سيرٍ مدَّةِ السفر،
وقد أَيَّدَ في "الظهيريَّة"(١) قولَ عامَّةِ المشايخ باعتبارِ وطن السُّكنى: ((بأنَّ الإِمام "السرخسيّ)(٢)
ذكَرَ مسألةً تدلُّ عليه، وهي: كوفيٌّ خرَجَ إلى القادسيَّة لحاجةٍ وبينهما دون مسيرةِ السفر،
(قولُهُ: فليكن وطنُ السُّكنى كذلك) لا يلزمُ من اشتراطِ إنشاء السَّفر من وطن الإقامة لبطلانه أن
يكون وطنُ السُّكنى كذلك - أي: لا يبطلُ إلَّ بإنشاء السَّر - لاحتمالِ أَنَّه لضعفه بطَلَ بإنشاءِ السَّفر
ولو من غيره بخلاف وطن الإقامة، فإنَّه لقوَّتِهِ عنه اشتُرِطَ لبطلانه إنشاءُ السَّفر منه، وفي "حاشية البحر":
((قد يقال: إنَّ قوله: فليكن وطنُ السُّكنى كذلك قياسٌ مع الفارق لبقاء السَّفر في وطن السُّكنى وانتهائه
في وطن الإقامة، فإذا دخل المسافرُ بلدةً ونوى الإقامة فيها دونَ نصفِ شهرٍ بقي مسافراً فيقصرُ، فكذا
إذا مَرَّ عليها بعد أن خرج منها بخلاف ما إذا نوى الإقامة فيها نصفَ شهرٍ فإنَّه خرَجَ عن كونه مسافراً،
ولذا يُتِمُّ مدَّةَ إقامته بها. على أنَّ تصحيح المحقّقين عدمَ اعتباره يقتضي تصحيحَ عدم الإِتمام فيما صوَّرَهُ
"الزيلعيُّ"، ولذا علّلَ شرَّاحُ "الهداية" وغيرُهم عدمَ اعتباره بأنّه لم يثبت فيه حكمُ الإقامة)) اهـ.
(قولُهُ: وقد أيَّدَ في "الظهيريَّة" قولَ عامَّة المشايخ) قال في "معراج الدراية": ((فيه تأمُّلٌ، ولعلَّ وجهه
أنَّ ابتداء سفره اعتُبرَ من القادسيَّةِ حتى إنَّه يُشترَطُ له مجاوزةُ عمرانها إذا أراد القصر، فصارت بمنزلة
وطنه الأصليِّ حكماً، فإذا رجع إليها قبل استحكام السَّر يُتُمُّ الصلاة بمنزلة ما إذا خرَجَ مسافراً من بلده
ثمَّ تذكَّرَ حاجةً فرجع فإنّه يُتِمُّ كما يأتي، فلم يدلَّ على أنَّ إتمامه لكونه وطنَ سكنى، لكن قد يقال:
تسميةُ "السرخسيِّ" له وطنَ سكنى دليلٌ عليه، وكذا قوله: ((ولم يظهر له بقصدِ الحيرة وطنُ سكنى
آخرُ)) اهـ من "حاشية البحر".
(١) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الخامس - الفصل الأول في أحكام السفر ق ٣٥/أ.
(٢) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٠٦/٢ -١٠٧.

قسم العبادات
٦٥٤
حاشية ابن عابدين
لأَنَّه الأصلُ، لا التابعِ (كامرأةٍ) وفّاها مهرَها المعجَّل (وعبدٍ).
ثُمَّ خرَجَ منها إلى الحيرة يريدُ الشام، حتّى إذا كان قريباً منها بدا له الرُّجوعُ إلى القادسيَّة ليحملَ
تَقَلَهُ منها ويرتحلَ إلى الشام ولا يمرُّ بالكوفة أتَمَّ حَتَّى يرتحلَ من القادسيّة استحساناً؛ لأَنّها كانت له
وطنَ السكنى، ولم يظهر له بقصدِ الحيرة وطنُ سكنى آخرُ ما لم يدخلها، فيبقى وطنُهُ بالقادسيَّة،
ولا ينتقضُ بهذا الخروجِ كما لو خرَجَ منها لتشييعِ جنازةٍ ونحوِهِ)) اهـ ملخَّصاً.
أقولُ: ويمكنُ أنْ يُوفَّقَ بين القولين بأنَّ وطن السُّكنى إنْ كان اتَّخَذَهُ بعد تحقُّق
السفر لم يُعتَبَرِ اتّفاقً، وإلاّ اعتُبرَ اتّفاقاً، فإذا دخَلَ المسافرُ بلدةً، ونوى أنْ يقيمَ بها يوماً مثلاً،
ثُمَّ خِرَجَ منها، ثمَّ رجَعَ إليها قصَرَ فيها كما كان يقصُرُ قبل خروجه، وعليه يُحمَلُ كلامُ المحقّقين
القول "البحر"(١): ((إنّهم قالوا: لا فائدة فيه؛ لأَنَّه يبقى فيه مسافراً على حالِهِ، فصار وجودُهُ
كعدمه)) اهـ. فقولُهم: لأَنَّه يبقى فيه مسافراً على حاله ظاهرٌ في أنّه كان مسافراً قبل اتّخاذه وطناً،
وما قالَهُ عامَّة المشايخ محمولٌ على ما إذا اتَّخَذَهُ وطناً قبل سفره كما صوَّرَهُ "الزيلعيُّ" والإِمامُ
"السرخسيُّ"، هذا ما ظهَرَ لي، والله أعلم.
[٦٦٥٣) (قولُهُ: لأَنَّه الأصلُ) فهو المتمكّنُ من الإقامة والسفر.
[٦٦٥٤] (قولُهُ: وفَّاها مهرَها المعجَّلَ) وإلاَّ فلا تكونُ تبعاً؛ لأنَّ لها أنْ تَحبسَ نفسَها عن
٥٣٣/١ الزوج للمعجَّلِ دون المؤجَّلِ، ولا تَسكُنَ حيث يسكنُ، "بحر"(٢).
قلت: وفيه أنَّ هذا شرطٌ لثبوتِ إخراجها وسفرِهِ بها على أحدِ القولين، وكلامُنا بعده(٣)،
ولهذا قال في "شرح المنية"(٤): ((والأوجهُ أنّها تبعٌ مطلقاً؛ لأَنّها إذا خرجت معه للسفر لم يَبْقَ لها
أنْ تتخلَّفَ عنه)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٨/٢.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٥٠/٢.
(٣) في المقولة الآتية.
(٤) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة المسافر صـ ٥٤١ ..

باب صلاة المسافر
الجزء الرابع
٦٥٥
غيرِ مُكَتَبٍ (وجنديٌّ) إذا كان(١) يَرتزِقُ من الأميرِ أو بيتِ المال (وأجيرٍ) وأسيرٍ ..
وقد يجابُ بأنّها إذا ثبَتَ لها حبسُ نفسها عن إخراجها من بلدها لأجلِ استيفاء معجَّلِها
فكذا يثبتُ لها إذا وصَلَتْ إلى بلدةٍ أو قريةٍ، فتصحُّ نَيَّتُها الإقامةَ بها؛ لأنّها حينئذٍ غيرُ تبعٍ له وإِنْ
كانت تبعاً له في المفازة.
[٦٦٥٥) (قولُهُ: غيرِ مُكَتَبٍ) قال في "البحر" (٢): ((وأطلَقَ في العبدِ فشَمِلَ القِنَّ والمدَبَّرَ وأمَّ
الولد، وأمَّا المكاتبُ فينبغي أنْ لا يكون تبعاً؛ لأنَّ له السفرَ بغيرِ إذنِ المولى، فلا تلزمُهُ طاعته)) اهـ.
[ ٦٦٥٦) (قولُهُ: إذا كان يَرَتزِقُ من الأميرِ أو بيتِ المال) اقتصَرَ في "القنية"(٣) وغيرها على
الأوَّلِ، وقال في "شرح المنية "(٤): ((وكذا إذا كان رزقُهُ من بيت المال وقد أمَرَهُ السلطانُ بالخروج
مع الأميرِ فهو تابعٌ له، نعم في "الذخيرة": أنَّ المتطوِّعَ بالجهاد لا يكونُ تبعاً للوالي، وهو ظاهرٌ))
اهـ. ودخَلَ تحت الجنديِّ الأميرُ مع الخليفة، "بحر "(٥) عن "الخلاصة" (٦).
[٦٦٥٧] (قولُهُ: وأجيرٍ) أي: مُشاهَرةً أو مُسانَهةً كما في "التار خانَّةِ "(٧)، أمَّا لو كان مُيَاوَمَةً
- بأن استأجَرَهُ كلَّ يومٍ بكذا - فإنَّ له فسخَها إذا فرَغَ النهارُ، فالعبرةُ لسَّتِهِ، قال في البحر "(1):
((وأمَّا الأعمى مع قائدِهِ فإنْ كان القائدُ أجيراً فالعبرةُ لنَّةِ الأعمى، وإنْ متطوِّعاً تُعتبرُ نَُّهُ)).
[٢٦٦٥٨ (قولُهُ: وأسيرٍ) ذكَرَ في "المنتقى": ((أنَّ المسلم إذا أسَرَهُ العدوُّ إنْ كان مقصدُهُ ثلاثةَ
أَيَّامٍ قصَرَ، وإنْ لم يَعَلَمْ سأَلَهُ، فإنْ لم يُخبِرِه وكان العدوُّ مقيماً أَتَمَّ، وإنْ كان مسافراً قصَرَ))،
(١) ((إذا كان)) ساقطة من "د" و"و".
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٥٠/٢.
(٣) "القنية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ٢٢/أ.
(٤) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة المسافر صـ ٥٤١ -.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٥٠/٢.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني والعشرون في صلاة المسافر ق ٥١/ب.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني والعشرون في صلاة السفر ١٠/٢ نقلاً عن "الفتاوى العتابية".
(٨) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٥٠/٢.

قسم العبادات
٦٥٦
حاشية ابن عابدين
وغريمٍ وتلميذٍ (مع زوجٍ ومولىّ وأميرٍ ومُستأجرٍ) لفٍّ ونشرٌ مرَتَّبٌ.
وينبغي أنْ يكون هذا إذا تحقَّقَ أنَّه مسافرٌ، وإلاَّ يكونُ كمن أخَذَهُ الظالِمُ، لا يقصرُ إلاَّ بعد السفر
ثلاثاً، وكذا ينبغي أنْ يكون حكمُ كلِّ تابعٍ: يسألُ متبوعَهُ، فإنْ أخبَرَهُ عَمِلَ بخبرِهِ، وإلاَّ عَمِلَ
بالأصل الذي كان عليه من إقامةٍ وسفرٍ حتَّى يتحقَّقَ خلافُهُ، وتعذّرُ السؤالِ بمنزلة السؤالِ مع عدم
الإخبار، "شرح المنية"(١).
[٦٦٥٩] (قولُهُ: وغريمٍ) أي: مُوسِرٍ، قال في "البحر"(٢) عن "المحيط": ((ولو دخَلَ مسافرٌ
مصراً، فأخَذَهُ غريمه وحَبَسَهُ فإنْ كان معسراً قصَرَ؛ لأَنَّه لم يَنْوِ الإقامةَ، ولا يحلُّ للطالب
حبسُهُ، وإنْ كان مُوسِراً إنْ عزَمَ أنْ يقضيَ دينَهُ، أو لم يَعزِمْ شيئاً قصَرَ، وإنْ عزَمَ واعتقَدَ
أنْ لا يقضيَهُ أَتَّمَّ)) اهـ.
وقولُهُ: ((إِنْ عزَمَ أنْ يقضيَ)) أي: قبل خمسةَ عشرَ يوماً كما في "الفتح"(٣).
[٦٦٦٠] (قولُهُ: وتلميذٍ) أي: إذا كان يَرتزِقُ من أستاذه، "رحمتي". والمرادُ به مطلقُ المتعلّمِ مع
معلِّمِهِ الملازمٍ له لا خصوصُ طالب العلم مع شيخه.
قلت: ومثلُهُ بالأَولى الابنُ البارُّ البالغُ مع أبيه، تأمَّل.
(٦٦٦) (قولُهُ: ومُستأجِرٍ) كان على "الشارح" أنْ يقول: ((وآسيرٍ ودائنٍ وأستاذٍ))، "ح"(٤).
(قولُهُ: فإنْ كان معسراً قصَرَ) لأَنَّه عزم على الإقامة مدَّةً مجهولةً، "سندي" عن "التجنيس". وقال: ((قال
"الرَّحمتيُّ": يُطلَبُ الفرقُ بين المعسر المحبوس والأسير، فإمَّا أن يكون في المسألة روايتان، وإمّا أن يقال: المعسر
المحبوس ظلماً الظاهرُ رفعُ الظُّلم عنه برجوع الظالم عن ظلمه أو قوَّة المسلمين بخلاف الأسير)) اهـ.
(قولُهُ: وإنْ عزَمَ واعتقَدَ أنْ لا يقضيَهُ أَتَمَّ) لأَنَّه بعزمه أنْ لا يقضيَهُ أبداً كأنَّه نوى الإقامةَ أبداً.
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة المسافر صـ ٥٤١ - باختصار.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٥٠/٢.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٢٠/٢.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ١٠٨/أ.