Indexed OCR Text

Pages 521-540

الجزء الرابع
٥١٧
باب سجود السھو
وقيل: لا تبطُلُ حتّى يقصدَ به خطابَ آدمیٍّ.
(والسهوُ في صلاة العيدِ والجمعةِ والمكتوبةِ والتطوُّعِ سواءٌ) والمختارُ عند المتأخرين
عدمُهُ في الأُوليين لدفع الفتنة كما في جمعة "البحر"(١)، وأقرَّهُ "المصنّف"،
وفي "التتار خانَّةً"(٢): ((أنَّ السهو إنْ وقَعَ في أصل الصلاة أو جَبَ فسادَها، وإنْ في وصفِها
فلا، فالأوَّلُ كما إذا سلَّمَ على الركعتين على ظنِّ أنَّه في الفجرِ أو الجمعةِ أو السفرِ، والثاني كما
إذا سلَّمَ عليهما على ظنِّ أنَّها رابعةٌ)) اهــ أي: لأنَّ العدد بمنزلةِ الوصف.
والحاصلُ: أَنَّه إذا ظنَّ أَنَّها الفجرُ مثلاً يكونُ قاصداً لإيقاعِ السلام على رأس الركعتين،
فيكونُ مُتعمِّداً للخروج قبل إتمام الصلاة التي شرَعَ فيها، بخلاف ما إذا سلَّمَ على ظنِّ الإِتمام فإنَّه
لم يَتَعمَّدْ إلاَّ إيقاعَهُ بعد الأربع، فوقَعَ قبلَها سهواً، وبالجملةِ فالسلامُ من حيث ذاتُهُ عمدٌ فيهما،
ومن حيث محلُّهُ مُختِلِفٌ، فتدبّر.
[٦٢٥٧) (قولُهُ: وقيل: لا تبطُلُ إلخ) ذكَرَهُ في "البحر"(٣) بحثاً أخذاً مما في "المحتبى": ((لوسلَّمَ
المصلّي عمدً قبل التمام قيل: تفسُدُ، وقيل: لا حتّى يقصدَ به خطابَ آدمِيّ)) اهـ. فقال في
"البحر": ((فينبغي أنْ لا تفسُدَ في هذه المسائلِ على القول الثاني)) اهـ. ومثلُهُ في "النهر "(٤).
قال الشيخ "إسماعيلُ"(٥): ((وهو ظاهرٌ، والأوَّلُ المجزومُ به في كتبٍ عديدةٍ معتمدةٍ)) اهـ.
[٦٢٥٨) (قولُهُ: عدمُهُ فِي الأوليين) الظاهرُ أنَّ الجمعَ الكثيرَ فيما سواهما كذلك كما بحَثَهُ
بعضُهم، "ط"(٦). وكذا بحَثَّهُ "الرحمتيُّ) وقال: ((خصوصاً في زماننا))، وفي جمعة "حاشية أبي
السُّعود "(٧) عن "العزمِيَّة": ((أَنَّه ليس المرادُ عدمَ جوازه، بل الأَولى تركُهُ لئلاّ يقعَ الناس في فتنةٍ)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة ١٦٧/٢ بتصرف نقلاً عن "السراج".
(٢) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل السابع عشر في سجود السهو ٧٣٣/١ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١٢٠/٢.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق٧٨/ب.
(٥) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٢/ق ٢٦/ب.
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٣١٦/١.
(٧) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب الجمعة ٣١٩/١.

قسم العبادات
٥١٨
حاشية ابن عابدين
وبه جزَمَ في "الدرر".
(وإذا شَكَّ) في صلاته (مَن لم يكن ذلك) أي: الشكُّ (عادةً له).
[٦٢٥٩] (قولُهُ: وبه جزَمَ في "الدرر"(١) لكِنَّه قَّدَهُ محشِّيها "الواني": ((بما إذا حضَرَ جمعٌ
كثيرٌ، وإلاَّ فلا داعيَ إلى الترك))، "ط"(٢).
[٦٢٦٠] (قولُهُ: وإذا شكَّ) هو تساوي الأمرين، "بحر "(٣)، وقدَّمناه (٤).
/٥٠٥
[٦٢٦١] (قولُهُ: في صلاتِهِ) قال في "فتح القدير"(٥): ((قَدَ به لأنّه لو شَكَّ بعد الفراغ منها، أو
بعدَما قعَدَ قَدْرَ التشهُّدِ لا يُعتبرُ إلَّ إذا وقَعَ في التعيين فقط، بأنْ تذكَّرَ بعد الفراغ أنَّه ترَكَ فرضاً
وشَكَّ في تعيينه، قالوا: يسحُدُ سجدةً، ثمَّ يقعدُ، ثمَّ يصلّي ركعةً بسجدتين، ثمَّ يقعدُ، ثمَّ يسجدُ
للسَّهو لاحتمالِ أنَّ المتروك الركوعُ فيكونُ السجودُ لغواً بدونه، فلا بدَّ من ركعةٍ بسجدتين)) اهـ.
قال في "البحر"(١): ((ولا حاجةً إلى هذا الاستثناء؛ لأنَّ الكلام في الشكِّ بعد الفراغ، وهذا تيقَّنَ
تركَ ركنٍ غيرَ أَنَّه شَكَّ في تعيينه، نعم يُستَثَنَى ما في "الخلاصة"(٧): لو أخبَرَهُ عدلٌ بعد السلام أَنَّك
صَلَّيْتَ الظهرَ ثلاثاً، وشَكَّ في صدقه يعيدُ احتياطاً؛ لأنَّ الشكَّ في صدقه شكٌّ في الصلاة)).
[٦٢٦٢] (قولُهُ: مَن لم يكن ذلك عادةً له) هذا قولُ شمس الأئمّة "السرخسيِّ" (1)، واختارَهُ
(قولُهُ: لا يُعتبرُ) حملاً لأمره على الصَّلاح، "محيط". وأفاد ما هنا أنَّ المراد بالفراغ منها الفراغُ من
أركانها ولو قبلَ السَّلام، "بحر".
(١) "الدرر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١٥٤/١.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٣١٦/١ بتصرف نقلاً عن أبي السعود.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١١٩/٢.
(٤) المقولة [٦١٣٠] قوله: ((والظن)).
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٥٢/١ بتصرف.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١١٨/٢ بتصرف.
(٧) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل السادس عشر في السهو في الصلاة ق ٤٢/أ باختصار معزياً إلى الإمام محمد.
(٨) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٢١٩/١.

الجزء الرابع
٥١٩
باب سجود السهو
وقيل: مَن لم يَشُكَّ في صلاةٍ قطُّ بعد بلوغه، وعليه أكثرُ المشايخ، "بحر"(١) عن
"الخلاصة"(٢) (كَمْ صلَّى استأَنَفَ) بعملٍ مُنافٍ، وبالسلام قاعداً أَولى؛ لأَنَّه المحلّلُ
في "البدائع"(٣)، ونَصَّ في "الذخيرة": ((على أنَّه الأشبهُ))، قال في "الحلبة"(٤): ((وهو كذلك))،
وقال "فخر الإسلام": ((مَن لم يَقَعْ له في هذه الصلاةِ))، واختارَهُ "ابن الفضل".
(٦٢٦٣] (قولُهُ: وقيل إلخ) ثمرةُ الخلاف تظهرُ فيما لو سها في صلاته أوَّلَ مرَّةٍ
واستقبَلَ، ثمَّ لم يَسْهُ سنين ثمَّ سها فعلى قول "السرخسيِّ" يستأنفُ؛ لأنَّه لم يكن من
عادته، وإنما حصَلَ له مرَّةً واحدةً، والعادةُ إنما هي من المعاوَدَةِ، أي: والشرطُ أنْ لا يكون
مُعتادً له قبل هذه الصلاة، وكذا على قول "فخر الإسلام" خلافاً لِما وقَعَ في "السِّراج"(٥):
((من أنَّه يتحرَّى)) كما يتحرَّى على القولِ الثالث كما في "البحر"(٦)، وفي عبارة "النهر"(٧)
هنا سھوٌ فاجتنبه.
[٢٢٦٤] (قولُهُ: كم صلَّى) أشارَ بالكمِيَّةِ إلى أنَّ الشكَّ في العدد، فلو في الصفةِ - كما لو
شَكَّ في ثانيةِ الظهر أنَّه في العصرِ، وفي الثالثةِ أنَّه في التطوُّعِ، وفي الرابعة أنَّه في الظهر - قالوا: يكونُ
في الظهر، ولا عبرةَ بالشكّ، وتمامُّهُ في "البحر "(٨).
[٦٢٦٥] (قولُهُ: استأَنَفَ بعملٍ مُنافٍ إلخ) فلا يُخْرُجُ بمجرَّدِ النَّةِ، كذا قالوا، وظاهرُهُ أَنَّه لا بدَّ
من العمل، فلو لم يأتِ بِمُنافٍ وأكمَلَها على غالبِ ظَنِّهِ لم تبطل، إلاَّ أنَّها تكونُ نفلاً، ويلزمُهُ أداءُ
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١١٨/٢.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل السادس عشر في السهو في الصلاة ق ٤١/ب.
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان سبب سجود السهو ١٦٥/١.
(٤) "الحلبة": فصل في سجود السهو ٢/ق ٢٤٤/ب.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١/ق ٢٦٨/ب.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١١٨/٢.
(٧) انظر "النهر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق٧٨/ب.
(٨) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١١٨/٢.

قسم العبادات
٥٢٠
حاشية ابن عابدين
(وإنْ كَثُرَ شكُّهُ (عَمِلَ بغالِبِ ظنّه إنْ كان) له ظنٌّ للحرج (وإلاّ أَخَذَ بالأقلِّ)
التيقُتِهِ (وقعَدَ في كلِّ موضعٍ توهَّمَهُ موضعَ قعودِهِ) ولو واجباً لئلاّ يصيرَ تاركاً فرضَ
القعود أو واجبَهُ.
الفرض، ولو كانت نفلاً ينبغي أنْ يلزمَهُ قضاؤه وإنْ أُكمَلَها لوجوبِ الاستئناف عليه، "بحر "(١).
وأقرَّهُ في "النهر"(٢) و"المقدسيّ".
(٦٢٦٦) (قولُهُ: وإنْ كَثُرَ شَكُّهُ) بأنْ عَرَضَ له مرَّتين في عمره على ما عليه أكثرُهم، أو في
صلاِهِ على ما اختارَهُ "فخرُ الإِسلام"، وفي "المجتبى": ((وقيل: مرَّتين في سنٍ(٣))، ولعلَّهُ على قول
"السرخسيِّ"، "بحر"(٤) و "نهر "(٥).
[٦٢٦٧) (قولُهُ: للحَرَجِ) أي: في تكليفِهِ بالعمل باليقين.
[٦٢٢٨] (قولُهُ: وإلاَّ) أي: وإنْ لم يَغْلِبْ على ظنّهِ شيءٌ فلو شكَّ أنَّها أُولى الظهرِ أو ثانيتُهُ
يجعلُها الأُولى ثمَّيَقعُدُ لاحتمالٍ أَنَّها الثانيةُ، ثُمَّ يصلّي ركعةً، ثمَّ يقعدُ لِما قلنا، ثمَّ يصلّي ركعةً ويقعدُ
لاحتمال أنَّها الرابعةُ، ثُمَّ يصلّي أخرى ويقعدُ لِما قلنا، فيأتي بأربعِ قعداتٍ: قعدتان مفروضتان -
وهما الثالثةُ والرابعة - وقعدتان واجبتان، ولو شَكَّ أَنَّها الثانيةُ أو الثالثةُ أَتَمَّها وقعَدَ ثمَّ صلَّى أخرى
وقعَدَ، ثُمَّ الرابعةَ وقعَدَ، وتمامُهُ في "البحر"(٦)، وسيذكرُ(٧) عن "السِّراج": ((أَنَّه يسجُدُ للسهو)).
[٦٢٦٩) (قولُهُ: ولو واجباً) معطوفٌ على محذوفٍ، أي: فرضاً كان القعودُ ولو واجباً،
(قولُهُ: ينبغي أنْ يلزمَهُ قضاؤه إلخ) لا يظهرُ وجوبُ القضاء مع الإكمال للخروج عن العُهدة بيقينٍ
وإن ترَكَ واجبَ الاستئناف.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١١٨/٢.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق٧٨/ب.
(٣) في "النهر": ((سنتين)) وهو خطأ.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١١٨/٢ بتصرف.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق٧٨/ب.
(٦) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١١٩/٢.
(٧) صـ ٥٢٤ - "در".

الجزء الرابع
٥٢١
باب سجود السهو
أو إذا كان فرضاً ولو واجباً فكذلك، على حذفِ جوابٍ ((لو)) الشرطَّةِ، فالتعليلُ ناظرٌ إلى المذكور
والمحذوف.
هذا، وقولُ "الهداية"(١) و"الوقاية": ((يقعُدُ في كلِّ موضعٍ يَتوهَّمُ أَنَّ آخرُ صلاته)) يدلُّ على
أنّه لا يقعدُ على الثانية والثالثة، ولذا نسَبَهُ في "الفتح"(٢) إلى القصور، واعتذَرَ عنه في "البحر"(٣):
((بأنَّ فيه خلافاً، فلعلَّهُ بناه على أحدِ القولين وإنْ كان الظاهرُ القعودَ مطلقاً)) اهـ.
قلت: لكنْ في "القُهُستانيِّ"(٤) عن "المضمرات": ((أَنَّ الصحيح أَنَّه لا يقعدُ على الثانية
والثالثة؛ لأَنَّه مضطرٌّ بين تركِ الواجب وإتيانِ البدعة، والأوَّلُ أَولى من الثاني))، ثمَّ قال: ((لكنْ فيه
اختلافُ المشايخ))(٥) اهـ.
[ مطلبٌ: الاحتياطُ الإتيانُ بما تردّدَ بين البدعة والواجب ]
وأقولُ: يُؤيِّدُ ما في "الفتح" ما صرَّحُوا به في عدَّةِ كتبٍ: أنَّ ما تردَّدَ بين البدعة والواجب
يأتي به احتياطاً بخلاف ما تردَّدَ بين البدعة والسنّة.
(قولُهُ: وأقولُ: يؤيِّدُ ما في "الفتح" إلخ) الظاهرُ اعتماد ما يفيدُهُ كلامُ "الهداية" من أنَّه إنما يقعدُ في
كلِّ موضعٍ يُتوهَّمُ أَنَّه آخرُ صلاته لا في غيرِهِ اتباعاً لتصحيح "المضمرات"، ولأنّه دارَ قعودُهُ الأَوَّلُ
والثاني بين كونه واجباً أو مكروهاً تحريماً، فيكونُ فعلُهُ في غيرٍ محلّه، ويكون فيه تأخيرُ القيام عن
موضعه، وكلُّ ذلك واجبُ الترك، فتركُ واجبٍ واحدٍ أهونُ من تركِ واجباتٍ، وفي الإتيان به جلبُ
مصلحةٍ، وفي تر که درءُ مفاسدَ.
(١) "الهداية": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٧٦/١.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٥٣/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١١٩/٢.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في سجود السهو ١٤٧/١ بتصرف يسير.
(٥) لم نعثر عليه في "جامع الرموز".

قسم العبادات
٥٢٢
حاشية ابن عابدين
(و) اعلمْ أنَّه (إذا شغَلَهُ ذلك) الشكُّ، فتفكّرَ (قدْرَ أداء ركنٍ ولم يشتغل حالةَ
الشكِّ بقراءةٍ ولا تسبيحٍ) ذكَرَهُ في "الذخيرة" (وجَبَ عليه سجودُ السهو في) جميع
(صُوَرِ الشكِّ).
[٦٢٧٠) (قولُهُ: واعلمْ إلخ) قال في "المنية" و"شرحها الصغير"(١): ((ثُمَّ الأصلُ في
التفكّرِ أَنَّه إن منَعَهُ عن أداءِ ركنٍ كقراءةٍ آيةٍ أو ثلاثٍ أو ركوعٍ أو سجودٍ، أو عن أداءٍ
واجبٍ كالقعود يلزمُهُ السَّهو لاستلزامِ ذلك تركَ الواجب، وهو الإتيانُ بالركنِ أو الواجبِ
في محلّه، وإنْ لم يَمِنَعه عن شيءٍ من ذلك - بأنْ كان يؤدِّي الأركانَ ويتفكّرُ - لا يلزمُهُ
السهو، وقال بعضُ المشايخ: إنَّ منَعَهُ التفكّرُ عن القراءةِ أو عن التسبيح يجبُ عليه سجودُ
السهو، وإلاَّ فلا، فعلى هذا القولِ لو شغَلَهُ عن تسبيحِ الركوع وهو راكعٌ مثلاً يلزمُهُ
السجود، وعلى القولِ الأوَّلِ لا يلزمُهُ، وهو الأصحُّ)) اهـ.
وبه عُلِمَ أنَّ قول "المصنّف": ((ولا تسبيحٍ)) مبنيٌّ على خلافِ الأصحِّ، وهو قولُ
البعض، ودخَلَ في قوله: ((أو عن أداءٍ واجبٍ)) ما لو شغَلَهُ عن السلام لِما في "الظهيرِيَّة"(٢):
((لو شَكَّ بعدَما قعَدَ قدْرَ التشهُّدِ أَصَلَّى ثلاثاً أو أربعاً؟ حتّى شغَلَهُ ذلك عن السلام،
ثُمَّ استيقَنَ وأَتَمَّ صلاَتَهُ فعليه السهوُ)) اهـ.
وعلَّلهُ في "البدائع"(٣): ((بأنَّه أخَّرَ الواجبَ وهو السلامُ)) اهـ.
(قولُهُ: وبه عُلِمَ أنَّ قول "المصنّف": ولا تسبيحٍ مبنيٌّ على خلافِ الأصحِّ) بل هو مبنيٌّ على
الأصحّ، فإنَّ مجرَّد التفكّر بدون شغله عن أفعال الصلاة لا يلزمُهُ سجود السَّهو؛ لأَنّه لم يصدق عليه أنَّه
تَرَكَ واجباً من واجبات الصلاة وهو الموجِبُ له، ويتّضحُّ ذلك بما نقله "السنديُّ" عن "ابن أمير حاج"،
تأمَّل. نعم لو قرأ في تشهُّده متفكّراً يلزمُهُ السُّجود لوقوع القراءة في غير محلّها لا للتفكُّر، كذا
في "السنديّ"، ويُقدَّرُ محذوفٌ في كلام "المصنّف" لدفع إيهامٍ أَنَّه جارٍ على خلاف الأصحِّ تقديرُهُ: بعد إذ
أشغَلَهُ ذلك عن أداء ركن وواجبٍ، تأمَّل.
(١) "شرح المنية الصغير": فصل في سجود السهو صـ٢٣٢-٢٣٣ -.
(٢) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الرابع - الفصل الثاني في الوتر والسهو ق ٣٢/أ - ب.
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان سبب سجود السهو ١٦٥/١.

الجزء الرابع
٥٢٣
باب سجود السهو
سواءٌ عَمِلَ بالتحرِّي، أو بَنَى على الأقلِّ، "فتح". لتأخيرِ الركن،
وظاهرُهُ لزومُ السجود وإنْ كان مشتغلاً بقراءةِ الأدعية أو الصلاة، وهو مبنيٌّ على ما قالَهُ
"شمس الأئمَّة": ((من أَنَّه ليس المرادُ أنْ يشغله التفكّرُ عن ركنٍ أو واجبٍ، فإنَّ ذلك يُوجِبُ
سجدتي السهو بالإجماع، وإنما المرادُ به شغلُ قلبه بعد أنْ تكون جوارحُهُ مشغولةً بأداءِ الأركان)،
ومثلُهُ ما في "الذخيرة": ((من أَنَّه لو كان في ركوعٍ أو سجودٍ، فطوَّلَ في تفكّرِهِ وتغيَّرَ عن حاله
٥٠٦/١ بالتفكُّ فعليه سجودُ السهو استحساناً؛ لأنّه وإنْ كان تفكّرُه ليس إلاَّ إطالة القيام أو الركوع أو
السجود - وهذه الأذكارُ سنّةٌ - لكنَّه أخَّرَ واجباً أو ركناً لا بسببِ إقامةِ السنَّة، بل بسببِ التفكّرٍ،
وليس التفكّرُ من أعمالِ الصلاة)) اهـ.
قلت: والحاصلُ أَنَّه اختُلِفَ في التفكُّرِ الموجِبِ للسهو، فقيل: ما لَزِمَ منه تأخيرُ الواجبِ أو
الركنِ عن محلّه، بأنْ قطَعَ الاشتغالَ بالركن أو الواجب قدْرَ أداءِ ركنٍ، وهو الأصحُّ، وقيل: مجرَّدُ
التفكّرِ الشاغل للقلب وإنْ لم يقطع الموالاةَ، وهذا كلُّهُ إذا تفكّرَ في أفعالِ هذه الصلاة، أمَّا لو تفكّرَ
في صلاةٍ قبلها هل صلاَّها أم لا؟ ففي "المحيط ": ((أَنَّه ذُكِرَ في بعض الروايات أَنَّه لا سهوَ عليه
وإِنْ أَخَّرَ فعلاً، كما لو تفكّرَ في أمرٍ من أمورِ الدنيا حتّى أخَّرَ ركناً، وفي روايةٍ يلزمُهُ لتمكُّنِ
النقص في صلاته؛ لأَنَّه يجبُ عليه حفظُ تلك الصلاةِ حتَّى يُعَلَمَ جوازُ صلاته هذه بخلاف أعمال
الدنيا، فإنّه لم يَجِبْ عليه حفظُها))، واستظهَرَ في "الحلبة"(١) هذه الروايةَ، وأَنَّه لو لَزِمَ تركُ الواجب
بالتفكّرٍ في أمور الدنيا يلزمُهُ السجودُ أيضاً، واستظهَرَ أيضاً القولَ الأوَّلَ بأنَّ الملزِم للسجود ما كان
فيه تأخيرُ الواجب أو الركن عن محلّه؛ إذ ليس في مجرَّدِ التفكّرِ مع الأداءِ تركُ واجبٍ أصلاً، وتمامُ
الكلام فيها وفي فتاوى العلاّمة "قاسمٍ".
(٦٢٧١) (قولُهُ: سواءٌ عَمِلَ بالتحرِّي) أي: بأنْ غَلَبَ على ظنّه أَنَّها الركعةُ الثانية مثلاً، وقولُهُ:
(قولُ "الشارح": لتأخيرِ الرُّكن) أي: أو الواجب.
(١) "الحلبة": فصل في سجود السهو ٢/ق ٢٤٢/ب.

قسم العبادات
٥٢٤
حاشية ابن عابدين
لكنْ في "السِّراج": ((أَنَّه يسجُدُ للسهو في أخذِ الأقلِّ مطلقاً، وفي غلبةِ الظنِّ إنْ
تفكّرَ قدْرَ ركنٍ)).
(فروعٌ) أخبَرَهُ عدلٌ بأنّه ما صلَّى أربعاً، وشكَّ في صدقِهِ وكذبه أعادَ احتياطً ....
(أو بَنَى على الأقلِّ) أي: بأن لم يَغْلِبْ على ظنّهِ شيءٌ وأخَذَ بالأقلِّ.
[٦٢٧٢) (قولُهُ: لكنْ في "السِّرَاجِ"(١) إلخ) استدراكٌ على ما في "الفتح"(٢) من لزومِ السجود في
الصورتين، وقولُهُ: ((مطلقاً)) أي: سواءٌ تفكّرَ قدْرَ ركنٍ أوْ لا، وهذا التفصيلُ هو الظاهرُ؛ لأنَّ
غلبةَ الظنِّ بمنزلة اليقين، فإذا تحرَّى وغلَبَ على ظنّهِ شيءٌ لَّزِمَهُ الأخذُ به، ولا يظهرُ وجهٌ لإيجابِ
السجودٍ عليه إلاَّ إذا طالَ تفكُّرُه على التفصيل المارِّ(٣)، بخلاف ما إذا بَنَى على الأقلِّ؛ لأنَّ فيه
احتمالَ الزيادة كما أفادَهُ في "البحر "(٤).
(٦٢٧٣] (قولُهُ: أخبَرَهُ عدلٌ إلخ) تقدَّمَ (٥) أنَّ الشكَّ خارجَ الصلاة لا يُعتبرُ، وأنَّ هذه الصورةَ
مستثناةٌ، وقَّدَ بالعدل إذ لو أخبَرَهُ عدلان لَزِمَهُ الأخذُ بقولهما ولا يُعتَبَرُ شكُّهُ، وإنْ لم يكن المخبِرُ
عدلاً لا يُقبَلُ قولُهُ، "إمداد"(٦). وظاهرُ قوله: ((أعادَ احتياطاً)) الوجوبُ، لكنْ في "التتار خانَّةُ"(٧):
(قولُهُ: وهذا التفصيلُ هو الظَّاهرُ إلخ) فيه أنَّ كلام "الفتح" في وجوب سجود السَّهو للتفكّر قدْرَ
أداءِ ركنٍ، ولا شكَّ أنَّه في جميع صور الشكِّ وإنْ كان يجبُ السُّجود إذا بنى على الأقلِّ مطلقاً
لا لخصوص الشغل، بل له إنْ وجد ولاحتمال الزِّيادة.
(قولُهُ: وظاهرُ قوله: أعادَ احتياطاً الوجوبُ) بحملِهِ على الندب بدليل التعليل بالاحتياط تندفعُ
المنافاة بين هذه العبارة وبين عبارة "التتار خانيَّة"، تأمَّل.
(١) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١/ق ٢٦٨/ب بتصرف.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٥٣/١.
(٣) المقولة [٦٢٧٠] قوله: ((واعلم إلخ)).
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١٢٠/٢.
(٥) المقولة [٦٢٦١] قوله: ((في صلاته)).
(٦) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق ٢٦٤/أ.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثامن عشر في مسائل الشك ٧٥١/١.

الجزء الرابع
٥٢٥
باب سجود السهو
ولو اختلَفَ الإِمامُ والقومُ، فلو الإِمامُ على يقينِ لم يُعِدْ، وإلاّ أعادَ بقولهم. شَكَّ
ے
أنَّها ثانيةُ الوتر أم ثالثُهُ(١) قَنَتَ وقعَدَ، ثمَّ صلَّى أخرى وقَنَتَ أيضاً في الأصحّ ......
((إذا شَكَّ الإِمامُ فأخبَرَهُ عدلان يجبُ الأخذُ بقولهما؛ لأَنَّه لو أخبَرَهُ عدلٌ يُستحَبُّ الأخذُ
بقوله)) اهـ، فتأمِّل.
[٦٢٧٤) (قولُهُ: ولو اختلَفَ الإِمامُ والقومُ) أي: وقَعَ الاختلافُ بينهم وبينه، كأنْ قالوا:
صلَّتَ ثلاثً، وقال: بل أربعاً، أمَّا لو اختلَفَ القومُ والإِمامُ مع فريقِ منهم ولو واحداً أُخِذَ
بقول الإِمام، ولو تيقّنَ واحدٌ بالتمام وواحدٌ بالنقص، وشَكَّ الإِمامُ والقومُ فالإعادةُ على المتيقْنِ
بالنقص فقط، ولو تيقْنَ الإِمامُ بالنقص لَزِمَهم الإعادةُ إلَّ مَن تيقّنَ منهم بالتمام، ولو تيقِّنَ
واحدٌ بالنقص وشَكَّ الإِمامُ والقوم فإِنْ كان في الوقت فالأَولى أنْ يُعيدوا احتياطاً، ولَزِمَتْ لو
المخبرُ بالنقص عدلان، من "الخلاصة"(٢) و"الفتح"(٢).
(تتمَّةٌ )
شَكَّ الإِمامُ فَلَحَظَ إلى القوم لَيَعلَمَ بهم إنْ قاموا قامَ وإلاَّ قعَدَ لا بأس به، ولا سهوَ عليه.
غَلَبَ على ظنِّهِ في الصلاةِ أَنَّه أحدَثَ أو لم يَمسَحْ، ثُمَّ ظهَرَ خلافُهُ إنْ كان أدَّى ركناً
استأَنَفَ، وإلاَّ مَضَى، "تتار خانَّةً"(٤).
[٦٢٧٥) (قولُهُ: وقَنَتَ أيضاً في الأصحّ) وقيل: لا يقُنُتُ؛ لأنَّ القنوتَ في الثانية بدعةٌ،
والجوابُ أنَّ ما تردَّدَ بين البدعةِ والواجب يأتي به احتياطاً كما مرَّ(٥)، وبَقِيَ لو قَنَتَ في الأُولى
(قولُهُ: لأنَّ القنوت في الثانية) أي: في المرَّة الثانية، ومقتضى هذا التعليلِ أَنَّه لا يأتي بالقنوت
في الرَّكعة التي شكَّ فيها على هذا القيل أيضاً.
(١) في "و": ((ثالثة)).
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل السادس عشر في السهو في الصلاة ق ٤٢/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٥٧/١.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثامن عشر في مسائل الشك ٧٥٠/١ نقلاً عن الإمام أبي بكر محمد بن الفضل.
(٥) المقولة [٦٢٦٩] قوله: ((ولو واجباً)).

١
قسم العبادات
٥٢٦
حاشية ابن عابدين
شَكَّ هل كَبَّرَ للافتتاح أو لا، أو أحدَثَ أوْ لا، أو أصابَهُ نجاسةٌ أَوْ لا، أو مسَحَ
رأسَهُ أُوْ لا استقبَلَ إنْ كان أوَّلَ مرَّةٍ، وإلاَّ لا. واخْتُلِفَ لو شكَّ في أركانِ الحجِّ،
وظاهرُ الرواية البناءُ على الأقلِّ،
أو الثانية سهواً فقدَّمَ(١) "المصنّف" في باب الوتر: ((أَنَّه لا يقُنُتُ في الثالثةِ))، ومرَّ(٢) ترجيحُ خلافِهِ.
[٦٢٧٦] (قولُهُ: شَكَّ هل كَبَّرَ إلخ) أي: شَكَّ في صلاته، "ذخيرة" وغيرها. وظاهرُهُ أنَّ
الشكَّ في جميعِ هذه المسائلِ وقَعَ في الصلاة، ويدلُّ عليه قولُ "الذخيرة" في آخرِ العبارة:
((إنْ كان ذلك أوَّلَ مرَّةٍ استقبَلَ الصلاةَ، وإلاَّ جازَ له المضيُّ، ولا يلزمُهُ الوضوءُ ولا غَسلُ
الثوب)) اهـ، تأمَّل.
ويخالفُهُ ما في "الخلاصة"(٣) حيث قال: ((شَكَّ في بعضِ وضوئه وهو أوَّلُ شَكِّ غسَلَ ما
شَكَّ فيه، وإنْ وقَعَ له كثيراً لم يَلتِفِتْ إليه، وهذا إذا شَكَّ في خلالِ وضوئه، فلو بعدَ الفراغ منه
لم يَلْتِفِتْ إلیه)) اهـ.
لكنْ سُئِلَ العلاّمة "قاسمٌ" في "فتاويه" عمَّن شَكَّ وهو في صلاتِهِ أَنَّه على وضوءٍ أم لا؟
فأجابَ: ((بأَنَّه إنْ كان أوَّلَ ما عرَضَ له أعادَ الوضوءَ والصلاة، وإلاَّ مَضَى في صلاته)).
[٦٢٧٧] (قولُهُ: وظاهرُ الرواية البناءُ على الأقلِّ) كذا عزاه في "البحر"(٤) إلى "البدائع"(٥)،
(قولُ "الشارح": أو أحدَثَ أوْ لا) في هذه وما بعدها ينبغي اعتمادُ عدمٍ تأثير الشكِّ فيهما؛ لأنَّ
اليقين لا يزولُ بالشكِّ كما يفاد من "السنديِّ"، وعبارته: ((والظاهرُ أنَّ الاستقبال في المسائل المذكورة
على سبيل الاحتياط لا الوجوب، فإنَّه بعد فراغه من الوضوء لا يلزمُّهُ الاستقبالُ إذا شكَّ في مسح رأسه،
والظاهرُ أنَّ شكَّه في خلال صلاته في تكبير الافتتاح لا يضرُّهُ حيث اعتراه بعد التلُّس بها؛ إذ لا وجود لها
بدونه، فُيُحمَلُ على إتيانه به عملاً بالظَّاهر كما أفاده "أبو السُّعود" في "حاشية الأشباه")) اهـ.
(١) صـ ٢٤٦ - "در".
(٢) المقولة [٥٦٥٧] قوله: ((ورجح الحلبيّ تكراره لهما)).
- (٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الوضوء ومسائل النوم والقهقهة ق٧/أ بتصرف، معزياً إلى "الأصل".
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١١٧/٢ :
(٥) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل سبب وجوب سجود السهو ١٦٥/١.

الجزء الرابع
٥٢٧
باب صلاة المريض
وعليك بـ "الأشباه" (١) في قاعدةٍ: اليقينُ لا يزولُ بالشكِّ.
﴿بابُ صلاة المريض﴾
من إضافةِ الفعل لفاعلِهِ أو محلِّهِ، ومناسبتُهُ كونُهُ عارضاً سماويّاً، فتأخُّرُ سجودٍ .....
ولم أره فيها (٢)، فليراجع، والذي في "لباب المناسك"(٣): ((ولو شَكَّ في عددِ الأشواط في طوافٍ
الركن أعادَهُ، ولا يبني على غالبِ ظنّهِ بخلاف الصلاة، وقيل: إذا كان يكثُرُ ذلك يتحرَّى)) اهـ.
وما جزَمَ به في "اللباب" عزاه في "البحر"(٤) إلى عامَّةِ المشايخ، والله تعالى أعلم.
﴿بابُ صلاة المريض﴾
قيل: المرضُ مفهومُهُ ضروريٌّ؛ إذ لا شكَّ أنَّ فهمَ المراد منه أجلى من قولنا: إنَّه معنىٍ يزولُ
بحلوله في بدنِ الحِيِّ اعتدالُ الطبائع الأربع، فيؤولُ إلى التعريف بالأخفى، "نهر "(٥).
[٦٢٧٨] (قولُهُ: من إضافةِ الفعل لفاعله أو محلّهِ) كلُّ فاعلٍ محلٌّ ولا عكسَ، فإنَّ المريض محلٌّ
للصلاة فاعلٌ لها، والخشبةُ محلٌّ للحركة وليست فاعلةً لها، "ح"(٦).
٥٠٧/١
[٦٢٧٩) (قولُهُ: ومناسبتُهُ إلخ) لم يُبِّنْ وجهَ تأخيره عن سجودِ السهو، وبَّنَهُ في
"البحر"(١) بقوله: ((والسهوُ أعمُّ مَوقِعاً لشموله المريضَ والصحيح، فكانت الحاجةُ إلى بيانه
أمسَّ فقدَّمَهُ))، "ح"(٨).
[٦٢٨٠) (قولُهُ: فتأخُّرُ إلخ) أي: وكان حقُّهُ أنْ يُذكَرَ مع سجود السهو لِمناسبةٍ بينهما
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث صـ٦٥ -.
(٢) بل هي موجودة في "البدائع": كتاب الصلاة - فصل: سبب وجوب سجود السهو ١٦٥/١.
(٣) انظر "إرشاد الساري": فصل في مسائل شتى صـ ١١٣ -.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١١٧/٢.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة باب صلاة المريض ق٧٨/ب.
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المر. ١٠٢/أ.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١٢١/٢.
(٨) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ق ١٠٢ /أ - ب.

قسم العبادات
٥٢٨
حاشية ابن عابدين
التلاوة ضرورةٌ.
(مَن تعذّرَ عليه القيامُ) أي: كلُّهُ (لمرضٍ) حقيقيٍّ، وحدُّهُ أنْ يلحقَهُ بالقيام ضررٌ، به
يُفتَى.
في أنَّ كلاً منهما مثلُ جزءِ الصلاة، أو لأنَّ كلاً منهما سجودٌ يَترتَّبُ على أمرٍ يقعُ في الصلاة متأخّراً
عنه، إلاَّ أنَّ سجود السهو مختصٌّ بالصلاة وسجودَ التلاوة يقعُ خارجَ الصلاة أيضاً، "ح" (١).
[٦٢٨١] (قولُهُ: كُلُّهُ) فسَّرَهُ به لِما سيأتي في المتن من قوله: ((وإِنْ قدَرَ على بعضِ القيام
قامَ))، "ح"(٢).
(٦٢٨٢] (قولُهُ: لمرضٍ حقيقيِّ إلخ) قال في "البحر "(٣): ((أرادَ بالتعدُّرِ التعذُّرَ الحقيقيَّ، بحيث
لو قامَ سَقَطَ بدليل أنَّه عطَفَ عليه التعذُّرَ الحكمِيَّ، وهو خوفُ زيادةِ المرض، واختلفوا في التعذُّرِ
فقيل: ما يبيحُ الإفطارَ، وقيل: التيمُمَ، وقيل: بحيث لو قامَ سقَطَ، وقيل: ما يُعجِزُهُ عن القيام
بحوائجه، والأصحُّ أنْ يلحقَهُ ضررٌ بالقيام، كذا في "النهاية" و"المجتبى" وغيرهما)) اهـ. فقولُهُ:
((واختلفوا في التعذُّرِ)) أي: في غيرِ عبارة "المصنّف"؛ لِما علمت أنَّ المراد به في كلامه كـ "الكنز"
الحقيقيُّ بدليلٍ عطف الحكميِّ عليه.
وبما تقرَّرَ ظهَرَ ما في كلام "الشارح"، حيث جعَلَ الحقيقيَّ والحكميَّ وصفين للمرض مع
أنّهما صفتان للتعذُِّ؛ لأنَّ المرض فيهما حقيقيٌّ، وكذا قولُهُ: ((وحدُّهُ)) إنْ كان الضميرُ فيه
للمرض الحقيقيِّ فليس ذلك تعريفاً للمرض، بل تعريفُ المرض ما قدَّمناه(٤)، وإنْ كان للتعذُّرِ
المذكور فقد علمتَ أنَّ المراد به في كلام "المصنّف" الحقيقيُّ، وهو ما لو قامَ لَسقَطَ، اللهمَّ إلاَّ أنْ
يعود لمطلقِ التعذُّرِ المبيح للصلاة قاعداً كما هو المرادُ من قول "البحر": ((واختلفوا إلخ))، فافهم.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ق ١٠٢/ب.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ق ١٠٢/ب.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١٢١/٢.
(٤) في هذه المقولة.

الجزء الرابع
٥٢٩
باب صلاة المريض
(قبلَها أو فيها) أي: الفريضةِ (أو) حكميٍّ، بأنْ (خافَ زيادتَهُ أو بُطءَ بُرئِهِ بقيامِهِ
أو دورانَ رأسه أو وجَدَ لقيامِهِ أَلَماً شديداً) أو كان لو صلَّى قائماً سَلِسَ بولُهُ» ....
وقد يأتي الحدُّ بمعنى التمييزِ بين الشيئين، وعليه فيصحُّ عودُهُ لمطلقِ المرض، أي: القدْرُ المميِّزُ
بين ما تصحُّ معه الصلاةُ قاعداً وما لا تصحُّ ما يلحقُهُ بالقيام ضررٌ، وهو شاملٌ حينئذٍ لِما إذا تعذَّرَ
القيامُ حقيقةً بالمعنى المارّ(١) أو حكماً، وأمَّا إذا لم يُمكِن القيامُ أصلاً فهو مفهومٌ بالأَولى.
[٦٢٨٣) (قولُهُ: قبلَها أو فيها) صفةٌ لـ ((مرضٍ))، والمرضُ العارضُ فيها سيأتي(٢) الكلامُ عليه
في قول المتن: ((ولو عَرَضَ له مرضٌ فيها))، ولا ينافي قولُهُ: ((أو فيها)) تقييدَهُ بقولِهِ: ((كلُّهُ))؛
لأنَّ المراد حينئذٍ تعذُّرُ كلِّ القيامِ الواقع بعد عروضِ المرض.
[٦٢٨٤) (قولُهُ: أي: الفريضةِ) أرادَ بها ما يشملُ الواجبَ كالوتر، وما في حكمِهِ كسنَّةٍ
الفجر احترازاً عمَّا عدا ذلك من النوافل، فإنّها تجوزُ من قعودٍ بلا تعذٍُّ قيامٍ.
[٦٢٨٥] (قولُهُ: خافَ) أي: غَلَبَ على ظنّهِ بتجرِبةٍ سابقةٍ أو إخبارِ طبيبٍ مسلمٍ حاذقٍ،
"إمداد"(٣).
[٦٢٨٦] (قولُهُ: بقيامِهِ) متعلّقٌ بـ ((خافَ))، أو بزيادةٍ وبُطْءٍ على سبيلِ التنازع.
[٦٢٨٧] (قولُهُ: أو وَجَدَ لقيامه) أي: لأجلِهِ ألماً شديداً، وهذا وما قبله وما بعده داخلٌ في
أفرادِ الضرر المذكور في قوله: ((وحدُّهُ إلخ))، فافهم.
[٦٢٨٨] (قولُهُ: سَلِسَ) كَفَرِحَ، "ط)"(٤).
﴿باب صلاة المريض﴾
(قولُهُ: لأنَّ المراد حينئذٍ تعذُّرُ إلخ) أو يقال: المرادُ ما إذا عرَضَ عليه المرضُ عقب الإِحرام قبل
أن يأتيَ بشيءٍ من القيام حملاً للفظِ ((كلِّ)) على المتبادر.
(١) في هذه المقولة أيضاً.
(٢) صـ٥٤٥- "در".
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ق ٢٣٥/أ.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ٣١٨/١.

٠
قسم العبادات
٥٣٠
حاشية ابن عابدين
أو تعذَّرَ عليه الصومُ كما مرَّ (صلَّى قاعداً)
[٦٢٨٩] (قولُهُ: أو تعذَّرَ عليه الصومُ) الأَولى أنْ يقول: للصومِ باللام التعليليّة، أي: تعذَّرَ القيامُ
لأجلِ الصيام، وعبارةُ "البحر"(١): ((ودخَلَ تحتَ العجزِ الحكميِّ ما لو صام رمضانَ صلَّى قاعداً،
وإِنْ أفطَرَ صلَّى قائماً يصومُ ويصلّي قاعداً)).
[٦٢٩٠) (قولُهُ: كما مرَّ(٢) أي: في بابِ صفة الصلاة حيث قال: ((وقد يتحتّمُ القعودُ كمَن
يسيلُ جُرحُهُ إِذا قام، أو يَسْلَسُ بولُهُ، أو يبدو ربعُ عورته، أو يضعُفُ عن القراءة أصلاً أو عن صومٍ
رمضان، ولو أضعَفَهُ عن القيام الخروجُ لجماعةٍ صلَّى في بيته منفردً، به يُفْتَى خلافاً
لـ "الأشباه"(٣))، "ح"(٤).
أقولُ: وقدَّمنا (٥) هناك أَنَّه لو لم يَقدِرْ على الإيماء قاعداً - كما لو كان بحالٍ لو صلَّى قاعداً
يسيلُ بوله أو جُرحُهُ، ولو مستلقياً لا - صلَّى قائماً بركوعٍ وسجودٍ؛ لأنَّ الاستلقاءَ لا يجوزُ
بلا عذرٍ كالصلاة مع الحدث، فيترجَّحُ ما فيه الإتيانُ بالأركان كما في "المنية" و"شرحها"(٦)،
(قولُهُ: الأَولى أنْ يقول: للصَّوم) فيه أنَّ قوله: ((أو تعذَّرَ إلخ)) عطفٌ على جوابِ ((لو))، فيكونُ
كأنَّه قال: أو كان لو صلَّى قائماً تعذَّرَ عليه الصومُ، وهذه العبارة مساويةٌ لِما جعَلَهُ أَولى، وليست
إحداهما بأولى من الأخرى.
(قولُهُ: وقدَّمنا هناك أنَّه لو لم يَقدِرْ إلخ) عبارتُهُ هناك عند قوله: ((وقد يتحتَّمُ القعودُ إلخ)): ((أي:
يلزمُهُ الإيماء قاعداً لخلفيّته عن القيام الذي عجَزَ عنه حكماً؛ إذ لو قام لَزِمَ فوتُ الطهارة أو السَّتر
أو القراءة أو الصوم بلا خَلَفٍ، حتَّى لو لم يقدر على الإيماء قاعداً كما إلخ)).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١٢١/٢.
(٢) ١٥٤/٣ "در".
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني - كتاب الصلاة صـ١٩٧ -.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ق ١٠٢/ب.
(٥) المقولة [٣٨٨٠] قوله: ((وقد يتحتم القعود إلخ)).
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - القيام صـ ٢٦٧ -.

الجزء الرابع
٥٣١
باب صلاة المريض
ولو مُستِداً إلى وسادةٍ أو إنسان، فإنّه يلزمُهُ ذلك على المختار.
...
ومن العجزِ الحكميِّ أيضاً ما لو خرَجَ بعضُ الولد وتخافُ خروجَ الوقت تصلِّي بحيث لا يلحقُ
الولدَ ضررٌ، وما لو خافَ العدوَّ لو صلَّى قائماً، أو كان في خِياءِ لا يستطيعُ أنْ يُقِيمَ صُلَبَهُ، وإِنْ
خَرَجَ لا يستطيعُ الصلاة لطينٍ أو مطرٍ، ومَن به أدنى علَّةٍ فخافَ إنْ نزَلَ عن المحملِ بقي في
الطريقِ يصلِّي الفرضَ في محمله، وكذا المريضُ الراكبُ، إلَّ إذا وجَدَ مَن يُنزِلُهُ، "بحر"(١).
(٦٢٩١) (قولُهُ: ولو مُستِداً إلخ) أي: إذا لم يَلحَقْهُ ضررٌ به بدليلٍ ما مرَّ(٢).
[٦٢٩٢) (قولُهُ: أو إنسانٍ) عَّرَ في "العناية "(٢) و"الفتح"(٤) وغيرهما بالخادم بدله، قال "ح "(٥):
((وفيه أنَّ القادر بقدرةِ الغير عاجزٌ عند "الإِمام"، إلاَّ أنْ يراد بالغير غيرُ الخادم، تأمَّل)) اهـ.
أقولُ: قدَّمنا (٦) في باب التيمُّمِ أنَّ العاجز عن استعمالِ الماءِ بنفسه لو وجَدَ مَن تلزمُهُ طاعته
كعبده وولده وأجيره لَزِمَهُ الوضوءُ اتّفاقً، وكذا غيرُهُ ممن لو استعانَ به أعانَهُ في ظاهرِ المذهب
بخلاف العاجز عن استقبال القبلة أو التحوُّلِ عن الفراش النجس، فإنَّه لا يلزمُهُ عنده، والفرقُ أَنَّه
يُخافُ عليه زيادةُ المرضِ في إقامته وتحويله اهـ.
ومقتضاه أَنَّه لو لم يَخَفْ زيادةً المرض يلزمُهُ ذلك، وقدَّمنا (٧) في بحث الصلاة على الداَبّة
من بابِ النوافل عن "المجتبى" ما نصُّهُ: ((وإنْ لم يقدر على القيام أو النزول عن داَتِهِ أو الوضوءِ
(قولُ "الشارح": على المختارِ) ظاهرُهُ كـ "النهر" أنَّ المسألة خلافيَّةٌ، ولم يَحْكِ صاحبُ "البحر"
و "القهستانيُّ" خلافاً. اهـ "ط". ويدلُّ على أنَّها خلافيَّةٌ ما حكاه عن "المجتبى" بقوله: ((وفي قوله نظرٌ،
والأصحُّ اللّومُ إلخ)) فهي خلافيَّةٌ بناءً على إحدى روايتين عن "الإِمام".
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١٢٢/٢ بتصرف.
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) "العناية": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ٤٥٧/١ (هامش "فتح القدير").
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ٤٥٧/١.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ق ١٠٢/ب.
(٦) المقولة [٢٠٥٢] قوله: ((كما في "البحر")).
(٧) المقولة [٥٨٦١] قوله: ((بنفسه)).

قسم العبادات
٥٣٢
حاشية ابن عابدين
(كيف شاءَ) على المذهبِ؛ لأنَّ المرض أسقَطَ عنه الأركانَ، فالهيئاتُ أَولى، وقال
"(زفر": كالمتشهِّدِ،.
إلاَّ بالإِعانة وله خادمٌ يَملِكُ منافعَهُ يلزمُهُ في قولِهما، وفي قوله ◌ٌ نظرٌ، والأصحُّ اللزومُ في الأجنبيِّ
الذي يطيعُهُ كالماء الذي يُعرَضُ للوضوء)) اهـ.
٥٠٨/١
ولا يخفى أنَّ هذا حيث لا يلحقُهُ ضررٌ بالقيام، فلا يُخالِفُ ما قدَّمناه(١) آنفاً، وبه ظهَرَ
أنَّ المراد بالإِنسان مَن يطيعُهُ أعمَّ من الخادم والأجنبيِّ، وأمَّا عدمُ اعتبار القدرة بقدرة الغير عند
"الإِمام" فلعلَّهُ ليس على إطلاقه، بل في بعض المواضع كما قالَهُ "ط"(٢)، ولذا قال في
"المجتبى": ((وفي قوله نظرٌ، أو محمولٌ على ما إذا لم يتيسَّرْ له ذلك إلاَّ بكلفةٍ ومشقّةٍ فلا يلزمُهُ
الانتظارُ إلى حصوله))، فليتأمَّل.
[٦٢٩٣) (قولُهُ: كيف شاءً) أي: كيف تيسَّرَ له بغيرِ ضررٍ مِن ترُّعِ أو غيرِهِ، "إمداد"(٣).
[٦٢٩٤] (قولُهُ: على المذهبِ) جزَمَ به في "الغرر"(٤) و"نور الإيضاح"(٥)، وصحَّحَهُ في
"البدائع"(٦) و"شرح المجمع"، واختارَهُ في "البحر"(٧) و"النهر "(٨).
[٦٢٩٥] (قولُهُ: فالهيئاتُ أَولى) جمعُ هَيْئَةٍ، وهي هنا كيفيَّةُ القعود، قال "ط" (٩): ((وفيه أنَّ
الأركان إنما سقَطَتْ لتعسُِّها، ولا كذلك الهيئاتُ)) اهـ، تأمَّل.
(قولُهُ: ولا كذلك الهيئاتُ) قد يقال: سَقَطَتْ تبعاً للأركان لتبعيَّتها لها وإنْ لم يوجد لها مسقطٌ.
؟ قوله: ((وفي قوله)) أي: الإمام. اهـ منه.
(١) المقولة [٦٢٩٠] قوله: ((كما مرّ)).
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ٣١٨/١.
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ق ٢٣٥/أ.
(٤) انظر "الدرر والغرر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١٢٧/١.
(٥) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض صـ٢٠٧ -.
(٦) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في أركان الصلاة ١٠٦/١.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١٢٢/٢.
(٨) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ق ٧٩/أ.
(٩) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ٣١٨/١ بتصرف يسير.

الجزء الرابع
٥٣٣
باب صلاة المريض
قيل: وبه يُفَتَى (بركوع وسجودٍ وإِنْ قدَرَ على بعضِ القيام) ولو متكئاً على عصاً
. ....
أو حائطٍ (قام) لزوماً بقدْرِ ما يقدِرُ ولو قدْرَ آيةٍ أو تكبيرةٍ على المذهب؛.
[٦٢٩٦] (قولُهُ: قيل: وبه يُفتَى) قالَهُ في "التجنيس" و"الخلاصة"(١) و"الولوالحيَّة"(٢)؛ لأَنّه أيسرُ
على المريض، قال في "البحر"(٣): ((ولا يخفى ما فيه، بل الأيسرُ عدمُ التقييد بكيفيَّةٍ من الكيفيَّات،
فالمذهبُ الأَوَّلُ)) اهـ.
وذكَرَ قبله(٤): ((أَنّ في حالةِ التشهُّدِ يجلسُ كما يجلسُ للتشهُّدِ بالإجماع)) اهـ
أقولُ: ينبغي أنْ يقال: إنْ كان جلوسُهُ كما يجلسُ للتشهُّدِ أيسرَ عليه مِن غيره أو مُساوياً
لغيره كان أَولى، وإلاَّ اختارَ الأيسرَ في جميع الحالات، ولعلَّ ذلك محملُ القولين، والله أعلم.
[٦٢٩٧) (قولُهُ: بركوعٍ) متعلّقٌ بقوله: (صلَّى))، "ط" (٥).
[٦٢٩٨] (قولُهُ: على المذهبِ) في "شرح الحلوانيّ"(٦) نقلاً عن "الهندوانيّ": ((لو قدَرَ على
بعض القيام دون تمامِهِ، أو كان يقدرُ على القيام لبعضِ القراءة دون تمامها يُؤمَرُ بأنْ يُكبِّرَ
قائماً، ويقرأُ ما قدَرَ عليه، ثمَّ يقعدُ إِنْ عجَزَ، وهو المذهبُ الصحيح لا يُروَى خلاقُهُ عن أصحابنا،
(قولُهُ: وإلاَّ اختارَ الأيسرَ إلخ) لا يظهرُ تخييرُهُ في حالةِ التشهُّد؛ إذ السنَّة لا تسقطُ عن المريض
بمجرَّدٍ كون غيرِها أيسرَ، ولذا حَكَوا الإجماع على أنَّه في حالة التشهُّدِ يجلسُ كما يجلس للتشهُّد، نعم
لو كان يلحقُهُ ضَررٌ بها تسقطُ عنه، لكن ليس الكلامُ فيه.
(قولُهُ: لا يُروَى خلاقُهُ عن أصحابنا) الظاهرُ أنَّ مراد "الهندوانيِّ" بقوله: ((ولا يُروَى عن أصحابنا
خلافُهُ)) متقدِّمو أصحابِ "أبي حنيفة"، فلا ينافي أنَّ بعض المتأخرين قال بخلافه، وأشار "الشارحُ" لردِّهِ
بقوله: ((على المذهب)) اهـ "سندي".
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الحادي والعشرون في صلاة المريض ق ٤٩/ب.
(٢) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل العاشر في المريض والإمام والمأموم ق١٣/ب.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١٢٢/٢.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١٢٢/٢.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ٣١٨/١.
(٦) لعله شرح أبي محمد عبد العزيز بن أحمد بن نصر، شمس الأئمة الحلوانيّ (ت ٤٤٨هـ) على "الجامع الكبير" للإمام
محمد. ("كشف الظنون" ٥٦٨/١،" الفوائد البهية "صـ ٩٥-، "هدية العارفين" ٥٧٧/١).

قسم العبادات
٥٣٤
حاشية ابن عابدين
لأنَّ البعض معتبرٌ بالكلِّ (وإنْ تعذَّرًا) ليس تعذُّرُهما شرطاً، بل تعذُّرُ السجودِ كافٍ ...
ولو ترَكَ هذا خِفْتُ أنْ لا تجوزَ صلاته))، وفي "شرح القاضي"(١): ((فإنْ عجَزَ عن القيام مستوياً
قالوا: يقومُ منَّكعاً لا يُجزيه إلاَّ ذلك، وكذا لو عجَزَ عن القعودِ مستوياً قالوا: يقعدُ متَّكئاً لا يُجزيه
إلاَّ ذلك، فَّال(٢) عن "شرح التمرتاشيٍّ" - ونحوُهُ في "العناية"(٣) بزيادةٍ -: وكذلك لو قدَرَ أنْ
يعتمدَ على عصاً، أو كان له خادمٌ لو اتَّكَأَّ عليه قدَرَ على القيام)) اهـ.
[٦٢٩٩] (قولُهُ: لأَنَّ البعض مُعتَبَرٌ بالكلِّ) أي: أنَّ حكم البعض كحكم الكلِّ، بمعنى أنَّ مَن
قدَرَ على كلِّ القيام يلزمُهُ، فكذا مَن قَدَرَ على بعضه.
[٦٣٠٠] (قولُهُ: بل تعذّرُ السجودِ كافٍ) نقَلَهُ في "البحر "(٤) عن "البدائع"(*) وغيرها، وفي
"الذخيرة": ((رجلٌ بحلقِهِ خرَّجٌ إِنْ سحَدَ سال وهو قادرٌ على الركوعِ والقيامِ والقراءةِ يصلّي
قاعداً يُومِىُّ، ولو صلَّى قائماً بركوعٍ وقعَدَ وأومَأَ بالسجود أجزأَهُ، والأوَّلُ أفضلُ؛ لأنَّ القيام
والركوع لم يُشرَعا قُربةً بنفسهما، بل ليكونا وسيلتين إلى السجود)) اهـ
قال في "البحر"(١): ((ولم أرَ ما إذا تعذَّرَ الركوعُ دون السجود، وكأنّه غيرُ واقعٍ)) اهـ. أي:
لأَنّه متى عجَزَ عن الركوع عجَزَ عن السجود، "نهر "(٧). قال "ح "(1): ((أقول: على فرْضِ تصوُّرِهِ
(قولُهُ: فقال عن "شرح إلخ) لعلَّه: "فَتَّال" بالتاءِ لا بالقاف، ويكونُ القصد نسبةَ ما تقدَّمَ إليه كما
هو ظاهرٌ، تأمَّل. ثمَّ رأيت نسخةَ الخطّ ذُكِرَ فيها "فتال" بالتاء لا بالقاف.
(١) أي: "شرح قاضيخان على الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب المريض كيف يصلي؟ ١/ق٣٤/ب بتصرف.
(٢) في "ب" و"م": ((فقال)) وهو تصحيف، والله تعالى أعلم.
(٣) "العناية": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ٤٥٧/١ (هامش "فتح القدير").
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١٢٢/٢.
(٥) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في أركان الصلاة ١٠٧/١ بتصرف.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١٢٢/٢.
(٧) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ق٧٩/أ بتصرف.
(٨) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ق١٠٢/ب.

الجزء الرابع
٥٣٥
باب صلاة المريض
لا القيامِ (أَوْمَأَ) بالهمزِ (قاعداً)
ينبغي أنْ لا يَسقُطَ؛ لأنَّ الركوع وسيلةٌ إليه، ولا يسقُطُ المقصودُ عند تعذُّرِ الوسيلة كما
لم يَسقُط الركوعُ والسجودُ عند تعذُّرِ القيام)).
[٦٣٠١] (قولُهُ: لا القيامُ) معطوفٌ على الضميرِ المرفوع المتّصل في قوله: ((تعذّرًا))،
وهو ضعيفٌ لكونه في عبارةِ المتن بلا فاصلٍ ولا تو كيدٍ.
[٦٣٠٢] (قولُهُ: أومَأَ) حقيقةُ الإيماء طأطأةُ الرأس، ورُوِيَ مجرَّدُ تحريكِها، وتمامُهُ في
"الإِمداد"(١) عن "البحر"(٢) و"المقدسيّ".
[٦٣٠٣) (قولُهُ: أومَأَ قاعداً) لأنَّ ركنيَّةَ القيام للتوصُّلِ إلى السجود، فلا يجبُ دونه،
وهذا أولى من قول بعضهم: صلَّى قاعداً؛ إذ يُفترَضُ عليه أنْ يقومَ للقراءة، فإِذا جاءَ أوانُ
الركوع والسجود أومَأَ قاعداً، كذا في "النهر"(٢).
أقولُ: التعبيرُ بـ ((صلَّى قاعداً)) هو ما في "الهداية"(٤) و"القدوريِ" (٥) وغيرهما، وأمَّا
ما ذكَرَهُ من افتراضِ القيام فلم أره لغيره فيما عندي من كتب المذهب، بل كلُّهم متَّفقون
على التعليلِ بأنَّ القيام سقَطَ لأَنَّه وسيلةٌ إلى السجود، بل صرَّحَ في "الحلبة"(٦): ((بأنَّ هذه
المسألةَ من المسائل التي سقَطَ فيها وجوبُ القيام مع انتفاءِ العجز الحقيقيِّ والحكميِّ)) اهـ.
ويلزمُ على ما قالَهُ أَنَّه لو عجَزَ عن السجودِ فقط أنْ يركع قائماً، وهو خلافُ
المنصوص كما علمتَهُ آنفاً، نعم ذكَرَ "القُهُستانيُّ)(٧) عن "الزاهديِّ": ((أَنَّه يُومِئُ للركوع
قائماً وللسجود جالساً، ولو عكَسَ لم يَحُزْ على الأصحِّ)) اهـ. وحزَمَ به "الولو الجميُّ" (٨).
(١) انظر "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ق ٢٣٥/ب.
(٢) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١٢٣/٢.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ق٧٩/ب.
(٤) "الهداية": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ٧٧/١.
(٥) انظر "اللباب شرح الكتاب": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ٩٩/١.
(٦) "الحلبة": فرائض الصلاة - القيام ٢/ ق ٥٥/ب.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في صلاة المريض ١٥١/١.
(٨) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل العاشر في المريض والإمام والمأموم ق ١٤/أ.

قسم العبادات
٥٣٦
حاشية ابن عابدين
وهو أفضلُ من الإيماء قائماً لقربهِ من الأرض (ويَجعَلُ سجودَهُ أخفضَ من ركوعه)
لزوماً (ولا يرفعُ إلى وجههِ شيئاً يسجُدُ عليهِ) فإنَّه يكرهُ تحريماً (فإنْ فُعِلَ)
لكنْ ذَكَرَ ذلك في "النهر"(١) وقال: ((إلاَّ أنَّ المذهب الإطلاقُ)) اهـ. أي: يُومِئُ قاعداً
أو قائماً فيهما، فالظاهرُ أنَّ ما ذَكَرَهُ هنا سهوٌ، فتَّهْ له.
[٢٣٠٤) (قولُهُ: وهو أفضلُ إلخ) قال في "شرح المنية "(٢): ((لو قيل: إنَّ الإيماء أفضلُ للخروج
من الخلاف لكانَ موجَّهاً، ولكنْ لم أر مَن ذكَرَهُ)) اهـ.
٠
[٦٣٠٥) (قولُهُ: لقربِهِ من الأرض) أي: فيكونُ أشبه بالسجود، "منح"(٣).
[٦٣٠٦) (قولُهُ: وَيَجعَلُ سجودَهُ أخفضَ إلخ) أشارَ إلى أنَّه يكفيه أدنى الانحناءِ عن الركوع،
وأَنّه لا يلزمُهُ تقريبُ جبهته من الأرض بأقصى ما يمكنُهُ كما بسَطَهُ في "البحر"(٤) عن "الزاهديّ".
[٦٣٠٧) (قولُهُ: فإنّه يكرهُ تحريماً) قال في "البحر "(٥): ((واستدلَّ للكراهة في "المحيط" لنهيهِ
عليه الصلاة والسلام عنه (٦)، وهو يدلُّ على كراهةِ التحريم)) اهـ. وتَبِعَهُ في "النهر"(٧).
(قولُهُ: لو قيل: إنَّ الإيماءَ إلخ) أي: قائماً؛ إذ به يخرجُ عن الخلاف، فإنَّ "زفر" و"الشافعي" يقولان:
يُومِئُ بهما قائماً لا يُجزيه غيرُهُ، لكنَّ محلّ استحبابِ مراعاةِ الخلاف إذا لم يلزم ارتكابُ مكروهِ مذهبِهِ،
وهنا كذلك؛ لتصريحهم بأنَّ الأفضل الإيماءُ قاعداً، ومُفاده كراهتُهُ قائماً لمخالفةِ الأفضل.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ق ٧٩/أ.
(٢) "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة - القيام صـ٢٦٦ -.
(٣) "المنح": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١/ق ٢٢/أ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١٢٢/٢.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ١٢٣/٢.
(٦) أخرجه أبو يعلى (١٨١١)، والبزّار (٥٦٨) كتاب الصلاة - باب صلاة المريض، ورجالُ إسنادِهِ رجالُ الصحيح،
وقال البوصيريّ: إسناده صحيح. والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٣٠٦/٢ كتاب الصلاة - باب الإيماء بالركوع
والسجود إذا عجز عنهما، وفي "معرفة السنن والآثار" ٢٢٥/٣ كتاب الصلاة - باب صلاة المريض، وأورده
الهيثميّ في "المجمع" ١٤٨/٢ وقال: رواه أبو يعلى والبزّار بنحوه، ورجالُ البزّارِ رجالُ الصحيح. من حديث
جابري مرفوعاً، وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(٧) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض ق ٧٩/أ.