Indexed OCR Text

Pages 221-240

الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
-
٢١٧
وكلُّ عَقْدٍ إلاَّ لمعتكفٍ بشرطِهِ، والكلامُ المباحُ، وقَّدَهُ في "الظهيرِيَّة"(١): ((بأنْ
يجلسَ لأجلِهِ ))، لكنْ في "النهر" (٢) :.
عن الجماعة، وأيضاً هنا علَّتان: أذى المسلمين، وأذى الملائكة، فبالنظر إلى الأُولى يُعذَرُ في تركِ
الجماعة وحضورِ المسجد، وبالنظر إلى الثانية يُعذَرُ في تركِ حضور المسجد ولو كان وحده))
اهـ ملخّصاً.
أقولُ: كونُهُ يُعذَرُ بذلك ينبغي تقييدُهُ بما إذا أكَلَ ذلك بعذرٍ، أو أكَلَ ناسياً قربَ دخول
وقت الصلاة؛ لئلاّ يكون مُباشِراً لِما يقطعُهُ عن الجماعة بصنعه.
[٥٥٧٩] (قولُهُ: وكلُّ عقدٍ) الظاهرُ أنَّ المراد به عقدُ مبادلةٍ لَيَخرُجَ نحوُ الهبة، تأمَّل. وصرَّحَ
في "الأشباه"(٣) وغيرها: ((بأنّه يُستحَبُّ عقدُ النكاح في المسجد))، وسيأتي(٤) في النكاح.
[٥٥٨٠] (قولُهُ: بشرطِهِ) وهو أنْ لا يكونَ للتجارة، بل يكونُ ما يحتاجُهُ لنفسه أو عياله بدون
إحضارِ السلعة.
[٥٥٨١] (قولُهُ: بأنْ يجلسَ لأجله) فإنَّه حينئذٍ لا يُباحُ بالاتّفاق؛ لأنَّ المسجد ما يُنِيَ لأمور
(قولُهُ: الظاهرُ أنَّ المراد به عقدُ مبادلةٍ إلخ) كأنَّ ذلك من لفظ عقد - فإنّه الإيجابُ والقبول، والهبةُ
ركُها الإِيجاب بالنسبة للواهب وإن لم يوجد قبولٌ، ولذا حَنِثَ في يمينه لا يهبُ بالإيجاب بدون قبولٍ -
أو من كون الهبة من مكارم الأخلاق وتُورِثُ التوادُدَ والائتلافَ بين المسلمين، فلم تخرج عن كونها
عبادةً، والمسجدُ محلٌّ لها، تأمَّل.
= ومسلم (٥٦٤)(٧٣) كتاب المساجد - باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو نحوها، وأبو داود (٣٨٢٢)
كتاب الأطعمة - باب في أكل الثوم، والطبرانيّ في"الأوسط" (٩٣٤٧)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٧٧/٣ كتاب
الصلاة - باب الدليل على أن أكل ذلك غير حرام، وابن خزيمة (١٦٦٤) كتاب الصلاة - باب النهي عن إتيان
المساجد لآكل الثوم، والطّحَاوِيّ في "شرح معاني الآثار"٢٤٠/٤ كتاب الكراهية - باب أكل الثوم والبصل
والكراث. كلُّهم من حديث جابر رضاُه مرفوعاً.
(١) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب الأول - الفصل الثالث في أحكام المسجد والسلام ق ١٣/ب.
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ق٦٦/ب.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث - القول في أحكام المسجد صـ ٤٤٠ -.
(٤) المقولة [١١١٢٤] قوله: ((في مسجد)).

قسم العبادات
٢١٨
حاشية ابن عابدين
الدنيا، وفي صلاة "الجلاَّبي": ((الكلامُ المباح من حديث الدنيا يجوزُ في المساجد وإنْ كان الأَولى
أن يشتغلَ بذكر الله تعالى))(١)، كذا في "التمرتاشيٍّ"(٢)، "هنديَّة"(٣). وقال "البيري" ما نصُّهُ:
((وفي "المدارك"(٤): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ﴾ [لقمان -٦] المرادُ بالحديث الحديثُ
المنكرُ كما جاءَ: ((الحديثُ في المسجد يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ البهيمة الحشيشَ))(٥) انتهى. فقد
أفادَ أنَّ المنعِ خاصٌّ بالمنكر مِن القول، أمَّا المباحُ فلا، قال في "المصفّى": الجلوسُ في المسجد
للحديث مأذونٌ شرعاً؛ لأنَّ أهل الصُّفَّة كانوا يلازمون المسجدَ، وكانوا ينامون ويتحدَّثُون، ولهذا
لا يحلُّ لأحدٍ منعُهُ، كذا في "الجامع البرهانيِّ". أقولُ: يُؤخَذُ من هذا أنَّ الأمر الممنوع منه إذا وُجِدَ
بعد الدخول بقصدِ العبادة لا يتناولُهُ)) اهـ.
(قولُهُ: وقال "البيري" ما نصُّهُ: وفي "المدارك" إلخ) لا تنافي بين ما في "الشارح" وما نقلَهُ المحشِّي،
وذلك بأنْ تُقيَّدَ عبارة "الجلابيِّ" بما إذا لم يجلس لأجلِ الحديث، ويُحمَلَ ما أفاده في "المدارك": ((من أنَّ
المنع خاصٌّ بالمنكر)) على المنع على سبيل الكراهة التحريميَّة، وأمَّا المباحُ فيكره كراهةَ تنزيهٍ بالقيدِ المذكور
في "الظهيريَّة"، ويُحمَل ما في "المصفّى" على ما إذا لم يجلس لأجله، ويشهدُ له تعليلُهُ بحالٍ أهل الصفّة،
فإنَّهم ما جلسوا إلاَّ للعبادة، وقولُهُ في "المصفَّى": ((للحديث)) اللامُ فيه لمجرَّدِ التعدية لا للتعليل.
(قولُهُ: يُؤْخَذُ من هذا أنَّ الأمر إلخ) أي: مما تقدَّمَ من حال أهل الصفّة أنَّ الأمر الممنوع منه كالنوم
والأكل لا يتناولُهُ المنعُ، لكن فيه أنَّهم وإن كانوا يأكلون وينامون بعد دخولهم فهم غيرُ ممنوعين عن
ذلك؛ لأنّنا جوَّزنا لهم ذلك لتحقُّقِ الضرورة فيهم وهي الفقر، فلا يقال في حقِّ غيرهم كذلك إلاَّ
في الكلام، فالکلُّ مستوون في حکمه.
(١) من ((المباح)) إلى ((تعالى)) ساقط من "الأصل".
(٢) أي: شرح الإمام التمرتاشيّ (ت ٦١٠هـ) على الجامع الصغير للإمام محمد، وتقدمت ترجمته ٥١٦/١.
(٣) "الفتاوى الهندية": كتاب الكراهية ٣٢١/٥ باختصار.
(٤) "مدارك التنزيل وحقائق التأويل": تفسير سورة لقمان ٤٠٤/٣ وهو لأبي البركات عبد الله بن أحمد، حافظ الدين
النّسفيّ(ت٧١٠هـ) ("كشف الظنون" ١٦٤٠/٢، "الطبقات السنية"١٥٤/٤).
(٥) ذكره الشوكاني في "الفوائد المجموعة" صـ٢٥-، وقال: ((قال الفيروزآ بادي: لم يوجد))، والعجلوني في "كشف
الخفاء" ٣٥٤/١ (١١٢١)، وقال: ((قال القارِي نقلاً عن "المختصر": إنه لم يوجد. اهـ)).

الجزء الرابع
باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
-
٢١٩
((الإِطلاقُ أوجهُ))، وتخصيصُ مكان لنفسه، وليس له إزعاجُ غيره منه ولو مدرِّساً،
[٥٥٨٢] (قولُهُ: الإِطلاقُ أوجهُ) بحثٌ مخالفٌ للمنقول مع ما فيه [٢/ق٣٩/أ] من شدَّةٍ
الحرج، "ط" (١).
[٥٥٨٣] (قولُهُ: وتخصيصُ مكانٍ لنفسه) لأَنَّه يُخِلُّ بالخشوع، كذا في "القنية"(٢)، أي: لأنّه
إذا اعتادَهُ ثُمَّ صلَّى في غيره يبقى بالُهُ مشغولاً بالأوَّلِ بخلاف ما إذا لم يَأَلَفْ مكاناً معيَّناً.
٠ [٥٥٨٤] (قولُهُ: وليس له إلخ) قال في "القنية"(٣): ((له في المسجد موضعٌّ معَيَّنٌ يواظبُ عليه
وقد شغَلَهُ غيرُهُ قال "الأوزاعيُّ": له أنْ يُزْعِجَه، وليس له ذلك عندنا)) اهـ. أي: لأنَّ المسجد ليس
مِلكاً لأحدٍ، "بحر "(٤) عن "النهاية".
قلتُ: وينبغي تقييدُهُ بما إذا لم يَقُمْ عنه على نَّةِ العَوْدِ بلا مُهلةٍ كما لو قام للوضوء مثلاً،
ولا سيَّما إذا وضَعَ فيه ثوبَهُ لتحقُّقِ سبق يده، تأمَّل.
مطلبٌ فيمَن سبَقَتْ يدُهُ إلى مباحٍ
وفي "شرح السير الكبير" لـ "السرخسيٍّ"(٥): ((وكذا كلُّ ما يكونُ المسلمون فيه سواءً
كالنزول في الرِّباطات، والجلوسِ في المساجد للصلاة، والنزولِ بمنى أو عرفاتٍ للحجِّ، حتّى
لو ضرَبَ فُسطاطَهُ في مكانٍ كان ينزلُ فيه غيرُهُ فهو أحقُّ، وليس للآخرِ أنْ يُحوِّلَه، فإنْ أَخَذَ
موضعاً فوق ما يحتاجُهُ فللغيرِ أخذُ الزائدِ منه، فلو طلَبَ ذلك منه رجلان فأرادَ إعطاءَ أحدهما
دون الآخر فله ذلك، ولو نزَلَ فيه أحدُهما فأراد الذي أخَذَهُ أوَّلاً - وهو غنيٌّ عنه - أنْ يُنزِلَ فيه
آخرَ فلا؛ لأَنّه اعترَضَ على يدِهِ يدٌ أخرى مُحِقّةٌ لاحتياجها، إلاّ إذا قال: إنما كنتُ أخذتُهَ لهذا
الآخرِ بأمره لا لنفسي، فإذا حلَفَ على ذلك له إخراجُهُ؛ لأَنَّه تبيَّنَ أنَّ يده فيه كانت يدَ آمِرِه،
وحاجةُ الآمِر تمنعُ غيرَهُ من إثباتِ اليد عليه)) اهـ ملخَّصاً.
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٨/١.
(٢) "القنية": كتاب الكراهية ق٦٦/أ.
(٣) "القنية": كتاب الكراهية ق٦٦/أ.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٣٦/٢.
(٥) لم نعثر على هذا النقل في مطبوعة "شرح السير" التي بين أيدينا.

قسم العبادات
٢٢٠
حاشية ابن عابدين
وإذا ضاقَ فللمصلِّي إزعاجُ القاعد ولو مشتغلاً بقراءةٍ أو درسٍ، بل ولأهلِ المحلّةِ
منعُ مَن ليس منهم عن الصلاة فيه، ولهم نصبُ مُتْوَلٍّ، وجعلُ المسجدين واحداً،
وعكسُهُ لصلاةٍ لا لدرسٍ أو ذكرٍ، في المسجدِ عظةٌ وقرآنٌ فاستماعُ العِظَةِ أَولى، ...
قال "الخير الرمليُّ": ((ومثلُ المسجد مقاعدُ الأسواق التي يَتَّخذُها المحترفون، مَن سَبَقَ لها
فهو الأحقُّ بها، وليس لَتَّخذِها أنْ يُزِجَه؛ إذ لا حقَّ له فيها ما دام فيها (١)، فإذا قامَ عنها استوى
هو وغيرُه فيها، ومذهبُ الشافعيّة بخلافه كما نصُّوا عليه في كتبهم)) اهـ. والمرادُ بها التي لا تضرُّ
العامَّةَ، وإلاَّ أزعَجَ القاعدَ فيها مطلقاً.
[٥٥٨٥] (قولُهُ: وإذا ضاقَ إلخ) أقولُ: وكذا إذا لم يَضِقْ، لكنْ في قعوده قطعٌ للصفِّ.
[٥٥٨٦] (قولُهُ: بل ولأهلِ المحَلَّةِ إلخ) قال في "القنية"(٢): ((وكذا لأهلِ المحَلَّةِ أنْ يمنعوا مَنْ
ليس منهم عن الصلاة فيه إذا ضاقَ بهم المسجدُ)) اهـ.
[٥٥٨٧] (قولُهُ: ولهم نَصْبُ مُتُوَلٍ) [٢/ق٣٩/ب] أي: ولو بلا نَصْبِ قاضٍ كما قدَّمناه(٣)
عن "العناية".
[٥٥٨٨] (قولُهُ: لا لدَرْسٍ أو ذِكْرٍ) لأَنَّه ما يُنِيَ لذلك وإنْ جاز فيه، كذا في "القنية" (٤).
[٥٥٨٩] (قولُهُ: فاستماعُ العِظَةِ أَولى) الظاهرُ أنَّ هذا خاصٌّ بمن لا قدرةَ له على فهمِ الآيات
القرآنَّة، والتدُّرِ في معانيها الشرعيّة، والاتعاظِ بمواعظها الحكميّة؛ إذ لا شكَّ أنَّ مَن له قدرةٌ على
ذلك يكونُ استماعُهُ أَولى بل أوجبَ بخلاف الجاهل، فإنَّه يَفْهَمُ من المعلِّم والواعظ ما لا يَفهمُهُ
من القارئ، فكان ذلك أنفعَ له.
(١) ((ما دام فيها)) ساقطة من"الأصل".
(٢) "القنية": كتاب الكراهية ق٦٦/أ.
(٣) المقولة [٥٥٣٣] قوله: ((إلا لخوف على متاعه)).
(٤) "القنية": كتاب الكراهية ق٦٦/أ.

الجزء الرابع
٢٢١
باب الوتر والنوافل
ولا ينبغي الكتابةُ على جدرانِهِ، ولا بأسَ برمىٍ عشِّ خَفَاشٍ وَحَمَامٍ لتنقيته.
﴿بابُ الوتر والنوافل﴾
كلُّ سنَّةٍ نافلةٌ.
[٥٥٩٠] (قولُهُ: ولا ينبغي الكتابةُ على جدرانِهِ) أي: خوفاً من أنْ تَسقُطَ وتُوطَأَ، "بحر "(١) عن
"النهاية".
[٥٥٩١] (قولُهُ: خُفَّاشٌ) كُرُمَّانِ: الوَطْواطُ، "قاموس"(٢).
[٥٥٩٢] (قولُهُ: لَتَنْقِيتِهِ) جوابُ سؤالٍ حاصلُهُ: أَنَّهِوَ﴿ قال: ((أَقِرُّوا الطيرَ على
مكناتِها(٣)، فإزالةُ العُشرِّ مخالفةٌ للأمر، فأجابَ: ((بأَنَّه للتَّقيةِ))، وهي مطلوبةٌ، فالحديثُ
مخصوصٌ بغير المساجد، "ط"(٤).
﴿بابُ الوتر والنوافل﴾
الوِتِرُ بفتح الواو وكسرها ضدُّ الشفع، والنوافلُ جمعُ نافلةٍ، والتفلُ في اللغة: الزيادةُ، وفي
الشريعة: زيادةُ عبادةٍ شُرِعَتْ لنا لا علينا، "ط " (٥).
[٥٥٩٣] (قولُهُ: كلُّ سَنَّةٍ نافلةٌ) قدَّمنا (٦) قبل هذا البابِ في آخر المكروهات تقسيمَ السنّة
(قولُهُ: أَقِرُّوا الطيرَ على مَكِنَاتِها) أي: بيضِها بكسر الكاف وضمِّها، والله أعلم.
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٤٠/٢ بتصرف يسير.
(٢) "القاموس": مادة((خفش)).
(٣) في النسخ جميعها "مكانتها" بتقديم الألف على النون، وما أثبتناه من "ط"، وهو الموافق للروايات ونسخة الرافعي،
والحديث أخرجه الطّالسيّ (١٦٣٤)، والُحُمَيدي (٣٤٧)، وأحمد ٣٨١/٦، وأبو داود (٣٨٣٥) كتاب الأضاحي -
باب في العقيقة، والطّحَاوِيّ في "شرح مشكل الآثار" ٣٤٢/١، ٣٤٣، والطبرانيّ في "الكبير"٤٠٧/٢٥، والحاكم
في "المستدرك" ٢٣٧/٤، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبيّ، والبيهقيّ في "السنن
الكبرى" ٣١١/٩ كتاب الضحايا - باب أقِرُّوا الطير على مكاناتها، والبغويّ في "شرح السنة" (٢٨١٨)، وابن
حبان (٦١٢٦) كتاب العدوى والطّرة والفأل، وأورده الهيثميّ في "المجمع" ١٠٦/٥ وقال: رواه الطبرانيّ بأسانيد
ورجال أحدهما ثقات. كلُّهم من حديث أم كُرْزِ الكَعْبِيّة رضي الله عنها مرفوعاً.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة ٢٧٨/١ بتصرف يسير.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٧٩/١.
(٦) المقولة [٥٥٠٧] قوله: ((وترك كل سنة ومستحب)).

قسم العبادات
٢٢٢
حاشية ابن عابدين
ولا عكسَ (هو فرضٌ عملاً.
٤٤٥/١ إلى مؤكّدةٍ وغيرها، وبسطنا(١) ذلك أيضاً في سنن الوضوء، والكلُّ يُسمَّى نافلةً؛ لأَنَّه زيادةٌ
على الفرض لتكميله، ومرادُهُ الاعتذارُ عن ترك التصريح بالسنن في الترجمة مع أنَّ الباب
معقودٌ لبيانها أيضاً.
[٥٥٩٤] (قولُهُ: ولا عكسَ) أي: لغويًّاً؛ لأنَّ الفقيه بِمَعزل عن النظر إلى القواعد المنطقيّة،
فالمرادُ: وليس كلُّ نافلةٍ سنَّةً، فإنَّ كلَّ صلاةٍ لم تُطلَبْ بعينِها نافلةٌ وليست بسنَّةٍ، بخلاف ما طُلِبَتْ
بعينها كصلاة الليل والضُّحى مثلاً، فافهم.
مطلبٌ في الفرض العِلْميِّ والعَمليِّ والواجب
[٥٥٩٥] (قولُهُ: هو فرضٌ عملاً) أي: يُفترَضُ عملُهُ، أي: فعلُهُ، بمعنى أنَّه يُعامَلُ معاملةً
الفرائض في العمل، فيأثمُ بتركه، ويَقُوتُ الجوازُ بِفَوْته، ويجبُ ترتيبُهُ وقضاؤه ونحوُ ذلك، فقولُهُ:
((عملاً)) تميزٌ محوَّلٌ عن الفاعل.
واعلمْ أنَّ الفرض نوعان: فرضٌ عَمَلاً وعلماً، وفرضٌ عملاً فقط، فالأوَّلُ كالصلوات الخمس،
فإنّها فرضٌ من جهةِ العمل، لا يحلُّ تركُها، ويقُوتُ الجوازُ بفوتها، بمعنى [٢/ق٤٠/أ] أَنَّه لو ترَكَ
واحدةً منها لا يصحُّ فعلُ ما بعدَها قبل قضاءِ المتروكة، وفرضٌ من جهةِ العلم والاعتقاد، بمعنى أنّه
يُفترَضُ عليه اعتقادُها، حتَّى يُكَفَرُ بإنكارها، والثاني كالوتر، فإنَّه فرضٌ عملاً كما ذكرناه(٢)،
وليس بفرضٍ عِلْماً، أي: لا يُفترَضُ اعتقادُهُ، حَتَّى إنّه لا يُكَفَرُ منكرُهُ؛ لظَنِّيّةِ دليله وشبهةِ
الاختلاف فيه، ولذا يُسمَّى واجباً، ونظيرُهُ مسحُ ربع الرأس، فإنَّ الدليل القطعيَّ أفاد أصلَ المسح،
وأمَّا كونُهُ قَدْرَ الربع فإِنَّه ظَنِّيِّ، لكنّه قامَ عند المجتهد ما رجَّحَ دليلَهُ الظّنّيَّ حَتَّى صار قريباً من
القطعيِّ، فسمَّاه فرضاً، أي: عَمَلًَّ، بمعنى أنَّه يلزمُ عملُهُ، حَتَّى لو ترَكَهُ ومسَحَ شعرةً مثلاً يفُوتُ
الجوازُ به، وليس فرضاً عِلْماً، حتَّى لو أنكَرَهُ لا يُكَفَرُ، بخلاف ما لو أنكَرَ أصلَ المسح، وبه عُلِمَ
أنَّ الواجب نوعان أيضاً؛ لأَنّه كما يُطلَقُ على هذا الفرضِ الغيرِ القطعيِّ يُطلَقُ على ما هو دونه
(١) المقولة [٨٢٩] قوله: ((وسننه)).
(٢) في المقولة نفسها.

الجزء الرابع
٢٢٣
باب الوتر والنوافل
وواجبٌ اعتقادً وسنّةٌ ثبوتاً) بهذا وفَّقوا.
في العمل وفوقَ السنَّة، وهو ما لا يفُوتُ الجوازُ بفوته كقراءة الفاتحة، وقنوت الوتر، وتكبيرات
العيدين، وأكثرِ الواجبات مِن كلِّ ما يُجَبَرُ بسجود السهو، وقد يُطلَقُ الواجبُ أيضاً على الفرض
القطعيِّ كما قدَّمناه(١) عن "التلويح" في بحث فرائض الوضوء، فراجعه.
[٥٥٩٦] (قولُهُ: وواجبٌ اعتقاداً) أي: يجبُ اعتقادُهُ، وظاهرُ كلامهم أَنَّه يجبُ اعتقادُ وجوبه؛
إذ لو لم يَجِبْ عليه اعتقادُ وجوبِهِ لَما أمكنَ إيجابُ فعله؛ لأَنَّه لا يجبُ فعلُ ما لا يعتقدُهُ واجباً،
ولذا أشكَلَ قولُهما بسنَّتِهِ ووجوبِ قضائه كما يأتي(٢)، ويدلُّ عليه أيضاً قولُ الأصولِيِّين في
الواجب: إنَّ حكمه اللزومُ عَمَلاً لا عِلْماً على اليقين، فقولهم: على اليقين يفيدُ أنَّ حكمه اللزومُ
عَمَلاً وعِلْماً على الظنِّ، فيلزمُهُ أنْ يَعلَمَ ظَنْته، أي: أنَّه واجبٌ، وإلاَّ لَغَا قولُهم: على اليقين،
وحينئذٍ فُشكِلُ قولُ "الزيلعيِّ(٣): ((إنَّ اعتقاد الوجوبِ ليس بواجبٍ على الحنفيِّ))، إلاَّ أنْ يُجابَ
بأنَّ المراد ليس بفرضٍ، حتَّى لو لم يَعتقِدْ وجوبَهُ لا يُكَفَرُ؛ لأنَّ الوجوب يُطلَقُ بمعنى الفرضِ
[٢ /ق ٤٠/ب] أيضاً كما مرَّ(٤)، فليتأمَّل.
[٥٥٩٧] (قولُهُ: وسنّةٌ ثُبُوتاً) أي: ثبوتُهُ عُلِمَ من جهةِ السنَّة لا القرآنِ، وهي قولُهُ ﴿: (الوترُ
حقٌّ، فمَن لم يُوتِرْ فليس مني)) قَالَهُ ثلاثاً، رواه "أبو داود" و"الحاكم" وصحَّحَهُ (٥)، وقولُهُ عَ﴾:
((أَوِرُوا قبل أنْ تصبحوا)) رواه "مسلمٌ)"(٦)، والأمرُ للوجوب، ....
(١) المقولة [٧٣٥] قوله: ((وقد يطلق إلخ)).
(٢) المقولة [٥٦٠٥] قوله: ((ولكنه يقضي)).
(٣) في "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١٧١/١.
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) أخرجه أبو داود (١٤١٩) كتاب الصلاة - باب فيمن لم يوتر، والحاكم ٣٠٦/١ وصححه، ووافقه الذهبيّ.
وأخرجه أحمد ٣٥٧/٥، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٤٧٠/٢ كتاب الصلاة - باب تأكيد صلاة الوتر. كلّهم من
حديث بُرَيدَة رَّهِ مرفوعاً.
(٦) أخرجه أحمد ١٣/٣ و٣٥ و٣٧ و٧١، ومسلم (٧٥٤) كتاب صلاة المسافرين - باب صلاة الليل مثنى مثنى،
والترمذيّ (٤٦٨) كتاب الصلاة - باب ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر، والنسائيّ في ٢٣١/٣ كتاب قيام الليل -
باب الأمر بالوتر قبل الصبح، وابن ماجه (١١٨٩) كتاب إقامة الصلاة - باب من نام عن وتر أو نسيه، =

قسم العبادات
٢٢٤
حاشية ابن عابدين
بين الروايات، وعليه (فلا يُكفّرُ) بضمَّ فسكونٍ، أي: لا يُنسَبُ إلى الكفرِ (جاحدُهُ
وتمامُهُ في "شرح المنية"(١).
[٥٥٩٨] (قولُهُ: بينَ الرواياتِ) أي: الثلاثِ المرويَّةِ عن "أبي حنيفة"، فإِنَّه رُوِيَ عنه أَنَّه فرضٌ،
وأَنّه واجبٌ، وأَنَّه سنّةٌ، والتوفيقُ أَولى من التفريق، فرجَعَ الكلُّ إلى الوجوب الذي مشى عليه في
"الكنز"(٢) وغيره، قال في "البحر"(٣): ((وهو آخرُ أقوال "الإِمام"، وهو الصحيحُ، "محيط".
والأصحُّ، "خانَّةُ (٤). وهو الظاهرُ من مذهبه، "مبسوط "(٥)) اهـ.
ثمَّ قال: ((وأمَّا عندهما فسنّةٌ عَمَلاً واعتقاداً ودليلاً، لكنّها اكدُ سائرِ السنن المؤقَّة)).
[٥٥٩٩] (قولُهُ: وعليه إلخ) أي: على ما ذُكِرَ من التوفيق، فإنَّه لو حُمِلَّتْ روايةُ الفرض على
ظاهرِها لَزِمَ إكفارُ جاحده، ولو حُمِلَتْ روايةُ الواجب على ظاهرِها - وهو كونُ المراد بالواجب
ما يَتبادَرُ منه، وهو ما لا يفُوتُ الجوازُ بفوته، ولا يُعامَلُ معاملةَ الفرض - لَزِمَ أنْ لا يفسُدَ الفجرُ
بتذكُّره ولا عكسُهُ، ولو حُمِلَتْ روايةُ السنَّة على ظاهرِها لَزِمَ أنْ لا يُقضَى، وأنْ يصحَّ قاعداً
وراكباً، ففي تفريعِ "المصنّف" لفٍّ ونشرٌ مرتَّبٌ، فافهم.
مطلبٌ في مُنكِرِ الوترٍ أو السنن أو الإجماع
[٥٦٠٠] (قولُهُ: فلا يُكفَرُ جاحدُهُ) أي: جاحدُ أصلِ الوتر اتّفاقً؛ لأنَّ عدم الإِكفار لازمُ
﴿بابُ الوتر والنوافل﴾
(قولُ "الشارح": بضمّ فسكونٍ إلخ) لا يلزمُ هذا الضبط إلاَّ أنَّه الأَولى؛ لأنَّ عدم الكفر حقيقةً
لا يعلمُهُ إلاّ الله تعالى، والمأمورُ به عدمُ النسبة إلى الكفر. اهـ "سندي".
- والدّارِميّ ٣٩٦/١ كتاب الصلاة - باب ما جاء في وقت الوتر، والحاكم ٣٠١/١، وقال: صحيح على شرط مسلم،
ولم يخرجاه، ووافقه الذهبيّ. كُلُّهم من حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ ◌َظُه مرفوعاً.
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في الوتر صـ ٤١١-٤١٢ -.
(٢) انظر "رمز الحقائق": كتاب الصلاة - باب الوتر ٥٤/١.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٤٠/٢.
(٤) لم نعثر عليها في المطبوعة التي بين أيدينا.
(٥) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب مواقيت الصلاة ١٥٥/١.

الجزء الرابع
٢٢٥
باب الوتر والنوافل
السنّيَّة والوجوبِ كما صرَّحَ به في "فتح القدير"(١)، "ح"(٢).
قلت: والمرادُ الجحودُ مع رسوخِ الأدب، كأنْ يكونَ لشبهةٍ دليلٍ أو نوعٍ تأويلٍ، فلا يُنافيه
ما يأتي (٣) من أَنَّه لو ترَكَ السننَ فإنْ رآها حقًّ أَثِمَ، وإلاَّ كُفِرَ؛ لأَنَّهم علَّلوه بأنَّه ترٌ استخفافاً كما
عزاه في "البحر"(٤) إلى "التجنيس" و"النوازل" و"المحيط"، ولقولِهِ في "شرح المنية"(٥): ((ولا يُكفّرُ
جاحدُهُ إلَّ إنِ استخَفَّ ولم يَرَهُ حقّاً على المعنى الذي مرَّ في السنن)) اهـ.
وأرادَ بما مرَّ هو أنْ يقول: هذا فعلُ النبيِ﴿ه وأنا لا أفعلُهُ.
ثُمَّ اعلمْ أنَّه قال [٢/ق ٤١ /أ] في "الأشباه"(٦): ((ويُكفَرُ بإنكارِ أصل الوتر والأضحية)) اهـ.
ومثلُهُ في "القنية"(٧)، ومفهومُهُ أنَّ المراد هنا جحودُ وجوبه، ويؤيِّدُهُ تعليلُ "الزيلعيِّ"(٨) بثبوتِهِ
(قولُهُ: ومفهومُهُ أنَّ المراد هنا جحودُ وجوبِهِ إلخ) لا حاجةَ إلى الحمل على إنكارِ الوجوب في عبارة
"المصنّف"، بل يُحمَلُ على إنكار أصل الوتر مع رسوخ الأدب كما أفاده عبارة "المنية" وغيرها، ومشى
"المحشِّي" عليه أوَّلاً، وجزَمَ به أخيراً بقوله: (( فينبغي الجزمُ بتكفير مُنكِرِها ما لم يكن عن تأويلٍ ))،
وتُحمَلُ عبارة "الأشباه" على ما إذا لم يكن الإنكارُ لشبهةٍ، وتعليلُ "الزيلعيِّ" لا يدلُّ على أنَّ
المراد إنكارُ الوجوب، فإنَّ أصل ثبوته بخبرِ الواحد وإن أجمَعَ الأمَّةُ عليه، ولهذا تجدُهم يُعلّلون وجوبه
بالأخبار الدالّة عليه لا بإجماع الأمَّة، وهكذا كثيرٌ من الأحكام الأصلُ فيها خبرُ الواحد ثُمَّ تُحمِعُ الأمَّةُ
عليها، ويُحمَلُ ما نقله عن بعض الشافعيّة على ما إذا أنكَرَ بلا تأويلٍ، وكذا حكمُ إنكار حكم الإجماع
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة الوتر ٣٧٠/١.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٩١/ب.
(٣) صـ ٢٨٦ - وما بعدها "در".
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٥٢/٢.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في الوتر صـ ٤١٣ -.
(٦) "الأشباه": كتاب السير صـ ٢٢١ -.
(٧) "القنية": كتاب الصلاة - باب في السنن ق١٩/أ.
(٨) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١٧٠/١.

قسم العبادات
٢٢٦
حاشية ابن عابدين
بخبر الواحد، فإنَّ الثابت بخبر الواحد وجوبُهُ لا أصلُ مشروعيَّتِهِ، بل هي ثابتةٌ بإجماع الأمَّة ومعلومةٌ
من الدِّين ضرورةً، وقد صرَّحَ بعضُ المحقّقين من الشافعيّة بأنَّ مَن أنكَرَ مشروعيّة السنن الراتبةِ أو
٤٤٦/١ صلاة العيدين يُكَفَرُ؛ لأَنّها معلومةٌ من الدين بالضّرورة، وسيأتي(١) في سنَّةِ الفجر أنَّه يُخشَى الكفرُ
على مُنكِرِها.
قلت: ولعلَّ المراد الإنكارُ بنوعٍ تأويلٍ، وإلاّ فلا خلافَ في مشروعيّتها، وقد صرَّحَ في
"التحرير"(٢) في باب الإجماع: ((بأنَّ مُنكِرَ حكمِ الإجماع القطعيِّ يُكَفَرُ عند الحنفيَّةِ وطائفةٍ، وقالت
طائفةٌ: لا))، وصرَّحَ أيضاً: ((بأنَّ ما كان من ضروريَّاتِ الدِّين - وهو ما يَعرِفُ الخواصُّ والعوامُّ أَنَّه
من الدِّين كوجوبِ اعتقاد التوحيد والرسالة والصلوات الخمس وأخواتها (٣) - يُكَفَرُ منكرُهُ، وما لا فلا
كفسادِ الحجِّ بالوطء قبل الوقوف وإعطاءِ السدسِ الجدَّةَّ ونحوِهِ، أي: مما لا يَعرِفُ كونَهُ
من الدِّين إلَّ الخواصُّ))، ولا شبهةَ أنَّ ما نحن فيه من مشروعيَّةِ الوتر ونحوِهِ يَعَلَمُ الخواصُّ والعوامُّ
في أصول الدِّين كوجوب اعتقاد التوحيد والرسالة والصلوات الخمس وأخواتها، ولا ينفعُ التأويل فيها،
هذا ما ظهر في هذه المسألة، فتأمَّله. ثمَّ بعد ذلك رأيتُ "السنديّ" ذكَرَ عند قول "المصنّف": ((ويُخشَى
الكفرُ على مُنكِرِها)) عن "أبي السعود" ما نصُّهُ: ((فإن قلت: كيف لا يُكَفَرُ بجحودِ الوتر مع انعقاد
الإجماع على مشروعيَّه؟! قلت: قال "الزيلعيُّ": إنما لم يُكفَر جاحده لأَنَّه ثبَتَ بخبر الواحد، فلا يَعرَى
عن شبهةٍ)) اهـ. وفيه: ((أنَّ إنكار المجمعِ عليه المعلومِ من الدين ضرورةً كفرٌ، ولم يفصِّلوا بين ما ثبت
بخبرِ الواحد وغيره، قال "اللقائيُّ":
ومَن لمعلوم ضرورةَ جَحَدْ
من دِينِنا يُقتَلُ كفراً ليس حَدْ
ولعلّها طريقةُ الأشاعرة، والماتريديَّةُ يُفصِّلون بما قال "الزيلعيُّ"، قلت: هو كذلك كما نَصَّ عليه
في "الدرر" وغيرها )) اهـ.
(١) المقولة [٥٧٠٣] قوله: ((ويخشى الكفر على منكرها)).
(٢) "التحرير": الإجماع - مسألة منكر الإجماع القطعي صـ ٤١٣ -.
(٣) من ((وهو ما يعرف)) إلى ((وأخواتها)) هو كلام ابن أمير حاج في "التقرير والتحبير" شرح "التحرير" ١١٣/٣.

الجزء الرابع
٢٢٧
باب الوتر والنوافل
وتذكُّرُه في الفجرِ مُفسِدٌ له كعكسِهِ) بشرطِهِ خلافاً لهما (و) لكنَّه (يُقضَى).
أنَّها من الدِّين بالضرورة، فينبغي الجزمُ بتكفير مُنكِرِها ما لم يكن عن تأويلٍ بخلافٍ تركها، فإنَّه إنْ
كان عن استخفافٍ كما مرَّ(١) يُكَفَرُ، وإلاَّ ـ بأنْ يكونَ كسلاً أو فسقاً بلا استخفافٍ - فلا، هذا
ما ظهَرَ لي، والله أعلم.
[٥٦٠١] (قولُهُ: مُفسِدٌ له) أي: للفجرِ، والفجرُ غيرُ قيدٍ، بل هو مثالٌ.
[٥٦٠٢] (قولُهُ: كعكسِهِ) وهو تذكُّرُ الفرض فيه، "ح"(٢).
[٥٦٠٣] (قولُهُ: بشرطِهِ) وهو عدمُ ضيق الوقت، وعدمُ صيرورتها ستّاً، وأمَّا عدمُ النسيان
فلا يصحُّ هنا؛ لأنَّ فرْضَ المسألة فيما إذا تذكَّرَهُ في الفجر أو تذكَّرَ الفجرَ فيه، "رحمتي"، فافهم.
[٥٦٠٤] (قولُهُ: خلافاً لهما) فلا يَحكُمان بالفساد؛ لأنَّه سنَّةٌ عندهما، "ط)" (٣).
(٥٦٠٥] (قولُهُ: ولكنَّه يُقَضَى) لا وجهَ للاستدراك على قول "الإِمام"، وإنما أتى به نظراً إلى
قوله: ((اتفاقاً)) بعد حكايتِهِ الخلافَ فيما قبله، أي: إنَّه يُقضَى وجوباً اتفاقاً، أمَّا عنده فظاهرٌ، وأمَّا
عندهما - وهو ظاهرُ الرواية عنهما - فلقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن نامَ عن [٢/ق ٤١/ب] وترٍ
أو نَسِيَهُ فليصلِّهِ إذا ذكَرَهُ))(٤) كما في "البحر"(٥) عن "المحيط"، واستشكّلَهُ في "الفتح"(٦)
(١) في المقولة السابقة.
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٩١/ب بتصرف.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٧٩/١.
(٤) أخرجه أحمد ٣١/٣ و٤٤، وأبو داود (١٤٣١) كتاب الصلاة - باب في الدعاء بعد الوتر، والترمذيّ(٤٦٥) كتاب
الصلاة - باب ما جاء في الرجل ينام عن الوتر أو ينساه، وابن ماجه (١١٨٨) كتاب إقامة الصلاة - باب من نام عن
وتر أو نسيه، والحاكم في "المستدرك" ٣٠٢/١، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبيّ،
والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٤٨٠/٢ كتاب الصلاة - باب من قال يصليه متى ذكره. كلُّهم من حديث أبي سعيد
الخَدْريّ ◌َظُّه مرفوعاً.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٤١/٢، وقوله: ((وهو ظاهر الرواية عنهما)) نقله عن"الكافي".
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة الوتر ٣٧٢/١.

قسم العبادات
٢٢٨
حاشية ابن عابدين
ولا يصحُّ قاعداً ولا راكباً اتّفاقاً.
(وهو ثلاثُ ركعاتٍ بتسليمةٍ) كالمغرب،.
و "النهر"(١): ((بأنَّ وجوبَ القضاء فرعُ وجوبِ الأداء))، وأجاب في "البحر" بما ذُكِرَ عن
"المحيط".
قلت: ولا يخفى ما فيه، فإنَّ دلالة الحديث على وجوبِ القضاء مما يُقوِّي الإِشكالَ، إلاَّ أنْ
يُجابَ بأَنَّهما لَمَّا ثبَتَ عندهما دليلُ السنّة قالا به، ولَمَّا تَبَتَ دليلُ القضاء قالا به أيضاً اتباعاً
للنصِّ وإِنْ خالَفَ القياس.
[٥٦٠٦] (قولُهُ: ولا يصحُّ إلخ) لأنَّ الواجباتِ لا تصحُّ على الراحلة بلا عذرٍ، وعندهما وإنْ
كان سنّةً لكنْ صحَّ عن النبيِ ﴿َ: «أَنَّه كان يتنفَّلُ على راحلِتِهِ من غيرِ عذرٍ في الليل، وإذا بَلَغَ
الوترَ نزَلَ فُيُوتِرُ على الأرض»(٢)، "بحر"(٣) عن "المحيط". والقعودُ كالركوب.
[٥٦٠٧] (قولُهُ: اتفاقاً) راجعٌ للمسائلِ الثلاث، "ح"(٤). وإنما الخلافُ في خمسٍ: في تذكُّرِهِ في
الفرض، وعكسِهِ، وفي قضائِهِ بعد طلوع الفجر، وصلاةِ العصر، وإعادتِهِ بفساد العشاء،
"خزائن"(٥). أي: فإنّه على القولِ بسنَّتِهِ لا يلزمُ فسادُ الفرض ولا فسادُهُ بالتذكُّرِ، ولا يُقضَى فِي
الوقتين المذكورين، ويعادُ لو ظهَرَ فسادُ العشاء دونه.
[٥٩٠٨] (قولُهُ: كالمغربِ) أفادَ به أنَّ القعدة الأُولى فيه واجبةٌ، وأَنَّه لا يصلّي فيها على
النبي ◌ُ ◌ّ، "ط "(٦).
(١) "النهر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٦٦/ب.
(٢) أخرجه أحمد ٤/٢، وابن أبي شيبة ٢٠٢/٢ كتاب صلاة التطوع والإمامة - باب من كره الوتر على الراحلة،
والطّحَاوِيّ في "شرح معاني الآثار" ٤٢٩/١، والدار قطنيّ ٢١/٢ كتاب الوتر - باب صفة الوتر وأنه ليس بفرض.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٤١/٢ بتصرف يسير.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٩١/ب.
(٥) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ١٢٤/ب.
(٦) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٨٠/١.

الجزء الرابع
٢٢٩
باب الوتر والنوافل
حتّى لو نَسِيَ القعودَ لا يعودُ، ولو عادَ ينبغي الفسادُ كما سيجيءُ (و) لكنّه (يقرأُ
.........
في كلِّ ركعةٍ منه فاتحة الكتاب وسورةً) احتياطاً، والسنَّةُ السورُ الثلاثُ،.
[٥٦٠٩] (قولُهُ: حتّى لو نَسِيَ) تفريعٌ على قوله: ((كالمغرب))، ولو كان كالنفل لعادَ قبل أنْ
يُقِّدَ ما قام إليه بالسجود؛ لأنَّ كلَّ ركعتين من النغل صلاةٌ على حدةٍ، "ط" (١).
[٥٦١٠] (قولُهُ: لا يعودُ) أي: إذا استَمَّ قائماً لاشتغالِهِ بفرض القيام.
[٥٦١١] (قولُهُ: كما سيجيءُ)(٢) أي: في باب سجود السهو، لكنَّه رجَّحَ هناك عدمَ الفساد،
ونقَلَ عن "البحر"(٣): ((أَنَّه الحقُّ)).
[٥٦١٢] (قولُهُ: ولكنَّه) استدراكٌ على ما يُتوهَّمُ من قوله: ((كالمغرب)) من أنّه لا يقرأ السورةَ
في ثالثته.
[٥٦١٣] (قولُهُ: احتياطاً) أي: لأنَّ الواجب تردَّدَ بين السنَّة والفرض، فبالنظرِ إلى الأوَّلِ تَجبُ
القراءةُ في جميعه، وبالنظرٍ إلى الثاني لا، فتجبُ احتياطً، "شرح المنية" (٤).
[٥٦١٤] (قولُهُ: والسنَّةُ السورُ الثلاثُ) أي: الأعلى والكافرون والإخلاص، لكنْ في "النهاية":
((أنَّ التعيين على الدوام يُفضي إلى اعتقادِ بعض الناس أَنَّه واجبٌ، وهو لا يجوزُ، فلو قرأ بما ورَدَ
[٢/ق ٤٢ /أ] به الآثارُ أحياناً بلا مواظبةٍ يكون حسناً))، البحر "(٥). وهل ذلك في حقِّ الإِمام فقط،
أو إذا رأى ذلك حتماً لا يجوزُ غيرُهُ؟ قدَّمنا(٦) الكلامَ فيه قبيل باب الإمامة.
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٨٠/١.
(٢) صـ ٤٩١- وما بعدها "در".
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب سجود السهو ١٠٩/٢ وما بعدها.
(٤) "شرح المنية الكبير": فصل في الوتر صـ ٤١٣ -.
(٥) نقول: ((عبارة "النهاية" كما في "البحر" ٤٦/٢: ((والتعيين على الدوام يفضي إلى اعتقاد بعض الناس أنه واجب،
وأنه لا يجوز غيره))، وليس فيها ما قاله ابن عابدين رحمه الله: ((وهو لا يجوز))، والفرق بينهما: أن عبارة "النهاية"
تفيد أن التعيين على الدوام يفضي إلى أمرين: اعتقاد وجوب قراءة المعين، وعدم جواز غيره، على حين أفادت
عبارة ابن عابدين أن التعيين على الدوام يؤدي إلى اعتقاد وجوبه، وأن اعتقاد الوجوب غير جائز)).
(٦) المقولة [٤٥٩٢] قوله: ((بل يندب قراءتهما أحياناً)).

قسم العبادات
٢٣٠
حاشية ابن عابدين
وزيادةُ المعوِّذتين لم يَختَرْها الجمهورُ (ويُكِّرُ قبلَ ركوعٍ ثالثِهِ رافعاً يديه).
[٥٦١٥] (قولُهُ: وزيادةُ المعوِّذتين إلخ)(١) أي: في الثالثة بعد سورة الإخلاص، قال في
"البحر"(٢) عن "الحلبة"(٣): ((وما وقَعَ في السنن(٤) وغيرها من زيادة المعوّدتين أنكَرَها الإِمامُ "أحمدُ"
و "ابن معينٍ"، ولم يَخْتَرْها أكثرُ أهل العلم كما ذكَرَهُ "الترمذيُّ" (٥)) اهـ.
[٥٦١٦] (قولُهُ: ويُكبِّرُ) أي: وجوباً، وفيه قولان كما مرَّ(٦) في الواجبات، وقدَّمنا هناك عن
"البحر": ((أَنّ ينبغي ترجيحُ عدمه)).
[٥٦١٧] (قولُهُ: رافعاً يديه) أي: سنَّةً إلى حذاء أذنيه كتكبيرة الإحرام، وهذا - كما في
"الإمداد"(٧) عن "مجمع الروايات" - : ((لو في الوقت، أمَّا في القضاء عند الناس فلا يَرفَعُ حتَّى
لا يَطَّلِعَ أحدٌ على تقصیرہ)) اهـ.
(١) في"د" زيادة: ((روى الإمام أبو حنيفة في "مسنده": أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الأولى بـ (سبح اسم ربك
الأعلى)، وفي الثانية (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثالثة(قل هو الله أحد).)).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٤٢/٢.
(٣) "الحلبة": الوتر ٢/ق ٢١٠/أ.
(٤) أخرجه أحمد في "مسنده" ٢٢٧/٦، وأبو داود (١٤٢٤) كتاب الصلاة - باب ما يقرأ في الوتر، والترمذيّ(٤٦٣)
كتاب الصلاة - باب ما جاء فيما يُقْرَأُ به في الوتر، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه (١١٧٣) كتاب
إقامة الصلاة - باب ما جاء فيما يُقْرَأ في الوتر، والدار قطنيّ في "السنن" ٣٥،٣٤/٢ كتاب الوتر - باب ما يقرأ في
ركعات الوتر والقنوت، والحاكم في "المستدرك" ٥٢١،٥٢٠/٢ كتاب التفسير، والبيهقيّ في "السنن الكبرى"
٣٨،٣٧/٣ كتاب الصلاة - باب ما يقرأ في الوتر بعد الفاتحة، والبغويّ في "شرح السنة" (٩٧٣)(٩٧٤)، وابن حبان
في "صحيحه" (٢٤٣٢) (٢٤٤٨) كتاب الصلاة - باب الوتر. كلُّهم من حديث عائشة رضي الله عنها وقد سُئِلت:
بأي شيء كان يوتر رسول الله ﴿؟ فقالت: ((كان يقرأ في الأولى بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وفي الثانية
ب﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وفي الثالثة ب﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين))، وفي الباب عن أُبَيّ بن كعب، وأبي
هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن سَرْجِس، وعبد الرحمن بن أَبْزَى ◌َّه
(٥) انظر "سنن الترمذيّ" ٣٢٦/٢ كتاب الصلاة - باب ما جاء فيما يُقْرَأُ به في الوتر.
(٦) المقولة [٤٠١٠] ((قوله: وكذا تكبير قنوته)).
(٧) "الإِمداد": كتاب الصلاة - باب الوتر ق ٢٠٣/أ.

الجزء الرابع
٢٣١
باب الوتر والنوافل
كما مرَّ، ثمَّ يعتمدُ، وقيل: كالداعي (وقنَتَ فيه).
[٥٦١٨] (قولُهُ: كما مرَّ(١) أي: في فصلٍ إذا أراد الشروعَ في الصلاة عند قوله: ((ولا يُسَنُّ
رفعُ الیدین إلاَّ في سبعٍ)).
[٥٦١٩] (قولُهُ: ثُمَّ يعتمدُ) أي: يضعُ بِمينَهُ على يساره كما في حالة القراءة، "ح"(٢).
[٥٦٢٠] (قولُهُ: وقيل: كالداعي) أي: عن "أبي يوسف" أنَّه يرفعُهما إلى صدره وبطونُهما إلى
السماء، "إمداد"(٣). والظاهرُ أَنَّه يُبقيهما كذلك إلى تمام الدعاء على هذه الرواية، تأمَّل.
[٥٦٢١] (قولُهُ: وَقَنَتَ فيه) أي: في الوترِ، أو الضميرُ إلى ما قبلَ الركوع، واختَلَفَ المشايخُ في
حقيقةِ القنوت الذي هو واجبٌ عنده، فتقَلَ في "المجتبى(٤): ((أَنّ طولُ القيام دون الدعاء))، وفي
٤٤٧/١ "الفتاوى الصغرى" العكسُ، وينبغي تصحيحُهُ، "بحر"(٥). قال في "المغرب"(٦): ((وهو المشهورُ،
وقولُهم: دعاء القنوت إضافةُ بيانٍ)) اهـ. ومثلُهُ في "الإمداد"(٧).
ثمَّ القنوتُ واجبٌ عنده سنّةٌ عندهما كالخلاف في الوتر كما في "البحر"(٨) و"البدائع"(٩)،
لكنَّ ظاهر ما في "غرر الأفكار"(١٠) عدمُ الخلاف في وجوبه عندنا، فإنَّه قال: ((القنوتُ عندنا
واجبٌ، وعند "مالكٍ" مستحبٌّ، وعند "الشافعيِّ" من الأبعاضِ، وعند "أحمد" سنةٌ))، تأمَّل.
(قولُهُ: وعند "الشافعيِّ" من الأبعاض) هي ما ينجبرُ بسجود السَّهو كالتشهُّد؛ فإِنَّه سنّةٌ يَنجَبِرُ به
لا الهيئات کالتسبيح.
(١) ٣٥٢/٣ وما بعدها "در".
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ٩١/ب.
(٣) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الوتر ق٢٠٣/أ.
(٤) نقله عن"شرح المؤذني" كما بيَّنْه صاحب "البحر".
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٤٥/٢ باختصار.
(٦) "المغرب": مادة ((قنت)).
(٧) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الوتر ق ٢٠٤/أ.
(٨) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٤٣/٢.
(٩) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في الكلام على القنوت ٢٧٣/١.
(١٠) "غرر الأذكار": كتاب الصلاة - ذكر ما يتعلق بالوتر والقنوت ق٣٨/ب باختصار.

قسم العبادات
٢٣٢
حاشية ابن عابدين
ويُسَنُّ الدعاءُ المشهور، ويصلِّي على النبيِ لَ﴿، به يُفتَى،
[٥٦٢٢] (قولُهُ: ويُسَنُّ الدعاءُ المشهورُ) قدَّمنا (١) في بحث الواجبات التصريحَ بذلك عن
"النهر"(٢)، وذكَّرَ في "البحر "(٣) عن [٢/ق ٤٢/ب] "الكرخيّ": ((أنَّ القنوت ليس فيه دعاءٌ مؤقّتٌ؛
لأَنَّه رُوِيَ عن الصحابة أدعيةٌ مختلفةٌ، ولأنَّ المؤقّتَ من الدعاء يَذْهَبُ برقَّةِ القلب، وذكَرَ
"الإسبيجابيُّ": أنّه ظاهرُ الرواية، وقال بعضهم: المرادُ ليس فيه دعاءٌ مؤقّتٌ ما سوى: اللهمَّ إنّا
نستعينُكَ، وقال بعضهم: الأفضلُ التوقيتُ، ورجَّحَهُ في "شرح المنية(٤) تَبِرُّكاً بالمأثور)) اهـ.
والظاهرُ أنَّ القول الثاني والثالث مَتَّحدان، وحاصلُهما تقييدُ ظاهر الرواية بغيرِ المأثور كما
يفيدُهُ(٥) قول "الزيلعيِّ)"(٦): ((وقال في "المحيط" و"الذخيرة": يعني: من غيرِ قوله: اللهمَّ إنَّا نستعينُكَ
إلخ، واللهمَّ اهدِنا إلخ)) اهـ.
(قولُهُ: يذهبُ برقَّةِ القلبِ) ولأَنَّه لا يُؤقَّتُ في القراءة لشيءٍ من الصلوات، ففي دعاء القنوت أَولى.
(قولُهُ: والظاهرُ أنَّ القول الثاني إلخ) هذا خلافُ الواقع، بل هما متغايران، فإنَّ من قال: الأفضلُ
التأقيتُ علَّله بأنَّه ربما يجري على لسانه ما يشبهُ كلام الناس، فهذا يقتضي أنَّ الأفضل على هذا القول
الاقتصارُ على المأثور خوفاً من الوقوع في الفساد أيَّ مأثورٍ كان بخلافه على الثاني، فإنّه إنما يأتي بمأثورٍ
مخصوصٍ، وهو: اللهمَّ إنَّ نستعينُكَ، وفي "البحر" عن "البدائع": ((وقال بعضهم: الأفضلُ في الوتر أن
يكون فيه دعاءٌ مؤقّتٌ؛ لأنَّ الإِمام ربما يكونُ جاهلاً فيأتي بدعاءٍ يشبهُ كلام الناس فتفسُدُ صلاته، وما
رُوِيَ عن "محمَّدٍ" من أنَّ التوقيت في الدعاء يُذهِبُ الرقّةَ من القلب محمولٌ على أدعية المناسك)).
(١) المقولة [٤٠٠٩] قوله: ((وهو مطلق الدعاء)).
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٤٣/أ.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٤٥/٢ باختصار.
(٤) "شرح المنية الكبير": فصل في الوتر صـ ٤١٧ -.
(٥) من ((والظاهر)) إلى ((كما يفيده)) ساقطة من "الأصل".
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١٧٠/١.

الجزء الرابع
٢٣٣
باب الوتر والنوافل
فلفظُ ((يعني)) بيانٌ لمرادِ "محمَّدٍ" في ظاهرِ الرواية، فلا يكونُ هذا القولُ خارجاً عنها، ولذا
قال في "شرح المنية"(١): ((والصحيحُ أنَّ عدم التوقيت فيما عدا المأثورَ؛ لأنَّ الصحابة انَّقوا عليه(٢)،
ولأنّه رَبَّما يجري على اللسان ما يشبهُ كلام الناس إذا لم يُوقِّتْ))، ثمَّ ذكَرَ اختلافَ الألفاظ
الواردة في اللهمَّ إِنَّا نستعينُكَ إلخ، ثُمَّ ذكَرَ: ((أنَّ الأَولى أنْ يَضُمَّ إليه: اللهمَّ اهدني إلخ، وأنَّ ما عدا
هذين فلا توقيتَ فيه، ومنه ما عن "ابن عمر" أنَّه كان يقولُ بعد عذابَكَ الجدَّ بالكفَّار مُلحِقٌ:
((اللهمَّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وأُلْفْ بين قلوبهم، وأصلِحْ ذاتَ بينهم،
وانصرهم على عدوِّك وعدوِّهم، اللهمَّ العَنْ كَفَرَةَ الكتاب الذين يكذّبون رسلَكَ ويقاتلون
أولياءَك، اللهمَّ خالِفْ بين كلمتهم، وزَلْزِلْ أقدامَهم، وأنزِلْ عليهم بأسَكَ الذي لا يُرَدُّ عن القوم
المجرمين)(٣)، ومنه ما أخرَجَهُ الأربعةُ - وحسََّهُ "الترمذيُّ" (٤) -: أَنَّه عليه الصلاة والسلام كان يقولُ
في آخرِ وتره: «اللهمَّ إنّي أعوذُ برضاكَ مِن سخطك، وبمعافاتِك من عقوبتك، وأعوذُ بك
منك لا أحصي ثناءً عليك أنتَ كما أثنيتَ على نفسك))، وغيرَ ذلك من الأدعية التي لا تشبهُ كلامَ
(قولُهُ: ولأَنّه ربما يجري على اللسان إلخ) هذه العلّة إنما تصلُحُ علَّةً للقول الثالث.
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في الوتر صـ ٤١٧-٤١٨- باختصار.
(٢) ((عليه)) ساقطة من "الأصل".
(٣) أخرجه البيهقيّ في "السنن الكبرى" ٢١١/٢ كتاب الصلاة - باب دعاء القنوت، وقال: روي عن عمر صحيحاً
موصولاً، وقدَّم ((اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات)) على قوله: ((اللهم إنا نستعينك))، وذكره النوويّ في "الأذكار"
صـ٤٩- عن عمر ناحته. وانظر "تلخيص الحبير" ١٢٠/١.
(٤) أخرجه أبو داود (١٤٢٧) كتاب الصلاة - باب القنوت في الوتر، والترمذيّ (٣٥٦٦) كتاب الدعوات - باب الدعاء في
الوتر، وقال: حديث حسن غريب من حديث عليّ، والنسائيّ ٢٤٨/٣-٢٤٩ كتاب قيام الليل - باب الدعاء في الوتر،
وفي "الكبرى" كتاب النعوت، كما في "تحفة الأشراف" (١٠٢٠٧)، وابن ماجه (١١٧٩) كتاب إقامة الصلاة - باب القنوت
في الوتر، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٤٢/٣ كتاب الصلاة - باب ما يقول بعد الوتر، والحاكم في "المستدرك" ٣٠٦/١
كتاب الوتر، وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. كُلُّهم من حديث عليّ ◌َلُّته مرفوعاً.

قسم العبادات
٢٣٤
حاشية ابن عابدين
وصحَّ الجدُّ بالكسر بمعنى الحقِّ،
" الناس، ومَن لا يُحسِنُ القنوتَ يقول: ﴿رَبَّثَآءَانِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآيةَ [البقرة - ٢٠١]، وقال
"أبو الليث": يقولُ: اللهمَّ اغفر لي، يكرِّرُها ثلاثاً، وقيل: يقولُ: يا ربِّ ثلاثاً، ذكَرَهُ في
"الذخيرة")) اهـ.
أقولُ: هذا يفيدُ أنَّ ما في "البحر" (١) من قوله: ((ذَكَرَ "الكرخيُّ": [٢/ق ٤٣/أ] أنَّ مقدار
القيام في القنوت مقدارُ سورةٍ ﴿ إِذَالسَّمَاءُالْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق - ١] وكذا ذكَرَ في "الأصل"(٢))) اهـ
بيانٌ للأفضل، أو هو مبنيٌّ على القول بأنَّ القنوتَ الواجبَ هو طولُ القيام لا الدعاءُ، تأمَّل.
هذا، وذكَرَ في "الحلبة"(٣): ((أنَّ ما مرَّ من أَنَّهَ﴿ كان يقولُ في آخر وتره: «اللهمَّ إنّي أعوذُ
برضاك من سخطك إلخ)) جاءَ في بعض رواياتٍ "النسائيّ" (٤): أَنَّه كان يقولُهُ إذا فرَغَ من صلاته
وتبوَّا مضجعَهُ)).
(٥٦٢٣] (قولُهُ: وصحَّ الجِدُّ) قال في "الحلبة"(٥): ((والجِدُّ في: إنَّ عذابَكَ الجِدَّ ثابتٌ في رواية
"الطحاويّ"(٦)))، وفي "البحر"(٧): ((أَنَّه ثابتٌ في "مراسيل أبي داود"(٨)، وبه اندفَعَ قولُ "الشمنيِّ"
في "شرح النقاية"(٩): إنَّه لا يقولُهُ)).
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٤٤/٢.
(٢) "الأصل": باب ما جاء في القيام في الفريضة ١٦١/١.
(٣) "الحلبة": الوتر ٢/ق ٢١٠/أ بتصرف.
(٤) أخرجه النسائيّ ٧٣/٣ كتاب السهو - باب نوع آخر من الدعاء عند الانصراف من الصلاة.
(٥) "الحلبة": الوتر ٢/ق ٢١٠/ب.
(٦) "شرح معاني الآثار" ٢٥٠/١ كتاب الصلاة - باب القنوت في صلاة الفجر.
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٤٥/٢ بتصرف.
(٨) "المراسيل": (٨٩) باب جامع الصلاة.
(٩) المسمى "كمال الدراية"، لأبي العباس أحمد بن محمد، تقي الدين الشُّمُنّيّ، القُسَنْطينيّ الأصل، الإسكندريّ
(ت٨٧٢هـ)، وهو في شرح "النقاية" لعبيد الله بن مسعود، صدر الشريعة الثاني المحبوبيّ (ت٧٤٥هـ) ("كشف
الظنون" ١٩٧١/٢، "الضوء اللامع" ١٧٤/٢، "الطبقات السنية" ٨١/٢).

الجزء الرابع
٢٣٥
باب الوتر والنوافل
ومُلحِقٌّ بمعنى لاحقِ، ونَحفِدُ بدالٍ مهملةٍ، يعني: نُسرِعُ، فإنْ قرَأَ بمعجمةٍ(١)
فسَدَتْ، "خانَيَّة"(٢) ..
.
[٥٦٢٤] (قولُهُ: ومُلحِقٌّ بمعنى لاحِقٍ) مبتدأٌ وخبرٌ، وهو بكسرِ الحاء، هذا هو المشهورُ، ونصَّ
غيرُ واحدٍ على أنَّه الأصحُّ، ويقالُ بفتحها، ذكَرَهُ "ابن قتيبة(٣) وغيرُهُ، ونصَّ "الجوهريُّ(٤).
((على أَنَّه صوابٌ))، كذا في "الحلبة"(٥).
قلت: بل في "القاموس"(٦): ((الفتحُ أحسنُ أو الصوابُ))، تأمَّل.
[٥٦٢٥] (قولُهُ: بمعنى لاحِقٍ) أي: أنَّه من أَلْحَقَ المزيدِ بمعنى لَحِقَ المحرَّدِ، وفي
"الشرنبلاليّة"(٧): ((أنَّ "المطرِّزِيّ"(٨) صحَّحَ أنَّ المراد مُلحِقُ الفُسَّاقِ بالكفّار، والأوَّلُ أَولى احترازاً
عن الإضمار))، وتمامُهُ فيها.
قلت: ولعلَّ ما صحَّحَهُ "المطرِّزِيُّ" - وهو صاحبُ "المغرب"، تلميذُ "الزمخشريِّ"، وشيخٌ
(قولُ "الشارح": فإنْ قرأ بذالِ معجمةٍ فسَدَتْ) يظهرُ على مذهب المتقدِّمين لا على ما اعتمدَهُ
المتأخّرون من أنَّ تبديل حرفٍ بحرفٍ لا يُفسِد.
(قولُهُ: ولعلَّ ما صحَّحَهُ "المطرِّزِيُّ" إلخ) ليس في عبارة "المطرِّزِيِّ" ما يفيدُ أَنَّه بنى كلامَهُ على
مذهبِ الاعتزال من تخليدِ العصاة.
(١) في "ب": ((فإن قرأ بذال معجمة)).
(٢) "الخانية": كتاب الصلاة - فصل في قراءة القرآن خطأ وفي الأحكام المتعلقة بالقراءة ١٤٩/١ بتصرف (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٣) "غريب الحديث"١٧/١ في الصلاة وأوقاتها وما يعرض من الألفاظ في أبوابها.
(٤) "الصحاح": مادة ((لحق)).
(٥) "الحلبة": الوتر ٢/ق٢١١/أ.
(٦) "القاموس": مادة ((لحق)).
(٧) "الشرنبلاليّة": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ١١٣/١ بتصرف.
(٨) "المغرب": مادة ((قنت))، لكن عبارته: ((وقيل: المراد: مُلحِقٌ بالكفّارِ غيرَهم، وهذا أوجه للاستئناف الذي معناه التعليل)).

قسم العبادات
٢٣٦
حاشية ابن عابدين
كأنَّه لأنّه كلمةٌ مهملةٌ (مُخافِتاً على الأصحِّ مطلقاً) ولو إماماً لحديثٍ: ((خيرُ
الدعاء الخفيُّ)(١). (وصحَّ الاقتداءُ فيه).
صاحبِ "القنية" - بناه على مذهبهم الفاسدِ مذهبِ الاعتزال من أنَّ عصاةً المؤمنين مخلَّدون
في النار كالكفَّار.
[٥٦٢٦] (قولُهُ: كأَنَّه لأَنّه كلمةٌ مهملةٌ) كذا في "البحر"(٢)، لكنْ فيه أَنَّه وَرَدَ في صفةِ البُراق:
له جناحان يَحفِذُ بهما، أي: يستعينُ على السير، "ط)) (٣).
[٥٦٢٧] (قولُهُ: على الأصحِّ) كذا في "المحيط"، وفي "الهداية"(٤): ((أَنّ المختارُ))، ومقابلُهُ ما
في "الذخيرة": ((واستحسنوا الجهرَ في بلاد العجم للإمام ليتعلَّموا، وفصَّلَ بعضهم بين أنْ يعلَمَهُ
القومُ فالأفضلُ للإمام الإِخفاءُ، وإلاَّ فالجهرُ)) اهـ.
قلت: هذا التفصيلُ لا يخرُجُ عمَّا قبله، وفي "المنية"(*): ((مَن اختارَ الجهر اختارَهُ دون جهرِ
القراءة)).
[٥٦٢٨] (قولُهُ: ولو إماماً) قال في "الخزائن"(٦): ((إماماً كان أو مؤتَمَّاً أو منفرداً، أداءً أو
قضاءً، في رمضانَ أو غيره)).
[٥٦٢٩] (قولُهُ: لحديثِ إلخ) أفادَ أنَّ [٢/ق٤٣/ب] المخافتة ليست واجبةً، "ط))(٧).
(قولُهُ: لكنْ فيه أنَّه ورَدَ إلخ) قلت: الذي في صفةِ البراق إنما هو بزاي معجمةٍ في آخره كما في
"مجمع بحار الأنوار" وغيره لا بذال منقوطةٍ. اهـ "سندي".
(١) أخرجه أحمد ١٧٢/١، وأبو يعلى (٧٣١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥٥٣)، من حديث سعد بن مالك. وقال
الشيخ شعيب حفظه الله في حاشيته على "مسند الإمام أحمد": إسناده ضعيف.
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٤٥/٢.
(٣) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٨٠/١ بتصرف يسير.
(٤) "الهداية": كتاب الصلاة - باب صلاة الوتر ٦٦/١.
(٥) انظر"شرح المنية الكبير": فصل في الوتر صـ٤٢٣- بتصرف.
(٦) "الخزائن": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ق ١٢٤/ب.
(٧) "ط": كتاب الصلاة - باب الوتر والنوافل ٢٨٠/١ بتصرف يسير.