Indexed OCR Text
Pages 401-420
الجزء الرابع
٣٩٧
باب إدراك الفريضة
(إلاَّ عند) الشروع في (الإقامةِ) فيكرهُ؛ لمخالفته الجماعةَ بلا عذر، بل يقتدي متنفّلاً
لِما مرَّ (و) إلاَّ (لِمَن صلَّى الفجرَ والعصرَ والمغربَ مرَّةً) فيخرُجُ مطلقاً.
بعذرِ، وهو خلافُ ما يتبادرُ من كلامهم، وقدَّمنا(١) تمامَ الكلام على ذلك في واجبات الصلاة،
ولم يظهر لي جوابٌ شافٍ، فليتأمَّل.
[٥٩٧٠] (قولُهُ: إلاَّ عند الشروعِ في الإقامة إلخ) ظاهرُهُ الكراهة ولو كان مقيمَ جماعةٍ أخرى؛
لأنَّ في خروجه تُهَمَةً، قال الشيخ "إسماعيل"(٢): ((وهو المذكورُ في كثيرٍ من الفتاوى، والتُّهَمةُ هنا
نشأت من صلاته منفرداً، فإذا خرَجَ يُؤْيِّدُها بخلاف ما مرَّ(٢) عن "الدرر" و"شرح الوقاية" فهما
مسألتان))، فما تقدَّمَ فيما إذا كان مقيمَ جماعةٍ أخرى وخرَجَ عند الإقامة ولم يكن صلَّى، وهنا
فيما إذا كان صلَّى وقد اشتبَهَ ذلك على بعض الشُّرَّاح، والمرادُ بمقيمِ الجماعة مَن ينتظمُ به أمرُها
نحوَ المؤذِّن والإِمام كما مرَّ(٤)، والمرادُ به هنا المؤذّنُ؛ لأنَّ الإِمام لو صلَّى منفرداً لا يمكنُ أنْ يقيمَ
جماعةً أخری، فافهم.
[٥٩٧١] (قولُهُ: لِما مرَّ(٥) أي: مِن قوله: ((إحرازاً للنفل والجماعة))، "ح"(٦).
(قولُهُ: ولم يظهرْ لي جوابٌ شافٍ) قد يقال في الجواب: أنَّه لا يلزمُ من عدم كراهة الخروج
ولا من إتمامه واقتدائه به متنفّلاً عدمُ أمرِهِ بالإِعادة، بل هو مأمورٌ بها في أيِّ مكان، فيمكنُهُ الإعادة
جماعةً خارج المسجد أو بعد اقتدائه متنفّلاً بدون كراهةٍ لنفس الخروج. وقال في "حاشية البحر": ((
الأَولى تأويلُ القاعدة بأنْ يُرادَ بالواجبِ والسنَّةِ الذي تُعادُ لتركه الصلاةُ ما كان من أجزاءِ الصلاة
وماهيَّتِها، والجماعةُ وصفٌ لها خارجٌ عنها، فلا تعاد الصلاةُ لتركه، فليتأمَّل)) اهـ.
(قولُهُ: وهو المذكورُ في كثيرٍ من الفتاوى إلخ) وذكَرَ "صدر الشريعة": ((أنَّ المقيم لجماعةٍ أخرى
لا يكرهُ له الخروجُ وإِنْ أُقيمَتْ ))، وإليه يشيرُ قول "الشارح": ((بلا عذرٍ))، "ط".
(١) المقولة [٣٩٤٠] قوله: ((وكذا كل صلاة إلخ)).
(٢) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١/ق ٤٣٦/ب.
(٣) المقولة [٥٩٦٥] قوله: ((إلا لمن ينتظم به أمر جماعة أخرى)).
(٤) المقولة [٥٩٦٥] قوله: ((إلا لمن ينتظم به أمر جماعة أخرى)).
(٥) صـ ٣٨٨ - "در".
(٦) "ح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٩٦/ب.
قسم العبادات
٣٩٨
حاشية ابن عابدين
(وإنْ أقيمت) لكراهةِ النفل بعد الأُوليين، وفي المغرب أحدُ المحظورين: الْبُتَيْراءُ أو مخالفةُ
الإمام بالإتمام، وفي "النهر"(١): ((ينبغي أنْ يجبَ خروجُهُ؛ لأنَّ كراهة مكثِهِ بلا صلاةٍ ....
[٥٩٧٢] (قولُهُ: وإِنْ أُقِيمَتْ) بيانٌ للإطلاق، "ط"(٢).
والحاصلُ: أَنَّ لا يكرهُ الخروج بعد الأذان لِمَن كان صلَّى وحده في جميع الصلوات إلاَّ في
الظهر والعشاء، فإنَّه يكرهُ الخروجُ عند الشروع في الإقامة فقط لا قبله.
(تنبيةٌ)
المرادُ بالإقامة هنا شروعُ المؤذِّن في الإقامة كما في "الهداية"(٣)، لا بمعنى الشروع في الصلاة
كما مرَّ(٤).
[٥٩٧٣] (قولُهُ: الْتَيْراءُ) تصغيرُ البَتْراء، وهي الركعةُ الواحدة التي لا ثانيةً لها، والثلاثُ
تستلزمُها، لكن إنْ كانت واحدةً فقط فهي باطلةٌ كما مرَّ(٥) عن "البحر"، وإنْ كانت ثلاثاً - بأنْ
سلَّمَ مع الإِمام - فقيل: لا يلزمُهُ شيءٌ، وقيل: فسَدَتْ، فيقضي أربعاً كما لو نذَرَ ثلاثاً كما في
"البحر "(٦)، وقدَّمنا(٧) عنه: أنَّه لو اقتدى فيها [٢/ق ٨٥/ب] فالأحوطُ أنْ يُتِمَّها أربعاً وإنْ كان فيه
مخالفةُ الإِمام.
(قولُ "الشارح": وفي "النهر": ينبغي إلخ) عبارتُهُ نقلاً عن "المحيط": ((ولو لم يخرج مع عدمِ
كراهة الخروج ومكَثَ ولم يدخل معهم كُرِهَ؛ لأنَّ مخالفة الجماعة وِزْرٌ عظيمٌ، وهذا يقتضي أنَّها أشدُّ
كراهةً من التنفّل، وعلى هذا ينبغي أنْ يجبَ خروجُهُ في هذه الحالة )) اهـ.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧٢/أ بتصرف.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٢٩٩/١.
(٣) "الهداية": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧١/١.
(٤) المقولة [٥٩٦٥] قوله: ((إلا لمن ينتظم به أمر جماعة أخرى)).
(٥) المقولة [٥٩٥٤] قوله: ((أو فيها إلخ)).
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٢/٢.
(٧) المقولة [٥٩٥٣] قوله: ((أو قيدها)).
الجزء الرابع
٣٩٩
باب إدراك الفريضة
أشدُّ)) قلتُ: أفادَ "القُهُستانيُّ": ((أنَّ كراهة التنفِّل بالثلاث تنزيهيَّةٌ))، ........
[٥٩٧٤] (قولُهُ: أشدُّ) أي: من التنفّل بعد الفجر والعصر ومن البتيراء؛ لقول "المحيط": ((لأنَّ
مخالفةَ الجماعة وِزْرٌ عظيمٌ)).
قلت: لكنْ صرَّحَ في "مختارات النوازل"(١): ((بأنَّ الخروج أولى؛ لأنَّ هذه المخالفة أقلُّ
كراهةً))، تأمَّل.
[٥٩٧٥] (قولُهُ: قلتُ إلخ) واردٌ على قوله: ((وفي المغرب أحدُ المحظورين))، وعلى قوله:
((أشدُّ))، فإِنَّه يقتضي بمفهومه أنَّ الصلاة مع الإمام فيها كراهةٌ شديدٌ وهي التحريميَّةُ، لكنْ قال
" ح"(٢): ((ما في "القُهُستانيِ) (٣) مردودٌ؛ لأنَّ صاحب "الهداية (٤) صرَّحَ بالكراهة، وصاحب "غاية
البيان" بأنّها بدعةٌ، و"قاضي خان" في "شرح الجامع الصغير"(٥) بأنّها حرامٌ، قال في
٤٨٠/١ "البحر "(٦): والظاهرُ ما في "الهداية"؛ لأنَّ المشايخ يستدلُون بأنَّه ﴿ نَهَى عن البُثَيْراء(٧)، وهو مِن
قبيل ظنّيِّ الثبوت قطعيِّ الدلالة، فيفيدُ كراهةَ التحريم على أصولنا)).
(قولُهُ: واردٌ على قوله: وفي المغربِ أحدُ المحذورين إلخ) فإنَّ المتبادر من لفظِ ((المحذورين))
كراهةُ التحريم، ثمَّ لك أن تقول: لا تنافيَ بين ما نقَلَهُ في "البحر"، وذلك بأنْ يُرادَ بالحرام المكروهُ تحريماً،
وبالبدعة البدعةُ القويّة - وهي المكروه تحريماً - وبالمكروه المكروه تحريماً.
(١) "مختارات النوازل": كتاب الصلاة - فصل في إدراك الجماعة ق ٢٣/أ.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق٩٦/ب.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في إدراك الفريضة ١٣٧/١.
(٤) "الهداية": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧١/١.
(٥) "شرح الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب الرجل يدرك الفريضة وقد صلى بعض صلاته ١/ق ١٧/أ.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٧/٢.
(٧) أخرجه ابن عبد البرّ في "التمهيد" ٢٥٤/١٣، وذكره الزيلعيّ في "نصب الراية" ١٧٢/٢-١٧٣ وقال: ولم أجده،
وعزاه إلى ابن عبد البرّ في "التمهيد"، وعبد الحقّ في "الأحكام"، وذكره أيضاً النوويّ في "خلاصة الأحكام"
٥٥٧/١ كتاب صلاة التطوع - باب صحة الوتر بركعة أو ثلاث - فصل في ضعيفه، وقال: ضعيف مرسل،
والحديث ذكره أيضاً الذّهبيّ في "ميزان الاعتدال" ٥٣/٣ وقال: قال ابن القطّان: هذا حديث شاذ لا يُعرج على
روايته، وفي الباب عن أبي سعيد الخُدْرِيّ ◌َلُه.
قسم العبادات
٤٠٠
حاشية ابن عابدين
وفي "المضمرات": ((لو اقتدى فيه لأساء)) (وإذا خافَ فوتَ) ركعتي (الفجرِ
الاشتغالِه بسنَّتِها ترَكَها).
مطلبٌ: هل الإساءةُ دون الكراهة أو أفحشُ؟
[٥٩٧٦] (قولُهُ: وفي "المضمرات" إلخ) من كلامٍ "القُهُستانِّ"(١)، قصَدَ به تأييدَ ما ادَّعاه من
كون الكراهةِ تنزيهيّةٌ الذي هو معنى الإساءة. اهـ "ح"(٢).
قلت: لكنْ قدَّمنا(٣) في سنن الصلاة الخلافَ في أنَّ الإِساءة دون الكراهة أو أفحشُ، ووفّقنا
بينهما بأَنَّها دون التحريميَّة وأفحشُ من التنزيهَّة.
[٥٩٧٧] (قولُهُ: وإذا خافَ إلخ) عُلِمَ منه ما إذا غَلَبَ على ظنّهِ بالأَولى، "نهر "(٤). وإذا تُرِكَتْ
لخوفِ فوت الجماعة فأَولى أنْ تُتْرَكَ لخوف خروج الوقت، "ط " (٥) عن "أبي السُّعود"(٦).
[٥٩٧٨] (قولُهُ: ترَكَها) أي: لا يَشرَعُ فيها، وليس المرادُ يقطعُها؛ لِما مرَّ(٧) أنَّ الشارع في
النفل لا يقطعُهُ مطلقاً، فما في "النهر "(٨) هنا من قوله: ((ولو قَّدَ الثانيةَ منها بالسجدةٍ)) غيرُ
صحيحٍ كما نَّهَ عليه الشيخُ "إسماعيل"(٩).
(قولُهُ: كما نَبَّهَ عليه الشيخُ "إسماعيل") ونَبَّهَ عليه "الشرنبلاليُّ" أيضاً بقوله: (( والمرادُ من الترك عدمُ
الشُّروع؛ لِما مرَّ أنَّ الشارع في النفل لا يقطعُ مطلقاً، ولذا عبَّرَ بالترك، فقولُهُ: يقطعُ ولو قَّدَ الثانيةَ منها
بسجدةٍ مخالفٌ لِما قدَّمَهُ من قوله: وقَّدَ بالظهر لأَنَّه لو شرَعَ في نافلةٍ فأُقيمت الظهرُ لا يقطعُها )) اهـ.
(١) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في إدراك الفريضة ١٣٧/١.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٩٦/ب.
(٣) المقولة [٤٠٣٧] قوله: ((وقالوا إلخ)).
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧٢/أ.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٣٠٠/١.
(٦) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٢٧١/١.
(٧) صـ ٣٩٠ - "در".
(٨) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧٢/أ.
(٩) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١/ق ٤٣٧/أ.
الجزء الرابع
٤٠١
باب إدراك الفريضة
لكون الجماعة أكملَ (وإلَّ) بأنْ رَجَا إدراكَ ركعةٍ في ظاهر المذهب، "تجنيس"(١).
وقيل: التشهُّدِ، واعتمَدَهُ "المصنّف" و"الشرنبلاليُّ" تبعاً لـ "البحر").
[٥٩٧٩] (قولُهُ: لكون الجماعة أكملَ) لأنَّها تفضُلُ الفرضَ منفرداً بسبعٍ وعشرين ضعفاً
لا تبلغُ ركعتا الفجرِ ضعفاً واحداً منها؛ لأَنّها أضعافُ الفرض، والوعيدُ على الترك للجماعة ألزمُ
منه على ركعتي الفجر، وتمامُهُ في "الفتح"(٢) و"البحر"(٣).
[٥٩٨٠] (قولُهُ: بأنْ رجا إدراكَ ركعةٍ) تحويلٌ لعبارةِ المتن، وإلاَّ فالمتبادِرُ منها القولُ الثاني.
٥٩٨١٦] (قولُهُ: وقيل: التشهُّدِ) أي: إذا رجا إدراكَ الإِمام في التشهُّدِ [٢/ق٥٦/أ] لا يتْرُكُها،
بل يصلِّيها وإنْ عَلِمَ أنَّه تفوتُهُ الركعتان معه.
[٥٩٨٢] (قولُهُ: تبعاً لـ "البحر "(٤)) فيه أنَّ صاحب "البحر" ذكَرَ أنَّ كلام "الكنز" يشملُ
التشهُّد، ثمَّ ذكَرَ: ((أَنَّ ظاهر "الجامع الصغير "(٥) أَنَّه لو رَجَا إدراكَ التشهُّد فقط يترُكُ السنَّةَ))،
ونقَلَ عن "الخلاصة"(٦): ((أَنَّه ظاهرُ المذهب، وأَنَّه رجَّحَهُ في "البدائع"(٧))، ونقَلَ عن "الكافي" (٨)
و"المحيط": ((أَنّ يأتي بها عندهما خلافاً لـ "محمَّدٍ"))، فليس فيه سوى حكايةِ القولين، بل ذكَرَ (٩)
قبل ذلك ما يدلُّ على اختيارِهِ لظاهر الرواية حيث قال: ((وإنْ لم يُمكِنْ - بأنْ خَشِيَ فوتَ
الركعتين- أحرَزَ أحقَّهما وهو الجماعةُ)).
(قولُهُ: حيث قال: وإنْ لم يمكن إلخ) أصرحُ من هذا في اختيار صاحب "البحر" ظاهرَ المذهب نقلُهُ
ترجيحَهُ بالعَزْو لـ "البدائع" مع عدم ذكر ما يُعارِضُه.
(١) (("تجنيس")) ليست في "ب" و"و".
(٢) انظر "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٤/١-٤١٥.
(٣) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٩/٢.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٩/٢.
(٥) "الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب الرجل يدرك الفريضة في جماعة صـ ٩٠-٩١ -.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثاني: في المقدمة وآداب الصلاة وفرائضها وواجباتها وسننها ق ٢١/أ.
(٧) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان ما يكره من السنن ٢٨٦/١.
(٨)"كافي النسفيّ": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١/ق ٤١/ب.
(٩) أي: صاحب "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٩/٢.
قسم العبادات
٤٠٢
حاشية ابن عابدين
لكنْ ضعَّفَهُ في "النهر" (لا) يترُكُها، بل يصلِّيها.
[٥٩٨٣ ] (قولُهُ: لكنْ ضعَّفَهُ في "النهر "(١)) حيث قال: ((إِنَّه تخريجٌ على رأيٍ ضعيفٍ)) اهـ.
قلت: لكنْ قَوَّاه في "فتح القدير "(٢) بما سيأتي(٣): ((من أنَّ مَن أدرَكَ ركعةً من الظهر مثلاً
فقد أدرَكَ فضل الجماعة وأحرَزَ ثوابَها كما نصَّ عليه "محمَّدٌ" وِفاقاً لصاحبيه، وكذا لو أدرَكَ
التشهُّدَ يكونُ مدركاً لفضيلتها على قولهم))، قال: ((وهذا يُعكِّرُ على ما قيل: إنّه لو رجا إدراكَ
التشهُّدِ لا يأتي بسنَّةِ الفجر على قول "محمَّدٍ"، والحقُّ خلاقُهُ لنصِّ "محمَّدٍ" على ما يناقضُهُ)) اهـ.
أي: لأنَّ المدار هنا على إدراكِ فضل الجماعة، وقد اتَّقوا على إدراكه بإدراكِ التشهُّد، فيأتي بالسنَّةِ
اتّفاقاً كما أوضَحَهُ في "الشرنبلاليَّة"(٤) أيضاً، وأقرَّهُ في "شرح المنية "(٥)، و"شرح نظم الكنز"(٦)،
(قولُهُ: حيث قال: إنَّه تخريجٌ على رأيٍ ضعيفٍ) بيانُ ذلك أنَّه في "النهر" قال أوَّلاً: ((إنَّه عُلِمَ من
كلام "الكنز" أنَّه لو كان يرجو إدراكَهُ في التشهُّد قطَعَها لفوات الرَّكعتين، وقيل: هو كإدراكِ الرَّكعة
عندهما، وعند "محمَّدٍ" لا كما في الجمعة، وظاهرُ المذهب هو الأوَّلُ. وبهذا التقريرِ عُلِمَ أنَّ قوله في
"البحر": إنَّ كلامه شاملٌ لِما إذا كان يرجو إدراكَهُ في التشهُّدِ تخريجٌ على رأيٍ ضعيفٍ مما لا ضرورةً
تدعو إليه )) اهـ. ولا يخفى ما في كلامه، فإنَّ ما مشى عليه أوَّلاً بقوله: (( عُلِمَ من كلامٍ إلخ)) هو ما
ذكرَهُ صاحب "البحر" من أنَّه شاملٌ للتشهُّد. والمخرجُ على الرَّأي الضعيف - أي: وهو رأيُ "محمَّدٍ" -
أنَّ الجمعة لا تُدرَكُ إلَّ بركعةٍ ظاهرُ الرِّواية لا هذا القيل كما قال "ط". وفي تعبيره بقوله: (( قطَعَها ))
مسامحةٌ، والمرادُ أنَّه يتركُها؛ إذ هو المعبّرُ عنه بظاهر المذهب، وفي جعلِهِ ما ذكرَهُ مفهومَ كلام المتن نظرٌ،
بل المتبادرُ منه ككلام "المصنف" هو القولُ الثاني.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧٢/أ.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٨/١ بتصرف يسير.
(٣) انظر صـ ٤١١ - ٤١٢ - "در".
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١٢٢/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ ٢٩٧ -.
(٦) لعله للشيخ علي المقدسي، وتقدمت ترجمته ٣٢١/١.
الجزء الرابع
٤٠٣
باب إدراك الفريضة
عند بابِ المسجد إنْ وجَدَ مكاناً، وإلاَّ ترَكَها؛ لأنَّ ترك المكروهِ مقدَّمٌ على فعلِ السنة،
و"حاشيةِ الدرر" لـ "نوح أفندي"، و"شرحِها" للشيخ "إسماعيل"(١)، ونحوُهُ في "القُهُستانيِ))(٢)،
وجزَمَ به "الشارحُ" في مواقيت الصلاة(٣).
[٥٩٨٤] (قولُهُ: عندَ بابِ المسجد) أي: خارجَ المسجد كما صرَّحَ به "القُهُستانِيُّ)) (٤)، وقال
في "العناية"(٥): ((لأنّه لو صلَّها في المسجد كان متنفّلاً فيه عند اشتغال الإمام بالفريضة، وهو
مكروهٌ، فإنْ لم يكن على باب المسجد موضعٌ للصلاة يصلِيها في المسجد خلفَ ساريةٍ من
سواري المسجد، وأشدُّها كراهةً أنْ يُصلَّها مُخالِطاً للصفِّ مخالفاً للجماعة، والذي يلي ذلك
خلفُ الصفِّ من غيرِ حائلٍ)) اهـ. ومثلُهُ في "النهاية" و"المعراج".
[٥٩٨٥] (قولُهُ: وإلاَّ تَرَكَها) قال في "الفتح"(٦): ((وعلى هذا - أي: على كراهة صلاتها في
المسجد - ينبغي أنْ لا يصلّيَ فيه إذا لم يكن عند بابه مكانٌ؛ لأنَّ ترك المكروهِ مقدّمٌ على فعلِ السّنّة،
[٢/ق٨٦/ب] غيرَ أنَّ الكراهة تتفاوتُ، فإنْ كان الإمامُ في الصيغيِّ فصلاُهُ إِيَّها في الشَّنْويِّ
أخفُّ من صلاتها في الصيفيِّ، وعكسُهُ، وأشدُّ ما يكون كراهةً أنْ يُصلِّيَها مخالطاً للصفِّ كما
يفعلہ کثیرٌ من الجھلہ)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ السنَّة في سنَّةِ الفجر أنْ يأتي بها في بيته، وإلاّ فإنْ كان عند باب المسجد
مكانٌ صلاَّها فيه، وإلاَّ صلاّها في الشَّتْويِّ أو الصيفيِّ إنْ كان للمسجد موضعان، وإلاَّ فخلفَ
الصفوف عند ساريةٍ، لكنْ فيما إذا كان للمسجد موضعان والإِمامُ في أحدِهما ذكرَ في "المحيط":
(١) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١/ق ٤٣٧/أ.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في إدراك الفريضة ١٣٨/١.
(٣) ٥٥٣/٢ "در".
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في إدراك الفريضة ١٣٨/١.
(٥) "العناية": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٤/١ (هامش "فتح القدير").
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٦/١.
قسم العبادات
٤٠٤
حاشية ابن عابدين
ثُمَّ ما قيل: يشرعُ فيها ثمَّ يُكبِّرُ للفريضة، أو ثمَّ يقطعُها ويقضيها مردودٌ بأنَّ دَرْءَ
المفسدةِ مُقدَّمٌ على جلبِ المصلحة.
((أَنَّه قيل: لا يكرهُ لعدم مخالفة القوم، وقيل: يكره؛ لأنَّهما كمكان واحدٍ))، قال: ((فإذا اختلَفَ
المشايخُ فيه فالأفضلُ أنْ لا يُفعَلَ))، قال في "النهر "(١): ((وفيه إفادةُ أَنَّها تنزيهِيَّةٌ)) اهـ. لكنْ في
"الحلبة"(٢): ((قلت: وعدمُ الكراهة أوجهُ للآثار التي ذكرناها)) اهـ.
ثمَّ هذا كلُّهُ إذا كان الإِمامُ في الصلاة، أمَّا قبل الشروع فيأتي بها في أيِّ موضعٍ شاء كما في
"شرح المنية"(٣)، قال "الزيلعيُّ"(٤): ((وأمَّا بقيَّةُ السنن إِنْ أمكّنَهُ أن يأتيَ بها قبل أنْ يركع الإِمامُ أتى
بها خارج المسجد ثمَّ اقتدى، وإِنْ خاف فوتَ ركعةٍ اقتدى)).
[٥٩٨٦] (قولُهُ: ثمَّ ما قيل إلخ) قال في "الفتح"(٥): ((وما عن الفقيهِ "إسماعيل الزاهد": أَنَّه
ينبغي أنْ يَشرَعَ فيها ثمَّ يقطعَها، فيجبُ القضاء فيتمكَّنُ من القضاء بعد الصلاة دفَعَهُ الإِمامُ
"السرخسيُّ": بأنَّ ما وجَبَ بالشروع ليس أقوى مما وجَبَ بالنذر، ونصَّ "محمَّدٌ" أنَّ المنذور
لا يُؤُدَّى بعد الفجر قبل الطلوع، وأيضاً شروعٌ في العبادة بقصد الإفساد، فإنْ قيل: ليؤدِّيَها مرَّةً
أخرى قلنا: إبطالُ العمل منهيٌّ(٦)، ودَرْءُ المفسدة مُقدَّمٌ على جلب المصلحة)) اهـ.
وقولُهُ: ((ثُمَّ يُكْبِرُ للفريضة)) أي: ينوي السنَّةَ أوَّلاً ويكبِّرُ، ثمَّ ينوي الفريضةَ بقلبه ويكبِّرُ
٤٨١/١ بلسانه، فيصير منتقلاً عنها إلى الفرض، وفي هذا إبطالٌ لها ضمناً، فالظاهرُ أَنَّه منهيٌّ أيضاً، فلا
يظهرُ قولُ العلاَّمة "المقدسيِّ": ((إنّه لو فعَلَ كذلك ثمَّقضاها بعد ارتفاع الشمس لا يَرِدُ شيءٌ مما
ذُكِرَ)) اهـ، فتأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧٢/ب.
(٢) "الحلبة": فصل في النوافل ٢/ق ١٩٨/أ.
(٣) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ٣٩٦ -.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب إدراك النوافل ١٨٣/١.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٥/١.
(٦) عبارة "الفتح": ((إبطال العمل قصداً منهيٌّ)).
الجزء الرابع
٤٠٥
باب إدراك الفريضة
(ولا يقضيها إلاّ بطريقِ التبعيّةِ لِـ).
ثُمَّ رأيتُ ما ذكرتُهُ في "شرح المنية"(١) [٢/ق٨٧/أ] قائلاً: ((ويدلُّ عليه قول "الكنز)"(٢) في
باب ما يُفسِدُ الصلاةَ: وافتتاحُ العصرِ أو التطوُّعِ بعد ركعة الظهر، فإنَّه صريحٌ بأنَّ الظهر يفسُدُ
بالشُّروع في غيره)) اهـ
( تنبيةٌ)
قال في "القنية"(٣): ((لوخاف أنَّه لو صلّى سنَّة الفجر بوجهها تفوتُهُ الجماعة، ولو اقتصَرَ
فيها بالفاتحة وتسبيحةٍ في الركوع والسجود يُدرِكُها فله أنْ يَقتصِرَ عليها؛ لأنَّ ترك السنَّة جائزٌ
الإدراكِ الجماعة، فسنَّةُ السَّنَّةِ أَولى، وعن القاضي "الزَّرَنْحَريّ" (٤): لو خاف أنْ تفوتَهُ الركعتان
يصلّي السنَّة ويتركُ الثناءَ والتعوُّذَ وسنَّةَ القراءة، ويقتصرُ على آيةٍ واحدةٍ ليكون جمعاً بينهما،
وكذا في سنَّةِ الظهر)) اهـ.
وفيها (٥) أيضاً: ((صلَّى سنَّة الفجر وفاتَهُ الفجرُ لا يعيد السنّةَ إذا قضى الفجر)) اهـ.
[٥٩٨٧] (قولُهُ: ولا يقضيها إلاَّ بطريقِ التبعيَّة(٦) إلخ) أي: لا يقضي سنّةً الفجر إلاَّ إذا فاتَتْ
مع الفجر، فيقضيها تبعاً لقضائه لو قبلَ الزوال، وأمَّا إذا فاتَتْ وحدَها فلا تُقضَى قبل طلوع
الشمس بالإجماع؛ لكراهة النفل بعد الصبح، وأمَّا بعد طلوع الشمس فكذلك عندهما، وقال
"محمَّدْ": ((أحبُّ إليَّ أنْ يقضيَها إلى الزوال)) كما في "لدرر"(٧)، قيل: هذا قريبٌ من الاتّفاق؛
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ٣٩٨ - بتصرف يسير.
(٢) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الصلاة ٥١/١.
(٣) "القنية": کتاب الصلاة - باب في السنن ق١٨ /ب.
(٤) أبو الفضائل وقيل: أبو الفضل بكر بن محمد بن عليّ، شمس الأئمة الأنصاريّ البخاريّ الزَّرَ نْحَرِيّ(ت٥١٢هـ).
("الجواهر المضية"٤٦٥/١، ٢١٨/٤، "الفوائد البهية" صـ ٥٦-).
(٥) أي: "القنية": كتاب الصلاة - باب في السنن ق١٨/أ.
(٦) في "د" زيادة: ((فلو قضاها بعد الوقت وحدها كانت نفلاً مستحباً، كما قالوا في التراويح كما مرَّ. اهـ))
(٧) "الدرر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١٢٢/١.
قسم العبادات
٤٠٦
حاشية ابن عابدين
قضاء (فرضِها قبلَ الزوال لا بعدَه) في الأصحِّ؛ لورودِ الخبر بقضائها
لأنَّ قوله: ((أحبُّ إليَّ)) دليلٌ على أنَّه لو لم يفعل لا لَوْمَ عليه، وقالا: لا يقضي، وإنْ قضى
فلا بأس به، كذا في "الخبازيَّة"، ومنهم مَن حقَّقَ الخلاف وقال: الخلافُ في أَنَّه لو قَضَى
كان نفلاً مُبتدَأَ أو سنَّةً، كذا في "العناية"(١)، يعني: نفلاً عندهما سنَّةً عنده كما ذكَرَهُ في
"الكافي" (٢)، "إسماعيل" (٣).
[٥٩٨٨] (قولُهُ: لقضاء فرضها) متعلّقٌ بـ ((التبعيّةِ))، وأشار بتقدير المضاف إلى أنَّ التبعَيَّةَ في
القضاء فقط، فليس المرادُ أنَّها تُقضَى بعده تبعاً له، بل تُقضَى قبله تبعاً لقضائه.
[٥٩٨٩] (قولُهُ: لا بعدَهُ في الأصحِّ) وقيل: تُقْضَى بعد الزوال تبعاً، ولا تُقَضَى مقصودةً إجماعاً
كما في "الكافي"(٤)، "إسماعيل"(٥).
[٥٩٩٠] (قولُهُ: لورودِ الخبرِ) وهو ما رُوِيَ أَنّه ◌َ﴿: ((قضاها مع الفرض غداةً ليلةِ التعريس
بعد ارتفاع الشمس)) كما رواه "مسلمٌ"(٦) في حديثٍ طويلٍ، [٢/ق٨٧/ب] والتعريسُ: نزولُ
المسافر آخرَ الليل كما ذكَرَهُ في "المغرب"(٧)، "إسماعيل"(٨).
(١) "العناية": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٧/١ (هامش "فتح القدير").
(٢) "كافي النسفيّ": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١/ق ٤٢/أ.
(٣) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١/ق ٤٣٨/أ بتصرف.
(٤) "كافي النسفيّ": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١/ق ٤٢/أ.
(٥) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١/ق ٤٣٨/أ.
(٦) أخرجه مسلم (٦٨٢) كتاب المساجد - باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، وأخرجه أحمد
٤٣٥/٤، والبخاريّ(٣٤٤) كتاب التيمم - باب الصعيد الطيب، و(٣٤٨) باب التيمم ضربة واحدة، و(٣٥٧١)
كتاب المناقب - باب علامات النبوة، والطبرانيّ في "الكبير" ١٨/(٢٧٦) و(٢٨٥) و(٢٨٩)، وابن خزيمة (٩٨٧)
(٩٩٧) باب النائم عن الصلاة والناسي لها، وأبو عوانة ٣٠٧/١ - ٣٠٨، والنسائيّ ١٧١/١ كتاب الطهارة - باب
التيمم بالصعيد مختصراً.
(٧) "المغرب": مادة ((عرس)).
(٨) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١/ق ٤٣٨/أ.
الجزء الرابع
٤٠٧
باب إدراك الفريضة
في الوقتِ المهمل بخلاف القياس، فغيرُهُ عليه لا يُقاسُ (بخلافِ سنّة الظهر) وكذا الجمعةُ
[٥٩٩١] (قولُهُ: في الوقتِ المهملِ) هو ما ليس وقتَ فريضةٍ، وهو ما بعدَ طلوع
الشمس إلى الزوال، وليس عندنا وقتٌ مهملٌ سواه على الصحيح، وقيل: مثلُهُ ما بين بلوغ
الظلِّ مثلَهُ إلى المثلين.
[٥٩٩٢] (قولُهُ: بخلافِ القياس) متعلّقٌ بـ ((وُرُودٍ)) أو بـ ((قضائها))، فافهم. وذلك لأنَّ
القضاء مختصٌّ بالواجب؛ لأَنَّه - كما سيذكرُهُ(١) في الباب الآتي - فعلُ الواجب بعد وقته،
فلا يُقضَى غيرُهُ إلاَّ بسمعيٌّ، وهو قد دلَّ على قضاء سنَّة الفجر فقلنا به، وكذا ما رُوِيَ عن
"عائشة" في سنَّة الظهر كما يأتي(٢)، ولذا نقول: لا تُقْضَى سَنَّة الظهر بعد الوقت، فيبقى ما وراءَ
ذلك على العدم كما في "الفتح"(٣).
[٥٩٩٣] (قولُهُ: وكذا الجمعةُ) أي: حكمُ الأربع قبل الجمعة كالأربع قبل الظهر كما
لا يخفى، "بحر "(٤). وظاهرُهُ أَنَّه لم يره في "البحر" منقولاً صريحاً، وقد ذكَرَهُ "القُهُستانيُ) (٥)،
لكنْ لم يعزُهُ إلى أحدٍ، وذكَرَ "السراجُ الحانوتيُّ)"(٦): ((أنَّ هذا مقتضى ما في المتون وغيرها))،
(قولُهُ: وقد ذكرَهُ "القهستانيُّ" إلخ) يؤيِّدُهُ ما قاله "البرجنديُّ" في "شرح الوقاية": ((واعلم
أنَّ الأربع قبل الجمعة كالأربع قبل الظهر، وقيل: لا تُقضَى أصلاً، كذا في "الظهيريَّة")) اهـ "سندي".
(قولُهُ: أنَّ هذا مقتضى ما في المتونِ وغيرِها) إذ ما قاله في المتون وغيرها من أنَّ سنَّة الظهر تُقضَى
يقتضي أنَّ سنَّة الجمعة تُقضَى؛ إذ لا فرق. اهـ من "حاشية البحر" عن "الحانوتيّ".
(١) صـ ٤٣٢ - "در".
(٢) في المقولة الآتية.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٧/١.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٨١/٢.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في إدراك الفريضة ١٣٨/١.
(٦) هو سراج الدين عمر الحانوتي المصري صاحب "الفتاوى" . ("خلاصة الأثر" ٧٦/٤ في ترجمة ولده محمد شمس
الدين الحانوتي).
قسم العبادات
٤٠٨
حاشية ابن عابدين
(فإنّه) إِنْ خافَ فوتَ ركعةٍ يترُكُها ويقتدي (ثُمَّ يأتي بها)
لكنْ قال في "روضة العلماء": ((إنَّها تسقُطُ؛ لِما رُوِيَ أَنّه عليه الصلاة والسلام قال: ((إذا خرَجَ
الإِمامُ فلا صلاة إلاَّ المكتوبةَ)))) اهـ "رملي".
أقولُ: وفي هذا الاستدلالِ نظرٌ؛ لأَنَّه إنما يدلُّ على أنَّها لا تُصلَّى بعد خروجه، لا على أنّها
تسقُطُ بالكليَّةِ ولا تُقَضَى بعد الفراغ من المكتوبة، وإلاّ لَزِمَ أنْ لا تُقضَى سنَّةُ الظهر أيضاً، فإِنَّه ورَدَ
في حديثِ "مسلمٍ"(١) وغيره: ((إذا أُقيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلاَّ المكتوبةَ))، نعم قد يُستدَلُّ للفرقِ
بينهما بشيءٍ آخر، وهو أنَّ القياس في السنن عدمُ القضاء كما مرَّ(٢)، وقد استدَلَّ "قاضي خان"(٣)
القضاءِ سنّة الظهر بما عن "عائشة" رضي الله تعالى عنها: أنَّ النبي ◌َّ: «كان إذا فاتَتْهُ الأربعُ قبل
الظهر قضاهنَّ بعده))(٤)، فيكونُ قضاؤها ثبَتَ بالحديث على خلافِ القياس كما في سنَّةِ الفجر
كما صرَّحَ به في "الفتح "(٥)، فالقولُ بقضاء سنّة الجمعة يحتاجُ إلى دليلٍ خاصٌ، وعليه فتنصيصُ
المتون على سنَّةِ الظهر دليلٌ على أنَّ سنَّة الجمعة ليست كذلك، فتأمَّل.
[٥٩٩٤] (قولُهُ: فإِنَّه إنْ خافَ فوتَ ركعةٍ إلخ) بيانٌ لوجهِ المخالفة بين [٢/ق٨٨/أ] سنّة
الظهر وسنّة الفجر، ومفهومُهُ أَنَّه يأتي بها وإِنْ أقيمت الصلاةُ إذا عَلِمَ أَنَّه يُدرِكُ معه الركعةَ الأُولِى
بعد أنْ لا يكون مُخالِطاً للصفِّ بلا حائلٍ كما مرَّ(٦)، ويُشكِلُ عليه ما تقدَّمَ(٧) في أوقات الصلاة
(١) تقدم تخريجه ٥٥٢/٢ ر٥٤٢/٣.
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) "شرح الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب الرجل يدرك الفريضة وقد صلى بعض صلاته ١/ق١٨/أ.
(٤) أخرجه الترمذيّ (٤٢٦) كتاب الصلاة - باب منه آخر، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه (١١٥٨)
كتاب إقامة الصلاة - باب من فاتته الأربع قبل الظهر، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠٨/٢ كتاب صلاة التطوع - باب
من قال إذا فاتتك أربع قبل الظهر فصلها بعدها، عن عبد الرحمن بن أبي لیلی مرسلاً.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٧/١.
(٦) المقولة [٥٩٨٤] قوله: ((عند باب المسجد)).
(٧) المقولة [٣٣٣٠] قوله: ((عند إقامة صلاة مكتوبة)).
الجزء الرابع
٤٠٩
باب إدراك الفريضة
على أنَّها سنّةٌ (في وقتِهِ) أي: الظهرِ (قبل شفعِهِ)
من كراهةِ التطوُّع عند الإقامة للمكتوبة، لكنْ نقلنا هناك عن عدَّةِ كتبٍ تخصيصَ الكراهة
المذكورة بإقامةِ صلاةِ الجمعة، والفرقُ أنَّ التنقّلَ عندها لا يخلو غالباً عن مخالطةِ الصفوف لكثرةِ
الزِّحام بخلاف غيرها من المكتوبات.
[٥٩٩٥] (قولُهُ: على أَنَّها سنّةٌ) أي: اتفاقاً، وما في "الخالنَّة"(١) وغيرها: ((من أنَّها نفلٌ عنده
سنّةٌ عندهما)) فهو من تصرُّفِ المصنّفين؛ لأنَّ المذكور في المسألة الاختلافُ في تقديمها أو تأخيرها
والاّفاقُ على قضائها، وهو اتّفاقٌ على وقوعها سنَّةً كما حقَّقَهُ في "الفتح"(٢)، وتَبَعَهُ في "البحر)"(٣)
و "النهر"(٤) و"شرح المنية"(٥).
[٥٩٩٦] (قولُهُ: في وقتِهِ) فلا تُقضَى بعده لا تبعاً ولا مقصوداً بخلاف سنَّة الفجر، وظاهرُ
(قولُهُ: لكنْ نقلنا هناك عن عدَّةِ كتبٍ إلخ) هذا لا يَدِفَعُ الإشكالَ بناءً على إلحاق سنَّةِ الجمعة بسنّة
الظهر على ما جرى عليه "الشارح" ونقَلَ عن "الظهيريَّة"، فإنَّ مفهوم كلام "الشارح" أنَّه يأتي بسنَّة
الجمعة وإنْ أُقيمت الصلاة إذا عَلِمَ أنَّه يُدرِكُ الرَّكعةَ الأولى مع أنَّ الصلاة تحرُمُ إذا خرج الإمام، ويجاب
بأنَّ المراد بالتشبيه في قوله: ((وكذا الجمعةُ)) التشبيهُ في مجرَّدِ القضاء لا في المفهوم المذكور أيضاً.
(قولُهُ: وما في "الخانيّة" وغيرها من أنَّها نفلٌ إلخ) لو قيل: إنَّه وقَعَ اختلافُ العلماء في حكاية
الاتّفاق، فمنهم مَن حكاه، ومنهم من حكى الاختلاف في وقوعها سنَّةً أو نفلاً لكان أولى من نسبةٍ مثلٍ
"قاضيخان" إلى التصرُّف في كلام أئمَّة المذهب؛ إذ يبعُدُ من مثله ذلك.
(١) لم نعثر على المسألة في "الخانية"، وإنما هي في "شرح قاضيخان على الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب الرجل
يدرك الفريضة ١/ق١٨ /أ، وقد أشار صاحب "البحر"إلى ذلك.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٥/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٨١/٢.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧٢/ب.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ ٣٩٨ -.
قسم العبادات
٤١٠
حاشية ابن عابدين
عند "محمَّدٍ"، وبه يُفتَى، "جوهرة"(١)
٤٨٢/١
"البحر "(٢) الاّفاقُ على ذلك، لكنْ صرَّحَ في "الهداية"(٣): ((بأنَّ في قضائها بعد الوقت تبعاً
للفرض اختلافَ المشايخ))، ولذا قال في "النهر"(٤): ((إنَّ ما في "البحر" سهوٌ))، وأجابَ الشيخُ
"إسماعيل" (٥): ((بأَنَّه بناهُ على الأصحّ)).
[٥٩٩٧] (قولُهُ: عندَ "محمَّدٍ") وعند "أبي يوسف" بعدَهُ، كذا في "الجامع الصغير الحساميّ"،
وفي "المنظومة" وشروحها (٦) الخلافُ على العكس، وفي "غاية البيان": ((يُحتمَلُ أنْ يكون عن كلّ
من "الإِمامين" روايتان))، "ح"(٧) عن "البحر "(٨).
[٥٩٩٨] (قولُهُ: وبه يُفْتَى) أقولُ: وعليه المتونُ، لكنْ رجَّحَ في "الفتح"(٩) تقديمَ الركعتين، قال
في "الإِمداد"(١٠): ((وفي "فتاوى العَتَّابِيِّ": أَنَّه المختارُ، وفي "مبسوط شيخ الإسلام": أَنَّه الأصحُّ
لحديث "عائشة" أَنَّه عليه الصلاة والسلام: ((كان إذا فاتّتْهُ الأربعُ قبل الظهر يُصلِّهنَّ بعد
الركعتين)، وهو قولُ "أبي حنيفة"، وكذا في "جامع قاضي خان" (١١))) اهـ. والحديثُ قال
"الترمذيُّ": ((حسنٌ غريبٌ(١٢))، "فتح"(١٣).
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الصلاة - باب النوافل ٨٥/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٨٠/٢.
(٣) "الهداية": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٢/١.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧٢/ب.
(٥) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١/ق ٤٣٩/أ.
(٦) انظر "حقائق المنظومة" للبخاري: باب فتاوى العالم الرباني محمد بن الحسن الشيباني ٢/ق١٥٨/ب.
(٧) "ح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٩٧/أ.
(٨) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٨١/٢ بتصرف.
(٩) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٥/١.
(١٠) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٢٥٠/أ - ب بتصرف يسير.
(١١) "شرح الجامع الصغير": كتاب الصلاة - باب الرجل يدرك الفريضة وقد صلى بعض صلاته ١/ق ١٨/أ.
(١٢) الترمذيّ (٤٢٦) كتاب الصلاة - باب منه آخر. وقد تقدم تخريجه صـ ٤٠٨ -.
(١٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٦/١.
الجزء الرابع
٤١١
باب إدراك الفريضة
وأمَّا ما قبل العشاء فمندوبٌ لا يُقضَى أصلاً.
(ولا يكونُ مصلّياً جماعةً) اتفاقاً (مَن أدرَكَ ركعةً.
[٥٩٩٩] (قولُهُ: وأمَّا ما قبلَ العشاء فمندوبٌ) يعني: قد عُلِمَ حكمُ سنَّةِ الفجر والظهر
والجمعة، ولم يَبْقَ من النوافل القبليّة إلاَّ سنَّةُ العصر، ومن المعلوم أنَّها لا تُقضَى لكراهة
[٢ /ق٨٨/ب] التنفُّل بعد صلاة العصر، وكذا سنَّةُ العشاء، لكن لا تُقضَى؛ لأنّها مندوبةٌ.
أقولُ: وفي هذا التعليلِ نظرّ؛ لأنّه يُوهِمُ أنَّ قضاء سنَّة الفجر والظهر لسنَّتِهما، ولو كانتا
مندوبتين لم تُقْضَّيًا، وليس كذلك؛ لأنَّ قضاءِهما ثبَتَ بالنصِّ على خلاف القياس(١)، فيبقى ما
وراءَ النصِّ على العدم كما صرَّحَ به في "الفتح"(٢)، حتَّى لو وَرَدَ نصٌّ في قضاءِ المندوب نقولُ
به، وبهذا ظهَرَ لك ما في قول "الإِمداد"(٣): ((إنَّ التي قبلَ العشاء مندوبةٌ، فلا مانعَ من قضائها
بعدَ التي تلي العشاءَ)) اهـ.
نعم لو قضاها لا تكونُ مكروهةً، بل تقعُ نفلاً مستحبّاً، لا على أنَّها هي التي فاتَتْ عن
محلّها كما قالوه في سنّة التراويح.
[٦٠٠٠] (قولُهُ: ولا يكونُ مصلّياً جماعةً إلخ) فلو حلَفَ لا يصلّي الظهرَ جماعةً لا يحنثُ
(قولُ "المصنّف": ولا يكونُ مصلّياً جماعةٌ) الأوضحُ ما في "الكنز": ((ولم يصلِّ الظُّهر جماعةٌ
بإدراكِ ركعةٍ )) اهـ، فإنَّ مَن حلف لا يصلّي جماعةً يحنث بصلاةِ ركعةٍ بها.
(١) في "د" زيادة: ((ولهذا قال في "فتح القدير" بعد تحقيق أن القضاء مختص بالواجب: فلا يجري القضاء في غيره إلاّ
بسمعي، وهو إنما دلّ على قضاء سنة الفجر تبعاً للفرض في غداة ليلة التعريس، وبه نقول، وكذا ما روي عن
عائشة رضي الله عنها في سنة الظهر، وكذا نقول: لا تُقضَى سنة الظهر بعد الوقت فتبقى فيما وراءه على العدم
انتهى. والحاصلُ: أنَّ قضاء هاتين السنتين وإن خالف القياس لكن قلنا به بالنصِّ؛ لتقدُّمه على القياس واقتصرنا على
مورده كما هو الأصل، ولو ورد نصٌّ في قضاء المندوب لَعَمِلْنَا به أيضاً إن كان سالماً، فافهم)).
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٧/١.
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٢٥٠/ب.
قسم العبادات
٤١٢
حاشية ابن عابدين
من ذواتِ الأربعِ) لأنّه منفردٌ ببعضِها (لكنَّه أدرَكَ فضلَها) ولو بإدراكِ التشهُّدِ
اتّفاقً، لكنَّ ثوابَهُ دون المدرِكِ؛ لفواتِ التكبيرة الأولى،.
بإدراكِ ركعةٍ أو ركعتين اتفاقاً، وفي الثلاث الخلافُ الآتي(١)، وهذه المسألةُ موضعُها كتاب
الأيمان، وذكَّرَها هنا كالتوطئة لقوله: ((بل أدرَكَ فضلَها))؛ إذ ربما يُتُوهَّمُ أنَّ بين إدراك الفضل
والجماعة تلازُماً، فاحتاجَ إلى دفعه، أفادَهُ في "النهر "(٢).
[٦٠٠١) (قولُهُ: من ذواتِ الأربع) ليس قيداً؛ إذ الثنائيُّ والثلاثيُّ كذلك، وإنما خصَّهُ بالذكر
لأجلِ قوله: ((وكذا مُدرِكُ الثلاث))، "ح"(٣).
[٦٠٠٢) (قولُهُ: لكنَّه أدرَكَ فضلَها) أي: الجماعةِ اتّفاقاً أيضاً؛ لأنَّ مَن أدرَكَ آخرَ الشيء فقد
أدرَكَهُ، ولذا لو حلَفَ لا يُدرِكُ الجماعة حَنِثَ بإدراك الإِمام ولو في التشهُّد، "نهر " (٤).
[٠٠٣ ٦] (قولُهُ: اتفاقاً) أي: بين "محمَّدٍ" وشيخيه، وإنما خَصَّ في "الهداية"(٥) "محمَّداً" بالذكر
لأنَّ عنده لو أدرَكَهُ في تشهُّدِ الجمعة لم يكن مدركاً للجمعة، فمقتضاه أنْ لا يُدرِكَ فضيلة الجماعة
هنا؛ لأَنّ مُدرِكٌ للأقلِّ، فدفَعَ ذلك الوهمَ بذكر "محمَّدٍ" كما أفاده في "الفتح"(٦) و"البحر(٧).
(٦٠٠٤) (قولُهُ: دونَ المدرِكِ) أي: الذي أدرَكَ أوَّلَ صلاة الإمام، وحصَّلَ فضل تكبيرةٍ
الافتاح معه، فإِنَّه أفضلُ ممن فاتْهُ التكبيرة فضلاً عمَّن فاتَتْهُ ركعةٌ أو أكثرُ، وقد صرَّحَ الأصولُون
بأنَّ فعل المسبوق أداءٌ قاصرٌ بخلاف المدرك، فإنه أداءٌ كاملٌ.
(١) عند قوله: ((اتفاقاً)) من هذه الصحيفة.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق٧٣/أ.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٩٧/أ.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧٢/ب.
(٥) "الهداية": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٧٢/١.
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٨/١.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٨١/٢.
الجزء الرابع
٤١٣
باب إدراك الفريضة
واللاحقُ كالمدرك لكونِهِ مؤتَمَّاً حكماً (وكذا مُدرِكُ الثلاثِ) لا يكونُ مصلِياً
بجماعةٍ (على الأظهرِ) وقال "السرخسيُّ": ((للأكثرِ حكمُ الكلِّ))، وضعَّفَهُ في
"البحر".
[٦٠٠٥] (قولُهُ: واللاحقُ كالمدرك) قال في "البحر"(١): ((وأمَّا اللاحقُ فصرَّحوا بأنَّ
[٢/ق٨٩/أ] ما يقضيه بعد فراغ الإمام أداءٌ شبية بالقضاء، وظاهرُ كلام "الزيلعيِّ"(٢) أَنَّه كالمدركِ
لكونه خلفَ الإِمام حكماً، ولهذا لا يقرأ(٣)، فيقتضي أنْ يحنثَ في يمينه لو حلَفَ لا يصلّي بجماعةٍ
ولو فاتَّهُ مع الإِمام الأكثرُ)) اهـ.
قلت: ويؤيِّدُهُ ما مرَّ(٤) في باب الاستخلاف من أَنَّه لو أحدَثَ الإِمامُ عمداً بعد القعدة
الأخيرة تفسُدُ صلاة المسبوقِ لا المدركِ، وفي اللاحق تصحيحان، وظاهرُ "البحر "(٥) و"النهر"(٦)
هناك تأييدُ الفساد، وقدَّمنا(٧) ما يقوِّيه أيضاً.
[٦٠٠٦] (قولُهُ: وكذا مدركُ الثلاثِ) ومدركُ الثنتين من الثلاثي كذلك، وأمَّا مدركُ الركعة
من الثنائيِّ فالظاهرُ أَنَّه لا خلاف فيه كما في مُدرِكِ الركعتين من الرباعيِّ.
[٦٠٠٧] (قولُهُ: وضعَّفَهُ في "البحر "(٨) أي: بما اتَّفقوا عليه في الأيمان من أَنَّه لو حلَفَ لا يأكلُ
هذا الرغيفَ لا يحنثُ إلاَّ بأكل كلِّه، فإنَّ الأكثر لا يُقَامُ مُقَامَ الكلِّ.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٨٢/٢.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١٨٤/١.
(٣) هنا انتهى كلام الزيلعيّ.
(٤) ص ٣٩ - "در" وما بعدها.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الحدث في الصلاة ٤٠٤/١.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب الحدث في الصلاة ق ٦٠/أ.
(٧) المقولة [٥١٥٧] قوله: ((لأنهما منهيان إلخ)).
(٨) "البحر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٨١/٢.
قسم العبادات
٤١٤
حاشية ابن عابدين
(وإذا أَمِنَ فوتَ الوقت تطوَّعَ) ما شاءَ (قبل الفرض وإلاَّ لا) بل يحرُمُ التطوُّعُ
لتفويته الفرضَ (ويأتي بالسنَّةِ) مطلقاً (ولو صلَّى منفرداً على الأصحِّ) لكونِها
مكمِّلاتٍ، وأمَّا في حقّه عليه الصلاة والسلام فلزيادةِ الدرجات، ثمَّ قولُ
"الدرر"(١): ((وإنْ فاتتْهُ الجماعةُ)).
[٦٠٠٨] (قولُهُ: وإذا أَمِنَ فوتَ الوقت إلخ) أي: بأنْ كان الوقتُ باقياً لا كراهة فيه كما في
"فتح القدير "(٢).
ثُمَّ اعلم أنَّ عبارة "المصنّف" مساويةٌ لعبارة "الكنز)"(٣)، وقال "الزيلعيُّ(٤): ((وهو كلامٌ
مجملٌ يحتاجُ إلى تفصيلٍ، فنقول: إنَّ التطوُّع على وجهين: سنَّةٍ مؤكّدةٍ - وهي الرواتبُ - وغيرِ
مؤكّدةٍ، وهي ما زاد عليها، والمصلِّي لا يخلو: إمَّا أنْ يؤدِّيَ الفرضَ بجماعةٍ أو منفرداً، فإنْ
كان يجماعةٍ فإنَّه يصلّي السننَ الرواتب قطعاً، فلا يُخَّرُ فيها مع الإمكان لكونها مؤكّدةً، وإنْ
كان يؤدِّيه منفرداً فكذلك الجوابُ في روايةٍ، وقيل: يتخيّرُ، والأوَّلُ أحوط؛ لأنَّها شُرِعَتْ قبل
الفرض لقطع طمع الشيطان عن المصلِّي، وبعدَهُ لجبرِ نقصانٍ تمكَّنَ في الفرض، والمنفردُ أحوجُ
إلى ذلك، والنصُّ الواردُ فيها لم يُفرِّقْ، فيجري على إطلاقه، إلاَّ إذا خاف الفوتَ؛ لأنَّ أداء
الفرض في وقته واجبٌ، وأمَّا ما زاد على السنن الرواتب فَيَتَخَّرُ المصلِّي فيه مطلقاً)) اهـــ أي:
سواءٌ صلَّى الفرضَ منفرداً أو بجماعةٍ.
والظاهرُ: [٢/ق٨٩ /ب] أنَّ "المصنّف" لَمَّا رأى هذا الإجمالَ في عبارة "الكنز" زاد عليها
قوله: ((ويأتي بالسنَّةِ ولو صلَّى منفردً)) تصريحاً بما أجملَهُ، فافهم.
(١) "الدرر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١٢٣/١.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤١٩/١.
(٣) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٦٠/١.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١٨٤/١.
الجزء الرابع
٤١٥
باب إدراك الفريضة
مُشكِلٌ بما مرَّ، فتدَبَّر.
(ولو اقتدى بإمامٍ راكعٍ.
٤٨٣/١
[٦٠٠٩) (قولُهُ: مُشكِلٌ بما مرَّ(١)) أي: مِن أَنَّه إذا خافَ فوتَ ركعتي الفجر مع الإمام
يتْرُكُ سنْتَهُ، وإذا خاف فوتَ ركعةٍ من الظهر يتركُ سنَّتَهُ، فكيف يقال: إنَّه يأتي بالسنَّةِ وإِنْ
فاتته الجماعة؟! وقد استشكَلَ ذلك "المصنّف" في "المنح"(٢)، وكذا صاحبُ "النهر"(٣) والشيخُ
"إسماعيل"(٤)، وهو في غاية العجب، فإنَّ معنى قوله: ((وإِنْ فاتَتْهُ الجماعةُ)) أي: أنَّه إذا دخَلَ
المسجدَ ورأى الإمامَ صلَّى، وأرادَ أن يصلّيَ وحده لفوتِ الجماعة فإنَّه يصلِّي السنَّة الراتبة
لكونها مكمَِّةً، والمنفردُ أحوجُ إلى ذلك، وعبارةُ "الدرر"(٥) صريحةٌ في ذلك، ونصُّها: ((مَن
فاتَّتْهُ الجماعةُ، فأراد أنْ يصلِّيَ الفرض منفرداً فهل يأتي بالسنن؟ قال بعضُ مشايخنا: لا يأتي
بها؛ لأَنَّها إنما يُؤتَى بها إذا أدَّى الفرضَ بالجماعة، لكنَّ الأصحَّ أنْ يأتيَ بها وإِنْ فَاتَتْهُ الجماعة،
إلاَّ إذا ضاقَ الوقتُ فحينئذٍ يتركُ)) اهـ.
فتوهُّمُ أنَّ المراد أنَّه يأتي بالسنَّة وإنْ لَزِمَ من الإتيان بها تفويتُ الجماعة في غاية
العجب، وأعجبُ منه التعجُّبُ من أنَّ "الشرنبلاليَّ" لم يتعرَّضْ في "حاشيته" على "الدرر"
لبيان هذا الإشكال.
(١) صـ ٤٠٠ - "در"، وفي "د" زيادة: ((قال الخير الرّمليّ: هذا الإشكالُ نشأ من عدمٍ فَهْمٍ صورة المسألة، فإنَّ معنى
العبارة: أنَّ الجماعة إذا فاتَتْ شخصاً، وصلَّى منفرداً هل يتخيّرُ أنْ يأتيَ بالسنن الرواتب، أو لا يأتي بها قطعاً، ولا
يتخيّ؟ قيل، وقيل. فأيُّ وصفٍ لترك سنة الفجر عند خوف فوت الجماعة؟! وليس معنى: وإن فاتته الجماعة أي:
خافَ فَوْتَها، بل صورةُ المسألة: فاتَتْهُ حقيقةً فأرادَ الصلاة منفرداً، وهو محلُّ الخلاف، وليست مسألةُ خوف الجماعة
خلافيَّةً حتى يقالَ: الصحيحُ أنَّه يُسَنُّ الإتيان بها ولا يتركها، بل تركها بلا خلافٍ كما تقدَّمَ، وقد وقَعَ في هذا
الحملِ صاحبُ "النهر"، فتنبّه له. انتهى)).
(٢) "المنح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق٥٨/ب.
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ق ٧٣/أ.
(٤) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١/ق ٤٤٠/أ.
(٥) "الدرر": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ١٢٣/١.
قسم العبادات
٤١٦
حاشية ابن عابدين
فوقَفَ حتَّى رفَعَ الإِمامُ رأسَهُ لم يُدرِكِ) المؤتَمُّ (الركعةَ) لأنَّ المشاركة في جزءٍ من
الركن شرطٌ ولم توجد، فيكونُ مسبوقً،.
هذا، وقد قرَّرَ "الخير الرمليُّ" كلامَ "الدُّرر" بنحوِ ما ذكرنا ثم قال: ((فافهم ذلك، وكُنْ
على بصيرةٍ منه، فإنَّ صاحب "النهر" و"المنح" قد خَلَطا وخَبَطا في هذه المسألةِ خلطاً فاحشاً)).
[٦٠١٠] (قولُهُ: فوقَفَ) وكذا لو لم يَقِفْ بل انَحَطَّ، فرفَعَ الإِمامُ قبل ركوعه لا يصيرُ مدركاً
لهذه الركعةِ مع الإِمام، "فتح"(١). ويوجدُ في بعض النسخ: ((فوقَفَ بلا عذرٍ))، أي: بأنْ أمكَّنَهُ
الركوعُ فوقَفَ ولم يركع، وذلك لأنَّ المسألة فيها خلافُ "زفر"، فعنده إذا أمكنَهُ الركوعُ فلم
يركع أدرَكَ الركعةَ؛ لأَنّه أدرَكَ الإِمامَ فيما له حكمُ القيام.
[٦٠١١] (قولُهُ: لأنَّ المشاركة) أي: أنَّ الاقتداءَ متابعةٌ على وجهِ المشاركة، ولم يتحقَّقْ من
هذا مشاركةٌ [٢/ق٩٠/أ] لا في حقيقةِ القيام ولا في الركوع، فلم يُدرِكْ معه الركعةَ، إذ لم يتحقَّقْ
منه مسمَّى الاقتداء بعدُ، بخلافٍ مَن شارَكَهُ في القيام ثمَّ تخلَّفَ عن الركوع؛ لتحقُّقِ مسمَّى
الاقتداء منه بتحقَّقِ جزءٍ مفهومِهِ، فلا ينتقضُ بعدَ ذلك بالتخلُّفِ لتحقَّقِ مسمَّى اللاحق في الشرع
(قولُهُ: وكذا لو لم يَقِفْ بل انَحَطَّ إلخ) في "البناية" ما نصُّه: ((في "جامع التمرتاشيّ": ذكر "الجلابيُّ" في
"(صلاته": أدرَكَ الإِمامَ في الرَّكوعِ، فَكَّرَ قائماً ثمَّ ركع، أو شرَعَ في الانحطاط وشرَعَ الإِمامُ في الرفعِ اعْتُدَّ
بها، وقيل: لو شاركه في الرَّفْع قيل: إنْ كان إلى القيام أقربَ لا يُعتَدُّ، والأصحُّ أَنَّه يُعَتَدُّ إذا وُجِدَت المشاركةُ
قبل أنْ يستقيم قائماً وإنْ قلَّ، وعن "أبي يوسف": قام مسرعاً فلم يَستِمَّ القيام حتى كبَّرَ له لم يُجزِهِ، وفي
"النوازل": إنْ كان إلى القيام أقربَ جاز، وإنْ كان إلى الرُّكوع أقربَ لا يجوز)) اهـ. وبهذا يُعلَمُ أنَّ ما
ذكره عن "الفتح" خلافُ الأصحِّ، إلاَّ أن يُحمَلَ قوله: (( فرفَعَ الإِمامُ إلخ)) على ما إذا استَتَمَّ قائماً.
(قولُهُ: لتحقُّقِ مسمَّى الاقتداءِ في الابتداء، فإنَّ ذلك إلخ) ما ذكرَهُ في توجيهِ هذه المسألة مفيدٌ
لحكمِها، لكنَّه غيرُ دافعٍ لاعتراض "ط" على "الشارح" حيث قال: ((فيه - أي: في قوله: لأنَّ المشاركة -
نظرٌ، فإنَّ لو أدرَكَهُ قائماً ولم يركع معه حتَّى رفع الإمام رأسه فأتى بالرُّكوع صحَّتْ مع فَقْدٍ
المشاركة)) اهـ. والأولى الجوابُ عن "الشارح" بأنَّ المراد بالرُّكن القيامُ حقيقةً أو حكماً لا مطلقُ ركنٍ،
وفي المآل ما قاله "المحشِّي" يرجعُ إلى هذا الجواب.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب إدراك الفريضة ٤٢٠/١.