Indexed OCR Text

Pages 621-640

الجزء الرابع
٦١٧
باب صلاة المسافر
أقلُّ من غَلوةٍ، وليس بينهما مزرعةٌ يُشترَطُ مجاوزتُهُ، وإلاَّ فلا)) (قاصداً).
[٦٥٤٣) (قولُهُ: أقلُّ من غَلوةٍ) هي ثلثمائةِ ذراعٍ إلى أربعمائةٍ، هو الأصحُّ، "بحر "(١) عن
"المجتبى".
[٦٥٤٤) (قولُهُ: قاصداً) أشار به مع قوله: ((خرَجَ)) إلى أنَّه لو خرَجَ ولم يَقصِدْ، أو قصَدَ
ولم يَخرُجْ لا يكونُ مسافراً، "ح"(٢). قال في "البحر"(٣): ((وأشار إلى أنَّ النَّةَ لا بدَّ أن تكون قبل
الصلاة، ولذا قال في "التجنيس": إذا افتَتَحَ الصلاةَ في السَّفينة حالَ إقامته في طرف البحر، فنقَلَتْها
الريحُ ونوى السَّفْرَ يُثُمُّ صلاةَ المقيم عند "أبي يوسف" خلافاً لـ "محمَّدٍ"؛ لأَنَّه اجتمَعَ في هذه الصلاة
ما يُوجِبُ الأربعَ وما يَمنَعُ، فرجَّحنا ما يُوجِبُ الأربعَ احتياطاً)) اهـ.
وإنما يُشترَطُ قصدُهُ لو كان مستقلاً برأيه، فلو تابعاً لغيره فالاعتبارُ بنَّةِ المتبوع كما سيأتي(٤)،
وعليه خرَّجَ في "البحر"(٥) ما في "التجنيس": ((لو حَمَلَهُ آخرُ وهو لا يدري أين يذهبُ معه يُتِمُّ
حَتَّى يسيرَ ثلاثاً فيقصُرُ؛ لأَنّه لَزِمَهُ القصرُ من حين حُمِلَ، ولو صلَّى قصراً من يوم الحمل صحَّ،
إلاَّ إذا سارَ به أقلّ من ثلاثٍ؛ لأنّه تبيَّنَ أَنَّه مقيمٌ، وفي الأوَّلِ أَنَّه مسافرٌ) اهـ.
وأشارَ إلى أنَّ الخروج مع قصدِ السفر كافٍ وإِنْ رجَعَ قبل تمامه كما يأتي(٦)، حتَّى لو سار
يوماً ولم يكن صلَّى فيه لعذرٍ، ثُمَّ رجَعَ يقضيه قصراً كما أفتى به العلاّمة "قاسم)".
(قولُ "المصنّف": قاصداً إلخ) ويكفي في ذلك القصدِ غلبةُ الظنِّ، يعني: إذا غَلَبَ على ظنّهِ أَنَّه
يسافرُ قصَرَ، ولا يُشترَطُ التيقُّنُ. اهـ "تبيين".
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٣٩/٢.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ١٠٦/ب.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٣٩/٢.
(٤) المقولة [٦٥٨٧] قوله: ((أو لم يكن مستقلاً برأيه)).
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٣٩/٢ بتصرف.
(٦) المقولة [٦٥٦٦] قوله: ((وإلا فيتم إلخ)).

قسم العبادات
٦١٨
حاشية ابن عابدين
ولو كافراً، ومَن طاف الدنيا بلا قصدٍ لم يَقصِرْ (مسيرةَ ثلاثةِ أَيَّامٍ ولياليها)
[٦٥٤٥] (قولُهُ: ولو كافراً) فيه أنَّه يشملُ الصبيَّ أيضاً مع أنَّه سيأتي في الفروع ما يدلُّ على
أنَّ نَّتَهُ السفرَ غيرُ معتبرةٍ كما سُبِّنْه هناك(١).
[٦٥٤٦] (قولُهُ: بلا قصدٍ) بأنْ قصَدَ بلدةً بينه وبينها يومان للإقامة بها، فلمَّا بلَغَها بدا له أنْ
يذهب إلى بلدةٍ بينه وبينها يومان وهلمَّ جرَّاً، "ح"(٢). قال في "البحر"(٣): ((وعلى هذا قالوا: أميرٌ
خَرَجَ مع جيشه في طلبِ العدوِّ، ولم يَعلَمْ أين يُدرِكُهم فإنَّه يُتِمُّ وإنْ طالت المدَّةُ أو المكث، أمَّا
في الرجوع فإنْ كانت مدَّةً سفرٍ قصَرَ)) اهـ.
[٦٥٤٧] (قولُهُ: مسيرةَ ثلاثةِ أَيَّامٍ ولياليها) الأَولى حذفُ الليالي كما فَعَلَ في "الكنز "(٤)
و"الجامع الصغير"(٥)؛ إذ لا يُشترَطُ السيرُ فيها مع الأَيَّام، ولذا قال في "الينابيع": ((المرادُ بالأَيَّام
الْنّهُر(٦)؛ لأنَّ الليل للاستراحة، فلا يُعتَبَر)) اهـ.
نعم لو قال: أولياليها بالعطف بأو لكان أَولى للإشارة إلى أنَّه يصحُّ قصدُ السفر فيها، وأنَّ
الأَيَّامِ غيرُ قيدٍ، فتأمَّل.
(قولُهُ: فيه أنَّه يشملُ الصبيَّ أيضاً إلخ) فيه أنَّ المراد بالقصد هنا النَّة، والصبيُّ ليس من أهلِها
بخلاف الكافر، فإنَّه من أهل نيَّة السَّفر، وعلى هذا تفرَّعَ ما يأتي من الفرق بينهما.
(قولُهُ: الأَولى حذفُ الليالي) وقال "السنديُّ": ((الأَيَّامُ للمشي، والليالي للاستراحة كما في
"شرح الطحاويّ"، وفي "الدُّرر": ولكونِ الليالي من أوقاتِ الاستراحة تُرِكَتْ في بعض الكتب وذُكِرَتْ
(١) المقولة [٦٦٧٥] قوله: ((بخلاف كافر أسلم)).
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ١٠٦/ب.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٣٩/٢ بتصرف.
(٤) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٦٧/١.
(٥) في مطبوعة "الجامع الصغير" التي بين أيدينا: كتاب الصلاة - باب في صلاة المسافر صـ١٠٩ -: ((ولياليها)) فليتنبه.
(٦) في "م": ((النهار)).

الجزء الرابع
٦١٩
باب صلاة المسافر
من أقصرِ أَيَّامِ السنة، ولا يُشترَطُ سفرُ كلِّ يومٍ إلى الليل،
[٦٥٤٨)] (قولُهُ: من أقصرٍ أَيَّامِ السَّنَةِ) كذا في "البحر"(١) و"النهر"(٢)، وعزاه في "المعراج"
إلى "العَتَّابِيِّ" و"قاضي خان"(٣) و "صاحب المحيط"، وبَحَثَ فيه في "الحلبة"(٤): ((بأنَّ الظاهر
إبقاؤها على إطلاقها بحسب ما يُصادِفُه من الوقوع فيها طولاً وقِصَراً واعتدالاً إنْ لم تُقدَّرْ
بالمعتدلة التي هي الوسطُ)) اهـ.
قلت: والمعتدلةُ هي زمانُ كون الشمس في الحَمَلِ أو الميزانِ، وعليهما مشى "القُهُستانيُ) (٥)
ثُمَّ قال: ((وفي "شرح الطحاويّ": أنَّ بعض مشايخنا قدَّرُوه بأقصرٍ أَيَّامِ السَّنة)).
[٦٥٤٩] (قولُهُ: ولا يُشترَطُ إلخ) إذ لا بدَّ للمسافر من النزول للأكل والشرب والصلاة،
ولأكثرِ النهار حكمُ كلِّه، فإنَّ المسافر إذا بِكَّرَ في اليوم الأوَّلِ، وسار إلى وقت الزوال حتَّى بَلَغَ
المرحلةَ، فنزَلَ بها للاستراحة وباتَ بها، ثمَّ بكِّرَ في اليوم الثاني، وسار إلى ما بعدَ الزوال ونزَلَ،
في بعضها)) اهـ. وفي "النهر": ((ولم يقل: ولياليها كما في "الجامع الصغير" لأنَّ ذكر الأيَّام يستتبعُ ما
بإزائها من الليالي، وقوله في "الينابيع": المراد بالأَيَّام النُّهُر؛ لأنَّ الليل للاستراحة فلا يُعتبرُ لا يريدُ به أنَّه
لا يُعتبرُ قصدُهُ كما قد يُتوهَّمُ، بل لا يُعتَبَرُ السَّيْر فيه، وقد أفصَحَ عن ذلك ما في "المحيط" وغيره من أنَّ
المسافر لا بدَّ له من النزول لاستراحةِ نفسه ودابّته، فالتّحَقَتْ مدَُّ الاستراحة بمدَّة السَّفر إلخ))،
وفي "القهستانيّ": ((المسيرةُ هي المسافة، والمسافةُ البعد، وتُطلَقُ على المكان البعيد من السَّوف بالفتح،
وهو الشَّمُّ؛ لأنَّ الدَّليل في الغلاة يشُمُّ الترابَ ليعلم أنَّ على الطريق أوْ لا)).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٣٩/٢.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ٨٢/أ.
(٣) "شرح الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافرين ١/ق٣٥/ب.
(٤) "الحلبة": التكملة - الفصل الرابع في صلاة المسافر ٢/ق ٢٧٠/أ.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صلاة المسافر ١٥٤/١.

قسم العبادات
٦٢٠
حاشية ابن عابدين
ثُمَّ بِكَّرَ في اليوم الثالث، ومشى إلى الزوال فبلَغَ المقصدَ قال شمسُ الأئمّة "السرخسيُّ": ((الصحيحُ
أَنَّه يصيرُ مسافراً عند النَّةِ)) كما في "الجوهرة"(١) و"البرهان"، "إمداد"(٢). ومثلُهُ في "البحر"(٣)
و "الفتح"(٤) و"شرح المنية"(٥).
أقولُ: وفي قولهِ: ((حَتَّى بلَغَ المرحلةَ)) إشارةٌ إلى أنَّه لا بدَّ أن يَقطَعَ في ذلك اليوم الذي
ترَكَ في أوَّلِهِ الاستراحاتِ المرحلةَ المعتادة التي يَقطعُها في يومٍ كاملٍ مع الاستراحات، وبهذا
يظهرُ لك أنَّ المراد من التقدير بأقصرٍ أَيَّامِ السَّنة إنما هو في البلاد المعتدلة التي يمكنُ قطعُ المرحلة
المذكورة في معظمِ اليوم من أقصرِ أَيَّامها، فلا يَرِدُ أنَّ أقصر أيَّام السنة في بلاد البلغار(٦) قد
يكونُ ساعةً أو أقصرَ أو أقلَّ، فيلزمُ أنْ يكون مسافةُ السفر فيها ثلاثَ ساعاتٍ أو أقلَّ؛
لأنَّ القصرَ الفاحش غيرُ مُعتبَرٍ كالطول الفاحش، والعباراتُ حيث أُطلِقَتْ تُحمَلُ على الشائع
الغالب دون الخفيِّ النادر، ويدلُّ على ما قلنا ما في "الهداية"(٧): ((وعن "أبي حنيفة" التقديرُ
بالمراحل، وهو قريبٌ من الأوَّلِ)) اهـ
(قولُهُ: أقول: وفي قوله: حتّى بلَغَ المرحلةَ إلخ) فيما قالَهُ تأمُّلٌ، فإنَّ المدار على ثلاثةِ أَيَّامٍ للزَّوال
اعتباراً لأكثرٍ اليوم، ولا يُشترَطُ أنْ يَقْطَعَ في ذلك اليومِ المرحلةَ المعتادةَ لعدم انضباطها، فإنّها تزيدُ
وتنقص في المسافة فلا تنضبطُ.
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٠٢/١.
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق٢٢٩/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٣٩/٢-١٤٠.
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٤/٢.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة المسافر صـ ٥٣٦ ..
(٦) بلاد بلغار: مدينة الصقالبة، ضاربة في الشمال، شديدةُ البرد. ("معجم البلدان" ٥٧٦/١).
(٧) "الهداية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٨٠/١.

الجزء الرابع
٦٢١
باب صلاة المسافر
بل إلى الزَّوال، ولا اعتبارَ بالفراسخ.
قال في "النهاية": ((أي: التقديرُ بثلاث مراحلَ قريبٌ من التقديرِ بثلاثة أَيَّامٍ؛ لأنَّ المعتاد
من السير في كلِّ يومٍ مرحلةٌ واحدةٌ خصوصاً في أقصرٍ أَيَّام السَّنة، كذا في "المبسوط"(١)) اهـ.
وكذا ما في "الفتح"(٢): ((من أنَّه قيل: يُقدَّرُ بأحدٍ وعشرين فرسخاً، وقيل: بثمانيةً
عشرَ، وقيل: بخمسةَ عشر، وكلُّ مَن قدَّرَ منها اعتقَدَ أنَّه مسيرةُ ثلاثةِ أَيَّامٍ)) اهـ. أي: بناءً
على اختلاف البلدان، فكلُّ قائلٍ قدَّرَ ما في بلده من أقصرِ الأَيَّام، أو بناءً على اعتبارِ أقصرٍ
الأيام أو أطولِها أو المعتدلِ منها، وعلى كلِّ فهو صريحٌ بأنَّ المراد بالأَّيَّام ما تُقطَعُ فيها
المراحلُ المعتادة، فافهم.
[٦٥٥٠] (قولُهُ: بل إلى الزوالِ) فإنَّ الزوالَ أكثرُ النهار الشرعيِّ الذي هو من الفجر
٥٢٦/١ إلى الغروب، وهو نصفُ النهار الفلكيِّ الذي هو من الطلوع إلى الغروب، ثمَّ إنَّ من الفجر إلى
الزوال في أقصرٍ أَيَّام السنة في مصرَ وما ساواها في العَرْضِ سبعَ ساعاتٍ إلاّ ربعاً، فمجموعُ الثلاثة
أيّامٍ عشرون ساعةً وربعٌ، ويختلفُ بحسب اختلاف البلدان في العَرْضِ، "ح" (٣).
قلت: ومجموعُ الثلاثة أيّامٍ في دمشق عشرون ساعةً إلاَّ ثلثَ ساعةٍ تقريباً؛ لأنَّ مِن الفجرِ
إلى الزوال في أقصرِ الأَيَّام عندنا ستَّ ساعاتٍ وثلثي ساعةٍ إلَّ درجةً ونصفاً، وإن اعتَبَرْتَ ذلك
بالأَيَّامِ المعتدلة كان مجموعُ الثلاثة أيّامٍ اثنين وعشرين ساعةً ونصفَ ساعةٍ تقريباً؛ لأنَّ من الفجر
إلى الزوال سبعَ ساعاتٍ ونصفاً تقريباً.
[٦٥٥١] (قولُهُ: ولا اعتبارَ بالفراسخ) الفرسخُ ثلاثة أميالٍ، والميلُ: أربعةُ آلافِ ذراعٍ على ما
تقدَّمَ (٤) في باب التيمُّم.
(١) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٢٣٥/١-٢٣٦.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٤/٢.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ١٠٦ /ب.
(٤) ٧٨/٢ -٧٩ "در".

قسم العبادات
٦٢٢
حاشية ابن عابدين
على المذهب (بالسيرِ الوسطِ مع الاستراحاتِ المعتادة) حتى لو أسرَعَ فوصَلَ في يومين
قَصَرَ، ولو لموضعٍ طريقان أحدُهما مدَّةُ السفر والآخرُ أقلُّ قصَرَ في الأوَّلِ لا الثاني ....
[٦٥٥٢] (قولُهُ: على المذهبِ) لأنَّ المذكور في ظاهرِ الرواية اعتبارُ ثلاثة أَيَّامٍ كما في
"الحلبة"(١)، وقال في "الهداية"(٢): ((هو الصحيحُ)) احترازاً عن قول عامَّةِ المشايخ من تقديرها
بالفراسخ، ثمَّ اختلفوا، فقيل: أحدٌ وعشرون، وقيل: ثمانيةَ عشرَ، وقيل: خمسةَ عشرَ، والفتوى
على الثاني؛ لأَنَّه الأوسطُ، وفي "المجتبى": ((فتوى أئمَّةِ خوارزم على الثالثٍ))، وجهُ الصحيح أنَّ
الفراسخ تَخْتِلِفُ باختلاف الطريق في السهلِ والجبلِ والبَرِّ والبحرِ بخلاف المراحل، "معراج".
[٦٥٥٣] (قولُهُ: بالسِّيرِ الوسطِ) أي: سيرِ الإِبل ومشىِ الأقدام، ويُعتبرُ في الجبل بما يناسبُهُ من
السير؛ لأَنّه يكون صعوداً وهبوطاً ومَضِيْقاً ووَعْراً، فيكونُ مشيُ الإبلِ والأقدامِ فيه دون سيرهما
في السهل، وفي البحر يُعتبرُ اعتدالُ الرِّيح على المفتى به، "إمداد"(٣). فُيُعتبَرُ في كلِّ ذلك السيرُ
المعتاد فيه، وذلك معلومٌ عند الناس، فُيُرجَعُ إليهم عند الاشتباه، "بدائع"(٤). وخرَجَ سيرُ البقر بِجَرِّ
العجلة ونحوه؛ لأنّه أبطأ السَّير كما أنَّ أسرعه سيرُ الفرس والبريد، "بحر "(٥).
[٦٥٥٤) (قولُهُ: فوصَلَ) أي: إلى مكانٍ مساقتُهُ ثلاثَةُ أَيَّامٍ بالسَّير المعتاد، "بحر"(٦). وظاهرُهُ أَنَّه
كذلك لو وصَلَ إليه في زمنٍ يسيرٍ بكرامةٍ، لكن استبعَدَهُ في "الفتح"(٧) بانتفاءِ مَظِنَّةِ المشقّة، وهي
العلَّةُ في القصر.
[٦٥٥٥] (قولُهُ: قَصَرَ في الأوَّلِ) أي: ولو كان اختارَ السلوكَ فيه بلا غرضٍ صحيحٍ خلافاً
(١) "الحلبة": التكملة - الفصل الرابع في صلاة المسافر ٢/ ق ٢٧٠/أ.
(٢) "الهداية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٨٠/١.
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق٢٢٩/أ.
(٤) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان ما يصير به المقيم مسافراً ٩٤/١.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٠/٢.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٠/٢.
(٧) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٥/٢.

الجزء الرابع
٦٢٣
باب صلاة المسافر
(صلَّى الفرضَ الرباعيَّ ركعتين) وجوباً؛ لقول "ابن عبّاسٍ": ((إِنَّ الله فرَضَ على
لسان نبيِّكم صلاةَ المقيم أربعاً والمسافرِ ركعتين))، ولذا عدَلَ "المصنف" عن قولهم:
قصر؛.
لـ "الشافعيِّ" كما في "البدائع"(١).
[٦٥٥٦) (قولُهُ: صلَّى الفرضَ الرباعيَّ) خبرُ مَن في قوله: ((مَن خرَجَ))، واحترَزَ بالفرض عن
السنن والوتر، وبالرباعيِّ عن الفجر والمغرب.
[٦٥٥٧] (قولُهُ: وجوباً) فيكرهُ الإتمام عندنا، حتَّى رُوِيَ عن "أبي حنيفة" أَنَّه قال: مَن أَتَمَّ
الصلاة فقد أساءَ وخالَفَ السنّةَ، "شرح المنية"(٢). وفيه تفصيلٌ سيأتي(٣)، فافهم.
[٦٥٥٨] (قولُهُ: لقولِ "ابن عبّاسٍ": إنَّ اللَّهَ فرَضَ إلخ) لفظُ الحديث على ما في "الفتح"(٤) عن
"صحيح مسلمٍ"(٥): ((فرَضَ اللَّهُ الصلاة على لسانِ نبيِّكم ﴿ في الحَضَرِ أربعَ ركعاتٍ، وفي السفر
ركعتين، وفي الخوف ركعةً)) اهـ. وفيه: ((وفي حديث "عائشة" في "الصحيحين"(٦) قالت:
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان ما يصير به المقيم مسافراً ٩٤/١.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة المسافر صـ ٥٣٨ ..
(٣) المقولة [٦٥٥٩] قوله: ((لأن الركعتين إلخ)).
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٧/٢.
(٥) أخرجه مسلم (٦٨٧)(٥) كتاب صلاة المسافرين - باب صلاة المسافر وقصرها، وأخرجه أحمد ٢٥٤/١، وأبو داود
(١٢٤٧) كتاب الصلاة - باب مَنْ قال: يصلي بكل طائفة ركعتين، والنسائيّ ٢٢٦/١ كتاب الصلاة - باب كيف
فرضت الصلاة؟ و١١٩/٣ كتاب تقصير الصلاة - باب تقصير الصلاة في السفر، و١٦٩/٣ كتاب صلاة الخوف،
وابن ماجه (١٠٦٨) كتاب إقامة الصلاة - باب تقصير الصلاة في السفر، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٣٥/٣
كتاب الصلاة - باب رخصة القصر في كل سفر. كلُّهم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٦) أخرجه البخاريّ (٣٥٠) كتاب الصلاة - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء؟ و(١٠٩٠) كتاب تقصير الصلاة -
باب تقصير الصلاة إذا خرج من موضعه، ومسلم (٦٨٥) كتاب صلاة المسافرين - باب صلاة المسافر وقصرها.
وأخرجه مالك في "الموطأ" ١٤٦/١ كتاب قصر الصلاة في السفر - باب قصر الصلاة في السفر، وأحمد
٢٧٢،٢٣٤/٢، وأبو داود (١١٩٨) كتاب تفريع أبواب صلاة السفر - باب صلاة المسافر، والنسائيّ ٢٢٥/١ =

قسم العبادات
٦٢٤
حاشية ابن عابدين
لأنَّ الركعتين ليستا قصراً حقيقةً عندنا، بل هما تمامُ فرضِهِ، والإِكمالُ ليس رخصةً في
حقّه بل إساءةٌ.
قلتُ: وفي شروحِ "البخاريِّ": ((أَنَّ الصلواتِ فُرِضَتْ ليلةَ الإِسراءِ ركعتين سفراً
وحضراً إلاَّ المغربَ، فلمَّا هاجَرَ عليه الصلاة والسلام واطمأنَّ بالمدينة زِيْدَت إلاَّ الفجرَ
لطولِ القراءة فيها، والمغربَ.
((فُرِضَت الصلاةُ ركعتين ركعتين، فأُقِرَّتْ صلاةُ السفر، وزِيْدَ في صلاة الحضر)، وفي لفظٍ
لـ "البخاريِّ"(١) قالت: ((فُرِضَتْ الصلاةُ ركعتين ركعتين، ثمَّ هاجَرَ النبيِ ﴿ فَفُرِضَتْ أربعاً،
وتُرِكَتْ صلاةُ السَّفْرِ على الأوَّلِ)))).
[٦٥٥٩] (قولُهُ: لأنَّ الرَّكعتين إلخ) بدلٌ من قوله: ((ولذا عدَلَ المصنْفُ))، قال في "البحر"(٢):
((ومِن مشايخنا مَن لقَّبَ المسألةَ بأنَّ القصر عندنا عزيمةٌ والإكمالَ رخصةٌ، قال في "البدائع"(٣):
وهذا التلقيبُ على أصلنا خطأً؛ لأنَّ الركعتين في حقِّهِ ليستا قصراً حقيقةً عندنا، بل هما تمامُ فرضٍ
المسافر، والإكمالُ ليس رخصةً في حقّهِ بل إساءةً ومخالفةً للسنَّة، ولأنَّ الرُّخصة اسمٌ لِما تغيَّرَ عن
الحكم الأصليِّ بعارِضٍ إلى تخفيفٍ ويُسٍْ، ولم يوجد معنى التغييرِ في حقِّ المسافر رأساً؛ إذ الصلاةُ
في الأصل فُرِضَتْ ركعتين ثمَّ زِيْدَتْ في حقِّ المقيم كما رَوَتْهُ "عائشة" رضي الله تعالى عنها،
وفي حقِّ المقيم وُجِدَ التغييرُ، لكنْ إلى الغِلَظِ والشِّدَّة لا إلى السهولة واليُسْرِ، فلم يكن ذلك رخصةً
في حقّهِ أيضاً، ولو سُمِّيَ فهو مجازٌ لوجودِ بعض معاني الحقيقة وهو التغييرُ، انتهى)).
= كتاب الصلاة - باب كيف فرضت الصلاة؟ والدّارميّ ٣٥٥/١ كتاب الصلاة - باب قصر الصلاة في السفر، والبيهقيّ
في "السنن الكبرى" ٣٦٣/١ كتاب الصلاة - باب عدد ركعات الصلوات الخمس، و١٤٣/٣ كتاب الصلاة - باب
من ترك القصر في السفر، وابن حبان (٢٧٣٦) و(٢٧٣٧) كتاب الصلاة - فصل في صلاة السفر.
(١) أخرجه البخاريّ (٣٩٣٥) كتاب مناقب الأنصار - باب التاريخ - من أين أرخوا التاريخ؟ والبيهقيّ في "السنن
الكبرى" ٣٦٣/١ كتاب الصلاة - باب عدد ركعات الصلوات الخمس.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٠/٢ - ١٤١.
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في الكلام في صلاة المسافر ٩١/١ باختصار.

الجزء الرابع
٦٢٥
باب صلاة المسافر
لأنّها وترُ النهار، فلمَّا استقرَّ فرضُ الرباعيَّةِ خُفْفَ فيها في السفر عند نزول قوله
تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَّاُ أَنْ نَقْصُرُ واْ مِنَ الصَّلَوْةِ﴾ [النساء- ١٠١]، وكان قصرُها في
السنة الرابعة من الهجرة، وبهذا تجتمعُ الأدلّةُ)). اهـ كلامُهم، فليحفظ (ولو) كان
(عاصياً بسفرِهِ) لأنَّ القبح المجاورَ لا يُعدِمُ المشروعيَّةَ.
[٦٥٦٠] (قولُهُ: لأَنّها وترُ الَّهار) إنما سُمَّيَتْ بذلك لقُربها من النهار بوقوعها عَقِبَهُ، وإلاّ فهي
ليليَّةٌ لا نهاريَّةٌ، تأمَّل.
[٦٥٦١) (قولُهُ: وبهذا تجتمعُ الأدلّةُ) أي: فإنَّ بعضها يدلُّ على أنَّ صلاة ركعتين في السفر
أصلٌ، وبعضَها على أنَّ ذلك عارضٌ، فإذا حُمِلت الأدلَّةُ على اختلاف الأزمان زالَ التعارُضُ، لكنْ
لا يخفى أنَّ ما نقَلَهُ عن شُرَّحِ "البخاريِّ" من الجمع بما ذُكِرَ مبنيٌّ على مذهب "الشافعيِّ" من أنَّها
قصرٌ لا إتمامٌ؛ لأنَّ العمل على ما استقرَّ عليه الأمرُ، وهو على هذا الجمعِ فرضيَّتُها أربعاً سفراً
وحضراً، ثمَّ قصرُها في السَّفْر، وهذا خلافُ مذهبنا، وينافي هذا الجمعَ ما قدَّمناه(١) من حديثٍ
"عائشة" المَنَّفَقِ عليه، فإنَّه يدلُّ على أنَّ صلاة السفر لم يُزَدْ فيها أصلاً، وأمَّ الآيَةُ فالمرادُ بالقصر فيها
قصرُ هيئةِ الصلاة وفعلِها وقت الخوف كما أوضَحَهُ في "شرح المنية"(٢) وغيرِهِ، فافهم.
[٦٥٦٢) (قولُهُ: ولو كان عاصياً بسفرِهِ) أي: بسببِ سفره، بأنْ كان مَبنى سفره على المعصية
كما لو سافَرَ لقطعٍ طريقٍ مثلاً، وهذا فيه خلافُ "الشافعيِّ" رحمه الله، وهذا بخلافِ العاصي
في السفر بأنْ عَرَضَت المعصيةُ في أثنائه، فإِنَّه محلٌّ وِفاقٍ.
[٦٥٦٣] (قولُهُ: لأنَّ القبحَ المجاوِرَ إلخ) هو ما يَقبَلُ الانفكاكَ كالبيع وقتَ النداء، فإنَّه قَبُحَ
لتركِ السعي، وهو قابلٌ للانفكاك؛ إذ قد يوجد تركُ السعي بدون البيع وبالعكس، فكذا
٥٢٧/١ هنا لإمكانِ قطع الطريق والسرقةِ مثلاً بلا سفرٍ و(٣) بالعكس، بخلاف القبيح لعينه وضعاً كالكفر
(١) المقولة [٦٥٥٨] قوله: ((لقول ابن عباس: إن الله فرض إلخ)).
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة المسافر صـ٥٣٨ ..
(٣) الواو ليست في "ب".

قسم العبادات
٦٢٦
حاشية ابن عابدين
(حتى يدخلَ موضعَ مَقامِهِ) إنْ سارَ مدَّةَ السفر، وإلاّ فُتِمُّ بمجرَّدٍ نَّة العَوْدِ لعدم
استحكامِ السفر (أو ينويَ).
أو شرعاً كبيع الحرِّ، فإنَّه يُعدِمُ المشروعيَّةَ، وتمامُ بيانه في كتب الأصول.
[٦٥٦٤] (قولُهُ: حَتَّى يَدخُلَ موضعَ مَقامِهِ) أي: الذي فارَقَ بيوتَهُ سواءٌ دخَلَهُ بنَّةِ الاجتياز،
أو دخَلَهُ لقضاء حاجةٍ؛ لأنَّ مِصره متعيِّنٌ للإقامة، فلا يَحتاجُ إلى نَّةٍ، "جوهرة"(١). ودخَلَ
في موضع المقام ما أُلحِقَ به كالرََّضِ كما أفادَهُ "القُهُسَانِيُّ) (٢).
[٦٥٦٥] (قولُهُ: إِنْ سار إلخ) قيدٌ لقوله: ((حَتَّى يدخلَ))، أي: إنما يدومُ على القصر
إلى الدخول إِنْ سار ثلاثةَ آَيَّامٍ.
[٦٥٦٦] (قولُهُ: وإلاَّ فيْتُمُّ إلخ) أي: ولو في المفازة، وقياسُهُ أنْ لا يحلَّ فِطْرُهُ في رمضان
ولو بينه وبين بلده يومان؛ لأنَّه يَقبَلُ النقضَ قبل استحكامه؛ إذ لم يَتِمَّ علَّةً، فكانت الإقامةُ
نقضاً للسفر العارض لا ابتداءً علَّةٍ للإتمام، أفادَهُ في "الفتح"(٣)، ثمَّ بَحَثَ فقال: ((ولو قيل:
العلّةُ مُفارَقَةُ البيوت قاصداً مسيرةَ ثلاثةِ أَيَّامٍ لا استكمالُ سفرِهِ ثلاثةَ أَیَّامٍ، بدليل ثبوتٍ حکم
السفر بمجرَّدٍ ذلك، وقد تَمَّت العلّةُ لحكمِ السفر، فيثبُتُ حكمُهُ ما لم تثبت علّةُ حكمِ الإقامة
احتاجَ إلى الجواب)) اهـ.
ولَمَّا قَوِيَ البحثُ عند "صاحب البحر"(٤) وحَفِيَ عليه الجوابُ قال: ((الذي يظهرُ أنّه
لا بدَّ من دخوله المصرَ مطلقاً))، واعترضَهُ في "النهر"(٥): ((بأنَّ إبطال الدليلِ المعَيَّنِ لا يستلزمُ
إبطالَ المدلول)) اهـ.
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٠٤/١.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صلاة المسافر ١٥٥/١.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٩/٢.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٢/٢.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ٨٢/أ.

الجزء الرابع
٦٢٧
باب صلاة المسافر
ولو في الصلاة إذا لم يَخرُجْ وقتها، ولم يكُ لاحقاً (إقامةَ نصفِ شهرٍ).
....
أقولُ: ويظهرُ لي في الجواب أنَّ العلّة في الحقيقة هي المشقّةُ، وأُقِيمَ السفرُ مُقَامَها، ولكنْ
لا تَتْبُتُ علَيْتُها إلاَّ بشرطِ ابتداءِ وشرطِ بقاءٍ، فالأوَّلُ مُمارَقَةُ البيوت قاصداً مسيرةَ ثلاثة أَيَّامِ،
والثاني استكمالُ السفر ثلاثةَ أَيَّامٍ، فإذا وُجِدَ الشرطُ الأوَّلُ ثبَتَ حكمُها ابتداءً، فلذا يقصُرُ
بمجرَّدٍ مفارقته(١) العُمرانَ ناوياً، ولا يدومُ إلاَّ بالشرط الثاني، فهو شرطٌ لاستحكامِها علَّةً، فإذا
عزَمَ على تركِ السفر قبل تمامه بطَلَ بقاؤها علَّةً لقبولِها النقضَ قبل الاستحكام، ومضى فعلُهُ
في الابتداء على الصحَّةِ لوجود شرطِهِ، ولذا لو لم يُصَلِّ لعذرٍ ثمَّ رجَعَ يقضيها مقصورةً كما
قدَّمناه(٢)، فتدبّره.
[٦٥٦٧] (قولُهُ: ولو في الصلاةِ) شَمِلَ ما إذا كان في أوَّلِها أو وسطِها أو آخرِها، أو كان
منفرداً أو مقتدياً، مُدرِكاً أو مسبوقاً، "بحر"(٣). وشَمِلَ ما إذا كان عليه سجودُ سهوٍ ونوى الإقامةَ
قبلَ السلامِ والسجودِ أو بعدَهما، أمَّا لو نواها بينهما فلا تصحُّ نَّتُهُ بالنسبة لهذه الصلاة، فلا يتغيَّرُ
فرضُها إلى الأربع كما أوضحناه(٤) في بابه، فافهم.
[٦٥٦٨) (قولُهُ: إذا لم يَخرُجْ وقُتُها) أي: قبل أنْ ينويَ الإقامة؛ لأَنَّه إذا نواها بعد صلاةٍ
ركعةٍ، ثمَّ خرَجَ الوقت تحوَّلَ فرضُهُ إلى الأربع، أمَّا لو خرَجَ الوقتُ وهو فيها، ثمَّ نوى الإقامةَ
فلا يتحوَّلُ في حقِّ تلك الصلاة كما في "البحر"(٥) عن "الخلاصة" (٦).
[٢٦٥٦٩ (قولُهُ: ولم يكُ لاحقاً) أمَّا اللاحقُ إذا أدرَكَ أوَّلَ الصلاة والإِمامُ مسافرٌ، فأحدَثَ
أو نامَ فانتبَهَ بعد فراغ الإِمام ونوى الإقامة لم يُتِمَّ؛ لأنَّ اللاحق في الحكم كأنَّه خلفَ الإِمام، فإذا فرَغَ
(١) في "ب" و"م": ((مفارقة)).
(٢) المقولة [٦٥٤٤] قوله: ((قاصداً)).
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٢/٢.
(٤) المقولة [٦٢٤٠] قوله: ((بخلاف المسافر إلخ)) وما بعدها.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٢/٢.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني والعشرون في صلاة المسافر ق ٥٠/ب.

قسم العبادات
٦٢٨
حاشية ابن عابدين
حقيقةً أو حكماً؛ لِما في "البزَّازيَّة"(١) وغيرها: ((لو دخَلَ الحاجُّ الشامَ، وعَلِمَ أنَّه
لا يَخْرُجُ إلَّ مع القافلة في نصفِ شوَّالِ أَتَّمَّ؛ لأنَّه كناوي الإقامةِ)) (بموضعٍ) واحدٍ
(صالحٍ لها) من مصرٍ، أو قريةٍ،.
الإِمامُ فقد استحكَمَ الفرضُ، فلا يتغيَّرُ في حقِّ الإِمام، فكذا في حقِّ اللاحق، "بحر"(٢) عن
"الخلاصة"(٣). فقَّدَ حكمَ اللاحق بكونه بعد فراغ الإمام، وقد ترَكَهُ "الشارح".
[٦٥٧٠) (قولُهُ: حقيقةً أو حكماً) تعميمٌ لقوله: ((ينويَ)).
(٦٥٧١] (قولُهُ: لو دخَلَ الحاجُّ) أي: في أوَّلِ شوَّالٍ أو قبَلَهُ، "ح"(٤). والمرادُ بالحاجِّ الرجلُ
القاصدُ الحجِّ.
[٦٥٧٢) (قولُهُ: وعَلِمَ إلخ) أي: عَلِمَ أنَّ القافلة إنما تخرُجُ بعد خمسةَ عشرَ يوماً، وعزَمَ أن
لا يخرُجَ إلَّ معهم، "بحر"(٥) عن "المحيط". وإنما كان ذلك نَّةً للإقامة حكماً لا حقيقةً لأَنَّه نَوَى
الخروجَ بعد خمسةَ عشرَ يوماً، وهي متضمنةٌ نَّةَ الإِقامة تلك المدَّةَ، تأمَّل.
(٦٥٧٣] (قولُهُ: بموضعٍ) متعلّقٌ بـ ((إقامةَ)) في كلامِ "المصنّف" لا كلامِ "الشارح" لئلاً يخرُجَ
عن كونه شرطاً لصحَّةِ النَّة.
[٦٥٧٤] (قولُهُ: صالِحٍ لها) هذا إنْ سار ثلاثةَ أيَّامٍ، وإلاَّ فتصحُّ ولو في المفازة، وفيه من
البحث ما قدَّمناه، "بحر"(٦). وقدَّمنا(٧) جوابَهُ.
(١) "البزازية": كتاب الصلاة - باب السفر ٧٢/٤ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٢/٢.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني والعشرون في صلاة المسافر ق ٥٠/ب معزياً إلى "الإيضاح".
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ١٠٧/أ.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٢/٢.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٢/٢ باختصار.
(٧) المقولة [٦٥٦٦] قوله: ((وإلا فيتم الخ)).

الجزء الرابع
٦٢٩
باب صلاة المسافر
أو صحراءِ دارِنا وهو من أهل الأخبية (فيصلِّي ركعتين(١) إِنْ نَوَى) الإقامةَ في (أقلَّ
منه) أي: مِن نصفِ شهرٍ (أو) نَوَى (فيه لكنْ في) غيرِ صالحٍ كـ (بحرٍ أو جزيرةٍ) أو
نَوَى فيه لكنْ (بموضعين مستقلّين) كمكّةً ومِنى،.
والحاصلُ: أنَّ نَيَّةَ الإِقامة قبل تمام المدَّةِ تكونُ نقضاً للسفر كنَّةِ العَوْدِ إلى بلده، والسفرُ قبل
استحكامه يَقبَلُ النقضَ.
[٦٥٧٥] (قولُهُ: أو صحراءِ دارِنا) احترازٌ عن صحراءِ دار أهل الحرب، فحكمُهُ حينئذٍ
كحكم العسكرِ الداخلِ في أرضهم، "ط" (٢).
[٦٥٧٦) (قولُهُ: وهو من أهلِ الأخببةِ) قيدٌ في قوله: ((أو صحراءِ دارِنا))، وهذا هو الأصحُّ
كما سيأتي(٣) متناً مع بيان محترزه.
[٦٥٧٧] (قولُهُ: في أقلَّ منه) ظاهرُهُ: ولو بساعةٍ واحدةٍ، وهذا شروعٌ في محترزِ ما تقدَّمَ،
"ط " (٤).
[٦٥٧٨] (قولُهُ: أو نوى فيه) أي: في نصفِ شهرٍ.
[٦٥٧٩] (قولُهُ: كبحرٍ) قال في "المجتبى": ((والملاَّحُ مسافرٌ إلاَّ عند "الحسن"، وسفينتُهُ أيضاً
ليست بوطنٍ)) اهـ "بحر "(٥).
وظاهرُهُ: ولو كان مالُهُ وأهلُهُ معه فيها، ثمَّ رأيتُهُ صريحاً في "المعراج".
[٦٥٨٠] (قولُهُ: أو جزيرةٍ) أي: ليس لها أهلٌ يسكنونها.
[٦٥٨١] (قولُهُ: أو نَوَى فيه) أي: في صالِحٍ لها.
[٦٥٨٢] (قولُهُ: بموضعين مستقلَّين) لا فرقَ بين المصرين والقريتين والمصرِ والقريةِ، "بحر"(٦).
(١) في "ب": ((فيقصر)) بدل ((فيصلي ركعتين)).
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٣٣٢/١.
(٣) صـ٦٣٣ -٦٣٤ - "در".
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٣٣٢/١.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٥/٢.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٣/٢.

قسم العبادات
٦٣٠
حاشية ابن عابدين
فلو دخَلَ الحاجُّ مكَّةَ أَيَّام العشر لم تصحَّ نَيَّتُهُ؛ لأَنَّه يخرُجُ إلى مِنى وعرفةَ، فصارَ
كنَّةِ الإقامة في غير موضعها، وبعدَ عَوْدِهِ من مِنی تصحُّ،.
[٦٥٨٣) (قولُهُ: فلو دخَلَ إلخ) هو ضدُّ مسألةِ دخول الحاجِّ الشامَ، فإنَّه يصيرُ مقيماً حكماً
وإنْ لم يَنْوِ الإقامةَ، وهذا مسافرٌ حكماً وإنْ نوى الإقامةَ لعدم انقضاءِ سفره ما دام عازماً على
الخروج قبل خمسةَ عشرَ يوماً، أفادَهُ "الرحمنيُّ"، قيل: هذه المسألةُ كانت سبباً لتفقُّهِ "عيسى بن
أبان"، وذلك أنَّه كان مشغولاً بطلب الحديث، قال: فدخلتُ مكَّةَ في أوَّلِ العشر من ذي الحجَّةِ
٥٢٨/١ مع صاحبٍ لي، وعزمتُ على الإقامة شهراً، فجعلتُ أُتِمُّ الصلاةَ، فَلَقِيَني بعضُ أصحاب "أبي
حنيفة"، فقال لي: أخطأتَ، فإِنَّك تخرُجُ إلى منى وعرفاتٍ، فلمَّا رجعتُ من منى بدا لصاحبي أنْ
يخرجَ، وعزمتُ على أنْ أصاحبَهُ وجعلتُ أقصُرُ الصلاةَ، فقال لي صاحبُ "أبي حنيفة": أخطأتَ،
فإنَّك مقيمٌ بمكَّةَ، فما لم تخرج منها لا تصيرُ مسافراً، فقلت: أخطأتُ في مسألةٍ في موضعين،
فرحلتُ الى مجلس "محمَّدٍ" واشتغلتُ بالفقهِ، قال في "البدائع"(١): ((وإنما أوردنا هذه الحكايةَ لْيُعلَمَ
مبلغُ العلم، فيصيرَ مَبعَثَةً للطلبة على طلبه)) اهـ "بحر "(٢).
أقولُ: ويظهرُ من هذه الحكايةِ أنَّ نََّهُ الإقامةَ لم تَعمَلْ عملَها إلاَّ بعد رجوعه لوجود خمسةً
عشرَ يوماً بلا نيَّةِ خروجٍ(٣) في أثنائها، بخلاف ما قبل خروجه إلى عرفاتٍ؛ لأَنَّه لَمَّا كان عازماً
على الخروج قبل تمامٍ نصف شهرٍ لم يَصِرْ مقيماً، ويُحتمَلُ أنْ يكون جدَّدَ نَيَّةَ الإقامة بعد رجوعه،
وبهذا سقَطَ ما أورَدَهُ العلاَّمةُ "القارئ" في "شرح اللباب"(٤): ((من أنَّ في كلام صاحب "الإِمام"
تعارُضاً، حيث حكَمَ أوَّلاً بأَنَّه مسافرٌ، وثانياً بأنّه مقيمٌ مع أنَّ المسألة بحالِها، والمفهومُ من المتون أنّه
لو نوى في إحداهما نصفَ شهر صحَّ، فحينئذٍ لا يضرُّهُ خروجُهُ إلى عرفاتٍ؛ إذ لا يشترطُ كونُهُ
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان ما يصير به المسافر مقيماً ٩٨/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٣/٢.
(٣) ((خروج)) ساقطة من "آ".
(٤) انظر "إرشاد الساري": فصل في الجمع بين الصلاتين بعرفة صـ ١٣٢ -.

الجزء الرابع
٦٣١
باب صلاة المسافر
كما لو نَوَى مبيتَهُ بأحدِهما، أو كان أحدُهما تبعاً للآخرِ بحيث تجبُ الجمعة على
ساكنِهِ للأّحاد حكماً (أو لم يكن مستقلاً برأيهِ) كعبدٍ وامرأةٍ.
نصفَ شهرٍ متوالياً بحيث لا يخرجُ فيه)) اهـ ملخِّصاً.
ووجهُ السقوط أنَّ التواليَ لا يُشترَطُ إذا لم يكن مِن عزمه الخروجُ إلى موضعٍ آخرَ؛ لأنَّه
يكونُ ناوياً الإقامةَ في موضعين، نعم بعدَ رجوعه من منى صحَّتْ نَّهُ لعزمِهِ على الإقامة نصفَ
شهر في مكانٍ واحدٍ، والله أعلم.
[٦٥٨٤] (قولُهُ: كما لو نَوَى مبيتَهُ بأحدِهما) فإنْ دخَلَ أوَّلاً الموضعَ الذي نوى المقامَ فيه
نهاراً لا يصيرُ مقيماً، وإِنْ دخَلَ أوَّلا ما نوى المبيتَ فيه يصيرُ مقيماً، ثمَّ بالخروج إلى الموضع الآخرِ
لا يصيرُ مسافراً؛ لأنَّ موضعَ إقامة الرجل حيث يبيتُ به، "حلبة"(١).
[٦٥٨٥] (قولُهُ: أو كان أحدُهما تبعاً للآخرِ) كالقريةِ التي قَرُبَتْ من المصرِ بحيث يُسمَعُ النداءُ
على ما يأتي(٢) في الجمعة، وفي "البحر"(٣): ((لو كان الموضعان من مصرٍ واحدٍ أو قريةٍ واحدةٍ
فإنّها صحيحةٌ؛ لأنَّهما متَّحدان حكماً، ألا ترى أنَّه لو خرَجَ إليه مسافراً لم يقصُّر؟)) اهـ "ط "(٤).
[٦٥٨٦] (قولُهُ: بحيث تحبُ) حيثيَّةُ تفسيرٍ للتبعيّة، "ح "(٥).
[٦٥٨٧] (قولُهُ: أو لم يكن مستقلاً برأيهِ) عطفٌ على قوله: ((إِنْ نَوَى أقلَّ منه))، وصورتُهُ:
نوى التابعُ الإقامةَ ولم يَنْوِها المتبوعُ أو لم يَدْرِ حَلَهُ فإنّه لا يُتُمُّ. اهـ "ح"(١). والمسألةُ ستأتي(٧) مع
بيانِ شروطها والخلافِ فيها.
(١) "الحلبة": التكملة - الفصل الرابع في صلاة المسافر ٢/ق ٢٧٠/ب.
(٢) المقولة [٦٨١٣] قوله: ((ورجح في "البحر" إلخ)).
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٣/٢.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٣٣٣/١.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ١٠٦/أ.
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ١٠٦/أ.
(٧) صـ ٦٥٢ - "در" وما بعدها.

قسم العبادات
٦٣٢
حاشية ابن عابدين
(أو دخَلَ بلدةً ولم يَنْوِها) أي: مدَّةَ الإقامة (بل ترقَّبَ السفرَ) غداً أو بعدَهُ (ولو
بَقِيَ) على ذلك (سنين) إلاَّ أنْ يَعلَمَ تأخُّرَ القافلةِ نصفَ شهرٍ كما مرَّ.
(وكذا) يصلّي ركعتين (عسكرٌ دخَلَ أرضَ حربٍ أو حاصَرَ حِصْناً فيها) بخلاف
مَن دخَلَها بأمانٍ، فإِنَّه يُتِمُّ (أو) حاصَرَ (أهلَ البغي في دارنا.
[٦٥٨٨) (قولُهُ: أو دخَلَ بلدةً) أي: لقضاءِ حاجةٍ أو انتظارِ رفقةٍ.
[٦٥٨٩) (قولُهُ: ولم يَنْوِها) وكذا إذا نواها وهو مُترقّبٌ للسفر كما في "البحر"(١)؛ لأنَّ
حالتَهُ تنافي عزيمتَهُ.
[٦٥٩٠] (قولُهُ: كما مرَّ(٢) أي: في مسألةِ دخول الحاجِّ الشامَ.
[٦٥٩١] (قولُهُ: أو حاصَرَ حصناً فيها) أشارَ به إلى أَنَّه لا فرقَ في المحاصرة بين أنْ
تكون للمدينةِ أو الحصن بعدَما دخلوا المدينةَ كما في "البحر"(٣)، ومثلُ ذلك لو كانت
المحاصرةُ للمصرِ على سطح البحر فإنَّ لسطحِ البحر حكمَ دار الحرب، "حموي" عن "شرح
النظم الهامليّ"(٤) "ط" (٥).
[٦٥٩٢] (قولُهُ: فإنَّه يُتِمُّ) لأنَّ أهل الحرب لا يتعرَّضون له لأجلِ الأمان، "بحر "(٦) عن
"النهاية"، "ط"(٧).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٢/٢.
(٢) صـ ٦٢٨ - "در".
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٤/٢.
(٤) المسمى: "سراج الظلام وبدر التمام": لأبي بكر بن عليّ الحَدّاديّ (توفي في حدود ٨٠٠هـ) شرح منظومة
"در المهتدي وذخر المقتدي" الشهيرة بـ "المنظومة الهَامِلِيّة" لأبي بكر بن عليّ، سراج الدين الهَامِلِيّ الْيَمنيّ
(ت٧٦٩هـ). ("إيضاح المكنون" ٤٥٢/١، "هدية العارفين" ٢٣٥/١-٢٣٦، "الأعلام" ٦٧/٢).
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٣٣٣/١.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٤/٢.
(٧) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٣٣٣/١.

الجزء الرابع
٦٣٣
باب صلاة المسافر
في غيرِ مصرِ مع نَّةِ الإِقامة مدَّتَها) للتردُّدِ بين القَرار والفِرار (بخلافِ أهلِ.
(٢٥٩٣) (قولُهُ: في غيرِ مصرٍ) بدلٌ من قوله: ((في دارِنا))، أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنّه
حالٌ من فاعلِ ((حاصَرَ))، لا متعلّقٌ بـ ((حاصَرَ))؛ لئلاّ يلزمَ تعلُّقُ حَرْفَي جرِّ مَتَّحدي اللفظ
والمعنى بعاملٍ واحدٍ.
ثُمَّ اعلم أنَّ التقييد بغيرِ المصر وقَعَ في "الجامع الصغير"(١) و"الهداية"(٢) و"الكنز"(٣)
وغيرها، وهو يُوهِمُ صحَّةَ نَّةِ الإقامةِ لو نزلوا في المصرِ وحاصروا حصناً فيه، قال في
"المعراج": ((لكنَّ إطلاقَ ما ذُكِرَ في "المبسوط" (٤) يدلُّ على أنَّه ليس كذلك))، وأطالَ في
بيانه، وكذا نَصَّ في "العناية"(٥) على أنّه ليس بقيدٍ كما يقتضيه التعليلُ الآتي(٦)، وذكَرَ
عبارتَهُ "الشرنبلاليُّ"، ومشَىَ عليه في متنه(٧).
(٦٥٩٤] (قولُهُ: للترتُّدِ بين القَرارِ والفِرارِ) الأوَّلُ بالقاف والثاني بالفاء، أي: فكانت حالتُهم
(قولُ "المصنّف": في غيرِ مصرٍ) أي: ولا قريةٍ بل في المفازة؛ لأنَّها لا تصلحُ للإقامة، أمَّا لو حاصَرَ
أهلَ البغي في مصرٍ أو قريةٍ فتصحُّ نَُّهُ للإقامة، لأنَّ أهل البغي في دار الإِسلام لا يلحقُهم غوثٌ، بل إنما
يترقَّبُ ذلك لأهل العدل، فافترق الحالُ بين أهل الحرب والبغي، والإقامةُ في دار الحرب بدون أمان
لا تصحُّ مطلقاً في بلدٍ ولا قريةٍ ولا مفازةٍ، وحصارُ أهل البغي لا يصحُّ في المفازة لعدم صلاحيتها، ويصحّ
في البلد والقرية، وهذا في زمانهم، أمَّ في زماننا فينبغي أن يكونوا كأهل الحرب في هذا الحكم لوجود
العلّة، وهي خشيةُ غلبتهم لقوَّةِ الجَوْرِ وأهلِهِ. اهـ "سندي" عن "الرَّحمتيّ".
(١) "الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب في صلاة السفر صـ١٠٩ -.
(٢) "الهداية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٨١/١.
(٣) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٦٨/١.
(٤) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٢٤٨/١-٢٤٩.
(٥) "العناية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١١/٢ (هامش "فتح القدير").
(٦) في المقولة الآتية.
(٧) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر صـ ٤١٨ -.

قسم العبادات
٦٣٤
حاشية ابن عابدين
تُنافي عزيمتَهم، والإطلاقُ شاملٌ لِما إذا كانت الشوكةُ لعسكرنا لاحتمال وصول المدد للعدوِّ
أو وجودِ مكيدةٍ كما في "الفتح"(١)، وفي "البحر"(٢) عن "التجنيس": ((إذا غلبوا على مدينةِ الحرب
إن أَتَّخَذُوها داراً أَتَمُّوا، وإلاّ بل أرادوا الإقامةَ بها شهراً أو أكثرَ قَصَرُوا لبقائها دارَ حربٍ، وهم
مُحارِبون فيها بخلاف الأوَّلِ)) اهـ.
( تنبيةٌ)
لو انفَلَتَ الأسيرُ من الكفَّارِ، وتوطَّنَ في غارِ، ونوى الإقامةَ فيه نصفَ شهرٍ لم يَصِرْ مقيماً،
كما لو عَلِموا بإسلامِهِ فهرَبَ منهم يريدُ مسيرةَ السفر لم تُعتبَرْ نَتُهُ، كذا في "الخلاصة"(٣)
و "الخانيَّة"(٤)، ووجهُ الأوَّلِ - كما يفيدُهُ كلام "الفتح" - كونُ حاله متردِّدً؛ لأَنَّه إذا وجَدَ الفرصةَ
قبل تمام المدَّةِ خَرَجَ، وأمَّا الثاني فمُشكِلٌ، وحَمَلَهُ في "شرح المنية "(٥): ((على أنَّ المراد من قولهم:
لم تُعتبرْ نَُّهُ أي: نَيَّةُ الإقامة لا نيَّةُ السفر))، وإلاَّ فقد صرَّحَ في "التار خانَّةُ"(٦) عن "المحيط"(٧).
((بأنَّه يقصُرُ))، وكذا جعَلَ في "الذخيرة" حكمَ المسألة الثانية كالأولى، فأفاد لزومَ القصر فيهما.
(قولُهُ: وأمَّا الثاني فمشكلٌ إلخ) قد يقال: عدمُ اعتبار نَّتِهِ إنما هو لأنَّ إرادته له ليست جازمةً؛ لأنّه
يعلمُ أنَّ سفره يكون عند التمكُّنِ منه، وحالُهُ متردِّدٌ بين أنْ يعلمَ به أحدٌ فلا يسافرَ أوْ لا فيسافرَ،
هذا وجهُ هذه الرِّواية على ما يظهرُ، تأمَّل.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١١/٢.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٤/٢ بتصرف.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني والعشرون في صلاة المسافر ق ٥٠/أ - ب.
(٤) "الخانية": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٦٥/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة المسافر صـ ٥٤٠ ..
(٦) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثاني والعشرون في صلاة السفر ٨/٢.
(٧) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة - صلاة السفر ١/ق ٩٤/ب.

الجزء الرابع
٦٣٥
باب صلاة المسافر
الأخبية) كعربٍ وتركمانِ (نَوَوْها) في المفازةِ فإِنَّها تصحُّ (في الأصحِّ) وبه يُفتَى إذا
كان عندهم من الماءِ والكلا ما يكفيهم مدَّتَها؛ لأنَّ الإقامة أصلٌ إلاّ إذا قصدوا
موضعاً بينهما مدَّةُ السفر فيقصُرون.
[٦٥٩٥] (قولُهُ: الأخبيةِ) جمعُ خِياءِ ككِساءِ، قال في "المغرب"(١): ((هو الخيمةُ من
الصُّوف)).
[ ٦٥٩٦] (قولُهُ: كعَرَبٍ) المناسبُ قولُ غيره: كأعرابٍ؛ لِما في "المغرب" (٢): ((العربُ هم
الذين استوطنوا المدنَ والقرى العربيَّةَ، والأعرابُ أهلُ البدوٍ)).
[٦٥٩٧) (قولُهُ: في الأصحِّ) وقيل: يقصُرُون؛ لأَنَّه ليس موضعَ الإقامة حينئذٍ.
[٦٥٩٨] (قولُهُ: لأنَّ الإقامة أصلٌ) علّةٌ لقوله: ((فإنّها تصحُّ))، أي: نَّتُهُم الإقامةَ، قال في
٥٢٩/١ "البحر"(٣): ((وظاهرُ كلام "البدائع"(٤) أنَّ أهل الأخبيةِ لا يحتاجون إلى نَّةِ الإِقامة، فإنَّه جعَلَ المفاوِزَ
لهم كالأمصارِ والقرى لأهلها، ولأنَّ الإقامة للرَّجُلِ أصلٌ والسفرَ عارضٌ، وهم لا ينوون السفرَ،
وإنما ينتقلون من ماءٍ إلى ماءٍ ومن مَرَعىً إلى آخرَ)) اهـ.
١ ٢٦٥٩٩ (قولُهُ: بينهما) أي: بين موضعِهم والموضع الذي قصدوه.
(قولُهُ: علّةٌ لقوله: فإِنَّها تصحُّ إلخ) عبارةُ "البحر" التي نقَلَها تفيدُ أَنَّه علَّةٌ لعدم احتياجهم لنَّةٍ،
ولا يظهرُ جعلُهُ علَّةً لصحَّةِ النَّة، وقد يقال: إنَّها إذا كانت أصلاً وهي غيرُ محتاجةٍ للنّة فبالأَولى أنْ تصحّ
مع النَّةِ، وعبارةُ "البحر": ((بخلافِ أهل الأخبية، حيث تصحُّ منهم نَّةُ الإقامة في الأصحِّ وإنْ كانوا
في المفازة؛ لأنَّ الإقامة أصلٌ، فلا تبطلُ بالانتقال من مرعىّ إلى آخر)) اهـ.
(١) "المغرب": مادة ((خبأ)).
(٢) "المغرب": مادة ((عرب)).
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٤/٢.
(٤) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان ما يصير به المسافر مقيماً ٩٩/١.

قسم العبادات
٦٣٦
حاشية ابن عابدين
إِنْ نَوَوْا سفراً، وإلاَّ لا، ولو نَوَى غيرُهم الإقامةَ معهم لم يصحَّ في الأصحِّ والحاصلُ: أنَّ
شروط الإِتمام ستّةٌ: النّةُ، والمدَّةُ، واستقلالُ الرأي، وتركُ السير، واتّحادُ الموضع،
/٦٦٠٠] (قولُهُ: إنْ نَوَوا سفراً) فيه مسامحةٌ مع قوله: ((إلاَّ إذا قصدوا))، "ح"(١).
(٢٦٠١) (قولُهُ: لم يصحَّ في الأصحِّ) ورُوِيَ عن "أبي يوسف" أنَّه يصيرُ مقيماً، "ح"(٢) عن
"البحر"(٣).
[٢٦٠٢] (قولُهُ: والحاصلُ) أي: من كلام "المصنّف"، لكنَّ اشتراطَ تركِ السير لم يُعلَمْ من
كلام "المصنّف"، تأمَّل.
[٦٦٠٣) (قولُهُ: سنّةٌ) زادَ في "الحلبة"(٤) شرطاً آخر، وهو أنْ لا تكون حالتهُ منافيةً لعزيمته، قال:
((كما صرَّحُوا به في مسائلَ)) اهـ. أي: كمسألةٍ مَن دخل بلدةً لحاجةٍ، ومسألةِ العسكر، فافهم.
ثمَّ هذه شروطُ الإِتمامِ بعد تحقُّقِ مدَّة السفر، وإلاَّ فلو عزَمَ على الرجوع إلى بلدِهِ قبل سيره
ثلاثةَ أَيَّامٍ على قصد قطعِ السفر فإنَّه يُنتُمُّ كما مرَّ(٥)، وكذا لو رجَعَ إلى بلدته لأخذِ حاجةٍ نَسِيَها
كما سنذكرُهُ(٦).
[٦٦٠٤] (قولُهُ: وَتَرْكُ السيرِ) أي: إذا كان في مفازةٍ ونوى الإقامةَ فيما سيدخلُهُ من مصرٍ
أو قريةٍ، أمَّا لو وُجدَتْ هذه الأمورُ وقد دخَلَ مصراً أو قريةً وهو يسيرُ لطلبٍ منزلٍ أو نحوه فينبغي
(قولُ "الشارح": لم يصحَّ) إلاَّ إذا تزوَّجَ ناوي الإقامة منهم أو انتقَلَ بأهله وتعيَّشَ بمعاشهم. اهـ "رحمتي".
(قولُهُ: أي: إذا كان في مفازةٍ ونَوَى الإقامةَ إلخ) فيه أنَّ إذا كان في مفازةٍ لا تصحُّ نيّة الإقامة ترَكَ
السَّيرَ أوْ لا، والظاهرُ تصويره بما لو دخل ما تصحُّ فيه الإقامةُ ونواها وهو سائرٌ على سننه لا لطلبٍ
منزلٍ ونحوه، تأمَّل.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ١٠٧/أ.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ق ١٠٧/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ١٤٤/٢-١٤٥ بتصرف.
(٤) "الحلبة": التكملة - الفصل الرابع في صلاة المسافر ٢/ق ٢٧١/أ.
(٥) المقولة [٦٥٦٦] قوله: ((وإلا فيتم إلخ)).
(٦) المقولة [٦٦٣٦] قوله: ((وجب ركعتان)).