Indexed OCR Text

Pages 461-480

الجزء الرابع
لم يُحْزِ) لأنّها عبادةٌ بدنيّةٌ (بخلافِ الحجِّ).
٤٥٧
باب قضاء الفوائت
٤٩٢/١
أن [٢/ق ١٠١/أ] يَحسِبَ ما على الميت ويَستقرِضَ بقدْرِهِ، بأنْ يُقَدِّرَ عن كلِّ شهرٍ أو سنةٍ، أو
يَحسِبَ مدَّةُ عمره بعد إسقاطِ اثنتي عشرةَ سنةً للذكر وتسعِ سنين للأنثى؛ لأَنَّها أقلُّ مدَّةِ بلوغهما،
فيجبُ عن كلِّ شهرٍ نصفُ غرارةٍ(١) قمحٍ بالمدِ الدمشقيِّ مدِّ زماننا؛ لأنَّ نصف الصاعِ أقلُّ من ربعٍ
مُدِّ، فتبُغُ كَفَّارَةُ ستِّ صلواتٍ لكلِّ يومٍ وليلةٍ نحوَ مُدِّ وثلثٍ، ولكلٍّ شهرٍ أربعون مداً، وذلك نصفُ
غرارةٍ، ولكلٍّ سنةٍ شمسيَّةٍ ستُّ غرائرَ، فَيَستقرِضُ قيمتَها ويدفعُها للفقير، ثمَّ يستوهُها منه،
ويتسلَّمُها منه لَتِمَّ الهبةُ، ثُمَّ يدفعُها لذلك الفقيرِ أو لفقيرٍ آخرَ، وهكذا فيسقُطُ في كلِّ مرَّةٍ كَفَّارةُ
سنةٍ، وإن استقرَضَ أكثرَ من ذلك يسقُطُ بقدره، وبعد ذلك يعيدُ الدَّوْرَ لكفَّارة الصيام ثمَّ للأضحية
ثُمَّ للأيمان، لكنْ لا بدَّ في كفّارة الأيمان من عشرة مساكينَ، ولا يصحُّ أن يَدفَعَ للواحد أكثرَ من
نصفِ صاعٍ في يومٍ للنصِّ على العدد فيها بخلاف فدية الصلاة، فإنَّه يجوزُ إعطاءُ فديةِ صلواتٍ لواحدٍ
كما يأتي (٢)، وظاهرُ كلامهم أَنَّه لو كان عليه زكاةٌ لا تسقُطُ عنه بدون وصِيَّةٍ؛ لتعليلهم لعدم
وجوبها بدونٍ وصيّةٍ باشتراطِ النَّة فيها؛ لأَنّها عبادةٌ، فلا بدَّ فيها من الفعل حقيقةً أو حكماً، بأنْ
يُوصِيَ بإخراجها، فلا يقومُ الوارثُ مَقَامَهُ في ذلك، ثمَّ رأيتُ في صوم "السِّراج"(٢) التصريحَ بجواز
تبُّعِ الوارث بإخراجها، وعليه فلا بأس بإدارة الوليِّ للزكاة، ثمَّ ينبغي بعد تمام ذلك كلِّهِ أنْ يَتصدَّقَ
على الفقراء بشيءٍ من ذلك المالِ أو بما أوصَى به الميتُ إن كان أوصى.
[٦٠٩٦] (قولُهُ: لم يُحْزِ) الظاهرُ أَنَّه بضمِّ الياء من الإجزاء، بمعنى أنَّ الصلاة لا تسقُطُ عن
الميت بذلك، وكذا الصومُ، نعم لو صامَ أو صلَّى وجعَلَ ثوابَ ذلك للميت صحَّ؛ لأَنَّه يصحُّ
أنْ يَجعَلَ ثوابَ عمله لغيره عندنا كما سيأتي(٤) في باب الحجِّ عن الغير إن شاء الله تعالى.
(١) الغِرارة، بالكسر: شبه العدل اهـ مصباح.
(٢) صـ ٤٥٨- "در".
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الصوم ق ٥٠٥/أ.
(٤) المقولة [١٠٨٨] قوله: ((له جعل ثوابها لغيره)).

قسم العبادات
٤٥٨
حاشية ابن عابدين
لأَنَّه يَقبَلُ النيابةَ، ولو أدَّى لفقيرٍ (١) أقلَّ من نصف صاعٍ لم يَجُزْ، ولو أعطاه الكلَّ
جازَ، ولو فَدَى عن صلاته في مرضِهِ لا يصحُّ بخلافِ الصوم.
[٦٠٩٧) (قولُهُ: لأَنَّه يَقبَلُ النيابةَ) لأَنَّه عبادةٌ مركّبةٌ من البدنِ والمال، فإنَّ العبادة ثلاثةُ أنواعٍ:
ماليّةٌ، وبدنيَّةٌ، ومركّبةٌ منهما، فالعبادةُ الماليّة كالزكاة تصحُّ فيها النيابةُ حالة العجز والقدرة، والبدنيّةُ
كالصلاة والصوم لا تصحُّ فيها النيابةُ مطلقاً، والمركَّبَةُ منهما كالحجِّ إنْ كان نفلا تصحُّ فيه النيابة
مطلقاً، وإنْ كان فرضاً لا تصحُّ إلاَّ عند العجز الدائم إلى الموت كما سيأتي(٢) بيانُهُ في الحجِّ عن
الغير إن شاء الله تعالى.
[٦٠٩٨] (قولُهُ: لم يَحُزْ) هذا ثاني قولين حكاهما في "التتار خانَّةً"(٣) [٢/ق ١٠١/ب] بدون
ترجيحٍ، وظاهرُ "البحر "(٤) اعتمادُهُ، والأوَّلُ منهما أَنَّه يجوزُ كما يجوزُ في صدقة الفطر.
[٦٠٩٩] (قولُهُ: جازَ) أي: بخلاف كفَّارة اليمينِ والظّهارِ والإفطارِ، "تتار خافَّةً"(٥).
[٦١٠٠) (قولُهُ: ولو فَدَى عن صلاِهِ في مرضه لا يصحُّ) في "التتار خانَّة"(٦) عن "النتمَّةِ":
((سُئِلَ "الحسن بن عليٍّ" عن الفدية عن الصلاة في مرض الموت هل تجوزُ؟ فقال: لا، وسُئِلَ
"أبو يوسف" عن الشيخ الفاني(٧) هل تجبُ عليه الفديةُ عن الصلوات كما تجبُ عليه عن الصوم
وهو حيٌّ؟ فقال: لا)) اهـ. وفي "القنية"(٨): ((ولا فديةَ في الصلاة حالةَ الحياة بخلاف الصوم)) اهـ.
أقولُ: ووجهُ ذلك أنَّ النصَّ إنما ورَدَ في الشيخ الفاني أنَّه يُفطِرُ ويَقدي في حياته، حتّى
إنَّ المريض أو المسافر إذا أفطَرَ يلزمُهُ القضاء إذا أدرَكَ أَيَّامً أخر، وإلاَّ فلا شيءَ عليه، فإِنْ أدرَكَ
(١) في "و": ((الفقير )).
(٢) المقولة [١٠٨٩٨] قوله: ((تقبل النيابة)).
(٣) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل العشرون في قضاء الفائتة ٧٧١/١.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٩٨/٢.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل العشرون في قضاء الفائتة ٧٧١/١ نقلاً عن "الحجة".
(٦) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل العشرون في قضاء الفائتة ٧٧١/١.
(٧) عبارة "التاتر خانية": ((وسئل حمير الوَبَرِيّ ويوسف بن محمد عن الشيخ الفاني)).
(٨) لم نعثر على هذا النقل في مخطوطة "القنية" التي بين أيدينا.

الجزء الرابع
٤٥٩
باب قضاء الفوائت
(ويجوزُ تأخيرُ الفوائت) وإنْ وَجَبَتْ على الفَوْرِ (لعذرِ السعي على العيالِ وفي
الحوائجِ على الأصحِّ) وسحدةُ التلاوة،.
ولم يَصُمْ يلزمُهُ الوصيّةُ بالفدية عمَّا قدَرَ، هذا ما قالوه، ومقتضاه أنَّ غير الشيخ الفاني ليس له أنْ
يفديَ عن صومه في حياته لعدم النصرِّ، ومثلُهُ الصلاة، ولعلَّ وجهَهُ أَنَّه مُطالَبٌ بالقضاء إذا قدَرَ،
ولا فديةَ عليه إلاَّ بتحقَّقِ العجز عنه بالموت، فيوصي بها بخلاف الشيخ الفاني، فإِنَّه تحقَّقَ عجزُهُ
قبل الموت عن أداءِ الصوم وقضائه، فيفدي في حياته، ولا يتحقّقُ عجزُهُ عن الصلاة؛ لأَنَّه يصلّي بما
قدَرَ ولو مومياً برأسه، فإنْ عجَزَ عن ذلك سقَطَتْ عنه إذا كَثُرَتْ، ولا يلزمُهُ قضاؤها إذا قدَرَ كما
سيأتي(١) في باب صلاة المريض، وبما قرَّرنا ظهَرَ أنَّ قول "الشارح": ((بخلاف الصوم)) - أي: فإنَّ
له أن يَفدِيَ عنه في حياته - خاصٌّ بالشيخ الفاني، تأمَّل.
[٦١٠١) (قولُهُ: ويجوزُ تأخيرُ الفوائت) أي: الكثيرةِ المسقِطةِ للترتيب.
[٦١٠٢) (قولُهُ: لعذرِ السَّعي) الإضافة للبيان، "ط"(٢). أي: فيسعَى ويقضي ما قدَرَ بعد
فراغه، ثمَّ وثمَّ إلى أنْ تَنِمَّ.
(٦١٠٣) (قولُهُ: وفي الحوائجِ) أعمُّ مما قبله، أي: ما يحتاجُهُ لنفسه من جلبِ نفعٍ ودفعٍ ضر،
وأمَّا النفلُ فقال في "المضمرات": ((الاشتغالُ بقضاء الفوائت أَولى وأهمُّ من النوافل إلاَّ سننَ
المفروضة، وصلاةَ الضحى، وصلاةَ التسبيح، والصلاةَ التي رُوِيَتْ فيها الأخبار)) اهـ "ط) (٣). أي:
كتحيَّةِ المسجد، والأربعِ قبل العصر، والستِّ بعد المغرب.
[٦١٠٤) (قولُهُ: وسجدةُ التلاوة) أي: في خارج الصلاة، أمَّا فيها فعلى الفور، وفي "الحلبة"(٤)
من باب سجود التلاوة عن "شرح الزاهديِّ": ((أداءُ هذه السجدة في الصلاة على الفور
(١) المقولة [٦٣١٩] قوله: ((بأن زادت على يوم وليلة)).
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٣٠٨/١.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٣٠٨/١، وفيه: ((الصلوات التي رويت إلخ)).
(٤) "الحلبة": التكملة - الفصل السادس عشر في سجدة التلاوة والشكر ٢/ق ٢٩٧/أ.

قسم العبادات
٤٦٠
حاشية ابن عابدين
والنذرُ المطلقُ، وقضاءُ رمضان موسَّعٌ، وضيَّقَ "الحَلْوانيُّ"، كذا في "المجتبى".
(ويُعذَرُ بالجهل حربِيٌّ أسلَمَ ثَمَّةَ ومِكَثَ مدَّةً فلا قضاءَ عليه) لأنَّ الخطاب إنما يلزمُ بالعِلْم
وكذا خارجَها عند "أبي يوسف"، وعند "محمَّدٍ" على التراخي، وكذا الخلافُ في قضاء
[٢/ق١٠٢/أ] الصلاة والصوم والكفَّارة والنذورِ المطلقة والزكاة والحجِّ وسائر الواجبات، وعن
"أبي حنيفة" روايتان، وقيل: قضاءُ الصلاة على التراخي اتّفاقاً، والأصحُّ عكسُهُ)) اهـ.
[٦١٠٥) (قولُهُ: والنذرُ المطلقُ) أمَّا المعَيَّنُ بوقتٍ فيجبُ أداؤه في وقته إنْ كان معلّقاً، وفي غير
وقته يكونُ قضاءً، "ط)"(١).
[٦١٠٦) (قولُهُ: وضَّقَ "الحَلْوانِيُّ") قال في "البحر "(٢) بعد ذلك: ((وذكَرَ "الولوالجيُّ))(٣) من
الصوم: أنَّ قضاء الصوم على التراخي، وقضاءً الصلاة على الفور إلاَّ لعذرٍ)) اهـ.
[٦١٠٧) (قولُهُ: بالجهلِ) لللأحكام الشرعيّة كوجوب صومٍ وصلاةٍ وزكاةٍ.
[٦١٠٨) (قولُهُ: أسلَمَ ثَمََّ) أي: هناك، أي: في دارِ الحرب.
[٢١٠٩] (قولُهُ: بالعلمِ) فإذا بلَّغَهُ في دار الحرب رجلٌ واحدٌ فعليه قضاءُ ما ترَكَهُ بعده
عندهما، وهو إحدى الروايتين عن "الإِمام"، وفي رواية "الحسن" عنه: لا يلزمُهُ حتى يُخبِرَهُ رجلان
عَدْلان مسلمان، أو رجلٌ وامرأتان، وأمَّا العدالةُ ففي "المبسوط "(٤): ((أَنَّها شرطٌ عندهما))،
٤٩٣/١
(قولُهُ: فيجبُ أداؤه في وقته إلخ) سيأتي له في آخر الصوم وفي أوائل الأيمان الفرقُ بين المعلَّقِ
وغيره، وهو أنَّ المعلَّقَ على شرطٍ لا ينعقدُ سبباً للحال بل عند وجودٍ شرطه، فلو جاز تعجيلُهُ لَزِمَ
وقوعُهُ قبل سببه فلا يصحُّ، قال: ((ويظهرُ من هذا أنَّ المعلَّقَ متعيِّنٌ فيه الرَّمانُ بالنظر إلى التعجيل، أمّا
تأخيرُهُ فالظاهرُ أَنَّه جائزٌ؛ إذ لا محذورَ فيه)) إلى آخر ما أفاده.
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٣٠٨/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٨٥/٢.
(٣) لم نعثر عليها في الولوالجية.
(٤) انظر "المبسوط": كتاب آداب القاضي ٨٨/١٦.

الجزء الرابع
٤٦١
باب قضاء الفوائت
أو دليلِهِ ولم يوجدا (كما لا يَقضي مرتدٌّ ما فاتَهُ زمنَها ) ولا ما قبلَها.
ورَوَى "أبو جعفرِ" في "غريب الرواية": ((أَنّها غيرُ شرطٍ عندهما، حتَّى إذا أخبَرَهُ رجلٌ فاسقٌ أو
صبيٌّ أو امرأةٌ أو عبدٌ فإنَّ الصلاة تلزمُهُ))، "تتار خانَّةً"(١).
[٦١١٠] (قولُهُ: أو دليلِهِ) أي: دليلِ العلمِ، وهو الكونُ في دار الإِسلام لاشتهارِ الفرائض فيها،
فمَن أسلَمَ فيها لَزِمَهُ قضاءُ ما ترَكَ.
[٦١١١] (قولُهُ: زمنَها) منصوبٌ ظرفٌ لقوله: ((فَتَهُ))، "ح(٢). والضميرُ الرِّدَّةِ المفهومة من
قوله: ((مُرْتَدٌ)).
[٦١١٢] (قولُهُ: ولا ما قبلَها) عطفٌ على ((ما فاتَهُ))، وأعادَ ((لا)) النافيةَ لتأكيد النفي، وعلى
هذا يصيرُ المعنى: ولا يعيدُ ما أدَّاه قبلها بدليلِ العطف المذكور؛ لأنّه مقابلٌ للمعطوف عليه، وبدليلِ
قوله: ((إلاَّ الحجَّ))؛ لأنَّ معناه: إذا أدَّاه قبلها يقضيه، ولو كان المعنى أنَّه لا يقضي ما فاتَهُ قبلها
لكانَ حقُّ التعبير أن يقول: أو قبلَها عطفاً على ((زمنَها)) العاملِ فيه قولُهُ: ((فَاتَهُ))، ولَخالَفَ
(قولُهُ: فإنَّ الصلاة تلزمُهُ) فعلى هذه الرِّواية لا يُشترَطُ شطرُ الشَّهادة ولا شرطُها من بلوغٍ وحرِّيَّةٍ
وعدالةٍ، بل ولا يضرُّ انفرادُ الأنثى.
(قولُهُ: بدليلِ العطفِ المذكور) العطفُ ليس دليلاً وافياً، فإنَّ صحَّةَ المقابلة لا تقتضي تقديرَ لفظِ
((أدَّاه))، ويكفي لها اختلافُ زمنِ المعطوف والمعطوف عليه، تأمَّل. وقال "السنديُّ" في "شرحه":
((ولا يقضي المرتدُّ ما فاتَّهُ قبلها، أي: مما أدَّه وبطَلَ بردَّتِهِ )) اهـ. وأيضاً استثناءُ الحجِّ لا يصلحُ دليلاً
التقديرِ ((أدَّه)) بعد ((ما))، فإنَّ ((ما)) عامَّةٌ، والظرفُ لغوٌ متعلَّقُه عامٌّ، فتكونُ ((ما)) عبارةً عن عبادةٍ
كائنةٍ قبل الردَّة، وهي أعمُّ مما أدَّاه قبلها أو فاتَّتُهُ، واستثناءُ بعضِ ما تناوَلَهُ عموم المستثنى منه لا يقتضي
أنّه خاصٌّ كالمستثنى، فلا يدلُّ أَنَّه مؤدَّىٌّ أيضاً، فلم يدلَّ على تقدير خصوصِ متعلَّقِ الظرف، تأمَّل.
(١) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل العشرون في قضاء الفائتة ٧٦٨/١.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق ١٠٠/أ.

قسم العبادات
٤٦٢
حاشية ابن عابدين
إلاَّ الحجَّ؛ لأَنّه بالرِّدَّةِ يصيرُ كالكافر الأصليِّ (و) لذا (يلزمُ بإعادةِ فرضٍ) أدَّه ثمَّ
(ارتَدَّ عقِبَهُ وتابَ) أي: أسلَمَ (في الوقت) لأَنَّه حبطَ بالرِّدَّة، قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ
بِ لْإِيَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة - ٥]،.
ما سيأتي(١) في باب المرتدِّ، ونقَلَهُ في "البحر"(٢) هناك عن "الخانّة"(٣) بقوله: ((إذا كان على المرتدِّ
قضاءُ صلواتٍ وصياماتٍ تَرَكَها في الإِسلام ثمَّ أسلَمَ قال شمس الأئمَّة "الحَلْوانِيُّ": عليه قضاءُ ما
تَرَكَ في الإِسلام؛ لأنَّ ترك الصيام والصلاة معصيةٌ، والمعصيةُ تبقى بعد الرِّدَّة)) اهـ، فافهم.
[٦١١٣) (قولُهُ: إلاَّ الحجَّ) لأنَّ وقته العمرُ، فلمَّا حَبِطَ بالرِّدَّة ثمَّ أدرَكَ وقته مسلماً لَزِمَهُ.
[٦١١٤] (قولُهُ: لأَنّه بالرِّدَّة إلخ) تعليلٌ للمتن ولقوله: ((إلاَّ الحجَّ))، أي: فإنَّ الكافر الأصليَّ
إذا أسلَمَ لا يلزمُهُ قضاء ما فاتَهُ زمنَ كفره لعدم خطاب الكفّار بالشرائع عندنا كما في "فتح
القدير "(٤)، بل يلزمُهُ ما أدرَكَ وقته بعد الإِسلام، والحجُّ وقَتُهُ باقٍ، فيلزمُهُ [٢/ق١٠٢/ب] كما
يلزمُهُ أداءُ صلاةٍ أسلَمَ في وقتها، فكذا المرتدُّ.
[٦١١٥) (قولُهُ: ولذا) أي: لكونِهِ كالكافر الأصليِّ.
[٦١١٦) (قولُهُ: لأَنّه حَبطَ) أي: بطَلَ، والأحسنُ عطفُهُ بالواو على قوله: ((ولذا)) ليكونَ علَّةً
ثانيةً للزوم الإِعادة، تأمَّل.
(قولُ "الشارح": إلَّ الحجَّ) قال "أبو الحسن السنديُّ": (( فيه تسامحٌ؛ إذ ليس عليه قضاءُ الحجِّ
الذي أتى به أوَّلاً، نعم إنْ حصَّلَتْ له الاستطاعةُ بالزَّاد والرَّاحلة بعد الإسلام صار مكلّفاً به ابتداءً))
انتهى. اهـ "سندي". وعليه فالمرادُ بقضاء الحجِّ فعلُهُ.
(قولُهُ: ولقوله: إلاَّ الحجَّ) يظهرُ صحَّةُ جعلِهِ تعليلاً لقوله: ((ولا ما قبلها)) أيضاً؛ إذ المؤدَّة قبل
الرِّدَّة وإنْ حبطت بها لا يلزمُهُ القضاء؛ لأَنَّه صار بها كالكافر الأصليِّ.
(قولُهُ: ليكونَ عَلَّةً ثانيةً لِلزومِ الإِعادة) الذي ظهَرَ أنَّ قوله: ((لأَنَّه حَبِطَ)) علَّةٌ للعلَّة الأولى،
(١) المقولة [٢٠٤٦٠] قوله: ((إلا الحج)).
(٢) "البحر": كتاب السير - باب أحكام المرتدين ١٣٧/٥.
(٣) "الخانية": كتاب السير - باب الردة وأحكام أهلها ٥٨٢/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٤٣٤/١.

الجزء الرابع
٤٦٣
باب قضاء الفوائت
وخالَفَ "الشافعيُّ" بدليلٍ ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة-٢١٧]. قلنا: أفادَتْ
عملين وجزاءين: إحباطَ العمل والخلودَ في النار، فالإِحباطُ بالرِّدَّة، والخلودُ بالموت
عليها، فليحفظ.
(فروعٌ) صبيٌّ احتَلَمَ.
[٦١١٧] (قولُهُ: وخالَفَ "الشافعيُّ) أي: حيث قال: لا يلزمُ الإعادة؛ لأنَّ إحباط العمل معلّقٌ
في الآيةِ بالموت على الرِّدَّة.
[٦١١٨] (قولُهُ: قلنا إلخ) حاصلُ الجواب: أنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ.
فَيَمُتْ وَهُوَ كَاِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِّدُونَ﴾
[ البقرة - ٢١٧] فيه ذكرُ عَمَلين: أحدُهما الرَِّّةُ والآخرُ الموتُ عليها، أي: الاستمرارُ عليها إلى
الموت، وذكرُ جزاءَين، لكلِّ عملٍ جزاءٌ على اللغِّ والنشر المرتَّبِ، فإحباطُ الأعمال جزاءُ الرِّدَّة،
والخلودُ في النار جزاءُ الموت عليها، بدليل أنَّه في الآية الأُولى علَّقَ حَبْطَ العمل على مجرَّدِ الكفر
بما آمَنَ به، ومثلُ قولُهُ تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوْ لَحَبِطَ عَنْهُم ◌َّاكَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام-٨٨].
مطلبٌ: إذا أسلَمَ المرتدُّ هل تعودُ حسناتُهُ أم لا ؟
مقتضى كون حَبْطِ العمل في الدنيا والآخرة جزاءَ الرِّدَّ وإن لم يَمُتْ عليها عندنا أنَّه لو أسلَمَ
(تنبيةٌ)
كأنّه قيل له: إنَّ كونَهُ كالكافرِ الأصليِّ لا يقتضي إعادةَ فرضٍ إلخ؛ لِما أنَّه صلاَّه قبلها بخلاف
الكافر الأصليِّ، فبيَّنَ أَنَّه بالردَّة حَبِطَ فساواه، وقد أدرَكَ آخرَ الوقت الذي هو مناطُ الوجوب، تأمَّل.
(قولُهُ: مقتضى كونِ حَبْطِ العملِ إلخ) لا يلزمُ من بطلانِ عمله وحبوطِهِ في الدنيا والآخرة جزاءً للرِّدَّة
وإن لم يَمُت عليها عدمُ إعادته تعالى له فضلاً وإحساناً منه؛ إذ الإعادةُ أمرٌ آخرُ غير البطلان، وليس هذا
كما يقولُهُ "الشافعيُّ"؛ إذ هو قائلٌ: إنَّ أصل البطلان معلّقٌ بالردَّةِ والموتِ عليها، ومما يدلُّ على عدم التلازم
ما نقلَهُ عن "التتار خانيَّةً" عن أصحابنا: ((أَنَّ حسناتِهِ تعودُ وإن لم يَعُدْ ما بطَلَ من ثوابه)).

قسم العبادات
٤٦٤
حاشية ابن عابدين
لا تعودُ حسناته، وإلاّ كان جزاءً لها وللموت عليها معاً كما يقولُهُ "الشافعيُّ" رحمه الله تعالى، وفي
"البحر" و"النهر" من باب المرتدِّ عن "التتار خانيَّة" معزيًّاً إلى "النتمَّة": ((لو تابَ المرتدُّ قال "أبو
عليّ"(١) و"أبو هاشمٍ)(٢) من أصحابنا(٣): تعودُ حسناته، وقال "أبو قاسمِ الكعبيُّ" (٤): لا تعودُ(٥)،
ونحن نقولُ: إنّه لا يعودُ ما بطَلَ من ثوابه، ولكنْ تعودُ طاعته المتقدِّمة مؤثّرةً في الثواب بعدُ)) اهـ.
ولعلَّ معنى كونها مؤثّرةً في الثواب بعدُ أنَّ الله تعالى يُثِيُّهُ عليها ثواباً جديداً بعد رجوعه إلى
الإِسلام غيرَ الثواب الذي بطَلَ، أو أنَّ الثواب بمعنى الاعتدادِ بها وعدمٍ مطالبته بفعلها ثانياً وإنْ
حكمنا ببطلانها؛ لأنَّ ذلك فضلٌ من الله تعالى، تأمَّل. وبقي هل يسقُطُ بإسلامه ما فعَلَهُ من
المعاصي قبل الرِّدَّة؟ مقتضى ما قدَّمناه (٦) عن "الخانَيَّة" أنّها لا تسقُطُ، وهو قولُ كثيرٍ من المحقّقين،
(١) أبو عليّ محمد بن عبد الوهاب المعروف بالجُبَّائيّ(ت٣٠٣هـ) أحد أئمة المعتزلة. ("وفيات الأعيان" ٢٦٧/٤،
"اللباب" ٢٥٥/١).
(٢) الذي في "التاتر خانية": ((أبو هشام)) وهو تحريف.
(٣) الذي في "التاتر خانية" و"البحر" و"النهر": ((وأصحابنا)).
(٤) أبو القاسم عبدالله بن أحمد بن محمود الكَعْبِيّ البلخيّ المعتزليّ (ت٣١٩هـ). ("وفيات الأعيان"٤٥/٣،"الجواهر
المضية"٣٠٠/٤،٢٩٦/٢، "هدية العارفين"٤٤٤/١).
(٥) نصُّ "التاتر خانية" مخالف لما نقله عنها صاحب "البحر"، ودونك نصَّ "التاتر خانية": ((فعند أبي عليّ وأبي هاشم
أنّها لا تعود، وعند أبي القاسم الكعبي أنّها تعود ... إلخ )).
والعلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى اعتمد في هذا الموضع نَقْلَ "البحر" المحرّف، على حين أنّه أشار في باب المرتد
عند المقولة [٢٠٤٥٩] قوله: ((وما أدى منها فيه يبطل))، وفي حاشيته على "البحر الرائق" ١٣٧/٥، إلى أنّ
صاحب "البحر" ذكر الخلاف معكوساً، فقال - بعد نقله نصّاً عن "شرح المقاصد" للتفتازانيّ -: ((وهذا يفيد أن
الخلاف بين أبي عليّ وأبي هاشم وبين الكعبي على عكس ما ذكر المؤلف)) أي: صاحب "البحر"، وتجدر الإشارة
هنا إلى أنّ صاحب "النهر" نقل نصَّ "التاتر خانية" نقلاً صحيحاً. انظر "التاتر خانية": كتاب أحكام المرتدين - فصل
في إجراء كلمة الكفر ٤٦١/٥، و"البحر": باب أحكام المرتدين ١٣٧/٥، و"النهر": باب المرتدين ق ٣٣٦/أ.
(٦) المقولة [٦١١٢] قوله: ((ولا ما قبلها)).

الجزء الرابع
٤٦٥
باب قضاء الفوائت
بعد صلاة العشاء، واستيقَظَ بعد الفجر لزمَهُ قضاؤها. صلَّى في مرضه بالتيمُّمِ
والإيماءِ ما فاتَهُ في صحَتِهِ.
وعند العامَّة يسقُطُ كما بسَطَهُ "القُهُستانيُ))(١) في باب المرتدِّ، وهو الظاهرُ لحديثِ: ((الإِسلامُ
يَجُبُّ ما قبله))(٢)، وهو بعمومه يشملُ إسلامَ المرتدِ، لكنْ ينبغي عدمُ الخلاف في لزوم قضاء ما
ترَكَهُ في الإسلام، وإنما الخلافُ في [٢/ق١٠٣ /أ] سقوط إثمِ التأخيرِ والمطلِ في الدَّين الذي من
حقوقِ العباد، وسيأتي(٣) تحقيقُهُ هناك إن شاء الله تعالى.
[٦١١٩) (قولُهُ: بعدَ صلاة العشاء) مصدرٌ مضافٌ إلى مفعوله، أي: بعد أنْ صلَّى العشاء.
[ مطلبٌ: أوَّلُ مسألةٍ تعلَّمَها "محمَّدٌ" من "الإمام" ]
[٦١٢٠) (قولُهُ: لَزِمَهُ قضاؤها) لأَنَّها وقَعَتْ نافلةً، ولَمَّا احتلَمَ في وقتها صارَتْ فرضاً عليه؛
لأنَّ النوم لا يَمنَعُ الخطاب، فيلزمُهُ قضاؤها في المختار، ولذا لو استيقَظَ قبل الفجر لَزِمَهُ إعادتها
إجماعاً كما قدَّمناه(٤) أوَّلَ كتاب الصلاة عن "الخلاصة"، وفي "الظهيريَّة"(٥): ((حُكِي عن "محمَّدِ بن
الحسن" أَنَّه جاء إلى "الإِمام" أوَّلَ احتلامه فقال: ما تقولُ في غلامِ احتلَمَ في الليل بعدَما صلَّى
(قولُ "الشارح": لَزِمَهُ قضاؤها) قال "السنديُّ": ((هذا ظاهرٌ إذا بلَغَ بالسنِّ اتفاقاً حيث بلَغَ قبل
الفجر، وأمَّا لو بلَغَ باحتلامِ وإنزالٍ في نومه ولم يَدْرِ هل احتلَمَ قبل الفجر أو بعده؟ فالمختارُ أنَّ عليه
قضاءَ العشاء؛ لأَنَّه يُجعَلُ كونُهُ محتلماً في أوَّل نومه كما تقدَّمَ فيمن باتَتْ نُفساءَ فقامت طاهرةً، فإنّه
يلزمُها القضاءُ وإن انتَبَهَتْ بعد الفجر)).
(١) "جامع الرموز": كتاب الجهاد ٣٣٠/٢.
(٢) أخرجه أحمد ٢٠٤/٤ - ٢٠٥، والطبرانيّ في "الأحاديث الطوال" صـ٢١٦- (١٢)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى"
١٢٣/٩ كتاب السير - باب ترك أخذ المشركين بما أصابوا. من حديث عمرو بن العاص ظته مرفوعاً.
(٣) المقولة [٢٠٤٥٨] عند قوله: ((والمعصية تبقى بعد الردة)).
(٤) المقولة [٣١٧٣] قوله: ((وإن صليا في أول الوقت)).
(٥) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الرابع - الفصل الأول في الترتيب وقضاء المتروكات ق ٣١/أ.

قسم العبادات
٤٦٦
حاشية ابن عابدين
صحَّ، ولا يعيدُ لو صحَّ. كثُرَت الفوائتُ نَوَى أوَّلَ ظهرِ عليه أو آخرَهُ، وكذا الصومُ
العشاء هل يعيدُها؟ قال: نعم، فقام "محمَّدٌ" إلى زاويةِ المسجد وأعادَها، وهي أوَّلُ مسألةٍ تعلَّمَها من
"الإِمام"، فلمَّا رآه يعملُ بعلمه تفرَّسَ فقال: إنَّ هذا الصبيَّ يصلُحُ، فكان كما قال)) اهـ ملخَّصاً.
[٦١٢١) (قولُهُ: صَحَّ) لأَنَّه مخاطبٌ بقضائها في ذلك الوقتِ، فيلزمُهُ قضاؤها على قَدْرِ وُسعِهِ،
أمَّا إذا لم يكن عذرٌ فإنَّه يلزمُهُ قضاء الفائتة على الصِّفَةِ التي فاتَتْ عليها، ولذا يقضي المسافرُ فائتةً
الحضر الرباعيَّةَ أربعاً، ويقضي المقيمُ فائتةَ السفر ركعتين؛ لأنَّ القضاء يحكي الأداءَ إلاَّ لضرورةٍ.
[٦١٢٢] (قولُهُ: كَثُرَت الفوائتُ إلخ) مثلُهُ: لو فاَتَهُ صلاة الخميس والجمعة والسبت، فإذا
٤٩٤/١ قضاها لا بدَّ من التعيين؛ لأنَّ فجر الخميس مثلاً غيرُ فجرِ الجمعة، فإنْ أراد تسهيلَ الأمر يقولُ:
أوَّلَ فجرِ مثلاً، فإنَّه إذا صلَّهُ يصيرُ ما يليه أوَّلاً، أو يقولُ: آخرَ فجرٍ، فإنَّ ما قبله يصيرُ آخراً،
ولا يضُرُّه عكسُ الترتيب لسقوطه بكثرة الفوائت، وقيل: لا يلزمُهُ التعيين أيضاً كما في صومِ أيّامٍ
من رمضانٍ واحدٍ، ومشى عليه "المصنّف" في مسائلَ شتى آخر الكتاب(١) تبعاً لـ "الكنز)" (٢)،
وصحَّحَهُ "الْقُهُستانيُ)(٣) عن "المنية"(٤)، لكن استشكَلَهُ في "الأشباه"(٥) وقال: ((إِنَّه مخالفٌ لِما
ذكَرَهُ أصحابنا كـ "قاضي خان" (٦) وغيرِهِ، والأصحُّ الاشتراط)) اهـ.
قلت: وكذا صحَّحَهُ في "الملتقى(٧) هناك، وهو الأحوطُ، وبه جزَمَ في "الفتح" كما
قدَّمناه(٨) في بحث النَّة، وجزَمَ به هنا صاحب "الدرر"(٩) أيضاً.
(١) انظر المقولة [٣٦٩٠٥] قوله: ((ولو عن رمضانين إلخ)).
(٢) انظر "شرح العينيّ على الكنز": مسائل شتى ٣٥٦/٢.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - شروط الصلاة ٨٤/١.
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في سجود السهو صـ ٤٧٣ -.
(٥) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الثانية صـ٢٦- بتصرف نقلاً عن "التبيين".
(٦) "الخانية": كتاب الصلاة - باب افتتاح الصلاة ٨٢/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "ملتقى الأبحر": مسائل شتى ٣٣٧/٢.
(٨) المقولة [٣٧١٢] قوله: ((وسيجيء)).
(٩) "الدرر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١٢٧/١.

الجزء الرابع
٤٦٧
باب سجود السهو
لو من رمضانين، هو الأصحُّ، وينبغي أنْ لا يطَّلِعَ غيرُهُ على قضائه؛ لأنَّ التأخير
معصيةٌ، فلا يُظهِرُها.
﴿بابُ سجود السهو﴾
من إضافةِ الحكم إلى سببه،.
[٦١٢٣] (قولُهُ: لو من رمضانين) لأنَّ كلَّ رمضانٍ سببٌ لصومه، فصارَ كظهرين من يومين
بخلاف صومٍ يومين من رمضانٍ واحدٍ، فيصحُّ وإنْ لم يُعِّنِ القضاءَ عن اليوم الأوَّلِ أو الثاني منه.
(٦١٢٤] (قولُهُ: وينبغي إلخ) تقدَّمَ(١) في باب الأذان أنَّه يكرهُ قضاءُ الفائتة في المسجد، وعلَّلهُ
"الشارح" بما هنا: [٢/ق١٠٣/ب] ((من أنَّ التأخير معصيةٌ، فلا يُظهِرُها))، وظاهرُهُ أنَّ الممنوع
هو القضاءُ مع الاطلاع عليه، سواءٌ كان في المسجد أو غيره كما أفادَهُ في "المنح"(٢).
قلت: والظاهرُ أنْ ينبغيَ هنا للوجوب، وأنَّ الكراهة تحريمَيَّةٌ؛ لأنَّ إظهار المعصية معصيةٌ
لحديثِ "الصحيحين"(٣): ((كلُّ أُمَّتِي مُعافىٍّ إلَّ المجاهرين، وإنَّ من الجِهارِ أنْ يعمل الرجلُ بالليل
عملاً ثمَّ يُصبِحَ وقد ستَرَهُ الله فيقول: عملتُ البارحةَ كذا وكذا، وقد باتَ يسترُهُ ربُّه ويُصبِحُ
يكشفُ سترَ الله عنه))، والله تعالى أعلم (٤).
﴿بابُ سجود السَّهو﴾
[٦١٢٥) (قولُهُ: من إضافةِ الحكم إلى سببه) قال في "العناية"(٥): ((وهي الأصلُ في الإضافات؛
(١) ٦٠١/٢ -٦٠٢ "در".
(٢) "المنح": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١/ق٥٩/ب.
(٣) أخرجه البخاريّ (٦٠٩٦) كتاب الأدب - باب ستر المؤمن على نفسه، ومسلم (٢٩٩٠) كتاب الزهد - باب
النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٣٣٠/٨ كتاب الأشربة - باب ما جاء في
الاستتار بستر الله، من حديث أبي هريرة عليه مرفوعاً.
(٤) في "د" زيادة": ((رجلٌ يقضي صلاة عمره مع أنَّه لم يَفْتْهُ شيءٌ منها، قال بعضهم: يكره، وقال بعضهم: لا يكره؛
لأنه أخذ بالاحتياط، "خانية". قلت: وفي "التاتر خانية": والصحيح أنه يجوز إلا بعد صلاة الفجر والعصر وقد فعل
ذلك كثير من السلف رحمهم الله تعالى لشبهة الفساد. اهـ))
(٥) "العناية": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٣٤/١ بتصرف يسير (هامش "فتح القدير").

قسم العبادات
٤٦٨
حاشية ابن عابدين
وأَولاه بالفوائت لأنّه لإصلاح ما فاتَ، وهو والنسيانُ والشكُّ واحدٌ عند الفقهاء،
لأنَّ الإِضافة للاختصاص، وأقواه اختصاصُ المسبّبِ بالسبب)) اهـ.
لكنْ فيه أنَّ السجود ليس حكماً، بل هو متعلَّقُهُ، والحكمُ هنا الوجوب، وأجيب بأنّه على
تقديرِ مضافٍ، أي: وجوبِ سجودِ السهو، تأمَّل.
[٦١٢٦] (قولُهُ: وأَولاه بالفوائتِ) أي: قرَنَهُ بها على طريق التضمين، ولذا عدَّاه بالباء، وإلاّ
فهو من الوَلْيِ بمعنى القربِ والدنوِّ كما في "القاموس"(١)، فُيُعدَّى إلى المفعول الثاني بِمِن لا بالباء،
يقال: أَوَلَيْتُ زيداً من عمرو، أي: قرَّتُهُ منه.
[٦١٢٧] (قولُهُ: لأَنّه لإصلاحِ ما فاتَ) أي: ما تُرِكَ من الواجبات في محلّه، كما أنَّ قضاء
الفوائت لإصلاحِ ما فات وقتُهُ بفعله بعده.
[٦١٢٨] (قولُهُ: وهو) أي: السهوُ.
[٦١٢٩] (قولُهُ: واحدٌ عند الفقهاء) خبرٌ عن ((هو)) وما عُطِفَ عليه، أي: معنى هذه
الثلاثةِ واحدٌ عند الفقهاء، وفي ذكرِ الشكِّ نظرٌ، وفي "البحر"(٢) عن "التحرير"(٣): ((لا فرقَ
في اللغة بين النسيان والسهو، وهو عدمُ استحضار الشيء في وقت الحاجة))، قال "الرمليُّ":
﴿باب سجود السَّھو﴾
(قولُهُ: وأُجيبَ بأَنَّه على تقديرِ مضافٍ) أي: والمضافُ إليه قائمٌ مَقامَهُ، وباعتبارِ ذلك صحَّ أن
يقال: من إضافةِ الحكم إلخ، هكذا ظهَرَ، وبه سقَطَ اعتراضُ "ط"، أو يقال: المرادُ بالحكم الأثرُ المترتّبُ
على السَّهو لا الحكمُ الذي هو أحدُ الأحكام الخمسة الشرعيَّة، تأمَّل.
(قولُهُ: أي: معنى هذه الثلاثةِ واحدٌ إلخ) ولا يصحُّ أنْ يقال: واحدٌ من حيث الحكمُ؛ لأَنَّه خلافُ
المتبادر، ولو كان هذا مرادَهُ لذكَرَ مع ذلك الظَّنَّ والوهمَ، فإنَّ الحكم في الكلِّ واحدٌ، تأمَّل.
(١) "القاموس": مادة ((ولي)).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٩٨/٢.
(٣) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأول - الفصل الرابع - فصل في بيان أحكام عوارض الأهلية صـ٢٧٣ -.

الجزء الرابع
٤٦٩
باب سجود السهو
والظنُّ الطرفُ الراجحُ، والوهمُ الطرفُ المرجوح.
(يجبُ له بعد سلامٍ.
((وفي "جمع الجوامع"(١): السهوُ الغفلةُ عن المعلوم، فَيَتَبَّهُ له بأدنى تنبّهٍ، والنسيانُ زوالُ المعلوم،
وقال الحكماء: السهوُ زوال الصورة عن المدركة مع بقائها في الحافظة، والنسيانُ زواُهما عنها معاً،
فحينئذٍ يُحتاجُ في تحصيلها إلى سببٍ جديدٍ)).
[٦١٣٠] (قولُهُ: والظنُّ إلخ) حاصلُهُ: أنَّ ما يخطُرُ بالبال ولم يَصِلْ إلى حدِّ اليقين حتَّى يُسمَّى
علماً، ولا تساوَتْ جهتاه حتَّى يُسمَّى شكّاً، بل ترجَّحَتْ فيه إحداهما على الأخرى فالمرجوحةُ
وَهْمٌّ، والراجحةُ ظنٌّ، فإِنْ زاد الرجحانُ بلا جزمٍ فهو غلبةُ الظنِّ.
[٦١٣١] (قولُهُ: يجبُ له) [٢/ق١٠٤/ أ] أي: للسهو الآتي بيانه في قوله: ((بتركِ واجبٍ
سهواً))، "ح"(٢). وذكَّرَ في "المحيط" عن "القدوريّ": ((أَنَّه سنّةٌ))، وظاهرُ الرواية الوجوبُ،
وصحَّحَهُ في "الهداية"(٣) وغيرها؛ لأنّه لجبرِ نقصانٍ تمكَّنَ في الصلاة، فيجبُ كالدماء في الحجِّ،
ويشهدُ له الأمرُ به في الأحاديثِ الصحيحة والمواظبةُ عليه، وظاهرُ كلامهم أنَّه لو لم يَسحُدْ يأثمُ
بترك الواجب ولترك سجودِ السهو، "بحر "(٤). وفيه نظرٌ، بل يأثمُ لترك الجابر فقط؛ إذ لا إثمَ على
الساهي، نعم هو في صورة العمد ظاهرٌ، وينبغي أنْ يرتفعَ هذا الإِثمُ بإعادتها، "نهر "(٥).
[٦١٣٢] (قولُهُ: بعد سلامٍ) متعلّقٌ بمحذوفِ حالٍ من فاعل ((يجبُ)) لا بـ ((يجب))؛
(قولُهُ: من فاعلِ ((يجبُ)) لا بـ ((يجبُ)) إلخ) فيه أنَّ الحال وصفٌ لصاحبها قيدٌ في عاملها،
فمقتضاه تقييدُ الوجوب بكونه بعد السَّلام، فهو كتعلّقِهِ بـ ((يجب))، وقوله: ((نعم يصحُّ إلخ)) فيه تأمُّلٌ
أيضاً لا يخفى؛ إذ فيه تقييدُ الوجوب بكونه بعد السَّلام الواحد، فيفيدُ أنَّه لا بدَّ من كونه بعده ولا بدَّ
من كونه واحداً، والأظهرُ أنَّ "المصنّف" جَرَى على روايةِ عدم الجواز قبله، تأمَّل.
(١) انظر "شرح المحلّي على جمع الجوامع": ١٦٦/١.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق ١٠٠/أ.
(٣) "الهداية": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٧٤/١.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٩٩/٢ بتصرف.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق ٧٥/أ.

قسم العبادات
٤٧٠
حاشية ابن عابدين
واحدٍ) عن يمينِهِ فقط؛
لِما يأتي(١) من أنَّه لو سجَدَ قبل السلام كره تنزيهاً، نعم يصحُّ تعلُّقُهُ بـ ((يجبُ)) بالنظر إلى تقييد
السلام بالواحد؛ لِما يأتي(٢) من أَنَّه بعد التسليمتين يسقُطُ السجود.
[٦١٣٣] (قولُهُ: واحدٍ) هذا قولُ الجمهور، منهم "شيخُ الإسلام" و"فخر الإسلام"، وقال
في "الكافي"(٣): ((إنَّ الصوابُ، وعليه الجمهورُ، وإليه أشارَ في "الأصل"(٤)) اهـ. إلاَّ أنَّ مختار "فخر
الإِسلام" كونُهُ تلقاءَ وجهه من غيرِ انحرافٍ، وقيل: يأتي بالتسليمتين، وهو اختيارُ "شمس الأئمّة"
و"صدر الإسلام" أخي "فخر الإسلام"، وصحَّحَهُ في "الهداية" (٥) و"الظهيريَّة"(٦) و"المفيد"
و"الينابيع"، كذا في "شرح المنية"(٧)، قال في "البحر"(٨): ((وعزاه - أي: الثاني - في "البدائع"(٩) إلى
عامَّتهم، فقد تعارَضَ النقلُ عن الجمهور)) اهـ.
[٦١٣٤] (قولُهُ: عن يمينهِ) احترازٌ عمَّا اختارَهُ "فخرُ الإِسلام" من أصحابِ القول الأوَّلِ كما
علمتَهُ، وفي "الحلبة"(١٠): ((اختارَ "الكرخيُّ" و"فخر الإسلام" و"شيخ الإسلام" وصاحبُ "الإيضاح"
أنْ يُسلِّمَ تسليمةً واحدةً، ونصَّ في "المحيط" على أَنَّه الأصوبُ، وفي "الكافي)"(١١) على أنّه الصوابُ،
قال "فخر الإسلام": وينبغي على هذا أنْ لا يَنحرِفَ في هذا السلام، يعني: فيكونُ سلامُهُ مرَّةً
٤٩٥/١ واحدةً تلقاءَ وجهه، وغيره من أهل هذا القولِ على أنَّه يُسلِّمُ مرَّةً واحدةً عن يمينِهِ خاصَّةً)) اهـ.
(١) صـ ٤٧١- ٤٧٢ - "در".
(٢) المقولة [٦١٣٧] قوله: ((وعليه لو أتى)).
(٣) "كافي النسفيّ": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١/ق ٤٤/أ بتصرف.
(٤) "الأصل": كتاب الطهارة والصلاة - باب السهو في الصلاة وما يقطعها ٢١٣/١.
(٥) "الهداية": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٧٤/١.
(٦) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الرابع - الفصل الثاني في الوتر والسهو ق ٣١/ب.
(٧) "شرح المنية الكبير": فصل في سجود السهو صـ ٤٧٣ -.
(٨) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١٠٠/٢.
(٩) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في قدر سلام السهو ١٧٤/١.
(١٠) "الحلبة": فصل في سجود السهو ٢/ق ٢٤٧/أ.
(١١) "كافي النسفيّ": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١/ق ٤٤/أ.

الجزء الرابع
٤٧١
باب سجود السهو
لأَنَّه المعهودُ، وبه يحصُلُ التحليلُ، وهو الأصحُّ، "بحر" عن "المجتبى". وعليه لو أتى
بتسليمتين سقَطَ عنه السجودُ، ولو سجَدَ قبل السلام.
والحاصلُ: أنَّ القائلين بالتسليمة الواحدة قائلون بأنَّها عن اليمين إلاَّ "فخرَ الإِسلام"
منهم، فإنَّه يقول: إنَّها تلقاءَ وجهه، وهو المصرَّحُ به في شروح "الهداية" أيضاً كـ "المعراج"
و"العناية"(١) و "الفتح"(٢).
[٦١٣٥] (قولُهُ: لأَنَّ المعهودُ) تعليلٌ لكونه عن يمينهِ، وقولُهُ: ((وبه يحصُلُ التحليل)) تعليلٌ
الكونِهِ واحداً، ويأتي وجهُهُ قريباً(٣).
[٦١٣٦) (قولُهُ: "بحر" عن "المجتبى") عبارةُ [٢/ق١٠٤/ب] "البحر"(٤): ((والذي ينبغي
الاعتمادُ عليه تصحيحُ "المجتبى": أَنَّه يُسلِّمُ عن يمينه فقط))، وقد ظَنَّ في "البحر" - وتبِعَهُ في
"النهر"(٥) وغيره -: ((أَنَّ هذا القولَ قولٌ ثالثٌ)) بناءً على أنَّ جميع أصحابِ القول الثاني قائلون
بأَنَّه يُسلّمُ تلقاءَ وجهه مع أنَّ القائل منهم بذلك هو "فخر الإسلام" فقط كما علمتَهُ، وحينئذٍ
فلا حاجةً إلى عزوٍ هذا القول إلى "المجتبى" حتّى يَرِدَ ما قيل: إنَّ تصحيح "المجتبى" لا يُوازي
ما عليه الجمهورُ الذي هو الأكثرُ تصحيحاً والأصوبُ والصواب، فافهم.
[٦١٣٧) (قولُهُ: وعليه لو أتى إلخ) هذا جعَلَهُ في "البحر"(٦) قولاً رابعاً، واستظهَرَ
(قولُهُ: هذا جعَلَهُ في "البحر" قولاً رابعاً) عبارتُهُ: ((وهناك قولان آخران، أحدهما: أنَّه يُسلّمُ عن
يمينه، ثانيهما: أنَّه لو سلَّمَ التسليمتين إلخ )).
(١) "العناية": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٣٦/١ (هامش "فتح القدير").
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٣٧/١. وانظر أيضاً "الكفاية": ٤٣٦/١ - ٤٣٧ (هامش "فتح
القدير")، و"البناية": ٧٢٨/٢.
(٣) المقولة [٦١٣٧] قوله: ((وعليه لو أتى إلخ)).
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١٠٠/٢.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق ٧٥/ب.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١٠٠/٢.

قسم العبادات
٤٧٢
حاشية ابن عابدين
جازَ، وكُرِهَ تنزيهاً، وعند "مالكٍ" قبلَهُ في النقصان، وبعده في الزيادة، فُيُعتَبَرُ القافُ
بالقاف، والدالُ بالدال (سجدتان و) يجبُ أيضاً (تشهُّدٌ وسلامٌ) لأنَّ سجود السهو
يرفعُ التشهُّدَ دون القعدةِ.
في "النهر"(١): ((أَنَّه مفرَّعٌ على القولِ بالواحدة))، وتَبِعَهُ "الشارح"، ويؤيِّدُهُ ما وجَّهُوا به القولَ
بالواحدة من أنَّ السَّلام الأوَّلَ لشيئين: للتحليل وللتحيَّة، والسلامَ الثاني للتحيَّة فقط، أي: تحيَّةٍ بقيّةٍ
القوم؛ لأنَّ التحليلَ لا يتكرَّرُ، وهنا سقَطَ معنى التحيَّةِ عن السلام؛ لأَنَّه يقطعُ الإحرام، فكان ضمُّ
الثاني إليه عبثاً، ولو فعَلَهُ فاعلٌ لقَطَعَ الإحرامَ، قال في "الحلبة"(٢) بعد عزوِهِ ذلك إلى "فخر
الإسلام": ((حَتَّى إِنَّه لا يأتي بعده بسجود السهو كما نقَلَهُ في "الذخيرة" عن "شيخ الإسلام"،
ومشى عليه في "الكافي"(٣) وغيره)) اهـ.
وفي "المعراج": ((قال "شيخُ الإسلام": لو سلَّمَ تسليمتين لا يأتي بسجود السهو بعد ذلك؛
لأنّه كالكلام)) اهـ.
قلتُ: وعليه فيجبُ تركُ التسليمة الثانية.
[٦١٣٨) (قولُهُ: جازَ) هو ظاهرُ الرواية، وفي "المحيط": ((ورُوِيَ عن أصحابنا أنَّه لا يُجزيه
ويعيدُهُ))، "بحر "(٤).
[٦١٣٩) (قولُهُ: فُيُعتبَرُ إلخ) أي: قافُ ((قبلَ)) لقافِ ((النقصان))، ودالُ ((بعدَ)) لدال
((الزيادة)).
[٦١٤٠] (قولُهُ: يَرفَعُ التشهُّدَ) أي: قراءتَهُ، حَتَّى لو سلَّمَ بمجرَّدٍ رفعه من سجدتي السهو
صحَّتْ صلاته، ويكونُ تاركاً للواجب، وكذا يرفعُ السلامَ، "إمداد"(٥).
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق٧٥/ب.
(٢) "الحلبة": فصل في سجود السهو ٢/ق ٢٤٧/أ.
(٣) "كافي النسفيّ": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١/ق ٤٤/أ.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١٠٠/٢.
(٥) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق ٢٥٤/أ.

الجزء الرابع
٤٧٣
باب سجود السهو
القوَّتِها بخلاف الصلبيَّة، فإنّها ترفعُهما، وكذا التلاويَّةُ على المختار، ويأتي بالصلاة
على النبي ﴿ّ والدعاءِ في القعود الأخير في المختار، وقيل: فيهما احتياطاً.
[٦١٤١) (قولُهُ: لقوَّتِها) أي: لأَنّها أقوى منه لكونها فرضاً.
[٦١٤٢] (قولُهُ: فإِنَّها ترفعُهما) أي: القعدةَ والتشهُّدَ؛ لأنّها أقوى منهما لكونها ركناً، والقعدةُ
لختم الأركان، "إمداد"(١). أو لأَنَّ الصُّلِيَّة ركنٌ أصليٌّ والقعدةَ ركنٌ زائدٌ كما مرَّ(٢) في باب صفة
الصلاة، أو لأنَّ القعدة لا تكونُ إلَّ آخرَ الأركان، وبسجودِ الصلبَّةِ بعدها خرَجَتْ عن كونها آخِراً.
(٦١٤٣] (قولُهُ: وكذا التلاويَّةُ) لأَنَّها أثرُ القراءة، وهي ركنٌ، فأخذت حكمَها، "بحر "(٢).
أي: تأخذُ حكمَها بعد سجودها، أمَّا قبله فإنّها واجبةٌ، حتَّى لو سلَّمَ [٢/ق١٠٥/أ] ولم يَسحُدها
فصلاَتُهُ صحيحةٌ بخلاف الصلبِيَّةِ، فَإِنَّها ركنٌ أصليٌّ من كلِّ وجهٍ كما سيأتي(٤)، ونظيرُها فيما
ذكرنا ما لو نَسِيَ السورة، فتذكَّرَها في الركوع، فعادَ وقرأها أخَذَتْ حكم الفرض، وارتفَضَ
الركوعُ فيلزمُهُ إعادته.
( تنبيةٌ)
ذكَرَ في "التتار خانَّةً " (٥): ((أَنَّ العَوْدَ إلى قراءة التشهُّد في القعدة الأخيرة إذا نَسِيَهُ يرفعُ القعدة
كالعَوْدٍ إلى التلاويَّةِ كما ذكَرَهُ "الحَلْوانِيُّ" و"السرخسيُّ"، وذكَرَ "ابن الفضل": أنّه لا يرفعُها، وفي
"واقعات الناطفيِّ"(٦): أنَّ الفتوى عليه)) اهـ.
(قولُهُ: أو لأَنَّ الصلبِيَّةِ إلخ) راجعٌ لِما قبله في المعنى.
(١) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق ٢٥٤/ب بتصرف يسير.
(٢) المقولة [٣٨٩٥] قوله: ((والذي يظهر)).
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١٠١/٢.
(٤) المقولة [٦٢٤٩] قوله: ((ويسجد للسهو ولو مع سلامه للقطع)).
(٥) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل السابع عشر في سجود السهو ٧٣٥/١ نقلاً عن "المحيط".
(٦) "الواقعات": لأبي العباس أحمد بن محمد بن عمر الناطفي الطبري(ت٤٤٦هـ). ("كشف الظنون" ١٩٩٨/٢،
"الجواهر المضية" ٢٩٧/١، "الفوائد البهية" صـ٣٦-).

قسم العبادات
٤٧٤
حاشية ابن عابدين
(إذا كان الوقتُ صالحاً) فلو طلَعَتِ الشمسُ في الفجر، أو احمرَّتْ في القضاء،
أو وُجِدَ منه(١) ما يَقْطَعُ البناءَ.
[٦١٤٤] (قولُهُ: إذا كان الوقتُ صالحاً) أي: لأداء تلك الصلاةِ فيه.
[٦١٤٥) (قولُهُ: أو احمرَّتْ في القضاء) كذا في "الفتح"(٢) و"البحر"(٣) و"الذخيرة" وغيرها،
ومفهومُهُ أَنَّه لو كان يؤدِّي العصرَ فاحمرَّت الشمس لا يسقُطُ سجود السهو؛ لأنَّ ذلك الوقتَ
صالِحٌ لأداء الصلاة نفسِها، فكذا لسجودٍ سهوها بخلاف الفائتة الواجبة في كاملٍ، لكنْ في
"الإمداد"(٤) عن "الدراية" التصريحُ بسقوطه إذا احمرَّتْ عقب السلام من فائتةٍ أو حاضرةٍ تحرُّزاً عن
الكراهة، وهذا يقتضي أنَّ القضاء هنا غيرُ قيدٍ، ويؤيِّدُهُ ما في "القنية"(٥): ((لو صلَّى العصر وعليه
سهٌ فاصفرَّت الشمسُ لا يسجُدُ للسهو))، ثمَّ رأيتُهُ في "البدائع"(٦) علَّلَ هذا: ((بأنَّ السجدة تَحْبُرُ
النقصانَ المتمكِّنَ فِجَرَى مَجرى القضاء، وقد وحَبَتْ كاملةً فلا تُقضَى بالناقص)) اهـ تأمَّل.
[٦١٤٦] (قولُهُ: ما يَقطَعُ البناءَ) كحدثٍ عمدٍ وعملٍ مُنَافٍ، "إمداد"(٧).
(قولُهُ: وجَبَتْ كاملةً فلا تُقْضَى بالناقص) بحملٍ ما يفيدُ عدمَ السُّجود في الأداء وقتَ الاحمرار على
ما إذا شرَعَ فيها وتَرَكَ واجباً ثُمَّ احمرَّتَ، وحملٍ ما يدلُّ على السُّجود على ما إذا شرَعَ بعد الاحمرار
أو قبله ثمَّ احمرَّتْ وترَكَهُ بعدَهُ يندفعُ التنافي بين مفهوم التقييد بالقضاء الواقعِ في كثيرٍ من عباراتهم وما
في "الدراية" ونحوِها من عدم الفرق، وهذا هو المفهوم من تعليل "البدائع"، وذلك أنَّها في الشِّقِّ الأوَّلِ
وجَبَتْ كاملةً فلا تُقضَى في ناقصٍ، وفي الشِّقِّ الثاني وجَبَتْ ناقصةً فُقضَى ناقصةً.
(١) ((منه)) ليست في "و".
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٣٤/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٩٩/٢.
(٤) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق ٢٤٥/أ.
(٥) "القنية": كتاب الصلاة - باب السهو والشك في الصلاة ق١٩/ب.
(٦) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في عمل سلام السهو ١٧٥/١ بتصرف.
(٧) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق ٢٥٦/ب.

الجزء الرابع
٤٧٥
باب سجود السهو
بعد السلام سقَطَ عنه، "فتح"(١). وفي "القنية": ((لو بَنَى النفلَ على فرضِ سَهَا فيه
لم يَسحُدْ)).
[٦١٤٧] (قولُهُ: بعدَ السلام) تنازَعَ فيه كلٌّ من ((طَلَعَتْ)) و((احمرَّتْ)) و((وُجِدَ)) كما
يفيدُهُ كلام "الإِمداد"(٢).
[٦١٤٨] (قولُهُ: سقَطَ عنه) لأَنَّه بالعَوْدِ إلى السجود يعودُ إلى حرمة الصلاة، وقد فاتَ شرطُ
صحَّتِها بطلوع الشمس في الفجر، ومثلُهُ خروج وقت الجمعة والعيد، وكذا إذا وُجِدَ ما يَقطَعُ
البناءَ، وأمَّا في احمرارِ الشمس في القضاء فكذلك، وأمَّا في الأداء فلئلاّ يعود إلى الوقت المكروه بعد
صحَّةِ الصلاة بلا كراهةٍ، تأمَّل.
بَقِيَ: إذا سقَطَ السجودُ فهل يلزمُهُ الإِعادة لكون ما أدَّاه أوَّلاً وقَعَ ناقصاً بلا جابرٍ؟ والذي
ينبغي أنَّ إنْ سقَطَ بصنعه كحدثٍ عمدٍ مثلاً يلزمُ، وإلاَّ فلا، تأمَّل.
[٦١٤٩) (قولُهُ: وفي "القنية"(٣) إلخ) أقولُ: عبارةُ "القنية" برمز "نجم الأئمّة": ((تطوَّعَ
ركعتين وسها، ثمَّ بَنَى عليه ركعتين يسجُدُ للسهو، ولو بَنَى على الفرض تطوُّعاً وقد سها
في الفرض لا يسجُدُ)) اهـ.
والظاهرُ: أنَّ الفرق هو أنَّ بناء النفل على النفل يصيِّرُهُ صلاةً واحدةً بخلافٍ
[٢/ق ١٠٥/ب] بناء النفل على الفرض، ولذا كان البناءُ فيه مكروهاً؛ لأنَّ النفل صلاةٌ أخرى غيرُ
الفرض، ولا يمكن أنْ يكون سجودُ السهو لصلاةٍ واقعاً في صلاةٍ أخرى مقصودةٍ وإنْ
كانت تحريمُ الفرض باقيةً، فلذا لا يسجُدُ، أو لأَنَّ لَمَّا بَنَى النفلَ عمداً صار مؤخّراً للسلام عن محلّهِ
٤٩٦/١
(قولُه والذي ينبغي أنَّه إنْ سقَطَ إلخ) سيأتي له عن "النهر": ((أنَّ المقتديَ إذا سها مقتضى كلامهم
أَنَّه يعيدُها لثبوتِ الكراهة مع تعذُّرِ الجابر)) اهـ. ومقتضاه الإعادةُ مطلقاً ولو سقَطَ بلا صنعِهِ، وهكذا
قرَّرَهُ "محمَّد هاشم السنديُّ" فيما يأتي كما نقَلَهُ العلاَّمة "السنديُّ" عنه.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ٤٣٤/١.
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ق٢٥٦/ب.
(٣) "القنية": كتاب الصلاة - باب في السهو والشك في الصلاة ق ٢١/أ.

قسم العبادات
٤٧٦
حاشية ابن عابدين
(بتركِ) متعلّقٌ بـ: يجبُ (واجبٍ) مما مرَّ(١) في صفة الصلاة (سهواً) فلا سجودَ في
العمد، قيل: إلاَّ في أربع: تركِ القعدة الأولى، وصلاتِهِ فيه على النبيِ ﴿، وتفكّرِهِ
عمداً حتّى شغَلَهُ عن ركنٍ،.
عمداً، والعمدُ لا يَجِبُرُه سجودُ السهو، بل تلزمُ فيه الإعادة، وحيث كانت الإعادةُ واجبةً لم يبقَ
السجودُ واجباً عن سهوه في الفرض؛ لأنَّه بالإِعادة يأتي بما سها فيه، والسجودُ جابرٌ عمَّا فاتَ
قائمٌ مَقامَ الإِعادة، فإذا وجبت الإعادةُ سقَطَ السجود، فعلى هذا لا يَرِدُ ما سيأتي(٢) من أنَّه لو قعَدَ
في الرابعة، ثمَّ قام وسحَدَ للخامسة ضمَّ إليها سادسةً لتصيرَ له الركعتان نفلاً؛ لأنَّ هذا النفلَ غيرُ
مقصودٍ، فكأنَّه ليس صلاةً أخرى، ولأَنَّه لم يُؤْخِّرْ سلامَ الفرض عن محلِه عمداً، فلم تكن الإعادةُ
عليه واجبةً، فلزمُهُ سجودُ السهو، هذا ما ظهَرَ لي، والله تعالى أعلم.
[٦١٥٠] (قولُهُ: بتركِ واجبٍ) أي: من واجباتِ الصلاة الأصليَّة، لا كلِّ واجبٍ؛ إذ لو ترَكَ
ترتيبَ السور لا يلزمُهُ شيءٌ مع كونه واجباً، "بحر"(٣). وتَرِدُ عليه ما لو أخَّرَ التلاويَّةَ عن موضعها
فإِنَّ عليه سجودَ السهو كما في "الخلاصة"(٤) جازماً: ((بأَنَّه لا اعتمادَ على ما يخالفُهُ))، وصحَّحَهُ
في "الولوالحيَّة"(٥) أيضاً، وقد يجابُ بما مرَّ(٦) من أَنَّهَا لَمَّا كانت أثرَ القراءة أخَذَتْ حكمَها، تأمَّل.
واحترَزَ بالواجب عن السنَّةِ كالثناء والتعوُّذ ونحوِهما، وعن الفرض.
[٦١٥١) (قولُهُ: قيل: إلاَّ في أربعٍ) أشارَ إلى ضعفِهِ تبعاً لـ "نور الإيضاح"(٧) لمخالفته للمشهور
(قولُ "الشارح": قيل: إلاّ في أربعٍ) زاد "الزاهديُّ" خامسةً، وهي ما لو ترَكَ الفاتحةَ عمداً.
(١) ١٩٠/٣ "در" وما بعدها.
(٢) ص ٥٠٢ - قوله: ((وضم إليها سادسة)).
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١٠١/٢.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل السادس عشر في السهو في الصلاة ق ٤٤ /ب معزياً إلى "التحفة".
(٥) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل التاسع في الحدث الطارئ على الصلاة ق ١٢/ب.
(٦) المقولة [٦١٤٣] قوله: ((وكذا التلاوية)).
(٧) "نور الإيضاح": كتاب الصلاة - باب سجود السهو صـ٢٢٢ -، إلا أنه لم يذكر الصلاة على النبيّ /*، واقتصر على
الثلاثة الباقية.