Indexed OCR Text

Pages 361-380

الجزء الرابع
٣٥٧
باب الوتر والنوافل
كما لو نَذَرَ بغيرِ قراءةٍ، أو عُرياناً، أو ركعةً، وكذا نصفُ ركعةٍ عند "أبي
يوسف"، وهو المختارُ (وأهدَرَهُ "الثالث") أي: "محمَّدٌ"
[٥٨٨٥] (قولُهُ: كما لو نذَرَ بغيرِ قراءةٍ إلخ) لأنَّ التزامَ الشيء التزامٌ لِما لا يصحُّ إِلَّ به، فصار
كأنَّه نذَرَ أنْ يصلّيَ بقراءةٍ ومستورَ العورة وركعتين؛ لأنَّ الصلاة غيرُ صحيحةٍ ما لم تكن شفعاً
وبقراءةٍ وبثوبٍ، وكذا لو نذَرَ ثلاثاً يلزمُهُ أربعُ ركعاتٍ كما في "المجمع"، وعلَّلهُ في "شرحه" بما
قلنا، وأشار بالكاف إلى أنَّ هذه المسائلَ الثلاث لا خلافَ فيها لـ "محمَّدٍ"، والفرقُ له بينها وبين
المسألة الأُولى في شروح "المجمع"، وقولُهُ: ((وكذا نصفُ ركعةٍ)) أي: يلزمُهُ ركعتان؛ لأنَّ ذكرَ
ما لا يتجرَّأ ذكرٌ لكلِّه، فكأنَّه نذَرَ ركعةً، وهو التزامٌ لأخرى أيضاً كما علمتَ.
[٥٨٨٦] (قولُهُ: وأهدَرَهُ "الثالثُ") أي: أهدَرَ النذرَ بغير طهرٍ فقال: لا يلزمُهُ شيءٌ؛ لأَنَّه نذرٌ
بمعصيةٍ، ومقتضى ما في "الفتح"(١): ((أنَّ المعتمد الأوَّلُ)).
( تنبيةٌ)
نذَرَ أنْ يُصلِّيَ الظهر ثمانياً، أو أنْ يُركِّيَ النصابَ عُشْراً - أي: بضمِّ العين - أو حجَّةَ
الإِسلام مرَّتين لا يلزمُهُ الزائدُ؛ لأَنَّه التزامُ غيرِ المشروع، فهو نذرٌ بمعصيةٍ، "بحر "(٢). والفرقُ أنَّ
الصلاة بلا قراءةٍ أو عُرياناً تكونُ عبادةً لمأمومٍ أو أمِّيِّ ولعادمٍ ثوبٍ، [٢/ ق٧٥/أ] وكذا بلا طهارةٍ؛
لقول "أبي يوسف" بمشروعيَّتِّها لفاقدِ الطهورين، أفاده في "البحر"(٣).
(قولُهُ: لا خلافَ فيها لـ "محمَّدٍ") وفيما لو نذَرَ نصفَ ركعةٍ خلافُ "أبي يوسف"، وحينئذٍ يكون
قولُ "الشارح" : ((عند "أبي يوسف" )) راجعاً لِما قبله فقط.
(قولُهُ: والفرقُ له بينها إلخ) قال "ابن ملكٍ": (( الفرقُ أنَّ الصلاة بدون طهارةٍ ليست عبادةً،
فلم يَصِرْ نذراً للصلاة، أمَّا الصلاة بغيرِ قراءةٍ فعبادةٌ )) اهـ.
(قولُهُ: لقول "أبي يوسف" بمشروعيَّتها إلخ) "أبو يوسف" قال بتشبُّههِ ولم يقل بمشروعيَّتها.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - الفصل الثاني في القراءة ٤٠٦/١.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٢/٢ بتوضيح من ابن عابدين.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٦٢/٢.

قسم العبادات
٣٥٨
حاشية ابن عابدين
(أو) نذَرَ عبادةً (في مكان كذا فأدَّه في أقلَّ من شَرَفِهِ جازَ) لأنَّ المقصود القربةُ
خلافاً لـ "زفر" و"الثلاثة" (ولو نَذَرَتْ عبادةً) كصومٍ وصلاةٍ (في غدٍ فحاضَتْ فيه
يلزمُها قضاؤُها) لأَنَّه يَمنَعُ الأداءَ لا الوجوب (ولو) نذَرَتْها (يومَ حيضها لا) لأنّه
نذرٌ معصيةٍ.
(التراويحُ.
أقولُ: والتعليلُ المارُّ بأنَّ التزامَ الشيء التزامٌ لِما لا يصحُّ إلاَّ به يُغني عن إبداءِ الفرق مع
شموله للنذر بركعةٍ أو نصفِها، تأمَّل.
[٥٨٨٧] (قولُهُ: أو نذَرَ إلخ) كما لو نذَرَ صلاةً بمسجدٍ مكَّة، فأدَّاها في القدس مثلاً أو في
غيره من المساجد جاز؛ لأنَّ المقصود من الصلاة القُربةُ، وهي حاصلةٌ في أيِّ مكانٍ، وتقدَّمَ(١) قبيل
باب الوتر أفضلُ الأماكن.
[٥٨٨٨] (قولُهُ: لأَنَّه) أي: الحيضَ المفهوم من فعله السابق.
[٥٨٨٩] (قولُهُ: لأَنَّ نذرٌ بمعصيةٍ) لأنَّ يوم الحيض منافٍ للصومِ العبادةِ بخلاف صوم الغد،
فإنَّه باعتبارِ ذاته قابلٌ للأداءِ، ولكنْ صرَفَ عنه مانعٌ سماويٌّ منَعَ الأداءَ فوجَبَ القضاءُ.
مبحثُ صلاة التراويح
[٥٨٩٠] (قولُهُ: التراويحُ) جمعُ ترويحةٍ، سُمِّيَت الأربعُ بها للاستراحةِ بعدها، "خزائن"(٢). وإنما
أخَّرَها عن النوافل لكثرةِ شُعَبها واختصاصِها عنها بأدائها بجماعةٍ وأحكامٍ أُخرَ، ولذا أفرَدَ لها تأليفاً
(قولُهُ: لأنَّ يوم الحيض مُنافٍ إلخ) انظر الفرقَ بين هذا الفرع وبين ما لو نذَرَ صومَ يومِ النحر حيث
لَزْمَهُ النذرُ ويصومُ في غيره، وكلٌّ منهما حرامٌ لمعنىٍّ جاوَرَهُ. اهـ "سندي" بالمعنى.
(١) ص ٢٠٤ - "در".
(٢) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ١٣١/ب.

الجزء الرابع
٣٥٩
باب الوتر والنوافل
سنّةٌ) مؤكّدةٌ؛ لمواظبةِ الخلفاء الراشدين (للرجالِ والنساءِ)
خاصًّاً بأحكامها الإِمامُ "حسام الدين"(١)، وتَبِعَهُ العلاّمة "قاسمٌ"(٢).
[٥٨٩١] (قولُهُ: سنّةٌ مؤكّدةٌ) صحَّحَهُ في "الهداية"(٣) وغيرها، وهو المرويُّ عن "أبي حنيفة"،
وذكَّرَ في "الاختيار "(٤): ((أَنَّ "أبا يوسف" سأَلَ "أبا حنيفة" عنها وما فعَلَهُ "عمرُ" فقال: التراويحُ
سنَّةٌ مؤكّدةٌ، ولم يَتخرَّجْهُ (٥) "عمرُ" من تلقاء نفسه، ولم يكن فيه مبتدعاً، ولم يأمر به إلاَّ عن
أصلٍ لديه وعهدٍ من رسول الله { ﴿))، ولا ينافيه قولُ "القدوريِّ"(٦): ((إنّها مستحبّةٌ)) كما فَهِمَهُ
في "الهداية(٧) عنه؛ لأَنَّه إنما قال: ((يُستحَبُّ أنْ يجتمعَ الناسُ))، وهو يدلُّ على أنَّ الاجتماع
مستحبٌّ، وليس فيه دلالةٌ على أنَّ التراويح مستحبَّةٌ، كذا في "العناية"(٨)، وفي "شرح منية
المصلِّي"(٩): ((وحَكَى غيرُ واحدٍ الإجماعَ على سنَّتِها))، وتمامُهُ في "البحر"(١٠).
[٥٨٩٢] (قولُهُ: لمواظبةِ الخلفاء الراشدين) أي: أكثرِهم؛ لأنَّ المواظبة عليها وقَعَتْ في أثناءِ خلافة
"عمر"نَّهِ، ووافَقَهُ على ذلك عامَّةُ الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا بلا نكيرٍ، وكيف لا وقد
ثَبَتَ عنه ◌َّ: «عليكم بسنّتي وسنَّةِ الخلفاء الراشدين المهديِّين، [٢/ق٧٥/ب] عَضُّوا عليها بالنواجذ))
٤٧٢/١
(١) هو "كتاب التراويح" لأبي محمد عمر بن عبدالعزيز، حسام الدين برهان الأئمة، المعروف بالصدر الشهيد
(ت ٥٣٦هـ). ("كشف الظنون"١٤٠٣/٢، "الجواهر المضية"٩٤٩/٢).
(٢) لم نجد للعلامة قاسم مؤلفاً خاصاً في التراويح في مصادر ترجمته التي بين أيدينا.
(٣) "الهداية": كتاب الصلاة - فصل في قيام شهر رمضان ٧٠/١.
(٤) "الاختيار": كتاب الصلاة - فصل في التراويح ٦٨/١.
(٥) في "الاختيار": ((ولم يتخرصه))
(٦) انظر "اللباب شرح الكتاب": كتاب الصلاة - باب قيام شهر رمضان ١٢٢/١.
(٧) "الهداية": كتاب الصلاة - باب النوافل - فصل في قيام شهر رمضان ٧٠/١.
(٨) "العناية": كتاب الصلاة - فصل في قيام رمضان ٤٠٧/١ (هامش "فتح القدير").
(٩) "الحلبة": فصل في النوافل - مطلب: صلاة التراويح ٢/ق ٢٠٠/ب.
(١٠) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧١/٢.

قسم العبادات
٣٦٠
حاشية ابن عابدين
إجماعاً (ووقتُها بعدَ صلاة العشاء).
كما رواه "أبو داود"(١)؟! "بحر"(٢).
[٥٨٩٣] (قولُهُ: إجماعاً) راجعٌ إلى قول المتن: ((سنّةٌ للرجال والنساء))، وأشار إلى أنّه
لا اعتدادَ بقول الروافض: إنَّها سنّةُ الرجال فقط على ما في "الدرر"(٣) و"الكافي"(٤)، أو أنّها ليست
بسنَّةٍ أصلاً كما هو المشهورُ عنهم على ما في "حاشية نوح"؛ لأنّهم أهلُ بدعةٍ يتبعون أهواءهم،
لا يُعوِّلون على كتابٍ ولا سَنَّةٍ، وينكرون الأحاديثَ الصحيحة.
[٥٨٩٤] (قولُهُ: بعدَ صلاة العشاء) قدَّرَ لفظَ ((صلاةٍ)) إشارةً إلى أنَّ المراد بالعشاء
الصلاةُ لا وقتُها، وإلى ما في "النهر"(٥): ((من أنَّ المراد ما بعد الخروج منها، حتَّى لو بَنَى
التراويحَ عليها لا يصحُّ، وهو الأصحُّ، وكذا بناؤها على سنَّتِها كما في "الخلاصة"(٦)، قال:
فكأنّهم ألحقوا السنَّةَ بالفرض)).
(١) هذه قطعة من حديث طويل صحيح أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) كتاب السنة - باب لزوم السنة، وأخرجه أحمد في
"المسند" ١٢٦/٤ - ١٢٧، والترمذيّ (٢٦٧٦) كتاب العلم - باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، وقال:
هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٤٢)(٤٣)(٤٤) المقدمة - باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، والدّارِميّ
٤٨/١ المقدمة - باب اتباع السنة، والحاكم في "المستدرك" ٩٥/١ -٩٦-٩٧ وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما
ليس له علة، ووافقه الذهبيّ، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١١٤/١٠ كتاب آداب القاضي - باب ما يقضي به القاضي
ويفتي به المفتي، والبغويّ في "شرح السنة" ١٠٢، والطّحَاوِيّ في "شرح مشكل الآثار" ٢٢٢/٣، ٢٢٣ باب بيان
مشكل ما روي عن رسول الله ﴿ في الزمان الذي يجب على الناس فيه الإقبال على خاصتهم وتَرْك عامتهم، وأبو نُعَيْم
في "الحلية": ٢٢٠/٥ و١١٤/١٠ - ١١٥، وابن حبان في "صحيحه" (٥) المقدمة - باب الاعتصام بالسنة. كلُّهم من
حديث العِرْباض بن سارية ظلُّته، وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وزيد بن أَرْقَم ◌ُ﴾.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧١/٢ بتصرف يسير.
(٣) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١١٩/١.
(٤) "كانفي النّسفيّ": كتاب الصلاة - باب النوافل - فصل في التراويح ١/ق ٤٠/ب.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٧١/أ.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث في التراويح ق ٢١/ب.

الجزء الرابع
٣٦١
باب الوتر والنوافل
إلى الفجرِ (قبل الوترِ وبعدَهُ) في الأصحِّ،
(تتمَّةٌ)
تقدَّمَ(١) في بحث النَّة الاختلافُ في أنَّ السنن لا بدَّ فيها من التعيين، أو يكفي لها مطلقُ
النَّة، والأصحُّ الثاني، والأحوط الأوَّلُ، وتقدَّمَ تمامُ الكلام فيه، فراجعه.
هذا، وهل يشترطُ أنْ يُحدِّدَ في التراويح لكلِّ شفعٍ نَيَّةً، ففي "الخلاصة"(٢): ((الصحيحُ نعم؛
لأنّه صلاةٌ على حدةٍ))، وفي "الخانيّة"(٣): ((الأصحُّ لا، فإنَّ الكلَّ بمنزلة صلاةٍ واحدةٍ))، كذا في
"التتار خانيّة"(٤)، وظاهرُهُ أنَّ الخلاف في أصل النّة، ويظهرُ لي التصحيحُ الأوَّلُ؛ لأنّه بالسلام خرَجَ
من الصلاة حقيقةً، فلا بدَّ في دخوله فيها من النيّة، ولا شكَّ أنَّه الأحوطُ خروجاً من الخلاف، نعم
رجَّحَ في "الحلبة"(٥) الثاني إنْ نَوَى التراويحَ كلَّها عند الشروع في الشفع الأوَّلِ، كما لو خرَجَ من
منزله يريدُ صلاة الفرض مع الجماعة، ولم تحضُرْه النَّةُ لَمَّ انتهى إلى الإِمام.
[٥٨٩٥] (قولُهُ: إلى الفجرِ) هذا آخرُ وقتها، ولا خلافَ فيه كما في "النهر "(٦).
[٥٨٩٦] (قولُهُ: في الأصحِّ) أي: من أقوالٍ ثلاثةٍ:
الأوَّلُ: أنَّ وقتها الليلُ كلّه، قبل العشاء وبعده، وقبل الوتر وبعده؛ لأنَّها قيامُ الليل، قال
في "البحر"(٧): ((ولم أر مَن صحَّحَهُ)) اهـ. وظاهرُهُ أَنَّه يدخُلُ وقتها من غروب الشمس.
الثاني: أنَّه ما بين العشاءِ والوترٍ، وصحَّحَهُ في "الخلاصة(٨)، ورجَّحَهُ في "غاية البيان":
((بأَنَّه المأثورُ المتوارَثُ)).
(١) ٦١/٣ "در" وما بعد.
(٢) لم نعثر على المسألة في مخطوطة "الخلاصة" التي بين أيدينا.
(٣) "الخانية": كتاب الصوم - فصل في مقدار القراءة في التراويح ٢٣٧/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثالث عشر في صلاة التراويح ٦٥٨/١.
(٥) "الحلبة": فصل في النوافل ٢/ق ٢٠٣/ب.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٧١/أ.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٣/٢.
(٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث في التراويح ق ٢١/أ. وهو قول عامة مشايخ بخارى.

قسم العبادات
٣٦٢
حاشية ابن عابدين
فلو فاتَّهُ بعضُها، وقامَ الإِمامُ إلى الوترِ أوتَرَ معه، ثمَّ صلَّى ما فاتَهُ (ويُستحَبُّ
تأخيرُها إلى ثلثِ الليل) أو نصفِهِ،.
الثالثُ: ما مشى عليه "المصنّف" تبعاً لـ "الكنز)"(١)، وعزاه في "الكافي"(٢) إلى الجمهور،
وصحَّحَهُ في "الهداية"(٣) و "الخانيّة"(٤) و"المحيط"، "بحر "(٥).
[٥٨٩٧] (قولُهُ: فلو فاتَهُ بعضُها إلخ) [٢/ق١/٧٦] تفريعٌ على الأصحِّ، لكنّه مبنيٌّ على أنَّ
الأفضل في الوتر الجماعةُ لا المنزلُ، وفيه خلافٌ سيأتي(٦)، فقولُهُ: ((أوتَرَ معه)) أي: على وجهِ
الأفضلَيَّة، وكذا على القول الأوَّلِ من الثلاثة المارَّة(٧)، وأمَّا على القول الثاني منها فإنَّه يأتي با فاتَّهُ،
وعلَّلهُ في "الخلاصة"(٨): ((بأَنَّه لا يمكنُهُ الإتيانُ به بعد الوتر)).
وبما قرَّرناه ظهَرَ أنَّ ما في "البحر"(٩) من جعلِهِ التفريعَ على الثالث كالثاني صوابُهُ
كالأوَّلِ (١٠) كما مشى عليه "الشارحُ" هنا، وتظهرُ ثمرةُ الخلاف أيضاً فيما لو صلَّها بعد الوتر،
أو نَسِيَ بعضَها وتذكَّرَ بعد الوتر فصلّى الباقيَ صحَّ على الأوَّلِ والثالث دون الثاني.
(١) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٨/١.
(٢) "كافي النّسفيّ": كتاب الصلاة - باب النوافل - فصل في التراويح ١/ق ٤١/أ.
(٣) "الهداية": كتاب الصلاة - فصل في قيام شهر رمضان ٧٠/١.
(٤) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل في مقدار القراءة في التراويح ٢٣٥/١ نقلاً عن أبي عليّ النّسفيّ (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٣/٢.
(٦) المقولة [٥٩٢٩] قوله: ((أي: يكره ذلك)).
(٧) في المقولة السابقة.
(٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث في التراويح ق ٢١/ب.
(٩) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٣/٢.
(١٠) قال ابن عابدين رحمه الله في حاشيته "منحة الخالق" عند قول "البحر" ((كالثاني)): ((صوابه كالأول كما رأيته
في بعض النسخ مصلحاً)).

الجزء الرابع
٣٦٣
باب الوتر والنوافل
ولا تكرهُ بَعدَهُ في الأصحِّ (ولا تُقضَى إذا فاتَتْ أصلاً) ولا وحدَهُ في الأصحِّ (فإنْ
قضاها كانَتْ نفلاً مستحبّاً وليس بتراويحَ) كسنَّةِ مغربٍ وعشاءٍ ..
[٥٨٩٨] (قولُهُ: ولا تكرهُ بعدَهُ في الأصحِّ) وقيل: تكرهُ؛ لأَنَّها تبعٌ للعشاء، فصارت كسنّةٍ
العشاء، والجوابُ أَنَّها وإنْ كانت تبعاً للعشاء لكنَّها صلاةُ الليل، والأفضلُ فيها آخرُهُ، فلا يكرهُ
تأخير ما هو من صلاةِ الليل، ولكنَّ الأحسن أنْ لا يُؤخّرَ إليه خشيةَ الفوات، "ح"(١) عن
"الإِمداد"(٢). وما في "البحر"(٣): ((من أنَّ الصحيح أَنَّه لا بأس بالتأخير)) لا يدلُّ على ثبوتِ
كراهة التنزيهِ حَتَّى يُجابَ عن قول "الشارح": ((لا يكرهُ)) بأنَّ المنفيَّ كراهةُ التحريم؛ لأنَّ كلمة
لا بأس تدلُّ على أنَّ خلافَهُ أَولى، وليس كلُّ ما هو خلافُ الأولى مكروهاً تنزيهاً؛ لأنَّ الكراهة
لا بدَّ لها من دليلٍ خاصٍّ كما قرَّرناه مراراً، بل في رسالةِ العلاَّمة "قاسمٍ"(٤) وغيرها: ((والصحيحُ
أنّه لا بأس به، وهو المستحبُّ والأفضلُ؛ لأَنَّها قيامُ الليل)) اهـ، فافهم.
[٥٨٩٩] (قولُهُ: ولا وحدَهُ) بيانٌ لقوله: ((أصلاً))، أي: لا يجماعةٍ ولا وحدَهُ، "ط"(٥).
[٥٩٠٠] (قولُهُ: في الأصحِّ) وقيل: يقضيها وحدَهُ ما لم يدخل وقتُ تراويحَ أخرى، وقيل:
ما لم يَمْضِ الشهرُ، "قاسم".
[٥٩٠١] (قولُهُ: فإنْ قضاها) أي: منفرداً، البحر"(٦).
[٥٩٠٢] (قولُهُ: كسنَّةِ مغربٍ وعشاءٍ) أي: حكمُ التراويحِ في أنَّها لا تُقضَى إذا فاتَتْ إلخ
كحكمٍ بقَّةِ رواتب الليل؛ لأَنَّها منها؛ لأنَّ القضاء من خواصِ الفرضِ وسنّةِ الفجر بشرطها.
(١) "ح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٨٨/أ.
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - فصل في التراويح ق٢٢٥/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٣/٢ بتوضيح من ابن عابدين.
(٤) لم نهتد إلى معرفتها.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٩٦/١.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٣/٢ بتصرف.

قسم العبادات
٣٦٤
حاشية ابن عابدين
(والجماعةُ فيها سنّةٌ على الكفايةِ(١)) في الأصحِّ، فلو ترَكَها أهلُ مسجدٍ أثِمُوا،
لا لو ترَكَ بعضُهم، وكلُّ ما شُرِعَ بجماعةٍ فالمسجدُ فيه أفضلُ، قَالَهُ "الحلبيُّ"(٢).
(وهي عشرون ركعةً) حكمتُهُ مساواةُ.
١٠
[٥٩٠٣] (قولُهُ: والجماعةُ فيها سنّةٌ على الكفاية إلخ) أفادَ أنَّ أصل التراويحِ سنةَ عينٍ، فلو
ترَكَها واحدٌ كُرِهَ بخلاف صلاتها بالجماعة، فإنَّها سنَّةُ كفايةٍ، فلو ترَكَها الكلُّ أساؤوا، أمَّا
لو تخلَّفَ عنها رجلٌ [٢/ق٧٦/ب] من أفرادِ الناس، وصلَّى في بيته فقد ترَكَ الفضيلةَ، وإِنْ صلَّى
أحدٌ في البيت بالجماعة لم ينالوا فضلَ جماعةِ المسجد، وهكذا في المكتوبات كما في "المنية"(٣)،
وهل المرادُ أَنّها سنَّةُ كفايةٍ لأهل كلِّ مسجدٍ من البلدة، أو مسجدٍ واحدٍ منها، أو من المحلّة؟
ظاهرُ كلام "الشارح" الأوَّلُ، واستظهَرَ "ط (٤) الثانيَ، ويظهرُ لي الثالثُ لقول "المنية": ((حَتَّى لو
تَرَكَ أهلُ مَحَلَّةٍ كُلُّهم الجماعةَ فقد تركوا السنَّةَ وأساؤوا)) اهـ
وظاهرُ كلامهم هنا أنَّ المسنون كفايةً إقامتُها بالجماعة في المسجد، حتَّى لو أقاموها جماعةً
٤٧٣/١ في بيوتهم، ولم تُقَمْ في المسجد أَثِّمَ الكلُّ، وما قدَّمناه(٥) عن "المنية" فهو في حقِّ البعض المتخلِّفِ
عنها، وقيل: إنَّ الجماعة فيها سنّهُ عينٍ، فمَن صلاّها وحدَهُ أساءَ وإنْ صَلَّتْ في المساجد، وبه كان
يُقْتِي "ظهيرُ الدين"، وقيل: تُستحَبُّ في البيت إلاّ لفقيهٍ عظيمٍ يُقْتدَى به، فيكونُ في حضوره
ترغيبُ غيره، والصحيحُ قولُ الجمهور: إنَّها سنَّةُ كفايةٍ، وتمامُهُ في "البحر"(٦).
[٥٩٠٤] (قولُهُ: وهي عشرون ركعةً) هو قولُ الجمهور، وعليه عملُ الناس شرقاً وغرباً،
(١) في "و": ((سنة كفاية)).
(٢) "شرح المنية الكبير": كتاب الصلاة - فصل في النوافل صـ٤٠٢ -.
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ ٤٠٢ -.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٩٦/١.
(٥) في هذه المقولة.
(٦) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٣/٢.

الجزء الرابع
٣٦٥
باب الوتر والنوافل
المكمِّلِ للمكمَّلِ (بعشرِ تسليماتٍ) فلو فعَلَها بتسليمةٍ فإنْ قعَدَ لكلِّ شفعٍ صحَّتْ
بكراهةٍ، وإلاّ نابَتْ عن شفعٍ واحدٍ، به يُفتَى.
وعن "مالكٍ": ستٍّ وثلاثون، وذَكَرَ في "الفتح"(١): ((أَنَّ مقتضى الدليل كونُ المسنون منها ثمانياً،
والباقي مستحبًّ))، وتمامُّهُ في "البحر"(٢)، وذكرتُ جوابَهُ فيما علَّقْتُهُ عليه(٣).
[٥٩٠٥] (قولُهُ: المكمِّلٍ) بكسر الميم وهو التراويحُ ((للمكمَّل)) بفتحها، وهي
الفرائضُ مع الوتر، ولا مانع أنْ تُكمِّلَ الوترَ وإِنْ صُلَِّتْ قبله، وفي "النهر"(٤): ((ولا يخفى
أنَّ الرواتب وإنْ كَمَّلَتْ أيضاً إلاَّ أنَّ هذا الشهرَ لمزيدِ كماله زِيْدَ فيه هذا المكمِّلُ فتُكمِّلُ))
اهـ، "ط" (٥).
[٥٩٠٦] (قولُهُ: صحَّتْ بكراهةٍ) أي: صحَّتْ عن الكلِّ، وتكرهُ إنْ تعمَّدَ، وهذا هو الصحيحُ
كما في "الحلبة"(٦) عن "النصاب" و"خزانة الفتاوى" خلافاً لِما في "المنية"(٧) من عدم الكراهة، فإنّه
لا يخفى ما فيه لمخالفتِهِ المتوارَثَ مع تصريحهم بكراهة الزيادة على ثمانٍ في مطلقِ التطوُّعٍ ليلاً، فهنا
أَولى، "بحر "(٨)
.
[٥٩٠٧] (قولُهُ: به يُفْتَى) لم أر مَن صرَّحَ بهذا اللفظِ هنا، وإنما صرَّحَ به في "النهر"(٩) عن
"الزاهديّ" فيما لو صلَّى أربعاً بتسليمةٍ وقعدةٍ واحدةٍ، وأمَّا إذا صلَّى العشرين جملةً كذلك فقد قاسَهُ
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - فصل في قيام رمضان ٤٠٧/١ - ٤٠٨.
(٢) انظر "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٢/٢.
(٣) انظر "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٢/٢.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٧١/أ.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٩٦/١.
(٦) "الحلبة": فصل في النوافل ٢/ق ٢٠٥/ب.
(٧) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ٤٠٥ -.
(٨) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٢/٢ بتصرف.
(٩) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٧١/أ.

قسم العبادات
٣٦٦
حاشية ابن عابدين
[٢/ق٧٧/أ] عليه في "البحر"(١)، نعم صرَّحَ في "الخانَّة"(٢) وغيرها: ((بأَنَّه الصحيحُ)) مع أَنَّا
قدَّمنا (٣) عن "البدائع" و"الخلاصة" و"التار خانيّة": ((أَنَّه لو صلَّى التطوُّعَ ثلاثاً أو سنّاً أو ثمانياً
بقعدةٍ واحدةٍ فالأصحُّ أَنَّه يفسُدُ استحساناً وقياساً))، وقدَّمنا وجهَهُ، فقد اختلَفَ التصحيحُ في
الزائد على الأربعة بتسليمةٍ وقعدةٍ واحدةٍ: هل يصحُّ عن شفعٍ واحدٍ، أو يفسُدُ؟ فليتَبَّهُ.
(فروعٌ)
١
شَكُّوا هل صلَّوا تسعَ تسليماتٍ أو عشراً يصلُّون تسليمةً أخرى فُرادى في الأصحِّ
للاحتياط في إكمالِ التراويح والاحترازِ عن التنفُّلِ بالجماعة، وكذا لو تذكَّروا تسليمةً بعد
الوتر عند "ابن الفضل"، وقال "الصدر الشهيد": ((يجوزُ أنْ يقال: تُصلَّى بجماعةٍ))، وهو.
الأظهرُ؛ لأَنَّه بناءٌ على القولِ المختار في وقتها، ولو سلَّمَ الإِمامُ على رأس ركعةٍ ساهياً في
الشفع الأوَّلِ، ثمَّ صلَّى ما بَقِيَ قيل: يقضي الشفعَ الأوَّلَ فقط لصحَّةٍ شروعه فيما بعده،
وقيل: يقضي الكلَّ؛ لأنَّ سلامه الأوَّلَ لم يُخرِجْهُ من حرمةِ الصلاة لكونه سهواً، وكذا كلُّ
سلامٍ بعده يكونُ سهواً مبنيًّاً على السهوِ الأوَّلِ، فقد ترَكَ القعدةَ على الركعتين في الأشفاعِ
كُلِّها فتفسُدُ بأسرِها، إلاَّ إذا تعمَّدَ السلامَ، أو فعَلَ بعده ما يُنافي الصلاةَ، أو عَلِمَ أنَّه سها،
وتمامُهُ في "شرح المنية"(٤).
ويظهرُ لي أرجحيَّةُ القول الأوَّلِ؛ لأنَّ سلامَهُ وإنْ لم يُخرِجْهُ لكنَّ تكبيرَهُ على قصدِ الانتقال
إلى الشفع الآخرِ يُخرِجُهُ عن الأوَّلِ، ثمَّ رأيْتُهُ في "الحلبة "(٥) قال: ((إنَّ الأشبهُ)).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٣/٢.
(٢) "الخانية": كتاب الصوم - فصل في السهو ٢٤٢/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) المقولة [٥٨١٩] قوله: ((فأكثر)).
(٤) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ٤٠٩ -.
(٥) "الحلبة": فصل في النوافل ٢/ق ٢٠٩/ب بتصرف.

الجزء الرابع
٣٦٧
باب الوتر والنوافل
(يجلسُ) ندباً (بين كلِّ أربعةٍ بقدْرِها وكذا بين الخامسةِ والوترِ) ويخيّرُون ..
[٥٩٠٨] (قولُهُ: يجلسُ) ليس المرادُ حقيقةَ الجلوس، بل المرادُ الانتظارُ؛ لأَنَّه يُخيّرُ بين الجلوس
ذاكراً أو ساكناً، وبين صلاته نافلةً منفرداً كما يذكرُهُ، أفادَهُ في "شرح المنية"(١) و"البحر"(٢).
[٥٩٠٩] (قولُهُ: ندباً) وما يفيدُهُ كلام "الكنز)"(٣): ((من أَنَّه سنَّةٌ)) تعقّبَهُ "الزيلعيُّ) (٤): ((بأَنَّه
مستحبٌّ لا سنّةٌ))، وبه صرَّحَ في "الهداية"(٥).
[٥٩١٠] (قولُهُ: بين كلٌّ أربعةٍ) الأوضحُ قولُ "الكنز "(٦): ((بعدَ كلِّ أربعةٍ))، أو قولُ
"المنية"(٧) و"الدرر"(٨): ((بين كلِّ ترويحتين))؛ لإِيهامه أنَّ الجلسة بعد الشفعِ الأوَّلِ من كلِّ
أربعةٍ، والجوابُ أنَّ المراد: بين كلِّ أربعةٍ وأربعةٍ، فحذَفَ أحدَ المتعدِّدين [٢/ق٧٧/ب] كما
في قوله تعالى: ﴿لَا تُغَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ،﴾ [ البقرة - ٢٨٥]، أي: بين أحدٍ وأحدٍ، ولا فسادَ
في ذلك، فافهم.
[٥٩١١] (قولُهُ: وكذا بين الخامسةِ والوترِ) صرَّحَ به في "الهداية"(٩)، واستدرَكَ عليه
في "النهر"(١٠) بما في "الخلاصة" (١١): ((من أنَّ أكثرَهم على عدمِ الاستحباب، وهو الصحيحُ)) اهـ.
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ ٤٠٤ -.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٥/٢.
(٣) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٨/١.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١٧٩/١.
(٥) "الهداية": كتاب الصلاة - فصل في قيام شهر رمضان ٧٠/١.
(٦) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٨/١.
(٧) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ ٤٠٤ -.
(٨) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١٢٠/١.
(٩) "الهداية": كتاب الصلاة - فصل في قيام شهر رمضان ٧٠/١.
(١٠) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٧١/ب.
(١١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث في التراويح ق ٢١/أ.

قسم العبادات
٣٦٨
حاشية ابن عابدين
بين تسبيحٍ وقراءةٍ وسكوتٍ وصلاةٍ فُرادى، نعم تكرهُ صلاةُ ركعتين بعد كلِّ ركعتين.
أقولُ: هذا سبقُ نظرٍ، فإنَّ عبارة "الخلاصة" هكذا: ((والاستراحةُ على خمسٍ تسليماتٍ
اختلَفَ المشايخ فيه، وأكثرُهم على أَنَّه لا يُستحَبُّ، وهو الصحيحُ)) اهـ. فإنَّ مراده بخمسٍ
تسليماتٍ خمسةُ أشفاعٍ - أي: على الركعةِ العاشرة كما فسَّرَ به في "شرح المنية"(١) - لا خمسُ
ترويحاتٍ كلُّ ترويحةٍ أربعُ ركعاتٍ، فقد اشتبَهَ على صاحب "النهر"(٢) التسليمةُ بالترويحة، فافهم.
[٥٩١٢] (قولُهُ: بينَ تسبيحٍ) قال "القُهُستانيُ) (٣): ((فيقالُ ثلاثَ مرَّاتٍ: سبحانَ ذي الملك
والملكوت، سبحان ذي العزَّة والعظمة والقدرة والكبرياء والجَبَرُوت، سبحانَ الملك الحيِّ الذي
· لا يموتُ، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ ربُّ الملائكة والرُّوحِ، لا إله إلاَّ الله، نستغفرُ الله، نسألُكَ الجَنَّةَ ونعوذُ بك
من النار كما في "منهج العباد"(٤))) اهـ.
[٥٩١٣] (قولُهُ: وصلاةٍ فُرادى) أي: صلاةٍ أربعِ ركعاتٍ، فيُزادُ ستَّ عشرةَ ركعةً، قال
العلاّمة "قاسم ": ((إِنْ زادُوها منفردِينَ لا بأس به، وهو مستحبٌّ، وإِنْ صَلَّوها بجماعةٍ - كما هو
مذهبُ مالكٍ - كره إلخ))، وفي "النهر " (٥): ((وأمَّا الصلاةُ فقيل: مكروهٌ، وقيل: سنّةٌ، وهو ظاهرُ
ما في "السِّراج"(٦)، وأهلُ مكّةَ يطوفون، وأهلُ المدينة يصلُّون أربعاً)) اهـ.
[٥٩١٤] (قولُهُ: نعم تكرهُ إلخ) لأنَّ الاستراحة مشروعةٌ بين كلِّ ترويحتين، لا بين
كلِّ شفعين.
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ٤٠٤ - بتصرف.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٧١/ب.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في الوتر ١٣٣/١.
(٤) كذا في النسخ جميعها، والذي في "القهستانيّ" و"إيضاح المكنون": ((مناهج العبّاد)) وهو لإبراهيم بن شهريار فخر
الدين المشهور بالعراقيّ الهمذانيّ (ت ٦٨٠هـ، وقيل: ٦٨٨) ("إيضاح المكنون" ٥٦٤/٢، "هدية العارفين"١٢/١،
"معجم المؤلفين" ٣١/١).
(٥) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٧١/ب.
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب قيام شهر رمضان ١/ق ٣٣٥/ب.

الجزء الرابع
٣٦٩
باب الوتر والنوافل
(والختمُ) مرَّةً سنّةٌ، ومرَّتين فضيلةٌ، وثلاثً أفضلُ (ولا يُترَكُ) الختمُ (لكَسَلِ القوم)
لكنْ في "الاختيار"(١).
٤٧٤/١
[٥٩١٥] (قولُهُ: والختمُ مرَّةً سنّةٌ) أي: قراءةُ الختم في صلاة التراويح سنة، وصحَّحَهُ
في "الخانَيَّة"(٢) وغيرها، وعزاه في "الهداية"(٣) إلى أكثر المشايخ، وفي "الكافي"(٤) إلى الجمهور، وفي
"البرهان": ((وهو المرويُّ عن "أبي حنيفة"، والمنقولُ في الآثار))، قال "الزيلعيُّ)(٥): ((ومنهم مَن
استحَبَّ الختم في ليلة السابع والعشرين رجاءَ أنْ ينالوا ليلةَ القدر؛ لأنَّ الأخبار تظاهرَتْ عليها،
وقال "الحسن" عن "أبي حنيفة": يقرأ في كلِّ ركعةٍ عشرَ آياتٍ ونحوَها، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ السنَّةَ
الختمُ [٢/ق٧٨ /أ] فيها مرَّةً، وهو يحصلُ بذلك مع التخفيف؛ لأنَّ عدد ركعاتِ التراويح في الشهر
ستمائةِ ركعةٍ، وعدد آي القرآن ستّةُ آلافِ آيةٍ وشيءٌ)) اهـ.
وما في "الخلاصة" (٦): ((من أَنَّه يقرأ في كلِّ ركعةٍ عشرَ آياتٍ حتَّى يحصلَ الختمُ في ليلةٍ
السابع والعشرين)) - ونحوُهُ في "الفيض" - فيه نظرٌ؛ لأنَّ توزيعه عشراً فعشراً يقتضي الختمَ في
الثلاثين، إلاَّ أنْ يكون مع ضمِّ الوتر، لكنْ في "الخانيّة"(٧) وغيرها ما يفيدُ تخصيصَ التراويح، وتمامُهُ
في "شرح الشيخ إسماعيل"(٨)، وفي "شرح المنية"(٩): ((ثُمَّ إذا خَتَمَ قبل آخرِ الشهر قيل: لا يكرهُ له
تركُ التراويح فيما بَقِيَ؛ لأَنَّها شُرِعَتْ لأجل ختم القرآن مرَّةً، قاَلَهُ "أبو عليّ النسفيُّ"، وقيل:
يصلِيها ويقرأ فيها ما شاء، ذكَّرَهُ في "الذخيرة")) اهـ.
(١) "الاختيار": كتاب الصلاة - فصل التراويح ٧٠/١ بتصرف.
(٢) "الخانية": كتاب الصوم - فصل في مقدار القراءة في التراويح ٢٣٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الهداية": كتاب الصلاة - باب النوافل - فصل في قيام شهر رمضان ٧٠/١.
(٤) "كافي النّسفيّ": كتاب الصلاة - باب النوافل - فصل في التراويح ١/ق ٤١ /أ.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١٧٩/١ بتصرف يسير.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث في التراويح ق ٢١/ب معزياً إلى خلف بن أيوب رحمه الله.
(٧) "الخانية": كتاب الصوم - فصل في مقدار القراءة في التراويح ٢٣٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) "الإحكام": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١/ق ٤٣١/ب.
(٩) "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ ٤٠٧ -.

قسم العبادات
٣٧٠
حاشية ابن عابدين
((الأفضلُ في زماننا قدْرُ ما لا يُثْقِلْ عليهم))، وأقرَّهُ "المصنّف" وغيره، وفي
"المجتبى" عن "الإِمام": ((لو قرأ ثلاثاً قصاراً أو آيةً طويلةً في الفرض فقد أحسَنَ
ولم يُسِئْ، فما ظنَّكَ بالتراويح؟))، وفي "فضائل رمضانَ" لـ "الزاهديٍّ"(١): ((أفتى
"أبو الفضل الكرمانيُّ" و"الوبريُّ" أَنَّه إذا قرَأَ في التراويحِ الفاتحةَ.
[٥٩١٦] (قولُهُ: الأفضلُ في زماننا إلخ) لأنَّ تكثير الجَمْعِ أفضلُ من تطويل القراءة،
"حلبة"(٢) عن "المحيط". وفيه إشعارٌ بأنَّ هذا مبنيٌّ على اختلافِ الزمان، فقد تتغيَّرُ الأحكامُ
لاختلاف الزمان في كثيرٍ من المسائل على حسبِ المصالح، ولهذا قال في "البحر"(٣): ((فالحاصلُ
أنَّ المصحَّحَ في المذهب أنَّ الختم سنَّةٌ، لكنْ لا يلزمٌُ منه عدمُ تركه إذا لَزِمَ منه تنغيرُ القوم
وتعطيلُ كثيرٍ من المساجد خصوصاً في زماننا، فالظاهرُ اختيار الأخفِّ على القوم)).
[٥٩١٧ ] (قولُهُ: وفي "المجتبى" إلخ) عبارتُهُ على ما في "البحر"(٤): ((والمتأخّرون كانوا
يُفتون في زماننا بثلاثِ آياتٍ قصارٍ أو آيةٍ طويلةٍ حَتَّى لا يَمَلَّ القوم ولا يلزمَ تعطيلُها، فإنَّ
"الحسن" رَوَى عن "الإِمام": أَنَّه إنْ قرأ في المكتوبة بعد الفاتحة ثلاثَ آياتٍ فقد أحسَنَ ولم
يُسِئ، هذا في المكتوبة، فما ظنُّكَ في غيرها؟)) اهـ.
(قولُ "الشارح": فقد أحسَنَ) هذا وما بعده محمولٌ على ما إذا ترَكَ القدْرَ المسنون لكسلِ القوم،
وإلَّ كيف يقال: إنَّ مَن تَرَكَ مقدارَ السنَّة أحسَنَ؟! وهو مقدارُ عشرٍ آياتٍ، ولك أن تقول: هذه روايةٌ
أخرى، وعليها يكونُ أحسَنَ بقراءة الآية الطويلة أو الثلاث، والمشهورُ أَنَّه لا يكونُ قد أحسَنَ إلاَّ
بالعشر، إلاّ أنّه عند كسل القوم له أنْ يعمل برواية "الحسن"، بل هو الأفضل.
(١) "فضائل شهر رمضان" لأبي الرجاء مختار بن محمود نجم الدين الزاهدي الغزْميني الخوارزمي (ت٦٥٨ هـ).
("كشف الظنون" ١٤٤٦/٢، "الفوائد البهية" صـ ٢١٣-، "هدية العارفين" ٤٢٣/٢).
(٢) "الحلبة": فصل في النوافل ٢/ ق ٢٠٦/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٤/٢.
٥ قوله: ((لكن لا يلزم منه إلخ)) الضمير في ((منه)) الأول، راجع إلى المصحح، وفي ((تركه)) إلى الختم، وفي ((منه))
الثاني إلى عدم تر که اهـ منه.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٤/٢.

الجزء الرابع
٣٧١
باب الوتر والنوافل
وآيةً(١) أو آيتين لا يكرهُ، ومَن لم يكن عالِماً بأهلِ زمانه فهو جاهلٌ)).
(ويأتي الإمامُ والقومُ بالثناء في كلِّ شفعٍ.
[٥٩١٨] (قولُهُ: وآيةً أو آيتين) أي: بقدرِ ثلاث آياتٍ قصارٍ بدليل عبارة "المجتبى": ((وإلاّ
فلو دونَ ذلك كره تحريماً))؛ لِما في "المنية" و"شرحها"(٢) في بحث صفة الصلاة: ((لو قرأ مع
الفاتحة آيةً قصيرةً أو آيتين قصيرتين لم يَخرُجْ عن حدِّ كراهة التحريم، وإنْ قرأ ثلاثاً قصاراً،
أو كانت الآيةُ أو الآيتان تَعدِلُ ثلاثَ آياتٍ قصاراً خرَجَ عن حدِّ الكراهة المذكورة، ولكنْ لم يَدخُلْ
في حدِّ الاستحباب، وينبغي أنْ يكون فيه كراهةُ تنزيهٍ [٢/ق٧٨ /ب] إلخ))، أي: لأنَّ السنَّة قراءةُ
المفصَّل، فقولُهُ هنا: ((لا يكرهُ)) أي: لا تحريماً ولا تنزيهاً وإنْ كره في الفرائض تنزيهاً، فافهم.
هذا، وفي "التجنيس": ((واختارَ بعضُهم سورةَ الإِخلاص في كلِّ ركعةٍ، وبعضُهم سورةَ
الفيل))، أي: البداءةً منها ثمَّ يعيدُها، وهذا أحسنُ؛ لئلاّ يشتغلَ قلبه بعدد الركعات، قال
في "الحلبة"(٣): ((وعلى هذا استقَرَّ عملُ أئمَّة أكثرِ المساجد في ديارنا، إلاَّ أنَّهم يبدؤون بقراءة سورة
التكاثرِ في الأُولى والإخلاصِ في الثانية، وهكذا إلى أنْ تكون قراءتُهم في التاسعةَ عشرةَ بسورةٍ
تَبَّتْ، وفي العشرين بالإخلاص)) اهـ.
زادَ في "البحر"(٤): ((وليس فيه كراهةٌ في الشفعِ الأوَّلِ من الترويحة الأخيرة بسبب الفصل
بسورةٍ واحدةٍ؛ لأَنَّه خاصٌّ بالفرائض كما هو ظاهرُ "الخلاصة"(*) وغيرها)) اهـ.
(قولُهُ: أي: البداءةَ منها إلى آخره) أي: إلى آخر القرآن في عشرِ ركعاتٍ، ثمَّ يعيدُ من سورة الفيل
إلى الآخر في العشر الثاني.
(١) في "و": ((أو آية))، وهو خطأ.
(٢) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في النوافل صـ٣٠٩- بتصرف.
(٣) "الحلبة": فصل في النوافل ٢ /ق ٢٠٦/أ.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٤/٢.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الحادي عشر في القراءة ق٢٨/ب.

قسم العبادات
٣٧٢
حاشية ابن عابدين
ويزيدُ) الإِمامُ (على التشهُّدِ إلاّ أنْ يَمَلَّ القومُ فيأتي بالصلواتِ) ويكتفي باللهمَّ
صلِّ على محمَّدٍ؛ لأنَّه الفرضُ عند "الشافعيِّ" (ويترُكُ الدَّعواتِ) ويجتنبُ المنكراتِ
هَذْرَمَةَ القراءةِ، وتَرْكَ تعوٍُّ، وتسميةٍ، وطمأنينةٍ، وتسبيحٍ، واستراحةٍ.
قلت: لكنَّ الأحوط قراءةُ النّصرِ وتَبَّتْ في الشفع الأوَّلِ من الترويحة الأخيرة، والمعوِّذتين في
الشفع الثاني منها، وبعضُ أئمَّة زماننا يقرأ بالعصر والإخلاص في الشفع الأوَّلِ من كلِّ ترويحةٍ،
وبالكوثرِ والإخلاص في الشفع الثاني.
[٥٩١٩] (قولُهُ: وَيَزِيدُ الإِمامُ إلخ) أي: بأنْ يأتيَ بالدعوات، "بحر "(١).
[٥٩٢٠] (قولُهُ: ويكتفي باللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ) زادَ في "شرح المنية الصغير)(٢): ((وعلى آلِ
محمَّدٍ))، وكأنَّ "الشارح" اقتصَرَ على الأوَّلِ أخذاً من التعليل؛ لأنَّ الصلاة على الآلِ لا تُفرَضُ عند
"الشافعيِّ" رحمه الله تعالى، بل تُسَنُّ عنده في التشهُّدِ الأخير، وقيل: تجب عنده.
(٥٩٢١] (قولُهُ: هَذْرَمَةَ) بفتحِ الهاء وسكونِ الذال المعجمة وفتحِ الرَّاء: سرعةُ الكلامِ
والقراءةِ، "قاموس"(٣). وهو منصوبٌ على البدليّةِ من ((المنكرات))، ويجوزُ القطع، "ح(٤).
[٥٩٢٢] (قولُهُ: واستراحةٍ) هي القعدةُ بعد كلِّ أربعٍ، وقد مرَّ(٥) أنَّها مندوبةٌ، وبه يُعلَمُ أنَّ
المراد بالمنكرات مجموعُ ما ذُكِرَ، إلاَّ أنْ يراد بها ما يُخالِفُ المشروع.
(قولُ "المصنّف": ويتركُ الدَّعواتِ) يُنظَرُ الفرقُ بين الدَّعوات والثّناء، فإنَّ كلّ منهما سنَّةٌ، وكذا
التعوُّذُ والتسمية والتسبيح، "رحمتي". ويظهرُ أنَّ الدَّعواتِ مستحبَّةٌ بخلافِ النَّناء وما بعده فإنَّه سنَّةٌ،
وهي لا تُتُرَكُ لكسلِ القوم بخلاف المستحبِّ فإنَّه يُتَرَكُ له.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٤/٢.
(٢) "شرح المنية الصغير": فصل في النوافل صـ٢٠٧ -.
(٣) "القاموس": مادة ((هذرم)).
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٩٦/أ.
(٥) المقولة [٥٩٠٩] قوله: ((ندباً)).

الجزء الرابع
٣٧٣
باب الوتر والنوافل
(وتكرهُ قاعداً) لزيادةٍ تأكُّدِها حتى قيل: لا تصحُّ (مع القدرة على القيام) كما
يكرهُ تأخيرُ القيام إلى ركوع الإمام للتشبُّهِ بالمنافقين (ولو تَرَكُوا الجماعةَ في الفرض
لم يصلُوا التراويحَ جماعةً).
(٥٩٢٣] (قولُهُ: وتكرهُ قاعداً) أي: تنزيهاً؛ لِما في "الحلبة"(١) وغيرها: ((من أنّهم الَّفقوا على
أَنَّه لا يُستحَبُّ ذلك بلا عذرٍ؛ لأَنَّه خلافُ المتوارَثِ عن السلف)).
[٥٩٢٤] (قولُهُ: حَتَّى قيل إلخ) أي: قياساً على رواية "الحسن" عن "الإِمام" في سنَّةِ الفجر؛
لأنَّ كلاً منهما سنّةٌ مؤكّدةٌ، والصحيحُ [٢/ق٧٩ /أ] الفرق بأنَّ سنَّة الفجر مؤكّدةٌ بلا خلافٍ،
بخلاف التراويح كما في "الخانيّة"(٢)، وقدَّمنا (٣) عبارتَها في بحث سنَّةِ الفجر.
[٥٩٢٥] (قولُهُ: كما يُكرَّهُ إلخ) ظاهرُهُ أنَّها تحريميَّةٌ للعلَّة المذكورة، وفي "البحر"(٤) عن
"الخانَّة "(٥): ((يكرهُ للمقتدي أنْ يقعد في التراويح، فإذا أرادَ الإِمامُ أن يركع يقومُ؛ لأنَّ فيه
إظهارَ التكاسلِ في الصلاة والتشبُّهِ بالمنافقين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُوا كُسَالَ﴾
[النساء - ١٤٢]، "ط"(٦). قال في "الحلبة"(٧): ((وفيه إشعارٌ بأنّه إذا لم يكن لكسلٍ بل لكِبَرٍ
ونحوهٍ لا یکرهُ، وهو کذلك)) اهـ.
( تنبيةٌ)
قال في "التتار خانَّة"(٨): ((وكذا إذا غَلَبَهُ النومُ يكره له أنْ يُصلِّيَ، بل ينصرفُ حتَّى
يستيقظَ)).
(١) "الحلبة": فصل في النوافل ٢/ق ٢٠٥/أ.
(٢) "الخانية": كتاب الصوم - فصل في أداء التراويح قاعداً ٢٤٣/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) المقولة [٥٧٠١] قوله: ((على الأصح)).
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٥/٢.
(٥) "الخانية": كتاب الصوم - فصل في أداء التراويح قاعداً ٢٤٤/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٩٧/١.
(٧) "الحلبة": فصل في النوافل ٢/ق ٢٠٥/أ.
(٨) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثالث عشر في صلاة التراويح ٦٧٠/١.

قسم العبادات
٣٧٤
حاشية ابن عابدين
لأَنَّها تَبَعٌ، فمصلِّيه وحدَهُ يصلِيها معه (ولو لم يُصلِّها) أي: التراويحَ (بالإمامِ)
أو صلاَّها مع غيرِهِ له أنْ (يصلَِّ الوترَ) معه».
٤٧٥/١
[٥٩٢٦] (قولُهُ: لأَنّها تَبَعٌ) أي: لأنَّ جماعتها تبعٌ لجماعة الفرض، فإِنَّها لم تُقَمْ إلاَّ يجماعةٍ
الفرض، فلو أُقِيمَتْ بجماعةٍ وحدّها كانت مُخالِفةً للوارد فيها، فلم تكن مشروعةً، أمَّا لو صُلِّيَتْ
بجماعةِ الفرض، وكان رجلٌ قد صلَّى الفرضَ وحده فله أنْ يُصلّها مع ذلك الإمام؛ لأنَّ جماعتهم
مشروعةٌ، فله الدخولُ فيها معهم لعدم المحذور، هذا ما ظهَرَ لي في وجهِهِ، وبه ظهَرَ أنَّ التعليل
المذكور لا يشملُ المصلِّيَ وحدَهُ، فظهَرَ صحَّةُ التفريع بقوله: ((فمصلِيهِ وحدَهُ إلخ))، فافهم.
[٥٩٢٧] (قولُهُ: ولو لم يُصلِّها إلخ) ذكَرَ هذا الفرعَ والذي قبلَهُ في "البحر"(١) عن "القنية"(٢)،
وكذا في متن "الدرر"(٣)، لكنْ في "التتار خانيّةً"(٤) عن "التمَّةُ": ((أَنّ سُئِلَ "عليُّ بِنُ أحمد" (٥) عمَّن
صلَّى الفرضَ والتراويح وحدَهُ، أو التراويحَ(٦) فقط هل يصلّي الوترَ مع الإمام؟ فقال: لا)) اهـ.
ثُمَّ رأيتُ "القُهُستانيّ(٧) ذكَرَ تصحيحَ ما ذكَرَهُ "المصنّف"، ثمَّ قال: ((لكنَّه إذا لم يُصَلِّ
الفرضَ معه لا يتبعُهُ في الوتر)) اهـ.
فقولُهُ: ((ولو لم يُصَلِّها)) أي: وقد صلَّى الغرضَ معه، لكنْ ينبغي أنْ يكون قولُ
"القُهُستانيِّ": ((معه)) احترازاً عن صلاتها منفرداً، أمَّا لو صلَّها جماعةً مع غيره، ثمَّ صلَّى الوتر
معه لا كراهة، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٥/٢.
(٢) "القنية": كتاب الصلاة - باب التراويح والوتر ق ٢٠/أ.
(٣) انظر "الدرر والغرر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١٢٠/١.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الثالث عشر ٦٧٧/١.
(٥) في المذهب عدة أعلام بهذا الاسم لم نهتد إلى تعيين المراد منه.
(٦) ((أو الفرض فقط)) كما في "التاتر خانية".
(٧) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في الوتر ١٣٤/١ نقلاً عن "المنية".

الجزء الرابع
٣٧٥
باب الوتر والنوافل
بَقِيَ لو ترَكَها الكلُّ هل يصلُّون الوترَ بجماعةٍ، فليراجع.
......
(ولا يصلَّى الوترُ و) لا (التطوُّعُ بجماعةٍ خارجَ رمضان) أي: يكرهُ ذلك ..
[٥٩٢٨] (قولُهُ: بَقِيَ إلخ) الذي يظهرُ أنَّ جماعة الوتر تبعٌ لجماعةِ التراويح وإنْ كان الوترُ
نفسُهُ أصلاً في ذاته؛ لأنَّ سنَّةَ الجماعة في الوتر إنما عُرِفَتْ بالأثر تابعةً للتراويح، على أنّهم اختلفوا
في أفضليّةِ صلاتها بالجماعة بعد [٢/ق٧٩/ب] التراويح كما يأتي(١).
مطلبٌ في كراهة الاقتداء في النفل على سبيل التّداعي، وفي صلاة الرَّغائب
[٥٩٢٩] (قولُهُ: أي: يكرهُ ذلك) أشارَ إلى ما قالوا من أنَّ المراد من قول "القدوريِّ"
في "مختصره"(٢): ((لا يجوزُ)) الكراهةُ لا عدمُ أصل الجواز، لكنْ في "الخلاصة(٣) عن "القدوريّ" (٤).
((أَنَّه لا يكرهُ))، وأَيَّدَهُ في "الحلبة (٥) بما أخرَجَهُ "الطحاويُّ"(٦) عن "المِسْوَرِ(٧) بن مخرمةً" قال:
(دَفْنَا "أبا بكرِ" رضي الله تعالى عنه ليلاً فقال "عمر"طه: إنّي لم أُوْتِرْ، فقام وصَفًَّا وراءه، فصلَّى
(قولُهُ: الذي يظهرُ أنَّ جماعة الوتر تبعٌ لجماعةِ التراويح) الذي يظهرُ أنَّ جماعته تبعٌ لجماعةِ الفرض
لا التراويح، فإنَّ المفهوم من قول "المصنّف": ((ولا يصلَّى الوترُ إلخ)) أنَّه يصلَّى جماعةً في رمضان،
فُعْمَلُ بعمومه حتى يوجد ما يقتضي تخصيصه بما إذا صلَّى التراويحَ جماعةً، نعم التقييدُ بما إذا صلَّى
الفرض جماعةً نقَلَهُ "القهستانيُّ".
(١) في المقولة الآتية.
(٢) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الصلاة - باب قيام شهر رمضان ١٢٢/١. وفيه: ((لا يُصلَّى الوتر بجماعة)).
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس عشر في الإمامة والاقتداء ق٣٨/ب.
(٤) في "تجريده" كما في "الخلاصة".
(٥) "الحلبة": الوتر ٢/ق ٢١١/ب.
(٦) أخرجه الطّحَاوِيّ في "شرح معاني الآثار" ٢٩٣/١ كتاب الصلاة - باب الوتر. ولفظ الحديث فيه ((وصففنا))، وقد
وقع في النسخ جميعها ((وصفنا)).
(٧) في النسخ جميعها ((المنصور)) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، كما في مصادر ترجمته. انظر "تهذيب
التهذيب"١٥١/١٠.

قسم العبادات
٣٧٦
حاشية ابن عابدين
لو على سبيلِ التداعي، بأنْ يقتديَ أربعةٌ بواحدٍ كما في "الدرر"(١)، ولا خلافَ في
صحَّةِ الاقتداء؛ إذ لا مانعَ، "نهر"(٢). وفي "الأشباه"(٣) عن "البزَّازِيَّة": ((يكرهُ الاقتداءُ
بنا ثلاثَ ركعاتٍ لم يُسلِّمْ إلاَّ في آخرِهنَّ))، ثمَّ قال: ((ويمكنُ أن يقال: الظاهرُ أنَّ الجماعة فيه
غيرُ مستحبَّةٍ، ثمَّ إنْ كان ذلك أحياناً كما فعَلَ "عمرُ" كان مباحاً غيرَ مكروهٍ، وإنْ كان على
سبيلِ المواظبة كان بدعةً مكروهةً؛ لأَنَّه خلافُ المتوارَثِ، وعليه يُحمَلُ ما ذَكَرَهُ "القدوريُّ"
في "مختصره"، وما ذكَّرَهُ في غيرِ "مختصره " يُحمَلُ على الأوَّلِ، والله أعلم)) اهـ.
قلت: ويؤيِّدُهُ أيضاً ما في "البدائع"(٤) من قوله: ((إِنَّ الجماعة في التطوُّعٍ ليست بسنّةٍ إلاّ
في قيام رمضانَ)) اهـ.
فإنَّ نفيَ السنّة لا يَستلزِمُ الكراهةَ، نعم إنْ كان مع المواظبة كان بدعةً فيكرهُ، وفي "حاشية
البحر" لـ "الخير الرمليِّ": ((عَلَّلَ الكراهةَ في "الضياء" و"النهاية" بأنَّ الوتر نفلٌ من وجهٍ، حتّى
وجَبَت القراءةُ في جميعها، وتُؤُدَّى بغيرِ أذانٍ وإقامةٍ، والنفلُ بالجماعة غيرُ مستحبٍّ؛ لأَنَّه لم تفعله
الصحابةُ في غير رمضان اهـ. وهو كالصريحِ في أنَّها كراهةُ تنزيهِ، تأمَّل)) اهـ.
[٥٩٣٠] (قولُهُ: على سبيلِ التداعي) هو أنْ يدعوَ بعضُهم بعضاً كما في "المغرب"(٥)، وفسَّرَهُ
"الواني" بالكثرةٍ، وهو لازمُ معناه.
[٥٩٣١] (قولُهُ: أربعةٌ بواحدٍ) أمَّا اقتداءُ واحدٍ بواحدٍ، أو اثنين بواحدٍ فلا يكرهُ، وثلاثةٍ
بواحدٍ فيه خلافٌ، "بحر"(٦) عن "الكافي"(٧)، وهل يحصلُ بهذا الاقتداءِ فضيلةُ الجماعة؟ ظاهرُ ما
قدَّمناه(٨) من أنَّ الجماعة في التطوُّع ليست بسنّةٍ يفيدُ عدمَهُ، تأمَّل. بَقِيَ لو اقتدى به واحدٌ
(١) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١٢٠/١.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٧١/ب.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني - كتاب الصلاة صـ١٩٨ -.
(٤) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان ما يفارق فيه الفرض التطوع ٢٩٨/١.
(٥) "المغرب": مادة ((دعو)).
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٧٥/٢.
(٧) "كافي النّسفيّ": كتاب الصلاة - فصل في التراويح ١/ق ٤١/أ بتصرف يسير.
(٨) المقولة [٥٩٢٩] ((قوله: أي يكره ذلك)).