Indexed OCR Text

Pages 441-460

الجزء الرابع
٤٣٧
باب قضاء الفوائت
أقولُ: في هذا الترجيحِ نظرٌ يُوضِحُهُ ما في "شرح الجامع الصغير"(١) لـ "قاضي خان"، حيث
قال: ((إنما وُضِعَ المسألةُ في العصر لمعرفةِ آخر الوقت، فعندنا آخرُهُ في حكم الترتيب غروبُ
الشمس، وفي حكم جوازٍ تأخير العصر تغُّرُ الشمس، وعلى قول "الحسن" آخرُ وقت العصر عند
تغُرِ الشمس، فعنده لو تمكَّنَ من أداءِ الصلاتين قبل التّغُّرِ لَزِمَهُ الترتيبُ، وإلاَّ فلا، وعندنا إذا تمكَّنَ
من أداء الظهر قبل التغُّر ويقعُ العصرُ أو بعضُهُ بعد التغُرِ يلزمُهُ الترتيب، ولو أمكّنَهُ أداءُ الصلاتين
قبل الغروب لكنْ لا يُمكِّنُ الفراغ من الظهر قبل التغيُّرِ لا يلزمُهُ الترتيب؛ لأنَّ ما بعد التغيُّرِ ليس
وقتاً لأداءِ شيءٍ من الصلوات إلاَّ عصرَ يومه)) اهـ ملخّصاً.
وبه عُلِمَ أنَّ ما في "المنتقى" لا خلاف فيه؛ لأَنَّه لَمَّ تذكَّرَ الظهر بعد التغُرِ لا يمكنُهُ صلاُهُ
فيه، فلذا لم تُفسِدِ العصرَ وإن كان افتَحَها قبل التغُّرِ ناسياً؛ لأنَّ العبرة لوقتِ التذكُرِ نظيرَ(٢) ما
قدَّمناه(٣) آنفاً عن "الفتح" فيما لو أطالَ [٢/ق٩٥/ب] الصلاة ثمَّ تذكَّرَ الفائتة عند ضيق
الوقت، وعُلِمَ أيضاً أنَّ المسألة ليست مبنيَّةً على اختلافِ المشايخ، بل على اختلاف الرواية،
(قولُهُ: وبه عُلِمَ أنَّ ما في "المنتقى" إلخ) على ما حرَّرَهُ في هذه المسألة من أنَّ الخلاف في وقت
العصر لا في غيره يُنظَرُ الفرقُ على رواية "محمَّدٍ" بينه وبين غيره من الأوقات حيث كان العبرةُ فيها
لأصله عنده، ولعلَّه مراعاةُ قول "الحسن" أو أنَّه يُوافِقُ "الحسنَ" على هذه الرِّواية على خروج وقت
العصر بالتغُرِ، فلذا قال في مسألة الجمعة الآتية: ((إنَّ خوف فوت الجمعة عذرٌ في ترك الفجر، لكنْ
يعكّرُ على قولهما مسألةُ الجمعة، حيث لم يَجْعَلا فوتَها عذراً وجَعَلا فوتَ العصر عذراً، ولعلَّ الفرق
لهما أنَّها وإنْ فاتت تفوتُ إلى بدلِ قويٌّ وهو الظهر؛ لوقوعه أداءً في وقته بخلاف العصر، فإنَّها تفوتُ
إلى بدل ضعيفٍ وهو القضاء؛ لوقوعه خارجَ وقته)).
(١) "شرح الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب من تفوته الصلاة ١/ق٣٢/ب - ٣٣/أ.
(٢) ((نظير)) ساقطة من "م".
(٣) في المقولة السابقة.

قسم العبادات
٤٣٨
حاشية ابن عابدين
فاعتبارُ أصل الوقت هو قولُ "أئمَّتنا الثلاثة" كما مرَّ(١) عن "المبسوط"، وأنَّ عليه أكثرَ
المشايخ، وهو مقتضى إطلاقِ المتون، ولذا جزَمَ به فقيهُ النفس الإِمامُ "قاضي خان" بلفظ:
((عندنا))، فاقتَضَى أَنَّه المذهبُ، ولذا نسَبَ القولَ الآخر إلى "الحسن"، نعم صرَّحَ في "شرح
المنية"(٢) و"الزيلعيّ"(٣): ((بأَنَّه روايةٌ عن "محمَّدٍ"))، وعليه يُحمَلُ ما مرَّ(٤) عن "الطحاويّ"،
وقد مرَّ(٥) أنَّه لو تذكَّرَ الفجر عند خطبة الجمعة يصلّيها مع أنَّ الصلاة حينئذٍ مكروهةٌ، بل في
"التتار خائنَّة"(٦): ((أَنَّه يصلِيها عندهما وإنْ خافَ فوتَ الجمعة مع الإمام، ثمَّ يصلِّي الظهر،
وقال "محمَّدٌ": يصلّي الجمعة ثمَّ يقضي الفجرَ، فلم يَجْعَلا فوتَ الجمعة عذراً في ترك الترتيب،
و "محمَّدٌ" جعَلَهُ عذراً، فكذلك هنا)) اهـ.
وقد ذكَرَ في "التتار خانَّة"(٧) عبارةً "المحيط (٨)، وليس فيها التصحيحُ الذي ذكَرَهُ في
"البحر "(٩)، فالذي ينبغي اعتمادُهُ ما عليه أكثرُ المشايخ من أنَّ المعتبر أصلُ الوقت عند علمائنا
الثلاثة، والله أعلم.
(١) في هذه المقولة.
(٢) "شرح المنية الكبير": فصل في قضاء الفوائت صـ٥٣٢ ..
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١٨٧/١.
(٤) في هذه المقولة.
(٥) المقولة [٦٠٤٢] قوله: ((أداءً وقضاءً)).
(٦) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل العشرون في قضاء الفائتة ٧٥٦/١.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل العشرون في قضاء الفائتة ٧٥٦/١.
(٨) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة - قضاء الفوائت ١/ق ٨٧/ب وليس فيه التصحيح المذكور، ولينظر التعليق الآتي.
(٩) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٨٩/٢.
ونقول: تبيَّنَ لنا أنّ صاحب "التاتر خانية" ينقل عن "المحيط البرهاني" بينما ينقل صاحب "البحر" عن "المحيط
الرضوي"، إذ لم يكن "المحيط البرهاني" بين يديه - كما قدمناه ١٤٧/١ - وعليه فهما عبارتان لكتابين مختلفين،
وليست عبارة لكتاب واحد اختلِفَ في نقلها كما ظن ابن عابدين رحمه الله، فليتأمل.

الجزء الرابع
٤٣٩
باب قضاء الفوائت
حقيقةً؛ إذ ليس من الحكمةِ تفويتُ الوقتَّةِ لتدارُكِ الفائتة، ولو لم يَسَعِ الوقتُ كلَّ
الفوائتِ فالأصحُّ جوازُ الوقتَّة، "محتبى"، وفيه: ((ظَنَّ مَن عليه العشاءُ ضيقَ وقت
الفجر، فصلاًّها وفيه سَعَةٌ.
[٦٠٥٥] (قولُهُ: حقيقةً) تمييزٌ لنسبةِ ((ضاقَ))، أي: ضاقَ في نفس الأمر لا ظنّاً، ويأتي(١)
محترزه في قوله: ((ظَنَّ مَن عليه العشاءُ إلخ)).
[٦٠٥٦] (قولُهُ: إذ ليس من الحكمةِ إلخ) تعليلٌ لقوله: ((فلا يلزمُ الترتيب إذا ضاق الوقتُ))،
لكنَّه إنما يناسبُ اعتبارَ أصل الوقت، ويمكن أنْ يُجابَ بأنَّ معناه تفويتُ الوقتَّة عن وقتها
المستحبِّ، "ح"(٢). ولا يخفى أنَّ هذا لا يُسمَّى تفويتاً، بل هو تعليلٌ ذكَرَهُ المشايخ لِما هو المذهبُ
کما قرَّرناه.
[٦٠٥٧] (قولُهُ: ولو لم يَسَعِ الوقتُ كلَّ الفوائت) صورتُهُ: عليه العشاءُ والوترُ مثلاً، ثمَّ
لم يُصَلِّ الفجرَ حتّى بقي من الوقت ما يَسَعُ الوترَ مثلاً وفرضَ الصبحِ فقط، ولم يَسَعِ الصلواتِ
الثلاثَ فظاهرُ كلامهم ترجيحُ أنَّه لا تجوزُ صلاة الصبح ما لم يُصَلِّ الوتر، وصرَّحَ في "المجتبى":
(قولُهُ: ولا يخفى أنَّ هذا لا يُسمَّى تفويتاً إلخ) هو على ما قاله "ح" ليس تفويتاً مطلقاً، بل مقيّداً
بكونه عن الوقت المستحبِّ، فجوابُهُ في محلّهِ، وحينئذٍ لك أنْ تجعَلَهُ تعليلاً لأصل المذهب مع عدم مراعاة
التقييد، ولمقابله مع مراعاته، تأمَّل.
(قولُهُ: فظاهرُ كلامِهِم ترجيحُ إلخ) قال "السنديُّ": ((ظهَرَ مما قلناه أنَّ بعض العلماء ذهَبَ إلى أَنَّه يصلّي
الفوائتَ أوَّلاً مرتّبَةً ثُمَّ الوقتيَّةَ ولو وقعت في غير وقتها، وبعضُهم قال: يصلّي ما أمكَّنَهُ منها مُرتَّباً مُقَدِّماً الأوَّلَ
فالأوَّلَ، وإنْ لم يَسَعْ إلَّ آخرَها صلّها ثمَّالوقتَّةَ في وقتها، وهو الذي أشار إليه "الشارح" بالتصحيح، فمعنى
قوله: جوازُ الوقتّة أي: مع ما أمكنَهُ من الفوائت، فلا يُتُوهَّمُ أنَّ الوقت إذا كان يَسَعُ بعضَ الفوائت والوقتَّةَ أَنَّه
تصحُّ منه الوقتَّةُ بغير قضاءٍ ما أمكنَهُ من الفوائت، فتنبّهْ)) اهـ. لكن قال أيضاً: ((ظاهرُ "الفتح" عدمُ جواز الوقتّة
ما لم يَقْضِ ذلك البعضَ، وقيل: عند "الإِمام" يجوزُ؛ إذ ليس المصرف لهذا البعضِ أولى منه للآخر، قال
"الزاهدي": وهو الأصحُّ)) اهـ. لكنَّ عبارة "الزاهديِّ" تفيدُ جواز الوقتَّة لو صلاَّها وحدها، تأمَّل.
(١) في هذه الصحيفة "در".
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق٩٨/أ.

قسم العبادات
٤٤٠
حاشية ابن عابدين
يكرِّرُها إلى الطلوع، وفرضُهُ الأخيرُ)) (أو نُسِيَت الفائتةُ)
٤٨٨/١ ((بأنَّ الأصحَّ جوازُ الوقتيّة))، "ح"(١) عن "البحر"(٢): لكنْ قال "الرحمتيُّ": ((الذي رأيتُهُ
في "المجتبى": الأصحُّ أَنَّه لا تجوزُ الوقتَّة)) اهـ.
قلت: راجعتُ "المجتبى" [٢/ق٩٦/أ] فرأيتُ فيه مثلَ ما عزاه إليه في "البحر"، وكذا قال
"الْقُهُستانيُ))(٣): ((جازت الوقتيَّةُ على الصحيح)).
[٦٠٥٨)] (قولُهُ: يُكرِّرُها إلى الطلوع) يعني: يعيدُها ثانياً وثالثاً وهكذا إذا كان في كلِّ
مرَّةٍ ظَنَّ أنَّ الوقت لا يَسَعُهما، ثمَّ ظهَرَ فيه سعةٌ إلى أنْ يظهرَ بعد إعادةٍ من الإِعادات ضيقُهُ
حقيقةً فيعيدُ الوقتيَّةَ، ثُمَّ يصلِّي الفائتة، وإنْ ظهَرَ بعد إعادته أنَّه يَسَعُهما صلَّى الفائتة ثمَّ
الوقتَّة كما في "الفتح"(٤).
[٦٠٥٩] (قولُهُ: أو نُسِيَت الفائتةُ) معطوفٌ على قوله: ((ضاقَ الوقت))، وفيه أنَّ فرْضَ
الكلام فيمن تذكَّرَ أَنَّه لم يُوتِرْ، فكان ينبغي لـ "المصنّف" حذفُ التذكُّرٍ، وحاصلُهُ أَنَّه يسقُطُ
الترتيب إذا نَسِيَّ الفائتةَ وصلَّى ما هو مرتّبٌ عليها من وقتَّةٍ أو فائتةٍ أخرى، وكذا يسقُطُ بنسيانِ
إحدى الوقتَّتين كما لو صلَّى الوترَ ناسياً أنَّه لم يُصَلِّ العشاء، ثمَّ صلَّها لا يعيدُ الوتر لقولهم:
(قولُهُ: فرأيتُ فيه مثلَ ما عزاه إليه في "البحر") كذلك رأيتُهُ فيه، ونصُّ عبارته: ((ولو فاتّتْهُ أربعٌ
والوقتُ لا يَسَعُ إلَّ الفائنتين والوقتيَّةَ فالأصحُّ أَنَّ تجوزُ الوقتيَّة)) اهـ.
(قولُهُ: وفيه أنَّ فرض الكلام فيمَن تذكَّرَ إلخ) قد علمتَ أنَّ الاستثناء من اللّزوم، وهو الأصل، وليست
مسألةُ الوتر موضوعَهُ، وإنما هي مسألةٌ فَرَّعَها عليه في أثناء الكلام، ثمَّ رجَعَ للأصل واستثنى منه بدون دخلٍ
للمفرَّع، فإنَّ الاستثناء عامٌّ، تأمَّل. وقوله: ((حَذْفُ التذكُّر)) أي: في قوله: ((فجرُ مَن تذكَّرَ)).
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق٩٨/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٨٨/٢.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في قضاء الفوائت ١٣٩/١.
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٤٢٤/١ - ٤٢٥.

الجزء الرابع
٤٤١
باب قضاء الفوائت
لأَنّه عذرٌ (أو فاتَتْ ستٌّ
إِنَّه لو صلَّى العشاء بلا وضوءٍ، والوترَ والسنَّةَ به يعيدُ العشاء والسنّة لا الوترَ؛ لأَنَّه أدَّاه ناسياً أنَّ
العشاء في ذمَّتِهِ، فسقَطَ الترتيب، أفاده "ح"(١).
قلت: ونظيرُهُ أيضاً ما في "البحر "(٢) عن "المحيط": ((لو صلَّى العصر ثمَّ تبيَّنَ له أَنَّه صلَّى
الظهر بلا وضوءٍ يعيدُ الظهر فقط؛ لأَنَّه بمنزلة الناسي)).
[٦٠٢٠] (قولُهُ: لأَنَّه عذرٌ) أي: لأنَّ النسيان عذرٌ سماويٌّ مُسقِطٌ للتكليف؛ لأنه ليس في
وُسعِهِ، "بحر "(٣).
[٦٠٦١] (قولُهُ: أو فاتَتْ ستٌّ) يعني: لا يلزمُ الترتيب بين الفائتة والوقتَّة ولا بين الفوائت إذا
كانت الفوائت سّاً، كذا في "النهر"(٤)، أمَّا بين الوقتَتين كالوتر والعشاء فلا يسقُطُ الترتيب بهذا
المسقط كما لا يخفى، "ح"(٥). وأطلَقَ الستَّ فشَمِلَ ما إذا فاتَتْ حقيقةً أو حكماً كما في
"الْقُهُستانيِ))(٦) و"الإِمداد"(٧)، ومثالُ الحكميَّة: ما إذا ترَكَ فرضاً وصلَّى بعده خمسَ صلواتٍ ذاكراً
له فإنَّ الخمس تفسُدُ فساداً موقوفاً كما سيأتي(٨)، فالمتروكةُ فائتةٌ حقيقةً وحكماً، والخمسةُ
(قولُهُ: لأَنَّه بمنزلةِ الناسي) بخلاف ما لو صلَّى الظُّهرَ يوم عرفة على ظنِّ أنَّه متوضِّىٌّ ثمَّ صلَّى العصر
بوضوءٍ ثُمَّ تَبَّنَ يعيدُهما؛ لأنَّ العصر ثَمَّةَ تبعٌ للظهر، كذا في "المحيط". اهـ "سندي". وقال "المقدسي":
((فإنْ قلت: لو صلَّى ناسياً الطهارةَ أو الاستقبالَ للقبلة ثُمَّ تذكَّرَ يعيدُ. قلنا: لَمَّا كان الدليلُ غيرَ واصلٍ
إلى رتبة القطع فرِّقَ بينهما في الحكم)) اهـ.
(١) "ح": کتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق/٩٨/ب.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٩١/٢ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٨٩/٢.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق ٧٤/أ.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق٩٨/ب.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في قضاء الفوائت ١٤٠/١.
(٧) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق ٢٤٢/أ.
(٨) صـ ٤٥١ - "در" وما بعدها.

قسم العبادات
٤٤٢
حاشية ابن عابدين
اعتقاديَّةٌ) لدخولِها في حدِّ التكرارِ المقتضي للحرج.
الموقوفة فائتةٌ حكماً فقط، وذكَرَ في "الفتح"(١) و"البحر)"(٢): ((أَنَّه لو ترَكَ ثلاثَ صلواتٍ مثلاً:
الظهرَ من يومٍ، والعصرَ من يومٍ، والمغربَ من يومٍ، ولا يدري أَيْتُها أُولى؟ قيل: يجبُ الترتيب بين
المتروكات ويصلّيها سبعاً، بأنْ يصلّيَ الظهر ثمَّ العصر ثمَّ الظهر لاحتمالِ [٢/ق٩٦/ب] أنْ يكون
ما صلاَّهُ أوَّلاً هو الآخِرُ فيعيدُهُ، ثمَّ يصلّيَ المغربَ ثمَّ الظهر ثمَّ العصر ثمَّ الظهر لاحتمالِ كون
المغرب أوَّلاً، فيعيدُ ما صلاَّه أوَّلاً، وقيل: يسقُطُ الترتيب بينها، فيصلِّي ثلاثاً فقط، وهو المعتمدُ؛
لأنَّ إيجاب الترتيب فيها يلزمُ منه أنْ تصيرَ الفوائت كسبعٍ معنىً مع أنَّه يسقُطُ بستِّ، فبالسبعِ
أولى)) اهـ ملخَّصاً. وتمامُهُ هناك، ولـ "الشرنبلاليّ" في هذه المسألة رسالةٌ (٣).
[٦٠٦٢) (قولُهُ: اعتقاديَّةٌ) خرَجَ الفرضُ العمليُّ وهو الوترُ، فإنَّ الترتيب بينه وبين غيره وإنْ
كان فرضاً لكنّه لا يُحسَبُ مع الفوائت. اهـ "ح"(٤). أي: لأَنّه لا تحصُلُ به الكثرةُ المفضية
للسقوط؛ لأَنّه من تمام وظيفةِ اليوم والليلة، والكثرةُ لا تحصُّلُ إلاَّ بالزيادة عليها من حيث الأوقاتُ
أو من حيث الساعاتُ، ولا مدخلَ للوتر في ذلك، "إمداد"(*).
[٦٠٦٣] (قولُهُ: لدخولِها في حدِّ التكرارِ إلخ) لأَنَّه يكونُ واحدٌ من الفروض مكرَّراً،
(قولُهُ: ويُصلِيها سبعاً إلخ) قال "الشرنبلاليُّ": ((إنّه إذا صلَّها سبعاً بهذا الترتيبِ يخرجُ عن عُهدتها
بيقين؛ لأَنَّه لا يخلو: إمَّا أنْ يكون المتروكُ أوَّلاً هو الظهرَ وثانياً العصر وثالثاً المغرب، أو يكونَ المتروكُ
أوَّلاً الظهرَ وثانياً المغرب وثالثاً العصر، أو يكونَ المتروكُ أوَّلاً العصرَ وثانياً المغرب وثالثاً الظهر، أو يكونَ
المتروكُ أوّلاً العصرَ وثانياً الظهر وثالثاً المغرب، أو يكونَ المتروكُ أولاً المغربَ وثانياً الظهر وثالثاً العصر،
أو يكونَ المتروكُ أوَّلاً المغربَ وثانياً العصر وثالثاً الظهر)) اهـ.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٤٢٩/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٩٢/٢.
(٣) سماها "جداول الزلال الجارية لترتيب الفوائد بكل احتمال". ("إيضاح المكنون" ٣٦٠/١).
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق٩٨/ب.
(٥) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق ٢٤٢/أ.

الجزء الرابع
٤٤٣
باب قضاء الفوائت
(بخروجِ وقتِ السادسة) على الأصحِّ ولو متفرّقةً أو قديمةً على المعتمد؛ لأنّه متى
اختلَفَ الترجيحُ رُجِّحَ إطلاقُ المتون، "بحر".
فيصلُحُ أنْ يكون سبباً للتخفيف بسقوطِ الترتيب الواجب بينها أنفُسِها، وبينها وبين أغيارِها،
"درر"(١). إذ لو وجَبَ الترتيبُ حينئذٍ لأفضى إلى الحرج.
(٦٠٦٤) (قولُهُ: بخروجٍ) متعلّقٌ بـ ((فَتْ)).
[٦٠٦٥) (قولُهُ: على الأصحِّ) احترَزَ به عمَّا صحَّحَهُ "الزيلعيُّ)(٢): ((من أنَّ المعتبَرَ كونُ
المتخلِّل بعد الفائتة سنَّةً أوقاتٍ لا ستَّ صلواتٍ))، فلو فاتَتْهُ صلاةٌ وتذكَّرَها بعد شهرٍ، فصلَّى
بعدها وقتيّةً ذاكراً للفائتة أجزأتْهُ على اعتبارِ الأوقات؛ لأنَّ المتخلِّلَ بينهما أكثرُ من سنَّةٍ
أوقاتٍ، فسقَطَ الترتيب، أي: مع صحَّةِ الصلوات التي بينهما لسقوط الترتيب فيها بالنسيان،
وعلى اعتبارِ الصلوات لا تُجزيه؛ لأنَّ الفائتة واحدةٌ، ولا يسقُطُ الترتيب إلاَّ بفوتِ ستٍّ
صلواتٍ، وصرَّحَ في "المحيط": ((بأنّه ظاهرُ الرواية))، وصحَّحَهُ في "الكافي"(٣)، وهو الموافقُ
لِما في المتون، وبه اندفَعَ ما صحَّحَهُ "الزيلعيُّ" وغيره، وتمامُهُ في "البحر"(٤)، واحترَزَ به أيضاً
عمَّا رُوِيَ عن "محمَّدٍ" من اعتبارِ دخول وقت السادسة، وعمَّ في "المعراج" من اعتبارِ دخول
وقت السابعة كما أوضَحَهُ في "البحر "(٥).
[ ٦٠٦٦) (قولُهُ: ولو متفرّقةً) أي: يسقُطُ الترتيبُ بصيرورةِ الفوائت سنّاً ولو كانت متفرّقةً
كما لو ترَكَ [٢/ق٩٧/أ] صلاة صبحٍ مثلاً من سنَّةٍ أَيَّامٍ، وصلَّى ما بينها ناسياً للفوائت.
[٦٠٦٧) (قولُهُ: أو قديمةً على المعتمدِ إلخ) كما لو ترَكَ صلاةَ شهرٍ نسقاً، ثمَّ أقبَلَ على
الصلاة (٦)، ثُمَّ تَرَكَ فائتةً حادثةً فإنَّ الوقتَّة جائزةٌ مع تذكُّرِ الفائتة الحادثة؛ لانضمامِها إلى الفوائت
(١) "الدرر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١٢٥/١.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١٨٨/١.
(٣) "كافي النسفيّ": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١/ق ٤٣/أ.
(٤) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٩١/٢.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٩١/٢.
(٦) من ((للفوائت)) إلى ((على الصلاة)) ساقط من "الأصل".

قسم العبادات
٤٤٤
حاشية ابن عابدين
(أو ظَنَّ ظنّاً معتبراً) أي: يسقُطُ لزومُ الترتيب أيضاً بالظنِّ المعتبَرِ كمَن صلَّى الظهرَ
ذاكراً لتركِ(١) الفجرِ فسَدَ ظهرُهُ، فإذا قَضَى الفجرَ ثُمَّ صلَّى العصرَ ذاكراً للظهر ...
القديمة وهي كثيرةٌ، فلم يجب الترتيبُ، وقال بعضهم: إنَّ المسقط الفوائتُ الحديثةُ لا القديمة،
ويُجعَلُ الماضي كأنْ لم يكن زجراً له عن التهاوُنِ بالصلوات، فلا تجوزُ الوقتّة مع تذكِّرِها،
وصحَّحَهُ "الصدر الشهيد"، وفي "التجنيس": ((وعليه الفتوى))، وذكَرَ في "المجتبى": ((أنَّ الأوَّلَ
أصحُ))، وفي "الكافي"(٢) و"المعراج": ((وعليه الفتوى))، فقد اختلَفَ التصحيحُ والفتوى كما
رأيتَ، والعملُ بما وافَقَ إطلاقَ المتون أَولِى، "بحر "(٣).
[٦٠٦٨] (قولُهُ: أو ظَنَّ ظنّا معتبراً إلخ) هذا مُسقِطٌ رابعٌ ذَكَرَهُ "الزيلعيُّ)(٤)، وحزَمَ به في
"الدرر"(٥)، وجعَلَهُ في "البحر "(٦) مُلحَقاً بالنسيان وقال: ((إنَّه ليس مُسقِطاً رابعاً كما يُتوهّمُ))، ثمَّ
قال: ((وذكَرَ شارحو "الهداية(٧): أنَّ فساد الصلاة إنْ كان قويّاً كعدم الطهارة استبَعَ الصلاةً
التي بعده، وإنْ كان ضعيفاً كعدم الترتيب فلا، وفرَّعوا عليه فرعين:
أحدُهما: لو صلَّى الظهرَ بلا طهارةٍ، ثمَّ صلَّى العصر ذاكراً لها أعادَ العصر؛ لأنَّ فساد الظهر
قويٌّ، فأوجَبَ فسادَ العصر وإِنْ ظَنَّ عدمَ وجوب الترتيب.
٤٨٩/١
ثانيهما: لو صلَّى هذه الظهرَ بعد هذه العصر، ولم يُعِدِ العصرَ حتَّى صلَّى المغرب ذاكراً لها
فالمغربُ صحيحةٌ إذا ظَنَّ عدمَ وجوب الترتيب؛ لأنَّ فساد العصر ضعيفٌ لقول بعض الأئمّة
بعدمه، فلا يَستبعُ فسادَ المغرب، وذكَرَ له "الإسبيجابيُّ" أصلاً، وهو أنَّه يلزمُهُ إِعادة ما صلاَّه
ذاكراً للفائتة إنْ كانت الفائتةُ تحبُ إعادتها بالإجماع، وإلاَّ فلا إنْ كان يرى أنَّ ذلك يُجزيه)) اهـ.
(١) في "ب": ((لتر که)).
(٢) "كافي النسفيّ": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١/ق ٤٣/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٩٣/٢ باختصار.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١٨٩/١.
(٥) "الدرر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١٢٦/١.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٨٩/٢.
(٧) انظر "الفتح" و"العناية": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٤٣١/١ و"البناية" ٧١٥/٢.

الجزء الرابع
٤٤٥
باب قضاء الفوائت
قال في "الفتح"(١): ((ويُؤخَذُ من هذا أنَّ مجرَّدَ كون المحلِّ محتهَداً فيه لا يَستلزِمُ اعتبارَ الظنِّ
فيه (٢) من الجاهل، بل إنْ كان المجتهَدُ فيه ابتداءً لا يُعتَبَرُ الظنُّ، وإنْ كان مما يبتني على المجتهَدِ فيه
ويستتبعُهُ اعتُبرَ ذلك الظنُّ لزيادةِ الضعف، ففسادُ العصر هو المحتهَدُ فيه ابتداءً، وفسادُ المغرب
بسبب [٢/ق٩٧/ب] ذلك فاعتُبِرَ)) اهـ. أي: اعتُبرَ فيه الظنُّ من الجاهل.
وفيه تصريحٌ بأنَّ محلّ اعتبارِ هذا الظنِّ وعدمِهِ في الجاهلِ لا العالِمِ بوجوب الترتيب، وتمامُهُ
في "النهر"(٣).
هذا، وقد اعترَضَ في "البحر"(٤) ما مرَّ(٥) من الفرعين: ((بأنَّ المصلّيَ لا يخلو: إمَّا أنْ يكون
حنفيَّاً فلا عبرةَ برأيه المخالِفِ لمذهب إمامه، فيلزمُهُ المغربُ أيضاً، أو شافعيّاً فلا يلزمُهُ العصر أيضاً،
أو عامِّياً فلا مذهبَ له، بل مذهبُهُ مذهبُ مُفتيه، فإن استفتَى حنفيَّاً أعادَهما، أو شافعيَّاً.
لا يعيدُهما، وإنْ لم يَستَقْتِ أحداً وصادَفَ الصحَّةَ على مذهبٍ مُجتهدٍ لا إعادةً عليه)) اهـ.
ولا يخفى أنَّه بحثٌ في المنقول، فإنَّ ما مرَّ(٦) عن شروح "الهداية" من حكمِ الفرعين مذكورٌ
أيضاً في "شرح الجامع الصغير" للإمام "قاضي خان(٧)، وذكَرَ في "الذخيرة": ((أَنَّه مرويٌّ عن
"محمَّدٍ"))، وعزاه في "التار خانَّةُ"(٨) إلى "الأصل"(٩)، وقد تَبْعَ "الشرنبلاليُّ"(١٠) صاحبَ "البحر "،
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٤٣١/١.
(٢) عبارة "الفتح": ((لا يستلزم اعتبار الظن الخطأ فيه)).
(٣) انظر "النهر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق ٧٤/ب وما بعدها.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٩٠/٢ بتصرف.
(٥) في هذه المقولة.
(٦) في هذه المقولة.
(٧) "شرح الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب من تفوته الصلاة ١/ق ٣٣/ب.
(٨) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل العشرون في قضاء الفائتة ٧٥٩/١.
(٩) "الأصل": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٢٦٢/١.
(١٠) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١٢٦/١ (هامش "الدرر والغرر").

قسم العبادات
٤٤٦
حاشية ابن عابدين
جاز العصرُ؛ إذ لا فائتةَ عليه في ظنّهِ حالَ أداءِ العصر، وهو ظنٍّ معتبَرٌ؛ لأَنَّه مجتهَدٌ
فيه، وفي "المجتبى": ((مَن جَهِلَ فرضيَّةَ الترتيب يُلحَقُ بالناسي))، واختارَهُ جماعةٌ
من أئمَّةِ بُخارى،.
لكنْ قال: ((إِنَّ موضوع المسألة في عامِّيٌّ لم يُقلِّدْ مُجتهِداً ولم يَستفْتِ فقيهاً، فصلاتُهُ صحيحةٌ
المصادفتها مُحتَهَداً فيه، أمَّا لو كان حنفيَّاً فلا عبرةَ بظنّهِ المخالِفِ لمذهب إمامه إلخ))، وفيه نظرٌ؛
إذلا فرقَ حينئذٍ بين العصر والمغرب لمصادفةِ كلِّ منهما الصحَّةَ على مذهب "الشافعيّ"، بل هو
محمولٌ على عامِّيٌّ استفتى حنفيّاً، أو التزَمَ التعبّدَ على مذهب "أبي حنيفة" مُعتقِداً صحَتَهُ وقد جَهِلَ
هذا الحكمَ، ثُمَّ عَلِمَ ذلك، ولذا قال في "النهر"(١) ما معناه: ((إِنَّ قول "البحر": لا عبرةً برأيه
المخالِفِ إلخ ممنوعٌ؛ لأنَّ إمامَهُ قد اعتَبَرَ رأيَهُ وأسقَطَ عنه الترتيب بظنّهِ عدمَ وجوبه، فإذا كان
جاهلاً ذلك ثمَّ عَلِمَ لا يلزمُهُ إعادةُ المغرب، ولو استفتى حنفيَّاً فأفتاه بالإِعادة لم تصحَّ فتواه)) اهـ.
[٦٠٦٩] (قولُهُ: جازَ العصرُ) أي: إن كان يظُنُّ أَنَّه يُجزيه كما مرَّ(٢)، وأطلَقَهُ لعلمه من
التعليل بعده.
[٦٠٧٠] (قولُهُ: لأَنَّه) أي: جوازَ العصر ((مُحتَدٌ فيه))، أي: يبتني على المجتهد فيه ابتداءً،
وهو جوازُ الظهر عند "الشافعيِّ" كما مرَّ(٣) تقريرُهُ عن "الفتح".
(٦٠٧١)] (قولُهُ: وفي "المجتبى"(٤) إلخ) ليس هذا [٢/ق٩٨/أ] مُسقِطً خامساً؛ لِما علمتَ
(قولُهُ: ليس هذا مُسقِطً خامساً) الأظهرُ أنَّ ما في "المجتبى" مبنيٌّ على اعتبارِ حال الجاهل مطلقاً،
فيكونُ مقابلاً لِما قبله، ثُمَّ فرَّعَ عليه مسألةَ الصبيِّ.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق ٤٧/أ.
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) المقولة [٦٠٦٨] قوله: ((أو ظن ظناً معتبراً إلخ)).
(٤) في "د" زيادة: ((حاصلُهُ أنَّ ما ذكره المصنف من قوله: ( أو ظن ظناً معتبراً) لا حاجة إلى زيادته على ما في المتون مِن عدِّهم
المسقطاتِ ثلاثةً؛ لأَنَّ الظانَّ ملحقٌ بالناسي؛ وأما ما توهمه المحشي من أنَّ هذا مسقط خامس فهو غير صحيح؛ =

الجزء الرابع
٤٤٧
باب قضاء الفوائت
وعليه يُخرَّجُ ما في "القنية": ((صبيٌّ بلَغَ وقتَ الفجر، وصلَّى الظهرَ مع تذكَّرِهِ
جاز، ولا يلزمُ الترتيبُ بهذا العذرِ )).
(ولا يعودُ) لزومُ الترتيب (بعد سقوطِهِ بكثرتِها) أي: الفوائتِ (بعَوْدِ الفوائتِ إلى القلّةِ
من أنَّ الظنَّ السابق إنما يُعتَبَرُ من الجاهل، بل إنما نقَلَ كلامَ "المجتبى" ليشيرَ إلى ما قدَّمناه (١) عن
"البحر": ((من أنَّ الظنَّ المعتبرَ ليس مُسقِطً رابعاً))؛ لأَنَّه مُلحَقٌ بالنسيان، وإنما المسقطاتُ هي
الثلاثُ التي اقتصَرَ عليها أصحابُ المتون، فافهم.
[٦٠٧٢) (قولُهُ: وعليه يُخرَّجُ ما في "القنية"(٢)) إنما حكَمَ على الصبيِّ بذلك لأنَّ الغالب
عليه الجهلُ كما في "النهر"(٣)، "ح" (٤).
قلت: لكنْ في هذا التخريج خفاءٌ، فإنَّ الفجر فائتةٌ بالإجماع، فكيف لم يَلزَمْهُ الترتيب
اعتباراً لجهله مع أنَّها نظيرُ المسألة الأولى السابقة تحت قوله: ((أو ظنَّ ظنّاً معتبراً))؟! والظاهرُ أَنَّه
مبنيٌّ على القول باعتبارِ ظنِّ الجاهل مطلقاً كما يأتي(٥) بيانُهُ قريباً.
[٦٠٧٣] (قولُهُ: بكثرتِها) متعلِّقٌ بـ ((سقوطِهِ))، وقولُهُ: ((بعودِ الفوائت)) متعلِّقٌ بقوله:
((ولا يعودُ))، وقولُهُ: ((بالقضاء)) متعلّقٌ بقوله: ((بعودِ الفوائت إلى القلّةِ))، "ط" (٦).
= لأنَّ مَن ظنَّ أنْ لا فائتة عليه يكون جاهلاً بفرضية الترتيب كما لا يخفى؛ لأَنَّه ليس المراد به الظنَّ الناشئ عن
النسيان بل الناشئَ عن الجهل، نعم الجهل بفرضية الترتيب أعمُّ مِن ظنِّ عدم الفائتة؛ لأن الجاهل بفرضيته قد يكون
ظاناً أنْ لا فائتة عليه، وقد يكون خالي الذهن، وإذا كان هذا الأعمُّ لا حاجة إلى التنصيص عليه لدخوله في الناسي
فعدمُ الحاجة إلى الأخصِّ أولى)).
(١) المقولة [٦٠٦٨] قوله: (( أو ظن ظناً معتبراً إلخ)).
(٢) "القنية": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق ٢٤/أ.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق ٧٤/أ.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق ٩٩/أ.
(٥) المقولة [٦٠٨٢] قوله: ((سواء ظن وجوب الترتيب أو لا)).
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٣٠٦/١.

قسم العبادات
٤٤٨
حاشية ابن عابدين
بـ) سببِ (القضاء) لبعضِها على المعتمد؛ لأنَّ الساقط لا يعودُ (وكذا لا يعودُ)
الترتيبُ (بعد سقوطِهِ بباقي المسقِطات) السابقةِ من النسيان والضيق، حتّى لو خرَجَ
الوقتُ في خلال الوقتَّة لا تفسُدُ، وهو مؤذٍ، هو الأصحُّ، "مجتبى"، لكنْ في
"النهر"(١) و "السِّرَاج"(٢).
[٦٠٧٤] (قولُهُ: بسببِ القضاء لبعضها) كما إذا ترَكَ رجلٌ صلاةً شهرٍ مثلاً، ثمَّ قضاها إلاّ
صلاةً، ثمَّ صلَّى الوقتيّة ذاكراً لها فإنّها صحيحةٌ. اهـ "بحر "(٣).
وقَيَّدَ بقضاء البعض لأَنَّه لو قَضَى الكلَّ عاد الترتيبُ عند الكلِّ كما نقَلَهُ "القُهُستانيُّ" (٤).
[٦٠٧٥] (قولُهُ: على المعتمدِ) هو أصحُّ الروايتين، وصحَّحَهُ أيضاً في "الكافي)"(٥) و"المحيط"،
وفي "المعراج" وغيره: ((وعليه الفتوى))، وقيل: يعودُ الترتيب، واختارَهُ في "الهداية"(٦)، ورَدَّهُ في
"الكافي"(٧) و"التبيين"(٨)، وأطالَ فيه في "البحر "(٩).
[٦٠٧٦] (قولُهُ: لأنَّ الساقط لا يعودُ) وأمَّا إذا قَضَى الكلَّ فالظاهرُ أَنَّه يلزمُهُ ترتيبٌ جديدٌ،
فلا يقال: إنَّه عادَ، تأمَّل.
[٦٠٧٧) (قولُهُ: "مجتبى") عبارتُهُ - كما في "البحر"(١٠) -: ((ولو سقَطَ الترتيبُ لضيق الوقت،
ثُمَّ خِرَجَ الوقتُ لا يعودُ على الأصحِّ، حتّى لو خرَجَ في خلال الوقتَّة لا تفسُدُ على الأصحِّ، وهو
مؤدّ على الأصحِّ لا قاضٍ، وكذا لو سقَطَ مع النسيان ثمَّ تذكَّرَ لا يعودُ)) اهـ باختصارٍ.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب كيفية قضاء الفوائت ق ٧٤/أ.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١/ق ٢٣ب بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٩٣/٢.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في قضاء الفوائت ١٤٠/١.
(٥) "كافي النسفيّ": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١/ق ٤٣/أ.
(٦) "الهداية": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٧٣/١.
(٧) "كافي النسفيّ": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١/ق ٤٣/أ.
(٨) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١٨٩/١.
(٩) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٩٣/٢-٩٤.
(١٠) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٩٥/٢.

الجزء الرابع
٤٤٩
باب قضاء الفوائت
عن "الدِّراية": ((لو سقَطَ للنّسيانِ أو الضيقِ(١)، ثمَّ تذكَّرَ واتَّسَعَ الوقتُ يعودُ
اتّفاقاً))، ونحوُهُ في "الأشباه"(٢) في بيان: الساقطُ لا يعودُ، فليحرَّر.
(وفسادُ) أصلِ (الصلاة بتركِ الترتيبِ موقوفٌ).
[٦٠٧٨] (قولُهُ: عن "الدِّراية") اقتصارٌ على بعضِ اسم الكتاب للاختصار، فإنَّ اسمه "معراج
الدراية"، وهو شرحُ "الهداية" لـ "الكاكي"، وكثيراً ما يطلقون عليه لفظَ "المعراج".
[٦٠٧٩] (قولُهُ: فليُحرَّرْ) التحريرُ أنَّ الخلاف لفظيٌّ في ضيقِ الوقت، فإنَّ ما في "المجتبى"
[٢/ق٩٨/ب] مصرِّحٌ: ((بأنَّ عدم العودِ فيما إذا خرَجَ الوقت))، وما في "الدراية" مصرِّحٌ: ((بأنَّ
العود فيما إذا أَتَّسَعَ الوقتُ))، أي: ظهَرَ أنَّ فيه سعةً، فلا منافاةً بينهما، وكذا في التذكُّرِ بعد
٤٩٠/١ النسيان، فإنَّ ما في "المجتبى" محمولٌ على ما إذا تذكَّرَ بعد الفراغ من الصلاة، بدليلٍ أَنَّهم اتَّفقوا في
المسائل الاثني عشريَّةَ على أنّه لو تذكَّرَ فائتةٌ وهو يصلّي فإنْ كان قبل القعود قدْرَ التشهُّدِ بطلت
اتّفاقاً، وإنْ كان بعده قبل السلام بطلت عنده لا عندهما، وما في "الدراية" محمولٌ على ما إذا
تذكَّرَ قبل الفراغ منها، كذا أفادَهُ "ح"(٣)، ثمَّ قال: ((وفي التحقيقِ ضيقُ الوقت ليس بِمُسقِطٍ
حقيقةً، وإنما قُدِّمَت الوقتَّةُ عند العجز عن الجمع بينهما لقوَّتها مع بقاء الترتيب كما صرَّحَ به في
"البحر "(٤) عن "التبيين"(٥)، وينبغي أنْ يقال مثلُ ذلك في النسيان، فعلى هذا لو سقَطَ الترتيبُ بين
فائتةٍ ووقتَّةٍ لضيقِ وقتٍ أو نسيانٍ يبقى فيما بعد تلك الوقتّة)).
[٦٠٨٠) (قولُهُ: أصلِ الصلاةِ) تَبِعَ فيه "النهر"(٦)، والصوابُ: وصفِ الصلاة، قال
في "البحر"(٧): ((وقَيََّ بفسادِ الفرضيّة، فإِنَّه لا يُطِلُ الصلاةَ عند "أبي حنيفة" و"أبي يوسف" رحمهما الله
(١) في "ب" و"و": ((والضيق)).
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث - صـ٣٧٨ -.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق٩٩/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٩٥/٢.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١٩١/١.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧٥/أ.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٩٧/٢.

قسم العبادات
٤٥٠
حاشية ابن عابدين
عند "أبي حنيفة"، سواءٌ ظنَّ وجوبَ الترتيب أوْ لا.
تعالى، وعند "محمَّدٍ" رحمه الله تعالى يُطِلُ؛ لأنَّ التحريمة عُقِدَتْ للفرض، فإذا بطلت الفرضيَّةُ
بطلت التحريمة أصلاً، ولهما أَنَّها عُقِدَتْ لأصلِ الصلاة بوصف الفرضيَّة، فلم يكن من ضرورةٍ
بطلانِ الوصف بطلانُ الأصل، كذا في "النهاية" (١)، وفائدتُهُ تظهرُ في انتقاض الطهارة بالقهقهة،
كذا في "العناية"(٢))) اهـ "ح"(٣).
[٦٠٨١] (قولُهُ: عند "أبي حنيفة") وأمَّا عندهما فالفسادُ باتٌّ.
[٦٠٨٢) (قولُهُ: سواءٌ ظنَّ وجوبَ الترتيب أوْ لا) خلافاً لِما في "شرح المجمع" عن
"المحيط": ((من أَنَّه لا يعيدُ ما صلاَّه إذا كان عند المصلِّي أنَّ الترتيب ليس بواجبٍ، وإلاَّ أعادَ
الكلَّ))، فقد نصَّ في "البحر"(٤) على ضعفه، وذكَرَ في "الفتح"(٥): ((أنَّ تعليل قول "الإِمام" يَقطَعُ
بالإِطلاق))، وأقرَّهُ في "النهر "(٦)، لا يقال: هذا مخالفٌ لِما تقدَّمَ(٧) من أنَّ الترتيب يسقُطُ بالظنّ
المعتبر، وأنَّ الجاهل يُلحَقُ بالناسي؛ لأَنَّا نقول: إنَّ ما هنا مصوَّرٌ [٢/ق٩٩/ أ] فيما إذا ترَكَ صلاةً
ثمَّ صلَّى بعدها خمساً ذاكراً للمتروكة، فظنُّهُ عدمَ وجوب الترتيب هنا غيرُ مُعتَبَرٍ؛ لأَنَّه إنما يُعتبَرُ إذا
كان الفسادُ ضعيفاً كما مرَّ(٨) عن شُرَّاح "الهداية" و"فتح القدير"، فافهم.
(قولُهُ: وأمَّا عندهما فالفسادُ باتٌ) لكنْ عند "محمَّدٍ" فسَدَ الأصلُ مع فساد الوصف، وعند "أبي
يوسف" فسَدَ الوصفُ فقط فساداً بأنّاً. اهـ "ط".
(١) الذي في "البحر": (("الهداية")) والمسألة بنصها فيها: كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٧٢/١.
(٢) "العناية": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤٣٢/١ (هامش "فتح القدير"). والذي في "البحر" ((الغاية)) بدل
((العناية)).
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق٩٩/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٩٧/٢.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤٣٣/١.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧٥/أ.
(٧) المقولة [٦٠٦٨] قوله: ((أو ظن ظناً معتبراً)).
(٨) المقولة [٦٠٦٨] قوله: ((أو ظن ظناً معتبراً)).

الجزء الرابع
٤٥١
باب قضاء الفوائت
(فإِنْ كَثُرَتْ وصارت الفوائتُ(١) مع الفائتة ستّاً ظهَرَ صحَّتُها) بخروجٍ وقت
الخامسةِ التي هي سادسةُ الفوائت؛ لأنَّ دخول وقتِ السادسة غيرُ شرطٍ؛ لأنّه لو
تَرَكَ فجرَ يومٍ وأدَّى باقيَ صلواتِهِ انقلَبَتْ صحيحةً.
[٦٠٨٣] (قولُهُ: فإنْ كَثُرَتْ) أي: الصلاةُ التي صلَّها تاركاً فيها الترتيبَ، بأنْ صلاَّها قبل
قضاء الفائتة ذاكراً لها، وهذا التفريعُ لبيان قوله: ((موقوفٌ))، وتوضيحُهُ أَنَّه إذا فاتَتْهُ(٢) صلاةٌ -
ولو وتراً- فكلَّما صلَّى بعدها وقتيّةً وهو ذاكرٌ لتلك الفائتةِ فسدت تلك الوقتيَّةُ فساداً موقوفاً على
قضاء تلك الفائتة، فإنْ قضاها قبل أنْ يصلِّيَ بعدها خمسَ صلواتٍ صار الفسادُ بأَنَّاً، وانقلبت
الصلواتُ التي صلاّها قبل قضاء المقضيَّة نفلاً، وإنْ لم يقضِها حتّى خرَجَ وقت الخامسة، وصارت
الفواسدُ مع الفائتة سّاً انقلَبَتْ صحيحةً؛ لأَنَّه ظهَرَتْ كثرتُها ودخَلَتْ في حدِّ التكرار المسقط
للترتيب، وبيانُ وجِهِ ذلك في "البحر"(٣) وغيره، قال "ط"(٤): ((وقَيَّدوا أداءَ الخمسةِ بتذكُّرِ الفائتة،
فلو لم يتذكَّرْها سقَطَ للنسيان، ولو تذكَّرَ في البعض ونَسِيَ في البعض يُعتبرُ المذكورُ فيه، فإنْ بَلَغَ
خمساً صحَّتْ، ولا نظَرَ لِمَا نَسِيَ فيهِ لِما قلنا)).
[٦٠٨٤) (قولُهُ: وصارت الفوائتُ) أي: الحكميّةُ، وفي نسخةٍ: ((الفواسدُ))، أي: الموقوفةُ.
[٦٠٨٥] (قولُهُ: بخروجٍ وقت الخامسة إلخ) اعلم أنَّ المذكور في عامَّة الكتب كـ "المبسوط)" (٥)
و "الهداية"(٦) و"الكافي"(٧) و"التبين"(٨) وغيرها: ((أنَّ صحَّة الكلِّ موقوفةٌ على أداءِ ستٍّ صلواتٍ
(١) في "و": ((الفواسد))، وهو تحريف.
(٢) من ((ذاكراً لها)) إلى ((إذا فاتته)) ساقط من "الأصل".
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٩٥/٢.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٣٠٧/١.
(٥) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب مواقيت الصلاة ١٥٤/١ - ١٥٥.
(٦) "الهداية": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٧٣/١.
(٧) "كافي النسفيّ": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١/ق ٤٣/ب.
(٨) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ١٩٠/١.

قسم العبادات
٤٥٢
حاشية ابن عابدين
بعد طلوع الشمس (وإلاَّ) بأنْ لم تَصِرْ سّاً (لا) تظهرُ صحَّتُها، بل تصيرُ نفلاً، ....
بعد المتروكة))، وادَّعى في "البحر"(١): ((أَنَّه خطأٌ))، وحقَّقَ في "فتح القدير"(٢): ((أنَّ الصحّة
موقوفةٌ على دخولِ وقتِ السادسة لا على أدائها))، واعترضَهُ في "النهر"(٣): ((بأنَّ دخول وقتٍ
السادسة بعد المتروكة غيرُ شرطٍ، بل المعتبرُ خروجُ وقت الخامسة؛ لأَنَّه بذلك تصيرُ الفوائت ستّاً
كما صرَّحَ به في "معراج الدراية" مع بيانِ أنَّ ما ذُكِرَ في عامَّةِ الكتب من أداءِ السادسة إنما هو
لتصيرَ الفوائتُ سّاً بيقينٍ، لا لكونه شرطاً ألبَّةَ))، وذكَرَ نحوَ ذلك العلاَّمةُ "الشرنبلاليُّ" في
"الإمداد"(٤) عن "المعراج" أيضاً و"مجمعِ الروايات" و"التتار خانَّة"(٥) و"السغناقيِّ"
و"قاضي خان"(٦)، وحاصلُ ذلك كلّهِ ما لَخَّصَهُ "الشارح" رحمه الله تعالى.
هذا، وفي [٢/ق٩٩/ب] "النهر"(٧) عن "المعراج": ((كان ينبغي أنَّه لو أدَّى الخامسةَ، ثُمَّ
قضى المتروكةَ قبل خروج وقتها أنْ لا تَفسُدَ المؤدّيات، بل تصحَّ لوقوعها غيرَ جائزةٍ، وبها
تصيرُ الفوائتُ ستّاً، والجوابُ منعُ كونها فائتةً ما بقي الوقتُ؛ إذ احتمالُ الأداءِ على وجهِ
الصحّةِ قائمٌ)) اهـ.
[٦٠٨٦] (قولُهُ: بعدَ طلوع الشمس) أي: من غيرِ توقُّفٍ على دخول وقت السادسة وهي
الظهرُ خلافاً لِما في "الفتح"(٨)، ولا على أدائها خلافاً لِما يُوهِمُهُ ظاهرُ ما في عامَّة الكتب.
[٦٠٨٧] (قولُهُ: بأنْ لم تَصِرْ سنّاً) أي: بأنْ قَضَى الفائتةَ قبل خروج وقت الخامسة.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٩٦/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٤٣٣/١.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق ٧٥/أ.
(٤) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق ٢٤٣/ب وما بعدها.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل العشرون في قضاء الفائتة ٧٦٢/١.
(٦) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل في الترتيب وقضاء المتروكات ١١٢/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "النهر": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق ٧٥/أ.
(٨) "الفتح": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٤٣٣/١.

الجزء الرابع
٤٥٣
باب قضاء الفوائت
وفيها يقال: صلاةٌ تصحِّحُ خمساً، وأخرى تُفسِدُ خمساً.
(ولو ماتَ وعليه صلواتٌ فائتةٌ وأوصَى بالكفّارة يُعطَى لكلِّ صلاةٍ.
....
[٦٠٨٨] (قولُهُ: وفيها يقال إلخ) هذا ذكَرَهُ في "المبسوط )" (١)، وهو مبنيٌّ على ما مَشَى عليه
كعامَّةِ الكتب من اشتراطِ أداء السادسة، فهذه السادسةُ إذا أدَّاها صحَّت الخمسةُ التي قبلها، فهي
صلاةٌ تُصحِّحُ خمساً، والفائتةُ إذا قضاها قبل أداء السادسة فسدت الخمسةُ التي قبلها، فهذه صلاةٌ
أخرى تُفسِدُ خمساً، أمّا على اعتبارِ خروجٍ وقت الخامسة - كما مشى عليه "الشارح" - فالمصحِّحُ
والمفسدُ صلاةٌ واحدةٌ وهي الفائتةُ، فإذا قضاها بعد صلاةِ الخامسة قبل خروج وقتها أفسدت
الخمسَ التي قبلها، وإذا خرَجَ الوقتُ ولم يَقْضِ صحَّت الخمسُ، أي: تحقَّقَ بها صحَّةُ الخمس،
وإلاّ فالمصحِّحُ حقيقةً هو كثرةُ الفوائت بخروج وقت الخامسة، فافهم.
مطلبٌ في إسقاطِ الصلاة عن الميت
٤٩١/١
[٦٠٨٩) (قولُهُ: وعليه صلواتٌ فائتةٌ إلخ) أي: بأنْ كان يقدرُ على أدائها ولو بالإِيماءِ، فيلزمُهُ
الإيصاءُ بها، وإلاَّ فلا يلزمُّهُ وإنْ قَلّتْ، بأنْ كانت دون ستِّ صلواتٍ لقوله عليه الصلاة والسلام:
(فإنْ لم يَستطِعْ فاللَّهُ أحقُّ بقبولِ العذر منه))(٢)، وكذا حكمُ الصوم في رمضانَ إِنْ أَفطَرَ فيه المسافرُ
والمريضُ وماتا قبل الإِقامة والصحَّةِ، وتمامُهُ في "الإمداد"(٣).
[٦٠٩٠) (قولُهُ: يُعطَى) بالبناء للمجهول، أي: يُعطي عنه وليُّهُ، أي: مَن له ولايةُ التصرُّفِ
(قولُهُ: فهذه السَّادسةُ إذا أدَّاها إلخ) ولك أنْ تقول كما في "السنديّ": ((هي خامسةُ الفواسد،
فإِنَّهَا صَحَّحَتْ نفسَها والأربعَ التي سبَقَتْها )).
(١) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر ٢٤٤/١.
(٢) قال التّهَانَوِيّ في "إعلاء السنن" ١٧٠/٧-١٧٤: لم نجده هكذا في حديث ولا أثر، ولكن معناه ثابت بحديث ابن
عباس رضي الله عنهما عن النِّيّ ◌َ﴿ قال: ((يُصَلّي المريضُ قائماً، فإِنْ نَالَتُهُ مَشَقّةٌ صَلَّى بإيماء يُؤْمِئُ برأسه، فإنْ نَالَتْهُ
مَشَقّةٌ سَبْحٍ)). رواه الطبرانيّ في "الأوسط".
(٣) انظر "الإِمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض - فصل في إسقاط الصلاة والصوم ق ٢٣٩/أ.

قسم العبادات
٤٥٤
حاشية ابن عابدين
في مالِهِ بوصايةٍ أو وراثةٍ، فيلزمُهُ ذلك من الثلث إنْ أوصى، وإلاَّ فلا يلزمُ الوليَّ ذلك؛ لأنّها عبادةٌ،
فلا بدَّ فيها من الاختيار، فإذا لم يُوْصِ [٢/ق ١٠٠ / أ] فاتَ الشرطُ، فيسقطُ في حقِّ أحكام الدنيا
للتعذُّرِ بخلاف حقِّ العباد، فإنَّ الواجب فيه وصولُهُ إلى مُستحِقْه لا غيرٍ، ولهذا لو ظَفِرَ به الغريمُ
يأخذُهُ بلا قضاءٍ ولا رضىٍّ، ويَبرأُ مَن عليه الحقُّ بذلك، "إمداد"(١).
ثُمَّ اعلم أنَّه إذا أوصَى بفدية الصوم يُحكَمُ بالجواز قطعاً؛ لأَنَّه منصوصٌ عليه، وأمَّا إذا
لم يُؤْصِ فتطوَّعَ بها الوارثُ فقد قال "محمَّدٌ" في "الزيادات": ((إنَّه يُجزيه إن شاء الله تعالى))،
فعلَّقَ الإِجزاءَ بالمشيئة لعدم النصِّ، وكذا علَّقَهُ بالمشيئة فيما إذا أوصى بفديةِ الصلاة؛ لأنّهم
ألحقُوها بالصوم احتياطاً؛ لاحتمالِ كون النصِّ فيه معلولاً بالعجز، فتشملُ العَلَّةُ الصلاةَ، وإِنْ
لم يكن معلولاً تكون الفديةُ بِرَّاً مبتدأً يصلُحُ ماحِياً للسيِّئات، فكان فيها شبهةٌ كما إذا
لم يُوْصِ بفديةِ الصوم، فلذا جزَمَ "محمَّدٌ" بالأوَّلِ ولم يَحِزِمْ بالأخيرين، فعُلِمَ أنَّه إذا لم يُوْصِ
بفديةِ الصلاة فالشبهةُ أقوى.
واعلم أيضاً أنَّ المذكور فيما رأيُهُ من كتب علمائنا فروعاً وأصولاً: إذا لم يُوْصِ بفديةٍ
الصوم يجوزُ أن يَتِبرَّعَ عنه ولِيُّهُ، والمتبادرُ من التقييد بالوليِّ أَنَّ لا يصحُّ من مالِ الأجنبيِّ، ونظيره
ما قالوه فيما إذا أوصَى بحجَّةِ الفرض فتبرُّعُ الوارثِ بالحجِّ لا يجوزُ، وإنْ لم يُوْصِ فتبرُّعُ الوارث إمَّا
بالحجِّ بنفسه أو بالإِحجاج عنه رجلاً يُحزيه، وظاهرُهُ أَنَّه لو تبرَّعَ غيرُ الوارث لا يُحزيه، نعم وقَعَ
في "شرح نور الإيضاح"(٢) لـ "الشرنبلاليِّ" التعبيرُ بالوصيٍّ أو الأجنبيِّ، فتأمَّل، وتمامُ ذلك في آخرٍ
رسالتنا المسمَّة "شفاء العليل في بطلان الوصيّة بالختمات والتهاليل"(٣).
(١) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض - فصل في إسقاط الصلاة والصوم ق ٢٤٠/أ.
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض - فصل في إسقاط الصلاة والصوم ق ٢٤٠/أ.
(٣) انظر "مجموعة رسائل ابن عابدين": ١٩٦/١.

الجزء الرابع
٤٥٥
باب قضاء الفوائت
نصف صاعٍ من بُرِّ كالفطرةِ (وكذا حكمُ الوترِ) والصومِ، وإنما يُعطَى (مِن تُلُثِ مالِهِ)
[٦٠٩١] (قولُهُ: نصفُ صاعٍ من بُرِّ أي: أو من دقيقِهِ أو سَويقِهِ، أو صاعُ تمرٍ أو زبيبٍ أو
شعيرٍ، أو قيمتُهُ، وهي أفضلُ عندنا لإِسراعها بسدٍّ حاجة الفقير، "إمداد"(١). ثمَّ إنَّ نصف الصاعِ
ربعُ مُدِّ دمشقيٌّ من غيرِ تكويمٍ، بل قدْرَ مسحِهِ كما سنوضحُهُ(٢) في زكاة الفطر.
(٦٠٩٢) (قولُهُ: وكذا حكمُ الوتر) لأَنَّه فرضٌ عمليٌّ عنده خلافاً لهما، "ط)(٣). ولا روايةَ في
سجدةِ التلاوة أَنَّه يجبُ أوْ لا يجبُ كما في "الحجَّة"، والصحيحُ أَنَّه لا يجبُ كما في "الصيرفيَّة"،
"إسماعيل" (٤).
[٦٠٩٣) (قولُهُ: وإنما يُعطَى من ثلثِ مالِهِ) أي: فلو زادت الوصيّةُ على الثلث لا يلزمُ
الوليَّ إخراجُ الزائد إلاَّ بإجازةِ الورثة، وفي "القنية"(٥): ((أوصى بثلثِ ماله إلى صلواتٍ عمره
وعليه دينٌ، فأجازَ [٢/ق ١٠٠ /ب] الغريمُ وصََّهُ لا تجوزُ؛ لأنَّ الوصيَّةَ متأخّرَةٌ عن الدَّين،
ولم يسقط الدَّينُ بإجازته)) اهـ.
وفيها: ((أوصَى بصلواتِ عمره وعمرُهُ لا يُدرَى فالوصيّةُ باطلٌ))، ثمَّ رمَزَ: ((إنْ كان
الثلثُ لا يَفِيْ بالصلوات جازَ، وإن كان أكثرَ منها لم يَجُزْ)) اهـ.
والظاهرُ: أنَّ المراد لا يَفِيْ بغلبة الظنِّ؛ لأن المفروض أنَّ عمره لا يُدرى، وذلك كأنْ يَفِيَ
الثلثُ بنحوٍ عشر سنين مثلاً وعمرُهُ نحوُ الثلاثين، ووجهُ هذا القولِ الثاني ظاهرٌ؛ لأنَّ الثلث إذا
كان لا يَفِيْ بصلواتِ عمره تكونُ الوصيَّةُ بجميع الثلث يقيناً، ويلغو الزائدُ عليه، بخلاف ما إذا كان
يفي بها ويزيدُ عليها فإِنَّ الوصيّةَ تبطُلُ لجهالةِ قدْرِها بسبب جهالةِ قدْرِ الصلوات، فتدَبَّر.
(١) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض - فصل في إسقاط الصلاة والصوم ق٢٣٩/ب.
(٢) المقولة [٨٧٣٥] قوله: ((هو أي الصاع إلخ)).
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ٣٠٧/١.
(٤) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب قضاء الفوائت ق٤٤٨/ب.
(٥) "القنية": كتاب الوصايا - باب الوصايا إلى الصلوات ق ١٧٢/ب.

قسم العبادات
٤٥٦
حاشية ابن عابدين
ولو لم يَتْرُكْ مالاً يَستقرِضُ وارتُهُ نصفَ صاع مثلاً، ويدفعُهُ لفقيرٍ، ثُمَّ يدفعُهُ الفقيرُ
للوارث، ثُمَّ وَثُمَّ حتّى يَتِمَّ (ولو قضاها ورثتُهُ بإذنِهِ(١).
•
[٦٠٩٤] (قولُهُ: ولو لم يَتْرُكْ مالاً إلخ) أي: أصلاً، أو كان ما أوصى به لا يَفِيْ، زاد في
"الإمداد"(٢): ((أو لم يُوْصِ بشيءٍ وأراد الوليُّ التبرُّعَ إلخ))، وأشارَ بالتبرُّعِ إلى أنَّ ذلك ليس
بواجبٍ على الوليِّ، ونصَّ عليه في "تبين المحارم)"(٢) فقال: ((لا يجبُ على الوليِّ فعلُ الدَّورِ وإِنْ
أوصَى به الميتُ؛ لأَنّها وصيّةٌ بالتبرُّع، والواجبُ على الميت أنْ يُوصيَ بما يَفِيْ بما عليه إنْ لم يَضِق
الثلثُ عنه، فإنْ أوصَى بأقلَّ وأمَرَ بالدَّور، وتَرَكَ بقيّةً الثلث للورثة، أو تبرَّعَ به لغيرهم فقد أَثِمَ بتركِ
ما وجَبَ عليه)) اهـ.
مطلبٌ في بطلانِ الوصيّةِ بالختمات والتهاليل
وبه ظهَرَ حالُ وصايا أهلِ زماننا، فإنَّ الواحد منهم يكونُ في ذمَّتِهِ صلواتٌ كثيرةٌ وغيرُها
من زكاةٍ وأَضاحٍ وأيمانٍ، ويوصي لذلك بدراهمَ يسيرةٍ، ويَجعَلُ معظمَ وصَّتِهِ لقراءة الختماتِ
والتهاليلِ التي نصَّ علماؤنا على عدمٍ صحَّةِ الوصيّة بها، وأنَّ القراءة لشيءٍ من الدنيا لا تجوزُ، وأنَّ
الآخذ والمعطيَ آئِّمان؛ لأنَّ ذلك يُشبهُ الاستئجارَ على القراءة، ونفسُ الاستئجار عليها لا يجوزُ،
فكذا ما أشبَهَهُ كما صُرِّحَ بذلك في عدَّةِ كتبٍ من مشاهيرِ كتب المذهب، وإنما أفتى المتأخّرون
بجوازِ الاستئجار على تعليم القرآن لا على التلاوة، وعلَّوهُ بالضرورة، وهي خوفُ ضياع القرآن،
ولا ضرورةَ في جوازِ الاستئجار على التلاوة كما أوضَحْتُ ذلك في "شفاء العليل"(٤)، وسيأتي(٥)
بعضُ ذلك في باب الإجارة الفاسدة إن شاء الله تعالى.
[٦٠٩٥] (قولُهُ: يَستقرِضُ وارتُهُ نصفَ صاعٍ مثلاً إلخ) أي: أو قيمةَ ذلك، والأقربُ
(١) في "ب" و"و": ((بأمره)).
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة المريض - فصل في إسقاط الصلاة والصوم ق ٢٤٠/أ.
(٣) "تبيين المحارم": الباب التاسع في تبديل الوصية ق٢٧/أ - ب بتصرف.
(٤) انظر "مجموعة رسائل ابن عابدين": ١٦٧/١.
(٥) المقولة [٢٩٨٦٨] قوله: ((ويفتى اليوم بصحتها لتعليم القرآن إلخ)).